الفصل الرابع

مارثا

حين فتحت عينيها في الصباح كان هذا بسبب دخول خادمة شابة إلى غرفتها لتُشعل النار، وكانت جاثية على سجادة المدفأة تُنظِّف الرماد مُحدِثةً ضجَّة. استلقت ماري وراحت ترقبها لبضع دقائق، ثم شرعت تجول ببصرها عبر أنحاء الغرفة. لم ترَ قط غرفة مثلها، وكانت تراها غريبة وكئيبة؛ فقد كانت الجدران مغطاة بسجاد حائط مطرز عليه رسم لمشهد من الغابة. كان ثمة أشخاص يرتدون ملابس رائعةً يقفون تحت الأشجار، ومن بعيد ظهرت لمحة من أبراج إحدى القلاع، كما احتوى المشهد على صيَّادين وخيول وكلاب وسيدات. شعرت ماري كما لو كانت معهم في الغابة. واستطاعت أن ترى عبر نافذة غائرة مساحة ممتدة من الأرض بدت خالية من الأشجار، وكانت أشبه ببحر كئيب لا نهاية له مائل للون الأرجواني.

قالت وهي تشير عبر النافذة: «ما هذا؟»

نظرت مارثا الخادمة الشابة وقد نهضت للتوِّ، ونظرت وأشارت أيضًا، ثم قالت: «هذا الذي هناك؟»

«نعم.»

ردت بابتسامة لطيفة: «ذاك هو المستنقَع، ألا تحبينه؟»

أجابت ماري: «لا، أنا أكرهه.»

قالت مارثا، وهي عائدة أدراجها إلى المدفأة: «هذا لأنكِ لستِ معتادةً عليه. أنتِ تظنين أنه كبير ومُقْفر الآن، لكنكِ ستحبينه.»

سألتها ماري: «أتحبينه؟»

أجابتها مارثا وهي تُلمِّع قضبان مشبك المدفأة في بهجة: «أجل أحبه، أحبه فحسب؛ فهو ليس مقفرًا، بل تُغطيه أشياء صغيرة طيبة الرائحة تنمو عليه. إنه رائع الجمال في الربيع والصيف حين تُزهر نباتات الجولق والقش والخلنج؛ إذ تبدو رائحتها كالعسل، ويكثر الهواء المنعش، وتبدو السماء مرتفعةً للغاية، ويُصدر النحل وطيور القبرة ضجيجًا جميلًا وهي تطنُّ وتُغنِّي. يا له من منظر! لا يُمكنني العيش بعيدًا عن المستنقع مهما كان المقابل.»

استمعت ماري إليها وعلى وجهها تعبير جادٌّ ومرتبك. فالخَدَم المحليون الذين اعتادت عليهم في الهند لم يكونوا كذلك على الإطلاق؛ فقد كانوا خانعين ومتذلِّلين ولا يَجرءون على الحديث مع سادتهم كما لو كانوا أندادًا لهم هكذا، فكانوا ينحنون عند تقديم التحية لهم، ويُطلقون عليهم «حُماة الفقراء» ومُسمَّيات من هذا القبيل. كان الخدم الهنود يُؤمَرون بفعل الأشياء، ولا يُطلب منهم ذلك. ولم يكن معتادًا أن تُقال لهم كلمات مثل «من فضلك» و«شكرًا لك»، وكانت ماري دومًا ما تَصفع خادمتها على وجهها حين تكون غاضبةً. تساءلت للحظة ماذا ستفعل هذه الفتاة إن صفَعها أحد على وجهها. لقد كانت كائنًا مُمتلئ الجسم، ذا وجه متورِّد وشكل لطيف، لكن كان لها أسلوب صارم جعل الآنسة ماري تتساءل عمَّا إذا كان بإمكانها رد الصفعة … حال كان الشخص الذي يصفعها ما هو إلا فتاة صغيرة.

قالت في غطرسة وهي لا تزال تتمرَّغ بين وسائدها: «أنتِ خادمة غريبة.»

جلست مارثا على عقبيها وهي تحمل فرشاة التنظيف السوداء في يدها، وضحكت دون أن تبدو عليها أي علامات للغضب.

قالت لها: «ها! أعلم هذا، فلو كان لميسلثويت سيدة، لما كنتُ ضمن خادمات التنظيف. لربما سُمِح لي بالعمل في المطبخ وغسل الأطباق، لكن لم يُسمح لي قط بالصعود إلى الطابق العلوي؛ فأنا ريفية للغاية وأتحدث كثيرًا بلهجة يوركشاير. لكن هذا المنزل غريب للغاية رغم اتِّساعه وضخامته؛ فيبدو أنه لا وجود لسيد أو سيدة، عدا السيد بيتشر والسيدة ميدلوك. أما السيد كرافن، فهو لا يُريد أن يزعجه أي شيء خلال وجوده هنا، وهو بعيد عن المنزل على نحوٍ شبه دائم. لقد عيَّنتني السيدة ميدلوك في هذه الوظيفة بدافع الطيبة؛ فقد أخبرتني أنها لم تكن ستستطيع أبدًا أن تُقدِم على ذلك لو كان ميسلثويت مثل المنازل الكبيرة الأخرى.» سألتها ماري وما زالت تتحدث بأسلوبها الهندي الصغير المُتعجرِف: «هل ستصبحين خادمتي؟»

بدأت مارثا في دعك قضبان مشبك المدفأة مرةً أخرى.

وقالت لها في ثبات وعزم: «أنا خادمة السيدة ميدلوك، وهي خادمة السيد كرافن … لكني أُؤدي مهام الخادمة هنا وأنفِّذ طلباتك بعض الشيء، لكنك لن تحتاجي إلى الكثير من الخدمة.»

تساءلت ماري: «مَن سيُساعدني في ارتداء ملابسي؟»

جلست مارثا على عقبيها مرةً أخرى وحدَّقت فيها؛ وأخذت تتحدَّث بلهجة يوركشاير الصِّرْفة في غمرة ما أصابها من ذهول، متسائلةً إن كانت لا تستطيع ارتداء ملابسها بنفسها.

قالت ماري: «ماذا تعنين؟ أنا لا أستطيع فهم لغتك.»

قالت مارثا: «آه! لقد نسيت؛ لقد أخبرتْني السيدة ميدلوك أن عليَّ الانتباه لهذا وإلا لن تفهمي ما أقوله. أعني ألا تستطيعين ارتداء ملابسك بنفسك؟»

ردَّت ماري بسخط شديد: «لا، لم أفعل ذلك قط في حياتي. لقد كانت خادمتي الخاصة تساعدني في ارتداء ملابسي بالطبع.»

قالت مارثا، وهي لا تُدرك على الإطلاق أنها تتحدث بوقاحة: «حسنًا، لقد حان الوقت لتتعلمي؛ فأنتِ لم تعودي صغيرة، وسأُسدي لك معروفًا وأساعدك بعض الشيء. كانت والدتي دومًا تقول إنها لا تعرف لماذا لا يتحوَّل أبناء الأغنياء إلى حمقى، في ظل وجود مُربِّيات يُساعدنهم في تنظيف أنفسهم، وارتداء ملابسهم، ويأخذنهم للتمشية وكأنهم جِراء صغيرة!»

لم تستطع الآنسة ماري تحمُّل ذلك وقالت بازدراء: «الأمر مختلف في الهند.»

غير أن مارثا لم تتأثَّر على الإطلاق.

فأجابت في تعاطف: «آه! أرى أنه مختلف بالفعل. أستطيع القول إن هذا بسبب وجود الكثير من السود بدلًا من البيض المُحترمين. حين سمعتُ بقدومك من الهند ظننتُ أنكِ سوداء أيضًا.»

انتصبت ماري في السرير جالسة في حَنَق شديد.

قالت: «ماذا! ماذا! هل ظننتِ أني أحد السكان المحليِّين، أيتها … أيتها الحقيرة ابنة الخنازير!»

حدَّقت فيها مارثا وبدا عليها الانفعال الشديد.

وقالت: «هل تسبِّينني؟ لا داعيَ لكل هذه الثورة؛ فهذا الحديث لا يليق بشابة صغيرة. أنا لا أُكِنُّ أيَّ ضغينة للسود، فحين تقرئين عنهم في نشرات الدعاية، يَبدون دومًا أناسًا متدينين؛ فدومًا ما نقرأ أن الأسود هو إنسان وأخ. أنا لم أرَ شخصًا أسود من قبل، وسعدتُ كثيرًا بأني سأرى أحدهم عن قُرب. وحين دخلتُ لأُشعلَ النار في غرفتك هذا الصباح، تقدمت خلسة نحو سريرك وأزحتُ الغطاء عنكِ قليلًا حتى أتمكن من رؤيتك.» ثم قالت بخيبة أمل: «وها أنتِ ذي، لستِ أكثر سوادًا مني … بل فقط أكثر اصفرارًا.»

لم تحاول ماري حتى التحكُّم في غضبها وشعورها بالإهانة، وقالت: «هل ظننتِ أني أحد السكان المحليِّين؟! كيف تجرُئين؟! أنتِ لا تعرفين أي شيء عن السكان المحليين! إنهم ليسوا بشرًا … إنهم خدم لا بدَّ أن ينحنوا عند تحيتك. أنتِ لا تعرفين شيئًا عن الهند. أنتِ لا تعرفين شيئًا على الإطلاق!»

كانت في ثورة عارمة، وشعرت بالعجز وانعدام الحيلة أمام نظرات الفتاة البسيطة، وبطريقةٍ ما انتابها شعور مفاجئ بالوحدة الرهيبة والبُعد عن كل شيء فهمته وفهمها، فألقتْ وجهها على الوسادة وانفجرت في نحيب عنيف، وظلَّت تَنتحِب دون توقف، ما جعل مارثا، فتاة يوركشاير الطيِّبة، تشعر بقليل من الخوف عليها وكثير من الأسف لها. فذهبت إلى سريرها وانحنت عليها.

قالت متوسلة: «اهدئي! يجب ألا تبكي هكذا! عليكِ أن تتوقفي بالتأكيد. لم أكن أعلم أنكِ ستَغضبين هكذا. أنا لا أعرف أي شيء عن أي شيء … تمامًا كما قلتِ. معذرة يا آنستي. توقفي عن البكاء.»

كان في حديثها الذي طغى عليه لكنة يوركشاير الغريبة، وأسلوبها الجاد شيء من الوُد والمواساة حقًّا، كان له تأثير جيد على ماري. فتوقفت عن البكاء بالتدريج وهدأت، وبدا على مارثا الارتياح.

قالت لها: «حان الوقت لتنهضي. لقد قالت السيدة ميدلوك إن عليَّ تقديم الإفطار والشاي والغداء لكِ في الغرفة المجاورة؛ فقد أُعدَّت لتصبح حجرة أطفال لكِ. سأساعدكِ في ارتداء ملابسك إذا نهضت من السرير. فلو أن الأزرار في الخلف، فلن يمكنك فتحها وحدك.»

حين قرَّرت ماري أخيرًا النهوض، لم تكن الملابس التي أخرجتها مارثا من خزانة الملابس هي ما كانت ترتديها حين وصلت مع السيدة ميدلوك في الليلة الماضية.

قالت: «هذه الملابس لا تخصُّني؛ فملابسي سوداء.»

نظرت إلى المِعطف والرداء الصوفيين البيضاوين وأضافت باستحسان فاتر:

«هذه أجمل من ملابسي.»

ردَّت مارثا قائلة: «هذه هي الملابس التي عليكِ ارتداؤها؛ فقد أمر السيد كرافن السيدة ميدلوك بإحضارها من لندن. لقد قال: «لن أدع طفلة متَّشحة بالسواد تتجوَّل في المنزل، مثل روح هائمة. فهذا سيُضفي على المكان حزنًا على حزنه. أحضري لها ملابس ملوَّنة.» قالت أمي إنها تعرف ماذا يقصد؛ فهي دائمًا ما تعرف مقصد المرء. وهي نفسها لا تُطيق اللون الأسود.»

قالت ماري: «أنا أكره الأشياء السوداء.»

علَّمت عملية ارتداء الملابس كلًّا منهما شيئًا. لقد كانت مارثا تساعد أشقَّاءها وشقيقاتها على ارتداء ملابسهم، ولكنها لم ترَ قط طفلًا يقف ساكنًا في انتظار شخص آخر ليفعل له الأشياء كمَن ليس له يدان أو قدمان.

قالت حين رفعت ماري قدمها بهدوء: «لماذا لا تَرتدين الحذاء بنفسك؟»

أجابتها ماري مُحدِّقة فيها: «كانت خادمتي تفعل لي هذا. إنها العادة.»

كانت كثيرًا ما تُردِّد هذه العبارة: «إنها العادة.» فقد كان الخدم المحليُّون كثيرًا ما يُردِّدونها، فإن أمرهم أحدٌ ما بفعل شيء لم يفعله أسلافهم منذ آلاف السنين، كانوا يُحدِّقون بعض الشيء في هذا الشخص ويقولون: «إنها ليست العادة.» وكان المرء يعلم أن المسألة هكذا تصبح منتهيةً.

لم يكن من عادة الآنسة ماري أن تفعل أي شيء عدا الوقوف ساكنة والسماح لغيرها بأن يُلبسها ثيابها مثل الدُّمية، لكن قبل أن تستعدَّ لتناول الإفطار، بدأت تشكُّ في أن حياتها في ضيعة ميسلثويت ستنتهي بتعليمها أشياء جديدة تمامًا عليها … أشياء مثل ارتداء حذائها وجواربها بنفسها، والتقاط الأشياء التي تسقط منها. لو كانت مارثا خادمة جيدة مدرَّبة على خدمة الآنسات الصغيرات، لكانت أكثر خضوعًا واحترامًا، ولعلمت أن من صميم عملها أن تُصفِّف لها شعرها، وتُغلق لها أزرار حذائها الطويل، وتلتقط الأشياء وتضعها جانبًا. لكنها مجرد فتاة ريفية غير مُدرَّبة من يوركشاير، نشأت في كوخ في أرض مُستنقعية، ولديها جحافل من الإخوة والأخوات الصغار، الذين لم يَحلموا بأي شيء قط إلا خدمة أنفسهم وخدمة إخوتهم الأصغر سنًّا، الذين كانوا إما رُضَّعًا يُحملون على الأذرع، أو يتعلمون فقط أن يخطوا خطواتهم الأولى ويتعثرون في الأشياء.

لو كانت ماري لينوكس طفلة لديها استعداد للضحك والتسلية، لربما ضحكت من استعداد مارثا في الكلام، لكن لم يكن من ماري إلا أن استمعَت لها ببرود وتعجبت من طلاقتها في التعبير. في البداية لم تكن مهتمَّة بكلامها على الإطلاق، لكن بالتدريج، حين بدأت الفتاة تُثرثر بأسلوبها اللطيف الودود، بدأت ماري تنتبه لما تقوله.

قالت لها: «آه! يجب أن تَريهم جميعًا؛ فنحن اثنا عشر أخًا وأختًا، ولا يتحصَّل أبي إلا على ١٦ شلنًا في الأسبوع. يمكنني أن أخبرك عن مدى ما تُعانيه أمي كي تحصل على عصيدة لهم جميعًا. إنهم يمرحون ويلعبون في المستنقع طوال اليوم، وتقول أمي إن هواء المستنقع يُسمِّنهم. وتقول أيضًا إنها تَعتقد أنهم يأكلون العشب تمامًا مثلما تفعل المهور البرِّية. أخي ديكون، في الثانية عشرة، وقد حصل على مهر صغير ويقول إنه مِلكه.»

سألتها ماري: «من أين جاء به؟»

«وجده في المستنقع مع والدته حين كان صغيرًا للغاية وبدأ في مصادقته من خلال إعطائه كسرات من الخبز وقلع الحشائش الصغيرة من أجله؛ فبدأ المهر يُحبُّه ويتبعه في كل مكان ويدعه يمتطي ظهره. إن ديكون فتًى طيب القلب وتحبه الحيوانات.»

لم تقتنِ ماري حيوانًا أليفًا قط من قبل، وطالَما رأت أنها ترغب في اقتناء واحد؛ ولهذا بدأت تشعر بقليل من الاهتمام بديكون، وبما أنها لم تشعُر قط من قبل بالاهتمام تجاه أي أحد عدا نفسها، فقد كانت هذه بداية لعاطفة صحية. حين دخلت الغرفة التي أُعدت لكي تكون غرفة أطفال لها، وجدتها شبيهة نوعًا ما بتلك التي نامت فيها؛ لم تكن غرفة خاصة بالأطفال، بل كانت غرفة للكبار، تناثرت على جدرانها صور قديمة تبعَث على الكآبة، وكان بها كراسي قديمة وثقيلة من البلوط. وفي منتصَف الغرفة وُضِعت طاولة عامرة بإفطار جيد وفير. لكنها دائمًا ما كانت تعاني من ضعف شديد في شهيتها، ونظرت بشيء فاق عدم الاكتراث قليلًا إلى أول طبق وضعته مارثا أمامها.

قالت لها: «لا أريده.»

صاحت مارثا بعدم تصديق: «لا تريدين العصيدة!»

«نعم.»

«أنتِ لا تعلمين كم هي شهية، ضعي عليها قليلًا من الدبس أو السكر.»

كرَّرت ماري ما قالته: «لا أريد هذا.»

قالت مارثا: «حسنًا! أنا لا أتحمل رؤية طعام طيب يُهدر هكذا. لو كان إخوتي جالسين على هذه الطاولة، لأجهزوا على كلِّ ما عليها في خمس دقائق.»

قالت ماري ببرود: «لماذا؟» قالت مارثا مكرِّرة كلمتها: «لماذا! لأن بطونهم نادرًا ما جرَّبت الشبع طَوال حياتهم؛ فهم جوعى مثل الصقور والثعالب الصغيرة.»

قالت ماري بلا مبالاة نابعة من الجهل: «أنا لا أعلم معنى الجوع.»

بدا على مارثا السخط.

قالت دون تحفُّظ: «حسنًا، حريٌّ بكِ أن تجربيه. هذا رأيي بوضوح شديد؛ فأنا لا أتحمل الأشخاص الذين يجلسون ويكتفون بالتحديق في الخبز الطيب واللحم الشهي دون تناوله. يا إلهي! كم أتمنَّى لو كان لدى ديكون وفيليب وجين وباقي إخوتي كلُّ ما هو موجود هنا تحت مآزرهم.»

قالت ماري: «إذن لماذا لا تأخذينه لهم؟»

أجابتها مارثا بصرامة: «هذا ليس ملكي، وهذا ليس يوم إجازتي؛ فأنا أحصل على إجازة مرة واحدة في الشهر تمامًا مثل الآخرين، ثم أذهب إلى المنزل وأنظفه لأمي كي تستريح يومًا من عنائها.»

شربت ماري قليلًا من الشاي وأكلت شريحة خبز وقليلًا من المربى.

قالت مارثا: «والآن عليكِ ارتداء بعض الملابس الثقيلة والخروج للركض واللعب؛ فهذا سيُفيدك ويُساعدك في هضم الطعام حتى تستطيعي تناول اللحم.»

ذهبت ماري إلى النافذة، ورأت حدائق وممرات وأشجارًا كبيرةً، لكن بدا لها كل شيء مُملًّا ومكتسيًا بكآبة الشتاء.

«في الخارج؟ لماذا عليَّ الخروج من المنزل في يوم مثل هذا؟»

«حسنًا، إذا كنتِ لا تريدين الخروج، فيُمكنكِ البقاء في المنزل، لكن ماذا ستفعلين؟»

نظرت ماري حولها، لم يكن ثَمة شيء تفعله؛ فحين جهَّزت لها السيدة ميدلوك حجرة الأطفال، لم تُفكر في سُبل الترفيه. ربما كان من الأفضل الذهاب ورؤية الحدائق.

تساءلت: «مَن سيخرج معي؟»

حدَّقت فيها مارثا.

وأجابتها: «ستَخرُجين وحدك؛ سيكون عليكِ تعلُّم اللعب مثلما يفعل الأطفال الآخرون، حين لا يكون لديهم إخوة وأخوات. فأخي ديكون يخرج إلى المستنقع وحده ويلعب ساعات، وبهذه الطريقة تعرَّف على المهر وأصبح صديقه. كذلك توجد خِراف في المستنقع تعرِفه، وطيور تأتي لتأكل من يده. ومهما كان الطعام شحيحًا، فإنه دومًا ما يدَّخر جزءًا من خُبزه لمداعبة حيواناته الأليفة.»

في الواقع كان الحديث عن ديكون هو ما دفع ماري إلى الخروج من المنزل، وإن كانت لم تعِ ذلك؛ فستجد طيورًا بالخارج، على الرغم من عدم وجود مهور أو خِراف، وستكون هذه الطيور مختلفة عن نظيرتها في الهند، وربما تستمتع بالنظر إليها.

أحضرت لها مارثا معطفها وقبعتها وحذاءً طويلًا ثقيلًا، وأرشدتها إلى الطريق إلى الطابق السفلي.

قالت لها وهي تُشير إلى بوابة وسط سياج من الشجيرات: «إذا سلكتِ هذا الطريق ستصلين إلى الحدائق. ستجدين الكثير من الزهور الصيفية، لكنها لم تُزهر بعد.» ثم بدا عليها التردُّد برهة قبل أن تضيف قائلةً: «إحدى هذه الحدائق مُغلَقة؛ فلم يدخلها أحد منذ عشر سنوات.»

سألتها ماري رغمًا عنها: «لماذا؟» فها هو باب آخر موصد يُضاف إلى الأبواب المائة التي يعج بها هذا البيت الغريب.

«لقد أمر السيد كرافن بإغلاقها بعد وفاة زوجته المفاجئة، ولا يسمح لأحد بدخولها؛ فقد كانت هذه حديقتها، فأوصد الباب، وحفر حفرةً دفن فيها المفتاح. هذا صوت جرس السيدة ميدلوك … عليَّ الذهاب على الفور.»

بعدما ذهبت، سارت ماري في الممر المُؤدِّي إلى الباب الكائن وسط سياج الشجيرات. ولم تَستطِع أن تمنع نفسها من التفكير في الحديقة التي لم يدخلها أحد منذ عشر سنوات. تساءلت كيف يُمكن أن يكون شكلها، وما إذا كانت ما زال بها أزهار حية. حين مرَّت عبر بوابة الشجيرات، وجدت نفسها في حدائق ضخمة، بها مروج واسعة وممرات متعرِّجة وحواف مُقلَّمة. كانت تحوي بين جنباتها أشجارًا وأحواضَ أزهار، ونباتات دائمة الخضرة مُقلَّمة بأشكال غريبة، وبِركة ضخمة في وسطها نافورة قديمة رمادية اللون. ولكن كانت أحواض الأزهار كئيبة وخالية من الأزهار، ولم تكن النافورة تعمل. لم تكن هذه هي الحديقة الموصدة. كيف يُمكن لحديقة أن تُوصد؟ يمكن للمرء دومًا السير في الحديقة.

كانت تفكر في هذا حين رأت، في نهاية الممر الذي كانت تتبعه، ما بدا لها كسِياج طويل ينمو عليه نبات اللبلاب. لم تكن تعرف إنجلترا بالقدر الكافي لتُدرك أنها كانت متَّجهة إلى حدائق المطبخ حيث تُزرَع الخضر والفاكهة. فاتَّجهت نحو هذا السياج واكتشفت أن ثمَّة بابًا أخضر اللون داخل اللبلاب، وقد تُرك مفتوحًا. كان واضحًا أن هذه لم تكن الحديقة المغلقة، وتمكَّنت من الدخول.

دخلت عبر الباب لتجد نفسها داخل حديقة تُحيط بها أسوار من كل جانب، وعلمت أنها إحدى الحدائق المُسوَّرة العديدة المؤدِّي بعضها إلى بعض. رأت بابًا أخضر آخر مفتوحًا تظهر من ورائه شجيرات وممرات بين أحواض بها خضراوات شتوية. أما أشجار الفاكهة فكان نموُّها موجَّهًا نحو السور في شكل مُستوٍ، وفوق بعض الأحواض كانت ثمَّة أُطُر زجاجية. وقفت ماري تُحدِّق فيما حولها وهي ترى أن المكان قفرٌ وقبيحٌ بما يَكفي. ربما يُصبح أفضل في فصل الصيف، حين تخضرُّ الأشياء، لكنه كان يخلو من أي جمال الآن.

في تلك اللحظة مرَّ رجل مسنٌّ يحمل مجرفة فوق كتفه عبر الباب الذي يفتح على الحديقة الثانية. بدا مذهولًا حين رأى ماري، ثم لمَس قبَّعته. كان وجهه مكفهرًّا يكتسي بعلامات الشيخوخة والهرم، وبدا عليه الاستياء من رؤيتها، لكنها كانت مُستاءة أكثر من حديقته ورسمت على وجهها تعبير «الفتاة المشاكسة»، وبالتأكيد لم تبدُ سعيدة تمامًا برؤيته.

سألته: «ما هذا المكان؟»

أجاب: «إنها إحدى الحدائق التابعة للمطبخ.»

قالت ماري وهي تُشير عبر الباب الأخضر الآخر: «ما هذا؟»

أجاب باقتضاب: «واحدة أخرى، وتُوجَد حديقة أخرى على الجانب الآخر من السور وبستان الفاكهة على الجانب الآخر.»

سألته ماري: «هل يُمكنني دخولها؟»

«إذا أردتِ ذلك، لكن لا يوجَد ما ترينه فيها.»

لم تُجِب ماري، وسلكت الممرَّ ودخلت عبر الباب الأخضر الثاني. وهناك وجدت المزيد من الأسوار والخضراوات الشتوية والأُطر الزجاجية، لكنها وجدت في السور الثاني بابًا آخر أخضر اللون لكنه لم يكن مفتوحًا. ربما كان هذا الباب يؤدِّي إلى الحديقة التي لم يرَها أحد طوال عشر سنوات. وبما أن ماري لم تكن قطُّ طفلة جبانة، وتفعل دومًا ما تُريده، اتجهت نحو الباب الأخضر وأدارت المقبض. كانت تأمُل ألا يُفتح الباب؛ لأنها كانت تريد أن تتأكد من أنها قد وجدت الحديقة الغامضة، لكنه فُتح بسهولة بالغة ودخلت عبره لتجد نفسها داخل بستان للفاكهة. كان المكان مُحاطًا أيضًا بأسوار، تتكئ عليها الأشجار، وكانت ثمَّة أشجار فاكهة خالية من الثمار نامية وسط أعشاب بنية أذبلها الشتاء، لكنها لم ترَ أي باب أخضر في أي مكان. بحثت ماري عن الباب، ولكن حين دخلَت إلى الطرف الأقصى من الحديقة، لاحظت أن السور يبدو لا ينتهي مع حدود بستان الفاكهة، بل يمتد إلى أبعد منه كما لو كان يحيط بمكان على الجانب الآخر. كان باستطاعتها رؤية قمم الأشجار من فوق السُّور، وحين وقفت ساكنة رأت طائرًا ذا صدر أحمر زاهٍ، يجلس فوق أعلى فرع من فروع هذه الأشجار، وفجأة بدأ يغرد بأغنية شتوية، كما لو أنه رآها وينادي عليها.

توقَّفت لتستمع إليه، وأعطاها صفيره الخفيض بوقعه المُبهج الودود، شعورًا بالسعادة؛ فليس مستبعدًا أن تشعر فتاة صغيرة سيئة الطبع بالوحدة، كما أن المنزل الكبير المغلق، والمستنقع الكبير المقفر، والحدائق الكبيرة الجرداء، كل ذلك جعلها تشعر كما لو كان لم يتبقَّ أحد في العالم سواها. لو كانت طفلة رقيقة، اعتادت أن تشعر بالحب، لانفطر قلبها، ولكن على الرغم من كونها «الآنسة ماري الفتاة المشاكسة»، فقد كانت تشعر بالوحدة، ولدى رؤيتها للطائر الصغير الزاهي الصدر، ارتسم على وجهها الصغير العابس ما يشبه الابتسامة. ظلت تُنصِت إليه حتى طار بعيدًا. لم يكن يُشبِه أيًّا من الطيور الهندية، وأحبَّته كثيرًا وتساءلت ما إذا كانت ستراه مرةً أخرى. لعله كان يعيش داخل الحديقة الغامضة ويعرف كل شيء عنها.

ربما كان إسهابها في التفكير بشأن الحديقة المهجورة لعدم وجود أي شيء آخر تفعله. لقد كان لديها فضول بشأنها، وأرادت أن ترى شكلَها. لماذا دفَن السيد أرتشيبولد كرافن المفتاح؟ ولو كان يحبُّ زوجته إلى هذا الحدِّ، لماذا يَكره حديقتَها؟ تساءلت إن كانت ستراه على الإطلاق، لكنها كانت تعلم أنها إن رأته فلن تُحبَّه، وهو أيضًا لن يحبَّها، وأنها ستقف فقط وتُحدِّق فيه دون أن تنطق بشيء، على الرغم من رغبتها الشديدة في سؤاله عن سبب إقدامه على مثل هذا الفعل الغريب.

فكَّرت في نفسها قائلة: «الناس لا يُحبونني أبدًا، وأنا لا أحب الناس أبدًا. ولن أستطيع أبدًا التحدث كأطفال كروفورد؛ فقد كانوا دومًا يتحدثون ويضحكون ويُحدِثون ضجة وصخبًا.»

فكَّرت في طائر أبي الحنَّاء وكيف بدا أنه يُنشد أغنيته لها، وتذكَّرت قمة الشجرة التي كان جاثمًا عليها وتوقفت فجأة في الممر.

قالت: «أعتقد أن هذه الشجرة كانت داخل الحديقة السرية … أكاد أجزم بهذا؛ فقد كان ثمَّة سور حول المكان لكن لا وجود لأي باب.»

عادت أدراجها إلى أول حديقة دخلتها من حدائق المطبخ، ووجدت العجوز يحفر هناك. ذهبت ووقفَت بجواره وظلَّت تراقبه لبضع لحظات بأسلوبها البارد. لم ينتبه العجوز إلى وجودها على الإطلاق؛ ما اضطرها في النهاية لمبادرته الحديث.

قالت: «لقد دخلتُ الحدائق الأخرى.»

أجابها بجفاء: «لم يكن ثمة ما يمنعكِ من فعل هذا.»

«ودخلتُ بستان الفاكهة.»

أجاب: «لم يكن يوجد كلب على الباب ليعقرك.»

قالت ماري: «لم أجد فيها بابًا يؤدي إلى الحديقة الأخرى.»

قال العجوز بصوت أجش، وقد توقَّف عن الحفر للحظة: «أي حديقة؟»

أجابته الآنسة ماري: «الموجودة على الجانب الآخر من السور. توجد أشجار هناك، لقد رأيت قِمَمها. وكان ثمَّة طائر ذي صدر أحمر يَجلس على واحدة منها ويغني.»

تفاجأت حين تغيَّر التعبير المُرتَسم على هذا الوجه العجوز المكفهِر المَسفوع؛ إذ كسته ابتسامة تسلَّلت إليه ببطء وتغير شكل هذا البستاني تمامًا، ما جعلها تُفكِّر كم هو غريب أن يبدو الشخص أجمل كثيرًا حين يَبتسم؛ فلم تفكر في هذا الأمر من قبل.

استدار الرجل نحو جانب البستان المطلِّ على حديقته وبدأ في الصفير، بصوت منخفض ورقيق. لم تفهم كيف يُمكِن لرجل فظٍّ كهذا أن يُصدر مثل هذا الصوت الرقيق. وفي اللحظة التالية تقريبًا حدث شيء مذهل. سمعت صوت حركة سريعة في الهواء لشيء صغير يطير، وكان الطائر ذو الصدر الأحمر يطير نحوهما، وحطَّ على كتلة التراب الكبيرة الكائنة بالقرب من قدم البستاني.

ضحك العجوز وقال: «ها هو.» ثم أخذ يتحدث إلى الطائر كما لو كان يتحدث إلى طفل صغير.

قال له: «أين كنتَ، أيها الشقي الصغير؟ لم أرَك قبل اليوم. هل بدأت في التزاوج في هذا الوقت المبكر من الفصل؟ يا لجرأتك!»

وضع الطائر رأسه الصغير على جانب ونظر إلى أعلى نحو الرجل، بعينه الرقيقة اللامعة، التي كانت أشبه بقطرة ندى سوداء. بدا أليفًا للغاية ولم يكن خائفًا على الإطلاق. ظل يقفز وينقر الأرض بهمة وخفة بحثًا عن البذور والحشرات، ما أوقع في قلب ماري شعورًا غريبًا؛ إذ بدا كأنه إنسان من فرط بهائه ومرحه. كان جسمه صغيرًا ممتلئًا ومنقاره رفيعًا، ورجلاه صغيرتين ونحيلتين.

سألت بصوت يكاد يقارب الهمس: «هل يأتي دومًا حين تُنادي عليه؟»

«أجل، يأتي؛ فأنا أعرفه منذ كان فرخًا صغيرًا؛ فقد خرج من عُشه في الحديقة الأخرى، وحين طار لأول مرة فوق السور، كان ضعيفًا للغاية حتى إنه لم يقدر على العودة لبضعة أيام، وهكذا صرنا أصدقاء. وحين طار فوق السور مرةً أخرى، كان باقي الصِّغار قد ذهبوا ووجد نفسه وحيدًا فعاد إليَّ.»

سألته ماري: «ما نوع هذا الطائر؟»

«ألا تعرفين. إنه أبو الحنَّاء ذو الصدر الأحمر، وهي أكثر الطيور وداعة وفضولًا على الإطلاق. إنها أليفة وودودة تمامًا مثل الكلاب، إذا عرفتِ كيف تتعاملين معها. انظري إليه وهو يَنقر في الأرض هناك وينظر نحونا بين الحين والآخر. إنه يعلم أننا نتحدَّث عنه.»

كان منظر هذا العجوز أغرب شيء في العالم على الإطلاق؛ فقد كان ينظر إلى هذا الطائر الصغير المُمتلئ الجسم ذي الصدرية القرمزية كما لو كان فخورًا ومولعًا به في الوقت نفسه.

ضحك وقال: «إنه طائر مُتغطرِس؛ فهو يحب أن يسمع الناس تتحدث عنه. وفضولي أيضًا، ليباركه الرب، ما من كائن يضاهيه في فضوله وتطفله. إنه يأتي دومًا ليرى ما أزرعه. إنه يعرف كل الأشياء التي لم يَشغل السيد كرافن نفسه بمعرفتها. إنه كبير البستانيِّين؛ نعم هو كذلك بالفعل.»

أخذ أبو الحنَّاء يتقافز هنا وهناك بهمة وهو ينقر التربة، وكان يتوقف بين الحين والآخر لينظر إليهما. ظنَّت ماري أن عينيه السوداوين اللتين تشبهان قطرات الندى تُحدِّقان فيها بفضول بالغ؛ فقد بدا الأمر بالفعل كما لو أنه يُحاول معرفة كل شيء عنها. وازداد الشعور الغريب الذي تولَّد بداخلها وتساءلت: «إلى أين طار باقي الصغار؟»

«لا أحد يعلم؛ فالطيور الكبيرة تُدربها داخل عُشها وتتركها تطير فتنتشر قبل أن ينتبه المرء أنها قد طارت. وقد كان هذا الصغير ذكيًّا، وأدرك أنه وحيد.»

اقتربت الآنسة ماري خطوة من أبي الحنَّاء ونظرت إليه بتمعُّن شديد.

ثم قالت: «أنا وحيدة.»

لم تكن تُدرك من قبل أن هذا كان أحد الأشياء التي تجعلها تشعر بالحنق والغضب. وبدا أنها قد اكتشفت هذا حين نظر أبو الحنَّاء إليها ونظرت إليه.

دفع البستاني العجوز قبعته إلى الخلف على رأسه الأصلع وحدَّق فيها للحظة.

وسألها: «ألستِ الفتاة الصغيرة القادمة من الهند؟»

أومأت ماري.

فقال لها: «لا عجب إذن أنكِ تشعرين بالوحدة. ولا بد أنكِ كنتِ تشعرين بالوحدة أكثر قبل مجيئك.»

بدأ العجوز في الحفر مرةً أخرى، دافعًا مجرفته إلى عمق أكبر في تربة الحديقة السوداء الخصبة، بينما ظل أبو الحنَّاء يقفز في كل مكان بنشاط بالغ.

تساءلت ماري: «ما اسمك؟»

وقف ليرد عليها.

فأجابها قائلًا: «بِن ويذرستاف»، ثم أضاف بضحكة جافة: «وأنا وحيد أيضًا فيما عدا حين يكون معي.» وأشار بإبهامه نحو أبي الحنَّاء مردفًا: «إنه صديقي الوحيد.»

قالت ماري: «ليس لديَّ أيُّ أصدقاء على الإطلاق. ولم يكن لي يومًا. وخادمتي الخاصة لم تكن تحبَّني ولم أكن ألعب مع أحد.»

من عادة أهل يوركشاير قول ما يخطر بأذهانهم بصراحة تامة، وكان بِن ويذرستاف العجوز من أبناء يوركشاير القاطنين على المستنقع.

قال لها: «أنا وأنتِ يُشبه بعضنا بعضًا كثيرًا؛ فنحن كنبتتين من حبة واحدة؛ فكلانا يفتقر إلى الجمال، وكلانا سيِّئ الطبع بقدر سوء مظهرنا. ولدينا الطباع السيئة نفسها، أنا متأكد من هذا.»

كان حديث بِن صريحًا بلا مجاملات، بينما لم تسمع ماري لينوكس من قبل حقيقة نفسها طوال حياتها؛ فقد كان الخدم المحليون طوال الوقت ينحنون لها عند التحية ويَخضعون لأوامرها، مهما فعلت. لم تفكر من قبل قط في شكلها، لكنها تساءلت عمَّا إذا كانت تفتقر إلى الجاذبية مثلما وصفها بِن ويذرستاف أم لا، وتساءلت أيضًا إن كانت تبدو سيئة الطبع مثلما بدا هو قبل مجيء أبي الحنَّاء. بل إنها بدأت تتساءل أيضًا عمَّا إذا كانت «سيئة الطبع» بالفعل. شعرت بعدم ارتياح؛ وفجأة صدر صوت خفيض مُتماوج وواضح بالقرب منها فالتفتَت. كانت تقف على بُعد خطوات من شجرة تفاح صغيرة وقد طار أبو الحنَّاء إلى أحد فروعها وانطلق في الغناء. وانفجر بِن ويذرستاف في الضحك.

سألته ماري: «لماذا فعل ذلك؟»

رد بِن: «لقد قرَّر أن يصبح صديقًا لكِ. أنا متأكد أنه قد أحبكِ.»

قالت ماري: «أحبني؟» ثم تحركت نحو الشجرة الصغيرة بهدوء ونظرت إلى أعلى.

قالت لأبي الحنَّاء كما لو كانت تتحدَّث إلى إنسان: «هلا صِرنا صديقين؟ هل تريد ذلك؟» لم تقل ذلك بصوتها الصغير القاسي ولا بصوتها الهندي المُتغطرِس، بل بصوت رقيق ومتلهف ولطيف للغاية لدرجة فاجأت بن ويذرستاف تمامًا مثلما تفاجأت هي حين سمعته يُصفِّر.

صاح قائلًا: «لقد قلتِ هذا بطريقة إنسانية ولطيفة للغاية كما لو كنتِ طفلة صغيرة بحق ولستِ سيدة عجوز حادة الطباع. لقد تحدَّثت تقريبًا مثلما يتحدث ديكون مع المخلوقات البرية في المستنقع.»

سألته ماري ملتفتة إليه سريعًا: «هل تعرف ديكون؟»

«الجميع يعرفون ديكون؛ فهو يتجوَّل في كل مكان. حتى نباتات توت العليق والخلنج تعرفه. أَجزم بأن الثعالب لا تخشى على جرائها منه وطيور القُبَّرة لا تُخبِّئ فراخها منه.»

أرادت ماري طرح مزيد من الأسئلة؛ فقد كان لديها فضول بشأن ديكون يُضاهي فضولها بشأن الحديقة المهجورة. ولكن أبا الحنَّاء، الذي أنهى أغنيته، هزَّ جناحيه في هذه اللحظة وفردهما وطار بعيدًا؛ فقد أدَّى زيارته والآن لديه أشياء أخرى ليفعلها.

صاحت ماري وهي تراقبه: «لقد طار فوق السور! لقد طار إلى داخل بستان الفاكهة، ثم طار عبر السور الآخر إلى داخل الحديقة التي ليس لها باب!»

قال بِن العجوز: «إنه يعيش هناك. لقد خرج من بيضته هناك. وإذا كان في سبيله إلى التزاوج، فلا بدَّ أن ثمَّة أنثى شابة من فصيلة أبي الحنَّاء تعيش بين أشجار الورد القديمة هناك.»

قالت ماري: «أشجار الورد! أتوجد أشجار ورد؟»

رفع بن ويذرستاف مجرفتَه مرةً أخرى وبدأ في الحفر.

تمتم قائلًا: «كانت هناك منذ عشر سنوات.»

قالت ماري: «أريد أن أراها، أين الباب الأخضر؟ لا بدَّ أن ثمَّة بابًا في مكان ما.»

تعمَّق بِن في الحفر بمجرفته وعاد إلى سابق عهده متحفِّظًا منعزلًا تمامًا كما بدا عندما رأته لأول مرة.

قال: «كان هناك منذ عشر سنوات، لكنه لم يعد موجودًا الآن.»

صاحت ماري: «لا يوجد باب! لا بد أن هناك واحدًا.» «لا يوجد باب يُمكن لأي أحد العثور عليه، فهو ليس من شأن أي شخص. لا تكوني فتاة متطفِّلة وتَدسِّين أنفك فيما لا يَعنيكِ. الآن عليَّ مواصَلة عملي. هيا اذهبي للَّعب؛ لم يَعُد لديَّ وقت.»

في هذه اللحظة توقَّف عن الحفر، وألقى مجرفته عن كتفه وسار مُبتعدًا، دون حتى النظر إليها أو تحيتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠