بأعمالكم تؤجرون

كان رب الأسرة من أعيان قرية في مصر الوسطى، وقد أنجب ست بنات، ولم ينجب لهن أخًا، ثم توفي في بواكير كهولته تاركًا لأرملته وبناته ثروة معقولة. وكان ثلاث من بناته قد تزوجن في حياته وبقي ثلاث ينتظرن الزواج.

وكانت «زهرة» صغراهن أرقهن طبعًا، وأكثرهن خفرًا، وأملحهن وجهًا، وهي بعدُ في الثالثة عشرة. وطبيعي ألا يدور بخاطرها تفكير في الزواج قبل أن تتزوج أختاها اللتان تكبرانها.

وكانت أمهن من بنات الأعيان في القرية، ولم تكن تفكر في الزواج بعد زوجها، فإذا ألمحت إحدى صاحباتها إلى شيء، قالت: الخير أن نتحدث عن زواج بناتي الثلاث!

وكان لهذه السيدة الأرمل، قريب يقيم بالإسكندرية، في شيء من سعة الرزق يستمتع به مع زوجته وبنيه. وبعد زمن جاء هذا القريب إلى القرية، ليحضر زفاف الكبرى من البنات الثلاث اللاتي لم يتزوجن في حياة أبيهن. فلما أزمع العود إلى الإسكندرية، قال لقريبته: إن زهرة لا تزال في بواكير صباها، فماذا عليك لو أخذتها إلى الإسكندرية، تعيش معنا، وتجد في حياة المدينة هناك ما يُرفِّه عنها، وما يصقلها؟ إنها فتاة رقيقة حسنة الاستعداد، فحياتها في الإسكندرية تخلق منها شخصًا آخر، تطمئنين له وتسعدين به.

وترددت الأم الأرمل، فألح عليها قريبها حتى قبلت، وسافرت الفتاة مع خالها إلى الثغر، وانضمت إلى أسرته فيه. ولم تضق بها زوجه، بل وجدت فيها معوانًا على خدمة البيت، ووجدت فيها رغم حيائها ذكاءً ومرحًا يتفقان مع ذكائها هي ومرحها. فأبدلتها من ثوبها الريفي ثيابًا حضرية أنيقة، وجعلت تصطحبها معها إلى الأسواق، لترى وتسمع وتتعلم حياة الحضر.

وفرحت الفتاة بهذه الحياة الجديدة، فلما انقضى على مقامها بالإسكندرية عدة أشهر، كانت قد كسبت ثقة خالها وزوجته وأبنائه، فكانت الزوجة تعهد إليها في شراء ما لا يتسع وقتها لشرائه.

وبعد عام وبعض العام، أصبحت زهرة فتاة سكندرية، صقلتها حياة المدينة، وجعلت منها في هندامها وحركاتها وحديثها، فتاة حضرية بالمعنى الكامل، وجعلت من ملاحة وجهها، واعتدال قوامها، وشديد خفرها، ورقة حديثها، مسرحًا لعين كل شاب يراها ويرى ابتسامة ثغرها الجميل!

وكان لامرأة خالها قريب قليل التردد عليها، فلما رأى زهرة أول حضورها من الريف، وسمع حديثها الصعيدي سخر منها، وإن أعجبته ملاحة وجهها. وكان شابًّا ماجنًا، ولكنه كان ظريفًا ذكيًّا. وكان «أسعد» هذا ربعة في الرجال، عريض المنكبين، مفتول العضل، أشربت بشرته حمرة جعلت زرقة عينيه أكثر وضوحًا، وشعره الذهبي أكثر جمالًا. وكان كلما رأى زهرة عابثها بصعيديتها وإن أعجب فيما بينه وبين نفسه بما كان يطرأ على تكوينها من تغيير، وفي سلوكها من اندماج في حياة هذه المدينة، التي ولد بها وتربى فيها، فهي عنده الكمال.

فلما تجاوزت زهرة السابعة عشرة، وكملت أنوثتها فأصبحت فتنة للأعين، أخذ أسعد ينتهز الفرصة لمغازلتها كلما خلا له الجو من حولها. لكن الفتاة كانت تصده، وبلغ صدها إياه أحيانًا مبلغ العنف، وتشعره بأنها ليست من هاتيك اللواتي يسهل استهواؤهن من بنات المدينة، بل هي صعيدية، النار عندها ولا العار، والمغازلة هي أول العار.

وجرح مسلكها هذا كبرياء أسعد، واعتزازه برجولته وجمال صورته، فرأى أن لا بُدَّ له من أن يملك هذه الفتاة التي تتحداه وتتعالى بجمالها عليه. وأول ما صنع من ذلك أن بدل سلوكه معها كل التبديل. فكان إذا انفرد بها، أظهر لها من الاحترام ما يكاد يعدل عدم الاكتراث لجمالها ورقتها. وإذا لقيها في الطريق تحمل مشترياتها، أسرع إليها في أدب جم، وحمل هذه المشتريات عنها. وإذا جاء إلى بنات قريبته ببعض الهدايا حرص على تنويعها ليجيء لزهرة بهدية أنفس وأجمل. وكثيرًا ما كان مجونه يضيق بتكلفه هذا السلوك المخالف لطبعه، لكنه قدر أنه لن يبلغ غايته إلا إذا كسب ثقتها. ولا رجاء في كسب هذه الثقة إلا أن يعاند فطرته، ويجري مع زهرة على غير سجيته، وإن كلفه ذلك عناء.

وانتهى إلى كسب ثقتها، بعد أشهر من المجهود الذي كان ينوء به، فلان له حديثها، وراحت تصغي في ارتياح إلى حديثه، فشجعه ذلك على المضي في خطته، فكسب قلبها كما كسب ثقتها وبخاصة حين أخذ يُدخل في روعها أن أسعد الناس من تصبح هي زوجته!

وسعدت هي بتلميحه، وتمنت لو يصبح هو هذا الزوج، فحياة الإسكندرية غير حياة قريتها. وأسعد ظريف رقيق رغم مجونه. تُرى أترضى أمها عنه؟

واغتبط أسعد حين رآها أسلس قيادًا، ثم ازداد غبطة حين شعر بأنها تزداد ضعفًا أمامه يومًا بعد يوم، فلا تأبى عليه أن تلقاه خارج بيت خالها، وأن تسير معه إلى حيث يريد، ثم لا تأبى عليه أن يقبلها إذا كانا بعيدين عن الأعين.

ودعاها فذهبت معه يومًا إلى بيته، سعيدة بأن تتعرف إلى الدار التي ترجو أن تصبح يومًا دار الزوجية. وأعجبت بموقع الدار وأثاثها، وفرح قلبها بما أغدقه عليها أسعد من كرم، ومن تدليل وإعجاب، ولم يبق في ظنها أي ريب بعد هذا كله في أنها ستصبح له.

وزارت دار أسعد بعد ذلك غير مرة، وفي كل مرة تزداد الكلفة بينها وبينه ارتفاعًا، فلما أصبحا من رفعها على مقربة من النهاية، لم يأب أسعد أن يحدثها عن زواجه منها. عند ذلك آمنت أنها أصبحت في حكمه وأنه أصبح وله من السلطان عليها ما للزوج على زوجه … فأسلمته كل نفسها، في انتظار اليوم القريب، الذي يعقد فيه زواجهما!

ووعدها أسعد أن يخاطب خالها في تحديد يوم العقد عند أول فرصة تسنح لذلك، لكنه أخذ يبتدع المعاذير عند تردد خالها، ثم ذكر لها أن خالها رضي بالزواج وأنه سيكتب إلى أمها لتحضر العقد!

وفي أثناء ذلك أيقنت زهرة أنها حامل فزفت النبأ إلى أسعد، وألحت عليه أن يعقد القران ولا ينتظر حضور أمها!

وكان أسعد كاذبًا في كل ما قال … فهو لم يخاطب خالها في شيء، ولم يكتب خالها بطبيعة الحال إلى أمها لتحضر عقدًا لا يعلم أيهما عنه شيئًا!

وكان أسعد كاذبًا كذلك يوم ذكر لها أنه سيتزوجها! فهو إنما أراد أن ينتقم لغروره من كبريائها يوم صدته بعنف أول ما غازلها. فلما طلبت إليه أن يعجل بعقد قرانهما ولو لم تحضر أمها، عاد يختلق المعاذير، ثم أخذ ينقطع عنها. ثم علمت أنه خطب فتاة غنية من بنات الإسكندرية. عند ذلك سُقط في يدها، وأيقنت أنها سَقطت في مهواة، تبيح لأهلها أن يقتلوها تخلصًا من عارها!

وماذا تفعل؟! لقد ذرفت الدمع سخينًا ليالي طوالًا، لكن الدمع لن يرد أسعد إليها، ولن يرفعها من الوهدة التي تردت فيها.

ليس أمامها إلا أحد طريقين: إما أن تنتقم من أسعد، وإما أن تنتحر! ولكن كيف تنتقم منه؟ أوَلَيس خيرًا لو أنها سعت إليه، لعله يعدل عن الزواج الذي سمعت به فيعود إليها؟ ذلك أمر بعيد الاحتمال، ولكن ما لها لا تُجربه؟

واستقر في نفسها ذلك العزم، فاختارت ساعة من النهار، حسبت أنها تلقاه في أثنائها في بيته. وذهبت إلى هناك، ودخلت إليه. فلما رآها أقبل عليها إقبال العاشق على معشوقته، فاتحًا ذراعيه ليعانقها ويقبلها. وما إن رأت ذلك منه حتى أجفلت وتراجعت وقالت: جئتك أستنجزك وَعْدَك بزواجنا، فأنت تعلم أن أهلي في الصعيد يقتلونني لا محالة إذا لم نتزوج بعد الذي كان!

وأجابها أسعد بابتسامة ساخرة: ليتني أستطيع! فأنت لا ريب تعلمين أنني خطبت، ولا أقدر أن أتزوج اثنتين.

قالت: «لكنك وعدتني بالزواج قبل أن تخطب.»

وأجابها: «وهل يصح للفتاة الشريفة المتعالية، المعتزة بكبريائها، أن تُسلم نفسها قبل أن يعقد زواجها؟ ذلك يا فتاتي هو ما حملني على أن أخطب بعد الذي كان، فإن من تبيح عرضها بكرًا لا تُؤْمَن عليه ثيبًا. ومن لي وقد دنستِ طهر بكارتك ألا تدنسي فراش الزوجية؟!»

فزعت زهرة حين سمعت هذا الكلام، فاضطربت وكادت أن تلقي بنفسها على قدميه باكية مسترحمة. لكنها سرعان ما ردها اليأس منه إلى صوابها، فجمعت قواها، ونظرت إليه في ازدراء، وقالت: تبًّا لك من وغد مخادع! ألي أنا تقول هذا الكلام؟

بل قل إنك أغراك المال فهزأت بالشرف! لقد رأيتني بلغ حبي إياك شغاف نفسي وحبة قلبي، فنصبت لي كل شباكك، واستدرجتني باسم الزواج فكان ما كان. لقد كنت أحسبك إنسانًا، فإذا أنت حيوان وفيك كل بهيمية الحيوان. وفيك خسة يسمو عليها كثير من الحيوان. أما وأنت كذلك، فليس لى إلا أن أبصق في وجهك، وأدعو الله أن ينتقم لي منك!

وبصقتْ في وجهه، ثم ارتدت على عقبيها مسرعة خارج الدار!

أما هو، فمسح وجهه، وابتسم وكأن لم يكن شيء. وقال فيما بينه وبين نفسه: مسكينة! لكني انتقمت لنفسي منها، لقد أذللت كبرياءها التي واجهتني بها أول ما ملقت جمالها. ثم أذللتها هي حتى تعلم أن الرجال لا يُعامَلون كذلك.

وبلغت زهرة الكورنيش مضطربة، يهتز كل جسمها من شعر رأسها إلى أخمص قدمها. ثم إنها ركبت الأتوبيس إلى سيدي بشر، معتزمة أن تلقي بنفسها في لجة البحر الخضم.

فلما بلغت غايتها، نزلت على الدرج إلى رمال الشاطئ، وتقدمت إلى ناحية البحر، حتى صارت عند ملتقى الموج بالرمل، وهنالك جلست منهدة في إعياء، وقد أنهكتها الانفعالات التي مرت بها طول يومها. فلما أنعشها هواء البحر وتلفتت حولها فلم تر أحدًا، انخرطت في بكاء كأنما تودع هذه الدنيا! ثم إنها نظرت إلى البحر ومَوْجه نظر المحتضر إلى قبر، فانزعجت. ورمى البحر إلى الشاطئ خشبة قذفتها الأمواج، فتصورت زهرة جثتها يقذف بها البحر كهذه الخشبة، وخيل إليها أن أسعد مر بها وعرفها، فافْتَرَّ ثغره عن بسمة الرضا، لأن موتها ستر لعاره!

وساورتها هواجس شتى من هذا القبيل، فقامت مترددة: أتغامر فتخوض موج البحر إلى لجته فتنتحر فيه؟! أم ترتد أدراجها تعاود التفكير في أمرها؟

ودفعها الحرص على الحياة فارتدت إلى الطريق، وعادت إلى خالها، مشتتة الذهن، سقيمة الوجدان!

وإنها لتعاني قلق النفس واضطراب الخاطر، إذ تناول خالها رسالة من أمها تَذْكُر فيها أن أختها الثانية خُطبت، وأنها ستُزَف بعد أسبوع، وكان طبيعيًّا أن تعود مع خالها إلى قريتها لتحضر هذا الزفاف، وأن تبقى بعد ذلك مع أمها، تؤنس وحدتها، وتقوم بخدمتها.

ورحبت بها أمها، ورحب بها أهلها، وأكبروا رشاقة هندامها، وجمال ثيابها وحديثها حديث الحضر. وانخرطت هي في زحمة الفرح الشامل الذي يسبق ليلة الزفاف، فإذا جَن عليها الليل، وآوت إلى مخدعها، عاودها قلقها واضطرابها وأخذت تفكر في المصير المظلم الذي ينتظرها.

وزفت أختها، وانتقلت إلى بيت زوجها وعاد خالها إلى الإسكندرية وبقيت هي مع أمها، وقد أحاط بها سكون الريف.

ولاحظت الأم وجومها، وطول تفكيرها، بما لا يتفق مع شبابها، وما عرفته عنها في صباها من دوام ابتسامها وحلو مرحها. فلم تُعِر ما لاحظته من ذلك أول الأمر بالًا، إذ خُيل إليها أن انتقال الفتاة من المدينة إلى الريف، ومن حياة الإسكندرية الصاخبة إلى حياتهم الرتيبة المتشابهة هو سبب وجومها، ولكن هذا الظن أخذ يتبدد حين رأت زهرة تنخرط في البكاء كلما خلت إلى نفسها. فإذا رأتها مقبلة عليها حاولت تجفيف دمعها.

فلما طال بالأم ما ترى من ذلك، نازعتها الوساوس.

وأخيرًا ذهبت إلى ابنتها، وجلست إلى جوارها، وقالت لها في حنان وعطف: خبريني يا ابنتي … ما بك؟ إنني أراك منذ جئت من الإسكندرية مهمومة كثيرة البكاء، وأرى ذلك كله يعبث بنضرة شبابك، أفتضيقين بحياة القرية معي إلى هذا الحد؟ ألستُ أنا أمك التي تحبك حتى لَتؤثرك على نفسها؟ وهل تُخفي بنت سرها على أمها؟!

لم تجد زهرة ما تجيب به على أسئلة أمها إلا أن انخرطت في بكاء مرير يمس قلب الأم إلى شغافه، وكأنما كشف عن بصيرتها في هذه اللحظة، فنظرت إلى ابنتها وَجِلةً وقالت: هل خدعك يا ابنتي في الإسكندرية أحد؟ قولي … لا تخافي! إن سِرك من صدر أمك في بئر سحيقة فلن يطلع عليه أحد! أنتِ ابنتي وضناي، فما يسوؤك يسوؤني، وما يحزنك يحزنني. فقولي … ولا تخافي!

وبعد تردد طويل، وبكاء مر، قصت زهرة على أمها قصتها مع أسعد، وكيف وعدها بالزواج، وكيف خانها بعد أن عرف حملها، وجرى وراء فتاة غنية من بنات الإسكندرية!

وارتاعت الأم لما سمعت، وتمنت لو انشقت الأرض فابتلعتها وابتلعت ابنتها معها، فطوت سر الآثمة المسكينة في جوفها! فلما أفاقت من روعها، أخذت تفكر في الأمر، وكيف السبيل إلى الخلاص منه؟

لو أن لزهرة أبًا أو أخًا، لكان مصيرها أغلب الأمر أن تقتل وتدفن ليدفن معها عارها.

لكنها أمٌّ، ولا يطيق قلبها أن تتصور فتاتها مقتولة أمامها. وهي إلى ذلك امرأة شريفة من بنات الأعيان، فلا تستطيع أن تتصور العار يلطخ اسم أسرتها. لا بد إذن من أن يدفن السر فلا يقف عليه أحد، ولا يتحدث عنه أحد. والجنين المُستكِن في بطن ابنتها هو آية هذا السر، فإذا أمكن التخلص منه، من غير أن يعرف أحد أمره، رضيت أمومتها ورضيت — إلى حد ما — كرامتها، وأمكن أن تعيش هي، وأن تعيش ابنتها وكأن شيئًا لم يكن، لأن أحدًا لم يعرف السر!

وكانت تعرف قابلة في قرية قريبة، لها بمثل هذه الأمور خبرة. وكانت تعلم منها أن الوسيلة لإجهاض الحامل، أن توضع الرحى على بطنها، وأن تدار حتى ينزل الجنين. تلك طريقة قاسية، بل وحشية. وقد تودي بحياة الحامل قبل أن تتخلص من جنينها … ولكن؟!

لا مفر من الالتجاء إليها في سر من الناس تَخلُّصًا من عار لا سبيل إلى التخلص منه إلا بها … أو بالموت!

وفي الهزيع الأخير من الليل، دعت الأم زهرة، وجاءت بالرحى، ولا تكاد تحمل كل شق من شقيها من غير أن تنوء به. ثم وضعتها على بطن الفتاة، وأخذت تديرها والفتاة تتحمل ذلك، تكظم كل صيحة تتردد في صدرها، حتى انفرجت أحشاؤها عن الجنين ما يزال علقة. فلما رأت الأم دم ابنتها، والعلقة التي كادت تتكون إنسانًا، رفعت رأسها إلى السماء، حمدًا لله أن ستر على ابنتها، ثم أزاحت الرحى على الأرض، وأسندت زهرة حتى ذهبت إلى فراشها!

وتنفس الصبح وقد انزاحت الغمة عن صدرها، مؤمنة بأن أحدًا من أهل القرية لم يقف على السر الرهيب، وأن بنتها عادت، وكأنها عذراء تهوي إليها القلوب.

وقضت زهرة أسبوعين في فراشها، ثم ردت إليها الحياة، وعاودتها كل نضارتها، وقد آمنت برحمة الله بها، وبأن ما صنعته بها أمها في إجهاضها — على قسوته ووحشيته — قد كان الشفقة كل الشفقة، بل كان أروع مثلٍ لحنان الأم في أسمى مظاهره.

وأقامت هي، وأقامت أمها، تنتظران أن يتم الله رحمته بهما، فتخطب زهرة وتتزوج، ويصبح ما مضى من وزرها وخطيئتها نسيًا منسيًّا.

وتعاقبت الشهور، ولم يظهر من يخطبها، هنالك عاودت الأم الوساوس، ثم فكرت آخر الأمر في قريب لها رقيق الحال، ولكنه طيب القلب، فأدنته منها، وأوحت إلى زهرة أن تُظهر اللطف به، وأن تدفعه إلى أن يخطبها إلى أمها، فلما فعل اشترطت الأم أن يقيم معها في بيتها، فهي لا تسطيع البقاء به وحدها بعد أن تزوجت كل بناتها. وفرح الشاب بهذا الشرط، وأصبح زوجًا لزهرة، وربًّا للبيت ومديرًا لشئون الأسرة!

وأنجبت زهرة منه ثلاثة بنين في بضع سنوات، ثم اختاره الله إلى جواره، ووهبت زهرة نفسها بعده لعبادة ربها، ولتربية أبنائها. وقد زادها مقامها بالمدينة صدر شبابها دقة في العناية بأبنائها وحسن توجيهها لهم. فكان أبناؤها يتابعون دراساتهم ناجحين؛ دخل أكبرهم الجامعة في السادسة عشرة من سِنه، ومال أصغرهم إلى السينما وشغل بها. وشعرت أمه بأن الخير في أن تقيم معهم بالعاصمة، فاقترحت على أمها أن تأجر أمينًا يباشر شئونهم، وتباشر هي تصرفاته في أثناء الصيف، فإذا انتهوا من جمع الإيرادات، وبدأت السنة الدراسية، سافرت مع أولادها إلى مصر تراقبهم وتخدمهم!

وتابع أبناء زهرة دراستهم بنجاح، وحصلوا على مؤهلاتهم العليا، وانخرطوا في سلك الحياة، وفتح الله عليهم فيها.

وكان أصغرهم الذي اشتغل بالسينما أكثرهم من الناحية المادية حظًّا. فقد أصبح بعد سنين مديرًا لإحدى شركات السينما الكبرى التي تدير منشآتها العديدة في القاهرة والإسكندرية.

وفيما هو يومًا بالثغر، جاء إلى مكتبه رجل محطم، تبدو عليه آثار الفاقة، ولا تنم كهولته عن سن متقدمة، وطلب إليه في رجاء ملح أن يسند إليه عملًا عنده يرزقه ويرزق أولاده. وأثار منظر هذا الشيخ المهدم شفقة الشاب المدير، وتمنى لو استطاع أن يجيبه إلى ما طلب، وإن تبين من حديثه أنه لم يزاول من قبل عملًا يؤهله في الشركة لوظيفة ذات قيمة. وأشار عليه بأن يقدم طلبه، ليعرضه على مجلس الإدارة، وأن يمر عليه في الساعة العاشرة بعد أسبوعين من ذلك اليوم، فإن لم يجده بالمكتب وجده في استراحة المكتب، بالطابق الذي يعلو المكتب مباشرة.

هذا الكهل المهدم هو «أسعد»، الذي تزوج من الفتاة الغنية بالإسكندرية، بعد قصته مع زهرة، وقد سلك بعد زواجه من تلك الغنية مسلك المترفين، فكان يبعثر أموالها، ويحسب أن هذه الأموال لا نهاية لها. ورزق منها بنين وبنات كانت تربيتهم تستنفد مالًا غير قليل. مع ذلك ظل أبوهم على إسرافه وبعثرته. ونبهته زوجته إلى ذلك غير مرة، فلم يَرْعَوِ. ثم اختلفا، وانتهى خلافهما بالطلاق. وأخذت عليه زوجته أحكامًا بنفقة لأولاده منها، وحبس مرة لعدم تنفيذها. ثم إنه دار يلتمس عملًا يعوله ويعول أبناءه، فذهب إلى مدير الشركة السينمائية لهذا الغرض. وأنس في المدير الشاب شفقة عليه، فمر عليه في الموعد الذي ضربه له، فلما رآه الشاب قال له: لقد عرضت أمرك على إدارة الشركة بالقاهرة، واستطعت أن أستخلص لك وظيفة تنال منها ١٥ جنيهًا في الشهر!

وحدد له العمل الذي يقوم به، فشكره «أسعد» على صنيعه، وهو لا يعلم من هو، لأنه لم يره قبل ذلك قطُّ.

وبعد شهر، جاء الشاب المدير إلى الإسكندرية، ومعه والدته، ونزل وإياها استراحة الشركة. وأراد «أسعد» أن يقابله لبعض عمله، فقيل له: إنه في الاستراحة. وأبلغ المدير، فأمر بأن يصعد «أسعد» إليه، فلما دخل الاستراحة تراجع مبهوتًا مبهور الأنفاس، إذ رأى مع الشاب سيدة تتحدث إليه، ورأى الشاب يخاطب زهرة خطاب الابن إلى والدته، واستدار الشاب إلى «أسعد» وقال له: انتظرني هنا حتى أعود، ولن أغيب أكثر من دقائق، ثم أراك وأنظر ما جئت فيه!

فلما هبط الشاب الدرج، وغاب عن نظر أسعد وزهرة، ألقى أسعد بنفسه أمامها وقال: الحمد لله الذي لم يحوجني إلى غير ولدك! وأرجو منك أن توصيه بي خيرًا، ولا أحسبك تأبين عليَّ هذه الكرامة، جزاء ما كان بيننا من مودة!

ونظرت إليه زهرة في كبرياء وقالت: سأفعل! وحسبي جزاء لك عن سوء ماضيك، أنك أصبحت اليوم في خدمة ولدي، بعد أن أبيت صدر شبابك أن أكون أنا في خدمتك. لقد أردت يومئذٍ أن تحطم كبريائي، فحطم الله كبرياءك، وهذا عدل جزاك الله به، وهو أعدل الحاكمين!

وطأطأ أسعد رأسه في صَغار وهوان وقال: فاغفري لي يا زهرة ما كان من خستي ونذالتي، فأنا أشد ما أكون اليوم حاجة إلى عفوك ومغفرتك!

وتابعت زهرة نظرتها المتعالية وقالت: إن الله هو الذي يغفر، أما الناس فلا يغفرون. وهو يغفر للتائب الصادق النَّدم، وأحسبه غفر لي ما دام قد رزقني هؤلاء البنين، لكنني ما أزال أشعر بالذلة كلما ذكرت أنني وقعت فريسة لخِستك، فكأن الضمير لا يغفر، كما أن الناس لا يغفرون! فتستطيع أنت أن تُكفِّر عن ماضي آثامك بالتوبة والندم لعل الله يرحمك.

وخفض الرجل رأسه، ودخلت هي مخدعها، وأقبل المدير الشاب يسأل أسعد ما يريد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١