عزاء الفلسفة

أنا الذي كنت أنظم الأشعار بوجدان مبتهج بالحماس،
أجدني اليوم مضطرًّا إلى الشجو الحزين.
هكذا تأمرني ربات الفن المعذبات،
وتدفع العبرات إلى عيني بغنائها الباكي.
الرعب لم يستطع على الأقل أن ينتصر عليها،
فجاءت تتبع طريقي إلى هنا في وفاء.
كانت زينة شبابي السعيد،
وهي الآن للشيخ المقهور عزاء.
الشيخوخة أقبلت على غير انتظار، تتعجلها المصائب،
وراح الألم يضاعف من عبء الزمان.
المشيب أحاط مفرقي قبل الأوان،
والجلد الضامر يرتجف على الجسد الذابل.
مبارك هو موت البشر الذي لا يأتي في سنوات المرح،
بل يقبل على المقهور، الذي طالما اشتاق إليه.
قديمًا، عندما كان الحظ الغادر يغمرني بعطاياه العقيمة،
كادت ساعة حزن أن تحني رأسي،
والآن، وقد بدَّل ملامحه الخادعة، واكتسى بقناع قاتم،
أصبح وجودي لعنة، وراح الزمن يطول في سأم.
لِمَ كنتم تصفونني بالسعادة، يا أيها الأصدقاء؟
آه، من يسقط، فلم تكن واثقة خطاه.

مَنْ هذا الذي تخرج من شفتيه كل هذه الحسرات؟ وما هذا القدر الذي نزل عليه حتى يزفر بكل هذه العَبَرَات؟ أهو في شدة يرجو منها الخلاص، أم في زنزانة ينتظر حكم الجلاد؟ وإذا كان سيف الجلاد يلمع فوق رقبته، فأي عزاء هذا الذي لم يفقد الأمل فيه حين يوشك الإنسان أن يقطع كل أمل في العزاء؟

هي شكوى سجين، قيلت في سجنٍ بشع، وانتهت بموت أبشع، وهي أبيات يفتتح بها كتابٌ عظيم، كان آخر ما دوَّنه صاحبه، وجمع فيه خير ما يمكن أن تقدمه الفلسفة للإنسان، ضم فيه أشعة من فكر أفلاطون وأرسطو والرواقيين، وصبغها في شفق تجربته الدموية، فصار قبسًا غريبًا لا يزال يضيء للناس عبر العصور.

إنه بواتيوس Boethius أو أنيسيوس مانليوس توراكواتوس سيفيرينوس بواتيوس، كما يدل اسمه الكامل! وُلِدَ في روما في عام ٤٨ (ب.م) من سلالةٍ عريقة كان كثيرون من أفرادها من أعضاء مجلس الشيوخ، وفَقَدَ أباه وهو بعدُ صبي، فتربَّى في بيت «كونتس أورليوس سيماخوس» وكان رجلًا مهذبًا رفيع المكانة، رعاه وتولى نشأته وزوَّجه ابنته فيما بعدُ، ولم ينحرف به شبابه ولا ثروته التي تركها له أبوه، بل ساعدته فطرته الجادة على الاتجاه إلى الدرس والتحصيل، حتى أدهش معاصريه وحاز إعجابهم. ويكفي أن نعرف أنه كان أعظم الإنسانيين الذين اهتموا بالتراث اليوناني بين الرومان، حتى لقد جعل رسالة حياته أن يترجم أعمال أفلاطون وأرسطو ويرتبها، لولا أن فاجأه الموت المبكر، فسُمِّي بحق «آخر الرومانيين».١ تقلَّد منصب القنصل في عام ٥١٠، وشرف في عام ٥٢٢ بتكريم لا يحظى به إلا القليلون؛ إذ عُيِّن ولداه سيماخوس وبواتيوس قنصلَين في وقتٍ واحد، وأصبح رئيس مستشاري البلاط في رافينا أو ما يُسَمَّى ﺑ «المجستر أوفيسيوروم» فنال المجد والشهرة، وسار في منصبه على الخلق الفلسفي القويم، وكانت رافينا في ذلك الحين هي عاصمة إمبراطورية الغوط الشرقية، وكان يحكمها ملك عادل حكيم هو «تيودريش» (٤٧١–٥٢٦) الذي ضم إيطاليا إلى مملكته، ووصفه أعداؤه أنفسهم بالشجاعة والذكاء، لكن العلاقات ساءت فجأة بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية على عهد البابا يوحنا الأول (٥٢٣–٥٢٦)، فقد أصدر قيصر الإمبراطورية الرومانية الشرقية جستينوس (٥١٨–٥٢٧) قرارًا باضطهاد الأريانيين٢ الذين كان الغوطيون وسائر القبائل الجرمانية يدينون بعقيدتهم، وأضمر تيودريش العداء للإمبراطورية الشرقية، وهدَّد باتخاذ إجراءات مضادة، وسعى بعض رجال البلاط بالدسِّ والوقيعة، فقالوا لتيودريش: إن أحد أعضاء مجلس الشيوخ — وكان اسمه ألبينوس — على صلةٍ سرية بالسياسيين في بيزنطة، وهبَّ بواتيوس للدفاع عن زميله، دون أن يخطر بباله أن التهمة قد تمتد إليه، وفقد الملك ما عُرف عنه من الحكمة والاعتدال؛ فأمر بالقبض عليه، والإلقاء به في سجن بافيا، وأوعز إلى مجلس الشيوخ بالحكم عليه بالإعدام، أو بالأحرى بالتصديق على الحكم الذي أصدره بالفعل عليه. وسواء أصحَّت التهمة أم لم تصح — فلم يثبت عليها حتى الآن دليل — فقد أُعْدِمَ بواتيوس في عام ٥٢٤ بالقرب من مدينة ميلانو، بعد سجن دام ستة شهور، ودُفِنَ في كنيسة سان بييترو أو القديس بطرس.
بقي بواتيوس إذن في سجنه ينتظر الموت، وراح يؤلف «عزاء الفلسفة»٣ في خمسة كتب، أمْلَتْهَا عليه تجربة أليمة، استطاع مع ذلك أن يرتفع فوقها ويستعين عليها بالحكمة التي استمدها من ينابيع الفلسفة القديمة، من أفلاطون وأرسطو والرواقية والأفلاطونية المحدثة جميعًا، وأن يقترب فيه من الروح المسيحية السمحة التي حَدَتْ برجال العصر الوسيط أن يجعلوا منه أحد شهداء الكنيسة، مع أنه كان من أتباع الأفلاطونية المحدثة ولم يكن مسيحيًّا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.

•••

لم يكد بواتيوس يفكر في شكواه الصامتة ويحاول تدوينها على لوح أمسكه في يده اليمنى، حتى خُيِّلَ إليه أنه يرى سيدةً جليلة المظهر نافذة العينين شامخة القامة، لم يدرِ كيف دخلت عليه زنزانته ووقفت إلى جانبه تطل عليه كأنها رؤيا من زمنٍ آخر بعيد، كانت تبدو متقدمة في العمر، وإن كانت ما تزال تحتفظ بقوتها وشبابها، وكان عودها السامق الذي يكاد يطاول السماء وهيئتها الجادة الرزينة تكسبانها شيئًا لا يمت بصلة إلى البشر، أمَّا رداؤها فمن خيوط رقيقة، على هيئة الشباك المتوازية، ينتهي بذيلٍ جرار، ولا يخلو من آثار تمزيق، لعله نتيجة الأذى والاضطهاد الذي لقيته على مر العصور، وفي وسطه رُسِمَت حروف الألف باء اليونانية، بحيث تبدأ من أسفل بالحرف «ب»، وهي اختصار براكسيس أو الحياة العملية، وتنتهي من أعلى بالحرف ثيتا وهي اختصار ثيوريا، أو الحياة النظرية التأملية، وكانت تحمل في يدها اليمنى لفافةً مكتوبة من الرق أو الورق، وفي اليسرى صولجانًا ينطق بمجدها وسلطانها حيث كانت أم العلوم.

غضبت السيدة الجليلة حين أبصرت ربات الشعر حول فراش السجين يُمْلِين عليه شكواه الحزينة التي عرفناها من قبل، وأظلمت عيناها وتكلمت قائلةً: مَنِ الذي سمح لهؤلاء البغايا بالدخول إلى هذا المريض لا ليخففن آلامه، بل ليزدنها اشتعالًا بسمِّهن الحلو؟ إنهن يعكرن صفاء العقل بظلام العاطفة، ويجلبن عليه المرض بدلًا من أن يخلصنه منه، وما نفعهن لرجل قضى شبابه عاكفًا على دراسة الإيلين٤ والأكاديميين؟٥ فلتطردهن إذن ولتتركنه لرعاية ربات الفلسفة.

جرت الدموع على خد السجين، ولم يستطع أن يعرف من تكون هذه السيدة النبيلة الآمرة، واستسلم لصمته وذهوله حتى اقتربت منه، وجلست على حافة سريره، وراحت تتأمل وجهه الحزين وتشكو مما أصابه من اضطراب التفكير:

ويلي كيف هوى العقل إلى القرار السحيق
عاجزًا مسلوبًا من وضوحه وصفائه!
كان من عادته أن يبحث عن الأصول،
ويهبط إلى منابع الطبيعة الخفية،
أمَّا الآن فهو مستضعف يحيط به الظلام،
والرقبة ترهقها القيود الثقيلة.

الوقت إذن وقت العلاج لا الشكوى، وسوف تثبت فيه عينيها العميقتين اللامعتين، وتسأله: ألست أنت الذي أرضعته من لبني وغَذَوتُه من طعامي حتى بلغ نضج العقل ورجولته؟ ألم أزودك بأسلحة كان يمكن أن تحميك لولا أن ألقيت بها بعيدًا عنك؟ ألم تعد تعرفني؟ لِمَ تسكت الآن؟ أَمِنَ الخجل أم من الحيرة والاضطراب؟

وجدته السيدة صامتًا لا يقوى على الكلام، فوضعت يدها على صدره، وجففت الدموع المنسابة على خده، وطمأنته إلى أن ما يعانيه ليس بالمرض الخطير، وأنه إنما نسي نفسه وسيذكرها بمجرد أن يتعرف عليها من جديد. وأحس كأن ضباب حزنه قد انقشع، وكأن شمس الأمل كادت تُعشي عينيه، ورفع بصره إلى وجه طبيبته فعرف فيها مرضعته ومربيته، فلم تكن هذه السيدة النبيلة إلا الفلسفة التي نشأ في بيتها وتعلم على يديها، كم يدهشه الآن أن تنزل عن عرشها العلوي وتزوره في منفاه الوحيد! ألا تخاف على نفسها أن يتهموها زورًا كما اتهموه؟ ألا تخشى العقاب الظالم الذي ينتظره؟

ولكن معلمة الفضائل لم تكن لتتركه وحيدًا في محنته، ولا كان يرضيها أن تتخلَّى عنه بغير أن تقاسمه الآلام التي تحمَّلها في سبيلها، وهل كان لأم العدالة أن تترك البريء المظلوم يسير وحيدًا على طريق قدره؟ وهل يليق بها أن تخشى الاتهام وهو ليس جديدًا عليها؟ وهل هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الحكمة للخطر؟ ألم يكن على القدماء — حتى قبل عهد أفلاطون — أن يكافحوا الغباء مر الكفاح؟ ها هي ذي تقول له: ألم ينتصر معلمك سقراط على الموت الظالم بوقوفي إلى جانبه؟ لقد شرب السم كما تعلم، ومات قبله كثيرون في المنفى أو على يد الجلاد، أنكساجوراس اضطر إلى الفرار أمام غضب الجماهير ليموت بعيدًا عن وطنه، زينون الإيلي٦ جُلِد وعُذِّب وقتله الطاغية نيارخوس قتلة فظيعة، وكانيوس الرواقي أعدمه القيصر المجنون كاليجولا، وسنيكا الحكيم اضطره نيرون إلى الانتحار، وسورانوس أدى به حبه للعدالة إلى الموت ظلمًا، لا يدهشك إذن أن نسبح على أمواج الحياة فتتقاذفنا العواصف من هنا ومن هناك، فقد قُدِّرَ علينا أن نُغْضِبَ الأشرار، وأن نكون همهم الدائم في حياتنا وبعد مماتنا. إن كنت قد وعيت هذا الكلام فما الذي يدعوك إلى البكاء؟ لا تُخْفِ عني شيئًا، إن كنت في حاجة إلى معونة الطبيب؛ فلا بد أن تكشف عن الجرح. ويجمع بواتيوس أطراف شجاعته فيسألها: أليس في رؤية هذا المكان ما يُغني عن كل كلام؟ ألا ينطق بقسوة القدر الذي حكم به عليَّ؟ أهذه هي ملامح وجهي حين كنتُ أبحث معك في أسرار الطبيعة، وكنتِ تعلمينني بمعونة الدائرة مسار النجوم، وتنظمين حياتي على هدي النظام السماوي؟ أهذا هو جزاء طاعتك؟ ألم تزيِّني لي على لسان أفلاطون٧ أن الدول التي يحكمها الفلاسفة أو التي يدرس حكامها الفلسفة هي الدول السعيدة، وأن الأشرار والمجرمين لا ينبغي لهم أن يتولوا شئونها حتى لا يهلك الأخيار والطيبون؟ لقد استمعت إلى نصحك، وحاولت أن أُطبِّق العلم على العمل، يشهد الله وتشهدين على أنني لم أبلغ هذا المنصب إلا لحرصي على الصالح العام. وهكذا نشب النزاع بيني وبين الأشرار، وجلبتْ عليَّ حرية الضمير سخط الحكام، كم من مرة ثُرْتُ على والٍ يغتصب مال المحروم، وحميتُ الفقير من استغلال الغني، وكَم أنقذتُ الفلاحين من اللصوص الرسميين، وخفَّفت عنهم الضرائب التي أذاقتهم الجوع. وكم جلبت على نفسي حقد رجال البلاط، وعرضتها للخطر حُبًّا في العدل. القنصل باولينوس — الذي كاد الطفيليون من رجال البلاط يبتلعون ثروته — أنقذته من أيديهم، والقنصل ألبينوس خلصته من عقاب كان ينتظره لتهمةٍ باطلة، وعرضت نفسي لكراهية الداهية كيبريان، ولكن من الذي وجَّه إليَّ الاتهام الذي أدَّى بي إلى هذا المصير؟ إنه بازيليوس الذي طُرِدَ من قبلُ من خدمة الملك، وأوبيليو وجاودينتيوس اللذان حُكِمَ عليهما بالنفي بسبب جرائمهما العديدة؛ فلجآ إلى معابد الآلهة هربًا من العقاب. أولئك هم الذين لطخوا اسمي، وكانوا أولى الناس بأن تُلطَّخ جباههم ويُنفوا من الديار. ولكن هل تريدين بعد هذا كله أن تعلمي التهمة التي وُجِّهَت إليَّ؟ لقد ادَّعوا عليَّ أنني أردت أن أحمي المجلس «السينات»، فحُلْتُ بين المدعي وبين تقديم الأسانيد التي تثبت خيانة المجلس، ولكنني لم أفعل ذلك، وما كان لي أن أخون مبدأ سقراط فأخفي الحقيقة وأظهر الكذب. لقد نسبوا إليَّ رسائل مزوَّرة يدَّعون أنني طالبت فيها بتحرير روما. ربما كانت إرادة الشر دليلًا على عجزنا البشري، أمَّا أن يتمكن الشرير من أن ينفذ أمام الله خيانته، فتلك هي كبيرة الكبائر، وقد يكون هذا هو الذي حدا بواحد من تلاميذك أن يسأل فيقول: «إذا كان الله موجودًا، فمن أين يأتي الشر؟ ومن أين يأتي الخير لو لم يكن هناك إله؟» ولو أن الأمر اقتصر على الأشرار بطبيعتهم، لما كان في ذلك شيء، أمَّا أن يشترك أعضاء المجلس كله في توجيه التهمة الكاذبة إليَّ، فذلك ما يدهشني حقًّا. إن هذا المجلس نفسه هو الذي طالما تصديت للدفاع عنه وتفنيد التهم الموجهة إليه. ولعلكِ يا معلمتي لا زلت تتذكرين دفاعي عنه عندما سعى الملك في فيرونا إلى القضاء على أعضاء المجلس جميعًا؛ بسبب تهمة الخيانة التي نُسِبَت إلى ألبينوس وحده؛ فأراد الملك أن ينسبها إلى الجميع. وها هو نفس المجلس يتهمني بالإجماع في غيابي، بينما تفصلني عنه مسافة خمسمائة ميل، دون أن يحاول الاستماع إلى دفاعي، وبأي تهمة؟ بالخيانة طمعًا في منصب، وأنتِ التي طردتِ من قلبي كل مطمع في شيءٍ أرضي، بل لم تتركي فيه مكانًا للطمع، وما زلتِ تهمسين في سمعي كل يوم بهذه الكلمة الفيثاغورية: اتبع طريق الله! لا بل يزيدون على ذلك فيدَّعون أنكِ أنتِ التي دفعتني إلى ما يتهمونني به، وما دفعتني لغير التشبه بالله! ويزيد من ألمي أن الشعب — الذي طالما وقفتُ إلى جانبه — يصدِّق دعواهم، ويؤيد حرماني من أملاكي وتجريدي من مناصبي، وتنفيذ الحكم الذي ينتظرني.

قالت السيدة الجليلة: لقد رأيتُ دموعك فعرفتُ أنك منفيٌّ تعيس، ولولا ما قلتَه لي ما عرفتُ شيئًا عن قضيتك، غير أنك وإن كنت بعيدًا عن الوطن، فأنت لم تُنْفَ، وإنما نَفيتَ نفسك بنفسك، وضللتَ الطريق بإرادتك. ألم أعلمك أن الحرية في أن يمسك المرء بزمام نفسه، ويطيع الحق والقانون بمشيئته؟ ألم أجعل لك وطنًا لا نفي منه؛ لأنه لا أسوار له ولا أبواب؟ إن وجودك في هذا المكان لا يُحزِنني بقدر ما تُحزِنني رؤيتك على هذه الحال. إن مرارة الألم تُمزِّقك، والعواطف تعصف بك، وهذا ما يجعلني أسقيك الدواء قطرةً فقطرة. وتسأل السيدة: هل ترى أن هذا العالم تحكمه الصدفة؟ أم تعتقد أن هناك نوعًا من التدبير يتحكَّم فيه؟ فيجيب السجين: حاشاي أن يخطر لي ذلك على بال! إنما أومن بأن الخالق يسهر على خلقه؛ وتهتف السيدة قائلة: ما أعجب أن يصيبك المرض مع هذا الرأي السليم! وما دمتَ لا تشكُّ في أن الله هو الذي يدبر العالم، فهل تستطيع أن تقول لي ما هي المبادئ الأساسية التي تدبِّره؟ ويعجز السجين عن الجواب، فتعود إلى السؤال: هل تتذكَّر الغاية الأخيرة من الطبيعة؟

– كنت أعرفها، ولكن الحزن أثلم ذاكرتي.

– ألستَ تعرف أصل الأشياء جميعًا؟

– قلت: إنه هو الله.

– فهل يجوز أن تعرف الأصل وتجهل الغاية؟ هل أنت واثق من أنك إنسان؟

– وكيف لا أعرف؟

– فهل تشرح لي ما هو الإنسان؟

– إن كنتِ تقصدين به الكائن العاقل الفاني فأنا أعرفه.

– ألا تعرف أيضًا أنك شيءٌ آخر؟

– لا.

– إذن فلم تعد تعرف مَنْ أنت، هذه هي علة مرضك الحقيقية، فلأنك نسيت نفسك رُحْتَ تشكو من أنك منفيٌّ مجرَّدٌ من أملاكك، ولأنك لم تعد تعرف الغاية الأخيرة، ظننتَ أن التافهين وسيئي السمعة هم الأقوياء والسعداء، ولأنك نسيتَ الأفكار التي تُدبِّر العالم فقد توهمت أن الأقدار تترنَّح هنا وهناك بغير تدبير، ولكن ما دمت تؤمن بأن حكمة الله لا الصدفة العشواء هي التي تدبر الكون، فلا شك أن شفاءك غير مستحيل.

أتريد أن تنظر نظرة صحيحة
وتعرف الحقيقة؟
فسِرْ في طريقك
بخطًى عاقلة،
طارد الفرح والخوف،
وابتعد عن الأمل
يبتعد عنك الألم؛
فالنفس تتعكر،
وتُغلُّ في القيود
إن تحكَّما فيها.

وصمت السجين قليلًا، فاستطردت تقول: إن كنت قد أدركت علة مرضك، فلا بد أنك تتحرك شوقًا إلى حظك الماضي، وتُقنِع نفسك بأن التغيير الذي أصابه قد غيَّر الكثير من روحك وعقلك. ولكنني أعرف هذا الكائن الخرافي، وأعرف نفاقه وألعابه الساخرة، ولو تذكرت حقيقته معك؛ لتبينت أنك لم تستفد منه ولا خسرت بفقده شيئًا، ولست في حاجة إلى تذكيرك بهذا، فقد طالما هاجمته بكلمات وأفكار استقيتها من مملكتي المقدسة. وكل تغيير مفاجئ لا بد أن يترك أثره على النفس، وينتزعها من راحتها ولو إلى حين. وعليَّ الآن أن أبصِّرك بحقيقة ما يدور في باطنك.

ما هذا الذي رماك بالحزن والألم؟ أنت تحسب أن الحظ أدار ظهره لك ولكنك مخطئ، فتلك هي طبيعته وذلك دأبه، ولقد كان مخلصًا لطبيعته حين راح يتملَّقك ويُغريك بالسعادة. لقد تبينت النظرة الزائفة التي أطلَّتْ من هذا الكائن الإلهي الأعمى، كانت تتخفَّى عن سواك فإذا بها تكشف لك عن نفسها، هل تُحزِنك خيانتها؟ إذن فتذكر عبثها بك، واحتقر لعبتها الباطلة. إن ما يسبب الآن لك الغمَّ كان خليقًا بأن يجلب لك السلام؛ فلقد تخلَّى عنك شيء لا يأمن له أحد، ولا يشك في أنه سيتخلَّى عنه ذات يوم، أم تحسب أن للحظ قيمة، وأنت لا تجهل أنه زائل؟ وهل تعزُّ عليك سعادة تعلم أن بقاءها موضع شك، وأن اختفاءها يجلب الحزن؟ إن العاقل لا يحكم على ما يراه بل يعتبر بالخواتيم، وتقلُّب الحظ يعلم من يريد التعلم أن خطره لا يخيف وإغراءه لا يخدع، إنك إن أسلمت الشراع للريح فلن تبلغ الشاطئ الذي تريد، بل ستصل إلى حيث تدفعك. وما دمت قد خضعت للحظ فعليك أن تُسَلِّم بأحكامه، أم هل تريد أن توقف عجلته الدائرة؟ يا أشد الفانين حمقًا! إنها إن بدأت تستقر، فلن تكون إذن هي عجلة القدر! ستقول لك آلهة البخت والنصيب: لماذا تتهمني فتبالغ في الاتهام؟ أي ظلم ألحقته بك؟ أتقول: إنك كنت تملك الثروة والجاه؟ ولكن متى بقيت ملكًا للبشر الفانين؟ حين خرجت عاريًا من بطن أمك رعيْتُك وتعهدتك بعنايتي، ولكنني يحلو لي الآن أن أكفَّ يدي عنك، فبأي حقٍّ تشكو من ضياع شيء لم تكن تملكه؟ إن الثروة والجاه خاضعان لي، يأتيان معي ويذهبان متى ذهبتُ، بأي حق يُكْرِهني البشر على ما ليس في طبعي، إن عجلتي تدور إلى أعلى وإلى أسفل، فاصعد معها إن شئت، ولكن لا ترمِها بالظلم إن هبطت بك. وما الذي تقوم عليه الفجيعة في المأساة، إن لم يكن هو القدر الذي يخرب الممالك ويخبط بضرباته خبط عشواء؟ ألم تتعلم وأنت صبي أن هناك وعائَين عند عتبة زيوس: أحدهما مليء بالعذاب والألم، والآخر بالهناء والفرح؟٨ ألم تغرف من الوعاء الأخير ما يزيد عن غيرك؟ وهل تخليتُ عنك يومًا كل التخلي؟ أتريد أن تخضع لقانون وضعته لنفسك دون القانون الذي يطيعه الجميع؟

وترنُّ هذه الكلمات في سمع السجين رنينًا عذبًا، ويذوق فيها حلاوة الخطابة والشعر، غير أن عذابه أعمق من ذلك بكثير، وعقله المضطرب ما يزال في حاجة إلى البلسم الذي يشفيه، والسيدة الحكيمة تحاول أن تُسكِّن من روعه، أمَّا العلاج الحاسم فلم يَؤُنْ أوانه بعدُ؛ فها هي ذي تذكِّره بطفولته، عندما حرمه الموت من أبيه فتولَّته أيدٍ أمينةٌ بالرعاية والحنان، حتى إذا بلغ سنَّ الرجولة غبطه الناس على الزوجة النبيلة والأبناء النجباء، وتوالت عليه أسباب المجد والتكريم، وشرف ولداه في يومٍ واحد بالتعيين في منصب القنصل، بين تهليل الجماهير وتهنئة أعضاء المجلس. لقد غمرته آلهة الحظ بما لم تغمر به سواه، ولو أحصى ألوان السعادة التي نَعِم بها لزادت عن ألوان الشقاء، أمَّا ما يعانيه الآن من بؤس وما ينتظره من جزاء فهو شيء عابر ككل شيءٍ سواه، ومهما خُيِّل للإنسان أن سعادته دائمة، فإن اليوم الأخير من حياته يحمل معه الموت لهذه السعادة الدائمة. إن الكون نفسه يبدو منقلبًا، وكذلك حظ الإنسان، وما يملك من خير أو متاع أبعد ما يكون عن اليقين، أمَّا القانون الأبدي الوحيد فهو هذا: ما من شيء مخلوق له صفة الدوام.

ولا يشك السجين فيما تقوله أم الفضائل جميعًا، ولا يجادل في أنه كان في يوم من الأيام أسعد الناس، ولكنه يقول لها: إن أشد أنواع الشقاء أن يتذكر الإنسان أنه كان سعيدًا ذات يوم. وتدعوه أم الفضائل أن يجفف دموعه؛ فما زال بين الأحياء من يذكره ويذرف الدموع عليه ويتحرَّق شوقًا إليه، وما زال هناك عزاء عن الحاضر وأمل في المستقبل، فمَنْ ذا الذي اكتمل حظه من السعادة فلم يدع له سببًا لشكوى؟ ألا ترى الغني يفتقر إلى النبالة، والنبيل يُعوزه الغنى؟ ألا ترى السعيد في زواجه محرومًا من الأبناء، ومَنْ رُزق الأبناء شقيًّا بأعمالهم؟ ليس شقاء إلا ما تعده كذلك، وكل قدر تستطيع أن تراه سعيدًا، لو أمكنك أن تحتمله في هدوء واتزان. ومَنْ ذا الذي بلغ من السعادة حَدًّا لا يتمنى معه لو أنه استطاع أن يغير حاله؟ وأية حلاوة في أقدار البشر لا تمتزج بالمرارة؟ يا لها من سعادة ناقصة هذه التي تأتي من أسباب أرضية! فلماذا إذن، أيها الفانون، تبحثون عن السعادة خارج نفوسكم وهي كامنة فيها؟ إن الجهل والضلال يُعمِيان أبصاركم. دعني أشرح لك سر السعادة الخالصة، هل هناك ما هو أعزُّ لديك أو أعظم قيمة عندك من نفسك؟ لا شك أنك ستجيب بالنفي، لو امتلكت السيطرة على هذه النفس، فسوف تمتلك شيئًا لا يضيع منك ولا يستطيع القدر أن يسلبك إياه، إن السعادة الحقة لا يمكن أن تعتمد على الصدفة، ولا هي مما يمكن أن يُسلَب من الإنسان؛ ومِنْ ثَمَّ فإن الحظ المتقلِّب لا يمكن أن يكون سببًا من أسباب السعادة. وكل من يقوده الحظ قد يجهل طبعه المتقلِّب وقد يعرفه، فإذا كان يجهله فأي سعادة يمكن أن تُصيب الإنسان مع هذا الجهل؟ وإذا كان يعرفه فلا بد أنه يخشى ضياع ما يعلم أنه عرضة للضياع، ولا بد أن هذا الخوف سيحول بينه وبين السعادة. ألستَ مقتنعًا بأن نفوس البشر غير فانية، وأن السعادة العارضة تموت بموت الجسد؟ ولو كان في مقدور الحظ المتقلب أن يَهَبَ البشر السعادة الحقة، فهل تشك في أنهم سيصيرون بعد الموت إلى الشقاء الدائم؟ ولو سلَّمنا بأن عطايا الحظ ليست بطبعها زائلة، فأي شيء فيها لا يفقد قيمته مع الزمن، وأي شيء فيها له قيمة في ذاته؟ لن تستطيع أن تقول هذا عن ذهب ولا فضة، فهي إن صارت ملكًا لواحد بمفرده تسببت في فقر الآخرين، وإن وُزِّعَت بين الجميع لم تصبح مِلْكًا لأحد! ولكن هل هناك صلة تربط بينها وبين نفسك التي تحسُّ؟ أليس جمال النفس ونورها أروع من الجمال والنور الذي ينبعث من الذهب والأحجار الكريمة؟ ولماذا تنسب للأشياء الخارجية من القيمة ما تحرِّمه على ذاتك؟ أم ترى بلغ بك قِصَر النظر أن تجد السعادة في الملابس الزاهية والخدم والحشم؟ ما الذي تسعون إليه إذن من وراء هذا الضجيج كله عن السعادة؟ إنكم تحاولون بالشره إلى التملك والترف أن تبعدوا عن أنفسكم الإحساس بالنقص والحاجة، ولكنكم لا تزيدونه إلا قوةً واشتعالًا! لقد انقلبت الأمور حتى ظن الكائن الإلهي العاقل أن مجده لن يسطع إلا إذا امتلك ما لا حياة فيه، لقد أراد الخالق أن يرتفع الجنس البشري فوق كل ما هو أرضي، ولكنه يشاء إلا أن يضع نفسه بين الأشياء الزائلة في أحط مكان! وهل يستطيع أن يرتفع فوق الأشياء إلا إذا عرف نفسه؟ وهل يستطيع أن يعرف نفسه حتى يعرف أن قيمته تعلو على كل ما عداها؟ أنت يا من تخاف الآن من السيف والرمح، تعلَّم أن تتجول فقيرًا على الأرض وسوف يمكنك أن ترفع صوتك بالغناء أمام قاطع الطريق! ثم ماذا أقول عن المنصب والسلطان؟ وهل كان في وسع الحمم المتفجرة من بركان «إتنا» أن تسبب من الخراب والدمار مثلما سببه المنصب والسلطان حين كانا في يد حاكم شرير، ألا تذكر كيف سعى آباؤك إلى إلغاء لقب القنصل لما وجدوه من غرور القناصل، مثلما محوا كلمة «الملك» من قبل لما لمسوه من جبروت الملوك؟٩ إن الفضيلة لا تشرف بالمنصب، بل المنصب هو الذي يشرف بالفضيلة، ثم ماذا يغريكم في السلطان ويحببه إليكم؟ هل تنسون أيها الفانون مَنْ أنتم ومن الذين تتحكمون فيهم؟ أوَلا تنفجر ضاحكًا لو سمعت أن فأرًا أعطى لنفسه الحق في التسلط على غيره من الفيران؟! وهل هناك مَنْ هو أشد عجزًا من الإنسان؟ ألا تكفي لدغة بعوضة للقضاء عليه؟ وهل يتسلط صاحب السلطة حقًّا على شيء سوى الجسد أو المتاع؟ وأين الذي يتحكم في العقل الحر؟ وأين من يزحزح الخلق الثابت عن هدوئه؟ ألا يتذكر ذلك الطاغية الذي أخذ يُعذِّب رجلًا حُرًّا ليشي برفاقه في المؤامرة المنسوبة إليهم، فما كان من هذا الرجل إلا أن عضَّ لسانه وبصقه في وجه الطاغية؟!

لو كان المنصب أو كانت السلطة خيرًا في ذاتها، لما وقعتا في يد الشرير، فالأضداد — كما تعلم — لا تجتمع أبدًا، وقُل مثل ذلك عن ألوان الحظ والسعادة التي لا تصيب إلا سيئي السمعة، فما استطاعت الكنوز أن ترضي النهم الذي لا يشبع، ولا استطاعت السلطة أن تتيح لمن يرسف في أغلال الشهوات أن يكون له سلطان على نفسه، إنها ليست خيرًا في ذاتها، فكيف تستطيع أن تجعل من أصحابها أخيارًا؟

كلنا يعرف المفسد نيرون
الذي أحرق روما، وقتل الشعب
كلنا يعلم كيف قتل شقيقه،
وكيف لطَّخ يديه بدم أمه.
وعندما أبصر الجسد الهامد
لم يجد الدموع التي ترطِّب وجهه،
وإنما راح يطري الجمال الضائع.
هل استطاع السلطان الرفيع
أن يوقف جرائم نيرون؟
يا له من قدرٍ قاسٍ،
حين تلتقي شهوة القتل
بسلطان السيف!
ويُجيب السجين قائلًا: أنت نفسك تعلمين أن الطموح إلى متاع الأرض لم يكن من طبعي، ولكن نفسي كانت تشتاق إلى الفعل، حتى لا تُشلَّ طاقتها على العمل. فترد عليه السيدة الحكيمة بقولها: إن من صفات الأرواح التي ميزتها الطبيعة، والتي لم تبلغ كمال الفضيلة، أن نسعى إلى المجد والسمعة الطيبة عن طريق ما تحققه من أعمال في سبيل الدولة، ولكن يا له من جهد ضائع وعقيم! فأنت تعرف من تعاليم الفلكيين ومن قراءتك لبطليموس أن الأرض لا تزيد عن نقطة ضئيلة إذا قورنت بالفضاء الكوني الكبير، وأن الجزء المسكون منها لا يزيد عن ربع مساحتها، فإذا طرحت من هذا الربع تلك المساحات الشاسعة التي تشغلها البحار والصحاري والمستنقعات لما بقي للإنسان إلا جزء ضئيل. فما قيمة المجد الذي يطمع صاحبه في أن ينشر ذكره على هذا الحيز الصغير؟ وهل يمكن أن تبقى لهذا المجد قيمة في ذاتها؟ وإذا عرفت أن هذا الحيز الصغير تسكنه شعوب مختلفة اللغات والعادات والطباع، فهل تحلم مدينة من المدن بأن يسير ذكرها فيه، ناهيك بفردٍ واحد؟ إن شيشرون يعترف في أحد كتبه١٠ أن سمعة الدولة الرومانية في قمة مجدها لم تستطع أن تتعدَّى جبال القوقاز، فهل تشك بعد هذا أن من العبث أن يفكر امرؤ في نشر اسمه في مثل هذا الحيِّز الضيق المحدود؟ وإذا تفكر الإنسان في خلود الزمن، فمن أين يأتيه الفرح بخلود الاسم؟ وإذا استطاع أن يحفظه عبر آلاف السنين، فما هي هذه الآلاف إذا قيست بعمر الأبد؟ وما قيمة المجد الذي أحرزه عظماء الرجال إذا كانت أجسادهم ستتحلل بعد الموت إلى تراب؟ وماذا ينفع بعد ذلك أن تشتهر أسماء لا وجود لأصحابها؟ ولكن الغرور هو الذي يسوِّل لكم أن تسعوا إلى المجد والشهرة بين الناس. فاسمع حكاية الرجل الذي عرف كيف يسخر من هذا الغرور. فيُحكى أنه سمع أن رجلًا سمَّى نفسه بالفيلسوف، لا عن حب للفضيلة، بل عن ولع بالشهرة، وقال الرجل لنفسه: سأُجرِّب معه السبَّ والإهانة لأعرف من صبره عليها إن كان فيلسوفًا حقًّا كما يدَّعي، واحتمل الرجل فترة ثم قال في سخرية مما أصابه من أذًى: «هل رأيت أخيرًا أنني فيلسوف؟» فردَّ عليه الأول في سخريةٍ أشد مرارة: «لو أنك سكتَّ لرأيتُ ذلك حقًّا!»

راح السجين يستمع في دهشة وذهول إلى هذا العزاء العلوي للقلب المتعَب، ولكنه كان يُسائل نفسه عمَّا عسى أن يكون ذلك العلاج الحاسم الذي حدثته الفلسفة عنه. ولم يطُل صمت السيدة النبيلة عنه، فقد وعدت بأن تأخذ بيده إلى السعادة الحقة، واستحلفها بأن تعجِّل به إليها، وأطرقت ببصرها قليلًا إلى الأرض ثم بدأت تقول: إن مسعى الفانين وإن سار في دروبٍ عديدة، إنما يتجه في النهاية إلى هدفٍ واحد هو السعادة، إنها هي الخير الأسمى الذي ينطوي على كل خير، كما يسعى إليه كل امرئ على طريقته؛ فقد فُطِرَ الناس على البحث عن الخير الحق، وإن كانوا يختلفون فيما بينهم حول معناه، فبعضهم يراه في الثروة والجاه، وبعضهم في الشرف والمجد والسلطان. ولكنهم يتفقون في أن الخير الأسمى مرادف للذة والسرور، أي لما يعتقدون أنه يحقق لهم السعادة؛ فالسعادة حال تصيب من يعتقد أنه يملك كل ألوان الخير، وأنه يستطيع أن يكتفي بنفسه، فلا يحتاج إلى شيء يأتيه من الخارج. ألا ترى الناس يبحثون عن الثروة والمنصب والسلطة والمجد والمتعة لاعتقادهم أنها تضمن لهم الاحترام والشهرة والفرح؟ إنهم وإن اختلفوا في معنى الخير، فلن يختلفوا في سعيهم إلى الخير الأسمى.

إن الكائنات تحنُّ إلى أصلها، فالأسد المقيد بالسلاسل يحنُّ إلى عرينه، والطائر الحبيس في قفصه يشتاق إلى غابته، وأنتم يا أبناء الأرض تدفعكم الفطرة إلى أصل الخيرات جميعًا وغايتها إلى السعادة.

لنسلِّم بأن مَنْ يملك أسباب السعادة — من مال أو شرف أو منصب — يصبح سعيدًا، فهل هناك من اجتمعت له «كل» أسباب السعادة؟ هل منهم من نال السعادة التي لم يعكر صفوها همٌّ أو كدرٌ أو ظلمٌ ألحقه بغيره؟ ومتى كانت الثروة قادرة على أن تمكن صاحبها من الاستغناء عن غيره والاكتفاء بذاته؟ وكيف تستطيع ذلك وهي لا تقدر أن تدافع عن نفسها من السرقة والاغتصاب، بل تحتاج دائمًا لمن يحميها ويحفظها؟ وأين الغنيُّ الذي لا يشعر بالجوع والعطش، أو لا ترتعش أعضاؤه لبرد الشتاء؟ قد تقول: إن الثروة تستطيع أن تسكِّن الجوع وتروي العطش وتجلب الدفء، ولكن هل تستطيع أن تقضي على الحاجة تمامًا؟ ألا تجعل هي نفسها الإنسان أكثر حاجة؟ ألا تزيده شرهًا وجشعًا؟ إن الطبيعة يكفيها القليل، أمَّا الجشع فلا يشبعه شيء.

ويمكنك أن تقول مثل ذلك عن المنصب والسلطان، فأنا أُسلِّم معك بأن صاحبهما يعيش مكرمًا مرموقًا، ولكن هل استطاع المنصب والسلطان أن يزرعا الفضيلة في قلوب أصحابهما أو يقتلعا الرذيلة منها؟ ألا نرى أنهما لا تصيبان في الغالب إلا أقل الناس شأنًا وأضعفهم خلقًا، وأنهما لا تزيدانه — في معظم الأحيان — إلا خسةً وشرًّا؟ إن شرف المنصب لا يجعل صاحبه شريفًا، كما أن العاطل عنه لا يمنعنا من تسميته فاضلًا وحكيمًا؛ لأن الفضيلة — كما تعلم — تحتفظ بقيمتها في ذاتها، ولأن من احتقره الناس مرة لن يجلب المنصب له الاحترام، ثم إن كرامة المنصب تتفاوت من عصر لعصر، وتختلف من شعب لآخر، فأي جمال إذن يكمن فيها؟

أتظن أن الملك يجلب السعادة؟ ولكن ماذا تقول إذا كان لا يستطيع أن يحافظ على نفسه؟ ألم تسمع بذلك الطاغية ديونيزوس١١ الذي راح المنافق داموقليس يطري حظه وسعادته، وكيف أراد أن يثبت له هوان هذه السعادة وتعرضها للزوال؛ فدعاه إلى مائدةٍ فخمة حافلة، بينما علَّق فوق رأسه سيفًا حادًّا يتدلى من شعرة حصان؟ فأي سلطان لا تفترسه الهموم، وأي منصب لا يمشي صاحبه على أشواك القلق؟ إنه كلما أظهر قوته، كشف عن ضعفه، وكلما بث الفزع في قلوب الناس، أثبت فزعه منهم؛ ذلك أن صاحب السلطة هو أول مَنْ يعيش في خوف عليها، والذين يعيشون في خدمتها هم أول ضحاياها، ألم يسلِّم «أنطونيوس كاراكاللا»١٢ مستشاره لسيف الجلاد؟ ذلك أن المقربين إلى السلطان لا تقرِّبهم إليه الفضيلة بل الطمع في الثروة والجاه، فما أكثر ما يخدع المجد! وما أكثر ما يهين! وما أصدق «يوريبيديس» حين قال:
يا مجد، أنت أيها المجد،
كم رفعتَ من حياة تافهة
لعدد لا يحصى من الفانين!١٣

وما أجدر الحكيم — لولا أن الحكمة تمنعه من ذلك — بأن يغتر بنفسه، حين يجد أن فضيلته لم تأته من رأي الناس فيه، بل من سلامة ضميره واستقامة فعله، وما أسخف أن يعتز الإنسان بنسبه أو نبله، بينما الفضل فيه للآباء والأجداد. إن جنس البشر كله في هذا العالم متشابه الأصل، واحد بمفرده هو والد الجميع، وهو وحده الذي يدبِّر الكل، أعطى فيبوس «الشمس» سطوعها والقمر هلاله والأرض شعوبها والسماء كواكبها، جمع الأعضاء مع الروح الذي أرسله من العرش، وبذر النبالة في كل بشر فانٍ، أتفتخرون بالأجداد؟ اذكروا إذن الأصل الذي انحدرتم عنه، اذكروا كذلك أباكم الإلهي، ولن يخلو من الدم النبيل من لا يتنكر للأصل ولا يزيد الشر.

ثم ماذا أقول عن متع الجسد؟ إن السعي إليها محفوف بالهمِّ، والشبع منها مملوء بالندم، كم سببت للمتهالكين عليها من أمراض، ولو أنها كانت تجلب السعادة حَقًّا، فلماذا لا تقول عن البهائم إنها سعيدة وهي لا تسعى لشيء كما تسعى إلى إشباع الجسد؟! ماذا بقي إذن؟ الزوجة والأبناء؟ ولكن الأبناء — كما قيل لي — معذَّبون، وأنت نفسك أدرى مني بذلك؛ فها أنت ذا في سجنك قلقٌ عليهم، فهل يبلغ قلقهم عليك هذا المبلغ؟ ألا يحق ليوريبيديز أن يصف مَنْ لا أبناء له بأنه سعيدٌ في الشقاء؟! إن من طبع اللذة أن تغري بالتمتع، ولكنها كالنحلة التي تفر بعد أن تهدي عسلها وتترك في القلب لدغةً لا تُنسى، أتريد أن تغتر بمحاسن الجسد؟ ولكن كيف تثق بملك زائل وفانٍ؟ وهل يمكنك أن تتفوَّق على الفيل في ضخامته، والثور في قوَّته، والنمر في خفته؟ انظر إلى اتساع السماء وثباتها وروعتها، وسوف تكفُّ عن التعجب مما لا يستحق العجب، أتذكر لينكويس الذي كانت عيناه تنفذان في الحجر؟ لو أن ألكيبياديس الجميل كانت له عيناه، ونفذ بصره إلى ما وراء الجسد البديع، فهل كان يعجبه قبح أحشائه؟ تعجب كما شئت بمفاتن الجسد، ولكن تذكَّر أن الحمى التي تُصيبه ثلاثة أيام لن تُبقي لها أثرًا.

هل اقتنعت الآن بأن هذه الأسباب جميعًا ليست هي الطريق إلى السعادة، بل المتاهة التي تضلك عنها؟ إن البحث عنها بهذه الوسيلة كالبحث عن الذهب على أغصان الشجر، أو الجواهر على فروع الكروم، أو السمك في حضن الجبل، أو الغزال في عرض البحر، أو النجوم في تراب الأرض، أتريد الآن أن تعرف الطريق إلى السعادة الحقة؟ هل تسلِّم معي بأن ما يكفي نفسه بنفسه هو الذي ينطوي على الشرف والقوة والمجد؟ وهل تُوافِقني كذلك على أن الذي لا يحتاج لشيءٍ غريب عنه ويحتوي في ذاته على الشرف والقوة والمجد لا بد أن يكون شيئًا مُسعِدًا للقلب، وأن هذه جميعًا لا بد أن تكون أسماء مختلفة لشيءٍ واحد؟ إذن فأنت تتفق معي في أن الناس حين يطلبون الأجزاء المنفردة مما هو كلٌّ متكاملٌ بطبيعته إنما يفقدون الكل والأجزاء جميعًا؛ فالذي يطلب الثروة وحدها يضيع القوة والكرامة، والذي يسعى إلى السلطة يُضحِّي بالثروة ويحتقر الشرف والسمعة الطيبة، ولكنه حين يصل إلى السلطة يترك الخوف يتسلط عليه، بذلك تضيع هي أيضًا من يده. ألا ترى إذن أنه لا يمكن أن يجد السعادة في شيء وعده بها فلم يسبب له غير الألم، وأن السعادة نفسها ليست شيئًا يسعى إليه الإنسان؛ لأنها ليست «شيئًا» يُمْتَلَك أو يُخْشَى عليه من الضياع؟ القوة والشرف والمجد … إلخ، ليست إذن إلا مظاهر خدَّاعة للخير الحقيقي الكامل ولا يمكن أن تقربنا منه في كثير ولا قليل، وعلينا الآن أن نرى أين نلتمس هذا الخير الحق، ولكن لنبتهل إلى الله أوَّلًا أن يقف إلى جانبنا، فذلك ما يخلق بنا أن نفعله حتى في أقل الأشياء شأنًا، كما علَّمنا أفلاطون الحكيم في محاورته «طيماوس». لنحاول إذن أن نبحث عن هذا الخير الحق، ولنقُلْ بادئ ذي بدء: إنه لا شك في وجوده ولا في أنه منبع كل خير سواه؛ إذ لو استبعدنا الخير فكيف نعرف أن الشر شر، ولو أَلْغينا الكمال فكيف نعرف أن الناقص يفتقر إليه؟ فإذا كانت هناك سعادةٌ ناقصة بخيرٍ زائل، فلا بد أن تكون هناك سعادةٌ كاملة بخيرٍ باقٍ، أمَّا أين يكون هذا الخير فدعنا نتأمله سويًّا. الله خير، والدليل على ذلك أن عقول البشر تتفق على هذا الرأي، فما لم يكن هناك شيء يمكن التفكير فيه أفضل من الله، فلا سبيل إلى الشك في أن ما لا يوجد خير منه فلا بد بالضرورة أن يكون هو نفسه خيرًا، ولا بد أن يتحقق فيه الخير الأكمل؛ إذ لو كان الأمر على غير ذلك لما كان الله سيد الأشياء جميعًا، وقد قلت لك من قبل: إن الخير الكامل هو السعادة الكاملة، فلا بد إذن أن تكون السعادة الكاملة متحقِّقة في الله، ولكن هذه السعادة ليست شيئًا غريبًا عن ذاته، تلقاه من الطبيعة أو من شيء خارجي، وإلا كان المعطي أكمل من المتلقي، والفرع أفضل من الأصل، وذلك يخالف ما سلَّمنا به من أن الله هو أسمى الموجودات، وإذا كنتَ قد اعترفتَ بأن الخير الأسمى هو السعادة، فلا بد أن تعترف كذلك بأن الله هو السعادة.

الآن قد عرفت أنه لا يمكن أن يكون هناك خيران مختلفان كل منهما متناهٍ في الكمال، وإلا لزم أن يكون أحدهما أكمل من الآخر، واستحال عليهما معًا أن يوصفا بالكمال المطلق، إذن فلا بد من التسليم في آخر الأمر بأن السعادة الكاملة هي والألوهية الكاملة شيءٌ واحد. ولْنستعِنِ الآن بنوع من الاستدلال الذي يلجأ إليه الرياضيون. فلما كان الناس يصبحون سعداء حين يبلغون السعادة، وكانت السعادة هي الألوهية، فمن الواضح أنهم يصلون إلى السعادة حين يصلون إلى الألوهية، كما يصبحون عادلين حين يصلون إلى العدل، وحكماء حين يبلغون الحكمة، ومن الواضح أيضًا أنهم يصبحون آلهة حين يصلون إلى الألوهية، وأن السعيد منهم لا بد أن يصبح إلهًا، أعني أن يشارك في الألوهية بقدر ما تسمح به طاقة البشر؛ لأن الإله نفسه لا بد أن يكون واحدًا.

ولكن السعادة الكاملة هي في الوقت نفسه الاكتفاء الكامل والقوة الكاملة، وهي كذلك الشرف والمجد واللذة، وكلها تتَّجه إلى الخير الذي هو قمتها وتاجها؛ فالناس تسعى إلى الاكتفاء لأنه خير، كما تسعى إلى القوة والشرف والمجد لأنها تعتبرها خيرًا، وتعِدُ نفسها بالفرح والرضا من ورائها؛ فالرغبات جميعًا تلتقي في الخير؛ لأن ما ليس خيرًا لا يمكن أن يرغب أحد فيه، وإذا كان الناس في بعض الأحيان يتوقون إلى ما ليس خيرًا فلاعتقادهم الخاطئ أنه خير، وإذا كان الناس يسعون إلى هذا الشيء أو ذاك لأنه خير، فالأَوْلَى أن يُقال إن سعيهم الحق إنما يتجه إلى الخير نفسه الذي يرغبون من أجله في هذا الخير الجزئي أو ذاك. ولما كان الخير والسعادة شيئًا واحدًا كما اتفقنا، وكان الله والسعادة الحقة شيئًا واحدًا كذلك، فلا بد أن ننتهي من هذا إلى أن جوهر الله يكمن في الخير نفسه لا في شيءٍ آخر سواه. إن كل ما هو موجود فهو يسعى إلى الوحدة، والوحدة والخير شيءٌ واحد، فكل موجود يسعى إذن إلى الخير، وقد بيَّنتُ لك أن السعي إلى هذا الخير الجزئي أو ذاك لا يمكن أن يؤدي إلى السعادة الكاملة، فلا بد إذن من التسليم بأن الموجودات جميعًا تسعى إلى الخير الأسمى، أعني إلى السعادة الكاملة، هذا الخير الأسمى هو الله الذي يدبر الكون، ويُضفي الوحدة على أجزائه المختلفة المتنافرة، وهو في سبيل ذلك لا يحتاج إلى مساعدة من الخارج، وإلا ما كان مكتفيًا بذاته، ولقد عرفنا أن الله هو الخير، ولا بد الآن أن نعرف أنه يدبر العالم بالخير، ما دام يدبره بنفسه، وأن كل من يسعى إلى الخير فلا بد أنه يسعى في الوقت نفسه إلى الله.

قالت الفلسفة هذا الكلام في هدوء واتزان يليق بجلالها وجدِّها، فهتف بها السجين: «أنتِ يا أيتها الهادية إلى النور الحق! لقد ذكرتني كلماتك الإلهية المبينة بما أنساني الظلم، وكنت من قبل أعرفه حق المعرفة، فلتعلمي الآن أن علة همي وحزني أن أرى الشر ممكنًا في عالم يدبره إله خير، وأن أجد هذا الشر يسير في طريقه بغير عقاب بينما الفضيلة تبقى بغير جزاء، لا بل يدوسها الأشرار بأقدامهم، فهل لكِ أن تخلصيني من عجبي ودهشتي؟»

وأجابته الفلسفة قائلةً: «إنك لو تأملت حق التأمل فيما انتهينا إليه معًا؛ لعرفت أن الأخيار دائمًا أقوياء والأشرار عاجزون، وأن الرذيلة لا تعدم الجزاء، ولا الفضيلة تعدم المكافأة، وأن الطيبين ينعمون بالسعادة في آخر المطاف، والمفسدين يتعذبون بالشقاء، لقد عرفت معي أين تكون السعادة، وبقي عليَّ أن أهديك إلى طريق العودة إلى الوطن الحق، وأمنح روحك جناحين ترتفع بهما إلى الأعالي فتهتف قائلًا: «هذا وطني، لقد أتيت منه وسأبقى فيه.» عليك أوَّلًا أن تعلم أن الأخيار يملكون القوة وأن الأشرار ضعفاء عاجزون، ولكي أثبت هذا أقول: إن النجاح في كل عمل إنساني يقوم على شيئين: الإرادة والقوة، وإذا غاب أحدهما فشل العمل في تحقيق ما يريد، فإن غابت الإرادة لم تجد أحدًا يتجه إلى ما يريد، وإن نقصت القوة كانت كل إرادة هباءً، وكل من يعمل عملًا فهو قادر عليه، ومن لا يقدر عليه لا يعمله.»

ولكن هل تذكر الآن أن السعادة هي غاية كل فعلٍ إنساني، وأن السعادة هي الخير نفسه، ومن يسعى إلى السعادة يسعى إلى الخير، يتفق في ذلك الأخيار والأشرار على السواء؟ وهل بقي لديك شك في أن من يبلغ الخير يُصبح خيِّرًا، وأن الأشرار الذين يصلون إليه لا يمكن أن يظلُّوا أشرارًا؟ وإذا كان كلاهما يسعى إلى الخير، فيبلغه الأخيار ويعجز عنه الأشرار، ألا يتضح من ذلك أن أولئك أقوياء وهؤلاء لا يملكون القوة؟ إن الخير الأسمى ماثل أمام الأخيار والأشرار، يسعى إليه الأوَّلون بما فُطِرُوا عليه من استعدادٍ طبيعي لممارسة الفضيلة، بينما يحاول الأشرار أن يبلغوه عن طريق شهواتهم، أعني عن غير الطريق الذي رسمته الطبيعة لممارسة الأفعال. ألا ترى مدى ضعف أصحاب الرذيلة، هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على بلوغ ما تقودهم إليه الفطرة، لا بل تدفعهم الطبيعة إليه؟ وإذا عرفتَ أن الخير الأسمى هو آخر ما يمكن أن يسعى إليه الإنسان، ألا تُوافقني على أن من يصل إليه هو أعظم الناس وأقواهم إرادة؟ وأن مَنْ يعرف طريق الفضيلة ويتنكَّبه إلى طريق الرذيلة هو أضعفهم وأشدهم عجزًا؟ لا بل تستطيع أن تقول: إن من يتعامون عن الهدف الوحيد لكل ما هو موجود، لا يثبتون عجزهم فحسب، بل يثبتون كذلك عدم وجودهم، وقد يدهشك أن أصف الأشرار — وهم أغلبية الناس — بأنهم غير موجودين؛ ذلك أنني لا أنكر أنهم أشرار، ولكني أنكر أنهم موجودون؛ لأنني أحب أن أحتفظ بهذه الصفة لكل ما يحافظ على طبيعته، أعني لكل ما يسعى إلى الخير. قد تحتج بقولك: إن الأشرار يملكون مع ذلك الغلبة والبأس، ولست أنكر ذلك، ولكنني أراه صادرًا عن الضعف لا عن القوة، كما أرى أنهم لا يأتون الشر إلا لعجزهم عن فعل الخير. ولما كان الشر عدمًا كما اتفقنا من قبلُ، وكان لا يسعهم إلا اقترافه، فهم في الحقيقة لا يقدرون على شيء، أعني لا يقدرون إلا على العدم، فالقدرة على فعل الشر ليست في الواقع إلا ضعفًا؛ لأن القدرة الحقيقية تكمن في فعل الخير والسعي إلى قمة القوة والسعادة جميعًا، ألا وهو الخير الأسمى، وما من جزاء للخيرين أعظم من الخير نفسه، فالخير هو السعادة، والسعداء الحقيقيون هم «الإلهيون»، فبقدر ما يكف الإنسان عن فعل الخير، بقدر ما يكف عن الوجود نفسه، وبقدر ما يشارك في الخير، تزداد مشاركته في الكمال الإلهي.

يكفي أن الله — وهو خالق الأشياء جميعًا — ينظم كل شيء حين يوجهه إلى الخير، وأنه يرضيه أن يتشبه به المخلوق بقدر طاقته، أمَّا الشر الذي يحزنك أمره، فلو دققت النظر وحاولت أن تراه بمنظار العناية الإلهية لما وجدت له أثرًا على الأرض، ولعرَفتَ أن كل ما يصيب الإنسان من قدر فهو خير، سواء في ذلك أكان عقابًا للمسيء أو جزاءً للمحسن.

أنت يا مَنْ سِرت قُدُمًا على طريق الفضيلة، إن قدرك في يدك، فتمسك بالتوسط والاعتدال، ولا تكف عن صراع القدر، حتى لا تخذلك المصائب أو تفسدك الملذات، ومهما يبدُ لك القدر قاسيًا، فسوف ينفعك في الحالين، إن عاقبك عرفت العدل، وإن كافأك بلغت الخير، بذلك تعود إلى وطنك المضيء الذي حدثتك عنه، وتجد العزاء عن هذا الظلم الذي حاق بك، لا بل تعرف أنه ليس ظلمًا ذلك الذي ارتفع بك إلى العدل، وسما بك فوق الشر الموقوت إلى سماء الخير الأبدي.

١  صاحب هذه التسمية هو إدوارد جيبون، صاحب الكتاب المشهور: تاريخ أفول وسقوط الإمبراطورية الرومانية.
٢  أتباع أريوس الذي مات في عام ٣٣٨ وأنكر وحدة الماهية بين الله والمسيح؛ إذ قال بأن الله هو الذي خلقه ولكنه نفى عنه الطبيعة الإلهية.
٣  De consolatione filosofiae.
٤  أول المدارس الفلسفية اليونانية في إيطاليا.
٥  نسبة إلى الأكاديمية التي أسسها أفلاطون وخرج منها أعظم تلامذته أرسطو.
٦  تلميذ بارمنيدس الشهير.
٧  الجمهورية: ٥، ١٨.
٨  الإلياذة: ٢٤، ٥٢٧-٥٢٨.
٩  انتهت أقدم مرحلة من مراحل التاريخ الروماني حوالي عام ٥١ق.م بطرد آخر الملوك الطغاة تاركوينيوس سوبربوس وحاشيته، ولم ينسَ الرومان ذلك أبدًا، حتى بلغ من كرههم للملوك أنْ حرَّموا على قيصر نفسه (٤٤–١٠ق.م) أن يُسَمِّي نفسه مَلكًا.
١٠  عن الدولة، ٦، الفصل العشرون، ٢٢.
١١  حاكم سيراقوزه منذ عام ٤٠٥ق.م.
١٢  قيصر روماني قاسٍ، حكم من ٢١١ إلى ٢١٧ بعد الميلاد، قتل شقيقه وشريكه في الحكم جيتا في عام ٢١٢، كما أمر بقتل مستشار البلاط بابيانوس الذي استهجن الجريمة.
١٣  في مسرحية أندروماخه ٣١٩–٣٣٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤