فلسفة وديانة

نعيش في ضوضاء تلهينا عن الفلسفة، أي تلهينا عن الدين؛ لأن الفلسفة هي الدين. والرجل العصري الذي يدرس الفلسفات والأديان بروح المتعلِّم يجد بينهما اختلاطًا يشبه الاندغام؛ وذلك لأن قضية الدين هي نفسها قضية الفلسفة، وهي: كيف نفكر التفكير السليم ونعيش العيشة الطيبة؟ ومقاييس الدين هي في النهاية مقاييس الفلسفة، كما نرى مثلًا في كلمة برناردشو: إن الرجل الطيب هو الذي يعطي الدنيا أكثر مما يأخذ منها. أي إن الدنيا تجد بعد انقضاء عمره أنها كسبت به ولم تخسر، وأنفقت عليه أقل ممَّا ترك لها. وهذا الذي تركه لها قد يكون حكمة أو قدرة أو علمًا أو اختراعًا أو زيادة في الثروة أو الخير أو السلام.

وهذا المقياس فلسفي ديني. ولذلك حين أتحدث عن فلسفة الحياة التي أعيش بها هذه الأيام وأنا في الستين أو حواليها، أجد أنها مزيج من الفلسفات والأديان. وصحيح أن الدين يطالبنا بالتسليم، والفسلفة تطالبنا بالمنطق. ولكن ليست هذه الحال دائمة أو واضحة الحدود؛ فإن في الدين منطقًا كما أن في الفلسفة تسليمًا في بعض الأحوال.

وقد يقال أيضًا إن في الدين غيبيات وليس في الفلسفة غيبيات. ولكن هل هذا صحيح؟ ألسنا نقف مع أينشتين أو غيره إزاء غيبيات علمية حين يتحدثون عن الكون المتمدد الذي يدأب في الاتساع في الخواء؟

إني أذكر أني — حين كنت في حمى المراهقة — شرعت أسائل وأشك في الغيبيات المألوفة. ولم تزدني السنون من ذلك الوقت إلا يقينًا بالإنكار. ثم تطورت الفكرة الدينية عندي أو انتقلت من التسليم بالغيبيات إلى الإيمان بالقيمة الاجتماعية للدين أو الفلسفة وإلى تربية الضمير، حتى تتغلب — في اللغة السيكلوجية — الذات العليا على الذاتين الاجتماعية والحيوانية؛ أي تتغلب القيم البشرية على القيم الاجتماعية والمادية.

وليس من السهل أن يكشف الإنسان عن ضميره الديني كيف تكوَّن ثم نما ثم تبلور في قليل من الاتجاهات الأخلاقية الرئيسة، ثم تجوهر في اتجاه مفرد يجذب إليه كل ما في الشخصية من نشاط روحي. ولكني أذكر أني — وأنا دون العشرين — أحسست أن نظرية التطور تأخذ مكانًا دينيًّا في نفسي وأنها قد حمَّلتني واجبًا روحيًّا. وقد نما هذا الواجب في نفسي إلى واجبات. ذلك أن آفاق الحياة لم تتسع فقط بنظرية التطور، بل زادت في العدد واللون، كما شسع بها تاريخ البشرية شسوعًا عظيمًا. ذلك أننا قد فهمنا من هذه النظرية أن كل حي على هذه الأرض لا يقل عمره عن ٧٠٠ مليون سنة؛ لأن كل إنسان قد كان في وقت ما طينة نبضت بالحياة، فإذا به فيروس ثم أميبة مفردة ثم أميبات متصلة متعاونة، ثم حيوان رخو بلا رأس، ثم سمكة، ثم زاحفة، ثم حيوان لبون، ثم قرد، ثم إنسان. ثم هذا الإنسان سوف يكون سبرمانًا.

فهنا قرابة تطورية بيننا وبين الحيوان. وفي هذا معنى ديني جليل لأننا والأسود والكلاب والقياطس والسمك أبناء عمومة. وكنا قد قطعنا على هذا الكوكب نحو ٧٠٠ مليون سنة. وقد انقرض بعضنا وبقي بعضنا الآخر. ولكن مع هذا الانقراض وهذا البقاء يتجه التطور في مجموعة نحو ما نفهم من الرقي البشري: وجدان موضوعي يأخذ مكان العواطف الذاتية، أي عقل يسمو على الغرائز. وإذن نجد أن للرقي البشري أساسًا طبيعيًّا. بل إن هذا الرقي مفروض علينا وواجب حتم بل واجب ديني بحيث يتطور الفرد وتتطور الأمة وتتطور الدنيا. ومن يعارض التطور ويدعو إلى الجمود يكفر لأنه يعارض الدين. وليس التطور كله منطقًا نستطيع أن نقيم عليه البرهان الناصع لأن فيه كثيرًا من التسليم. ومن هنا كانت المشابهة بينه وبين العقائد الدينية. وليس من الضروري — كي يكون لنا دين أو ضمير ديني — أن نؤمن بالغيبيات؛ لأن المعارف العلمية في أيامنا تُكسِبنا نزعات دينية. فهناك رجال الثورة الفرنسية مثلًا، فقد اشتطوا وألغوا الديانة المسيحية، وأسسوا ما أسموه «ديانة العقل». والإنسان العادي حين يقرأ تاريخهم ويصِفهم الوصف المألوف يقول إنهم «كفرة». ولكنا عندما نتأمل سلوكهم نجد أنهم كانوا مسوقين بروح ديني، بل أكثر من هذا بعقائد دينية. وهنا تعجبني كلمة قالها ماتزيني الوطني الإيطالي: «ليس هناك انتصار للروح البشري أو خطوة ارتقائية للمجتمع البشري إلا ومرجعها عقيدة دينية راسخة.»

وفي سنِّي أجد أن مصادر ديانتي — أو بالأحرى ضميري الديني — إلى جنب البوذية والإسلام والمسيحية واليهودية والهندوكية، تعود في كثير من النور الذي أهتدي به، إلى السيكلوجية والبيولوجية والأنثربولوجية والتاريخ. فإن هذه العلوم قد أفدتُ منها مغزى المأساة البشرية، مأساة ماضينا وحاضرنا وآمالنا في المستقبل. ولذلك كانت ديانتي موضوعية منطقية لا ذاتية عقيدية فقط.

ومع أني نشأت في المسيحية واحتضنتني الكنيسة أيام طفولتي وصباي فإنها كانت في تلك السنين الأولى من عمري في جمود لا يحمل على الحماسة أو يبعث الولاء أو يربي الضمير. وليس شك أن الكنيسة القبطية قد نهضت هذه الأيام، وهي الآن غير ما كانت عليه قبل خمسين سنة.

وقد تغيَّر إحساسي نحوها تغيرات مختلفة؛ فقد عزفت عنها أيام الشباب لأن وطأة العلوم العصرية كانت شديدة على نفسي. ثم عدت إليها في حنان فوجدت فيها تاريخنا المعذب الممزق، ووجدت صوت الفراعنة ينطق عاليًا من منابرها. فأصبحت الكنيسة القبطية عندي كنيسة قومية مصرية. ولكن لم يكن هناك دين إذ كان كل هذا إحساسًا تاريخيًّا.

أجل! قد يقال هذا القول، وأنا أُسَلِّمُ بصحته إلى حَدٍّ ما، ولكن الإحساس التاريخي ينطوي أيضًا على إحساس ديني. ولست أشك أني حين انكببت على دراسة الفراعنة، إنما كنت أنبعث بروح ديني قومي. والدراسة الصحيحة للتاريخ يجب أن تكون موضوعية علمية كما يدرس أي علم. ولكن قَلَّمَا نستطيع ذلك إذا كنا ندرس تاريخنا القومي.

وقد عرفت حوالي ١٩٣٥ المرحوم كامل غبريال (باشا)، وكان قد درس اللغتين القبطية والفرعونية، وحاول أن يحملني على درسهما. ولكنَّ سِنِّي المتقدمة حالت دون ذلك. وقد نهضت هذه اللغة في بعض الأوساط القبطية، ولكنها لم تبلُغ المكانة التي بلغتها اللغة العبرية بين اليهود، أي أن تصير لغة التخاطُب والتفاهم بل التأليف؛ فإن اليهود الصهيونيين قد انقلبوا إلى عبرانيين وأحيوا لغتهم التي كانت قد انقرضت حتى في أيام المسيح. وظني أنهم يخسرون بذلك؛ لأن هذه اللغة لن تتسع للثقافة العصرية. كما أن الأرلنديين الوطنيين قد خسروا أيضًا بإحياء لغتهم القديمة؛ لأن اللغة الإنجليزية خير لهم — ولو أنها لغة الفاتحين الغاصبين — من لغتهم التي لن تتسع للثقافة العصرية.

وما زلت أذكر الأثر السيكلوجي في صديقي كامل غبريال (باشا)؛ فإنه لتعلُّقه بلغة الفراعنة صد عن المسيحية باعتبارها ديانة أجنبية قد طردت الديانة المصرية القومية. وكان كثيرًا ما يعقد المقارنات بين عقائد الكتاب المقدس — التوراة والإنجيل — وبين عقائد الفراعنة، كي يقنعني بأفضلية الثانية على الأولى من حيث الأخلاق السامية والقيم البشرية العالية.

وقد كان أثر العقليين كبيرًا جدًّا في نفسي؛ حتى إني لخَّصت أحد الكتب التي كانوا ينشرونها وهي «نشوء فكرة الله» لجرانت ألين. وأصدرت هذا التلخيص في نحو ثلاثين أو أربعين صفحة في مصر حوالي ١٩١٢. ويرى القُرَّاء هذا الكتيب ضمن كتابي «اليوم والغد». وقد كان هدف المؤلف أن يثبت تسلسل الأديان، وأن التوحيد الحاضر يرجع إلى الأديان القديمة. ولم يكن جرانت ألين مصيبًا في جميع افتراضاته، ولكنه استهواني في تلك السنين للنظر المادي الذي اتَّبَعَه في تفسير الغيبيات. وبعد ذلك عرفت «الغصن الذهبي» لفريزر. وهو موسوعة رائعة للعقائد القديمة وتسلسلها إلى أيامنا تحت أستار مختلفة. ثم زادني نورًا تلك البحوث المتشعبة التي قام بها إليوت سمث وزملاؤه في إيضاح الأثر الذي تركته العقائد المصرية القديمة. وهذه المؤلَّفات لفريزر، وإليوت سمث — مع تناقضها أحيانًا — هي تربية خصبة وتثقيف سامٍ لكل من يدرسها. ولا يستطيع إنسان أن يصف نفسه بأنه مثقف إلا إذا عرفها. ولكن اهتماماتي بهذه الدراسات وقتئذٍ لم تكن دينية بل كانت تاريخية.

على أن اهتمامي بالدين بدأ وأنا حوالي الأربعين. ذلك لأن النضج الديني — مثل النضج الجنسي — لا يأتي إلا في ميعاد. فقد شرعت أقرأ الكتب المقدسة جميعها في عناية، وأشغل نفسي بالمشكلات الدينية الهندوكية. وكنت أجد فتنة في أنبياء التوراة بل في أسلوب التوراة. كما أني وجدت أن القوة الجاذبية في شخصية المسيح كبيرة جدًّا. وقد مضى عليَّ نحو عشرين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب عن شخصية المسيح بحيث أكتب في حرية الضمير مع إيماني به وحبي له. ولكني كلما كنت أفكر في الالتباسات التي سوف تنشأ بيني وبين بعض القراء، كنت أنكص وأنا في أسف ومرارة. لأني أكره أن أؤلِم المطمئنِّين المستقرِّين الذين قد لا يجِدون الطمأنينة واليقين في السيرة التي أرويها، مخلصًا، أنشد الحقائق ولا أبالي غيرها. وموقفي هنا هو موقف تولستوي ورينان.

ومن الأخطاء الصغيرة الخطيرة التي ارتكبها المترجمون للإنجيل أنهم يذكرون الله على لسان المسيح بكلمة «أبي». ولكن الحقيقة أن المسيح كان يسمي الله باسم أبَّا أي «بابا»، وهي كلمة التحبب والإدلال، كلمة الأطفال. وذلك لإحساسه العميق الحميم بأبوة الله أبوة حقيقية. ومن هذه البؤرة العاطفية تشع سائر عواطفه في التحيُّز للفقراء والمساكين وفي الإحساس بأن البشر جميعهم عائلته لأن «بابا» لا ينسى واحدًا منهم.

وشخصية المسيح هي بعد كل ذلك شخصية مقلقة. فإن كل أمثولة من أماثيله تبعث على التفكير المقلق المثمر؛ إذ هو يثير بها المشكلات البشرية العديدة التي تنزعنا من القيم الاجتماعية الزائفة إلى القيم البشرية الصميمة. وحياته الرائعة، ثم مأساته المؤلمة، كلتاهما دعوة إلى البر والشجاعة والشرف والتضحية. ولا يتمالك المتأمل للإنجيل مع الوجدان بأن الضمير المسيحي يقتضي النظام الاشتراكي؛ لأن هذا النظام هو التطبيق العملي للأخلاق المسيحية. والمسيحية تعد — في هذا المعنى — ديانة الكفاح وليست كما يتوهم البعض ديانة الركود.

ولست أشك أن الرجل المسيحي في دنيانا هذه وفي عصرنا هذا هو المثال الأسمى في الأخلاق. وهناك كثيرون يعيشون الحياة الطيبة، أي الحياة المسيحية كما أرادها المسيح الذي دعانا من ناحية إلى أن نكون كالأطفال في السذاجة والاستطلاع والبعد عن الشر، أي أن تكون القيم التي نعمل بها قيمًا بشرية، نحب الأشياء التي يحبها الأطفال: نحب اللعب ونحب الزهر ونحب كل شيء حسن يرجع حسنه إلى قيمته الأصلية لا إلى القيمة التي يفرضها المجتمع. ثم دعانا من ناحية أخرى إلى أن نخشى مديح الناس. بل قال: ويل لكم إذا أثنى عليكم الناس! وهنا دعوة إلى الاستقلال الفكري أو الروحي، استقلال الضمير، حتى نعمل ما يوحيه إلينا الشرف دون مبالاة لاعتبارات المجتمع. وقد يكون هؤلاء مع ذلك غير مؤمنين الإيمان الرسمي بالمسيحية؛ إذ ليس من الضروري، كي يكون للإنسان ضمير ديني، أن يؤمن بدين معين. فإن جميع الأديان سواءٌ؛ من حيث إنها تَنْشُدُ الحياة الطيبة.

وأذكر هنا أن نحو ستين عضوًا من جمعية الشبان المسيحية كانوا يصطافون في صحراء العريش في سنة ١٩٣٧، وكان بيننا المسلم والمسيحي واليهودي والبهائي. فكنا في الصباح نقرأ قطعة من القرآن أو الإنجيل أو التوراة مناوبة. وكان البهائي يجد في كل واحد من هذه الكتب كتابًا مقدسًا له. وكنا نجد نحن في جميع ما يقرأ لنا من أي كتاب منها دعوة صالحة توحي الخير والشرف والحياة الطيبة والحب. وقد وجدت أن الجمع بين هذه الكتب والاختيار منها على مبدأ المساواة قد بعث على التفكير الديني البار بين الأعضاء وربط بينهم برباط ديني محايد أي غير متحيز. حتى لقد انتحى بي بعض الأعضاء وسألوني: لِمَ لا يفعل جميع البشر مثلما نفعل نحن هنا في العريش؟ أي يضعون جميع الكتب المقدسة في جميع المعابد.

وأذكر أني نصحت لهم بأن يقرءوا حياة السلطان أكبر الهندي الذي تولى الحكم في القرن السادس عشر؛ فإنه عقد مؤتمرًا من الأئمة والكهنة من المسلمين والمسيحيين واليهود والهندوكيين، وطلب منهم أن يتفقوا على ديانة جديدة موحَّدة من هذه الديانات الأربع. وقد أخفق المؤتمر لأن الأعضاء — كما ينتظر — لم يتفقوا. ولو أنه كان قد اختار أعضاء هذا المؤتمر من المدنيين دون الدينيين لكان هناك مجال للظن بالنجاح. بل لقد قيل إن السلطان أكبر هذا قد تزوج أربعًا نسوة: إحداهن مسلمة، والثانية هندوكية، والثالثة مسيحية، والرابعة يهودية. وذلك كي ينشأ أبناؤه على أساس من الحب الذي يدعمه التقارب الديني. وقد عاشت أسرته جملة قرون وهي لا تعرف معنى للتعصُّب في الهند بين المسلمين والهندوكيين. فكان الصليب يُعَلَّقُ في الغرفة التي يأتي إليها القارئ في الصباح كي يقرأ إحدى سور القرآن، وكان المبشِّرون من اليسوعيين يقعدون في حضرته إلى جنب كهنة اليهود. وقصة أكبر هي إحدى قصص القداسة الهندية التي نرى لها صورة أخرى في عصرنا في غاندي.

وجميع الكتب المقدسة سواء عندي. ولكني أضيف إليها عشرات من المؤلَّفات الأخرى في الفلسفة والأدب. ولذلك أقول إن بعض ديانتي يرجع أيضًا إلى «جمهورية أفلاطون» وإلى «الإنسان والسبرمان» لبرناردشو، وإلى مؤلَّفات جان جاك روسو، وتولستوي، ودستويفسكي، وإلى أخناتون. فقد زودني هؤلاء جميعًا بهورمونات دينية. وقبل نحو خمس عشرة سنة شاعت دعوة في أمريكا وأوروبا إلى ما يُسمى «البشرية». وهي ديانة تستبعد الغيبيات، وتؤمن بالرُّقِيِّ البشري القائم على التطور. وهي تعتمد على الكتب المقدسة وكتب الأدب والتاريخ والفلسفة. وقد وجدت فيها إغراء كبيرًا.

ولكن ما أحب أن أوضح للقارئ هو أن الدين عندي كان تربية بطيئة لم أصِل بعد إلى نهايتها ولكني في سبيلها. والدين كالفلسفة أو الأدب نأخذ منها بمقدار ما ورثنا من كفايات وامتزنا به من أوساط تُعَلِّمُ وتربي وتوجه. وهنا يغير كالفين هذا التعبير فيقول: إننا إنما نفهم من الدين بمقدار ما وُهِبْنَا من نعمة الله.

وقد كان نفوري أيام شبابي من الغيبيات علميًّا منطقيًّا، ولكني أنفر من الغيبيات الآن لأسبابٍ اجتماعية؛ لأنها — أي الغيبيات — جبرية ليست فيها حرية الماديات. أي إن التفكير المادي حر متطور، أما التفكير الغيبي فمقيد جامد، ونحن نتحرر بالأول ونتقيد بالثاني.

ولكن الفلسفة — أي الديانة — ضرورية لكل إنسان. والرجل؛ إذ يقول إنه ليس له ديانة، هو كما يقول برناردشو، إنما يقول إنه ليس له شرف. ونحن حين نستقطر العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن كي نجد لها كلها غاية، إنما ننشد بهذه الغاية ديانة نعيش بها أي دستورًا روحيًّا وأخلاقيًّا يعين علاقتنا بالطبيعة والكون والإنسان والمستقبل. ونحن نحس الحاجة إلى هذا الدستور وهو ليس دستورًا جامدًا إذ هو يتغير ويتطور كلما تقدمنا في السن وازدادت بصيرتنا نورًا.

ولما شرعت أدرس السيكلوجية وجدت ناحية من الدين لم أكن قد التفتُّ إليها، هي سلام النفس. فإنه ليس شك في أن المتدين يُحِسُّ سلامًا ويجد ابتهاجًا يحرم منهما غير المتدين. ذلك أن المتدين يثق بالكون، وكأنه يحس أنه — أي الكون — لن يخونه، حتى حين يصطدم بالمصاعب. أو قُلْ إنه يعيش في وسط أوسع كما أن آفاقه تمتد إلى آمادٍ أبعد. ونستطيع أن نَزِنَ هذا الموقف حين نتخيل غاندي إزاء الجبال من المصاعب التي يلاقيها. فإنه في كل حياته أكثر اطمئنانًا وأعمق ابتهاجًا من أي إنسان آخر، مع أنه يواجه من المصاعب أكثر ممَّا يواجه كل إنسان آخر. وليس غريبًا بعد هذا أن تكون للدين — أي الفلسفة — قيمة سيكلوجية عظيمة؛ لأنه يؤدي إلى استقرار النفس ويحول دون التزعزع الذي قد ينتهي بالتحطم. وعندما نتأمل مرضى النفس نجِد أنهم لم يتردَّوْا في الهوة إلا لأنهم استسلموا إلى قيم وأوزان مخطأة. هي في الأغلب قيم وأوزان اجتماعية انساقوا فيها وأرهقوا بها حتى حطمتهم. وأنهم لو كانوا على فلسفة حسنة، وعاشوا العيشة الطيبة التي يوحيها كل دين في العالم، لكانوا قد أخذوا بقيم وأوزان دينية تتيح لهم سلام النفس الذي فقدوه.

ولا بد أن القارئ سيسائل: أليس هناك فرق بين الدين والفلسفة؟ وهل أنا مُحِقٌّ في التحدث عنهما باعتبارهما وحدة؟

وجوابي أني لا أعرف أمُصيب أنا أم مُخطئ، ولكني هنا أذكر إحساسي، وإذا شئت التمييز بينهما فإني أقول إن الإحساس الديني هو طرب الحب، حب الطبيعة وحب الحيوان وحب الإنسان بل حب الحياة والكون. أما الإحساس الفلسفي فهو تأمل الفكر. ولكن الحقيقة أنهما يندمغان عندي، وإن كان أحدهما قد يتغلب على الآخر في بعض الظروف، وأن هذا هو إحساس غاندي: تأمل فكري وطرب عاطفي معًا.

وكثير من كفاحي الثقافي — بل أحيانًا السياسي — قد سرت فيه بتأمل الفكر وطرب الدين. والتأمُّل يطلب السكون في حين يستفزنا الطرب إلى الحركة. فإذا مزجنا الدين بالفلسفة وجدنا الكفاح. ولذلك لم أعرف قط ذلك البرج العاجي حيث استسلم للتفكير بعيدًا عن المعركة؛ إذ إني لا أكاد أنتهي إلى فكرة بالتأمُّل حتى يعمني الطرب فأنشط إلى الكفاح.

وقد قلت إن ديانتنا وفلسفتنا تتكوَّن أولًا ثم تتبلور ثم تتجوهر. وعندي أن هذه النهاية، هذا التجوهُر هو الحب. وقد انتهت جميع الأديان إلى هذا الموقف، كما انتهت السيكلوجية إليه أيضًا. والحب هو اتجاه وسلوك، هو الاستطلاع الدائم للكون والرغبة النهمة في المعرفة، ثم هو التعاون والتسامُح. وهذا الحب هو أيضًا ما انتهى إليه الصوفيون المسلمون مثل محيي الدين بن عربي حين يقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي قابلًا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني

وفي هذه الأبيات الأربعة قد استقطر ابن عربي روح الدين.

ومن الحسن أن تذاع مثل هذه الأبيات الذهبية وتعلق في بيوتنا إلى الجدران، وخاصة في هذا الشرق العربي الذي يجب أن تتعانق فيه الأديان الثلاثة عناق الحب. ومثل هذه الأفكار الإنسانية تجدها أيضًا في المعري حيث يقول وإن يكن موقفه سلبيًّا:

إذا الإنسان كف الشر عني
فسُقيَا في الحياة له ورعيا
ويدرس — إن أراد — كتاب موسى
ويُضمر — إن أحب — ولاء شعيا

•••

ما الدين صوم يذوب الصائمون له
ولا صلاة ولا صوف على جسد
وإنما هو ترك الشر مطَّرحًا
ونفضك الصدر من غل ومن حسد

ولكن يجب أن أقول إن ديانتي — من الناحية الغيبية — تشبه بل تطابق ديانة سبينوزا. أي إن المادة والقوة شيء واحد ليس بينهما انفصال. وكذلك الشأن في العقل والجسم.

وليست هناك نهضة عالمية — كالثورة على المظالم أو التجديد للمبادئ أو الدعوة إلى الإخاء والمساواة والحرية — إلا وهي تسير على الأسلوب الديني. حتى لتتجاوز المنطق إلى الإيمان، وتسرف وتشط في ناحية الغَيرة والتضحية والحب ضد الأنانية والاستئثار والبغض. فهي ملهمة بالروح الديني، ولن تنجح إلا به. ولذلك كثيرًا ما نجد الدعوة إلى الاشتراكية الحزبية تستحيل إلى دعوة دينية عالمية تغمرها الحماسة ويتغلب فيها الإيمان. وحركتنا نحن في مصر في سنة ١٩١٩ لم تنجح إلا بمقدار ما كان فيها من الحماسة والإيمان أي بمقدار ما كان فيها من طرب الدين. وهي لم تتقهقر إلا بمقدار ما فقدت من هذا الطرب الديني بتفشي الأنانية والاستئثار والبغض.

ولن تعود دعوتنا الوطنية في مصر، دعوة الحرية والإخاء والمساواة إلا إذا أحدثت لنا — كما كانت تحدث في سنة ١٩١٩ — طربًا دينيًّا يتألف من الحماسة والإيمان والحب والتضحية.

وأخيرًا يجب أن نقول حين نتكلم عن ديانتنا، كما يقول أندريه جيد: «لست كائنًا أبدًا؛ إنما أنا صائر.» وبكلمة أخرى يجب ألا نجمد ونستقر، بل ننمو ونتطور، وندأب في استخلاص الحقيقة من المعرفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠