ميراث

كان مُشرِّع ذلك العهد في مصر يُجيز الوقف الأهلي، وكان فقهاؤه يُقررون أن شرط الواقف كنص الشارع. فكان كثيرون يتخذون من نظام هذا الوقف وسيلةً للتخلُّص من أحكام الميراث الثابتة في القرآن الكريم. يَحرمون به ورثتهم مَن يريدون حرمانه، ويتخطَّوْن به أحكام الوصية؛ إذ كانت لا تجيزها لوارث إلا إذا أقرَّها سائر الورثة، ولا تجيز الوصية لغير وارث في أكثر من الثلث، لقوله عليه السلام: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير؛ لأنْ تَتركَ أولادَك أغنياء خيرٌ مِن أن تتركهم عالةً يَتكفَّفونَ الناس.»

وشاعت في ذلك العهد عند ذوي اليسار، وعند المتوسطين كذلك، فكرةُ حرمان البنات من التَّرِكة، أو جَعْلهنَّ تَبَعًا لإخوتهن الذكور، يَنَلْنَ منهم نفقةً تكفيهنَّ العيش المتواضع. ذلك أنهم كانوا يعتبرون أن البنات يخرجن من الأسرة يتزوجن، والملك ملك الأسرة، فلا يجوز أن يأخذ أزواج البنات. أما والشرع يجيز حرمان البنات بالوقف، فلا وِزْرَ عليهم في حرمانهن. وأزواجهن ملزمون شرعًا بالإنفاق عليهن، فإن لم يتزوجن، فلهن على إخوتهن الذكور نفقة تكفل الكفاف!

وكان عاكف بك من المؤمنين بحرمان البنات إيمانًا عميقًا؛ لذلك رأى أن يقف أملاكه الواسعة على الذكور من ذريته. فلما كان في المحكمة الشرعية لتحرير وقفيته، مس قلبه شيء من الرحمة، فنص فيها على أن يكون للإناث من الذرية نفقة يدفعها لهن إخوتهن الذكور. ولم يرد بخاطره أن يورد نصًّا على ما يجري إذا كان الورثة كلهم إناثًا، اقتناعًا منه بأن ذلك لا يمكن أن يحدث في أسرته، أو نسيانًا منه لهذا الاحتمال!

وتوراث ذريته هذا الوقف جيلًا بعد جيل، ولم يحدث بالفعل أن خلا الورثة في الأجيال الأولى من واحد أو أكثر من الأولاد الذكور يعيش أخواته البنات في كنفهم، ويتمتعن برعايتهم وعطفهم. وتكاثرت فروع الأسرة على الأجيال، وحدث أن مات الذكور جميعًا قبل الإناث في أحد فروعها، فاختصم الذكور — من فرع آخر — هاتيك الإناث، يطلبون الانفراد بريع الوقف كله، نزولًا على شرط الواقف. وأقر القضاء وجهة نظر هؤلاء الذكور، ولم ينل الإناث الباقيات من الفرع الذي مات ذكوره كبير ضرر؛ فقد كُنَّ في عصمة رجال ذوي يسار، فلم يزعجهن هذا الحكم، وإن أزعج أزواجهن بعض الإزعاج.

•••

وتعاقبت الأجيال كرة أخرى، ثم أخذت تنقرض شيئًا فشيئًا، حتى آل معظم الوقف إلى الشاب المهذب الرقيق «عبده عاكف». وكان طبيعيًّا أن يعيش هذا الشاب عن سعة، وألَّا يعني نفسه بأمر غده، وله من إيراد الوقف ما يغنيه عن عمل وكل عناء. وطمعت كثيرات من بنات طبقته في الزواج منه، ثم وقع اختياره على «هيفاء»، مما دَلَّ على حسن ذوقه وتقديره. فقد كانت هيفاء — إلى جمالها — تعدله في كرم النسب، وإن لم تكن تعدله في سعة الثراء. صحيح أنها ورثت عن أبيها ما يكفل لها عيشًا كريمًا، لكن ما ورثت لم يكن يكفل أكثر من هذا العيش الكريم.

وقبل أن تدور السنة أنجب الزوجان طفلة بارعة الجمال، اغتبطا بها أشد الاغتباط. ولم يَدُر بخاطر أيهما ذِكْرٌ لوَقْف عاكف بك وشروطه، فهما لا يزالان في إقبال الشباب: وهما يذكران ما يجري على ألسنة النساء: «خيركن من بُشرت بأنثى.» لذلك خلعت الأم على طفلتها من ألوان العناية والرعاية ما زاد الأب تعلقًا بها وحبًّا لأمها. وأخذت الصغيرة تنمو وتكبر، وتملأ البيت على أبويها بضحكاتها ولعبها وعبثها، فتزيدهما تعلقًا بها، ورعاية لها.

وبعد سنتين وضعت الأم الشابة بنتًا ثانية، فلم يُغَيِّرْ ذلك من مرح الأسرة وغبطتها. فالشباب لا يسهل أن تشوب الهموم أجواءَه. إن أمامه في الحياة أملًا طويلًا عريضًا، فما يفوته اليوم يمكن تحصيله غدًا. ولم تبلغ «هيفاء» بعدُ الثالثة والعشرين من عمرها، لِيدور بخاطرها ما قد يُخَبِّئ الغد بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة من أيام زَوجيَّتها السعيدة الهنيئة. أما أمها فلم تلبث حين رأت الوليدة الثانية، أن ذَكَرَتْ وقف عاكف بك وشروطه، وهي تستعجل الغلام الذي تطمئن به إلى أنَّ ابنتها وحفدتها، سيكونون في رخاء من العيش، يستمتعون من رغد الحياة بخير أَنْعُمِها. ولقد جاوزت هذه الجدة الشباب إلى الكهولة، فهي حريصة على أن تطمئن في حياتها على مستقبل هؤلاء الحفدة الأعزاء!

ولم تذكر لابنتها ما دار بخاطرها، لكن ما ارتسم على محياها ساعة تنفست هذه الطفلة الثانية ريح الوجود، لم يُعَبِّر عن شيء من الغبطة، وإن دفعها حنانها الطبيعي للعناية بالطفلة أشد العناية!

وبعد سنتين كذلك، أنجبت هيفاء طفلة ثالثة، رَوَّع مولدُها قلبَ جدتها، حتى تمنت لو لم تولد. وبلغ روع الجدة حد الثورة حين أنجبت هيفاء بنتًا رابعة بعد سنتين أخريين، فأنحت باللائمة على ابنتها، وألقت عليها وِزْر ما حدث، وكأن للأم الخيار في إنجاب البنت أو الولد.

وبكت هيفاء، ثم قالت تُعاتب أمها: «هذه خيرة الله يا أماه، وأنا لم أبلغ بعدُ الثلاثين، ورحمة الله واسعة …»

وحملت هيفاء للمرة الخامسة، وإنها لَتعاني سقم الحمل؛ إذ مرض زوجها مرضًا لم يمهله أيامًا حتى اختطفه الموت من بين أحضانها. وحزنت الشابة عليه أشد الحزن، وذكرت يُتْمَ بناتها، ونظرت إلى مستقبلها ومستقبلهن، بعين لا ترقأ لها دمعة. أما أمها فأفزعتها هذه الوفاة، لا حزنًا على الزوج الذي مات، بل إشفاقًا أن تلد ابنتها بنتًا خامسة، فلا يكون لهاتيك الصغيرات من وقف عاكف بك نصيب، ولا يكاد ما ورثته أمهن عن أبيها يكفيهن عيش الكفاف.

وزاد في فزعها وانزعاجها ما ترامى إلى سمعها من أن سلائف ابنتها يبذلن النذور لأولياء الله الصالحين أن تلد هيفاء بنتًا ليعود الوقف إلى أزواجهن، وليستمتعوا بإيراده الوفير!

ماذا عسى أن يكون مصير هيفاء وبناتها إذا استجاب الأولياء لنذور هؤلاء الأقارب؟ وهل تَدَعُ هذه الجدة الأمور للأقدار والرزاق هو الله؟ أم أن عليها لهيفاء وبناتها واجبًا أن تُنقذهنَّ من مصير مظلم بأية وسيلة ممكنة؟!

والوسيلة لإنقاذهن أن تلد هيفاء ولدًا يحفظ الوقف له ولها ولأخواته البنات. لا بد إذن من أن تلد هيفاء ولدًا. والعلم لم يصل بعدُ إلى تعيين النسل، فالأمر لا يزال في يد القدر. أوَلَا تستطيع هذه الجدة أن تكفل لابنتها ما لا يكفله العلم، فيكون مولودها ذَكَرًا بأية حال؟ هنالك تنازعها عاملان: الوازع الديني، الذي يجعل معاندة القدر ذنبًا يُجزى مُجْتَرِحُه في الحياة الآخرة، وقد ينال عنه جزاءً قاسيًا في الدنيا. ووازع المحافظة على نعمة الحياة لهاتيك القوارير الناعمات، اللاتي لم يعرفن خشونة العيش قطُّ. وانتهى هذا التنازع إلى غلبة الوازع الدنيوي، فلا بد أن تلد هيفاء ولدًا ذَكَرًا بأية حال!

•••

وولدت هيفاء ولدًا ذَكَرًا، فتصايح أقارب زوجها بأن أمها دَسَّتْ في فراش الوضع غلامًا، وذهب بعضهم إلى أن الأم الشابة لم تلد، بل لم تحمل، وأن هذا الطفل الغلام دَسَّتْهُ أمها في فراشها للاستيلاء على الوقف وريعه!

ورفع هؤلاء الأقارب الأمر إلى القضاء ليحكم بأن الطفل ليس ابنًا لعبدُه عاكف، فلا حق لبناته في وقف جدهن؛ إذ ليس لهن أخ يُعصِّبهنَّ ويَعْصِمهُنَّ من فقر مُدْقِع!

وسمع القضاء الدعوى، فلم يأذن بما طلبه أقارب الزوج المتوفى، من تحليل دم الغلام الطفل، وتحليل دم أخواته البنات، والمقارنة بين هذه التحاليل. وسبب رفضه هذا الطلب بأن تكوين الدم قد تتغير طبيعته على السنين بتغير أحوال الصحة والمرض، وبتقدم السن. وعلى ذلك قضى بأن الولد للفراش، وأن «عمر» — فكذلك سمت هيفاء ابنها — ابن شرعي لعبده عاكف!

وقال أقارب الزوج يومئذ: إن القضاة غلبهم بِرُّهم ورحمتهم بتلك الصغيرات المحتاجات إلى الأخ العاصب؛ ليظل إيراد الوقف لهن ولأمهن.

وكذلك ثبت للبنات حقهن في العيش الرخيِّ الكريم.

واغتبطت هيفاء، واغتبطت أمها، لهذا الحُكم، وصار «عمر» موضع إعزازهما الذي لا حد له، وموضع إشفاقهما كذلك أن يصيبه مكروه يُضيع على البنات الأربع مورد رزقهن. لذلك كانتا تتناوبان العناية به والسهر عليه، ولا ترضيان أن تدعاه إلى مرضع أو مربية، خشية الأقارب الذين طمعوا في الوقف، وقاضوا الأم للاستيلاء عليه … أن يعملوا على اختفاء الطفل، أو على موته!

وبالغت هيفاء في إعزاز عمر، مبالغة تجاوزت حتى جنون الأمومة، ودهش لهذه العناية من كانوا يقسمون إنه ليس ابنها، وإن أمها دسته في فراش وضعها، وكأنما نسوا أنه لم يكن ابن أحشائها حقًّا، فإنه الروح والحياة لهاتيك البنات الأربع، اللاتي يصبحن لولاه في حكم المعدومات، فيعشن عيشًا خشنًا، لم تألفه هيفاء حياتَها، ولم يدر بخاطرها في يوم من الأيام أن يكون نصيب ذريتها!

وهل تراها، لولا الرجاء في رغد الحياة ونعمائها، كانت ترضى أن تتزوج عبده عاكف؟

صحيح أنها كانت تحبه، لأنه كان مهذبًا ورقيقًا، لكنها تحبه كذلك ليساره، فلا تخشى خشونة عيش لها ولا لذريتها في كنفه.

•••

وبدأ الغلام يكبر بعين أمه، وأكبر همها أن تجعل منه، وهو الذي يشتبه بعضهم في نسبه، رجلًا جديرًا باسم زوجها وبها. بل لقد طمعت حين توسمت في عينيه بريق الذكاء، في أن تراه يومًا عظيمًا يشار إليه بالبنان؛ لذلك لم تضنَّ لحسن تربيته بشيء: كانت تُلبسه منذ صباه الباكر أحسن ملبس، فلما آن له أن يذهب إلى المدرسة اختارت له أحسن مدرسة في العاصمة، واختارت له كذلك مُربية تشرف على تعليمه وتنشئته، ثم إنها عَوَّدت أخواته البنات على أن يَنظرْنَ إليه نظرة إكرام وإعزاز، طامعةً أن يزيد ذلك في نفسه محبتهن، وفي نفوسهن محبته، وأن تجعل منه ومنهن أكرم أسرة تعتز بها كهولتها، ويخلد بها اسم الرجل الذي أحبته، والذي غاله الموت وهو في عنفوانه!

وكان الغلام في بوادر نشأته رقيقًا؛ لأنه كان الذَّكَر الوحيد بين إناث ست: أخواته الأربع وأمه وجدته، لكنه ما لبث حين اختلط بالتلاميذ في المدرسة أن زايلته هذه النعومة، وأن حلت محلها خشونة لا تخلو من عنف. ولم تكن أمه عنيفة ولم يكن أبوه عنيفًا، وبلغ من عنفه حين بدأ يحس بقوة عضلاته أن تبدلت معاملته لأخواته، وإن لم تتغير معاملتهن له، فكان يقسو بهن، وكان يرفع يده أحيانًا عليهن، وكان يضطر الأمَّ للتدخل أحيانًا بينه وبينهن.

ولم تكن هيفاء تضيق بعنف عمر، أو تزيد في تدخلها بينه وبين أخواته، على مألوف ما تبذله الأم من نصح يشوبه العطف والحنان.

وكانت تلتمس له من العذر أن يتخطى الصبا إلى الشباب إيذانًا بإقبال الرجولة، فكانت تنسب إلى طيش الشباب كل ما يقع منه، وكان لها عذرها عن هذا التسامح معه. فلو أنه لم يكن ابنها الذي أنجبته من لحمها ودمها فهو ابنها الذي ضمته إلى صدرها رضيعًا، ثم أنشأته من يومئذٍ إنشاء ربط بينه وبينها بمثل رابطة البنوة والأمومة!

ونحن نحب كل ما نربيه من أعماق نفوسنا وحبات قلوبنا. وعمر — إلى ذلك — هو وارث عبده عاكف، وهو الذي عصمها وعصم بناتها الأربع من مَتْرَبةٍ ما كان أفظع شبحها يوم توفي زوجها، ويوم خُيِّل إليها أن الغد يخبئ لها عَيْلة إن تحققتْ ناءت بها، وأفسدت عليها كل حياتها!

ولم يقف عنف عمر وطيش شبابه عند القسوة بأخواته، بل بدأ هذا الطيش يصرفه عن دراسته، فيؤدي ذلك إلى رسوبه في امتحاناته، ويضيِّع على هيفاء أملها في أن تراه رجلًا عظيمًا. لكنها بقيت مع ذلك شديدة البِر والعطف عليه، ترى فيه رب البيت، والوارث لاسم أبيه، ولوقف عاكف بك.

وأخذت نزوات عمر تزداد، وتدفعه إلى ألوان من الطيش، كانت هيفاء تحتملها في صبر وسكون، وتدعو الله أن يكفي ابنها شر أولاد الحرام من الجنسين. لكنها ضاقت ذرعًا بهذا الطيش، حين علمت أن عمر يجتمع بطائفة من أقارب زوجها، ويلهو معهم. ولم يكن ضيقها بما ينفقه في هذه الاجتماعات، بل كانت تخشى أن يتخذ أقارب زوجها من اجتماعهم بعمر وسيلة لإفساده عليها وعلى بناتها.

وبناتها في سن الزواج، وهن في حاجة ليتزوجن إلى عطف أخيهن ورعايته وحُسن سمعته!

وفكرت هيفاء في الأمر طويلًا، كما فكرت في انصراف ابنها عن دراسته، فرأت أن تبعث به إلى أوروبا، ليتم الدراسة بعيدًا عن أقارب زوجها، ولتُزَوِّج هي بناتها في أثناء غيابه، وتُجهزهن الجهاز الواجب لمثيلاتهن!

واغتبط الفتى بهذا السفر، لا حرصًا على النجاح في دراسته، بل لما تخيله في أوروبا من ألوان المتاع التي ترضي نزق شبابه، بعيدًا عن رقابة أمه. وكان أكبر همه منذ استقر في أوروبا، بالمدينة التي قبلته مدرستُها، أن يحصل من أمه على أكبر قسط من المال، يُرضي نزوات طيشه. أما المدرسة فكانت عنده أمرًا ثانويًّا، كل غايته منه أنه حجة لبقائه بعيدًا عن كل رقابة.

وأرخى الفتى العنان لنزغ الشيطان، وجعل ينفق عن سعة في ألوان من اللهو الظاهر والخفي، ليبدو أمام زملائه وصديقاته في مظهر الغَنِيِّ المُتْرَف المطمئن إلى غده، المستغني عن كل عمل يحصل منه على رزقه!

وما حاجته أن يعنِّيَ نفسه، للحصول على درجة علمية، وقد أنبأه أقارب أبيه بأن الوقف يكفل له عيش الترف الذي يطمع فيه. وأنه متى بلغ رشده أصبح المتصرِّف في هذا الوقف بما يهوى، يعطي أخواته البنات كفافهن، ويبعثر الذي يبقى بغير حسيب ولا رقيب!

ولم يبق بينه وبين سن الرشد غير سنة وبعض السنة، ثم يكون بعد ذلك السيدَ الذي لا يراقبه أحد، ولا يحاسبه أحد!

وإنه لسادِرٌ في ملاذه وأهوائه، إذ جاءته من مصر رسالة أزعجته عما هو فيه؛ فقد جاء فيها أن أمه تستدين على إيراد الوقف استدانة تكاد تستغرق هذا الإيراد لسنوات عدة مقبلة، وأن مستقبله يقتضيه أن يعود إلى مصر محافظةً على ماله، فإنْ فعل وبدا له بعد ذلك أن يرجع إلى أوروبا، فالشأن شأنه. أما أن يغفل الأمر فسيجد نفسه عما قليل مستغرقًا في الدين. وذكر صاحب الرسالة أنه على استعداد لمعاونته في إنقاذ الوقف جهد المستطاع!

وكان صاحب الرسالة أحد الأقارب الذين قاضوا هيفاء حين مولد عمر، منكرين نسبه لأمه، فلا حق له مِن ثَمَّ في الوقف. ولم يفطن عمر إلى ما لعلَّ صاحب الرسالة يريده من انتقام من هيفاء؛ لأن جزع الفتى على ألَّا يجد المال الذي يرضي أهواء شبابه، أنساه التفكير في كل شيء، غير المال وما يتجه له من متاع!

وكتب إلى أمه يريد العودة إلى مصر، فلم تلبث حين تلقت خطابه أن بعثت إليه بنفقة العودة، مغتبطة بها، ظنًّا منها أن عمر سئم أوروبا لأنه لم ينجح في دارسته، واقتناعًا منها بأنه متى عاد استطاعت توجيهه في الحياة، توجيهًا ينفعه وينفع الأسرة كلها!

•••

لم يلبث عمر — حين بلغ القاهرة — أن ذكر لأمه أنه يريد أن يتولى إدارة الوقف بنفسه، وأن يعرف حساب الوقف وما له وما عليه. ودهشت الأم لما طلب، وخيل إليها أنها تستطيع برقتها وحنانها أن ترده إلى حِمى البنوة المطواع. وأغدقت عليه من هذا الحنان وهذه الرقة ما يمتلئ به صدرها الذي لا ينضب مَعِين عطفه. لكنه أصر على أنها إن لم تجبه إلى طلبه استعان عليها بأقارب أبيه، وذَكَّرها بأنه قارب سن الرشد، وبأنه صاحب الوقف والمتصرِّف المطلق في إيراده، فإن لم تنزل على إرادته اليوم، فستنزل عليها بحكم القانون عما قليل، ويومئذ يفقد أخواتُه البنات عطفَه عليهن بسببها، ويحاسبها الحساب العسير عن إدارة الوقف كل هذه السنين.

سمعت الأم المسكينة هذا الكلام فأفزعها، وعادت بذاكرتها إلى يوم زهوها بأنها أنجبت هذا الغلام، وكفلت بمولده مستقبل بناتها، ونشرت أمام بصيرتها ما احتملت عشرين عامًا حسومًا، منذ مولده إلى اليوم الذي وَجَّه فيه هذا الإنذار! ذكرت مقاضاة أقارب أبيه إياها وهو ما يزال في قماطه، وما كانت نفسها تضطرب به إذ ذاك من مخاوف لم تكن خسارة الدعوى أيسرها. فلو أن القضاء لم يحكم ببنوة عمر لعبدُه عاكف، لَتعرضت من قالة الناس لأضعاف ما تعرضت له، ولتعرضت أكثر من ذلك لبأس قانون العقوبات وصرامته. ثم ذكرت حدبها عليه، ورعايتها إياه طفلًا، بأكثر مما ترعى أيُّ أم ابنها؛ لأنها كانت ترعى فيه أخواته البنات كذلك. وذكرت ليالي سَهَرِها إلى جانب سريره مريضًا، وهي في حيرة وقلق تأخذ المخاوف بخناقها، إشفاقًا عليه وعلى أخواته. وذكرت من دقائق ما احتملت في سبيل تربيته وتعليمه طوال هذه السنوات العشرين، ما أثار دهشتها!

كيف سولت له نفسه، بعد هذا كله أن يخاطبها باللهجة التي خاطبها بها؟ ولو أن وقف عاكف بك لم يضع في يده كل هذا السلطان، لرعى في حقها حرمة الأمومة، أو حرمة التربية على الأقل!

•••

استدار العام وبلغ عمرُ رُشده، فلم يبطئ أن رَفَعَ الدعوى على أمه يطلب تَسلُّم الوقف، وتقديمها الحساب عن سني إدارتها. وتسلمت هيفاء إعلان الدعوى، فتولتها الحيرة أي موقف تقفه منها: أتستسلم وتسلم الوقف لابنها مقابل إقراره حسابها؟ ولكن هَبْهُ رفض بتأثير أقارب أبيه، وذَكَرَ في المحكمة ما عرضَتْه عليه، أفلا يُضعف ذلك مركزَها أمام القضاء؟ وهَبْهُ قَبِلَ وتَسلَّم الوقف، واستولى على إيراده، ثم لم يُعْطِها ولم يعط أخواته ما يكفل لهن العيش الكريم، أفتقاضيه يومئذ؟

وأدت بها هذه الحيرةُ إلى ثورة نفسية، قالت على أثرها فيما بينها وبين نفسها: وما لي لا أقف منه اليوم ما وقفتُ من أقارب أبيه بالأمس … فأناضل عن بناتي، وهن أشد اليوم حاجة إلى نضالي عنهن بالأمس، والقدر الذي أنصفني بالأمس سينصفني إلى شاء الله غدًا، وسينصرني على هذا العاق، الذي جحد كل حق للحنان، وللعطف وللتربية، وللأمومة؟

واستشارت محاميها، فأقرها على رأيها. فلما كان موعد نظر الدعوى، طلب إلى المحكمة أن تأمر بضم دعوى النسب التي رُفِعَتْ على هيفاء، فأنكر بعضهم فيها نسب عمر إلى أبيه. وأجاب القضاء هذا الطلب، وقدمت هيفاء الحساب عما أنفقت على عمر وعلى أخواته طوال هذه السنين. ودهش القضاة حينما اطلعوا على ملف دعوى النسب، وتساءلوا فيما بينهم: أكان عمر يقف من هيفاء هذا الموقف لو أنه كان ابنها حقًّا؟ لكن القضاء حكم من قبل بثبوت نسبه لأبيه حكمًا لا سبيل إلى إعادة النظر فيه. وهيفاء قد بذلت من حنانها وروحها، لهذا الذي جَحَد فَضْلَها، وكَفَرَ بنعمتها، ما يجعلها جديرة بكل عطف. لكن لعمر في الوقف حقًّا لا يستطيع أحد إنكاره، والقضاة يستطيعون اعتماد الحساب الذي قدمته أمه، فأما إن تسلَّم الوقف وأساء معاملة أخواته، فماذا يكون مآلهن؟

ازداد القضاة حيرة حين علموا أن عمر هجر بيت أمه، من يوم أن بلغ رشده، ووقف منها موقف خصومة عنيفة، أعانه عليها أقارب أبيه، الذين أنكروا من قبل بنوته.

فماذا يفعل هؤلاء القضاة ليكون حكمهم عدلًا بين الجميع، محققًا مصلحة الجميع؟

وتحدث الناس وقتئذٍ إلى أن المُشرِّع يعتزم إلغاء الوقف الأهلي، ليمنع عبث العابثين بأحكام الشرع في الميراث والوصية. ورأى القضاة فيما سمعوا متنفسًا لهم، فأجَّلُوا دعوى عمر ثم أجلوها، حتى صدر قانون بإلغاء الوقف الأهلي. وعند ذلك أصدروا حكمهم، باعتبار ما آل من الوقوف إلى عبده عاكف تركةً تُقسَّم بين أولاده جميعًا، وتَرِثُه فيها زوجته. أصدروا هذا الحكم وكانوا يودون لو استطاعوا حرمان هذا العاق أمه من كل التركة، لكن الحكم الأول بثبوت نسبه جعل ذلك مستحيلًا.

واغتبطت هيفاء بهذا الحكم، واطمأنت به على مستقبل بناتها، لكنها بقيت حاقدة على هذا الابن، الذي نسي كل بِرِّها وحنانها، وحاول أن يستأثر دون أخواته بوقف حرَّم ما أحل الله، ونقض ما أثبت كتاب الله!

ولم تكن هيفاء تأبى حين يجري حديث حياتها مع عمر أن تقول: «إني أكرهه، ولكن العرق دساس!»

عرق مَنْ؟! وهل كرهت أمٌّ ابنَها من أجل بناتها؟! أم «إنَّ من … وأولادكم عدوًّا لكم فاحذروهم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١