الفصل التاسع

الفن والأخلاق

عارف التقديس روحيٌّ وإن قدَّس جسمًا.

العقاد

الشعر يُتيح لقاء الفرادات، معيدًا خلقنا باستمرارٍ في وحدة إنسانية كونية، إنه يُدخلنا في نشوةٍ هي حالةٌ من النوم اليقظ، وفي هذا النوم الذي هو الصحو الأكمل، يعمل البشر بأخوةٍ لصيرورة العالم.

أدونيس

كم من حريةٍ عارمةٍ تُمنح لمن يتحدث إلى الغوغاء بمسلَّماتها المقبولة! فأقل ما يمكن للدولة أن تفعله هو أن تحمي من لديهم قولٌ يُحتمل أن يُسبب شغبًا، إن ما لا يؤدي إلى الشغب ربما لا يستحق أن يُقال.

كلايف بِل

(١) الفن خير

يقدم كلايف بِل في فصل «الفن والأخلاق» تحليلًا لمفهوم «الخير» يَسترشد فيه بحدسية جورج مور G. Moore في كتابه الذائع الصيت «مبادئ علم الأخلاق» Principia Ethica، ويَخلص منه إلى نتيجة مفادها أن الحالات الذهنية الخيِّرة هي وحدها خيرٌ كغايةٍ في ذاتها، ويترتَّب على ذلك أن علينا لكي نُبرِّر أي نشاطٍ إنساني تبريرًا أخلاقيًّا أن نتساءل: هل هذا النشاط هو وسيلة إلى حالاتٍ ذهنية خيِّرة؟ أما في حالة الفن فإن جوابنا سيكون فوريًّا وقائمًا على خبرة وجدانية حقيقية؛ فالفن ليس فقط وسيلةً إلى حالاتٍ ذهنية خيرة، بل ربما يكون أقوى الوسائل التي في حَوزتنا وأكثرها مباشرة، إنه أكثرها مباشرةً لأنه لا شيء أسرع منه تأثيرًا في الذهن، وأكثرها قوةً لأنه لا توجد حالة ذهنية أكثر امتيازًا وشدةً من حالة التأمُّل الإستطيقي، وأنت حين تعدُّ أي شيءٍ عملًا فنيًّا فإنك إذن تُقيم حكمًا أخلاقيًّا خطيرًا؛ لأنك بذلك تعدُّه وسيلةً إلى الخير مباشرةً وفعالةً بحيث لا يُعوزنا أن نكرث أنفسنا بأي شيءٍ من نتائجه المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم بين أعمالٍ فنية معيَّنة لن يكون لها ما يُبرِّرها، فليُقم الداعية الأخلاقي حكمًا على الفن ككل، وليُقيِّض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقام مقام أحكامٍ إستطيقية، أي أحكامٍ مقارنة بين أعضاء فئةٍ واحدة، أي بين الأعمال الفنية بوصفها أعمالًا فنية، فليُمسك هذا الداعية لسانه.١

(٢) المفارقة

كلنا يعرف قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير، ويَعرف قصتها، وهي قصيدةٌ جادةٌ في مدح الرسول والاعتذار له، يقول مطلع هذه القصيدة:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا
إِلا أَغَنُّ غَضيضُ الطَّرفِ مَكحولُ
هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً
لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا ابتَسَمَت
كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ
شُجَّت بِذي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحنِيَةٍ
صافٍ بِأَبطَحَ أَضحى وَهُوَ مَشمولُ

تقول هذه الأبيات فيما تقول: إنَّ بطلة القصيدة، سعاد، نحيلةٌ إذا نُظرت من الأمام، وكبيرة العجز إذا نُظرت من الخلف، أسنانها حين تبتسم تنمُّ عن ثغرٍ باردٍ، كأنه تناول قدحين من خمرٍ ممزوجٍ بماءٍ شديد البرودة …

كيف تلقى النبي هذه القصيدة؟

لم يجتزئ، ولم يَخلط «المقولات» categories، ولم يُحمِّل الأبيات ما لا تَحتمِل، بل قام، ببساطةٍ، وخلع بردتَه على مبدعها، تعبيرًا عن أعلى درجات التكريم.

•••

بين الفن والأخلاق علاقةٌ منطقية دقيقة حتى المفارقة paradox، وتحتاج منذ البداية إلى حنكة كبيرة في ترسيم الحدود وفض الاشتباك، وإلا فهي تُفضي إلى جدلٍ عقيمٍ لا يُثمر، ونزاعٍ طويل لا ينتهي.
فالفن موكل بمقولة «الإستطيقي» والأخلاق موكلة بمقولة «الخير»، وبديهٌ أن مقولة «الإستطيقي» غير مقولة «الخير»، وأن الفن يوصف بالجودة أو الرداءة (الفنية)، ولا يصح أن يوصف بالشر أو الخير (الأخلاقي)، ومن يفعل ذلك يقع في «خطأ مقولي» category mistake أو «نظم لغوي فاسد» bad syntax، حسبما تُفضل من تعبير، ومن الجهة الأخرى تُعد الأخلاق هي القانون الذي يَحكم نطاق الأفعال البشرية، والفن فعلٌ أو نشاطٌ بشريٌّ، فهو من ثم خاضعٌ للنقد الأخلاقي شأنه شأن غيره من الأفعال والأنشطة.
هذه مفارقةٌ واضحة، حلُّها أن الفن، من حيث هو فعل بشري، مطالبٌ تمامًا بتبرير نفسه، غير أن مقولات الأخلاق يجب ألا تدخل أرض الإستطيقا؛ إذ إنَّ نطاق الإستطيقا نطاقٌ محايدٌ أخلاقيًّا أو «خاملٌ أخلاقيًّا» amoral، ولا حكم فيه إلا لمقولة «الإستطيقي»، ولكن بمجرد أن نَحكم على عملٍ بأنه «عملٌ فني» حقيقي، أي ذو قيمةٍ إستطيقية، أي ذو شكلٍ دال، نكون قد برَّرناه أخلاقيًّا أيضًا؛ ذلك أن «الانفعال الإستطيقي» أو «الوجد» أو «النشوة»، هي «بحكم طبيعتها ذاتها» ipso facto حالةٌ نفسيةٌ أو ذهنيةٌ خيرة؛ ومن ثم فإن كل ما هو «إستطيقي» هو خيرٌ أو وسيلةٌ إلى الخير.

يعرف ذلك معظم الناس ويأتونه بالسليقة، فحتى أكثر الناس تعفُّفًا وترفعًا عن الهذر واللغو لا يجدون في أنفسهم غضاضةً ولا يستشعرون ذنبًا في تلقِّي النكات الجريئة في السياق الحياتي المناسب؛ فالضحك البريء «خير» وجلاء لصدى القلوب، والنُّكتة البارعة بمثابة عمل فني ينطوي على حبكة مُتقنة ودلالة شكلية وأداء فني، فهي في ذاتها خير، ولا تصير شرًّا إلا إذا أُريد بها غير ذلك، وغني عن القول أن النكتة السخيفة أو البذاءة المجانية ليست فنًّا ولا تؤدِّي إلى انفعال فني، وهي إذن شرٌّ لا شك فيه، وعملٌ لا أخلاقي دون جدال.

وفي تراثنا العربي إشاراتٌ كثيرة تدلُّ على أن المتأدبين من السلف قد فطنوا إلى هذه الفروق الدقيقة، من ذلك ما ورد في كتاب «المختار من شعر بشار للخالديَّين».

«… فمن تلك الأخبار ما رُوي عن أبي الهيثم خالد بن يزيد أنه قال: لما بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة طلَبَني وكان يعرفني، فأُدخلت عليه فلما مثلتُ بين يديه وسلمت عليه أجلسني وقال: يا خالد أَنشِدني، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شِعري مما قال فيه رسول الله «إنَّ من الشعر لحِكَمًا.» وإنما أعبث وأمزَح به، فقال: يا خالد لا تَقُل هكذا فالعلم جدٌّ كله. وروي عنه أيضًا أنه قال له: جِد الأدب جِدٌّ وهَزله جِد. وقال الأَصمعي يومًا في مجلسه: لا تحقرنَّ شيئًا قيل في جد أو هزل فربما نِيلَ بهزل العلم ما لم يُنَل بجدِّه … ورُويَ أن بعض التابعين سُئل عن إنشاد الرَّفث في الشعر وقيل له إن قومًا يقولون إنه لمما يَنقض الوضوء ويُفسد الصلاة، فنهض قائمًا وتوجَّه إلى القبلة ثم أنشد (شعرًا على الرجز بذيئًا ولكن جيدًا) وأتبعه: الله أكبر، فصلى صلاةً ثم استقبل السائلين، فناب لهم ما رأوا من فعله عن استدعاء المجاوَبة عما سألوا عنه بقوله.»٢
وبعد؛ فقد أوردت ما أوردت من حديث الهذر والمجون لأنه مثالٌ صارخ يُبين لنا أن كل ذي حساسية فنية من الناس يعي في دخيلته تلك العلاقة الدقيقة بين مقولتَي «الإستطيقي» و«الأخلاقي»، ويُبطن في نفسه كلًّا من المفارقة وحلِّها، وتأويل ذلك أنه يعرف «الوجد الإستطيقي» (النشوة الإستطيقية) aesthetic ecstasy ويعرف بالبداهة أنه خير.
وقد نوَّه بِل إلى هذه المسألة منذ البداية، ومنذ البداية هدَتْه دقَّته المنطقية إلى أن يفصل فصلًا قاطعًا بين الفن واللافن؛ فالعمل الذي ينطوي على شكلٍ دالٍّ هو عمل فني وهو خير بطبيعته أيًّا كان موضوعه؛ إذ هو يؤدي إلى حالةٍ ذهنية خيِّرة هي الانفعال الإستطيقي، ويُفلت بفضل ذلك من طائلة الناقد الأخلاقي، أما العمل الذي لا يحوز على شكلٍ دالٍّ ولا يؤدِّي إلى انفعالٍ إستطيقي بل يُثير انفعالات الحياة، فهو ليس عملًا فنيًّا، إنه «عمل» كأي عمل، وهو خاضِع بالتالي للحكم الأخلاقي، ولا يشفع له موضوعه ولا مقصده، وربما اعتبر شرًّا حتى لو كان يتحدَّث عن موعظة الجبل؛ لأنه يثير انفعالًا رديئًا ورِضًا ذاتيًّا زائفًا، يقول كلايف بِل في فقرةٍ صارت مأثورة: «إنَّ الفن فوق الأخلاق، أو بالأحرى كل فن هو أخلاقي؛ ذلك أن الأعمال الفنية كما أودُّ أن أبين هي وسائل مباشرة إلى الخير، فما إن نحكم على شيء بأنه عمل فني حتى نكون قد حكمنا بأنه ذو أهمية قصوى أخلاقيًّا وجعلناه دون منال الداعية الأخلاقي، غير أنَّ الأعمال الوصفية التي ليست أعمالًا فنية، وبالتالي ليسَت بالضرورة سبلًا إلى حالاتٍ ذهنيةٍ خيرة، هي جديرة أن تقع تحت طائلة الفيلسوف الأخلاقي، وما دامَت لوحة «الطبيب» ليست عملًا فنيًّا، فهي تَفتقِر إلى القيمة الأخلاقية الهائلة التي تتحلَّى بها جميع الموضوعات التي تبعث النشوة الإستطيقية، وإنَّ الحالة الذهنية التي تفضي إليها بوصفها صورةً إيضاحيةً تبدو لي غير مرغوبٍ فيها.»٣

إنَّ لوحة «الطبيب» للسير لوك فيلدز ليست، في رأي كلايف بِل، عملًا فنيًّا؛ ذلك أنَّ الشكل فيها لا يُستخدم كموضوع للانفعال بل كوسيلة لاقتراح انفعالات والإيعاز بعواطف، وهذا يَكفي وحده لجعلها تافهة، بل إنها أكثر من تافهة لأن العاطفة التي توعز بها هي عاطفة كاذبة. إنَّ ما توعز به ليس الشفقة والإعجاب بل إحساس بالرضا الذاتي عن شفقتنا نحن وكرمنا، إنها ابتذالٌ أو إسفافٌ عاطفي.

ويتَّفق ألكسندر إليوت مع كلايف بِل تمام الاتفاق حول لوحة «الطبيب» وأشباهها؛ «فالطبيب الجالس في الظلام قرب فراش الطفل المريض فيه من النُّبل ما لا يتحمله المرء، وكذلك الصورة كلها، فوراء النُّبل السُّكْري اللَّزِج الذي في محتواها الظاهر، ينبض قلبٌ من حجر، راضٍ عن نفسه، لكانَ أليق بهذا الطبيب أن يكون عنكبوتًا أسود سمينًا يحوك للطفل كفنًا! … هل مِن أذَى في محتوَى كامن من هذا القبيل؟ قد يكون الأمر باعثًا على بعض المرح، إلا أنه مؤذٍ؛ لأن تجربة المحتوى الكامن في صورة «الطبيب» دون رفضها، تعني مشاركة المشاهد، عن وعي أو غير وعي، في أمر فارغ سخيف كشريكٍ سخيفٍ راضٍ عن نفسه.»٤
«بيد أن للمحتوى الكامن في الروائع أثرًا في النفس كأثر الخير، إنَّ الرائعة تجربة خيِّرة دائمًا، ولا حاجة بالمرء إلى إدراك مُحتواها الكامن في سبيل استمداد خيرها، فخيرها آتٍ مع التجربة نفسها، وإذا استطاع المرء بعد ذلك أن يُنظم تفكيره بشأنها، كان ذلك خيرًا على خير.»٥
تلك هي الجراحة المنطقية البارعة التي يقوم بها كلايف بِل، فيُفصل المقولات المشتبكة، ويُحدد المصطلحات الملتبسة، ويوضح العلاقات الغامضة، ويضع كل شيء في نصابه، فإذا بالمشكلات القديمة تتبدَّد، وتحفُّظات أفلاطون وتولستوي على الفن تأخذ مجراها وحجمها، ومغالطات النزعة الجمالية aestheticism (التي كان بِل أكبر مناوئيها) تتكشَّف ولا تختلط بالشكلية ولا تتشبَّه بها، وإذا «الرقابة» ذاتها تعرف مكانها ومضمارها وعملها وتأتي بصيرةً كأنما أُلقي على وجهها قميص يوسف.
إنَّ الفن هو أقدر الأشياء جميعًا على تبرير وجوده الخاص، يقول برول prall في كتابه «الحكم الجمالي» Aesthetic Judgement: «وإذا كان النشاط الإستطيقي هو ذاته مُرضٍ على نحو مباشر بدلًا من أن يسعى إلى تبريرٍ مستمَدٍّ من مجال خارج عنه، فإن له هذا المركز الفريد الذي لا يَحتاج فيه لشيء غيره، وهو في واقع الأمر النمط النموذجي للشيء الوحيد الذي يُمكن أن يُبرِّر أي شيء آخر.»٦ يقول وولتر باتر Walter Pater في خاتمة كتابه «عصر النهضة» Renaissance: «إنَّ الغاية ليسَت هي ثمرة التجربة، بل الغاية هي التجربة ذاتها … والفلاح في الحياة إنما هو أن يَحترق المرء دائمًا بهذا اللهيب الحاد، الذي هو أشبه بالجوهرة النفيسة، ويبقي على هذه النشوة … وفي الوقت الذي يَذوب فيه كل شيء تحت أقدامنا، فإننا نستطيع أن نمسك بزمام أي انفعال رائع … يبدو أنه يُحرِّر الروح لحظةً واحدة ويرفع آفاقها، أو نتمسَّك بأية إثارة للحواس. إنَّ فرصتنا الوحيدة تَكمن في الحصول على أكبر قدر مُمكِن من النبضات في وقتٍ واحد، وأبدع مصدر لهذه التجربة هو حب الفن لذاته … إذ إن الفن يأتي إليك وقد اعترف صراحةً بأنه لا يزمع إعطاءك إلا أرفع مستوًى للحظاتك وهي تمر؛ وذلك من أجل هذه اللحظات فحسب.»٧

(٣) فائدة الفن

ما فائدة الفن؟

وهل يَبقى بعد كل ذلك مكانٌ لمثل هذا السؤال؟ … ربما.

كثيرًا ما يُماري الأشخاص «العمليون» من الناس في قيمة الفن وفائدته، وكذلك يفعل الأشخاص «غير المُستنيرين» philistine ممن لم تتكون لديهم ذائقةٌ فنيةٌ تَفتح لهم عالم التجربة الإستطيقية، يسأل هؤلاء: ما نفع هذا العبث وما هو مَردوده وجدواه في الحياة العمَلية الواقعية؟ ويظنُّون لعَماهم الإستطيقي أن سؤالهم مُسكتٌ مُفحمٌ لكل متحمِّس للفن إنتاجًا أو تلقيًا، وربما كان الأبلغ أن نُجيب على سؤالهم بسؤالٍ مثله: ما جدوى الجهد البشري العملي المَكرور إذا كانت كل أفعال الحياة اليومية هي وسائل لغاياتٍ هي بدورها وسائل أخرى لغاياتٍ أبعدَ يَقف الموت من ورائها جميعًا ساخرًا مُقهقهًا؟! الحق أن كل جهد بشري «عملي» هو من هذا المنظور الأعرض عبثٌ لا جدوى منه ما لم يؤدِّ في نقطةٍ معيَّنةٍ إلى تجربةٍ تكون طريفةً ممتعة «في ذاتها»؛ ومن ثم فإذا سأل سائلٌ «ما قيمة التجربة الجمالية؟» لكان الجواب في حقيقة الأمر أوضحَ وأيسَرَ مما لو وُجه السؤال نفسه بخصوص أي نوعٍ آخر من التجربة؛ فقيمة التجربة الجمالية ملموسةً في التجربة ذاتها لكلِّ مَن تعهد ذائقته الجمالية بالتنمية والصقل، إنها فيضٌ هائلٌ من القيمة وضروبٌ عديدة من الجدوى، ليس أقلها أنها طرافةٌ خالصة مُكتفيةٌ بذاتها، ومتعةٌ عاليةٌ ممتدةٌ لا تشوبُها أكدارٌ ولا أوزار، ولا تُعقِّب وراءها ألمًا ولا ندمًا.

(٤) الفن والمجتمع

وبدلًا من أن يُقولب الطبيعة، كالساحر أو العالم، فإنه يعيد صياغة الطبيعة الإنسانية؛ فهو بالأغاني والصور يرأب الصدع الذي يقع دومًا بين الإنسان الواحد وبقية الخلق.

ألكسندر إليوت
للفن آثارٌ اجتماعيةٌ هائلة لعلَّنا ألمحنا إليها جميعًا خلال حديثنا عن الجوانب الأخرى للفن؛ فهي منبثَّة في تضاعيفه منذ البداية؛ فالفن يغير شخصيتنا وتجربتنا في المجالات غير الإستطيقية للحياة، ويجعلنا أكثر حكمةً وسموًّا، ويُعمق رؤيتنا لذاوتنا وذوات الآخرين. إنَّ للفن وجهًا موضوعيًّا أساسيًّا وبُعدًا «بينذاتيًّا» intersubjective يدخل في صميم ماهيته؛ فالفن اقترابٌ لا اغتراب، ولقاءٌ معقودٌ وموعدٌ مضروب. إنَّ المبدع والمتلقِّي «متضايفان» correlatives (كالأستاذ والتلميذ، والزوج والزوجة، والأب والابن … إلخ) يأخذ كلٌّ منهما من الآخر حقيقته ومعناه، بل إن البشر جميعًا في اللحظة الإستطيقية يغدون ذوبًا من تضايف عام وامتزاجٍ كلي.
إنَّ الفن يُطلعنا على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويُعتقنا من «مركزية الذات» egocentrism ويؤهلنا للاندماج العاطفي أو «المواجدة» empathy أي القدرة على اتخاذ الإطار المرجعي للآخرين بسهولةٍ ويسر، ومشاركتهم وجداناتهم مشاركةً حقيقية مبرأةً من إسقاطاتنا الخاصة. الفن هو أقدر ضروب النشاط البشري تعبيرًا عن التواصُل بين الأفراد وبين الأجيال وبين الأمم؛ لأن الوجد الإستطيقي لا يحدُّه الزمان ولا ترده الحدود الجغرافية، إنه انعتاقٌ من كل صنوف المركزية وانطلاقٌ من كلِّ كهوف التعصُّب والتحزُّب والتحيز، وأذانٌ للأرواح بأن تنعطف وتأتلف، وتتقاسم رحابة الوجود.

والفنُّ بوظيفته المعرفية التي أشرنا إليها في فصل سابق، يَفتح لنا مغاليق العالم الوجداني، فإلى جانب العلم الذي يَزيد من تمكُّننا الفكري والتصوُّري من العالم، فإن الفن يَزيد من تمكُّننا الإدراكي والانفعالي، فبِفضل كتاب من طراز شكسبير وبروست أمكَننا أن نَفطن إلى دقائق سيكولوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها، وبفضل مُصوِّرين من طراز سيزان ومانيه تعلَّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف نَنتشي بالتحامِنا بالوجود والتقائنا بماهيَّة الأشياء، ومهما أمدَّنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنَبقى بحاجة إلى الفن لكي يُزوِّدنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

أقترح، بناءً على ذلك، أن يكون الفن (والأدب) علاجًا لبعض المصابين بالألكسيثيميا alexithymia؛ أي عدم قدرة المرء على فهم مشاعرِه ووصفِها ومعالجتها processing، وما يَصحب ذلك من مصاعب شخصية وبينشخصية؛ مثل فقر الخيال، وضعف الحدس، والمواجدة، والذكاء الانفعالي، والانفصال العاطفي، وضعف التواصُل، وفقدان اللذة والإشباع الحياتي، بالإضافة إلى تحوُّل هذه المشاعر المختلطة والمُهوشة وغير المتميِّزة وغير المترجَمة؛ تحوُّلها إلى الجسد في صورة اضطرابات نفسجسمية psychosomatic وآفات جسدية حقيقية؛ فمن المعروف أن العجز عن تنظيم الانفعالات معرفيًّا (عدم إدراكها وتمييزها وعرفانها وتصنيفها وبالتالي تنظيمها والتعامل معها) يرفع وتيرة الجهاز العصبي المستقل autonomic nervous system والجهاز العصبي الهرموني neuroendocrinal system على نحو مُستدام، مما يُؤدِّي إلى المرض الجسمي، لكأنما الطوفان المختلط لم يجد له قناةً سيكولوجية تتولَّاه فاقتحم الجسد يُدمِّر ويُتلف، أو كأن المشاعر المجهولة لم تجد لها ترجمة سيكولوجية فاضطرت إلى الترجمة الجسدية الموبقة! إلى هذا الحد إذن تبلغ أهمية شكسبير وبروست، وشوبان وموتسارت، وسيزان وجوجان؟! إلى هذا الحدِّ يكون لزوم الفن وضرورته؟!

•••

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نُنبه إلى أن النتائج غير الإستطيقية للفن تترتَّب تلقائيًّا على التجربة الإستطيقية الحقيقية، وأنها تأتي طوعًا لا كرهًا، وعلينا ألا نتكلَّف اكتسابها فنَخسرها، وألا نَلتفِت إليها فنُجفِّل ظبيتَها، ونُضيِّعها حرصًا وتعمُّلًا وإلحاحًا. إن شأنها كالإيمان أو كالحب، تَجيء ولا تُطلب، تأتي ولا يؤتى بها.

ولا يَفوتنا أن نُنبه أيضًا إلى أن التماس أي منفعة للفن من طريقٍ آخر غير طريق الدلالة الإستطيقية هو إبطالٌ للفن ونفيٌ لماهيته ذاتها؛ فالفن الدعاوي والإرشادي والتزييني ليس فنًّا، بل تناقُضًا ذاتيًّا، شأنه شأن «النقطة الممتدَّة» أو «المربَّع المستدير»، والإصرار على توظيف الفن لخدمة أغراض حياتية مباشِرة هو خسرانٌ لوظيفة الفن الحقيقية التي لا يقدر على الاضطلاع بها أي نشاط آخر، وتحميله في الوقت نفسه دورًا تستطيع مرافق أخرى — كالإعلام والفكر والسياسة والجامعة ومراكز البحث — أن تقوم به على نحوٍ أفضل.

(٥) تصحيح الواقع

الإبداع تمردٌ بحكم التعريف.

يقول نيتشه «ما من فنان يتحمل الواقع.» أما فان جوخ فقد كتب: «أزداد اقتناعًا يومًا بعد يوم أن هذا العالم الأرضي هو مخططٌ دراسي غير ناجح.» وما من فنان حق إلا جعل شغله الأول أن يعيد رسم هذا المخطط الدراسي، وأن يمنحه الأسلوب الذي إليه يَفتقِر، وما من روائي حق إلا جعل عالمه الروائي تصحيحًا دائمًا لهذا العالم وَفق رغبة الإنسان الصميمية، فهو يستخدم الواقع ولكنه يضيف إليه ما يبدله، «ودائمًا بانحرافٍ طفيفٍ هو علامة الفن والاحتجاج.» على حد قول كامي؛ «فالخلق وعطاء التمرد هما في هذا الانحراف الذي يُمثل أسلوب عملٍ ما ولهجته.» وما من شاعر حق إلا جعل همه الأكبر أن ينفصل عما استنفدته الكلمات واستهلكته، وأن يُعلم الألفاظ أن تنسى ماضيها وتقول ما لم تتعود أن تقوله، وتتمرد على سجن النموذج الذهني القديم، وهو إذ يفعل ذلك إنما يخلخل الفكر أيضًا ويخلصه ويلهمه، ويجعله حريًّا بالكشف جديرًا بالنور.

كان نيتشه يحلم بمجتمعٍ مستقبلي يوجهه الفنانون، ورغم تهافُت هذه الفكرة واستحالة أن يدير شكسبير مجتمع الحذائين على كل حال، فمن الوبال أيضًا على مجتمع الحذائين أن يدَّعي الاستغناء عن شكسبير، فشكسبير بلا إسكاف، يُتَّخذ ذريعةً للطغيان، والإسكاف بلا شكسبير، يبتلعه الطغيان، هذا إذا لم يُسهِم في توسيعه! إن كل إبداع هو بطبيعته رفضٌ لعالم السادة والعبيد، ومجتمع الطغاة والعبيد الفظيع الذي ما يَزال جاثمًا علينا لن يزول ولن يحول إلا عند مستوى الإبداع.

(٦) خلق الضمير

وللفن تأثير اجتماعي أبعد من كل ما ذكرناه، ولعلَّه أسماها جميعًا وأهولها، إنه … خُلُق الضمير!

«إنَّ الفنان الحقيقي كائنٌ تنتظم علاقته بمجتمعه الخاص في صورة تعارض واختلاف، يصحبه الشعور بالحاجة إلى إنهاء هذا الخلاف وإقناع الآخرين بالحقيقة التي يراها.»٨ والفن الحقيقي جدلٌ مع الثوابت، وتمردٌ على الوضع القائم لا سدانةٌ له وتزيين. الفن الحقيقي هو إضافة «ذوات» جديدة إلى الوجود، هي الأعمال الفنية. الفن الحقيقي يتحدى القيم القديمة، ويُخالف المدونة الأخلاقية السائدة في سبيل أخلاقٍ أسمى وأرفع، أي في سبيل مثلٍ أعلى لم يسد بعد ولكنه حقيقٌ أن يسود، يقول روبرتو متى الرسام التشيلي المعروف في كلمة ألقاها في مؤتمر هافانا إلى مثقَّفي العالم: «الشعر سلاحٌ خفي، حرب عصاباتٍ داخل النفس على الأعراف والمصالح الذاتية المصطنعة، والرياء في النقد الذاتي، حربٌ على الأفكار الاتفاقية المبتذلة، في سبيل الذكاء المبدع.»
الفن لا يقلد الحياة، الحياة هي التي تقلد الفن وتستلهمه، الفن يَخلق أبطالًا جددًا في الحياة، ولنا أن ندعو الفنانين روَّاد التطور الإنساني الواعي، «أولم يكن هوميروس بطلًا أعظم من هكتور، بله أخيل العديم الشفقة؟ لقد كان بطلًا لا ليَجزر أبطالًا آخرين بل ليَخلقهم، ويَهبهم الخلود، والأبطال الذين من خلقه يُظهرون لنا المدى العجيب لما يستطيع الإنسان أن يستشعره ويفعله، وبهذا يخلقون أبطالًا جددًا في الحياة. لقد كان هوميروس أستاذ الإسكندر، بقدر ما كان أرسطو؛ فالنماذج التي فرض الإسكندر على نفسه تقليدها والعيش على غرارها كانت هرقل وأبطال هوميروس.»٩

في قصة جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه»، وهي سيرةٌ ذاتية ترجم فيها لنفسه أيام كان شابًّا يتلقى العلم، يُصور جويس الصراع العنيف الذي نشب بين شخصيته وشخصية مجتمعه، بين ما يريده لنفسه وما يريده له النظام القائم، فيتمرَّد على ثقافة مجتمعه وقيَمِه، ويَلتمس آفاقًا أرحب وثقافة لا تُحد بلغةٍ أو وطن أو جيل، فيتعلم ما يقرب من عشرين لغة، ويتمثل ثقافات وحضارات بائدة وحية، ويَنذر نفسه للفن ويُضحي في سبيله برضا والدَيه وإخوته، ويطلق على نفسه اسم ديدالوس اعتزازًا بصنعته وفنه، فقد كان ديدالوس في الميثولوجيا اليونانية سيد الحرفيِّين الصُّناع ومعلمهم، وهو الذي بنى قصر التيه (اللابرنت) الشهير لملك كريت، وهو قصرٌ لا يَعرف من يدخله كيف يخرج منه، وقد بناه للملك ليَستعمله عند الخطر، فسجنه الملك فيه هو وابنه إيكاروس، واستطاعا الطيران والهروب (وبقية القصة معروفة، إذ يُصعد إيكاروس مقتربًا من الشمس في نشوة الطيران والوثوب، ويسقط هالكًا على صخرة في البحر، تَبكيه من حولها حوريات الماء).

لعلَّ هذا هو تأويل قول جويس في ختام «صورة الفنان»: «مرحبًا أيتها الحياة … ها أنا ذا أَخرج للمرة بعد المليون، لأواجه واقع التجربة، ولأصوغ لقومي في مَصهر (ورشة الحدادة) روحي ضميرًا لم يُخلق بعد (ما زال خامًا).

الضمير إذن ليس إرثًا تسلَّمناه عن أسلافنا كاملًا مكتملًا، ليس شيئًا جاهزًا نَمنحه ونؤتمن عليه، ليس الوضع القائم status quo، ليس البيئة المدخلة internalized environment، ليس الأنا الأعلى superego، إنه الشطر الإنساني من العالم، ومهمة خلقه تقع على عاتق الإنسان؛ ذلك المخلوق الخالق الذي كُتب عليه أن يوجد خارج واقعه وخارج ماهيَّته، وأن يَصنع مصيره الخاص ويُبدع قيمه بنفسه.

الضمير ليس شيئًا جاهزًا؛ إنَّ الفنان «يخلقه» بأشكاله الدالة، حتى لو لم يكن يفطن لذلك، وكلنا يشارك في خلقه بالتلقي الإستطيقي والإبداع الخاص مهما كان ضئيلًا، ونحن إذ نفعل ذلك إنما نشارك في تشكيلٍ عامٍّ جديدٍ نفترض أنه يسير في ارتقاءٍ قيَمي دائم.

(٧) قيمة القيم

يقولون ما فائدة نظريةٍ علميةٍ بلا تطبيقٍ عملي، فهي تَئودُ الذِّهن ولا تُريح الكاهن؟ وما فائدة نغمةٍ لا تغمس لقمة … وكلمةٍ لا تدفع نقمة؟

وأزيدهم: وما فائدة تَمسيدة حنان؟ في ميناء الحياة، على جبينٍ مكدودٍ لن أراه مرةً ثانية؟

وأقول إنَّ السؤال الصحيح لم يُسأل:

ما فائدة عملٍ طاحونيٍّ يبدأ من حيث ينتهي؟

وما فائدة لقمةٍ ما يَزال يُجادلها الجوع؟

وسلامةٍ هي حسبك من داءٍ دفينٍ، ما دُمنا في الحياة زائرين غير مقيمين.

لا فائدة في العمل واللقمة والسلامة، ما لم تَنتِه بنا سلاسلها إلى نهاياتٍ من معدنٍ آخر … نهاياتٍ تقوم في ذاتها قيمة.

الحق والجمال والخير ليسَت سلاسل بل نهايات.

ليست وسائل، بل غايات.

إنها قيَم.

إنها … مُطلقات.

(٨) بعد الوجد

«إن من قُدر له يومًا أن يعرف الوجد ويتبدَّد في «أوه ألتيتودو» O Altitudo واحدة، لن يكون له أن يؤخذ بإثارات العمل الفارغة ويُغالي في تقديرها، ومن وُهب القدرة على أن يَأوي إلى عالم الوجد سيَعرف كيف يتعامَل مع الوقائع الخارجية بحَجمها، جديرٌ ذلك الذي يختلف كل يوم إلى عالم الانفعال الإستطيقي أن يعود إلى عالم الشئون البشرية مسلَّحًا لمواجهتها بشجاعة، وربما بشيءٍ من الازدراء.»١٠
وبعد؛ فإنَّ دخول العمل الفني ليس مثل خروجه،
ربما يكون دخولك تزجيةً للوقت،
أو دفعًا للسأم أو مَحض صدفة،
غير أنك تخرج دائمًا من الرائعة الفنية بكيمياء مختلفة،
وخطوةٍ مختلفة،
وطريقٍ مختلف.
١  الفن، ص١١٨.
٢  المختار من شعر بشار، اختيار الخالديَّين، وشرحه لأبي الطاهر إسماعيل بن أحمد بن زيادة الله التجيبي البرقي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ص٢٠١-٢٠٢.
٣  الفن، ص٤٧-٤٨.
٤  ألكسندر إليوت: آفاق الفن، ص٤٤-٤٥.
٥  آفاق الفن، ص٤٥.
٦  Prall, D. W.: Aesthetic Judgement. N. Y., Growell, 1929, p. 13.
٧  انظر «الخاتمة» Conclusion الشهيرة لكتاب «عصر النهضة» Renaissance لولترباتر Walter Pater، ١٨٦٨، وهي متاحةٌ على الشبكة (N. Y. Modern Library, pp. 197–199).
٨  مصطفى سويف: العبقرية في الفن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٣، ص٧٠-٧١.
٩  آفاق الفن، ص٦٣-٦٤.
١٠  الفن، ١٩٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠