الفصل العاشر

الفن: مقارباتٌ نثرية

وإذا ما فقد الإنسانُ صراطَ الجَمال مَرِض. لقد كان الغرض الأول من الفن البدائي أن يُسعف الإنسانَ في شفاءِ مثلِ هذا المرض، بل إنَّ ميزة الشفاء هذه هي قاعدة الفن كله.

ألكسندر إليوت

عُود

منعَّمًا بالكفاف مزدانًا بالتقشُّف،
ترقد أنت بين أشياءَ أخرى،
بعضها من خشبٍ مثلك؛
مقعد، طاولة، خزانة …
وبعضها غير ذلك،
وبعضها أطعمةٌ وأشربة،
أخاطبها جميعًا ﺑ «هو»،
وأخاطبك ﺑ «أنت»!
جميعها «موضوعات» وأنت «ذات»،
جميعها محطاتٌ وأنت نهاية،
جميعها وسائل وأنت غاية،
جميعها رِبْقةٌ وأنت خَلاص،
جميعها سِجنٌ وأنت انعتاق،
جميعها تَعصِبُ وتَحجُب، وأنت تَكشِفُ وتُبِين،
جميعها تُخيِّب وتُرهِق وتُدوِّخ (مثل خِرقة الماتادور)،
وتَسلُقُ أحجارًا لجَوْعى الروح
وتَتركهم كالذي كانوا،
وأنت تَغمرهم في الوَجْد،
وتسقيهم شرابًا لا ظمأ بعده،
وتتركهم خلقًا آخَر.
… … …
ترقد أنت بين الأشياء الأخرى وكأنَّك بعضها،
وأنت تعلم أن البَوْنَ بعيدٌ
بين بَلَادة السفح وعِزَّة الذُّرى،
بين طين السقوط وأثير الصعود،
بين رتابة الظلام
وفجأة البرق.

جرامافون

لم يحدث قط أنْ صَدَر عن دماغ أي مشعوذٍ نظريةٌ أكثر شؤمًا من نظرية التطور في الفن.

كلايف بِل: الفن
البحر أقدمُ والنفوس قديمةٌ
فالنفس تَألَفُه ولا تنساه
العقاد
ولو كنا نعرف خطوة الرقصة لتمكنَّا ربما من مد خيطٍ في اللابِرِنث.١
ألكسندر إليوت
لماذا يَأسِرنا هذا النغم الخارج من التاريخ؟
لماذا تعرفه الرُّوح وتَأنَس إليه؟
ألأنه يتولى عنها شيئًا تريد أن تقوله؟
لأنه يخاطبها بلُغتها التي لا نعرفها؟
لأنه يَرُدُّ إليها شيئًا سُرِقَتْه؟
ويَغمُرها بشُجونٍ قديمةٍ لا نَذكُرُها ولا ننساها؟
… … …
لماذا يبدو هذا النغم جديدًا كأنه ابنُ اليوم؟
وطليعيًّا كأنه ابنُ الغد؟
أهو قديمٌ حقًّا؟
أم هو، ببساطة، شيءٌ لا زمَنَ له؟
… … …
أهو خيطُ أريان؟
الذي يَردُّ المرءَ إلى نفسه،
وينتزع عنه عِصابة الحسِّ وهذيان الجسد،
ويُخلِّصه من ظلِّه ويُعيد إليه التوجُّه؛
فيفرح بالخلاص،
وينتشي بالعِرْفان كأنما أطبقَتْ عليه حقيقة كل شيء،
وتأخذه الدهشة،
وتأخذه الغِبطة،
ويأخذه الوَجْد؟

عازف

لا تَدقَّ على الوتر هذه الدقات ما دمتَ لا تَعرف ماذا تفعل بنا:
… … …
تُؤَوِّب بنا إلى اللغة البَدئية الأولى؛
اللغة الأصل التي تخطُّ الحقيقة كما هي قبل أن تأتيَ اللغات وتَطمِس،
اللغة التي كنا نتحدَّثها في وطنِنا الأول،
قبل أن «نُرمَى بظلِّنا»،
قبل أن تُغرِّبَنا الحياة وتُصيبنا باللُّكْنَة،
تُذكِّر الروحَ بأشياءَ قديمةٍ وشجونٍ أصلية،
تفضح زيفَ كل شيء، وتكشف أننا لا نرى إلا الغطاء من دون الصميم، ولا نسمع سوى اللغط من دون الحق، الحق الراسخ ذي الأقدام، والباقي بعد زوال الأوهام.
بل أنت تعرف … وإلَّا لَما كنتَ تضرب هذه الضربات بعينِها من بين ما لا حدَّ له من الضربات المُمكنة.
أنت تعرف اللغة الأصلية،
أنت تعرف السر.

حلول

ليس في الألوان بل في التناسُق،
ليس في الأصوات بل في التوافُق،
ليس في الكُتل بل في النِّسَب،
ليس في الكلمات بل في السياق،
ليس في المعاني بل في أُفق المعاني،
ليس في الأعضاء بل في حوار الأعضاء،
… … …
يَقطُن المُطلَق.

قلب الحجاز٢

«خبرات الأجيال لا تُزدرَى، القواعد يُسْرٌ وإلهام، وتنقيةٌ وتطهُّر.»
خلجاتٌ كثيرةٌ مرَّت من هنا
منذ أحقابٍ سحيقة،
فعبَّدَتْه لأفواجٍ تأتي،
ورَدَّتْه ذَلولًا للسالكين.
… … …
قلبُ الحجاز خزانةُ الشَّجَن،
ومجمع النَّشوات.
صِراطُ الجَمالِ مَن حادَ عنه خُيِّبَ وأُعثِر،
ومَن لَزِمه بلَغَ الوَجْد،
وارتوى ارتواءَ الأبد،
وانطفَأَ الانطفاءَ الصحيح.

أم كلثوم

قلَّما يفشل إنسانٌ في بلوغ النجاح والازدهار في مثل هذا الوقت والبلد، إذا كان يحمل في جنباته بذورًا.

وِل ديورانت (عن العصر الإليزابيثي)
زَوْرةٌ من عصر بُناة الأهرام!
(وإن كانت الأهرام نغمًا متجمِّدًا وأم كلثوم عمارةً في الزمان.)
زَوْرةٌ طارئة، موسمٌ نادر.
ثَمة أَعْصرٌ تَنبُغ فيها الأنفس وتستفيق أرواحُ الأمم،
أعصرٌ يَغفَل زبانيتها فتَرتَعُ الكائنات وتتعهَّد ذاتها!
ويَشطَأُ النَّبتُ ويَعشُبُ الحَجَرُ ويَدِبُّ العصيرُ في عروق الخلائق،
تَعجَبُ فيها كم تَبلُغ الهاماتُ وتَسمُق القامات،
وتُدرِك فيها أنَّ الوَجْد هو الأصل،
أنَّ الإبداع هو الأصل،
أنَّ الجمال هو الأصل.

يوم كانت مصر وهابية

… وأنْ أتصوَّره أبدًا هوًى سابحًا، وروحًا هائمًا، وصوتًا هافيًا يُشرَب بالأذن صِرفًا …

إبراهيم عبد القادر المازني
عبد الوهاب
سماءٌ فراديسيةٌ مُعطَّرة
كانت مُسبَلةً على مصر لنصف قرنٍ من الزمان.
نصف قرن من الزمن ومصر نصفُها بلدٌ،
ونصفها حُلْم!

بسمة

لن يُفلح التصنع إلا في أن يعيق اتحادنا.

طاغور
فيضٌ أبيض،
مطمئنٌ كحليب الجوز،
صحوٌ كسريرة الرضيع،
الله ينفخ فيها
من صدقه،
فتَرفَع ككَتفِ أطلس،
وتُحيي ككفِّ المسيح،
وتَلج إلى الروح كمن يدخل داره،
وتلتئم بالقلب كأنها بعضه.
… … …
الصدق
كلمة السر التي تُفتح لها المغاليق وتُفسَح الطرق،
وتَحتكم في المملكة الحقيقية؛
المملكة الحقيقية المحجوبة داخل ممالك الزيف وتيجان الكذب.
… … …
الصدق
ما أندره!
وما أعصاه!
وما ألغزه!

رصانة

لم يُقرِض الفنَّ شيئًا فيأخذ منه،
وشبَّ ولم تتخلَّق لديه ذائقة الفن ولم تُبرعم فيه مستقبلات الجمال،
وها هو يعبر على بدائع الفن واطئًا كخنزيرٍ على خبز البنين،
ويقبع بين روائع الفن رصينًا كالخصيِّ بين الحريم.

•••

كلما هلك الإبداع الحقيقي حلَّق البُغاث الأكاديمي.

فتوقٌ في الزمن

الجَمال يكره الفائض،
مثلما تكره الشموع النَّزق.
البلاغة إيجاز،
والشعر لمْح،
والفن إيماءٌ وإشارة
وطرحٌ للزائد،
ونبذٌ لكل معلومٍ ومفهومٍ ومُستبِق،
وتجليات الجميل بروقٌ خاطفةٌ،
لا تستهلك زمنًا
لأنها فتوقٌ في الزمن.

أنثوية الفن!

في الجمال كثيرٌ من صفات الأنوثة؛
فهو لمحٌ وإيماءٌ وإغواء،
وغيبٌ وبُعدٌ ووعد،
ونداءٌ حييٌّ، وهمسٌ نافذ، وبوحٌ صامت،
ودلالٌ محظيٌّ وغموضٌ محبَّب،
يتنكَّب العنف والاقتحام،
ويبغض التصريح والمباشرة،
وهو إمكانٌ يكره الجَزم،
وولَّافٌ يضم النقائض ويَحتملها،
وهو لطفٌ وعطفٌ وصفح،
وانسيابيةٌ ونداوةٌ وطراوة.
١  (في الميثولوجيا الإغريقية) هو الخيط الذي أعطاه ديدالوس ليَجمع بين أريان؛ إذ تَنتظِر بالخارج، وثيسيوس الذي كان عليه أن يدخل قصر اللابِرِنت (ليقتل المينوتور)؛ وهو قصرٌ متاهةٌ لا يعرف مَن يدخله كيف يخرج منه، كما أنه مُفعمٌ بأبخرةٍ مخدِّرة تجعله لا يرغب أصلًا في الخروج.
٢  المقام الموسيقي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤