الهجوم الشرس!

كانت الشمس قد بدأت في الرحيل عن القرية المسحورة … ورغم أن الظلام لم يكن قد حان إلَّا أن الشوارع كانت خاليةً تمامًا من المارَّة … وسيطر جو من الرهبة على القرية.

سار «أحمد» و«بو عمير» في طريق العودة … فالعامل قد اختفى، وقد أدرك «أحمد» و«بو عمير» أن ما حدث منذ وقتٍ قليل، كان العامل يعلمه، وأنه ربما يكون مرشدًا للعصابة إن لم يكن عضوًا بارزًا فيها، وتذكَّر «أحمد» ما فعله هذا العامل حين ضغط على زر الساعة، وبعد وقتٍ قصير حدث ما حدث.

وفي تلك اللحظة سمع «أحمد» أزيز جهاز اللاسلكي تحت معطفه، فأخرج الجهاز بمنتهى الثقة، الآن لا أحد حوله يراه، واستقبل الرسالة، لقد كانت سريعةً وقصيرةً، وكان المتحدث هو «مصباح» الذي وصل توًّا «من «ش. ك. س» إلى «ش. ك. س» لقد وصلنا الآن، نحن في انتظاركما سريعًا عند عربة الفول.»

نظر «أحمد» إلى «بو عمير» وقال: لقد تأخرا جدًّا … ترى ما الذي حدث؟

بو عمير: لقد كان من المفروض أن يصلا منذ ساعتَين على الأقل … لا بد أن شيئًا ما قد حدث.

استأنف «أحمد» حديثه قائلًا: ربما، لكني غير مطمئن.

ظهرت عربة الفول الخشبية من بعيدٍ وسط هذا الجو القاتم … وتوالت الخطوات السريعة لكن لم يكن بجوارها أحد … اضطرب قلب «أحمد»، وخشي أن يكون «مصباح» و«إلهام» قد أصابهما مكروه … لكنه حين اقترب من العربة ودقق النظر، وجدهما يجلسان على الرصيف بجوار العربة.

سلَّم «أحمد» عليهما ثم قال بلهفة: لماذا تأخرتما؟

قال «مصباح»: لقد وقعنا في فخ … ولولا أننا تصرَّفنا في الوقت المناسب لأصبح الشياطين أحد عشر …

قال «أحمد»: كيف ذلك؟ ومتى؟

قال «مصباح»: ونحن في الطريق إلى القرية من طنطا، ركبنا سيارة رجل عجوز قبيح المنظر. فنظر «أحمد» إلى «بو عمير» وقال: لا أصدق … ألم يكن هذا الرجل معنا؟ إن هذا «المنجودي» شيطان لعين، ثم ماذا؟

واصل «مصباح» حديثه قائلًا: ثم أخذ جانبًا من الطريق وقال: لقد تعطلت السيارة، إن بها شيئًا يحتاج إلى إصلاح، لن يستغرق ذلك سوى خمس دقائق. وظللنا فترة داخل السيارة، أحسسنا بالملل، فنزلنا لأرى ما يحدث، وتأكدت أنها مصيدة.

قال «بو عمير»: كيف؟

قال «مصباح»: رأيته بطرف عيني يجذب أحد الأسلاك الواصلة بموتور السيارة ويقطعها، ثم بعد لحظاتٍ من الانتظار رأيت أشباحًا تقترب من بعيدٍ وفي أيديها بنادق …

تظاهرت أني أنظر للسيارة لأصلحها، وجذبت طرف سلك آخر ومزقته، حتى لا يستخدموها بعد ذلك في اللحاق بنا إذا لزم الأمر.

قال «بو عمير»: وهل رآك السائق؟

قال «مصباح»: لا، لكنه نظر إليَّ نظرة فيها تهديد ونيَّة في الغدر، وقال لي: لا تقلق ستصلان لزملائكما من أقرب طريق … حينئذٍ تأكد لي أن الشر قريب منا، فجذبته بقوة وطرحته على الأرض … وأسرعنا قبل وصول الآخرين.

قال «أحمد»: وكيف وصلتما؟ وماذا حدث بعد ذلك؟

قال «مصباح»: لقد اختفينا وسط الحقول بعد أن أطلقوا علينا النيران، وظللنا نجري حتى خرجنا من الناحية الأخرى، فأوقفنا سيارة نقل كانت تحمل أبقارًا وركبنا فيها.

كانت «إلهام» تبدو حزينة مهمومة مما جرى لها، فثيابها متربة وعليها آثار من سيارة الأبقار، وهيئتها غير منسَّقة.

رفع «أحمد» الحقيبة من على الأرض، ثم قال: هيا بنا نلحق ﺑ «فهد» و«قيس»، إننا نسابق الزمن، لا بد أن نصل إليهما قبل أن يصلوا إلينا.

وصل الشياطين الأربعة إلى منزل «أحمد نعمان» ناحية المقابر، وهو منزل بسيط مكوَّن من طابقين، وله شُرفات تطل على كل الجهات.

كان «أحمد» و«فهد» في استقبال الشياطين الأربعة عند باب المنزل، وحمل «أحمد نعمان» الحقيبة من «إلهام»، وتقدَّمهم إلى الطابق العلوي.

كان «فهد» قد أفهم «أحمد نعمان» كل شيء، وأصبح الصديق الجديد للمهمَّة، ولما دخل «أحمد» إلى الصالة، وجد مائدة كبيرة وعليها ورقة بيضاء وبها بعض الرسوم، فنظر إلى «فهد» مستفهمًا، فقال له: هنا المقبرة، هنا تعيش العصابة.

التفت «أحمد» إلى الصديق الجديد وقال له: أخشى أن نكون قد سببنا إزعاجًا لأهل المنزل.

قال «أحمد نعمان»: أنا هنا وحدي، أما الأسرة فإنها في المنزل الآخر وسط القرية.

أخذ «أحمد» نفَسًا عميقًا، ثم قال: الحمد لله، الآن اطمأن قلبي.

ألقى أحمد بنفسه على مقعدٍ فشعر براحةٍ غريبة، كأنه لم يذُق الراحة منذ سنين، ثم طلب منه الصديق «أحمد نعمان» أن يدخل الحمَّام ليغتسل من الغبار.

ومرت اللحظات العصيبة … كان الشياطين فيها يسابقون الزمن، ويحاولون إنجاز أكبر قدر ممكن من الأحداث في أقل وقت ممكن.

فاغتسلوا وبدَّلوا ملابسهم وتناولوا الطعام، ثم جلسوا يشربون الشاي وهم يتحدثون في الخطوات القادمة.

كانت الخطة مترتبة على النتائج التي سيتوصلون إليها من خلال معلومات الصديق «أحمد نعمان»، وبدأ الصديق «أحمد نعمان» يروي لهم كل ما يعرف عن هذه الظواهر الغريبة التي تحدث في القرية، متى؟ كيف؟ والأموال التي نُهِبت، والبيوت التي خُربت، وأنه كان يشكُّ من البداية فيما يحدث؛ لأن الجن لا يصنعون هذا، كما يدَّعي كثيرٌ من الناس، وقد تأكَّد له ذلك حين رأى هذه الظواهر تخرج من مصدر واحد هو هذه المقابر … لكنه لم يقدر على فعل شيء؛ لأنه كان وحيدًا أعزل، فباقي الناس يخافون، وقد استسلموا لهذا الواقع المخزي.

وأكَّد أن هذه المقابر — نظرًا لبعدها عن القرية — لم يكن يقترب منها أحد أو يمر بها، حتى إن الناس حين كانوا يأتون لدفن ميت، كان يسيطر عليهم الخوف والفزع في وضح النهار. وقف «أحمد» لحظةً ثم سار إلى النافذة، ونظر من خلف الزجاج إلى المقابر الساكنة الهادئة، ثم التفت إلى الصديق الجديد وقال له: هل تمانع أن يكون هذا مقرنا مؤقتًا؟

قام الصديق «أحمد» متجهًا ناحيته وقال: ليس عندي أي مانع … بل يجب أن يكون المنطلق منه هنا … ولا بد أن تعتمدوا عليَّ كل الاعتماد؛ لأني سهل الحركة، ولن يشك فيَّ أحد.

عاد «أحمد» إلى المائدة، ثم انحنى عليها وقال: لا بد أن نحدد المكان الدقيق للعصابة … إن المقابر متشابهة ومتقاربة، ويصعب علينا تحديد مكان العصابة على الخريطة.

رد «قيس»: وهل سيكون ذلك على الطبيعة؟

قال «أحمد»: شيء بديهي …

قال «قيس»: قد يكون في ذلك انتهاكٌ لحرمة المقابر.

رد «أحمد»: إن مهمتنا نبيلة، وغايتنا أخلاقية، وليس فيها ضرر لأحد، ولو تركنا هؤلاء يعبثون هكذا، فهذا هو انتهاك الحرمات … ثم إنهم لا حرمة لهم، إنهم اعتدوا على حرمة الأموات.

قال «بو عمير»: هذا صحيح، والشرع والعقل يؤكِّد هذا، إن المحافظة على حرمة الأموات تكون بالقضاء على هؤلاء … وحماية الأحياء من شرهم.

قال «أحمد»: إذن، لا بد من النزول إلى المقابر؛ لوضع علامات ثابتة نسترشد بها … ولن يكون ذلك إلَّا نهارًا، حتى يكون كل شيء واضحًا … لا بد من رصد كل شيء، ومعرفة المكان الذي تدير منه العصابة إرهابها.

قال الصديق «أحمد»: إن في هذا مخاطر كثيرة.

رد «مصباح»: إن حياتنا كلها مخاطر … ونحن مجهَّزون ومستعدون لكل المخاطر في البحر والبر والجو.

نظر «أحمد» إلى صديقهم الجديد وقال له: دورك هو أن تيسِّر لنا هذه المخاطر …

رد «أحمد نعمان»: كيف؟

أجاب «أحمد»: تعطينا تصورًا كاملًا عن كل جزء في القرية … هذه المقابر … هل لها مداخل؟ كيف ندخل؟ كيف نخرج؟ كل هذا سيقلل من حجم المخاطر.

كان المنزل كأنه قاعدةٌ عسكرية تُدار فيها العمليات وتُوضع فيها الخطط … وأقبل الظلام بستائره يغطي القرية … وبدأت أصوات الحشرات الليلية تتهادى إلى أسماع الشياطين الستة، لم يكن هناك أي صوتٍ لمحرك سيارة كما تعودوا أن يسمعوا، أو أي شيء يقطع سكون هذا الليل، سوى نباح كلاب قريبة من المنزل.

نظر الصديق «أحمد نعمان» في وجوه الشياطين الستة، ثم قال: هناك أقدام غريبة تقترب من المنزل … التزموا بأماكنكم لحظة.

ثم عمد إلى المصباح فأطفأه، وخرج إلى الشرفة المواجهة للمقابر وأطل برأسه، ثم عمد إلى الشرفة المجاورة لها ونظر منها إلى الطريق المقابل … ودقق النظر للحظات، ثم عاد إلى الشياطين وقال: هناك شيء غريب يحدث بالخارج … ربما يكون أفراد العصابة قد علموا بوجودكم هنا، فأرسلوا مَن يأتيهم بالأخبار، لقد رأيت شبحين يختفيان قريبًا من هنا. وسكت لحظةً ثم أردف قائلًا: يجب أن يبقى المصباح مُطفأً حتى نطمئن، ويثق أفراد العصابة بأنه لا وجود لشيءٍ مريب هنا.

مرت فترة صمت … ثم قال: لقد وجدت حلًّا …

وسار يتلمَّس طريقه إلى المطبخ، وعاد في يده شمعة، ثم قال: سنجلس على الأرض حتى لا يظهر الضوء من بعيد … ونكمل الخطة.

تحرَّك الشياطين وأخذ كلٌّ منهم مكانًا على الأرض حول الشمعة، وبسط «أحمد» الخريطة التي حدَّدوا فيها المقبرة.

جلس «أحمد» على ركبتَيه، وأراد «بو عمير» أن يتكلم، إلَّا أن أحمد قال له: نؤجل كلامنا بعد أن نستمع إلى صديقنا «أحمد نعمان».

ثم التفت إلى «أحمد نعمان» وقال له: ها هي المقبرة … نريد صورة طبيعية لكل شبر فيها، كأننا نعرف كل شيء فيها ودخلناها من قبل.

مد الصديق «أحمد» يده وأخذ القلم، ثم عدل من وضع الخريطة، ووضع سهمًا في أعلى الورقة، وقال: في هذا المكان مدخل للمقبرة، ويبعد عن البيت بثلاثمائة متر، وأشار بسهم إلى جانب الورقة، وقال: وهنا أيضًا مدخل من الناحية الغربية، ثم وضع خطًّا طويلًا أسفل الخريطة، وقال: من هذه الناحية الجنوبية جزء من سور المقبرة منهار … فهو مدخل واسع أيضًا، وهناك ثلاث ثغرات من الناحية الشرقية القريبة من المنزل، كل ثغرةٍ تكفي لمرور رجل بجنبه فقط.

أما المقبرة من الداخل فهي مقسَّمة إلى قطاعَين: شمالي وجنوبي، يفصل بينهما طريق باتساع خمسة أمتار من الشرق إلى الغرب … ثم سكت …

مد «أحمد» يده وتناول القلم، ثم صمت لحظة وقال: يمكننا الآن أن نوزع الأدوار … «فهد» و«قيس» سيدخلان من المدخل الشمالي، و«مصباح» و«بو عمير» سيتجهان إلى المدخل الغربي، وأنا والصديق «أحمد» سنتولَّى المدخل المنهار … وستبقى «إلهام» هنا تراقب الموقف من خلال المنظار المكبر، وتتولى مراقبة الثغرات الثلاثة.

رد «بو عمير»: وكيف سندخل؟ لا بد لنا من سببٍ مقنعٍ لدخول المقبرة.

قال «أحمد»: إن زيارة القبور غير ممنوعةٍ … إننا نزور المقابر …

قال «بو عمير»: لا بد أن نقدِّر خطورة ذلك … ربما تمكنوا منا جميعًا في وكْرِهم … فلن نستطيع التصرف.

رد «أحمد»: يجب أن نتصرف بأي صورة، قبل أن يمر الوقت وتسبقنا الأحداث.

ثم التفت إلى الصديق «أحمد نعمان» وقال له: هل يمكن أن تذهب إلى القرية الآن؟

قال: بالتأكيد.

قال «أحمد»: لنا فيلم في استوديو «الشرق» تأتي به، ثم تمر في طريق العودة بمقهى الشعب ستجد عم «سيد» بائع الفول، سلم عليه وقل له: المارد يسلم عليك … ثم استمع جيدًا لما يقوله لك.

نزل «أحمد نعمان» وأغلق الباب الحديدي خلفه، وركب دراجته، واختفى في الظلام ذاهبًا إلى القرية التي كانت ساكنة سكون الموتى، كأنها لا وجود للبشر فيها، كأنها قرية للأشباح. الصمت مخيف، والظلام مخيف، ولا أحد يستطيع البقاء في مثل هذه الحالة إلَّا مَن تعوَّد على ذلك.

جلس الشياطين في ترقب ينتظرون عودة صديقهم «أحمد نعمان»، والدقائق تمر بطيئة جدًّا، والسكون القاتل يبعث على الملل.

قام «أحمد» ثم فتح حقيبة «مصباح»، وأخرج المنظار المكبر، وسار به إلى الشرفة المواجهة للمقابر، ثم وضعه على عينيه، وأخذ يدقق النظر من خلاله … كان كل شيء مظلمًا … نظر إليه «بو عمير» وقال له: ماذا تفعل؟

رد «أحمد» وهو ما زال ينظر: لا أدري … إنما هو شيء أقطع به الوقت حتى يأتي صديقنا. ثم تقدم خطوتين ومال برأسه إلى الأمام قليلًا … ودقق النظر جيدًا … ثم غمغم قائلًا: شيء غريب.

قالت «إلهام»: أتقول شيئًا؟

قال «أحمد»: لست أدري … أهي تخيلات؟ أم حقيقة؟ تعالوا …

أمسك «أحمد» بيد «مصباح» وقال له: قف مكاني، ولا تحرك المنظار … وانظر جيدًا.

نظر «مصباح» وظل لحظات لا يتكلم … ثم قال: تُرى ما هذا؟

وجاء «بو عمير» ووقف مكان «مصباح»، و«أحمد» بجواره يصوب له المنظار، وأخذ ينظر، ثم وضع المنظار على عينَيه وقال: هذا ضوء سيجارة … لأنه يتحرك من أعلى إلى أسفل في نفس المكان، وهذا يعني أن أحدًا في هذا المكان يدخن سيجارة.

قال «أحمد»: نعم … وهذا يستلزم منا تحديد هذه النقطة تمامًا بكل دقة … قرِّبوا هذه المائدة، وأحضري هذا المقعد يا «إلهام».

وضع أحمد المائدة قريبًا من نافذة الشرفة، ووضع المقعد فوقها، ثم ثبت المنظار فوق المقعد بقطعة خيط، بعد أن ثبَّت عدسة المنظار على مكان الضوء.

ثم قال: مع أول ضوء للنهار، نستطيع تحديد المكان بالضبط … وبذلك نركِّز جهودَنا في هذه النقطة، بدل أن نشتت جهودنا في كل المقابر.

نظر «أحمد» في ساعته … ثم قال: الساعة الآن الثامنة والنصف … وما زال الليل طويلًا، ونحن في حاجةٍ إلى الراحة.

قال «بو عمير»: نحن ستة … نقسم أنفسنا ثلاث فرق، على ثلاث نوبات للراحة والنوم … وصديقنا «أحمد» له مجهود النهار فقط …

رد «أحمد»: سوف أبدأ أول نوبة للسهر مع «فهد» … و«مصباح» و«إلهام» يسهران النوبة الثانية، و«بو عمير» و«قيس» وأنا، نسهر النوبة الثالثة؛ لأنها المهمَّة وأساس الخطة.

كانت الساعة تقترب من التاسعة، ولم يكن هناك صوتٌ سوى ارتطام الباب الحديدي للمنزل، مما يدل على أن «أحمد نعمان» قد وصل فعلًا.

لحظات وكان «أحمد نعمان» يقف أمام الشياطين … ثم ابتسم ومد يده بالمظروف الذي بداخله الصور … ثم تقدم إلى أحد المقاعد وجلس، وقال: عم «سيد» يحذركم … يعني احترسوا لأن العصابة تنكش عليكم تراب القرية … و«المنجودي» كل نصف ساعة تقريبًا يدخل المقهى ويختلي بالعامل.

كان «أحمد نعمان» حتى هذه اللحظة، لم يشاهد المائدة والمقعد المحمول فوقها عند الشرفة، ثم توقف لحظة ونظر حوله، ثم قال: لكن، أين المائدة؟

أشار «بو عمير» ناحية الشرفة وقال: هناك … إنها الموقع الجديد …

لم يفهم الصديق «أحمد نعمان» شيئًا … فقال له «أحمد»: إن المنظار المكبر الذي فوق المقعد، موجَّه ومثبَّت على مكان محدد انبعث منه أضواء في هذا الظلام … مما يشير إلى تواجد العصابة في هذه المنطقة، فكان لا بد من تحديد الموقع حتى تسهل المهمَّة.

قامت «إلهام» إلى حجرة مجاورة لتستريح … وبقي الشياطين الخمسة مع صديقهم «أحمد نعمان» يتجاذبون أطراف الحديث، ويخوضون في الكلام عن العصابة التي سببت الرعب لأهل القرية، وخربت كثيرًا من البيوت، ونهبت الملايين من الجنيهات والمشغولات الذهبية والسلع الموجودة في بعض المحلات التجارية.

مرت ساعتان والصمت يخيم على القرية، والظلام يلفها بستائره الكثيفة.

تقدم «أحمد» من كوب الماء الموضوع على الأرض بعيدًا ليتناوله … لكنه لم يكد يصل إلى الكوب، حتى سمع صوت انفجار خلفه، والزجاج يتناثر بشكل مخيف، فقفز والتصق بالحائط … ثم تحول المكان إلى كتلة من السواد تخفي كل شيء … صرخ «أحمد» للشياطين: ابقوا أماكنكم. تسلل «أحمد» ليصل إلى بقية الشياطين … لكنه لمح من بعيدٍ كتلة نارية متجهة إلى المنزل، أنارت المكان جيدًا، فجرى ناحية الشياطين ثم قفز داخل إحدى الحجرات، ونادى على الشياطين أن يتركوا الصالة فورًا … لقد سقطت قريبًا من المنزل.

كانت الكرة النارية الأولى قد حطمت زجاج الشرفة، وأسقطت المقعد والمنظار وهشمت المائدة، ولولا ذلك لأصابت الحاضرين.

لقد عرفت العصابة مكان الشياطين، وها هم يصبُّون عليهم نار غضبهم.

كان الشياطين في حيرة حين دخلوا الحجرة مع صديقهم. ماذا يفعلون؟ لقد اكتشفت العصابة مكانهم … ولن يتركوهم في هدوءٍ حتى الصباح.

مرت لحظات من الترقُّب، ثم أقبلت كرتان من النار تشقَّان الظلام، واصطدمت إحداهما بجدار المنزل، وأقبلت الأخرى كالصاروخ، وتدحرجت في الصالة لتترك وراءها ذيولًا من الجحيم الأحمر. أسرع «بو عمير» وحمل بطانية ووضعها على الكرة النارية المشتعلة بجوار الحائط ليطفئها، ثم قال: هل سنبقى هكذا؟ لا بد أن نفعل شيئًا.

قال «أحمد»: لا نستطيع فعل شيء الآن … ليس أمامنا إلَّا الانتظار هذه الساعات حتى أول شعاع.

قال «فهد»: لنتعامل معهم بالمسدسات.

قال «أحمد»: إننا لا نرى شيئًا … والمدى بعيد … وفوق هذا سنؤكد لهم أننا موجودون فعلًا هنا.

رد الصديق «أحمد» مسرعًا: هيا بنا ننزل إلى الطابق السفلي.

وقبل أن يتحرك الشياطين إلى الطابق السفلي، رأوا أحزمةً من الأشعة الجهنمية تسقط على أحد المقاعد، فتحوَّل في اللحظة إلى رمادٍ وتصاعدَت منه الأدخنة.

أمسك «أحمد» بحقيبتَين من الحقائب، وخرج مسرعًا إلى باب الشقة، ثم انحنى فجأة، حيث كانت وراءه كرة نارية مشتعلة، تابعت سيرها حتى اصطدمت بالزجاج من الناحية الأخرى، فحولته إلى شظايا … وخرج الشياطين مسرعين خلف «أحمد» إلى الطابق السفلي، بعيدًا عن هذا الهجوم الشرس، حتى يتسنى لهم التفكير والرد على هؤلاء الأشرار ردًّا بليغًا مؤثرًا.

استقر الشياطين في الطابق السفلي، وأحسوا ببعض الأمان، لأن جدران المنزل مستورة بالبنايات التي في مستواها … لكن لا يزال الخطر قائمًا … مما دفع الشياطين لعمل خطةٍ سريعةٍ للتحرك الليلي، وتفادي هذا الخطر المحقق.

أضاء الصديق «أحمد» المصباح، ودعا «بو عمير» الشياطين لعمل الخطة الطارئة.

قال «أحمد»: سنقسم أنفسنا مجموعتَيْن وسنخرج الآن … مجموعة تدور حول المنزل باتجاه الشمال حتى مدخل المقبرة، وأخرى تدور حول المنزل باتجاه الجنوب حتى سور المقبرة المنهار … ثم العودة مرة أخرى … فلا بد لنا أن نعثر على خيطٍ في الطريق.

تنبه الصديق «أحمد نعمان» إلى أن هناك حركة تحت النافذة، فأشار بيده إلى الشياطين أن يصمتوا … صمت الشياطين لحظات، ثم شرد «أحمد» بفكره وقال: هيا بنا الآن … لقد بدأت الجولة الأولى، «فهد» و«قيس» و«مصباح» من الشمال، وأنا و«بو عمير» والصديق «أحمد» من الجنوب، و«إلهام» ستبقى هنا.

ثم أردف: سنقوم بعمل كمَّاشة حول المنزل … سنخرج نحن من الشمال وندور حول المنزل إلى الجنوب، ثم تخرجون أنتم باتجاه الجنوب وتدورون حول المنزل إلى الشمال، وسنلتقي عند نقطة خارج المنزل، وبذلك نكون قد عملنا مسحًا شاملًا حول المنزل. أذكِّركم أنه قد مرَّ يومٌ من المهلة التي منحها لنا الزعيم رقم «صفر»، وأصبحت المسألة بالنسبة لنا مسألة وقت … فلنتحرك الآن …

تسلل الشياطين إلى خارج المنزل … وقبل أن يغادر «أحمد» المنزل، أشار إلى «إلهام» وقال: كوني حذرة … فأنتِ الطُّعم الذي تركناه للعصابة.

وخلال لحظات كان الشياطين يأخذون طريقهم في اتجاهين مختلفين حول المنزل، ليتقابلا في الناحية الأخرى.

كان الجو مظلمًا إلَّا من ضوء خافت ضعيف، تبعثه النجوم الساهرة في السماء بعيدًا بعيدًا.

كان الشياطين ينطلقون في هدوء وصمت، وحين انحرف «أحمد» وفريقه إلى الاتجاه الآخر من المنزل، سمعوا صوتًا وجلبة لشخص يجري، لكنه لا أثر له.

قال «أحمد» لزميليه: انتظرا … ثم جرى منحنيًا في الظلام تجاه مصدر الصوت، حتى إذا اقترب شيئًا ما رأى شبحًا يجري في الظلام … فجرى «أحمد» سريعًا، ثم طار إليه مُسددًا قدميه إلى ظهره، فسقط الشبح مرتطمًا بالأرض رافعًا صوته متأوهًا.

نهض الشبح الضخم ليسقط على «أحمد» بعصًا غليظة، فتدحرج «أحمد» عن مرمى العصا، ثم نهض مسددًا ضربة قوية إلى الرجل، فهوى إلى الأرض كصخرةٍ سقطت من مكان مرتفع … فهجم عليه «أحمد»، وثنى ذراعه خلف ظهره، ثم وضع «أحمد» ذراعه على عنق الرجل وحنجرته، كي لا يرفع صوته بالاستغاثة أو إحداث صوت ينبه الآخرين إلى مكانه … ثم دفعه أمامه بسرعةٍ حتى وصل الشياطين، ثم قال: لقد جئتكم بصيد ثمين.

تلفَّت الشياطين حولهم ثم قال «مصباح»: دعه لي كي أشوي جلده على النار التي رمونا بها. حاول الرجل أن يصرخ، لكن يد «مصباح» كانت فوق فمه، ثم جذبه إلى المنزل ودخل به والشياطين خلفه، فأوثقوه على أحد المقاعد.

اقترب منه «أحمد» ووضع المسدس على جانب رأسه، وقال له: إنك ميت لا محالة … فاختر لك موتة مريحة … رصاصة في رأسك … أم ندعك في الطابق العلوي حتى تشويك النار التي ترمون الناس بها؟

قال الرجل ذو الهيئة المريبة: إنك تتكلم كلامًا غريبًا … لماذا جئتم بي إلى هنا؟

فاقترب منه «أحمد نعمان» وقال له: وما الذي جاء بك إلى هنا يا قاتل يا مأجور؟

مال الرجل برأسه ونظر إلى «أحمد نعمان» وقال له: أنت إذن وراء هذا … هنا … غدًا ستعرف … كنت أحسبك طيبًا؟

قال له «أحمد»: هذا … إذا جاءك غدًا.

قال الرجل مستغربًا: ماذا تعني؟

قال «أحمد»: أعني ما سمعته قبل ذلك … إنك ميت يا سفَّاك الدماء …

فقهقه الرجل ساخرًا: إنكم تلعبون أيها الأطفال … ولن يطلع عليكم النهار.

قال «بو عمير» في تحدٍّ: سنرى … سنتركك هنا حيًّا حتى الصباح، لترى بنفسك مَن سيطلع عليه النهار، ومن سيُقضى عليه قبل مجيء النهار.

ثم وضع «بو عمير» كمامةً على فمه، وقال له: اهدأ حتى تفكر جيدًا.

ثم قال ﻟ «إلهام»: معك تصريح بقتله، لو حاول — مجرد محاولة — أن يفعل شيئًا.

ثم خرج الشياطين في هدوء، يهتدون بضوء النجوم في الطريق إلى حيث تكون النهاية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢