روكامبول في السجن

١

مر شهر بعد قبض الجنود على روكامبول في منزل مس ألن حين وافاها إليه من ذلك الدهليز السري.

ويذكر القراء تلك الكلمات الأخيرة التي قالها لمس ألن، وهي توشك أن تجن من فرط حزنها، قال لها: اذهبي إلى باريس، وعودي بميلون ورفاقه.

ثم مشى مع الجنود إلى السجن بأتم السكينة.

ولما وصلوا به إلى سجن نوايت الرهيب وجد فيه كثيرًا من الجنود فاستدل من ذلك على مبالغة الأسقف بترس توين بالحذر، وأن القبض عليه كان مدبرًا خير تدبير.

وقد كان في طليعة أولئك الجنود حاكم السجن نفسه وهو محاط بحراسه فحياه روكامبول تحية الصديق للصديق، فقال له الحاكم وقد عرفه: إنك قد عبثت بي مرة حين أنقذت ذلك من السجن، ولكنك لا تجد من ينقذك، فسنحرص عليك أشد الحرص.

فابتسم روكامبول، وقال: إنك تحسن صنعًا.

– وسأتولى حراستك بنفسي فقد علمنا الآن أنك أحد هؤلاء الزعماء الإرلنديين الذي طالما أقلقوا خواطر إنكلترا.

فأجابه بسكينة: إن ذلك من الممكنات.

– ولا بد لي من إخبارك أن يوم إعدامك سيكون بعد ثلاثة أسابيع أو شهر.

– إني أشكرك يا سيدي لهذا التفاؤل.

وكان الحاكم لا ينفك عن الابتسام لروكامبول، فقد كان هذا الرجل طروبًا بالفطرة، وكان يرى ذلك السجن الرهيب المظلم من أجمل قصور الأرض فوضع يده فوق كتف روكامبول، وقال له: لدي نبأ أخبرك به، وأرجو أن يسرك، فإن أمرك منوط بي في هذا السجن، وأنا حر في معاملة المسجونين كما أشاء.

وبوسعي أن أخفف وطأة سجنهم إذا أردت، والذي يبدو لي منك أنك كريم الأخلاق وافر الأدب، ومن كان مثلك وجبت رعايته ولا يجمل بمثلي أن يعامله معاملة أدنياء المجرمين.

– إني أشكرك كل الشكر يا سيدي ولا أنسى لك هذا الإحسان.

– والحق إني ميال إليك وإني أجاهر بحبي للفرنسيين، ولا أخشى لومة لائم، وفوق ذلك فإنك كما قلت لا رجاء لك بالحياة أكثر من شهر، فلا أحب أن تعذب في خلاله، ولذلك أعددت لك وسائل الراحة، وستجد في غرفتك سجينًا آخر يؤاسيك وتؤاسيه، وقد أذنت لك بمطالعة الكتب وقراءة الجرائد.

فقال له روكامبول: أتأذن لي بالكتابة أيضًا؟

– دون شك.

ثم أشار إلى الحراس فذهبوا بروكامبول إلى الغرفة المعدة لسجنه وكان لها نافذة تطل على فناء.

ولما دخل إليها رأى رجلًا مضطجعًا فوق سريره، فهب من مضجعه، ونظر نظرة وحشية إلى الداخلين.

وكان هذا الرجل في الثلاثين من عمره، طويل اللحية نحيل الوجه براق العينين، فناداه أحد الحراس باسم برنيت وقال له: إنك لا تبيت وحدك بعد الآن.

فأجاب: إن ذلك سيان عندي.

ثم عاد إلى مضجعه دون أن ينظر إلى روكامبول، فلما انصرف الحراس وبات روكامبول وحده مع هذا الرجل نظر إليه مبتسمًا وقال: إني أراك شديد الكآبة أيها الصديق.

فنظر إليه السجين نظرة إنكار وقال: أتريد أن أكون فرحًا طلق المحيا في هذا السجن الضيق؟

– أتقيم طويلًا فيه؟

– كلا، إني سأشنق في السابع عشر من هذا الشهر.

– أي ذنب جنيت؟

فرسم برنيت علامة الصليب على وجهه، حسب اصطلاح الجمعية السرية الإرلندية.

فدهش روكامبول، وأجابه بمثل إشارته، ورأى وجه الإرلندي قد استنار.

فأشار له روكامبول إشارة سرية أخرى لم يفهمها.

وأدرك لفوره حقيقة أمر هذا السجين وقال: لا شك أن هؤلاء الإنكليز أضعف منا في مجال الحيلة، فإنهم وضعوني مع رجل ليس هو من الإرلنديين ولكنه عرف رموزهم، إنهم يستطيعون أن يجعلوه جاسوسًا عليَّ، وسوف نرى ما يكون.

ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: لا تأسف أيها الصديق إن الموت في سبيل الإرلنديين خير من الحياة.

٢

أما حاكم السجن وهو يُدعى روبرت فقد وفى بما وعد به روكامبول، وأنه أرسل إليه كثيرًا من الكتب.

ولما أزف وقت الطعام أرسل إليه ولرفيقه، الإرلندي الكاذب، طعامًا شهيًّا.

ولكن روكامبول لم يحدث ذلك الرجل كلمة طول ذاك اليوم وقبل أن تطفأ مصابيح الغاز اضطجع في سريره.

وفي اليوم التالي جاء إليه حاكم السجن بنفسه فقال له: كيف أنت؟

فابتسم روكامبول وقال له: بخير.

– أراقت لديك تلك الكتب التي أرسلتها إليك؟

– أشكرك كثيرًا إنها من خير ما يُقرأ يا حضرة الميلورد.

– إني لست لوردًا، ولكني غير قانط من أن تكافئني جلالة الملكة فكتوريا بلقب بارون جزاء خدماتي.

– إني واثق كل الوثوق من نيلك هذه الأمنية؛ لأنها دون ما تستحق.

فشكره الحاكم وقال: أتريد أن أرسل إليك جرائد؟

– حبذا يا سيدي لو تكرمت بإرسال جرائد بلادي؛ لأن المرء يحن إلى لغته كما يحن إلى وطنه.

– سأرسلها إليك هذه الليلة وسأزورك كلما سنحت لي الفرصة فقد أنست بعشرتك فقل لي كم عمرك؟

– تسعة وثلاثين عامًا.

– من يراك يحكم أنك لا تتجاوز الثلاثين.

فابتسم روكامبول وقال له: ومع ذلك فقد لقيت من المتاعب ما لم يلقه سواي.

– ولكنني أعجب لنبيل مثلك كيف ينخرط في سبيل أولئك الإرلنديين الحفاة العراة.

وكان رفيق روكامبول في السجن؛ أي ذلك الجاسوس الذي عينوه لمراقبته واستخراج خفايا أسراره، يسمع الحديث ويمثل دوره أتقن تمثيل، فلما سمع الحاكم يحتقر الإرلنديين تظاهر بالغضب الشديد وتمتم كلمات لا تُفهم.

أما روكامبول فقد أجاب الحاكم بقوله: إني قد انضممت إلى الإرلنديين؛ لأني خُلقت لنصرة الضعيف والميل معه على القوي.

فوقف الحاكم بالمحادثة عند هذا الحد وانصرف، أما روكامبول فإنه عاد إلى القراءة، دون أن يُحادث الجاسوس بكلمة، في حين أنه كان يود أن يسأله ألف سؤال.

•••

مضى على ذلك أربعة أيام، كان الحاكم يزور روكامبول في خلالها كل صباح ويحمل معه الجرائد الفرنسية، ثم يغتنم فرصة تشاغل روكامبول بأخذ الجرائد، فينظر نظرة خفية إلى الجاسوس، ولكن هذه النظرة لم تكن تخفى على روكامبول.

فإذا انصرف الحاكم عاد روكامبول إلى القراءة والتفكير.

وكان يقرأ الجرائد الفرنسية بإمعان شديد، فلا يفوته خبر من أخبارها، وبعد ثمانية أيام من إقامته في السجن عثر في جريدة الديبا على المقالة الآتية:

يرى الذين تعودوا النزهة في غابات بولونيا مركبة تسير فيها فتاة حسناء كل يوم، وقد استلفتت الأنظار بجمالها وهي إنكليزية كما يقولون.

ويصحب هذه الفتاة في كل نزهة رجلان، يبلغ أحدهما الخمسين من عمره.

وقد حسبوا في البدء أن هذا الرجل والد الحسناء، ولكنهم رأوا من دلائل نفورها منه واحتقارها إياه ما أبعد عنهم هذا الظن، وفسح لهم مجال الريب.

وقد رأى الكونت م … وهو من مشاهير الباريسيين أن الفتاة الإنكليزية أسيرة واللذين يصحبانها من عمال البوليس وقد أرسلا من لندرا فعسى أن يتوفق الكونت إلى كشف هذا السر.

فلما قرأ روكامبول هذه المقالة أمعن في التفكير وتاه في مهامه التصور، ثم قال في نفسه: من عسى أن تكون تلك الفتاة الإنكليزية غير مس ألن، وإذا كانت هي فقد يكون الكونت م … وقف على الحقيقة، ولا بد أن يكون الأسقف بترس توين واللورد بالمير، أرسلا في أثرها هذين البوليسين.

ثم أطرق مفكرًا وقال: إن هؤلاء الإرلنديين ضعفاء لا يقدموا على المخاطرة في سبيل إنقاذي؛ لأني لست إرلندي الأصل، فيجب أن أعتمد على عصابتي أكثر من اعتمادي عليهم وقد أرسلت مس ألن إلى باريس، وقلت لها: ابحثي عن ميلون ومرميس وفاندا، فإذا كانت المس ألن أسيرة لا تعلم عصابتي شيئًا ولا تحضر، إذن لا بد لي من إيجاد وسيلة أدعو بها العصابة.

وعندما جال في نفسه هذا الخاطر نظر إلى ذلك الجاسوس وعنَّ له خاطر سريع فقال: إنهم قد وضعوا هذا الرجل جاسوسًا عليَّ، وإذا أصلحت نفسه الساقطة حميته من وصمة الجاسوسية الشائنة واستخدمته فيما أريده من أغراضي، فكان لي خير معين.

وقد عرف القراء تلك النظرات الجاذبة المؤثرة التي عُرف بها روكامبول وخطر له أن يستعين بها على استجلاب الجاسوس، لا سيما بعد أن رأى من عينيه أنه أميل إلى الخير منه إلى الشر، وأن الفقر دعاه إلى امتهان هذه المهنة السافلة، ووضع جريدته على السرير وجعل ينظر تلك النظرات إلى الجاسوس.

وأحس الرجل لفوره بتأثير النظرات فيه، وأن نفسه قد تكهربت بها، فلم يكن يطيق النظر إليه ويغض من بصره كلما حدق به إلى أن أيقن روكامبول من ذلك التأثير، فقال له بلهجة السيادة المطلقة: ماذا تُدعى أيها الرجل؟

– برنيت.

– أين ولدت؟

– في دبلين.

– ومتى قبضوا عليك؟

– يوم فرار الكولونيل ستيفن.

– إني كنت في طليعة الإخوان يومئذ فلا أذكر أني رأيتك بينهم.

فاحمر وجهه احمرارًا خفيفًا استدل منه روكامبول على ضعفه فقال: أتعلم أننا اليوم في الحادي عشر من هذا الشهر؟

– نعم …

– ولقد قلت لي: إنهم سيشنقونك في اليوم السابع عشر فلم يبق لك في هذا الوجود إلا ستة أيام.

فأطرق الجاسوس بنظره اتقاء لنظرات روكامبول وقال: إني مستسلم للقضاء راض بما كتبه لي.

فحدق روكامبول به تحديقًا اضطربت له حواسه وقال: ولكنك تعلم يقينًا أنك لا تموت في ذاك اليوم.

– من ينقذني؟

– لا ينقذك أحد.

– إذن لا بد من الموت.

فعاد روكامبول إلى إرهاقه بنظراته، وقال له: إن الإعدام لا يكون إلا بعد صدور الأحكام، ولم يحكموا عليك بشيء أيها المجنون، بل إنهم وضعوك معي في هذا السجن لمراقبتي، ورضيت أن تتولى هذه المهمة الشائنة لفقرك، ولكني سأغنيك من هذا الباب الحقير، وأغنيك عن الندم وترقيع الضمير فاصغ إليَّ.

ثم أخذ يبسط له بفصاحته النادرة عيوب الجاسوسية، ويقبح ذلك المبدأ المنحط ويشرح ما تجده النفس من الانبساط في خدمة المبادئ الشريفة ويعلله ببسطة العيش.

وقد أفاض في هذه المباحث إلى أن افتتن عقل الرجل وسال لعابه حتى إذا انتهى من مواعظه وإرشاده بسط يده وقال له: أتريد أن تكون في عداد أصدقائي؟

فجثا الرجل على ركبتيه، وقد بلغ روكامبول في نفسه ما أراد وقبَّل تلك اليد التي مدت إليه.

ثم قال: إني لا أعلم من أنت، ولكني أعلم أنك من أهل السلطان على القلوب وسأكون في خدمتك من أوفى الأمناء.

فابتسم روكامبول وقال: سوف ترى أنك غير مخطئ في وفائك متى خرجنا من هذا السجن.

فذهل برنيت وقال: أتطمع بالخروج منه يا سيدي؟

– إني أخرج متى أشاء.

٣

مر على ذلك أربعة أيام انقطع الحاكم بعدها عن زيارة روكامبول لقنوطه من الجاسوس؛ لأنه كان في كل مدة يحضر يشير إلى الجاسوس مستفهمًا فيغمزه بعينه مشيرًا إلى أنه لم يستطع أن يعلم شيئًا بعد فانقطع عن زيارته، وجعل يرسل الجرائد الفرنسية مع أحد الحراس.

وكان هذا الحارس الذي يرسله عالمًا بأمر الجاسوس فكان كلما أتى يسأله بالنظر فيجيبه بالإشارة أنه لم يعلم شيئًا إلى أن جاءه يومًا فغمزه بعينه مشيرًا أن لديه أخبار خطيرة فسُر الحارس وانطلق إلى مولاه.

وكان الجاسوس قد استسلم كل الاستسلام إلى روكامبول كما قدمناه، وقد كان لديه حقيقة أخبار هامة يريد أن يُبلغها إلى الحاكم.

أما روكامبول، أو الرجل العبوس، فقد كان قرأ في الليلة، هذه المقالة الآتية، في إحدى الجرائد الفرنسية التي يرسلها إليه الحاكم، وهذه هي:

لا يكتفي هؤلاء الإنكليز بما يبدونه من الشذوذ في بلادهم، بل إنهم يقدمون عليها في بلادنا، وهذا خبر ننشره بملء التحفظ، على وثوقنا من صحة ما نرويه.

إن فتاة حسناء من أهل النبل قدمت إلى باريس فاستلفتت الأنظار بحوادثها وهي تُدعى مس ألن ابنة اللورد ب …

وكان قد حضر معها خادمان حين قدومها إلى باريس ولم يعلم أحد سر حضورها إلى العاصمة فأقامت في منزل جميل في أفضل الشوارع، وكان الناس يرونها كل مساء تخرج متنزهة في الغابات.

ولكن يظهر أن هذه الرحلة لم ترق لعائلة الفتاة.

إنه إذا اتفق مثل هذا الحادث في فرنسا، يذهب والد الفتاة الهاربة باحثًا عنها ويعود بها، أما في إنكلترا فإن مثل تلك الأمور تجري على عكس ما هي عندنا.

وذلك أن والد الفتاة وهو أحد أعضاء البرلمان الإنكليزي، لم ير من العدل أن يترك جلسات المجلس فلم يحضر للبحث عن فتاته، بل أرسل لها رجلين من كبار الشرطة ولديهما أوامر صريحة صدقت عليها من السفارة الإنكليزية فعثرا بالفتاة وقبضا عليها.

غير أنهما لم يرجعاها إلى إنكلترا كما يتبادر إلى الأذهان؛ لأن والدها اللورد ارتأى إبقاءها في باريس إلى أن تنتهي جلسات البرلمان راجيًا أن يمحو تعاقب الأيام تلك الفضيحة.

ولذلك عهد إلى البوليسين بمراقبة ابنته، وأن يذهبا بها إلى المسارح والمتنزهات وإلى حيث تشاء، مشترطًا أن لا يأذنا لها بالاجتماع مع أحد.

والذي نراه أن الحادث حادث غرام لم يرق، دون شك، في عيني والدها اللورد.

فلما قرأ روكامبول تلك المقالة لم يبق لديه شك أن مس ألن في باريس، وأنها لم يتيسر لها الالتقاء بميلون.

وعلى ذلك فإن ميلون لم يعلم شيئًا من أمره ولا بد من إرسال الأمر إلى العصابة بالحضور إلى لندرا، وهنا جعل يفكر بطريقة تمكنه من إبلاغ العصابة ما يُريد ولا شك أنه ظفر بها بدليل أنه انقطع فجأة عن التفكير إلى محادثة برنيت الجاسوس فقال له: اصغ إليَّ يا برنيت إنهم وضعوك في غرفتي لمراقبتي والوقوف على أسراري.

فاضطرب برنيت وقال: أيها الرئيس ألم أتب توبة صادقة؟ فما بالك توبخني هذا التوبيخ؟

– إني لا أريد تأنيبك، واصغ إلى تتمة حديثي. إن الحاكم يزورني كل يوم، وينظر إليك مستفهمًا، وهو يرجو أن تكون قد ظفرت ببعض أسراري.

– وأنا أعبث به وأخونه كما ترى.

– هو ذاك ولكني أريد أن تخونني اليوم.

فدهش برنيت وقال: أنا أخونك يا سيدي؟!

– سوف ترى كيف أريد أن تخونني، إني أريد بذلك أنك تخدمني.

– إني مستعد للموت في سبيل إرضائك.

– إذن، اعلم أنه لا بد أن يأتي الحاكم غدًا، أو يرسل أحد حراسه وإذا جاء بنفسه أو إذا جاء الحارس، فاغمز إشارة على أنك عثرت على خبر خطير.

– ولكني إذا أشرت تلك الإشارة يدعوني الحاكم إليه.

– وهذا الذي أبغيه.

– إذن ما أقول له؟

– سأخبرك غدًا بما يجب أن تقول؟

وانقطع روكامبول عن الحديث فصرف ليلته بالتمعن والتفكير.

وفي اليوم التالي لم يحضر الحاكم بل أرسل الحارس، وأشار إليه برنيت تلك الإشارة السرية كما قدمناه.

فلما ذهب الحارس قال روكامبول لبرنيت: إن الحاكم سيدعوك إليه فيما أراه.

– دون شك.

– إذن اسمع ما يجب أن تقوله له … قل: إن الرجل العبوس قد ائتمنني على سر من أسرار الإرلنديين، وهو أن لهذه الطائفة مركزًا عامًّا في باريس وزعيمًا يدعى روكامبول.

فقال برنيت: ما هذا الاسم الثقيل؟

فابتسم روكامبول وقال: ثم تقول إنه يوجد وسيلة سهلة للقبض على هذا الزعيم الذي يدعونه روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين خطرًا، أما هذه الطريقة فهو أن يُعلن في الجرائد السيارة أن روكامبول قد وقع في قبضة البوليس الإنكليزي وزج في سجن نوايت.

فاعترضه برنيت قائلًا: ولكن روكامبول في فرنسا كما تقول، فإذا قرأ ذاك الإعلان بقي فيها.

– ولكنك تظهر للحاكم غير ما تظن.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن روكامبول هرب من إنكلترا، لخوفه من مطاردة البوليس، وإذا قرأ هذا الإعلان في الجرائد، أيقن أن البوليس لا يطارده بعد ذلك، لاعتقاده أنه سجين فيعود روكامبول إلى لندرا مطمئن البال.

– لقد فهمت.

ولم يتمكن الرجل العبوس من متابعة الحديث؛ لأن باب الغرفة فُتح عند ذلك، ودخل منه الحارس، وقال لبرنيت: إنك قد قدمت عريضة إلى الملكة التمست بها تعديل الحكم عليك، وقد قبلت جلالتها العريضة فاتبعني.

فتظاهر برنيت بالسرور العظيم وقال: إلى أين؟

– إلى الحاكم؛ لأنه يريد أن يتلو عليك الأمر بتعديل الحكم، ونجاتك من الإعدام.

فخرج برنيت يتبع الحارس وبقي الرجل العبوس وحده وهو يقول في نفسه: إن النجاح مضمون إلا إذا عرفوا أني أنا هو روكامبول.

٤

كان الحاكم ينتظر برنيت بفارغ الصبر فلما دخل إليه أخبره بجميع ما تلقنه من روكامبول فسُرَّ الحاكم سرورًا عظيمًا وقال لبرنيت: إنه خبر عظيم سنكافئك عليه خير مكافأة.

– وهذا الذي أرجوه يا سيدي؛ لأني ما رضيت أن أسجن نفسي طائعًا إلا طمعًا بمثل ما تعدني به.

فأعاده الحاكم إلى سجن روكامبول وأمر بإحضار مركبة وذهب بها مسرعًا إلى منزل الأسقف بترس توين.

وقد تقدم لنا في الأجزاء السالفة وصف ذاك الأسقف، ولكي نزيد وصفه إيضاحًا تعرف به حقيقة منزلته لدى القراء نقول: إنه يشبه بزعامته الإنجليكان زعيم الجزويت، وله من التأثير على أسقف كانتروبوري ما لرئيس الجزويت من التأثير على البابا.

وقد لقيه حاكم السجن في منزله فلما دخل عليه وجده مكبًّا على الكتابة ولديه كثير من الرسائل الخطيرة.

أما الأسقف فإنه ذعر لمنظر الحاكم وقال: ماذا ألم بك؟ ألعلك أتيت لتنذرني بفرار الرجل العبوس؟

فابتسم الحاكم وقال له: ليطمئن مولاي؛ لأني أتولى حراسة هذا الرجل بنفسي فلا يمكنه الفرار، ولكني أتيت أخبرك أنه باح للجاسوس ببعض أسراره.

– ألعله ذكر اسمه الحقيقي؟

– كلا، ولكنه قال: إن أعظم زعيم للإرلنديين مقيم الآن في باريس وإنه يتأهب لعمل سري عظيم.

– وما اسم ذاك الزعيم؟

– روكامبول.

– إني ما سمعت بهذا الاسم الغريب قبل الآن فهل علمت شيئًا عنه؟

– كلا، غير أن الجاسوس عرض عليَّ أمرًا يدل على ذكائه ويسهل القبض على ذاك الزعيم.

– ما هو هذا الخاطر؟

– إن روكامبول برح إنكلترا لتوهمه أن الشرطة تبحث عنه فلو نشرنا في المورنن بوست والتيمز أن روكامبول زعيم الإرلنديين الشهير قد قُبض عليه وزج في سجن نوايت يقف على الخبر حين مطالعته الجريدتين فلا يبقى له سبيل للخوف ويعود إلى لندرا فنقبض عليه.

– إنه فكر جيد على بساطته.

– أترى أنه يجب إنفاذه؟

– كلا، فدعه الآن إلى أن أفكر فيه، وبعد فاعلم أيها الصديق أن مسألة الإرلنديين لا أضعها في المنزلة الأولى من الاهتمام، فإني إذا كنت قد بذلت ما بذلته من الجد والاهتمام في القبض على الرجل العبوس، فما ذلك إلا لأنه ساعد الأب صموئيل الأيمن.

وأنت تعلم غيرة ذاك الأب العظيمة على الكنيسة واحترام أهل لندرا لا سيما الفقراء منهم بهذا الأب، فلو تركته وشأنه ولو لم أقطع ساعده لأفسد علينا طائفتنا ورد كثيرًا من قومنا إلى طائفته.

– والرجل العبوس ماذا نصنع به؟

– نحافظ عليه إلى أن يصدر الأمر بإعدامه فإن رئيس العدلية لا يريد محاكمته قبل أن يعرف اسمه الحقيقي.

– ولذا أرى أنه لا بد من القبض على روكامبول؛ لأننا إذا قبضنا عليه نعلم منه حقيقة اسم الرجل العبوس.

– لقد أصبت ولكن لا تنشر الآن الإعلان في الجرائد واصبر إلى المساء أخبرك ما يجب أن نصنع.

وبعد هنيهة عاد الحاكم إلى سجنه وأرسل الأسقف إلى إدارة التلغراف، فأرسل الرسالة الآتية:
باريس … السير جمس وود.
في أوتيل دي لوفر.
أتعرف زعيمًا للإرلنديين يقيم الآن في باريس ويُدعى روكامبول؟
بترس توين

وأقام الأسقف في منزله جميع نهاره ينتظر الرد، فلم يرد ذلك؛ لأن السير جمس كان في تلك البئر التي سجنه فيها مرميس كما يذكر قراء رواية تلميذ روكامبول.

فلما سئم الأسقف من ورود الجواب شغل باله وذهب إلى اللورد بالمير فقال: أوردت إليك رسالة من السير جمس؟

– كلا.

فأخبره الأسقف بما كان بينه وبين حاكم السجن، وبانشغال باله لتأخير جواب السير جمس.

فطمأنه اللورد وقال: لا شك أن السير جمس يبحث الآن عن روكامبول، ولا يستطيع أن يجيبك قبل أن يقف على أثره.

فخرج الأسقف من عنده مطمئنًا وأرسل يخبر حاكم السجن كي يرسل الإعلان إلى الجريدة فكتب الحاكم الخبر كما يأتي:

إن هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول، وهو أشد زعماء الإرلنديين الذين طالما أقلقوا الحكومة بدسائسهم، قد قُبض عليه في دبلين وسيرسل إلى إنكلترا، والمرجح أنه يسجن في نوايت إلى أن تتم محاكمته.

وقد كتب منه ثلاث نسخ فأرسلها إلى التيمز، والمورنن بوست، وإفنن ستار، وهي أشهر الجرائد الإنكليزية، وجعل يفرك يديه فرحًا ويعلل نفسه بالقبض على روكامبول، وهو لا يعلم أن روكامبول في سجن نوايت، وأنه قد سقط في فخ روكامبول.

٥

يرى القراء أن حيلة روكامبول قد جازت على الحاكم والأسقف.

أما الحاكم فقد كان شديد الإعجاب بنفسه لاعتقاده أنه أقنع ذلك الأسقف وحمله على رضاه عنه، أما الأسقف فإنه صبر إلى اليوم الثاني فلم يرد إليه جواب السير جمس فزاد انشغاله وكثرت هواجسه.

وما زال يضرب أخماسًا لأسداس ويرسل الأنباء البرقية تباعًا إلى السير جمس حتى ورد إليه الجواب البرقي كما يأتي:

بولونيا في الساعة السابعة صباحًا.

روكامبول سافر إلى لندرا عند انتصاف الليل بطريق كابس وهو مصفر الوجه أسود الشعر والشاربين تصحبه امرأة شقراء سوداء العينين.

إني أنتظر أوامركم في أوتيل إسبانيا.

السير جمس
فأجابه الأسقف بما يأتي:

فهمت مرادك أخبرني عن مس ألن.

وبعد ساعة وصل إليه من السير جمس، أو من الذي استعار اسمه، هذا التلغراف:

مس ألن لا تزال في قبضتنا كن مطمئنًا عليها.

ولما تزود الأسقف بهذه الأخبار ذهب إلى إدارة البوليس، فأطلع المدير على ما جرى، ووصف له روكامبول والمرأة التي تصحبه، ووعده مدير البوليس خيرًا وضمن له القبض عليه حين وصوله، فتركه الأسقف وذهب إلى سجن نوايت.

ولما لقيه الحاكم قال: كيف رأيت أتظن أن الرسائل التي نشرتها في الجرائد تسفر عن نتيجة حسنة؟

– بل أسفرت عن خير النتائج فاقرأ هذا التلغراف؟

ثم عرض عليه تلغراف السير جمس فقرأه الحاكم وقال: إذن أتظن أن روكامبول في لندرا؟

– بل هو في الطريق إليها فإن السير جمس من أحذق رجال البوليس ولو لم يكن واثقًا من سفره لما أنبأني.

– وهذا الجاسوس الذي وضعته مع الرجل العبوس من أهل الحذق والذكاء أيضًا فقد حمل بدهائه الرجل العبوس على الوثوق به كل الثقة.

– ألعله استطلع منه سرًّا جديدًا؟

– نعم، فإن الرجل العبوس قال له: إنه لو كان روكامبول في لندرا، وتيسر لي أن أحادثه لاستتب النصر لإرلندا وسلمت أنا من الشنق.

– أهو قال هذا القول؟

– نعم يا سيدي، وقد خطر لي خاطر أرجو أن يكون صوابًا، وهو أن أنقل الرجل العبوس مع جاسوسه إلى غرفة متسعة بحيث أضع فيها ثلاثة أسرة، حتى إذا تيسر القبض على روكامبول وضعناه مع الاثنين في غرفة واحدة.

– كيف ذلك، أتحقق أمنية الرجل العبوس وتجمعه بروكامبول؟

– دون شك فإننا نعلم بواسطة الجاسوس هذا السر العظيم وكيف ينجو من الشنق إذا اجتمع بروكامبول.

– إني أرى رأيك، فإننا قد نستطيع سماع حديثهما بغير واسطة الجاسوس أيضًا، فافعل ما اقترحته وتأهب لاستقبال روكامبول، فلا بد من القبض عليه.

ثم تركه وانصرف إلى منزله فورد في الساعة الخامسة تلغراف ولكنه كان موقعًا عليه بإمضاء البوليس إدوارد بدلًا من السير جمس.

وكان الأسقف يعلم أن إدوارد قد سافر مع السير جمس بمهمة واحدة فقرأ التلغراف وهو كما يأتي:

اقتفيت بأمر السير جمس أثر الرجل الذي تريدون الوقوف على أخباره فهو سيقيم في دوفر نهارًا وليلة، وسيسافر مع المرأة التي تصحبه في قطار الساعة السابعة من المساء، وسأوضح السبب في اقتفاء أثرهما بدلًا من القبض عليهما.

إدوارد

فلما أتم الأسقف تلاوته قال في نفسه: لا شك أن السير جمس من أمهر رجال البوليس، ولا بد أن أكافئه مكافئة توازي هذه الخدمة الجليلة.

•••

ولنعد الآن إلى حاكم السجن فإنه بعد انصراف الأسقف قال في نفسه: إني سأنقل الرجل العبوس وجاسوسه صباح غد إلى الغرفة ذات الثلاثة أسرة، وسأظفر بالوقوف على أسرار روكامبول.

وكان قد تعود بعد أن بدأ الجاسوس يخبره بأسرار الرجل العبوس أن يزوره في محبسه كل يوم ويبالغ في ملاطفته وتخفيف شقائه.

وقد ذهب إليه بعد انصراف الأسقف وقال له: كيف تجد نفسك في هذه الغرفة؟

– إني متمتع فيها من فضلك بأتم الراحة.

– كلا بل هي رطبة وقد تؤذيك.

– لم أر فيها ما يدل على الرطوبة.

– ولكنها ضيقة أيضًا وسأنقلك إلى غرفة أعظم اتساعًا بحيث قد تكونوا فيها ثلاثة بدلًا من اثنين.

فارتعش روكامبول فقال: ألعلك تريد التفريق بيني وبين برنيت؟

– كلا، بل ربما أضع معكما رفيقًا ثالثًا أظن أنك تعرفه إذا ذُكر لك اسمه فإنه يُدعى روكامبول.

فتكلف روكامبول هيئة الاضطراب وقال: إنك مخطئ يا حضرة الميلورد فهذه أول مرة سمعت فيها اسم روكامبول.

وأقام الحاكم هنيهة معه ثم انصرف، ولما خلا برنيت بروكامبول قال: الحق إني لا أفهم شيئًا من هذه الألغاز.

فابتسم روكامبول وقال: ستعلم كل شيء متى آن الآوان.

ثم انصرف إلى التفكير وجعل يقول في نفسه: لا أدري إذا كان ميلون قد تسمى باسمي ودعا البوليس يقبض عليه، أو هو مرميس، ولكن لا بد أن يكون واحدًا من الاثنين وعلى ذلك فلا بد من ورود أنباء جديدة.

وقد أخطأ روكامبول في حسابه خطأ ضعيفًا جدًّا لا بد لنا في إيضاحه من الرجوع إلى الماضي لإيضاح تلك الأنباء البرقية التي خُدع بها الأسقف وحاكم السجن.

٦

إن مرميس حين قبض على السير جمس وسجنه في البئر كما تقدم في رواية تلميذ روكامبول بالغ في إخفاء أمره، والحذر من وقوف أحد على أمره.

ويذكر القراء أن الشرطي إدوارد؛ أي رفيق السير جمس، بات من رجال مرميس، ولكن رجال الفندق الذي كان يقيم فيه السير جمس كانوا يعلمون أن إدوارد والسير جمس واحد، فكان إدوارد يحضر بأمر مرميس مرتين أو ثلاث في كل يوم إلى ذلك الفندق لاستلام الرسائل التي ترد إلى السير جمس، وقد أوهم عمال الفندق أن رفيقه قد سافر في بعض الشئون، فكانوا يدفعون إليه كل ما يرد باسم السير جمس لوثوقهم من اتفاقهما واشتغالهما في خدمة واحدة.

وعلى ذلك فإن إدوارد استولى على الرسائل التي تبودلت بين الأسقف وبين السير جمس ودفعها لمرميس، فعلم منها لفوره ما أصاب روكامبول.

كان الذي علمه من الرسائل أن الرجل العبوس في سجن نوايت، وأنهم سيحاكمونه دون شك وقد يحكمون عليه بالإعدام.

ولكنه علم أيضًا من رسائل الأسقف أنه لا يمكن الحكم على العبوس قبل معرفة اسمه الحقيقي، وأنهم لم يظفروا به إلى الآن فعول على الإسراع إلى لندرا مع رفاقه للاهتمام بإنقاذه.

وقبل أن يسافر أرسل إدوارد إلى الفندق عله يقف على رسالة جديدة.

وكان قد قرر قسمة العصابة إلى ثلاثة أقسام يسير كل قسم منها بطريق، ثم يلتقون جميعهم في محل واحد ويسيرون من منزل مرميس.

ولما اجتمعوا عنده وتأهبوا للسفر أقبل إدوارد قادمًا من الفندق، ودفع لمرميس رسالة برقية معنونة باسم السير جمس.

وكانت نفس الرسالة التي أرسلها الأسقف إلى السير جمس يقول له فيها: ابحث عن زعيم للإرلنديين يُدعى روكامبول فإنه في باريس.

فلما تلا مرميس الرسالة دُهش لها وأعطاها لفاندا فتلتها ثم تلتها مس ألن فدهشوا جميعهم وجعل كل منهم ينظر إلى الآخر دون أن يتكلم.

وبعد سكوت قصير قال مرميس: إنه لم يعد بد من الإسراع في السفر فإني أرى أن لروكامبول يدًّا في هذه الرسالة الغريبة.

فقالت فاندا: كيف رأيت ذلك؟

– إن روكامبول قد اعتمد بعض الاعتماد علينا حين دخوله إلى سجن نوايت، ولكنه قد اعتمد على نفسه أيضًا، وأننا إذا بحثنا في رسائل الأسقف إلى السير جمس، نجد أن قضاة الإنكليز يبحثون عن حقيقة اسم الرجل العبوس، ولا يحاكمونه قبل أن يعرفوه فلا بد أن يكون روكامبول قد فتن قاضي التحقيق وأضله.

– أوتظن ذلك؟

– بل أؤكد أنه إذا كان الأسقف قد ذكر اسم روكامبول فإن الرجل العبوس قد ذكره قبله.

– ولكن لأي قصد؟

– لا أعلم، ولكني واثق أن روكامبول قد وضع خطة فلا ينبغي علينا أن نفسدها.

وعلى ذلك قرروا الإسراع بالسفر فوصلوا في الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم إلى بولينا.

وكان الفصل فصل شتاء والبحر مزبدًا، قال مرميس للجماعة: إننا نبيت هنا ونسافر في الصباح.

فقالت فاندا: لماذا لا نسافر الليلة؟

– لأني أريد أن أرسل رسالة إلى الأسقف أسبر فيها غوره، ولا بأس إذا بلغنا لندرا في المساء بدلًا أن نصل إليها في الصباح.

فقالت مس ألن: ولكني أرى أن الوقت لا يجب أن نضيعه.

– اطمئني يا سيدتي فلا بد لنا من إنقاذه.

ولم ينم مرميس إلا غرارًا تلك الليلة فإنه كان يمعن فكره طول الليل ويقول في نفسه: لا شك أن روكامبول يهزأ بقضائه وسجانيه.

وعند الصباح نزل إلى قاعة الفندق فرأى ميلون فيها يقرأ الجرائد الإنكليزية، ثم رآه اصفر وجهه فجأة فأسرع إليه وقال له: ماذا أصابك؟

فأجابه بصوت يتهدج: خذ واقرأ، ثم أعطاه جريدة التيمز التي كان يقرأ فيها ودله بإصبعه على ذلك الخبر الذي نشره حاكم السجن كما تقدم عن القبض على روكامبول.

فلما قرأ مرميس هذا الخبر صاح صيحة فرح دُهش لها ميلون وقال: ألعل القبض على روكامبول يسرك يا مرميس؟

– كلا، ولكنك أبله يا ميلون.

– كيف حكمت عليَّ بالبلاهة؟

– دون شك، إن هذا الخبر الذي قرأته خير برهان على صدق ما كنت مرتابًا فيه، إن روكامبول يهزأ بالبوليس، والبوليس يعتقد أن روكامبول صديق الرجل العبوس، ومما يدلك على أن لروكامبول يدًّا في هذه الأمور أنه مسجون في سجن نوايت منذ خمسة عشر يومًا فكيف يقبض عليه في دبلين منذ يومين، وعندي أنه هو الذي حمله على نشر هذا الخبر.

– ولكن أي قصد له بهذا الخبر الغريب؟

– إن قصده أن ينبهنا إذا لم تستطع مس ألن الاهتداء إلينا، وإخبارنا أنه بحاجة إلينا.

ثم خرج من الفندق وقال له: اتبعني.

– إلى أين؟

– إلى مركز التلغراف، إني أريد إرسال رسالة برقية إلى الأسقف باسم السير جمس، فإن الشرطي إدوارد مقيم باسمه في فندق إسبانيا.

– وأية فائدة من هذه الرسالة؟

– الفائدة منها أن الأسقف يجيب السير جمس عليها إذا كانوا قبضوا حقيقة على رجل دعا نفسه باسم روكامبول.

ولما وصلا إلى التلغراف أرسل الرسالة الآتية:

إن روكامبول سافر إلى لندرا عند منتصف الليل بطريق كاليس وهو مصفر الوجه أسود شعر الشاربين تصحبه امرأة شقراء سوداء العينين.

فقال ميلون وقد اطلع على الرسالة: ولكن هذه الأوصاف كلها تنطبق عليك وعلى فاندا.

– هو ما تقول فإن لي بذلك مآرب سوف تعلمها.

وأقام مع ميلون في إدارة التلغراف ينتظر ورود الجواب.

٧

ولم يطل انتظار مرميس فقد ورد إليه من الأسقف هذا الجواب الوجيز باسم السير جمس وهو: «فهمت المراد فما فعلت بمس ألن؟»

فرفع مرميس التلغراف إلى ميلون وقال: أرأيت كيف أن روكامبول يهزأ بهم؟

– لقد بدأت أن أرى رأيك، ولكن …

– ولكن ماذا؟

– بقي أمر لم أفهمه؛ وهو لماذا أظهرت ملامحك في التلغراف المرسل إلى الأسقف؟

– كي يسهل القبض عليَّ بصفة روكامبول.

– ولماذا تريد أن يقبضوا عليك؟

– كي يرسلوني إلى سجن نوايت فأجتمع فيه بروكامبول وأتلقى أوامره؛ لأنه إذا كان هذا الخبر المنشور في الجرائد من صنعه كما أرى فهو إنما أراد به أن نعلم غايته ونبذل الجهد للوصول إليه في نوايت.

– إن الوصول إلى نوايت قد يكون سهلًا، ولكن الخروج منه ليس بالأمر السهل.

– بل أخرج منه ويعتذرون لي كل الاعتذار عن القبض عليَّ.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن السفارة الفرنسية تخرجني.

ثم ابتسم وتابع: إن ماضي حياتي قد بعد بعدًا شاسعًا عن الأذهان، لقد مر بي ستة أعوام أعيش فيها عيش النبلاء، فلا أجلس إلا في أعظم المنتديات ولا أعاشر إلا أكابر القوم، فإن كل الناس يعرفون أني أدعى فيلكس بيتافن وأني واسع الثروة كثير البر والإحسان، وقد كثرت علائقي مع نخبة الناس، ولا سيما المركيز س … السكرتير الأول في سفارة فرنسا في لندرا، فإنه من أخلص أصدقائي، ولذلك إذا رأيتهم قبضوا عليَّ فلا تعترض ودعهم يفعلوا.

– وبعد ذلك؟

– يجب أن أقيم يومين في سجن نوايت …

– وبعد هذين اليومين؟

– بعد ذلك تذهب إلى السفارة الفرنسية وتدفع هذا الكتاب الذي سأكتبه إلى المركيز س …

ثم ذهبا إلى الفندق فكتب مرميس الكتاب الآتي:

صديقي المركيز

يظهر أن إنكلترا قد أصبحت بلاد العجائب، وأن بوليسها بات من أهل الخيال وهذه حكايتي في تلك البلاد التي يدعونها بلاد الحرية ومع بوليسها الذي اشتهر بالحذق فاسمعها.

لقيني أحد رجال البوليس فحسبني من أولئك الإرلنديين الذين أقلقوا خواطر رجال البرلمان فقبض عليَّ قبض المجرمين وهو يحسبني أحد زعماء هذه العصابات.

وقد أطلعته على أوراقي وبرهنت له عن صحتها وذكرت له اسمي، فأبى إلا أن يدعوني روكامبول، ولكني اسمتهلته ريثما أكتب هذه الرسالة الوجيزة ودفعتها إلى خادم غرفتي، وأنا مضطر أن أبيت هذه الليلة في سجن نوايت.

ثم إن هذا البوليس لم يقتصر على اتهامي، بل يؤكد لي أني سأشنق بعد ثلاثة أيام، ولكنك لحسن حظي في لندرا.

صديقك
فيلكس بيتافن

وبعد أن كتب هذه الرسالة أعطاها لميلون مع كتاب آخر وقال له: إنك تذهب إلى السفارة بهذه الرسالة بعد أن يقبضوا عليَّ بيومين.

فقال ميلون: ولكن المركيز قد لا يكون في لندرا فإذا اتفق ذلك فماذا أصنع؟

– كلا بل هو فيها فقد ودعته في باريس منذ ثلاثة أيام وشيعته إلى المحطة إذ كان عائدًا إلى السفارة في لندرا.

وبعد أن فرغ من هذه المهمة مع ميلون كتب رسالتين برقيتين ونادى الشرطي إدوارد فأعطاه إياهما، وكانت إحداها بتوقيع السير جمس، وهي التي تلقاها الأسقف وفيها إشارة إلى أن مس ألن لا تزال تحت الحفظ، والثانية بتوقيع الشرطي إدوارد أرسلت أيضًا إلى الأسقف من دوفر.

ولما اطلع عليهما إدوارد قال: لم أفهم المراد من هاتين الرسالتين.

– ولكن أمرهما بسيط فإن الأسقف لا بد أن يكون أبلغ الشرطة بعد أن وصل إليه تلغراف الصباح، وعلى ذلك فإن الشرطة متربصة في كل المحطات، وإذا كنت أُريد أن أكون حرًّا يومًا وليلة في لندرا يجب أن ينتظروني في دوفر، في حين أنني سأصل في قطار فولكستون الذي سأسير فيه بعد ساعة.

– حسنًا لقد فهمت.

– إذن اصغ إليَّ، إنك تسافر بطريق كاليس إلى دوفر فترسل منها الرسالة الثانية ثم تسافر في الحال إلى لندرا وتذهب حين وصولك توًّا إلى منزل الأسقف.

– وماذا أقول له؟

– تقول: إنك تركتني، أي تركت روكامبول في دوفر وعينت بوليسين لمراقبتي وأتيت لتتلقى أوامره.

– وأين أراك؟

– غدًا مساء في كوفان غاردن في خمارة أفنس.

– سأوافيك في الموعد المعين.

ثم تركه وسافر إلى كاليس.

أما مرميس وعصابته فإنهم سافروا في باخرة الظهر، وبعد ساعتين كانوا سائرين في طريق لندرا وقد ملأت جرأة مرميس قلب مس ألن أملًا ووثقت من الفوز في إنقاذ روكامبول.

٨

وقد سافروا ثلاث عصابات كي لا يستلفتوا إليهم الأنظار إلى فولكستن، وركبوا القطار إلى لندرا، فكانت فاندا ومس ألن العصابة الأولى، ومرميس وميلون الثانية، والبقية الثالثة.

وكانت مس ألن متنكرة أتم التنكر بحيث لو رآها أبوها لما عرفها، فلما وصل القطار إلى لندرا نزلت فاندا ومس ألن إلى محطة كانتس سكريت وكذلك رجال العصابة، ما خلا مرميس وميلون فإنهما بقيا في القطار الذاهب إلى محطة شارنغ كروس.

ولما وصل القطار إلى تلك المحطة رأى مرميس فيها نحو عشرة من رجال الشرطة، فقال لميلون: انظر إلى رجال الشرطة فإنهم كلهم قد أتوا للقبض عليَّ.

فذعر ميلون خلافًا لمرميس فإنه كان يصدر أوامره إلى ميلون باللغة الإنكليزية وبلهجة أهل البلاد حتى لقد توهم البوليس بالرغم من سواد شعره، أنه إنكليزي من ضواحي لندرا، وفوق ذلك فإن الرجل الذي كانوا ينتظرونه كانوا يتوقعون أن يجدوا معه امرأة كما ورد للأسقف فلم يعترضوه.

وعند ذلك خرج مرميس مع ميلون من المحطة وقال له: هلم بنا الآن إلى فندق التيجان.

– وماذا نعمل بذلك الفندق؟

– نتعشى …

– وبعد ذلك؟

– ننام.

– وغدًا؟

– غدًا نتنزه ونقرأ الجرائد ونمتع النظر بمشاهدة الحسان في الحدائق.

– ألا نقابل فاندا؟

– نقابلها بعد أن نقابل إدوارد فإني لا أستطيع أن أعمل شيئًا قبل أن أراه.

– والسير جمس ماذا تصنع به فإنه منذ يومين في الصندوق ولم نطعمه إلا في بولونيا.

– سنوقظه في هذه الليلة.

– وماذا نصنع به بعد ذلك؟

– نطلق سراحه مؤقتًا.

– ألا تخشى أن يخوننا؟

– إني أخاف خيانته في باريس، وأما في لندرا فهو الذي يخافني.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن الإرلنديين قد عرفوه بعد الكتاب الذي كتبته إلى الأب صموئيل وهم لا يرحمون من يخونهم.

فاقتنع ميلون بما سمعه وذهب مع مرميس إلى الفندق، وفيما هما جالسان على المائدة، أقبل رجل عليه مظاهر النبل فحياهما وجلس بقرب مرميس.

ولم يكن مرميس من جمعية الإرلنديين، ولكنه كان قد كتب إلى الأب صموئيل بصفته صديق الرجل العبوس.

أما الرجل الذي جلس بقرب مرميس فإنه حياه وقال له باللغة الفرنسية: ألست يا سيدي الرجل الذي ينتظره الأب صموئيل؟

– ربما …

فأخرج الرجل ورقة من جيبه وهي رسالة من الأب صموئيل وقال: إننا ننتظرك يا سيدي بفارغ الصبر، فإننا كنا متفرقون في جميع محطات لندرا، وهم لم يفتحوا صناديقك بالجمرك والمحطات التي نزلت منها الآن؛ لأن أكثر رجالها من جمعيتنا.

فنظر مرميس إلى محدثه نظر المنذهل وقال: لكن كيف عرفتم بقدومي وأنا لم أكتب للأب شيئًا عنه؟

– ذلك لأننا أرسلنا جواسيسنا فراقبوك من باريس حتى وصلت هنا، وقد ورد إلينا تلغراف باصطلاحات لا يفهمها سوانا علمنا منه أنك قادم بذلك الخائن الذي دعا نفسه السير جمس بعد أن خاننا حذرًا منا وأنك قد خدرته ووضعته في صندوق.

– لقد صدق من أخبركم فإنك تقول الحق.

– وأنا قادم لأخذ هذا الخائن.

فقطب مرميس حاجبيه وقال: إذن لا يريد الأب صموئيل أن يفي بما وعدني به.

– إن الأب صموئيل لا ينكث وعدًا يا سيدي.

– ولكن ماذا تريدون أن تصنعوا بالسير جمس؟

– إننا نريد أن نطمئن بالقبض عليه وثق أننا لا نؤذيه.

– إذن أرجو أن تمهلني إلى أن نتم العشاء فنصعد معًا إلى غرفتي وأسلمك الأسير.

– ألديك طريقة سريعة لإيقاظه؟

– إني أوقظه بدقيقة …

فانخرط الرجل في سلكهما وتعشى معهما وجعل الثلاثة يتحدثون ويتنادمون حتى توهم رجال الفندق أن الرجل من أصدقائهما، فلما طلب غرفة في الفندق مجاورة لغرفتيهما أسرعوا إلى تلبيته.

وبعد أن فرغوا من العشاء صعد الثلاثة إلى غرفة مرميس، وكان الصندوق الذي وضعوا فيه السير جمس في الغرفة، قد ثقبوه من جوانبه كي يتصل به الهواء، ففتحوا الصندوق وأخرجه ميلون منه جثة باردة، ووضعه فوق السرير.

وعند ذلك أخذ مرميس زجاجة صغيرة تحتوي على سائل أخضر فصب منه بضع نقط في فم السير جمس فارتعش لفوره ورجفت عيناه، وفتحت شفتاه وصبر مرميس هنيهة، وصب في فمه بضع نقط أيضًا فانتفض السير جمس واستوى جالسًا في السرير وقد فتح عينيه، ولم يكد ينظر ذلك الرجل الذي كان مع مرميس حتى عرفه واضطرب وظهرت عليه علائم الذعر.

وقال له الرجل ببرود: أرى أنك قد عرفتني.

فجعل السير جمس وود يضطرب ويرتجف وهو لا يعرف ماذا يقول.

٩

وعند ذلك قال مرميس للسير وود: لا تخف إذا كنت أسيرنا فإني ما نكثت بوعدي بعد أن علمني رجل يدعى روكامبول أن أحترم العهود، ولكنك تذكر دون شك أني ما وعدتك بالحماية إلا بشرط أن تخدمني بإخلاص ووفاء فإذا وفيت بوعدك لا يصيبك مكروه.

ثم التفت إلى الإرلندي وقال له: أليس كذلك يا سيدي؟

فأجابه قائلًا: دون شك فإن عهودنا مقدسة.

فقال مرميس للسير وود: إني أعهد بك الآن إلى هذا الرجل النبيل وهو يقسم لي أنك لا تُصاب بأقل أذى إذا لم تحاول إيذاءنا؛ لأنه يعلم أني وعدتك هذا الوعد باسم الرجل العبوس.

فقال الرجل: هذا أكيد وسنفي بالوعد، والآن يا سيدي ماذا تُريد أن نصنع؟

– إني أترك الخيار للسير وود بين أن يبقى هنا أسيرًا على أن يقسم بشرفه أن لا يفر وبين أن يتبعك.

فقال السير وود وقد نظر نظرة ملؤها الرعب إلى الإرلندي: إني أؤثر البقاء هنا.

ونظر الإرلندي إلى مرميس وقال: أتأذن لي بإبداء رأيي؟

– ما هو؟

– هو أن يبقى وود عندنا إلى أن يخرج الرجل العبوس من السجن.

فقال ميلون: وأنا أرى رأيك أيضًا وهو نعم الرأي.

فانطرح السير وود عند ذلك على قدمي مرميس وقال: ارحمني يا سيدي ولا تلقيني في قبضة الإرلنديين.

فقال له مرميس: ومما تخاف إذا كنا لا نؤذيك؟

فأطرق السير وود برأسه إلى الأرض وقال له الإرلندي: إنني وعدتك بأن لا أؤذيك وأنت تعرفني.

غير أن السير وود لم يجبه فذهب الإرلندي إلى النافذة وقال للشرطي: اعلم يا جمس إني إذا نظرت من هذه النافذة وأشرت إشارة أسرع إليَّ ستة رجال أشداء فيبدءون بعقابك، على أني أُعيد عليك ما قلته وهو أنك إذا تبعتني طائعًا مختارًا وفينا بما وعدك به الذي قبض عليك.

فقال له مرميس: اتبعه ولا تخف فإني أقسم لك باسم الرجل العبوس أن تكون آمنًا كل خطر.

ولم يسع السير جمس بعد ذلك إلا الامتثال وسار مع الإرلندي مكرهًا مضطرًا وهو يقدم رجلًا ويؤخر أخرى.

ولما خلا ميلون بمرميس قال له: إني كنت أؤثر أن يبقى السير جمس في البئر بمراقبة أحد وكلائي فلا يشغل بالنا في شيء.

– هو ما تقول ولكنه يخدمنا في لندرا خدمات لا يستطيع أن يأتيها وهو في البئر.

فهز ميلون كتفيه وقال: إني لا أضمن صدقه فيما وعد.

– لكنه يضمن نفسه فإذا لم يخدمنا كما نريد لا يكون جزاؤه غير الموت.

– لكنه قد يضحي حياته في سبيل انتقامه فإن الانتقام عند بعض الناس أفضل من الحياة فإني حين كنت في سجن طولون مع روكامبول لقيت بين أولئك المجرمين من لا يكترث للموت في سبيل أغراضه.

– قد تكون مصيبًا فيما قلته، ولكن لا خوف علينا الآن منه ما زال في قبضة الإرلنديين فلنقصر اهتمامنا الآن على الافتكار بإنقاذ الرجل العبوس؛ أي رئيسنا روكامبول.

ثم دخل إلى غرفته فنام فيها نومًا هادئًا إلى الصباح وعند الظهر تلقى مرميس رسالة من فاندا قالت له فيها: إنني مع رفيقتي بخير وعافية، ونحن ننتظر أوامرك بفارغ الصبر؛ لأنك أنت الذي يتولى رئاستنا في هذه المهمة.

ولم يفترق مرميس وميلون كل ذلك النهار، وعند المساء ذهبا إلى خمارة نافرن فوجدا الشرطي إدوارد ينتظرهما فيها فجلسوا كلهم حول مائدة وجعلوا يتحدثون بصوت منخفض، فسأله مرميس: قل لنا ماذا حدث.

– حدث أنك أصبت في ظنك، فإن الرجل العبوس يهزأ بالحاكم والبوليس والأسقف.

فابتسم مرميس وقال: أحقًّا ما تقول؟

– نعم، فقد وضعوا معه في سجنه جاسوسًا ولا شك أنه فتن الجاسوس فانقلب جاسوسًا على الذي عينه.

فقال ميلون: إن ذلك لا يدهشني؛ فإن لعينيه سلطانًا نافذًا على القلوب.

وقال مرميس: ماذا فعل هذا الجاسوس؟

– أخبر الحاكم أن الرجل العبوس يعتمد في إنقاذه من سجنه على زعيم إرلندي في باريس.

فابتسم مرميس أيضًا وقال: إن هذا الزعيم يُدعى روكامبول أليس كذلك؟

فدهش الشرطي وقال: هو ما تقول، وأن الجاسوس نفسه أشار عليهم بأن ينشروا ذاك الخبر الذي قرأته في الصحف؟

– وماذا علمت من الأسقف؟

– علمت أنه يذوب شوقًا إلى القبض على روكامبول، وأنهم معتمدون على وضعه مع الرجل العبوس.

فضحك مرميس ضحكًا عاليًا وقال لميلون: يجب أن تذهب إلى فاندا وتخبرها أنهم سيقبضون عليَّ غدًا صباحًا.

– إني ذاهب الآن فأين أراك؟

– في الفندق الذي أقيم فيه.

ثم قال لإدوارد: لا فائدة من القبض عليَّ الآن فيجب أن ندبر طريقة للقبض عليَّ في الصباح.

– أين؟

– في فندق التيجان في سريري.

فقال له إدوارد: إن الدخول إلى سجن نوايت سهل، ولكن كيف تخرج منه؟

– لقد أعددت السبيل لخروجي وأعطيت ميلون التعليمات اللازمة فاطمئن، والآن فانصرف واكتب إلى الأسقف وأخبره أنك عالم أين يوجد روكامبول.

فانصرف الشرطي وذهب مرميس إلى الفندق لينام.

١٠

ولنعد الآن إلى روكامبول، أو الرجل العبوس كما يدعونه في السجن، فإن الحاكم نقله إلى غرفة متسعة وذهب لزيارته بعد نقله فقال له: لدي خبر يسرك؛ وهو أنه سيكون لك رفيق ثالث.

فابتسم الرجل العبوس وقال: إذن ألتمس منك أن ترسل لنا ورقًا للعب فإننا نلعب لعبة الويست ما دمنا ثلاثة إلا إذا كان هذا الضيف يجعل هذا النوع من اللعب.

وضحك الحاكم قائلًا: ولكنك تعرف هذا الرجل أكثر مما أعرفه أنا فهو صديقك روكامبول.

– لقد قلت لك يا حضر الميلورد: إني ما سمعت هذا الاسم الغريب قبل الآن.

ونظر إليه الحاكم نظرة الهازئ ثم قال له بلهجة المتهكم: إذن قد أخطأوا بالقبض عليه.

– من هم؟

– البوليسان اللذان أرسلناهما إلى فرنسا.

فوقف الرجل العبوس عند هذا الحد من الحديث، غير أن الحاكم عاد إلى الكلام فقال له: ربما أكون قد أخطأت فيما قلته لك من أن روكامبول سيجتمع بك اليوم؛ لأن ذلك قد يكون غدًا …

– أين سجنته الآن؟

– لم أسجنه بعد ولا أزال في انتظاره.

– إذن قد قبضوا عليه؟

– يجب أن يكون قُضي الأمر.

– ألم تره؟

– كلا.

فتأوه الرجل العبوس وقال: كنت أرجو أن أعرفه من أوصافه لو ذكرتها لي فإنه قد يكون غير اسمه كما غيرته أنا.

– إني لم أر هذا الرجل كما قلت لك، ولكنهم ذكروا لي أوصافه فهو معتدل القامة لا يزال في مقتبل الشباب وهو أسود شعر الشاربين وقد جاء إلى لندرا تصحبه امرأة.

– أهذه هي كل أوصافه؟

– نعم …

– كأنك لم تقل لي شيئًا؛ لأن هذه الصفات يكثر تشابهها بين الناس.

– ذلك أكيد ولكنك ستراه؛ لأنه سيسجن معك.

ثم ودعه وانصرف فنظر الرجل العبوس إلى برنيت وقهقه ضاحكًا فقال له الجاسوس: أرى أنك قد عرفت هذا الرجل.

– دون شك …

– يظهر أنهم خدعوا به وأنه ليس روكامبول.

– كيف يكونه أيها الصديق وأنا هو روكامبول.

فأجفل الجاسوس لهذا الدهاء وتمثلت له عظمة هذا الرجل مما زاده احترامًا وخضوعًا له. فقال له روكامبول وهو يبتسم: إنهم لو قالوا لك منذ ثمانية أيام أني أستطيع وأنا في سجن أن أخابر رجالي بواسطة الجرائد أكنت تُصدق هذا الزعم؟

– كلا؛ لأن ذلك محال.

– ولكنك ترى أنه بات من الممكنات. وهنا لا بد لي من الثناء على البوليس الإنكليزي فإنه خدمني بملء الغيرة والإخلاص.

فقال له برنيت: ولكني إلى الآن لم أفهم حق الفهم مشروعك.

– إذن اسمع، إنهم قبضوا عليَّ وأودعوني هذا السجن المنيع بحيث امتنعت عني سبل الخلاص بواسطة أصحابي في الخارج.

وإن لي في فرنسا عصابة يسفك رجالها دماءهم في سبيلي، ولكنهم لا يعلمون أني سجين فاحتلتُ هذه الحيلة كي يعلموا أين أنا ويحضروا إليَّ.

– ولكنهم إذا حضروا وجعلوا البوليس يقبض عليهم لا يستطيعون إفادتك بشيء.

– إنك مخطئ أيضًا؛ لأن هذا الفتى الذي سيقبضون عليه باسم روكامبول هو ولد تبنيته لذكائه وانطباعه على الخير، فهو قد عرف دون شك أن هذا الخبر المنشور في الجرائد إنما كان من صنعي، فهو قد حضر إلى لندرا كي يراني ويتلقى أوامري.

– وكيف يخرج لتنفيذ الأوامر؟

– سوف ترى فاطمئن، ولم يكد العبوس يتم كلامه حتى سمع في الرواق خطوات الحراس، ثم فُتح باب غرفته وظهر حاكم السجن في طليعة الحراس وهم يقودون رجلًا بملابس السجن.

ونظر روكامبول إلى هذا السجين دون اكتراث وكان الحاكم يراقبه كل المراقبة فلم يبد له ما يدل على التعارف بين الاثنين.

أما برنيت فإنه نظر إلى الحاكم نظرة تشير أن هذين الشقيين يعبثان بك، فأدرك معنى الإشارة وقال للرجل العبوس: هو ذا الذي أخبرتك عنه وهو فرنسي يُدعى روكامبول.

فابتسم الرجل العبوس وقال لهذا السجين الجديد: إن اسمك غريب يا سيدي.

وانحنى مرميس وقال: وما اسمك أنت يا سيدي؟

– الرجل العبوس.

– أرى أن اسمينا متفقان بالغرابة.

وعند ذاك اغتنم الحاكم فرصة محادثتهما وأشار إلى برنيت إشارة تدل على وجوب المبالغة في الانتباه وأجابه على إشارته بما طمأنه، ولما خرج الحاكم جعل روكامبول ومرميس ينظر كلًّا منهما إلى الآخر نظرات عدم الاكتراث حتى خُدع برنيت وقال في نفسه: يظهر أنهما غير متعارفين.

١١

يوجد في لندرا طريقة يستعملها البوليس لمراقبة اللصوص وهي المرائي المنعكسة الأشعة فإنهم يضعونها في الشوارع التي يكثر انتيابها أمام المخازن بشكل يرى فيها البوليس وهو يسير ما يجري داخل تلك المخازن فتمتنع السرقات.

وهذه المرائي يستعملها البوليس في السجون عند الاقتضاء عندما يريد المراقبة، وهناك آلة غريبة أميركية يستعملها البوليس في السجون أيضًا لسماع ما يتحدث به المسجونون؛ وهي أنابيب يضعونها في غرفة المسجون الذي يريدون مراقبته فتنقل الأصوات كما ينقلها التليفون.

وكان روكامبول ومرميس عارفين دون شك بأسرار هاتين الطريقتين، لذلك لم يظهرا حين التفاتهما ما يدل على التعارف ولم يتحدثا بكلمة تحمل على الريبة، لكن مرميس علم من حذر روكامبول أنهما محاطان بالجواسيس فحذر مثله، حتى إن برنيت على اعتقاده بأن مرميس من أتباع روكامبول خدعته ظواهر الرجلين وظن أنهما غير متعارفين.

فقال للرجل العبوس: يظهر أنهم قد خدعوا يا سيدي.

وأجابه: هو ما تقول.

– إذن ليس هو روكامبول.

– إن الفرق بعيد بينهما …

– إذن لا تعرفه …

– هذه هي أول مرة رأيته فيها.

وكان مرميس يتظاهر أنه لم يفهم شيئًا من معنى حديثهما، إلى أن تعرض له برنيت بالحديث فقال: يظهر، يا سيدي، إنك متضجر من عشرتنا.

– ليس ضجري من عشرتكما أيها الرفيق، بل من السجن لا سيما وأنهم قد خدعوا بي وسجنوني دون ذنب.

– إذن لست روكامبول الذي طالما تحدثوا عنه في هذه الأيام؟

فابتسم مرميس وقال: هذه أول مرة سمعت فيها هذا الاسم.

– إذن كيف قبضوا عليك وأدخلوك إلى هذا السجن الذي لا يوضع فيه غير كبار المجرمين.

– إني لم أجد في ما مر بي من أدوار الحياة، بل لم أقرأ في القصص أغرب من ذاك الخطأ، فإني فرنسي كما يبدو لك، ولكني لا أدعى روكامبول كما يتوهمون، بل أنا رجل غني مشترك في أعظم النوادي الباريسية ولي صحبة مع معظم النبلاء الباريسيين.

– يبدو يا سيدي من لهجتك في حديثك أنك من النبلاء.

– وقد أتيت إلى لندرا بغية النزهة، فأقمت في فندق التيجان، وبينما أنا نائم مطمئن، فُتح باب غرفتي ودخل رجال الشرطة، وأكرهوني على ارتداء ملابسي وهم يدعونني باسم روكامبول، ثم جاءوا بي إلى هذا السجن.

– ألم يكن معك أوراق تُثبت من أنت؟

– كان لدي نحو عشر رسائل تُثبت اسمي الحقيقي، ولكنهم أبوا أن ينظروا أوراقي.

– ألا تعرف أحدًا في لندرا؟

– أعرف بعض أعيانها ولي صداقة تامة مع سكرتير سفارة فرنسا الأول وهو سيخرجني من هنا.

– بل هو يخرجك اليوم دون شك، وإن كلمة واحدة منه تكفي لتبرئتك وإطلاق سراحك.

– هو ما تقول، غير أن السفارة لا تعلم بأمري قبل الغد؛ لأني أرسلت أمس خادم غرفتي إلى ليفربول فهو يصل إليها في هذا الصباح، ثم يبرحها عائدًا إلى لندرا في المساء، فلا يصل قبل صباح غد، وهو خادم قديم عندي يعلم كل علائقي، وسيبحث عني دون شك، فإذا عرف ما حل بي ذهب توًّا إلى السفارة وأبلغها الأمر، ولذلك تراني مطمئنًا ولكني أكره المبيت في السجن.

وكان روكامبول في خلال ذاك الحديث مضطجعًا على سريره يقرأ الجرائد، دون أن تفوته كلمة من حديث مرميس، فعلم ما أراد مرميس من محادثة برنيت، وأنه أراد أن يظهر لروكامبول أنه سيلبث في السجن أربعًا وعشرين ساعة؛ أي إن الوقت متسع لإيجاد وسيلة للمباحثة، دون أن يخشيا مراقبة أحد.

وعند الظهر جاءوا بالطعام، وكان الرجل العبوس لا يزال مضطجعًا في سريره، فنهض من مضجعه وجعل يأكل مع رفيقه دون أن يتكلم، وقد أرسلوا الطعام إلى حارسين يصحبهما الحارس للمراقبة، فجعل يراقبهم وهم يأكلون دون أن يباغتهم بنظرة أو كلمة.

حتى إذا فرغوا من طعامهم وأراد الانصراف، قال له الرجل العبوس: إنك نهجت معي أيها الرفيق، منذ سجنت، نهجًا يدل على حسن أدبك وسلامة نيتك، فهل تأذن لي أن ألتمس منك أمرًا أرجو أن يكون مقضيًّا؟

– سل ما تشاء إني لا أبخل بما تجيزه أنظمة السجن.

– إني أطلب ورقًا للعب وقد التمست هذا الالتماس من حاكم السجن، فلم ينكره عليَّ.

ثم التفت إلى مرميس وقال له: أتريد أن تلاعبني، يا سيدي، بالويست؟

– مع الشكر يا سيدي؛ لأني مولع بهذه الألعاب.

– وأنت يا برنيت؟

– وأنا أيضًا لا يخفف عني وطأة السجن مثل اللعب.

فانصرف الحارس وهو يقول: سأعرض طلبك على الحاكم ورجائي أن أعود إليك قريبًا بما تُريد.

١٢

وقد أراد روكامبول بلعبة الويست أن يتخذها ذريعة للمباحثة مع مرميس كما يُريد.

وبعد نصف ساعة عاد الحارس بالورق ودفعه لروكامبول قائلًا: هذا هو ورق الويست، فإن الحاكم لا يحب أن يبخل عليك بشيء، ولكن كيف تلعبون تلك اللعبة؟

– نلعبها نحن الثلاثة.

– ولكنك ستغدون اثنين.

فأجفل روكامبول وقال: كيف ذلك؟

– ذلك أن الحاكم أذن لأخي برنيت أن يراه.

ثم التفت إلى برنيت وقال له: إن أخاك ينتظرك فهلم معي.

فتظاهر برنيت بالسرور وقد علم أن الحاكم يريد أن يراه؛ إذ لم يكن له أخ وسار في أثر الحارس إلى غرفة الحاكم فوجد رجلًا لم يكن يعرفه من قبل وهو الأسقف بترس توين.

فسأله الحاكم قائلًا: ألديك ما تخبرنا عنه؟

– كلا، إني لم أعلم شيئًا بعد.

– ومع ذلك إن الرجل العبوس قد خلا بروكامبول.

– ولكني أخشى أن البوليس منخدع يا سيدي؛ لأن الذي حسبه روكامبول ليس روكامبول.

– كيف عرفت ذلك؟

فروى برنيت جميع ما سمعه من مرميس، فهز الأسقف كتفيه وقال: إنهما يمثلان رواية.

– ولكن يوجد طريقة سهلة لمعرفة الحقيقة.

– وما هي؟

– هو أن تسألوا في السفارة عن هذا الرجل؛ لأنه يدعي أنه صديق السكرتير.

فقال الأسقف: هل عرفتم اسمه؟

فرد الحاكم: كلا.

– يجب أن تعرفه.

فقال برنيت: أعيدوني إلى السجن أعرف اسمه بعد ساعة.

فقال الأسقف للحاكم: إن السير جمس وإدوارد من أمهر رجال الشرطة عندنا، وهما اللذان أثبتا أن هذا الرجل روكامبول، فلم يبق سبيل للريب فيما يقولان. وإذا أخبرنا السفارة بأمر هذا الشخص ونحن لا نعرف اسمه أزعجناها دون فائدة.

ثم التفت إلى برنيت وقال: إن هذا الرجل يقول إنه أرسل خادمه إلى ليفربول وإنه يعود غدًا؟

– نعم يا سيدي.

– إذن لنصبر إلى الغد فإذا كان حقيقة زعيم الإرلنديين، فلا بد أن تبدو منه بادرة خلال هذه المدة غير أني أخشى أن يكونا لا يثقان بك فلا يبوحان أمامك بشيء.

– إني لا أرى ما تراه، يا سيدي؛ لأن ثقة الرجل العبوس بي شديدة.

فوافق الحاكم على هذا القول.

فقال له الأسقف: ألم تضع آلة هيدسون، السماعة الأميركية، في الغرفة؟

فأجابه الحاكم قد سهوت عنها وسأضعها، فإنها تفيدنا خير فائدة لا سيما وأن برنيت غير متمكن من اللغة الفرنسية، فقد يفوته الكثير من معاني حديثهما.

ثم عاد برنيت إلى السجن، فلما لقيه الرجل العبوس قال له: ماذا فعلت ألقيت أخاك؟

– نعم أيها الرفيق وقد سررت كثيرًا بلقائه.

ثم جعل يحدثه بتلك اللغة الإرلندية الاصطلاحية التي يشكل فهمها على الإنكليز كما يشكل فهم لغة البرابرة على المصريين، فقال: إنه أخبر الحاكم بما سمعه من مرميس وعن رأيه بخطئه.

فقال روكامبول: وبماذا أجاب الحاكم؟

– كان معه شخص آخر، وخط الشيب رأسه، ظهر لي أنه من رجال الدين.

– لقد عرفته فهو الأسقف بترس توين.

– وقد أسف الاثنان لعدم وضع آلة سماعة في هذه الغرفة، لا أعلم ما هي؟

– هي آلة هيدسون الأميركية.

– هو ذاك فقد سمعتهما ذكرا هذا الاسم.

فتنهد روكامبول تنهد المرتاح؛ لأنه كان يخشى أن يجول في الحديث مع مرميس، حذرًا من هذه الآلة ثم قال له: ألم يتكلما عن آلة الأشعة؟

– كلا.

فقال مرميس: وهما يريدان أن يعرفا اسمي؟

فدهش برنيت؛ إذ سمعه يتكلم باللغة الإرلندية، أما مرميس فإنه ضحك وقال: إنك أبله.

– كيف تقول: إني أبله.

– دون شك فإني أنا هو روكامبول.

– إذن كل ما قال لي الرجل العبوس كان تمويهًا وأي سبيل بقي لسوء ظنه بي بعدما رآه من إخلاصي؟

فقال له روكامبول: إني لم أسئ بك الظن، أيها الصديق، ولكني، كنت أحسب أنهم وضعوا الآلة السماعة في الغرفة، فخشيت شرها.

– ولكني لم أعلم بعد ما هي هذه الآلة؟

– هي أنبوبة من الكاوتشوك تُوضع في السقف، أو تمد على الجدار، ويتصل طرفها بالخارج، فتنقل حديث المقيمين في الغرفة، كرجع الصدى.

وقال مرميس: أتظن أنه يوجد في هذا السجن من يعرف اللغة الإرلندية الاصطلاحية.

– ليس فيه من يعرفها.

– وأنت أتعرف الفرنسية؟

– لي بها إلمام.

– إذن سوف نرى إذا كنت تفهم ما نقول.

وعندها قال روكامبول لمرميس ما يأتي: «فجم جأجت تجاجر جيجنج أجلجفجيجصجر.»

فصاح برنيت قائلًا: ما هذه اللغة؟ أيوجد بين الناس من يتحدث بها؟

– هي اللغة التي يتحدث بها أهل جافا في الهند، وأن الإنكليز على طول عهدهم بالهند لا يفهمون حرفًا منها.

– ولكن أيتكلمون هذه اللغة في بلادكم؟

– يتكلمون بها في البيت الذهبي في باريس كل يوم، وفي سجن نوايت اليوم.

ثم قال لمرميس: والآن يا بني يمكننا أن نتكلم كما نشاء.

– «هجذجا جرجاجيجي»؛ أي هذا رأيي.

١٣

إن تلك اللغة التي تحدث بها روكامبول لم تكن لغة جافانية، كما قال بل هي لغة فرنسية محضة، يدخلون بين كل حرف من حروف الكلمة حرفًا مصطلحًا عليه فلا يفهم السامع شيئًا مما يُقال إلا إذا كان متمرنًا على ذاك الاصطلاح.

وقد جعلنا المثال باللغة العربية تسهيلًا لفهم ذاك الاصطلاح أدخلنا حروف الجيم بين كل حرفين من جملة وهذا رأيي، بحيث صارت الجملة كما يلي: «هجذجا جرجاجيجي.»

وهو اصطلاح قديم لا يزال شائعًا عندنا بين أولاد المدارس بحيث يتكلم المتمرن على هذا الاصطلاح بسرعة غريبة فيشكل فهم مراده إلا على المتمرن على هذا الاصطلاح.

أما في باريس فإن هذه اللغة غير قاصرة على أولاد المدارس، كما هي عندنا الآن، بل إنها شائعة بين كثيرين من الناس يتحدث بها كثيرون من أهل الطبقة العليا، حتى إنهم أنشأوا بها جريدة يُطبع منها نحو سبعين ألف نسخة في الأسبوع.

ومما لا ريب فيه أن حاكم السجن، لو سمع بسماعته الأميركية هذه اللغة لما فهم حرفًا، ولو فطن أنها لغة اصطلاحية يتحدث بها الباريسيون لجاء بواحد منهم واستعان به على فهم أمورها، ولكن أنى له أن يخطر في باله هذا الخاطر.

ولذلك كان روكامبول ومرميس يتحدثان بها مطمئنين غير مكترثين بالآلة السماعة.

وقد بدأ روكامبول بالحديث فقال لتلميذه: قل لي الآن كيف عرفت أني سجين؟

– أخبرتني المس ألن.

– ألعلك رأيتها؟

– هي معنا.

– ولكنهم كانوا يراقبونها في باريس وقد سجنوها أيضًا.

– هو ذاك.

– وبعد ذلك؟

– أنقذناها.

– إذن، حدثني بكل ما حدث بالتفصيل، ما زال الوقت متسعًا لنا الآن.

فقص عليه مرميس بالتفصيل جميع ما حدث مما تقدم ذكره في رواية تلميذ روكامبول.

ولم يمض ساعتان، حتى وقف روكامبول على كل ما حدث في باريس، منذ سقوط الفتى البناء، إلى إنقاذ الإرلندية وولدها، وخروج مس ألن من السجن.

ولما أتم حديثه قال روكامبول: ماذا فعلت برالف وأمه؟

– إني لم أجسر على إحضارهما إلى لندرا.

– لقد أحسنت.

– وفوق ذلك فإني لا أستطيع أن أقدم على أمر بشأنهما إلا إذا كان لدي أوامر منك، ولم يكن بيني وبينك اتصال فوضعتهما في منزل ميلون وجعلت شوكنج حارسًا لهما.

– ومس ألن؟

– إنها مع فاندا الآن، والآن أيها الرئيس فإنك تعلم أني لا أطيل البقاء في هذا السجن.

فابتسم روكامبول ابتسامة معنوية وقال: ولا أنا.

– إن رجائنا وطيد بإنقاذك.

فابتسم روكامبول أيضًا وقال: هذا ما أرجوه، ولكنكم إذا لم تفوزوا بإنقاذي خلصت نفسي، فأتم حديثك الآن إن خادم غرفتك الذي قلت إنك أرسلته إلى ليفربول هو ميلون أليس كذلك؟

– دون شك.

– ولكنه لم يذهب إلى ليفربول كما قلت.

– كلا، ولكنه سينتظر أربعًا وعشرين ساعة، ثم يذهب بكتابي إلى السفارة.

فظهرت علائم الرضى على روكامبول وقال: الحق أني غير نادم على تربيتك وتبنيك لأنك ذكي الفؤاد، والآن اصغ إليَّ: إني خدمت هؤلاء الإرلنديين خدمًا جليلة وأنقذت زعيمهم الأكبر ودخلت إلى السجن طائعًا مختارًا في سبيل خدمتهم.

ولكن الإرلنديين لم يعرفوا سر غايتي من دخولي إلى السجن، وفوق ذلك أن لهذه الطائفة إقدامًا غريبًا وجرأة نادرة حين تحاول إنقاذ أحد أبنائها، ولهذه الطائفة زعيم يجلونه كل الإجلال، إذا قنطوا عادا إليهم الرجاء بكلمة تصدر من فمه.

وقد لبثت مدة ثلاثة أشهر مرشدًا لهذا الزعيم بل زعيم عليه فأقمت إنكلترا وأقعدتها إلى أن خطر لي يومًا أن ألقي نفسي في فخ نصبته لي مس ألن، وهي في ذلك العهد من ألد أعدائي بغية تحويلها عن أعدائي واستخدامها في أغراض الإرلنديين.

فلما قُبض عليَّ أصبحت خاملًا في عيون أولئك الذين ضحيت نفسي في سبيلهم، ولم يخطر لأحد منهم إنقاذي، فما حقدت عليهم؛ لأن المرء قد فطر على نكران الجميل ولم أحاول النجاة بنفسي لرضاي بما قسم لي ولم يبق غير الكاهن صموئيل من الذين يريدون لي السلامة، ولكن بقية الإرلنديين أنكروني وتخلوا عني؛ لأنهم رأوا أني لا أستطيع إفادتهم وأنا في السجن.

فاهتز مرميس وقال: ولكننا نحن لا نتخلى عنك أيها الرئيس الحبيب.

– إني عارف بما طويت عليه سرائركم ولذلك أرسلت إليكم مس ألن على أني أريد أن أجرب الإرلنديين تجربة أخيرة، فإما أن أعود إلى نصرتهم أو أتخلى عنهم لإنصار سواهم من المظلومين الذين يعرفون قيمة المروءة فيكافئون أصحابها بإخلاص.

– وما هي هذه التجربة؟

– إنك ستخرج غدًا من هذا السجن فيعتذر إليك الحاكم والأسقف ورئيس الحقانية، إن في إنكلترا عادة مخالفة لعادات القضاء في فرنسا، وهي أن الحكومة إذا قبضت على رجل تشتبه به خطأ، أنها مضطرة أن تدفع له تعويضًا.

– إني أعرف ذلك.

– وهذا التعويض يجب أن يكون مناسبًا لمقام المقبوض عليه ومركزه في الهيئة الاجتماعية وأنت مشترك في أعظم نوادي باريس، وأصحابك من أهل المقامات وشهرتك ذائعة بالثروة فسيحكمون على كل الذين قبضوا عليك بغرامة مالية، فلو طلبت خمسين ألف جنيه لحكمت بها المحكمة ووزعتها على الذين أساءوا إليك، أفهمت الآن؟

– كلا، لم أفهم بعد.

– عندما يحكمون لك ينال حاكم السجن أعظم نصيب من الغرامة فتقترح عليه أنك تتنازل عن الغرامة مقابل الإذن لامرأتك بمشاهدة الغرفة التي سُجنت فيها والرجل الذي سُجنت معه، أما امرأتك فهي فاندا.

– سأفعل.

– ولكنك قبل ذلك تذهب إلى الكاهن صموئيل وتسأله أن يجمع الإرلنديين ويطلب إليهم إنقاذي …

– وإذا أبوا؟

ابتسم روكامبول وقال: عندما تعود إلى هنا أضع في جيبك رسالة أكتب لك فيها ما يجب أن تصنع.

وعند ذلك فتح باب الغرفة ودخل حاكم السجن فقال روكامبول: لنتم حديثنا معه بهذه اللغة الاصطلاحية فنضحك عليه قليلًا.

١٤

أما حاكم السجن فإنه جعل يجيل طرفه بين روكامبول ومرميس ويسمع هذه اللغة الغريبة التي كانا يتحدثا بها دون أن يفهم حرفًا.

فلما رآه روكامبول ومرميس وقفا احترامًا له ورفعا قبعتيهما فقال الحاكم مخاطبًا روكامبول: لقد انتهى الأمر بفوزي عليك وهذا الذي كنت أتوقعه.

فأجابه روكامبول مبتسمًا: ماذا تعني يا سيدي فيما تقول فإني لم أفهم مرادك؟

– أريد أنك لا تستطيع بعد الآن أن تقول بأنك لا تعرف الأسير، وأشار إلى مرميس.

– ولكني لا أعرفه يا سيدي إلا منذ ساعتين فبتنا كأننا صديقان منذ أعوام.

– لو كنت لا تعرفه إلا اليوم كما تقول لما كنت تكلمه بلغة لا تُفهم.

– ولكني أفهم ما أقول ويفهم ما يقول.

– إذن إنكما تتكلمان بلغة اصطلاحية.

– بل نحن نتكلم بلغة شائعة بين الملايين من الناس وهي لغة أهل جافا.

– إذا كان ذلك أكيد فسوف نرى.

فسأله مرميس: ألعله يوجد عندكم سجين من أهل تلك البلاد؟

ولم يجبه الحاكم بل نادى الحارس الذي كان يصحبه وقال: اذهب وائتني بالسجين ديكس.

فقال الرجل العبوس: من هو ديكس هذا؟

– هو بحار إنكليزي أقام في بلاد الهند عشرة أعوام، وهو مسجون بجريمة السرقة.

فابتسم روكامبول وقال: أتأذن لي يا سيدي أن أتم حديثي مع هذا الرفيق الجديد.

– أباللغة الجافانية؟

– دون شك فإني أباحثه في أمور سرية.

ثم قال لمرميس باللغة الاصطلاحية سوف ترى كيف أعبث بهذا الرجل، فإني سأكلم البحار بلغة جافا الحقيقية فإني أقمت عامين في الهند في بلاط الرجاه وعرفت لغات الهنود.

– إنك تعرفها دون شك وأما أنا فلا أعرف حرفًا منها.

– لا ينبغي أن تتكلم فسأتولى الحديث عنك وأنت تلزم الصمت.

فضحك روكامبول ومرميس وبقي الحاكم وبرنيت ينظران إليهما حائرين.

وبعد هنيهة جاء الحارس بالبحار وقال له الحاكم بعظمة: أتعرف يا ديكسون لغة الهنود؟

– إني أعرفها حق العرفان.

– إني أريد أن تحادث هذا السجين بتلك اللغة، وأشار إلى روكامبول.

والتفت روكامبول إلى ديكسون وقال له بالهندية: يقول الحاكم إنك أقمت عشرة أعوام في الهند فهل طاب لك المقام في هذه البلاد؟

– كلا.

– لماذا؟

– لأني خُلقت لصًّا لا بحارًا، وبحارة الهنود أبرع منا.

فقال له الحاكم: ماذا تقول.

– إن هذا الرجل سألني إذا كانت راقت لي الهند.

– إذن فهمت ما يقول؟

– نعم …

– إذن عد إلى سجنك.

ثم أشار إلى الحارس فعاد به إلى السجن.

والتفت الحاكم عند ذلك إلى روكامبول وقال له: الأجدر بك أن تقول لنا حقيقة اسمك كي يتمكن القضاة من محاكمتك.

– ليتمكنوا من الحكم عليَّ بالإعدام؟

– مَن يعلم فإن مراحم الملكة كثيرة.

– تريد أن الملكة تعفو عن المحكوم عليهم بالإعدام.

– إن ذلك منها كثير الاتفاق.

– ولكن وزير الحقانية قد لا يصادق على هذه الرأفة فينفذ بي حكم الإعدام مع صدور العفو، وهي نصيحة أسديك عليها جميل الشكر.

فيئس الحاكم منه وقال: إنك حر بالدفاع عن حياتك كما تشاء.

ثم ودعه وحاول الانصراف فناداه مرميس وقال له: ألا تأذن لي يا سيدي أن أحادثك هنيهة؟

– تكلم.

– ألا تزال واثقًا أني أدعى روكامبول؟

– إني كنت مشككًا في هذا الصباح، وأما الآن فإني على أتم اليقين.

– ألا تأذن لي يا سيدي أن أفترض افتراضًا؟

– ما هو؟

– لنفرض أني لست روكامبول.

– لنفرض.

– لنفرض أني رجل غني من نبلاء الفرنسيين لم يرتكب جريمة يُعاقب عليها، وأنه يسافر إلى إنكلترا متنزهًا، وأن سفير دولته يُطالب به ويخرجه من السجن.

– إني لا أخاف شيئًا من هذا.

– ولكني قلت لك إننا نفترض افتراضًا.

– إذن لنفترض ما تشاء وأنك خرجت من السجن فماذا تصنع؟

– لا أصنع شيئًا سوى أني أقاضيك وأطلب تعويضًا عن إهانتي وهو غرامة شديدة يا حضرة الحاكم يدفع نصفها أنت ونصفها مدير الشرطة.

– لقد أخطأت فإني لا أدفع شيئًا؛ لأنهم أمروني بسجنك ليس إلا.

– بل أنت المخطئ يا سيدي الحاكم؛ إذ يجب أن تعرف حقيقة اسم السجين قبل سجنه.

– إني واثق من صحة ما فعلت.

فضحك مرميس ضحك الساخر وقال: من يعش ير.

أما الحاكم فإنه خرج مغضبًا وجعل الرئيس وتلميذه يضحكان.

١٥

وبعد ذلك نظر روكامبول إلى برنيت وقال: إني أراك حائرًا منذهلًا!

– ألا ترى ما يدعو إلى الحيرة يا سيدي؟

– دون شك ولكنك ستزيد انذهالًا بين ساعتين؛ لأنهم سيفرقون بيننا.

ونظر إليه برنيت نظرة المكتئب الحزين كما ينظر الكلب الأمين لصاحبه حين يفترق عنه فقال له روكامبول: لا تجزع أيها الصديق فإننا سنلتقي.

فرفع برنيت عينيه إلى السماء قائلًا: إننا نلتقي إذا أذن كالكراف الجلاد.

– ألعلهم حكموا عليك حقيقة بالإعدام؟

– كلا، لقد علمت حقيقة أمري، ولكنهم سيحكون عليك به.

– لا تخف عليَّ يا برنيت أترى بين ملامحي ما يدعو إلى الخوف؟

– كلا بل يظهر لي أنك تهزأ بالجلاد كما تعبث بالحاكم.

– هو ما تقول، والآن قل لي إلى متى تقيم هنا؟

– إني أستطيع الانصراف غدًا؛ لأنهم وضعوني معك لمراقبتك وأظن مهنتي قد انقضت.

– كم يدفعون لك مقابل هذه المهمة؟

– إنهم وعدوني بخمسين جنيهًا إذا أحسنت خدمتهم.

– ولكننا سندفع لك مائتين حين خروجك فقد أحسنت خدمتنا.

فأجاب برنيت بلهجة المشكك: ولكن من يدفع لي هذه القيمة؟

فقال له مرميس: أنا …

– ألعلك تخرج أنت من السجن أيضًا؟

– لا أخرج اليوم بل غدًا …

ونظر برنيت إلى روكامبول نظرة إخلاص قائلًا: ولكني أبقى في السجن معك ولا أريد الخروج منه.

– إن هذا محال الآن أيها الصديق؛ إذ لم يبق لهم بك حاجة فإنك لا تعرف اللغة الهندية وسيستعيضون عن تقاريرك بالآلة السماعة.

ثم عاد إلى الضحك مع مرميس، فعجب برنيت لأمرهما وقال: إني لم أر قبلكما مسجونين يضحكان ملء أفواههم كما تضحكان.

وقال له مرميس: أما وقد تقرر الآن افتراقنا؛ لأنهم لا بد أن يطلقوا سراحك فقد وجب أن نتواعد على اللقاء.

– دون شك.

– وذلك أولًا لأدفع لك ما وعدك به الرئيس.

– بل لأنضم إليكم وأكون خير مساعد في إنقاذه.

– لهذا ولذاك فقل لي أين أراك؟

– في أولد فرنك نمرة ٧.

فقال له روكامبول: ألا تذهب في الليل إلى خمارة ونستون؟

– نعم …

فأجابه مرميس: إذن انتظرني فيها بعد ثلاثة أيام في الساعة الثامنة من المساء.

– سأنتظرك دون شك.

وقبل أن يتم حديثه فُتح الباب ودخل الحارس فأمر برنيت أن يتبعه، ونظر برنيت إلى روكامبول نظرة وداع مؤثرة وخرج في أثر الحارس والدمع يجول في عينه.

ولما وصلا إلى الرواق قال له الحارس: سأذهب بك إلى حارس الباب الأكبر.

– لماذا؟

– للتوقيع على عهد الإفراج عنك فتأخذ ملابسك وتنصرف.

– إذن أصبحت مطلق السراح؟

– نعم، فلم تبق حاجة إليك.

– ولكنهم وعدوني بخمسين جنيهًا أفلا أقبضها؟

– كلا فإنك لم تنفعهم بشيء.

فتأثر برنيت تأثيرًا شديدًا، لكنه لم يفه بحرف وعول على أن ينتقم منهم بمبالغة الإخلاص للرجل العبوس.

وبعد أن خرج برنيت من السجن خرج الحاكم في أثره وركب مركبة وذهب بها مسرعًا إلى الأسقف فوجده في منزله، ولما رآه الأسقف بادره بالسؤال عن الرجل العبوس وروكامبول فسأله: أتعارفا؟

– لم يكن في ذاك ريب ولكنهما يتكلمان بلغة غريبة.

– ما هي؟

– لغة أهل جافا، وإني لا أعلم كيف يعرفان هذه اللغة.

– إن الأمر بسيط فإن للإرلنديين علائق عظيمة في الهند، ويوجد كثير منهم في الجيش، فأنا صايب عدونا الأكبر، فإنهم ألد أعداء إنكلترا ولذلك يكثر اختلاطهم بأعدائهم.

– هو ما تقول، ولكننا الآن قبضنا على هذين الزعيمين وسنعرف حقيقة اسم الرجل العبوس.

– ألعلك تعرف لغة جافا؟

– كلا، ولكن لدي سجين بحار يعرفها فإذا عينا له جائزة أوقفنا على أسرارهما.

– ولكنهما لا يتكلمان أمامه.

– ولكنهما يتكلمان حين يكونا مختليين، ألعلك نسيت آلة هيدسون السماعة؟

– ولكن كيف تضع هذه الآلة دون أن يعلما؟

– لقد أمرتهم أن يضعوها في غرفة أخرى، فمتى تم وضعها أنقل الأسيرين إليها فتنقل الآلة حديثهما إلى البحار السجين وسأنقلهما إليها في هذا المساء.

– أتظن أنهما لا يفطنان لها؟

– دون شك فإنها لا تخطر لهما في بال، لا سيما وأنهما سيعلمان بأني أنقلهما من غرفتهما المتسعة لذهاب برنيت منها.

– لقد أحسنت فاذهب الآن وأتم ما شرعت به.

وبعد أن انصرف الحاكم تجهم وجه الأسقف وقال في نفسه: ما هذا الأمر الغريب؛ أني أرسلت إلى السير جمس رسالتين أمرته بهما أن يعود مع مس ألن فلم يجبني الآن، وما عسى أن يكون أصابه؟

١٦

وعاد الحاكم إلى السجن فوجد العمال قد أتموا وضع الآلة السماعة في غرفة مجاورة للغرفة التي كان فيها روكامبول ومرميس، وقد اشتغل في وضعها اثنا عشر عاملًا.

وقد تقدم لنا وصف هذه الآلة وهي أنابيب من الكاوتشوك متصلة وقد وضعوها في السقف وأدخلوها في أنابيب الغاز بحيث بات يستحيل على الأسيرين أن يرياها، ولكنهما قد علما من الجاسوس، أنهم سيضعوا هذه الآلة ولم تكن أسرارها خافية على الرجل العبوس.

أما الحاكم فإنه امتحن الآلة فأدخل اثنين إلى الحجرة وأمرهما أن يتكلما ثم وضع السماعة على أذنه خارج الحجرة وأصغى إليهما فسمع كل الحديث ولم يفته حرف منه، فسر سرورًا عظيمًا وقال في نفسه: لقد وقع الشقيان في الفخ، وسأقف على كل أسرارهما.

على أن سروره لم يتكامل فقد خطر له خاطر نغصه عليه؛ إذ خطر في باله ما قاله له مرميس وهو: «لنفرض أني لست روكامبول.»

ذلك أنه كان يعرف الشرائع الإنكليزية فيعلم أنها صارمة شديدة في مسائل الشخصيات.

ثم إن مرميس قد قال قولًا معقولًا وهو أنه يجب عليك أن تكون على اليقين من اسم الذي تسجنه؛ فإذا ثبت أني لست روكامبول فقد وجب عليك دفع الغرامة.

وهنا اضطرب اضطرابًا شديدًا وقال في نفسه: إني اعتمدت على الأسقف والأسقف اعتمد على السير جمس وهذا الشرطي مشهور بالحذق، لكن لكل فرس كبوة، فإذا كان مخطئًا فإن التبعة تقع عليَّ.

ولم يكن هذا المنكود غنيًّا فإنه كان يعيش من راتبه ويقتصد شيئًا منه لمستقبل بنيه.

على أنه خطر له خاطر تعزى به بعض العزاء وهو أنه لو لم يكن هذا الرجل روكامبول نفسه لما تكلم مع العبوس بلغة يعتقد أنه لا يوجد من يفهمها، ولو لم يكن بينهما أسرار خفية لكان حديثهما بإحدى اللغات المعروفة.

ثم تسلح بهذا البرهان الذي أعاد إليه زهوه وارتياحه، وذهب لزيارة الأسيرين فاستقبله روكامبول خير استقبال وقال بلهجة المتهكم: إني ممتن لما تبديه من كرم الأخلاق يا سيدي؛ لأنك تتفضل بزيارتنا مرتين وثلاثًا كل يوم.

وقال مرميس: وأنا أشعر حين أراك بارتياح يخفف عني عناء سجني.

وقال روكامبول: إنه الحق ما يقوله يا سيدي الميلورد فإنك طلق المحيا بشوش الوجه إذا رآك السجين تهلل قلبه وتعزى عما هو فيه.

فقال الحاكم: ولكني وا أسفاه أتيتكم بخبر قد يسوءكم.

– قل يا سيدي، فقد ألفنا الشقاء حتى تعودناه.

– ألست مرتاحًا في هذه الغرفة؟

– كل الراحة.

– وهذا الذي يسوءني فإني مضطر إلى نقلكما منها.

– لماذا؟

– لأن هذه الغرفة كبيرة وأنتما الآن اثنان.

– كيف ذلك؟ ألا يعود الإرلندي الذي كان معنا؟

– كلا، وقد تعدل الحكم عليه ونُقل إلى سجن آخر.

فلم يظهر روكامبول شيئًا من ملامح الشك على اعتقاده بكذب الحاكم قائلًا له: إذ كان ذلك فأذن لنا على الأقل أن نلعب الشطرنج بدلًا من الويست.

– سأفعل ما تُريد فهل يحسن رفيقك لعب الشطرنج؟

فأجابه مرميس قائلًا: إن لي ولعًا عظيمًا بالشطرنج، ولكن لعبي معه لا يطول.

فدهش الحاكم وقال: لماذا؟

– لأني سأخرج من السجن في صباح غد.

وحاول الحاكم أن يبتسم، ولكن اضطرابه لهذا النبأ حال دون ابتسامه، فقال له: لقد تقدم لك معي مثل هذا المزاح.

– إني لا أمازحك يا سيدي وسوف يتبين لك صدق ما أقول.

– حسنًا، سوف نرى.

ثم خرج وهو يبتسم، ولكنه كان شديد الاضطراب لما لقيه من اطمئنان مرميس.

وبعد ذلك بنصف ساعة نقل روكامبول ومرميس إلى الغرفة التي وضعوا فيها السماعة، أما الحاكم فإنه دعا إليه البحار ديكسون قائلًا: متى تنقضي مدة سجنك؟

– بعد ثلاثة أشهر.

– إني إذا كنت راضيًا عنك أنقصت هذه المدة إلى ثلاثة أسابيع، وعند انصرافك أكافئك بخمسة وعشرين جنيهًا.

– إذن قل لي يا سيدي ماذا يجب أن أصنع.

– تجلس أولًا على هذا الكرسي.

– وبعد ذلك؟

– تضع هذه السماعة على أذنك.

– ها قد وضعتها.

– اصغ، أتسمع صوتًا؟

– إني أسمع أصوات رجلين يتحدثان.

– اصغ جيدًا.

– إني مصغ كل الإصغاء.

– ما يقول المتحدثان؟

– إني لا أفهم حرفًا منهما مما يقولاه.

– كيف لا تفهم؟

– إني أسمع الحديث ولا أفهم المعنى، ولكني عرفت الذي يتحدث من صوته فهو ذلك السجين الذي أمرتني أن أحادثه أمس، ولكنه لا يتكلم الآن بتلك اللغة الهندية التي كان يتكلم بها.

وصاح الحاكم صيحة غضب قائلًا: ولكن اصغ جيدًا فقد يكون الحديث مشكلًا عليك لبعد المسافة.

– كلا يا سيدي فإني أسمع حديثهما كما أسمع حديثك، ولكني لا أفهم حرفًا من هذا الحديث.

فتأوه الحاكم قائلًا: ما هذا الرجل؟ وبأية لغة جهنمية يتكلم؟

– لا أعلم، لكن يظهر من لهجة حديثهما ما يدل على الرضى والارتياح.

– ولكن أتظن أن اللغة التي يتحدثان بها شرقية؟

– ربما، لكن تعال يا سيدي واسمع.

فأخذ الحاكم السماعة من يده ووضعها على أذنه وأصغى.

وكان روكامبول في ذلك الحين يحدث مرميس ويضحك ضحك الساخر فيجيبه مرميس بمثل ضحكه بحيث لم يسمع الحاكم غير الضحك.

ثم انقطعا عن الضحك وعادا إلى الحديث بتلك اللغة الاصطلاحية التي بسطنا مثالها، فقال الحاكم: لا شك أن هذه اللغة التي يتحدثان بها من اللغات الشرقية، وأن هذا الرجل شيطان بصورة إنسان.

ثم ضرب بيده جبينه كمن خطر له خاطر جليل وقال: سوف نرى من يفوز.

١٧

يوجد في جنوب وينهال قرب سكوتلاند يارد بناية عظيمة كُتب على بابها بأحرف كبيرة «مدرسة الخطوط واللغات القديمة» فإنهم يعلمون في هذه المدرسة جميع اللغات القديمة كالسفسفيكوية والهيروغليفية وسواها على اللغات الغربية التي لا تهتم بها غير الإنكليز لكثرة علائقهم مع سكان المعمور.

أما الخاطر الذي خطر لحاكم السجن فهو أن يذهب إلى هذه المدرسة ويدعو جميع أساتذتها فيسمعون حديث روكامبول ومرميس ويقفون على أسرار هذه اللغة التي يتحدثان بها.

ولذلك أعاد البحار ديكسون إلى سجنه وركب مركبة فسار بها مسرعًا إلى تلك المدرسة، فلقي مديرها وأخبره بمصابه مع الرجلين فابتسم المدير وقال: لا شك أنهما يتكلمان بتلك اللغة المصرية القديمة التي كان يتكلم بها المصريون في عهد الفراعنة فتعالَ معي ننتخب من الأساتذة من يصلح لفهم حديثهما.

وبعد ذلك بنصف ساعة خرج الحاكم من المدرسة يصحب معه أستاذين أنفقا شبابهما على درس اللغات القديمة وذهب بهما الحاكم إلى السجن.

وعند الساعة الثامنة من المساء أخذ أحد الأستاذين السماعة ووضعها على أذنه، فجعل الحاكم ينظر إليه فيرى علائم الذهول بادية عليه، فاستمر على الإصغاء خمس دقائق أخرى، ثم وضع الآلة موضعها وقال: إني لا أفهم شيئًا من حديثهما.

فأخذ الأستاذ الثاني الآلة وفعل مثل زميله ثم أعاد الآلة وقال مثل رفيقه فكاد الحاكم يُجن من قنوطه.

وكان من رأي أحد الأستاذين أن اللغة التي يتفاهم بها الأسيرين هي إحدى لغات جزر الأوقيانوس، وأنها تشبه لغة جزيرة صندوبج وارتأى الأستاذ الثاني أنها لغة العبيد في أواسط إفريقيا.

ثم اتفق الاثنان أنهما لا يعرفان هذه اللغات، وأشارا على الحاكم أن يدعو رجلًا يعرفانه، كان قد أُسر مرة في بلاد الكونغو، وطاف جميع جزر الأوقيانوس.

وقد ذكرا للحاكم اسم هذا الرجل وأرشداه إلى عنوانه فأرسل أحد حراس السجن يدعوه.

ولم يكن هذا الرجل يقيم في مدرسة اللغات، بل كان يقيم في ضواحي لندرا فلم يستطع الحارس أن يعود به إلا بعد ثلاثة ساعات.

وكان قد دنا انتصاف الليل، غير أن الأسيرين لم يكن في نيتهما أن يناما كما يبدو، فإنهما كانا لا يزالان يتحدثان ويضحكان فيقع ضحكهما على هذا الحاكم المنكود وقوع الصواعق.

ولما جاء الرجل أصغى إلى حديثهما بالآلة ثم أعادها وقال: ليست هذه اللغة من لغات بني الإنسان.

فاضطرب الحاكم وقال: كيف ذلك؟ أليست من لغات جزر المحيط؟

– كلا.

– ألعلها إحدى لغات العبيد في إفريقيا؟

– ولا هذه أيضًا.

فتجهم الحاكم وانقبضت نفسه حتى إنه أوشك أن يعول على الانتحار ليأسه من الرجلين، غير أن أحد الأستاذين اللذين جاء بهما من المدرسة خطر له خاطر فدنا من الحاكم وقال له: أليس هذان الأسيران فرنسيان؟

– أظن.

– ألم تسمع بتلك اللغة الفرنسية الاصطلاحية، التي يتكلم بها اللصوص في فرنسا؟

– نعم.

– إنهما يتكلمان بهذه اللغة.

– أيوجد في لندرا من يفهم بها؟

– لا بد أن يكون في سجن من سجونها أسير فرنسي.

فنادى الحاكم عند ذلك رئيس الحراس وسأله عن ذلك، فقال: يوجد عندنا في نوايت سجين فرنسي متهم بسرقات كثيرة.

– جئني به في الحال.

فأسرع الرئيس وجاءه به، فسأله إذا كان يعرف تلك اللغة فأجابه أنه يعرفها كما يعرف الإنكليزية.

فقال له: ضع إذن هذه الآلة على أذنك واسمع.

فامتثل اللص وأصغى قليلًا ثم التفت إلى الحاكم وقال: ليست هذه لغة اللصوص الفرنسيين، ولكنها اللغة الجافانية.

فهز أحد الأستاذين كتفه وقال: لو كانت لغة أهل جافا لفهمنا الحديث.

– لم أقل إنها لأهل جافا، بل هي خاصة يتكلمها بعض أهالي باريس ويدعونها جافانية.

فقال الحاكم: ولكنك تفهمها دون شك.

– كلا يا سيدي، إنها لغة النساء والنبلاء في باريس.

قال الحاكم وقد بلغ منه القنوط مبلغًا عظيمًا: ولكن ماذا نفعل؟

– يجب أن تحضر من باريس من يعلمها.

– ولكن ذلك يقتضي ثلاثة أيام بين ذهاب الرسول وإيابه وبحثه عمن يعرف هذه اللغة.

– إذن فاطلب بالتلغراف إحدى محرري جريدة جافا فإن مركز هذه الجريدة في شارع مونتمارتر.

فانذهل الأساتذة الثلاثة وقالوا: كيف ذلك، أُتطبع جريدة بهذه اللغة في فرنسا؟

– وهي جريدة كثيرة الانتشار لديها نحو سبعين ألف مشترك.

فقال الحاكم: لكن ذلك يقتضي له زمن طويل، وإذا لم يكن غير هذه الطريقة فلا بد من إجرائها.

وقبل أن يتم كلامه دخل رئيس الحراس والذعر ملء قلبه فقال: رباه ماذا صنعنا وما هذا الخطأ الذي أخطأناه؟

فذعر الحاكم وقال له: ويحك أي خطأ؟

– إننا سجناه باسم روكامبول وهو صديق مخلص للسكرتير الأول في سفارة فرنسا، وقد جاء هذا السكرتير الآن إلى السجن وهو يرغي ويزبد، ويطلب تعويضًا هائلًا.

فصاح الحاكم صيحة منكرة وسقط على كرسيه وقد وهنت قواه.

١٨

وكانت الساعة الرابعة بعد منتصف الليل وقد ذهب ميلون إلى منزل هذا السكرتير بالكتاب الذي أعطاه إياه مرميس، فقيل له: إنه في حفلة راقصة فالتمس أن يأذنوا له بانتظاره؛ لأن الأمر خطير، فأذنوا له وأقام ينتظر إلى الساعة الثانية بعد انتصاف الليل، فلم يعد فقال له الخادم: إذ كان الأمر خطيرًا كما تقول، ولا بد من مقابلته الليلة فاذهب إلى نادي ويست أنديا لأنه هناك.

وأسرع ميلون إلى ذاك النادي فقال له البواب: إن السكرتير أحد أعضاء النادي، ولكنه لا يأتي إليه قبل الساعة الثالثة.

فاضطر ميلون أن ينتظر ويتذرع بالصبر إلى أن قدم هذا السكرتير واطلع على كتاب مرميس فتأثر تأثرًا كبيرًا وأسرع إلى مركبته يصحبه ميلون، فذهب وإياه إلى سجن نوايت.

ولا يجيز قانون السجون لأحد أن يدخل إليها في هذه الساعة المتأخرة غير أن السكرتير كان يتكلم بلهجة السيادة فينذر ويتوعد بمداخلة سفير فرنسا حتى اضطر بواب السجن إلى مناداة رئيس الحراس.

ولما جاء قال له السكرتير: يوجد عندكم سجين فرنسي.

– بل لدينا كثير من الفرنسيين.

– لكني أعني رجلًا فرنسيًّا قبضتم عليه في فندق التيجان.

– نعم، وهو من أشد أهل الجرائم.

فضحك السكرتير وقال: إنكم تدعونه روكامبول أليس كذلك؟

– نعم يا سيدي.

– إن هذا الرجل الذي أودعتموه السجن من أعيان الباريسيين، ومن أصدق إخواني، وأنا أطلب باسم الحكومة الفرنسية الإفراج عنه على الفور.

فاضطرب الرئيس وقال: إن هذا الأمر يا سيدي منوط بالحاكم وما أنا غير قائد الحرس.

– إذن اذهب وناد الحاكم.

– أفي هذه الساعة يا سيدي؟

– دون شك، وإذا كان قد نام أيقظه من رقاده وقل له: إني السكرتير الأول في سفارة فرنسا.

وخاف قائد الحراس وأيقن من خطورة الأمر وأسرع إلى الحاكم وأخبره بما كان كما قدمناه.

غير أن السكرتير كان قد تبع الحارس إلى غرفة الحاكم لاستقباله وهو يضطرب، فقال له السكرتير دون أن يكترث للأساتذة الثلاثة: إني أتيت إليك لأسألك الإفراج عن صديق لي قد قبضتم عليه خطأ.

فسأله الحاكم بصوت يتلجج: ألا يمكن يا سيدي أن تكون أنت المخطئ فإن الرجل الذي جاءوني به هو روكامبول نفسه؟

فأجابه السكرتير ببرود: إذا كنت تعتقد أني أنا المخطئ فإن التحقيق سهل ميسور.

– كيف ذلك يا سيدي؟

– ذلك أن تجمعني بهذا الرجل الذي تدعونه روكامبول.

فتولد الرجاء عند ذلك في قلب الحاكم؛ إذ قال في نفسه: إن مثل هذا السكرتير على علو مقامه لا يمكن أن يكون له صحبة مع المجرمين والأشرار.

وكان في اعتقاده أن رجلًا نبيلًا لا يُحدث رجلًا كالرجل العبوس بلغة سرية كل الليل فلا بد إذن أن يكون من أمثاله، لذلك رضي باقتراح السكرتير وقال: هلم معي يا سيدي إلى غرفة الأسير.

ثم مشى أمامه يتقدمه قائد الحراس وتبعهم الأساتذة الثلاثة، أما ميلون فإنه بقي عند الباب الخارجي؛ إذ خشي أن يرى روكامبول فيخونه الجلد ويفضح أمره لا سيما وأن مرميس أوصاه ألا يدخل إلى السجن.

ولما فتح الحاكم غرفة روكامبول ودخل الجميع إليها صاح مرميس صيحة فرح ووثب من سريره إلى السكرتير.

فصاح السكرتير قائلًا: لقد ساءني جدًّا أيها الصديق ما أصابك.

فضحك مرميس وأجاب: ولكني لم أضجر في السجن، لقد تسليت كثيرًا بعشرة هذا الرجل والاتفاق معه على الهزء بالحاكم.

فدهش الحاكم وقال: تقول إنكما هزأتما بي.

– دون شك فإن هذا الرجل الذي وضعتموني معه في السجن فرنسي وأنا لا أعلم السبب في سجنه، لكنكم أردتم أن أكون شريكه في جرائمه، وأن أكون صديقه الحميم فاقترحت عليه عند ذلك أن نتلهى بالعبث بكم إلى أن تفرجوا عني، فأجابني إلى اقتراحي وهو رجل صالح التربية فإنه قد يكون ارتكب جريمة غير أنه يتقن اللغة الجافانية.

فقال الحاكم: إنها لغة جهنمية.

– بل هي لغة لطيفة يا سيدي الحاكم وسأقفك على أسرارها.

غير أن السكرتير لم يمهله فإنه أشار إشارة توديع إلى روكامبول قائلًا لمرميس: هلم معي أيها الصديق فإنهم مدينون لك بتعويض، وأقسم لك أن الغرامة ستكون عظيمة بقدر الإساءة إليك.

وبعد نصف ساعة خرج مرميس مع السكرتير من السجن وغادر ذلك الحاكم المنكود عرضة الهواجس لوثوقه من حكم القضاء عليه بالغرامة وهو لم يكن من الأغنياء.

أما روكامبول فإنه عاد إلى سريره ونام مطمئنًا هادئًا واثقًا من فوز تلميذه بما أوصاه.

١٩

يوجد في لندرا جمعية أسستها نبيلات الإنكليز يشترك فيها العواقل والأوانس وغرضها تعزية من يُحكم عليه بالإعدام قبيل تنفيذ الحكم عليهم.

ولنساء هذه الجمعية لباس خاص يلبسنه حين يحاولن قضاء هذه المهمة الشريفة، فإذا لبسته المرأة أصبحت فوق القانون ولو ارتكبت جريمة؛ إذ لا يجسر أحد على القبض عليها وهي لابسة تلك الثياب.

وكانت مس ألن عضوًا عاملًا في تلك الجمعية، ولها غرفة في شارع سرمنت.

كانت تلبس فيها تلك الثياب حين تزور السجون لتعزية المحكوم عليهم بالإعدام.

ويذكر القراء أن فاندا ومس ألن نزلتا في فندق حين وصولهما إلى لندرا ففي اليوم التالي لوصولهما قالت لفاندا: إني لا أستطيع البقاء معك في هذا الفندق.

– لماذا؟

– لأني أخاف جواسيس الأسقف وأحب أن أدافع بسلاحي.

– أي سلاح تعنين؟

– إنك تعرفين شيئًا عن إنكلترا، لكن قد غابت عنك أشياء، فإن في هذه البلاد امتيازات كثيرة تحول دون قوة الشرطة وسلطانهم.

مثال ذلك، تلامذة مدرسة أبناء المسيح، وأعضاء جمعية إعانة المحكوم عليهم بالإعدام، فإن الشرطي إذا تجاسر على اعتراض سيدة من أعضاء هذه الجمعية وهي بالثياب الخاصة هجم عليه الناس ومزقوه تمزيقًا، وأنا من أعضاء هذه الجمعية، لذلك فقد وجب أن ألبس لباسها الخاص كي أنجو من غدر الأسقف.

– ولكن أين مركز هذه الجمعية؟

– إني لا أذهب الآن إلى مركز الجمعية، بل إلى الغرفة التي أضع فيها ملابسي الخاصة وهي قريبة من هذا الفندق فهل تذهبين معي؟

ورضيت فاندا بالذهاب معها.

وذهبتا حتى إذا وصلتا إليها وارتدت مس ألن تلك الثياب الخاصة قالت: إني لا أخشى الآن حقد الأسقف.

– وغضب أبيك؟

فابتسمت وقالت: إن كلمتي الأخيرة لم أقلها بعد لأبي فإنه يحبني حب عبادة ولا يزال يحبني هذا الحب.

– إذن فهو شديد التعاسة لبعدك عنه.

– دون شك، ولكني سأقنعه وأجعله من حزبي.

– أتجسرين على مقابلته والذهاب إليه؟

– كيف لا وإني سأذهب إليه في رابعة النهار.

– ألا تخافين أن يبقيك في المنزل؟

– ولكني أذهب إليه بهذه الثياب وهي تحميني.

ثم قالت بعد سكوت قصير: إني أحب الرجل العبوس الآن وكنت السبب في دخوله إلى السجن وأنا أتولى إنقاذه.

وكانت تتكلم بلهجة الواثق المطمئن، ثم قالت: إني وافقت على مشروعكم ومشروع أصحابكم، ولكن هذا المشروع قد يخفق فإذا لم تنجح مساعيكم فلا بد من نجاحي.

وبعد حين عادت فاندا إلى الفندق، وبقيت مس ألن في تلك الغرفة، وكانت قد استخدمت فتاة إرلندية تصلح لها غرفتها وتحضر لها الطعام في الفندق. إرلندية تصلح لها غرفتها وتحضر لها الطعام في الفندق.

•••

مضى على ذلك يومان ففي اليوم الثالث ذهب مرميس إلى الفندق الذي تقيم فيه فاندا، فسُرت سرورًا عظيمًا لمرآه وقالت له: أرأيت الرئيس؟

– وأقمت معه يومًا وليلتين.

– أتلقيت أوامره؟

– تلقيتها تامة، فأين هي مس ألن وكيف لا أراها معك؟

فأخبرته فاندا بجميع ما اتفق فقال لها: إذن هلم بنا إلى غرفتها؛ إذ يجب أن أراها.

فذهبت فاندا به إلى غرفة مس ألن، واجتمع بها، ثم بدأت تسأله عن روكامبول أدق السؤالات ودلائل الغرام ظاهرة بين عينيها، وهي تضطرب كلما ذكرت اسمه كأنها تراه.

فقال مرميس وهو يبتسم: اطمئني يا سيدتي … سوف ننقذه، ولا بد من إنقاذه.

ثم أخبرها أن روكامبول أمره أن يقابل الأب صموئيل، وسألها كيف يستطيع أن يجده، فأخبرته أن هذا الكاهن مختبئ منذ قُبض على الرجل العبوس؛ لأنه متهم مثله بتحريض الإرلنديين على الإنكليز، ولكني أعلم أين هو.

– أين؟

– تذهب إلى سنوارك وتدخل إلى كنيسة سانت جورج فتقول لبوابها: إني قادم لخدمة الإرلندية وكلمه باللغة الفرنسية فإن ذلك يزيد ثقته بك.

– أيرشدني إلى مقام الأب صموئيل؟

– ربما ولا سيما إذا كلمته عن الرجل العبوس.

– إذن سأذهب الآن فإن الوقت غير متسع لدينا، لا سيما وأن الرجل العبوس يطلب من زعماء الإرلنديين جلسة خاصة للبحث في شأنه.

فقالت له مس ألن: اذهب وأسرع بما أمرك به فإذا لم ينقذه الإرلنديون فأنا أعلم كيف أنقذه.

فانصرف مرميس وخرجت فاندا وهي تفتكر بمس ألن وتقول: رباه ما هذا الحب فهي توشك أن تجن لهواه، فيالله من نضارة الشباب!

٢٠

وبعد حين كان مرميس وميلون سائرين إلى كنيسة سانت جورج وهما لا يكادان يهتديان لكثافة الضباب، حتى إذا بلغا إليها طرق مرميس الباب ففتح له البواب الشيخ، فلما رأى هذين الرجلين ظهرت عليه علائم الخوف فقال لهما: ما تريدان؟

فقال مرميس تلك الجملة التي علمته إياها مس ألن؛ وهي أننا قادمان لخدمة إرلندا.

فأجابه البواب قائلًا: إني لم أعلم ما تريد.

– إني أريد أن أرى الأب صموئيل.

– إنه غير موجود هنا وربما كان في سانت جيل.

غير أن مرميس أيقن أن البواب كان كاذبًا فيما ادعاه فقال له: احذر أيها الشيخ فإنك قد تضر إرلندا ضررًا بليغًا إذا لم ترشدنا إلى الأب صموئيل.

– ألعلكما إرلنديان؟

– كلا بل نحن أصدقاء الإرلنديين.

– وقد تكونان أيضًا من أصدقاء الإنكليز، فاذهبا في شأنكما فإنهم حين قبضوا على الكاهن خدعوه بمثل هذه الأقوال.

– ولكننا قادمان من فرنسا وقد رأينا رالف وأمه حنة.

فتراجع الشيخ خطوة إلى الوراء، فأيقن مرميس أن اسم الغلام وأمه قد أثرا عليه فقال له: أتريد أن أصفهما لك، فإن حنة طويلة القوام سوداء الشعر زرقاء العينين وافرة الجمال، وأن رالف عمره عشرة أعوام وهو كثير التيه كأبيه السير إدوارد بالمير.

– وقد رأيتهما كما تقول؟

فقال ميلون: وهما الآن عندي.

– أين؟

– في منزلي في باريس.

غير أن الشيخ لم يثق كل الوثوق بكلامهما فقال لهما: إني أصدقكما، ولكني لا أعلم مكان الكاهن.

فقال له مرميس: كلا بل أنت تعلم، ولكنك لم تصدق حديثنا بعد، فهل تعرف الرجل العبوس؟

فارتعش الشيخ لذكر اسمه وقال له: أتعرف الرجل العبوس أيضًا؟

– أتعرف أيضًا شوكنج؟

فكاد الريب يزول من قلب الشيخ، وقال له: أتثبت لي أنك تعرف شوكنج؟

– إن الأمر سهل فهو ليس في لندرا.

– هذا أكيد.

– وهو في فرنسا مع رالف وأمه.

فلم يقتنع بهذا البرهان وقال: إن هذا أكيد أيضًا، ولكن الشرطة الإنكليزية لا تخفاه خافية وقد تكونان من الشرطة.

فيئس مرميس وقال: إذا كنت لا ترشدنا إلى الأب صموئيل، أفلا تسمح لنا على الأقل أن نعهد إليك بإيصال هذه الرسالة إليه.

– إذا رأيته.

– لنفرض أنك تراه فإذا رأيته فأعطه هذه الرسالة وقل له: إنها من الرجل العبوس.

فأخذ الشيخ الرسالة من مرميس وقال له: عد في الغد أو في المساء فقد يتفق لي أن أرى الكاهن.

– حسنًا.

ثم أضاف قائلًا: هلم بنا نذهب.

فقال ميلون: كيف نذهب وقد قيل لنا إن الكاهن هنا.

– تعال معي وسوف ترى.

فلما ساروا خارج الكنيسة قال ميلون: لقد أخطأنا، فقد كان يجب أن نلح على هذا الشيخ، فإذا أبى أن يجمعنا بالأب صموئيل قبضت أنا على عنقه فمنعته عن الصياح، ودخلت أنت إلى الكنيسة وبحثت عن الأب صموئيل.

وكانا لا يزالان داخل السور فقال له: اجلس هنا على هذا الصخر ثم انظر إلى العلا ألا ترى قبة الجرس؟

– إن الضباب كثيف فلا أرى شيئًا.

– ولكن حدق النظر، فماذا ترى؟

– إني أرى نورًا يتصاعد إلى القبة.

– إذن، فاعلم أن الأب صموئيل مختبئ في تلك القبة وهذا النور الذي تراه مصباح الشيخ؛ لأنه صعد إليه بالرسالة فلننتظر هنيهة.

– لماذا؟

– سوف ترى.

وبعد حين وجيز جعل ذلك النور ينزل بعد صعوده، ولكنه كان يهبط بسرعة.

فتابع مرميس: إن هذا الشيخ المسكين يجري الآن بهمة الفتيان.

– وكيف ذلك؟

– إنه ينزل من السلم راكضًا.

– لماذا؟

– لرجائه أن يدركنا قبل أن نحتجب عن الأنظار وسوف ترى.

وكان مرميس مصيبًا في ظنه، فإن الشيخ لم يلبث أن فتح باب الكنيسة وخرج راكضًا إلى فنائها حيث كان ميلون ومرميس.

٢١

لم يكن مرميس مخطئًا حين أخبر ميلون أن هذا الشيخ قد صعد بمصباحه إلى قبة الجرس لمقابلة الأب صموئيل، فإن هذا الكاهن كان مختبئًا حقيقة في غرفة سرية كائنة في القبة لم يكن يعلم سرها غير بواب الكنيسة وكاهنها والأب صموئيل.

وقد أنشأ الإرلنديون هذه الغرفة الخفية منذ خمسين عامًا، وذلك أن أحد كهنتهم أهان أسقف كانتربوري، في ذلك العهد، وطعن بمذهب البروتستانت، فطاردته الحكومة.

وبقي مختبئًا في أحد بيوت الإرلنديين حتى بنوا له هذه الغرفة فاختبأ فيها حتى انقضت مشكلته.

ومنذ خمسين عامًا إلى عهد هذه الرواية، لم يدخل تلك الغرفة إلا الأب صموئيل.

وذلك أنه جاء ليلة إلى بواب كنيسة سانت جورج وقال له: يجب أن أختبئ.

فرد الشيخ: لماذا، ألعلهم يطاردونك؟

– نعم فقد بحثوا في أوراقي مدة غيابي فوجدوا بينها رسائل من الرجل العبوس الذي قبضوا عليه فأمروا بالقبض عليَّ.

وكان ذلك بمساعي الأسقف بترس توين، فإنه استصدر أمرًا من نظارة العدلية بالقبض على الأب صموئيل، ولكنه تمكن من الاختباء قبل أن يعثروا عليه.

ولقد طال اختباء الأب صموئيل، حتى إنه تعذر على زعماء الإرلنديين الاجتماع.

ولكن رسائل الكاهن كانت تصل إليه، وقد وصل إليه التلغراف الذي أرسله مرميس من العاصمة الفرنسية، بواسطة أحد عمال التلغراف الإرلنديين.

أما مبالغة البواب في الحذر من مرميس وميلون، فذلك لأن أفراد الشرطة السرية الإنكليزية كانوا يأتون كل يوم إلى الكنيسة بأزياء مختلفة ومطالب متنوعة فلم يفوزوا بحيلة من حيلهم.

غير أن الأب صموئيل تبين الصدق من لهجة الرجل العبوس فقال للشيخ: من جاء بهذه الرسالة؟

– رجلان.

– أين هما؟

– أطلقت سبيلهما.

– أمن عهد بعيد؟

– كلا، بل الآن وقد يكونان باقيين في الفناء.

– إذن أسرع إليهما وجئني بهما فإنهما من الأصدقاء.

فهرول الشيخ مسرعًا وهو ينزل درجات السلم ثلاثًا ثلاثًا حتى أدركهما فوضع يده على كتف مرميس واستوقفه.

فسأله مرميس: ما لي أراك تلهث من التعب؟

– لأني عدوت عدوًا بغية إدراكك.

– وأنا أبطأت في الخروج ليقيني أنك ستعود إليَّ.

– إذن اتبعاني إلى الكاهن؛ لأنه ينتظركما.

وبعد هنيهة كان مرميس وميلون في خلوة مع ذلك الكاهن الشاب، فقال له مرميس: إنك قد علمت دون شك، من الرسالة أني خارج من سجن نوايت.

– نعم، فهل لقيت الرجل العبوس؟

– بت معه ليلتين.

فوضع الأب صموئيل يده على جبينه وقال: إن من أعظم الشقاء أن يكون العبوس في سجن نوايت.

– ولكنه سوف يخرج منه.

فرفع الأب صموئيل عينيه إلى السماء قائلًا: وا أسفاه إنك لا تعرف الإرلنديين كما يظهر.

– ماذا تعني؟

– إن الرجل العبوس كان زعيمنا الأكبر بضعة شهور، فما تولى أمرًا من أمورنا إلا كان الفوز رائده.

على أن أولئك الإرلنديين على شدة تمسكهم بالدين المسيحي لا يزالون من أهل التفاؤل والتشاؤم، فقد كانوا يعتقدون أن للرجل العبوس قوة فوق قوة البشر، ولكنه سقط في الفخ الذي نُصب له فتغير اعتقاد الإرلنديين به ولم يعد بينهم من يعتقد به ذلك الاعتقاد السابق.

– ولكن ألم يحاول أحد إنقاذه؟

– كلا وا أسفاه.

فابتسم مرميس قائلًا: إن الرجل العبوس لم يُؤخذ اغتيالًا وإذا كان قد خدعه الإنكليزي فهو الذي أراد أن ينخدع.

– ماذا تقول؟

– أقول الحقيقة.

فتراجع الأب صموئيل لفرط ما أدهشه هذا النبأ.

وتابع مرميس قائلًا: إنه رضي أن يُؤسر للبلوغ إلى غاية لا ينالها إلا من هذا الباب.

– إني لا أفهم ما تقول يا سيدي.

– إنكم يا سيدي الكاهن تعرفون أعداءكم الألداء في لندرا، فهل لك أن تذكرهم لي؟

– إنا لنا ثلاثة أعداء أشداء لا نرهب سواهم.

– من هم؟

– إن أولهم الأسقف بترس توين زعيم المذهب الإنجليكاني.

– والثاني؟

– هو اللورد بالمير.

– والثالث؟

– المس ألن ابنة اللورد بالمير وهي ألد أعدائنا.

– إنك مخطئ يا سيدي الكاهن.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن المس ألن لم تعد من أعدائكم.

– ماذا تقول؟

– لا أقول غير الحق يا سيدي، فإن المس ألن أصبحت إرلندية مثلكم بفضل الرجل العبوس.

٢٢

وقد كان هذا الخبر شديد الوقع على الأب صموئيل، حتى إنه أوشك أن لا يصدقه لغرابته فقال لمرميس: ألعلك واثق يا سيدي أن الرجل العبوس لم ينخدع؟

– بماذا؟

– بالمس ألن؛ لأنها شديدة الخداع والرياء وقد يكون ما بدا منها مظاهرة ترمي بها إلى غرض من الأغراض.

– لقد كانت مرائية خداعة، كما تقول، إلى أن غلبها الرجل العبوس.

– ألعلها تهواه؟

– إنها أحبته، بل فُتنت به وتدلهت بهواه، منذ قبض عليه رجال الشرطة.

وكان مرميس قد علم من روكامبول، خلال إقامته معه في السجن جميع الحوادث التي جرت في لندرا منذ ستة أشهر.

فقص على الأب صموئيل كيف أن المس ألن كادت للرجل العبوس تلك المكيدة، وكيف أنه سقط في ذلك الفخ طائعًا مختارًا، فحمل الفتاة على التدله بحبه.

ثم ذكر له تفاصيل سفرها إلى العاصمة الفرنسية، وكيف أنه أنقذها من قبضة السير جمس إلى آخر ما عرفه القراء.

فلما أتم حديثه قال له الأب صموئيل: لقد وثقت الآن من أنها تهوى الرجل العبوس وأنها باتت إرلندية المشرب، ولكني أخشى أن لا يثق بانقلابها بقية الزعماء.

– وإذا جاءت بنفسها إليهم؟

– قد يكون في ذلك فائدة وسأدعو الزعماء للاجتماع الليلة.

– في أي مكان؟

– أتعرف لندرا؟

– حق العرفان.

– يوجد شارع يُدعى وينغ، وفيه زقاق يُدعى ولكوس.

– أعرفه.

– إذن لتحضر المس ألن قبل نصف الليل بقليل.

– أتحضر وحدها؟

– كلا فإن أهل الزقاق من الرعاع، وقد تعرض نفسها للإهانة إذا أتت وحدها فاصحبها وانتظر هناك.

– سأحضر وإياها في الموعد المعين.

ثم حدق الأب صموئيل هنيهة، وأضاف: أتعلم ما ساعد الإرلنديين على تغيير اعتقادهم بالرجل العبوس؟

– كلا.

– لأنه غير إرلندي وقد علموا أنه فرنسي.

فاستاء مرميس وقال له: إني أعلم كل ما فعله الرجل العبوس في سبيل خدمتكم بما كنتم تعدونه من الخوارق والمعجزات، ولكننا نحن أعوانه، رأيناه فعل ما يصح أن يُسمى بالعجائب، وهو لو شاء الخروج من سجن نوايت، لخرج من تلقاء نفسه، دون أن يحتاج إلى مساعد.

وبدرت حركة من الأب صموئيل تفيد أنه إذا كان كذلك، فلماذا يرجو مساعدتنا؟

فأدرك مرميس قصده ورد قائلًا: إن لكل نابغة يا سيدي هوس ولكل قوي شيء من الضعف.

أما الرجل العبوس فقد كان في بدء عهده من كبار المجرمين وهو من أصدق التائبين، وقد آلى على نفسه أن يكفر عن ذنوبه السابقة بنصرة كل مظلوم، وخدمة كل غرض نبيل.

وقد رآك في خمارة بين السكارى تشبه الملاك بين الأبالسة، فحن لقصدك، وبات إرلنديًّا مثلك، فإذا أنقذتموه أنتم أفادكم فوائد جمة لا تخطر لكم في بال.

– أتطلب لي أنا إنقاذه …؟ إني أحب هذا الرجل، كما أحب نفسي …!

– وإذا تخليتم عنه تخلى لنفسه السراح.

وكان ميلون يسمع الحديث فهاجه ما رآه من برود الأب صموئيل وقال: ونحن ماذا أتينا نعمل في لندرا؟

فتأوه الأب صموئيل وأجاب: إنه لو كان إرلنديًّا لأنقذوه ولو اضطروا إلى إحراق لندرا بجملتها، ولكن ما حيلتي بهؤلاء القوم وهم لا يخاطرون بأنفسهم إلا من أجل الإرلنديين.

فابتسم مرميس وقال: لقد صدق الرجل العبوس يا سيدي، حين شبهك بالملائكة، وهو لا يشك بإخلاصك، وإذا تخلى عنه الإرلنديون فلا تخف عليه فإننا نحن أعوانه نستطيع أن نفتح له أبواب السجن؛ لأننا لم نأت إلى لندرا إلا لهذا الغرض.

فأطرق الأب صموئيل مفكرًا ثم أجاب: سوف نجتمع في هذه الليلة وسنرى ما يكون.

وعند ذلك هم مرميس وميلون بالانصراف، فقال له الأب صموئيل: لقد نسيت أمرًا، وهو أنك لست من الإرلنديين، فلا تستطيع حضور اجتماعنا!

– إذن المس ألن تذهب وحدها؟

– كلا إنك توصلها إلى ولكوس وأنا أحضر وأذهب بها.

ثم خرج مرميس وميلون، فكان ميلون يتمتم كلمات لا تُفهم، ولكنها تدل على استيائه.

فسأله مرميس: ما أصابك؟ وما تقول؟

– إن الرئيس يضحي نفسه للأغراض النبيلة، ولكن هؤلاء الناس لا يدركون معنى هذه المقاصد ولا يقدرونها قدرها.

– لا تتسرع بأحكامك يا ميلون، فقد يفعلون ما يريد الرئيس.

– إن نيتهم ظاهرة من فتور هذا الأب.

– إذا كان ذلك تولينا نحن تخليصه.

– وكيف ذلك؟ أوضعت خطة لتخليصه؟

– دون شك وسنبدأ بتنفيذها الليلة.

– كيف يكون ذلك وأنت ستصحب المس ألن؟

– إني سأصحبها عند نصف الليل وسأبدأ العمل قبل هذا الميعاد، فهلم معي إننا سنتحدث على الطريق.

ثم خرج وإياه من فناء الكنيسة وسارا إلى جسر وستمنستر.

٢٣

وفيما هما على الطريق قال لميلون: لنتحدث الآن ولنراجع حسابنا فكم يبلغ عدد عصابتنا؟

– أين ذلك؟

– في لندرا.

– تريد نحن والذين أتينا بهم؟

– نعم …

– أربعة أنا وأنت وفاندا ومس ألن.

– لا تعد النساء فإنهن لا يدخلن في حسابنا.

– نحن الاثنان ومورت وجواني وبوليت والسير جمس.

– لا تحسب هذا.

– وإدوارد؟

– عده، فإننا سنكون ستة، ثم إن روكامبول أهداني إلى أربعة نستطيع الاعتماد عليهم حين الاقتضاء، وإذا اضطررنا أيضًا دعونا شوكنج من فرنسا.

فذهل ميلون وسأله: ولِمَ هذا الحساب؟

فابتسم وأجابه: إنك كثير التسرع في الميل إلى معرفة الأمور قبل أوانها.

– ولكني لم أفهم شيئًا.

– اقتصر الآن على العلم أنك ستغير مهنتك فقد كنت مقاولًا في فرنسا، أهذا صحيح؟

فحملق ميلون ورد: دون شك.

– لكنك ستغدو بائع حبوب.

فظهرت علائم الاستياء على ميلون وقال: أرى أنك تهزأ بي يا مرميس ولم أكن لأسمح به لغير روكامبول.

– اطمئن واعلم أني لا أهزأ بك.

– ولكني لم أعلم الآن أي اتصال بين بيع الحبوب والمهمة التي أتينا من أجلها.

– سوف تعلم.

– متى؟

– بعد ساعة.

وكان الاثنان قد وصلا إلى خمارة، فدخلا إليها وطلب ميلون كأسي شراب.

وأخذ مرميس جريدة التايمز من جيبه، وقلب صفحاتها حتى بلغ إلى الصفحة الرابعة، فوضع إصبعه فوق إعلان ودفع الجريدة إلى ميلون قائلًا له: اقرأ.

وكان الإعلان يتضمن أنه يوجد محل تجاه سجن نوايت، لبيع الحبوب وسواها، وأن هذا المحل كثير الزبائن بعيد الشهرة، وأن صاحبه يريد أن يبيعه ويتنحى عن الأعمال.

فلما قرأه ميلون سأله: ما تعني باطلاعي على الإعلان؟

– لقت قلت لك إنك كثير التسرع، تريد معرفة كل شيء قبل أوانه، فاكتف الآن بأن تعلم أن لنا فوائد جمة من محل تجاه سجن روكامبول.

– هذا أكيد.

– وإننا إذا لم نستفد من ذلك، سوى التعارف مع عمال السجن لكفى.

فكف ميلون عن الأسئلة وشربا كأسيهما، ثم برحا الخمارة ذاهبين إلى جهة ترافلغار.

ثم سارا منها إلى سجن نوايت إلى ذلك المخزن الذي قرأ ميلون الإعلان عنه في جريدة التايمز.

فوقفا بعيدين عنه ودله مرميس عليه قائلًا: يجب أن نشتري المخزن والبيت الذي فوقه.

ونظر ميلون إلى البيت، نظرة احتقار قائلًا: إن هذا بيت قديم، لا يصلح لشيء.

– سوف ترى ما يكون من فائدته وأنه لا يبدل بثمن، ولا بد لنا من شرائه لا سيما وأن ذلك أمر روكامبول.

– إذن ليكن ما يريد فلندخل إليه.

ثم دخل الاثنان إلى المخزن، ووجدا صاحبه جالسًا حول مائدة مكبًّا على دفاتره.

وحياه مرميس قائلًا له: ألست يا سيدي، صاحب الإعلان في جريدة التايمز؟

فلما رأى أنهما قادمان لشراء مخزنه، أحسن استقبالهما، وقال لهما: نعم أنا هو.

ثم أخذ يصف لهما ما بلغه محله من الشهرة إلى أن فرغ من أوصافه، فسأله مرميس: كم ثمن مخزنك هذا؟

– ثلاثة آلاف جنيه يا سيدي، وهو ثمن زهيد بالقياس إلى شهرته، لكني مضطر إلى اعتزال الأعمال فلا أجد بدًّا من هذا التساهل.

وبعد المساومة اتفقا على شرائه بألفي جنيه، فأخرج مرميس من جيبه أوراقًا مالية وبسطها على الطاولة قائلًا: إني أدفع لك هذا السعر، ولكني أقيدك بشرط.

فبرقت أسرة البائع حين رأى تلك الأوراق وقال: قل يا سيدي ما هو شرطك؟

فأجاب مرميس: إني سأبرح إنكلترا غدًا يا سيدي، وإن رفيقي الذي تراه معي من أهلي، وأحب أن أراه متوليًّا أعماله قبل سفري، وإنما دفعت لك ألفي جنيه بشرط أن تبرح هذا البيت مع زوجتك في الحال.

– إني غير متزوج.

– إذن تتركه مع عمالك.

– ليس لي أيضًا عمال.

فابتسم مرميس قائلًا: إن هذا خير دليل على رواج أعمالك، وكثرة زبائنك.

– ما ربح هذا المحل يا سيدي من رواج بضائعه، بل من نوافذه المشرفة على السجن، فإنهم كلما شنقوا مجرمًا فيه اؤجرت النافذة الواحدة بعشرة جنيهات.

– رضيت شرط أن تبرح محلك على أثر عقد البيع.

– رضيت.

فذهبوا عند ذلك عند أحد المحامين، فكتب لهم عقدًا ودفع مرميس الثمن، فانصرف البائع لفوره، وذهب مرميس وميلون إلى المحل فكتبا على بابه هذه الجملة: «تغير صاحب هذا المحل وهو مقفل مؤقتًا إلى أن يتم إصلاحه.»

وبعد أن ألصق هذا الإعلان على باب المحل قال لميلون: هلم بنا الآن إلى مس ألن.

– وبعدها؟

– نذهب إلى الشارع الذي يقيم فيه باعة الكتب.

فضحك ميلون وقال: إني لا أفهم شيئًا مما تقول، إلا إذا كنت من الأنبياء.

وبعد هنيهة دخل مرميس إلى غرفة المس ألن فقال لها: سيجتمع زعماء الإرلنديين الليلة في ولكوس وهم ينتظرونك.

– سأذهب ولا بد أن يتعهدوا لي بتخليص الرجل العبوس.

ثم قص عليها حديثه مع الأب صموئيل فقالت: لا شك أنهم حمقى؛ لأنهم يريدون أن يكون النصر حليف الرجل في كل أعماله أو يعدونه من الخاملين.

– إننا نمتثل لما أمرنا به الرجل العبوس؛ لأنه يريد أن نمتحن هؤلاء الإرلنديين على أنهم إذا أبوا تخليصه خلصناه نحن غير مكترثين بهم.

– دون شك فإني إذا رأيت أبي …

فقاطعها قائلًا: أترين أباك؟

– نعم إني أصنع بأبي ما أريد حين أريد.

– إذن إلى اللقاء، فسأحضر في الساعة الحادية عشرة لإيصالك إلى مكان الاجتماع.

•••

ثم تركها وذهب مع ميلون إلى باعة الكتب، فذهب إلى بائع بينهم يدعى سيمونز، وهو كتبي شهير لديه كثير من الخرائط والكتب التاريخية القديمة، وقال له: إني محتاج يا سيدي، إلى خريطة لندرا في القرن السادس عشر.

فأجابه الكتبي: إن هذه الخريطة التي تطلبها يا سيدي، لا يوجد منها سوى نسختين إحداهما في مكتبة المتحف والثانية في مكتبتي.

– ألا تريد أن تبيعني إياها؟

– لقد دفعوا لي مائة جنيه فأبيت.

وأخذ محفظة الأوراق المالية من جيبه قائلًا: وإذا دفعت لك مائة وخمسين؟

– أبيعها.

– إذن هاتها.

ففتح الكتبي خزانة وأخرج منها تلك الخريطة، وهي مقسمة إلى أقسام كثيرة، وملصقة على قماش بشكل كتاب فدفعها إليه قائلًا: إن هذه الخريطة يا سيدي من أغلى الآثار التاريخية، فإنها قد وُضعت بأمر شارل الثاني.

– إني أعرف ذلك.

– وقد أمر بوضعها على أثر تلك المؤامرة الهائلة التي كان المراد منها نسف لندرا بجملتها بواسطة ألوف من براميل البارود.

– إني أعرف سر تلك المؤامرة أيضًا، وإني آخذ بإنشاء كتاب ولذلك أحببت شراء الخريطة للاستعانة بها على وضع الكتاب.

– إذن افتحها يا سيدي لأطلعك على بعض مصطلحاتها.

فامتثل وتابع الكتبي: انظر يا سيدي إلى الخطوط الحمراء إنها تشير إلى الدهاليز التي في ذلك العهد.

– ولكنهم قد هدموها بعدها كما أظن.

– هو ذاك غير أني واثق أنه لا يزال كثير منها باقيًا إلى الآن كما كان في عهد المؤامرة.

– أين هي؟

– في ضواحي سجن نوايت على الأخص.

ثم وضع إصبعه على إحدى الشوارع المرسومة في الخريطة وأضاف: انظر يا سيدي إلى هذا الشارع فإنه فيه منزلًا تجاه سجن نوايت، يمتد تاريخ بنائه من القرن الرابع عشر.

– لقد بات أثرًا تاريخيًّا ولا بد لي أن أراه.

– إني على اليقين أنك ستجد في أقبية البيت أثر الدهاليز المرسومة في هذه الخريطة.

فأجابه بلهجة تدل على عدم الاكتراث: إن ذلك قد يكون، وسوف نرى.

ثم دفع ثمن الخريطة كما اتفقا وخرج من عنده مع ميلون، فنظر ميلون إلى مرميس نظرة إعجاب قائلًا: بدأت أفهم الآن.

فابتسم قائلًا: الحمد لله.

٢٤

وعند ذلك عاد مرميس وميلون إلى المحل الذي اشترياه فدخلا إليه وجعل مرميس ينظر إلى بضائعه ويقول: لا شك أن ذلك البائع كان جل اعتماده على تأجير النوافذ كما تدل بضائعه.

– هو ما تقول، إن كل بضائعه لا تُباع بدينار.

– ولكننا سنشتري له خير البضائع فتعين فيه امرأة حسناء للصندوق.

– ماذا تقول؟

– وتعين أيضًا عاملين للبيع وكاتبًا للدفاتر والمراسلات.

– إذن تريد حقيقة أن أكون من التجار؟

– إني لم أقل غير ذلك.

– ولكن لماذا؟

– لأننا في حاجة إلى جمع العصابة كلها في محل واحد دون أن نستلفت إلينا الأنظار فإن مورت وجواني يكونان العاملين للبيع وبوليت لمسك الدفاتر وامرأته بولينا للصندوق.

– لقد حسبت أني فهمت في البدء.

– وأنت ألم تفهم؟

– وكيف تريد أن أحل هذه الألغاز؟

– إذن فاسمع أن الكتبي قال لنا: إن هذا المنزل لا بد أن توجد في أقبيته الدهاليز التي حُفرت أيام المؤامرة.

– نعم.

– أما هذه الدهاليز قد تكون متصلة بسجن نوايت، ولكنهم قد يكونون هدموا مداخلها فلا بد لنا إذن من الاستعانة بهذه الخريطة لإيجاد مداخل تلك الدهاليز، فإذا وجدناها فلا بد من استعمال الرجال والآلات لتطهيرها وفتح منافذها، فهل يجمل بنا استئجار العمال من لندرا لهذا الغرض السري الخطير فإنهم لا يخرجون في المساء حتى يذيعوا أمرنا فيعلمه جميع الناس؛ ولذلك وجب أن يكون عمالنا منا.

– أصبت، وأرجو أن تعذرني فقد كان يجب أن أدرك القصد قبل أن تُصرح به، ولكني بطيء الفهم كما تعلم.

– أما عمالنا أي رجال عصابتنا وهم أنت وبوليت ومورت وجواني فسيكونون عمالًا في المحل نهارًا وعمال حفر وتنقيب في الليل.

– اسمح لي أن أسألك سؤالًا آخر وهو أنه لو عثرنا بهذه الدهاليز أتظن أنه يوجد بينها دهليز يتصل بسجن نوايت؟

فتح مرميس الخريطة وأرى ميلون الخطوط الحمراء فيها التي تعين مواضع الدهاليز فدله على خط أحمر على الجهة اليمنى من المنزل إلى ناحية السجن.

– حسنًا، ولكن لا يظهر في هذا الرسم إلى أين ينتهي الدهليز، ولا مقدار عمقه.

– ولكننا سنعلم.

– متى؟

– بعد يومين.

– كيف ذلك؟

فضاق صدر مرميس لكثرة أسئلته وقال له: صبرًا أيها الصديق فستعلم كل شيء في وقته ليس لنا الآن متسع من الوقت لهذه الأبحاث.

فأطرق ميلون برأسه ولم يجب، أما مرميس فإنه نظر في ساعته وقال: إن الساعة الثامنة الآن ويجب أن أذهب إلى مس ألن بعد ثلاث ساعات، فهلم بنا الآن نتعشى ثم نذهب للبحث عن رجال العصابة فأين تركتهم؟

– تركت مورت وجواني في يوكدنج حيث يقيم تجار الخيل الفرنسيين.

– وبوليت؟

– إنه يقيم مع امرأته في فندق سابونيير.

– إذن هلم بنا إلى هذا الفندق، فإني محتاج إلى بوليت وزوجته قبل الآخرين.

•••

بينما كان ميلون ومرميس يتعشيان كانت فاندا عند مس ألن.

وكانت مس ألن تتأهب لحضور اجتماع زعماء الإرلنديين فنظرت إلى فاندا وقالت لها وهي تبتسم: رباه ما أشد الإنسان تعرضًا للتغيير فإن اسم الإرلنديين كان يثير العواصف في قلبي منذ شهرين، وكنت أرى أنه يتحتم على إنكلترا إبادتهم من الوجود؛ لأنهم كانوا يشبهون عندي الحشرات السامة.

فابتسمت فاندا وقالت لها: والآن؟

– أما الآن فإن الإرلنديين إخواني.

– إن ذلك لا يُستغرب فقد قيل لي إنك إرلندية الأصل.

– هو ذلك، ولكن أبي بات إنكليزيًّا وجعلته الحكومة لوردًا استرضاء له فصارت إنكلترا موطنًا لنا.

– وكل هذا الانقلاب أحدثه الرجل العبوس؟

فأجابتها بإعجاب: إنك تعرفينه حق العرفان فلا تجهلين نظراته التي تخترق القلوب.

فتنهدت فاندا وقالت: نعم أعلم.

– إننا حين ننقذه ويغدو حرًّا أكون عبدة له وأمشي وإياه جنبًا إلى جنب في السبيل الذي ننهجه وهو حرية إرلندا.

وقالت فاندا لنفسها: رباه قد بلغ حبه من قلبها، ثم انحدرت دمعة من عينيها فمسحتها وعندها طرق الباب ودخل مرميس وقال لمس ألن: ألعلك يا سيدتي متأهبة للرحيل؟

– نعم.

وكانت قد لبست الثوب الخاص بنساء تلك الجمعية التي تقدم لنا وصفها.

٢٥

انتصف الليل وظهر شارع وينغ بمظهره الحقيقي الذي طالما وصفناه فيما تقدم من أجزاء هذه الرواية؛ لأن هذا الشارع لا يمر به إلى الساعة الثامنة غير أولئك العمال النشطاء الذين يعودون من أعمالهم إلى منازلهم ليناموا، ثم يستفيقون في الساعة الرابعة من الصباح للعودة إلى العمل.

وفي ذاك الحين تقفل أبواب المخازن وينقطع لعب الأولاد في الطرقات والمستنقعات وتسود السكينة في الشارع الرهيب وأزقته الكثيرة.

حتى إذا أوشك الليل أن ينتصف بدأت المخازن الليلة بفتح أبوابها وكثر تردد الناس وازدحامهم، وغصت بهم الحانات، وامتلأت الشوارع باللصوص والبحارة والسكارى فإذا بلغت الخمرة مبلغها من الرءوس لا تجد غير المعربد أو اللص المحتال، ثم تضيق بأصحابها فيتركون المناضد إلى الأزقة بحيث يغدو الشارع بجملته حانة واحدة.

كل هذا والشرطي واقف ينظر إليهم غير مكترث لهم؛ لأن الشريعة الإنكليزية تقضي باحترام حرية الأفراد على أن لا يمسوا حرية سواهم ولذلك يتعذر على المرأة الشريفة أن لا تمر بمثل هذه الشوارع.

غير أن مس ألن كانت مرتدية بثوب السجون وهو ثوب يحترمه كل إنسان في لندرا، حتى اللصوص، بل إن اللصوص وأهل الجرائم يبالغون باحترام هذا الثوب؛ لأن كلًّا منهم يعلم أنه قد يحتاج يومًا إلى تعزية هؤلاء النساء النبيلات في آخر ساعات حياتهم؛ إذ لا بد أن تبلغ بهم الجرائم إلى مواقف الإعدام.

ولما انتصف الليل ومرت مس ألن بثوبها بين أولئك الرعاع فعل ثوبها بهم فعل السحر فإنهم انقطعوا حين بدت لهم عن الغناء والعربدة ووقفوا جميعهم بملء الاحترام.

وكان مرميس يسير معها بين أولئك الجماهير وقد اتشح برداء كبير ستر معظم وجهه فما زال سائرًا بها حتى وصل إلى المكان المعين، فجلس معها على مقعد لينتظر قدوم الأب صموئيل.

ولم يطل انتظاره فإنه رأى الأب قادمًا فأسرع لاستقباله وقال: هذه هي مس ألن يا سيدي بانتظارك؟

– إن الوقت متسع لدينا فلننتظر.

– ولكن الليل قد انتصف.

– هو ذاك غير أن النور لم يتقد بعد.

– ما هو هذا النور؟

وأشار بيده إلى منزل في زاوية الشارع وقال: سيبدو لكم قريبًا نور فوق سطح هذا المنزل.

– ألعل هذا النور إشارة؟

– نعم …

– ولكننا لا ننتظر طويلًا فهذا النور قد ظهر.

والتفت الأب صموئيل ورأى النور قد سطع هنيهة ثم انطفأ فقال لمس ألن: إذن هلمي بنا فقد آن الآوان.

ثم التفت إلى مرميس وقال: وأنت أين نجدك؟

– هنا.

– ولكن غيابنا قد يطول.

– لا بأس فإن لدي من التبغ ما يخفف عليَّ عناء الانتظار، وفوق ذلك فإن الرجل العبوس قد عهد إليَّ بمهمة؛ وهي أن أقابل رجلًا بحارًا يُدعى وليم وفتاة تُدعى بيتزي.

– أما أنا فإني أعود مع مس ألن بعد ساعة.

ثم تركه وسار معها قائلًا لها: إن ملابسك هذه خير واق فإني قد أفرغت الجهد في الحيلة حتى بلغت إلى هذا المكان دون أن يقبضوا عليَّ، أما الآن فإني لا أخشى خطرًا ما زلت معي، وأي شرطي يجسر أن يقبض على رجل يصحب فتاة من أخوات السجون.

فتأبطت الفتاة ذراعه وسارت وإياه.

٢٦

بينما كانت مس ألن تسير متكئة على ذراع الأب صموئيل كان مرميس يبحث عن وليم كما أمره الرجل العبوس.

وكان روكامبول أخبره عن الحانات التي يتردد إليها هذا الرجل، وهو ذاك البحار القوي الذي اختصم مرة مع روكامبول حين كان يطارد الإرلندية والدة رالف وصرعه روكامبول مرات كما يذكر قراء ابن إرلندا، وبات هذا الرجل الذي لم يغلبه أحد قبل روكامبول عبدًا له، وجعله من أعوانه، وكان يعتمد عليه في بعض المهام لما رآه من إخلاصه.

ولم يكن مرميس يعرفه، ولكنه دخل إلى إحدى الحانات التي يكثر تردده إليها وهو يرجو أن يعرفه من أوصافه أو يسأل عنه؛ لأنه كان مشهورًا في تلك الناحية.

ولما دخل إلى الحانة أسرعت إليه فتاة إرلندية وسألته أن يسقيها كأسًا من الشراب، فأجابها مرميس إلى ما سألته، وجلس معها حول مائدة وجعل يحادثها أحاديث مختلفة إلى أن ورد ذكر البحارة فقال لها: أتعرفين بحارًا يُدعى وليم ويقيم في وينغ؟

– أجارك الله يا سيدي أتريد أن تخاصمه؟

– كلا، ولكني أحب أن أراه.

– ومن لا يعرف هذا الرجل، فهو عشيق بيتزي، وما هو بحار إلا بالاسم فإنه لا يشتغل منذ ثلاثة أعوام وعشيقته تُنفق عليه.

– ولكن كيف خطر لك أني أريد مخاصمته؟

– هو أنكم معشر الفرنسيين لا تهابون أحدًا؛ لأن وليم لا يجسر أحد على معارضته فيما يريد لما بلغ إليه من قوة الساعد، فهو السيد المطلق في هذه الأحياء، غير أنه اتفق مرة أن وليم كان يحاول الاستبداد بامرأة إرلندية، وقد أكرهها على الدخول إلى هذه الحانة وهي تستغيث، ولا يجسر أحد على أن يغيثها، وكان في الخمارة رجل فرنسي يشبهك بقوامه وبعض ملامحه، غير أن له نظرات تنفذ إلى القلوب، وعينين براقتين لم أر مثلهما في وجه إنسان، ولما رأى هذا الرجل استبداد وليم بالمرأة وتبين في وجه تلك المرأة ملامح الصلاح؛ حمل على وليم حملة منكرة وقذفه قذف النواة، فأكبر الناس هذه الجرأة وعجبوا لهذه القوة النادرة.

أما وليم فإنه نهض عن الأرض وهي يرغي كالجمال وهجم على الرجل الفرنسي هجوم الكواسر، فحمله الفرنسي مرة ثانية وقذف به كما فعل في المرة الأولى، ثم أعاد الكرة مرة ثالثة فلم يكن نصيب وليم غير الخذلان، وعند ذلك أقر لخصمه بالقوة وتخلى عن تلك المرأة ولم يحقد على خصمه، بل أصبح من أخلص أصدقائه.

– إن ذلك يدل على أدب نفسه وعرفانه قدر الرجال، ولكن هذا الرجل الفرنسي ألم تعرفي اسمه؟

– إن اسمه لم يعرفه أحد، ولكنه يلقب بالرجل العبوس.

فتظاهر مرميس أنه لا يعرفه، وعند ذلك دخل إلى الحانة رجل هائل الخلقة طويل القامة، ضخم الجثة عريض المنكبين، له رقبة كرقبة الثور وشفة أدلاها الإدمان على السكر فباتت كشفة البعير، فقالت الإرلندية لمرميس: هو ذا وليم الذي تسأل عنه فإذا كنت تريد محادثته فهذه أفضل فرصة؛ لأنه لم يسكر بعد.

فشكرها مرميس ودفع لها شلنين ثم قام إلى حيث وقف وليم فدنا منه وقال له: ألست الذي يدعونه وليم البحار؟

فنظر إليه وليم نظرة احتقار وقال: نعم وأنت ماذا تُدعى؟

– إنك لا تعرفني ولكني أتيت لأكلمك من قبل رجل تعرفه.

– ومن هو هذا الرجل؟

فاقترب منه وهمس في أذنه قائلًا: إنه يُدعى الرجل العبوس.

وظهرت على وليم علائم الدهشة فقال مرميس: هلم نتحدث خارج الخمارة.

ثم خرج به إلى الشارع فسأله وليم: إذن أنت قادم من قبل الرجل العبوس!

– نعم كما قلت لك.

– إني لم أرَ أشد من هذا الرجل فإني لم يصرعني أحد سواه في حياتي.

– ألم تحقد عليه بعد هذا الفوز؟

– بل قدرته قدره وبت له خير صديق، فإني أبذل حياتي في سبيله إذا احتاج إليَّ.

– إنه محتاج إليك الآن يا وليم ولذا أرسلني إليك.

– إذن قل ما يُريد، ألعله استاء من عدو فأنتقم له منه بالموت؟

– كلا.

– إذن ماذا يريد؟

– إن الرجل العبوس في سجن نوايت.

– بالله، ماذا تقول؟

– هو ما قلت لك، وأنا أرجوك أن تفعل كل ما جاز لك فعله فإني لا أكلمك.

– ولكن قل ماذا تُريد أن أصنع؟

– أريد أن تشرب معي غدًا كأسًا فأخبرك بما يجب أن تفعل.

– وأين أوافيك؟

– في أولد باي تجاه نوايت عند بائع الحبوب.

– لقد عرفت المكان.

– أتوافينني؟!

– سأوافيك.

فنظر مرميس في ساعته ورأى أن الوقت قد أزف لرجوع مس ألن فاعتذر من وليم وانصرف عائدًا إلى المكان الذي ذهبت منه مع الأب صموئيل.

٢٧

أما مس ألن والكاهن فإنهما تركا مرميس وذهبا إلى ذلك المنزل الذي ظهرت منه إشارة النور الأخضر؛ وهو منزل مرتفع يتألف من أربعة أدوار تدل ظواهره على فقر سكانه.

ودخل الكاهن من بابه إلى رواق مظلم وتبعته مس ألن غير هيابة يدفعها الأمل بإنقاذ الرجل العبوس، فلا تبالي بخطر، فالتفت إليها الكاهن وقال لها: اتبعيني يا ابنتي دون خوف.

وهي تقول: إني لا أخاف شيئًا.

وقد انتهيا من فوق الرواق إلى باب فطرقه الأب صموئيل بشكل اصطلاحي، ففُتح وظهر منه نور ضعيف، رأت به ألن أنها في قصر فيه سلم يتألف من بضع درجات، وكان المصباح معلقًا في السقف.

فنزل صموئيل وتبعته مس ألن، فعدت سبع عشرة درجة وانتهيا بعد ذاك إلى رواق آخر، كان فيه نور وفي آخره باب، وسمعا أصواتًا بشرية من وراء الباب.

ولما سمع الأب الأصوات قال للفتاة: إن الزعماء مجتمعون وهم لا يتوقعون قدومك، يجب أن تبقي في الرواق إلى أن أدعوك.

ثم تركها في الرواق وطرق الباب فقال له صوت من الداخل: من أنت، وماذا تُريد في هذه الساعة؟

– إني أخوكم.

ففتح الباب عن قاعة تحت الأرض في وسطها منضدة طويلة جلس حولها عشرة رجال هم زعماء الإرلنديين.

ولما رأوا الأب صموئيل وقفوا إجلالًا له، وقال أحدهم: إنك دعوتنا إلى الحضور وقد لبينا الدعوة.

فقال لهم: إني دعوتكم لأكلمكم عن إرلندا العزيزة وعن الذين خدموها بإخلاص.

ثم أشار إليهم فجلسوا في مواضعهم وبقي وحده واقفًا.

– إني أريد أن أكلمكم أيها الإخوان عن رجل خاطر بحياته في سبيل إرلندا …

فأجابه معظمهم: ومَن منا لم يخاطر بحياته في هذا السبيل؟

– هو ذاك، ولكنكم إرلنديون.

– والذي تعنيه؟

– إنه من الفرنسيين.

فقطب الجميع حواجبهم وقال أحدهم: ألعلك تُريد أن تحدثنا أيضًا بشأن الرجل العبوس.

– نعم أيها الإخوان.

– وماذا تُريد أن نصنع له وهو ليس إرلنديًّا؟

– ولكنه خدم إرلندا خدمات جليلة لم يقدم على بعضها سواه من الإرلنديين.

– ولكنه ماذا فعل؟

– إنه أنقذ جوهان كولدن.

– وبعد ذاك؟

– أنقذ أيضًا ذاك الذي نعده زعيمنا العام في مستقبل الأيام.

– ولكنه خدع بمكيدة لا يخدع بها العقلاء من أهل الحذر.

– إنكم مخطئون.

– كيف ذلك؟ أما هو الآن في سجن نوايت بسبب هذه المكيدة؟

– هو ذاك، ولكنه لم يقع في الفخ إلا طائعًا مختارًا، وإنما رضي أن يُسجن ويُعرض نفسه للإعدام خدمة لإرلندا واستجلابًا لأشد أعدائها.

وقد خاض الأب صموئيل في وصف إخلاص الرجل العبوس بلهجة كان لها تأثير شديد على الحاضرين إلى أن قال: وإنكم جميعًا تعلمون نسب هذا الغلام الذي سيتولى قيادتنا حين يبلغ سن الرشد.

فقال أحد الزعماء: نعم فهو ابن أخي اللورد بالمير عدونا اللدود.

فأجابه ببرود: إني كنت أنتظر منكم هذا الإقرار فإن مس ألن لم تعد عدوة لإرلندا كما تتوهمون.

فدهش الجميع وقالوا: كيف ذلك؟

– لأن الفتاة أصبحت أشد إخلاصًا لإرلندا منا لها.

– هذا محال.

– بل هي الحقيقة، فإنكم تعرفونني منذ عهد بعيد، وليس بينكم من يجسر على القول أني من أهل الكذب.

فصاحوا جميعهم بصوت واحد: معاذ الله أن نتهمك.

– إذن أقسم لكم بإرلندا وهي أمنا العزيزة أن مس ألن من أنصارنا.

ثم مشى إلى الباب ففتحه ونادى مس ألن فقال لها: أرجوك يا سيدتي أن تثبتي لإخواني ما قلت لهم عنك.

فدخلت مس ألن ورفعت البرقع الكثيف عن وجهها فدهش الجميع لمرآها، وقال لها الأب صموئيل: أرجوك أيضًا يا سيدتي أن تقولي لهؤلاء الإخوان إني لم أقل غير الحق.

وكانت مس ألن قد اصفر وجهها قليلًا لهذا الموقف، ولكن نور العزيمة الثابتة كان يتقد في عينيها.

فقالت: إني كنت أيها الرفاق ألد عدوة لكم، وكنت أشد أعدائكم أيضًا، غير أن رجلًا نزع هذا العداء من قلبي وأحل محله الإخلاص لكم، ولم يتيسر له نيل هذه البغية إلا بعد أن خاطر بحياته، وإليكم حكايتي معه.

ثم قصت عليهم جميع ما حدث لها مع الرجل العبوس بلهجة دلت على إخلاصها وصدق وفائها.

وختمت حديثها بقولها: إني ألتمس منكم إنقاذ هذا الرجل فهو أصدق وفي لإرلندا، وإذا كان معنا بلغنا منه ما نريد.

وكان لكلام الفتاة تأثير شديد على الزعماء، لا سيما وقد وثقوا كل الوثوق أنها منهم وأنها لا تخلص لهم، إلا إذا أنقذوا من تحب، فقدم أحدهم وقال: إني بالأصالة عن نفسي والنيابة عن إخواني أقسم لك يا مس ألن بأمنا إرلندا سننقذ الرجل العبوس.

فأعاد جميع الحاضرين قسمه، فشكرتهم مس ألن وقالت لهم: إني واثقة بكم.

ثم ذهبت إلى الكاهن فركعت أمامه وقالت: أرجوك يا أبتاه باسم إرلندا أن تغفر لي.

فأنهضها وقال لها: إني أغفر لك يا ابنتي عن إساءتك إلينا باسم الوطن، وباسم أبنائه.

٢٨

في صباح اليوم التالي فتح ميلون ذلك المخزن الذي اشتراه مرميس وقد رتبه أجمل ترتيب واجتمع فيه أهل العصابة، فكان كل منهم يشتغل بالمهمة التي انتدب لها.

أما ميلون فقد كان واقفًا عند باب المخزن ينظر إلى جهة كنت ستريت كأنه ينتظر قدوم زائر.

ولم يطل انتظاره فإن مركبة وقفت عند باب المخزن فتهلل وجه ميلون؛ لأن هذا القادم كان مرميس.

وكان مرميس قد تردى بثياب الإنكليز، وتخلق بأخلاقهم وقلد جميع حركاتهم، بحيث لم يعد يختلف بشيء عنهم، فدفع أجرة المركبة وأطلق سراحها، ثم دخل إلى المخزن فتبعه ميلون وقال له: لقد طال غيابك حتى كاد يفرغ صبري.

– ألعلك انتظرتني كل الليل؟

– دون شك.

– ولكن ذلك لم يمنعك عن العمل كما أرى.

– نعم، ولكني قلقت عليك.

– لماذا القلق؟

– لأني لم أعلم ما جرى لك هناك.

– سأقول لك ما جرى بجملة واحدة وهي أنهم وعدوا أن ينقذوه وقد واعدت أحد زعمائهم على اللقاء هنا.

– متى؟

– في هذا الصباح.

ولم يكد مرميس يتم حديثه حتى دخل إلى المخزن رجل عليه علائم الفقر فتظاهر أنه يريد شراء حاجة له.

وأجال نظره في الحاضرين، فلما رأى مرميس ارتعش وخطا خطوة إليه وقال: مس ألن.

فأجابه مرميس: الرجل العبوس.

– إذن أنا هو الرجل الذي تنتظره.

ثم مشى إلى آخر المخزن فتبعه مرميس وجلسا في زاوية، فقال له الإرلندي: لقد أرسلني إليك زعماء الإرلنديين، فإنه بعد أن فارقتنا مس ألن عقدنا جلسة خاصة قررنا فيها إنقاذ الرجل العبوس.

قال مرميس: كيف عولتم على إنقاذه؟

– ذلك ما لا نستطيع قوله الآن.

– لماذا؟

– لسببين، أما الأول فهو أننا لم نضع خطة إنقاذه بعد، والثاني هو أنك وعصابتك لستم من الإرلنديين.

– وما يضركم إذا لم نكن منكم؟

– قد لا يكون في هذا ضرر غير أن نظام جمعيتنا علينا بأن لا نشرك بأعمالنا من لم يكن من أعضائها.

قال مرميس: لكن الرجل العبوس قد شارككم بأعمالكم، وهو فرنسي مثلنا.

– ولكنه عضو عامل في جمعيتنا واقف على معظم أسرارها.

– ونحن أصحابه ورجاله.

فأجابه الإرلندي ببرود: إننا سنرده إليكم، وماذا تريدون أكثر من هذا؟

وعندها قام من مكانه فودع مرميس وانصرف دون أن يخبره عن طريقة إنقاذ روكامبول.

فلما انصرف قال ميلون لمرميس: ما قال لك هذا الرجل؟

– إنهم يريدون تخليص الرئيس دون مساعدتنا.

فاستاء ميلون وقال: كلا إن هذا لا يكون، فإننا ما جئنا إلى هذه الديار للنزهة.

– دون شك فسنشتغل حسب خطتنا وليعملوا حسب خطتهم، ولكن يجب الإسراع.

فضم ميلون قبضتيه وقال: قبح الله هؤلاء الإرلنديون فإني بت من أشد الناس كرهًا لهم، ولولاهم لما كان روكامبول في السجن.

– وأنا أيضًا أكرههم كرهك؛ فإنهم لا يريدون إنقاذه اعترافًا بجميله عليهم، بل طمعًا بمساعدة مس ألن لهم فيما يريدون.

– وإني لو ملكت عمري لبذلت نصفه على أن ننقذ الرئيس قبلهم.

– إذن هلموا إلى العمل ولا تبذل شيئًا من عمرك.

– كيف هذا، أنشتغل نحن في رابعة النهار؟

– نعم، وسنبدأ بتفقد أقبية المنزل والبحث عن مداخل الدهليز.

– إذن هلم بنا.

فأخذ مرميس تلك الخريطة التي اشتراها من بائع الكتب وبعض أدوات النور، ثم فتح الباب المؤدي إلى الأقبية ودخل منه فتبعه ميلون.

٢٩

كان مرميس قد أخبر ميلون بما يجب أن يفعله طيلة غيابه، فاشترى جميع آلات الحفر والتنقيب والكسر، وكل ما يستعمله البناءون في الردم.

وقد وجد جميع هذه الآلات عند باب القبو.

أما هذا القبو فقد كان كسائر أقبية المنازل، وأن صاحب ذلك البيت القديم أقام فيه خمسة عشر عامًا، دون أن يخطر له أن هذا القبو يُؤدي إلى دهليز، حُفرت فيه إبان المؤامرة، في القرن السادس عشر.

فوضع مرميس مصباحه فوق أحد البراميل الفارغة التي كانت في القبو، وفتح الخريطة التي بحوزته وبدأ بالبحث عن رسم البيت المذكور في الخريطة.

فوجده ووجد معه تلك الخطوط الحمراء المشيرة إلى مكان الدهليز، ثم أخذ مصباحه وجعل يتفقد المكان.

ولم يكن لهذا القبو غير باب واحد، وهو الباب الذي دخل منه ميلون ومرميس.

وكان ميلون يطوف وإياه فقال: إني لم أر أثر الدهليز.

فأجابه: ذلك لأنهم قد سدوا بابه بالبناء، فأمسك هذا المصباح ودعني أبحث.

فحمل ميلون المصباح وأخذ مرميس المطرقة وجعل يطرق بها في كل موضع من الجدران ويصغي إلى الصوت، كما يطرق الطبيب صدر المريض حين يفحصه.

وما زال يفحص هذا الفحص حتى سمع صوتًا يشبه صوت الطرق على معدن فاختلج وأمر ميلون أن يدني المصباح.

ورأى عند مصدر ذلك الصوت مسمارًا مغروسًا في الجدار، فأخذ المطرقة وطرق المسمار فغار في الجدار وسقطت على أثرها قطعة من حجر انكشفت عن ثقب في الجدار تمد منه اليد.

فمد ساعده من الثقب فلم يصادف إلا الخلاء.

وعندها أخذ المطرقة وأمر ميلون أن يقتدي به، وجعل الاثنان يطرقان ذلك الجدار بعنف شديد، وبقيا على ذلك حتى فتحا فيه ثقبًا يتسع لمرور إنسان.

فأخذ مرميس المصباح بيده، ودخل من ذلك الثقب، ولكنه لم يتقدم قليلًا حتى اعترضه قبو آخر أضيق من الأول، وظهر له أنه دون منفذ.

فقال له ميلون، وقد رأى ما رآه: كأننا لم نتقدم شيئًا.

– سوف نرى.

ثم عاد إلى طرق الجدران بمطرقته كما فعل في المرة الأولى، وبقي يطرق في مواضع مختلفة حتى سمع صوتًا يشبه صوت الطبل الرجوج فنظر إلى ميلون نظرة انتصار وقال: هو ذا المنفذ.

فأخذ ميلون يهدم الجدار بمطرقته فما أزال غير قشرته الخارجية وظهر من صوت المطرقة أنها توقع على حديد.

فمنعه مرميس عن العمل قائلًا: هذا ما كنت أتوقعه.

ثم جعل يزيل القشرة عن ذلك الحديد، فانكشفت عن باب حديدي يبلغ علوه المتر ولم يكن له قفل ظاهر.

فتفقده مرميس، ورأى أنه شديد الكثافة، بحيث لا تفيد به المطارق، فقال لميلون: إن هذا الباب هو باب السرداب، ويكفي أننا وجدناه.

– أتظن؟

– بل أؤكد.

– إذن ما العمل الآن؟

– لا شيء بل ننتظر إلى المساء فاتبعني.

ثم رجع مرميس من حيث أتى وهو يقول: لقد بت واثقًا الآن من أن الدهاليز لم تُدمر، وسننقذ روكامبول قبل أن يشرع الإرلنديون بإنقاذه.

ثم خرج الاثنان من تلك الأقبية.

٣٠

ولنعد الآن إلى ذلك الحاكم، حاكم سجن نوايت، فإن الخطأ الذي أخطأه في القبض على مرميس وما يتوقعه من دفع غرامة فادحة قد هد حيله وأنهك قواه.

فنام تلك الليلة نوم الملسوع، ولما استفاق تجسمت تلك الحادثة في خاطره، فكان شديد التأثير كثير الانفعال، حتى إن زوجته وابنتيه كن يخشين على صوابه.

وذلك أن الشرائع الإنكليزية لا ترحم من يخطئ من عمال الحكومة لمبالغتها في احترام حرية الأشخاص.

فإذا قبض شرطي خطأً على رجل آمن، قُضي على ذلك الشرطي بدفع ما يطلبه الرجل من تعويض، وكذلك حاكم السجن فإن التبعة عليه تكون أشد وأنكى.

وقد خطر لهذا الحاكم المنكود أن هذا الشخص الذي سجنه باسم روكامبول قد يطلب غرامة مليون فرنك، بالقياس إلى علو مقامه وجاهه وثروته، وقد لا تحكم له المحكمة بكل هذا المبلغ، ولكنها تحكم له ببعضه دون شك، وأي مبلغ يُحكم عليه بدفعه يُؤدي به إلى الخراب؛ لأنه لم يكن من الأغنياء.

وفي المساء حسب ثروته، وقدر ما يمكن أن يحكم به القضاة عليه مع المراعاة والتساهل، فوجد أنه يزيد أضعاف ثروته فكبر عليه الأمر وجعل يبكي بكاء الأطفال.

واستفاق في صباح اليوم التالي وهو على حاله من القلق والهم فأقام في بيته وهو ينتظر في كل لحظة أن يقرع الجرس، ويرد إليه الإنذار بالذهاب إلى المحكمة لمقاضاته.

ثم خطر له خاطر غريب وهو أن يستشير الرجل العبوس في مشكلته دون أن يعلم المسكين أن نكبته من هذا الرجل.

فذهب إليه وقال له: إني عاملتك في سجنك خير معاملة، فجازيتني بنكران الجميل.

فلم يجبه الرجل العبوس ولكنه جعل يضحك، فقال له الحاكم: إنك دفعتني إلى ارتكاب هذا الخطأ بتلك اللغة الجهنمية التي كنت تحدث بها ذلك الرجل، فزاد اعتقادي أنه روكامبول.

فأجابه روكامبول: ولكني أخبرتك يا حضرة الميلورد، أني لا أعرف هذا الشخص.

فتنهد الحاكم وقال: لا أنكر أنك أخبرتني، ولكني لم أستطع التصديق.

– وأي ذنب بقي عليَّ فيما صرت إليه، إن موقفك حرج ولو خيرت بين موقفي وموقفك لاخترت الأول.

– أتظن أن هذا الرجل الشريف يطالبني بتعويض كما أنذرني؟

– بل إني واثق كل الوثوق وسيفضي ذلك إلى خرابك.

فاضطرب الحاكم وقال: رباه ما العمل؟

– لدي رأي أرجو أن يكون سديدًا.

– أسرع بإبدائه.

– إن هذا الشخص يا حضرة الميلورد واسع الثروة.

– ولأجل ذلك، أرجو أن لا يطمع بتعويض لا يفيده، ويكون فيه خرابي.

– ولكنه شخص غريب الأخلاق يشبه اللوردية عندكم بشذوذهم، ولذلك ثق أنه سيراك قبل أن يرفع أمره إلى المحاكم، وربما سألك أمرًا غريبًا مقابل ذلك التعويض.

– ولكنه ماذا يطلب؟

– لا أعلم إنما هذا اعتقادي.

– وعندها؟

– أشير عليك أن تجيبه إلى ما يطلب فإن من كان في موقفك الحاضر يجب عليه أن يضحي بعض التضحيات.

فتنهد الحاكم تنهدًا عميقًا وقال: إني أشكرك وأرجوك معذرتي عما بدر مني في بدء الحديث.

ثم هم بالخروج ولكنه عاد فقال لروكامبول: ألست محتاجًا إلى شيء؟

فابتسم قائلًا: وأنا أسألك العفو يا سيدي الميلورد فقد نسيت أن ترسل إليَّ الجرائد اليوم.

– لقد أصبت.

– وحبذا يا سيدي لو أرسلت لي التايمز أو الإفنن ستار.

– سأرسل لك الجريدتين.

– أشكرك وأرجوك أن تأذن لي بسؤال.

– سل ما تشاء إني مصغ إليك.

– متى يحكمون عليَّ؟

– لا أعلم.

– ولكنهم سيحاكمونني؟

– دون شك، ولكن ذلك لا يكون قبل أن يعرفوا حقيقة اسمك.

فضحك روكامبول وقال: إذن سأتشرف يا حضرة الميلورد، دهرًا طويلًا بضيافتك.

فانصرف الحاكم وقد تعزى بعض العزاء بما أخبره به روكامبول، ودخل إلى البيت وسأل إذا كان قد قدم أحد لزيارته: فعلم أنه لم يزره أحد.

أما بيت هذا الحاكم في نوايت فقد كان مشرفًا على شارع أولد بالي، وهو بيت ضمن بيت؛ أي إنه يوجد بين القسم الكائن فيه بيته وبين السجن جدار فيه باب غليظ من الحديد.

وكان بوسع الحاكم أن يستقبل الناس في بيته دون أن يمروا إليه من السجن.

فجلس الحاكم حول مائدة الطعام وجعل يأكل وهو يفتكر بماذا عسى أن يطلب إليه ذلك الرجل الفرنسي.

وفيما هو يأكل دخل إليه الخادم يحمل على صينية رقعة زيارة، فأخذها الحاكم وقرأ فيها هذا الاسم:
فيليكس بيتافن
شريف فرنسي – فندق التيجان

وقد أعطاه الخادم الرقعة وقال له: إن صاحبها يا سيدي، يلح بأن يراك.

فتنهد الحاكم وقال لبنتيه: لقد أتى الرجل، فإما أن يكون رسول الخراب، أو رسول الخير.

٣١

ودخل مرميس وهو يبتسم ابتسامًا أشكل فهم معناه على الحاكم، ولكنه كان يظهر له أنه أقرب إلى الشر منه إلى الخير، فاصفر وجهه من الخوف، وسقط العرق البارد من جبينه، فأسرع وقدم له كرسيًّا وعرفه لفوره بزوجته وابنتيه، كأنه يريد أن يظهر له أنه رب عائلة استعطافًا له.

أما مرميس فإنه قال بعد التعارف: إنك عرفت يا سيدي دون شك السبب في زيارتي.

– كلا يا سيدي لم أعلم … ولكني أظن … وفي كل حال فأكرم بك من قادم مهما يكون سبب زيارتك.

– أشكرك يا سيدي وأخبرك أني قادم من عند المحامي ستلج، وأنت تعلم أنه أشهر المحامين في لندرا.

فاضطرب الحاكم وقال: نعم يا سيدي أني سمعت به.

– إن المحامي أبرع رجال الشرع، وأزلقهم لسانًا وأقواهم حجة وأشدهم حرصًا على حقوق موكليه، وقد عرضت قضيتي معك عليه فوجد أن الفوز فيها مضمون.

فمسح الحاكم العرق من جبينه، وجعلت زوجته وابنتاه يذرفن الدموع.

وعاد مرميس إلى الحديث فقال: إن المحامي ستلج قد أكبر هذا الأمر وعول على أن يقاضيك أمام المجلس الخاص الأعلى، وأنت تعلم أن لا رحمة في قلوب قضاة هذا المجلس.

فرفع الحاكم عينيه إلى السماء دون أن يجيب، فقال مرميس: والذي يراه هذا المحامي أن المجلس لا يقتصر على الحكم عليك بغرامة عشرين أو ثلاثين ألف جنيه، بل إنه يعزلك من منصبك.

وهنا وهنت قوى ذلك الحاكم المنكود، ونسي مركزه، فركع أمام مرميس وقال له: أعترف يا سيدي أني أهنتك إهانة عظيمة، وأسأت إليك إساءة لا تُغتفر، ولكني ألتمس منك أن يسع حلمك ذنبي، وأن تشفق على زوجتي وأسرتي المنكودة.

– إني لست يا سيدي الحاكم مجردًا من الرأفة كهذا المحامي، ولكنك أنت نفسك تعترف أنك أسأت إليَّ إساءة لا تُغتفر وأي إساءة أشد من أن يجيء الرجل النبيل متنزهًا في عاصمة الإنكليز فيستقبله رجال الشرطة، ويزج في السجن بين المجرمين.

– إنك مصيب يا سيدي في كل ما قلته.

– إذن أنت تعترف بوجوب التكفير عن هذا الذنب؟

– دون شك يا سيدي.

– إذا كان ذلك فإني أرجو أن أتفق معك وأؤثر الاتفاق الودي.

فتنهد الحاكم وقال: مر يا سيدي بما تشاء.

– بل أنت اعرضْ عليَّ ما تستطيعه من أنواع التعويض والتكفير عن ذنبك.

فعاد الحاكم إلى التنهد قائلًا: إني لست غنيًّا يا سيدي، ومع ذلك فإنه ليست لدي غير خمسة آلاف جنيه وهي مهر ابنتي.

فضحك وأجابه: أي مائة وخمسة وعشرون ألف فرنك.

– نعم يا سيدي.

– اكتب إلى العاصمة الفرنسية سائلًا عني، تعلم أن دخلي السنوي يبلغ مليون فرنك.

فقالت زوجة الحاكم: أتكون يا سيدي غنيًّا إلى هذا الحد وترضى الخراب لعائلة منكودة؟

– ولكني عرضت الاتفاق الودي على حضر زوجك ورضي به، ولو عهد الأمر إلى القضاء لكان الخراب لا شك فيه.

فقال الحاكم: إني أدفع لك يا سيدي كل ما أملكه.

فابتسم مرميس وقال: وإن سألتك تعويضًا أدبيًّا؟

فصاح الحاكم صيحة فرح وقال: لقد خطر لي يا سيدي أنك من أشرف الأغنياء لا تكترث للمال.

– إن هذا منوط بك ومتعلق بالتعويض.

– قل يا سيدي ما تريد، أتحب أن أكتب إليك كتاب اعتذاري في جريدة التايمز؟

– كلا.

– أتريد أن أجمع كل رجال السجن فأعتذر إليك أمامهم؟

– كلا.

فذعر الحاكم وخشي أن يكون قد أُصيب بشر جديد، فقال: كيف تكون الترضية الأدبية إذن وماذا تريد؟

– إني لست يا سيدي من الإنكليز، ولكني من أهل الشذوذ.

– قل لي ما تريد.

– إني لم أعد آمنًا على نفسي في لندرا، بعد أن قُبض عليَّ في أشهر فنادقها، ثم إن زوجتي قد خافت خوفًا شديدًا، ولم يعد يهدأ لها بال من الخوف.

– أتريد أن أطلب لك حرسًا من الشرطة؟

– كلا بل أريد أمرًا أبسط من هذا، وهو أن أقيم في منزلك مع زوجتي إلى أن أعود إلى فرنسا، وإن زوجتي يا سيدي الحاكم من أهل الظرف والكياسة، وهي بارعة في الموسيقى ولا تمل زوجتك وابنتاك عشرتها خلال هذه الضيافة.

فدهش الحاكم لهذا الطلب وقال: ولكن زوجتك تضجر ضجرًا شديدًا في هذا البيت فإننا في سجن كما لا يخفاك.

– ولكنها تستطيع الخروج في النهار كما أظن؟

– دون ريب.

– وهذا الذي أرجوه فإنها لا تخاف إلا في الليل.

فنظر الحاكم إلى زوجته نظرة تدل على أن الخطر الشديد الذي كان يتوقع حدوثه لم يصبه غير الخوف.

ثم نظر إلى مرميس وقال له: إن منزلي معد لخدمتك يا سيدي، فأهلًا بك وبزوجتك.

فبرقت عينا مرميس بأشعة السرور وأصغى إلى تتمة الحديث.

٣٢

وجعل الحاكم يصف منزله وما فيه من أسباب الراحة ترغيبًا لمرميس، فإنه وجد أن حل المشكلة بهذا الشكل فوق ما كان يتمناه، ثم قال: إن لدينا قاعة كبرى وثلاث غرف لا أستخدمها في شيء لاتساع البيت بنا فإن شئت خصصتها لك ولزوجتك.

– إنها فوق الكفاية؛ لأننا لا نقيم في لندرا أكثر من أسبوع.

فسر الحاكم من هذه النهاية وقال: سنجعل يا سيدي طعامنا ومواعيده على الطريقة الفرنسية.

– لا حاجة إلى ذلك يا سيدي، فإننا ألفنا العادات الإنكليزية، غير أن مطالبي لا تقتصر على هذا الحد.

فوجف قلبه وعاد إليه الاضطراب، فقال له مرميس: لقد تقدم لي القول إني من أهل الشذوذ، ومن غرائب أخلاقي أن لي بالشطرنج ولعًا غريبًا بحيث لا أطيق الصبر عن اللعب به كل ليلة.

– إذا كان ذلك فإني من البارعين به وسألاعبك به حين تشاء.

– كلا، ليس هذا الذي أريده.

– إذن ما تريد؟

– إني قضيت أيام شبابي في الهند وهناك نوع من لعب الشطرنج اخترعه البراهمة لا يعرفه أهل أوروبا فلا تعرفه أنت.

– دون ريب فإني لا أعرف غير الطريقة المألوفة.

– ولكن يوجد بين المسجونين عندك رجل أقام زمنًا طويلًا في الهند وهو بارع في هذا اللعب.

– من هو هذا السجين؟

– هو الرجل الذي سجنتني معه.

– الرجل العبوس؟

– هو بعينه.

فاضطرب الحاكم وقال: ولكن يا سيدي …

– إن الرجل شريف الأخلاق حسن التربية.

– هو ما تقول بل هو فوق ما وصفته.

– ولذلك فإنه سيظهر أمام السيدات في منزلك، بما يجب عليه من الاحترام.

فدهش الحاكم وقال: كيف ذلك يا سيدي؟ أتريد أن أحضر الرجل العبوس إلى منزلي؟

– كل ليلة؛ إذ لا يعرف هذه الطريقة من اللعب سواه.

– ولكني مقيد بنظام السجن يا سيدي.

– إن أردت أن تحدثني بالنظامات عدت إلى محادثتك بالمرافعات وبما يعتقده المحامي ستلج، وفوق ذلك فإن كنت تخاف أن يهرب فإنك تستطيع أن تُوقف على الباب قدر ما تشاء من الحراس.

– إني لست أخاف فراره سواء كان في محبسه أو في منزلي.

فوقف مرميس عندها قائلًا: لقد عرفت الآن الشرط الذي أتنازل به عن حقي من الغرامة ولم يبق عليك غير الرفض أو القبول.

فنظر الحاكم إلى زوجته وتبودلت بينهما نظرتان مفادهما: «إنه خير لنا أن نخالف نظام السجن مخالفة قد لا نُؤاخذ عليها، من أن نعرض ثروتنا للضياع.»

وعندها التفت إلى مرميس قائلًا: لقد رضيت بشرطك يا سيدي وسيلاعبك الرجل العبوس كل ليلة.

– وأنا أتعهد لك بأن لا أرى المحامي ستلج طيلة إقامتي عندك، بل سأكتب إليه أني مسافر وأرجوه أن يوقف القضية إلى أن أعود.

– كيف ذلك يا سيدي، ألا ترجع بتاتًا عن القضية.

– سأرجع عنها يوم سفري، ولكني أقسم لك بشرفي أنك إن وفيت بعهدك وفيت بعهدي فما أنا من الخائنين.

فوثق الحاكم أنه يريد أن يحتاط، وقال له: ليكن يا سيدي، ما تُريد.

فنهض مرميس ودنا من زوجة الحاكم فقال لها وهي تمسح دموعها سأتشرف غدًا يا سيدتي بتقديم زوجتي لك.

فقال الحاكم: كيف، ألا تحضر في هذا المساء؟

– كلا فإننا ذاهبان الليلة إلى كرنويش وسنبيت فيها.

ثم خرج مرميس فشيعه الحاكم إلى الباب الخارجي، حتى إذا ركب مركبته وانصرف، عاد إلى زوجته وقال لها: لقد نجونا بحمد الله من أشد الأخطار.

ثم عانقها وعانق ابنتيه فكانت تمتزج دموع الفرح بدموع الحنان.

•••

أما مرميس فإنه توجه توًّا إلى الفندق الذي تقيم فيه فاندا فقال لها: اعلمي أيتها العزيزة أنك أصبحت زوجتي مدة أسبوع.

فابتسمت فاندا وقالت: كيف ذلك؟

– ذلك أنك تدعين منذ الآن السيدة بيتافن، وتبرحين هذا الفندق، وتذهبين معي للإقامة في بيت أسرة إنكليزية؛ أي في بيت السير روبرت.

– ولكنه حاكم سجن نوايت.

– هو بعينه.

– ولكن كيف رضي بذلك؟

– بل رضي أن يجمعنا بشخص تعرفينه، ويسرك أن تجتمعي به، وهو روكامبول.

فاصفر وجه فاندا وجعل يقص عليها جميع ما اتفق حتى إذا أتم حديثه قالت: ولكن أية غاية لك من هذا الاجتماع.

– تخليص روكامبول.

– كيف؟

– سوف ترين، فقد علمني هذا الرئيس الحبيب أن لا أقول الكلمة الأخيرة من قصدي.

ثم تركها وانصرف فذهب إلى رجل صانع أقفال، شهير بصنع الأقفال الغريبة وهو يقول في نفسه: لا بد أن يرشدني هذا الرجل إلى طريقة لفتح الباب الحديدي الذي وجدته في قبو المنزل فإنه لا ريب باب الدهليز الموصل إلى سجن نوايت.

٣٣

ولما دخل مرميس إلى مخزن صانع الأقفال، طلب إليه أن يريه جميع ما لديه من الأقفال على اختلاف أنواعها.

فأراه كل ما كان عنده، فلما أنهى فحصها قال له: لقد قرأت في كتاب قديم عن لندرا، أنهم كانوا يستعملون فيها في القرن السابع عشر أقفالًا غريبة الصنع.

– لقد استعملوا أقفالًا مختلفة في ذلك القرن فأيها تعني؟

– قرأت في الكتاب أنهم كانوا يستعملون أبوابًا من الحديد لا تظهر أقفالها.

– إني عرفت هذه الطريقة ولدي مثال منها إن شئت أظهرته لك.

– هذا جل ما أتمناه.

– هلم معي إلى متحفي، فإن لدي مجموعة نفيسة من تلك الآثار القديمة، لا تُوجد عند سواي، حتى إن إدارة المتحف نفسها تحتاج إليَّ في مثل تلك الشئون.

ثم تقدم مرميس إلى غرفة متسعة ضمن مخزنه وبدأ بالحديث عن القفل السري فقال: أترى هذا الباب الحديدي أمامك؟

– نعم …

– افحصه، أترى فيه قفلًا؟

– لا!

– افحص جيدًا.

فتمعن به مرميس مليًا ثم قال: إني لا أجد فيه أثرًا لقفل.

– إذن انظر.

ثم أخذ مطرقة وجعل يطرق بها الباب الحديدي طرقات يعدها، حتى إذا عد عشرًا سمع صوت زلاج حديدي من الداخل قد سقط، ثم فُتح الباب.

فسر مرميس سرورًا عظيمًا، وقد أيقن أن باب القبو يُشبه هذا الباب، وقال لصانع الأقفال: إنها طريقة عجيبة، لا تخطر في بال أحد.

– إني سأوضح لك أسرارها، ولكن لا بد لي قبلها أن أوضح لك تاريخ ابتكارها والسبب في اختراعها.

لقد ذكروا أنه منذ مائة وخمسين عامًا انقسم أهل لندرا إلى قسمين؛ قسم انتصر لأسرة ستيوارت، وقسم تحزب لأسرة هانوفر، فتآمر أشياع أسرة ستيورات وحاولوا نسف قسم من مدينة لندرا تذرعًا لبلوغ مأربهم من إنزال أسرة هانوفر عن العرش.

ولم تفز هذه المؤامرة، ولكن الحكومة وجدت كثيرًا من الدهاليز محفورة في أقبية المنازل، وكانت أبوابها حديدية تشبه هذا الباب الذي تراه أمامك.

وأن هذا الباب لا قفل فيه كما رأيت وقد بقي سره خفيًّا حتى رشت الحكومة أحد رجال المؤامرة فباح بسر قفله.

فكان مرميس يقول في نفسه وهو يصغي إلى الحديث: لقد أصاب روكامبول بإهدائي إلى هذا الرجل فإني سأقف منه على جميع ما أُريد.

وعاد صانع الأقفال إلى الحديث فقال: إن هذه الطريقة الخفية كان المتآمرون يرمون بها إلى غاية؛ وهي أنهم كانوا كثيرين وكانت الأبواب التي صنعوها كثيرة بحيث تعذر صنع مفتاح خاص لكل متآمر منهم فاخترعوا هذه الأبواب وجعلوا طريقة فتحها واحدة فهي تقفل كلها بالطريقة التي رأيتها؛ أي بالقرع عليها بالمطرقة طرقات معدودة.

– إنها طريقة مدهشة، ولكن كيف يفتحون تلك الأبواب؟

– بالطريقة نفسها، ولكن الفرق بين الفتح والإقفال أنك إن أردت الفتح أطرقت على الباب فيسقط الزلاج، وإن أردت إقفاله طرقت أسفله فيرتفع الزلاج إلى حيث كان، وهذا مثاله، ثم أخذ المطرقة وضرب بها على الباب من أعلاه ففتح، ثم ضرب على أسفله فأقفل.

– لقد أدهشتني هذه الطريقة وأنا ممتن لك كل الامتنان من إيضاح سرها، ولا أكتمك يا سيدي أني مندوب من قبل مكتبة الحكومة الفرنسية لإنشاء كتاب عن هذه المؤامرة الهائلة التي دعت إلى صُنع مثل هذه الأبواب والبحث في أسرارها، وقد قيل لي: إن أمثال تلك الأبواب السرية موجود عندك فثق يا سيدي أني سأذكرك في كتابي.

أما مرميس فإنه قد عرف ما أراد أن يعرفه، فشكر الرجل وودعه، ثم انصرف بمركبته فبلغ بها بعد نصف ساعة مخزن الحبوب.

وهناك رأى أن عمال المخزن قد زادوا عاملًا وهو وليم البحار الذين لم يغلبه إلا روكامبول.

فناداه مرميس وقال له: إننا سنعمل على إنقاذ الرجل العبوس، فهل تريد أن تكون منا؟

– كيف لا أكون منكم فإني أسفك دمي في هذا السبيل.

– حسنًا، ابق معنا ولما يحين وقت العمل نخبرك، فأقام وليم في المخزن ولبس ثياب عماله.

أما ميلون فأنه رأى علائم السرور بادية بين ثنايا وجه مرميس، فاستبشر بما رآه وقال له: ماذا حدث؟

– هات مصباحك واتبعني.

– إلى أين، أإلى القبو؟

– نعم.

– ألعلك وجدت وسيلة لفتح الباب؟

– نعم، هلم بنا.

وذهب الاثنان إلى القبو الأول، ثم دخلا إلى القبو الثاني من الثقب الذي ثقباه حتى وصلا إلى الباب الحديدي ففحصه مرميس فحصًا مدققًا فوجده يشبه الباب الذي رآه عند بائع الأقفال.

فقال ميلون: ولكن لا أجد فيه قفلًا، فكيف تقول إنك اهتديت إلى طريقة فتحه؟

– سوف ترى أني أفتحه دون أن يكون له قفل فهات المطرقة التي بيدك وخذ المصباح الذي بيدي وانظر، ثم أخذ المطرقة منه وجعل يطرق بها أسفل الباب على الطريقة التي تعلمها فسمع ميلون بعد ذلك صوت زلاج حديدي سقط دون أن يراه.

أما مرميس فإنه ألقى المطرقة إلى الأرض ودفع الباب بيديه دفعة شديدة ففتح لفوره وانكشف عن دهليز مظلم.

وعندئذ أخذ مرميس المصباح من يد ميلون ودخل إلى الدهليز ومعه ميلون وهو يقول: أظن أننا سننقذ روكامبول قبل أن يهتدي الإرلنديون إلى طريقة إنقاذه.

٣٤

وسار مرميس وميلون في ذلك الدهليز الحديدي ومرميس يحسب أنه سيبلغ منه نفق يُؤدي إلى السجن، ولكنهما لم يسيرا هنيهة حتى اعترضهما جدار آخر فقال: لقد تسرعنا لاعتقادنا بالفوز، ولا بد لنا من العودة أدراجنا وإحضار الآلات اللازمة لفتح منفذ في هذا الجدار.

فعادا إلى القبو الأول وهناك أخذا ما يحتاجان إليه من الآلات ورجعا إلى الجدار ليعملا على هدمه، ولكنهما لم يزيلا قشرته حتى ظهر لهما باب حديدي كالباب الأول ففتحه مرميس بنفس الطريقة السابقة؛ أي بالمطرقة ودخل مع ميلون فوجدا فناء يشبه القاعات.

فأخذ مرميس المصباح وطاف مع ميلون تلك القاعة، فوجدا بها ثلاثة منافذ تؤدي إلى ثلاثة دهاليز فوقف ميلون وقفة الحائر وقال: هذه مشكلة تفوق جميع ما تقدم من المشاكل في هذه الأقبية؛ إذ لا نعلم في أي الطرق نسير.

فقال له مرميس: لننظر في الخريطة عسانا نهتدي بها إلى سواء السبيل.

ثم جلس على الأرض وفتح تلك الخريطة وميلون ينير له، فلم يجد في الخريطة ما يشير إلى الدهليز.

وبعد أن أطرق هنيهة متمعنًا التفت إلى ميلون وقال له: إننا مشينا إلى هذا المكان دون تعريج أليس كذلك؟

– هذا ما أظنه.

– لنسر في الدهليز الوسط بين الدهليزين.

– لماذا؟

– لأن الطريق إلى سجن نوايت لا تعاريج بها، فلو أردنا المسير إليه من المخزن سرنا إلى الأمام …

– لقد أصبت.

وسار مرميس أمامه بالدهليز المتوسط فلم يسر بضع خطوات حتى اعترضته أكداس من التراب متخلفة عن تهدم جدران.

وعاد مرميس إلى ميلون وقال: إننا أصبحنا في حاجة إلى الرفاق فإن إزالة الموانع يقتضي له عدة ساعات.

– أتريد أن أعود فأدعوهم؟

– كلا.

ثم نظر في ساعته فقال: إن الساعة الآن الرابعة فلنصبر إلى الساعة السادسة حيث يقبل الظلام.

– لماذا؟

– لأن المخازن تقفل أبوابها في هذه الساعة فتقفل أنت مخزنك وتأتي بعمالك فلا ينتبه إلينا أحد.

– والآن ماذا نصنع؟

– نسير في دهليز آخر من قبيل الامتحان؛ لأن الوقت فسيح لدينا.

– كما تُريد.

وعاد مرميس يتبعه ميلون إلى الدهليز الأيمن، وسارا بضع خطوات وعند ذاك وقف مرميس وقال: ما هذا ألا تسمع دويًّا بعيدًا متواصلًا؟

– نعم وأظنه صوت المركبات التي تمر فوقنا فإننا تحت الأرض.

– لا أظن.

ثم اضطجع ووضع أذنه على الأرض فأصغى هنيهة، وعاد فقال: لا أظنه صوت مركبات.

– لنسر أيضًا قليلًا عسى أن تتبين لنا هذه الأصوات.

فاستصوب مرميس رأي ميلون وسار أمامه نحو ثلاثين خطوة، وهو يراقب ما حوله ثم وقف فجأة وقال: ألا ترى أن الأرض تنخفض تباعًا أمامنا كلما تقدمنا؟

– نعم، فما عسى أن يكون هذا؟

– إن انخفاض الأرض المتتابع يدل على أنه يوجد فوقنا مجاري مياه المدينة إلى النهر، ولا شك أن هذه الأصوات التي نسمعها هي أصوات تحدر المياه إلى النهر؛ بدليل اتصال الصوت وارتفاعه كلما تقدمنا.

– فلنتقدم أيضًا وسوف نرى.

وجعلا يتقدمان في الدهليز، وكلما تقدما زاد ارتفاع الأصوات حتى باتت كهزيم الرعود.

وفيما هما يسيران هب هواء شديد فجأة كاد يطفئ المصباح، فقال مرميس أشعرت بمجرى الهواء؟

– نعم، ولكن الهواء يجري في كل مكان.

– هو ذاك، غير أن هذا الهواء بليل وهو يسري من الخارج.

– إذا كان كذلك لنعد فقد عرفنا ما يجب أن نعرفه …

– كلا، بل يجب أن نواصل السير.

– لماذا؟

– لأني أريد أن أعلم أين ينتهي الدهليز.

– ولكنه ينتهي إلى النهر كما ترى ونحن نسير في جهة معاكسة للجهة التي نريدها؛ أي جهة نوايت.

فضحك مرميس وقال: إنك لا تزال على بلاهتك …

– لماذا؟

– لنفرض أننا أنقذنا روكامبول.

– لنفرض هذا فأية حاجة لنا بهذا الدهليز!

– حاجتنا به أننا نُخرج روكامبول من دهليز السجن إلى هذا الدهليز فنجد هناك سفينة بانتظارنا.

– لقد أصبت.

– بماذا، أبحاجتنا إلى الدهليز أم بحكمي عليك بالبلاهة؟

وضحك ميلون وقال: بالاثنين، فلا تجر عليَّ بأحكامك يا مرميس فإني بطيء الفهم كما تعلم.

– إذًا … اتبعني.

وسارا أيضًا بضع خطوات وعندها هبت ريح شديدة فجأة فأطفأت المصباح وباتا في ظلام دامس.

٣٥

فاضطرب ميلون وقال: رباه ما نصنع؟

فضحك مرميس قائلًا: أرأيت كيف أنك تغرق في نقطة ماء؟

– ليس لدي كبريت فأنير به المصباح.

– ولكن أنا لدي …

ثم أخرج علبة الكبريت الشمعي من جيبه، وأخرج أيضًا مصباحًا، له غلاف من الزجاج يقي النور من الهواء، فأضاءه وهو يقول: لقد أحضرت معي المصباح لتوقعي مثل هذه الحادثة فهلم بنا الآن إلى استطراد السير.

فمشيا، وكانا كلما تقدما يرتفع الصوت ويزيد هبوب الهواء، ثم سمعا أن المياه تنحدر مسرعة من فوقهما، وإذا الهواء بات رطبًا وعلما أنهما اقتربا من النهر.

وبعد خمس دقائق رأيا نورًا يتألق من محل بعيد وقال مرميس: ما عسى أن يكون هذا النور فإنه لا يمكن أن يكون مضاء في الدهليز منذ القرن السابع عشر؟

فقال ميلون: إني أخشى وجود سوانا فيه وعندي أنه يجدر بنا أن نعود أدراجنا.

فقال له مرميس بلهجة المؤنب: ألعلك خفت يا ميلون؟

– معاذ الله أن أخاف نفسي.

– يظهر أنك خائف عليَّ؟

– كلا، ولكني أخشى أن يرانا هؤلاء الناس فيفتضح أمرنا.

– لا بأس فلنتقدم، وأن تبين لنا الخطر عدنا من حيث أتينا.

فامتثل ميلون وكانا كلما تقدما يكبر النور ويزيد تألقًا وتمتد أشعته كأنما كانت تنعكس على مرآة.

فقال مرميس: لقد علمت الآن ما هذا.

– ما هو؟

– إن الذي تراه هو نهر التيمز لأن هذا الدهليز ينتهي إليه.

– ولكن المياه لا نور لها.

– هو ذاك، غير أن الذي يبدو لك هو نور الغاز المتماوج فوق المياه.

– أتظن؟

– بل أؤكد الآن.

ثم سارا بضع خطوات أيضًا فثبت ما قاله مرميس واتضح أن الدهليز ينتهي عند نهر التيمز، وأن النور كان مصباحًا غازيًّا تتدفق أشعته على مياه النهر.

وكان الضباب قد انجلى، ففحص مرميس المكان الذي كان فيه فوجد أنه على ضفة النهر وعلى يمينه جسر بلاك فريارد وكل يساره جسر لندرا.

ولما عرف المكان وضواحيه بالتدقيق عاد ميلون إلى الدهليز وهو يقول: لقد علمت ما كنت أريد أن أعلمه.

وكانا قد قضيا في هذا الاكتشاف نحو ساعة فعادا وهما يفحصان كل مكان يمران به، حتى وصلا إلى تلك القاعة ذات الدهاليز الثلاثة ونظر مرميس في ساعته وقال: إن الساعة تبلغ الخامسة والنصف الآن، ولا يزال لدينا نصف ساعة.

– ما تعني بذلك؟

– أعني أننا عرفنا الدهليز الأيمن والمتوسط وبقي علينا الأيسر كي يتم اكتشافنا ولا نكون أضعنا الوقت سدى.

– إذن هلم بنا.

ودخلا في الدهليز الأيسر وكانا يسيران صعدًا خلافًا للدهليز الأول.

وبعد حين عرض لهما باب حديدي مثل الأبواب التي رآها ففتحه مرميس بالمطرقة، كالطريقة التي تقدم وصفها وتقدما، فقال ميلون: إننا لا نسير الآن إلى جهة التيمز.

– هو ذاك، بل إننا نسير في الجهة المعارضة له.

– ولكني مع ذلك أسمع دويًّا يشبه دوي المركبات.

فأصغى مرميس هنيهة وقال: إنك مخطئ أيضًا فليس هذا الدوي دوي مركبات، وقد عرفت ما أردت أن أعرفه.

– ولكن ما هذا الدوي؟

– لقد تركنا أولدبالاي على يميننا ونحن الآن تحت الخط الحديدي، فهذا الصوت الذي سمعناه صوت قطار قد مر من فوقنا ألا ترى كيف انقطع الصوت؟

– لقد أصبت.

– لنرجع إلى رفاقنا فقد طال غيابنا عنهم.

وبعد ربع ساعة وصلا إلى المخزن فقال مرميس لرجال العصابة: إننا سنقفل المخزن ونشتغل بغير ذلك من المهام.

وقال ميلون: وإن لدينا من الأعمال ما يقتضي له الليل بطوله.

– بل قد يستغرق عملنا عدة ليالٍ.

٣٦

في صباح اليوم التالي وقفت مركبة عند باب سجن نوايت في الجهة التي يدخل منها إلى منزل الحاكم، وكان في المركبة مرميس وفاندا.

وأطلت ابنة الحاكم من النافذة ورأتهما بينما كان مرميس يقرع الباب.

وكانت فاندا قد تأنقت بملابسها وتزينت خير تزيين وباتت فتنة للناظرين، بحيث لم تتمالك ابنة الحاكم عن إظهار اندهاشها وإعجابها بذلك الجمال.

أما الحاكم فقد لبس خير ملابسه استعدادًا لاستقبال الضيفين الكريمين.

وكان قد أمعن الفكرة طول ليله فيما اتفق عليه مع مرميس، وقد خطر له في البدء أنهم يكيدون له، ولكنه قال في نفسه: إذا كان هناك مكيدة فلا يكيدها غير الإرلنديين، ويستحيل أن يكون هذا الرجل النبيل حليفًا لهؤلاء الزعانف، وهو صديق السكرتير الأول في سفارة فرنسا.

فاطمأن خاطره لا سيما بعد أن تذكر ما رواه مرميس عن المحامي، وما كان يتوقعه من الإفلاس والعزل لو وقف في مواقف القضاء.

ثم خطر له الخاطر الآتي فقال: لننظر إلى الأمور من أقبح وجوهها، ولأفترض أن لهذا الشريف الفرنسي علاقة سرية مع الرجل العبوس، فغاية ما يكون من عقابي أن ناظر الحقانية يوبخني، ثم لأفرض أمرًا آخر يستحيل أن يكون، وهو فرار الرجل العبوس، فإن عقابي عندها لا يكون غير الطرد من الخدمة وتبقى لي أموالي، في حين أنه لو حاكمني الرجل الفرنسي لحكم عليَّ بالغرامة والعزل معًا، فأكون قد خاطرت بالمنصب، ومع هذا فسأبالغ في الحذر.

وفي الصباح ذهب لزيارة الرجل العبوس فعلم روكامبول من هيئته أنه قابل مرميس.

أما الحاكم فإنه قال: إنك لا تُنكر يا سيدي إني عاملتك خير معاملة في سجنك وخففت شقائك جهد الاستطاعة.

– كيف أُنكر يا حضرة الميلورد فقد طالما أعربت لك عن امتناني.

وقد أعطيتك جرائد، وأذنت لك بالكتابة وأنت تعلم إن كنت في هذا السجن فليس الذنب ذنبي.

– هذا لا ريب فيه.

– ولذلك لا أجد سببًا يدعوك إلى الحقد عليَّ.

– معاذ الله أن أحقد عليك يا سيدي الميلورد فإني شاكر لإحسانك ممتن لجميلك، وإن قدرت لي النجاة.

فقاطعه الحاكم وقد كره أن يسمع كلمات النجاة وقال: لا حاجة لإطلاق سراحك كي تبرهن لي عن اعترافك بالجميل فإني واثق من كرم أخلاقك؛ ولذا أتيت أستشيرك في شأني.

– قل يا سيدي الميلورد، فإني أصدق المخلصين لك.

فقص عليه الحاكم عندها جميع ما جرى بينه وبين مرميس وذكر له الشرط الذي اقترحه للتنازل عن القضية.

فابتسم روكامبول وقال: إني كنت عارفًا بما جرى.

فذُهل الحاكم وقال: كيف ذلك؟

اصغ إليَّ يا سيدي الميلورد فإني سأكلمك بحرية وجلاء، إن هذا الفرنسي الذي سجنته معي قد استاء استياء شديدًا حين نقلتنا إلى الغرفة الضيقة وعول على الانتقام منك وأخبرني عن طريقة انتقامه.

– لم يكن انتقامه هائلًا كما كنت أتوقعه.

– إنه كان عازمًا على انتقام شديد لو لم ير من إحسانك إليَّ …

– ما تعني بذلك؟

– إن هذا الرجل ليس صديقًا لي كما أخبرتك من قبل، ولكني فرنسي مثله فلما رأى عطفك عليَّ عول أن ينتقم منك بإثارة ظنونك فقط.

– لم أفهم ما تقول؟

– إنه يُريد أن يجتمع بي في منزلك كل ليلة مدة أسبوع، فيلاعبني بالشطرنج ويكلمني بهذه اللغة التي أثارت مخاوفك وهواجسك؛ كي يوهمك أن له علاقة بي.

ثم ضحك ضحكًا عاليًا وقال: ولكني أطمئنك يا سيدي فإنه لا يعلم شيئًا من أسراري، ولا تكترث بهذه اللغة فإنه لا يريد بمحادثتي بها غير إثارة مخاوفك، واعتبر نفسك سعيدًا لنجاتك من قبضتي المحامي ستلج.

فذعر الحاكم لاسم المحامي، ثم سأل العبوس: ولكني إذا أجبت المسيو بيتافان إلى مطلبه أخالف نظام السجون؛ ولذلك أردت أن أستوثق منك معتمدًا على شرفك.

– ماذا تُريد …؟

– هو أنه لا بد أن يُحاكموك فإذا استنطقوك فأرجو أن لا تذكر أمامهم أنك دخلت منزلي.

– أقسم لك بشرفي يا سيدي الميلورد أني لا أبوح بشيء، ولكن …

– ولكن ماذا؟

– ألعلك واثق من عمالك في هذا السجن؟!

– إن بينهم اثنين عينتهما لمراقبتك في ذهابك وإيابك، وأنا واثق منهما كل الوثوق.

– إذن اعتمد عليَّ يا سيدي بالكتمان فقد أقسمت لك.

وعند هذا فارقه الحاكم وهو مطمئن وعاد إلى منزله وتهيأ لاستقبال مرميس، وأمر أن يُعد له ولامرأته خير مكان في منزله.

وقد جاء مرميس وفاندا كما قدمناه في الساعة العاشرة فأسرع الحاكم لاستقبالهما.

وقال مرميس وهو يضحك: كيف كانت ليلتك أمس ألم تأرق لذكر المحامي ستلج؟

فارتعش الحاكم لذكر اسم هذا المحامي، ولكنه لبث يبتسم وقدم ذراعه لفاندا.

٣٧

أما مرميس فإنه لم يكن قد نام تلك الليلة.

فإنه في الساعة السادسة أمر بإقفال المخزن وجميع رجال العصابة فيه وكانوا خمسة رجال وامرأة.

أما المرأة فهي بولينا زوجة بوليت، وقد عهد إليها مرميس أن تبقى في المخزن، وأن تطفئ الأنوار وتصغي إلى ما يجري في الخارج حتى إذا سمعت ما يدعو إلى الشبهة تدخل إلى القبو وتنبههم.

وبعد أن أبقاها في المخزن تقدم إلى القبو يتبعه رجال العصابة فظلوا سائرين حتى وصلوا إلى القاعات ذات الدهاليز الثلاثة.

وكان مرميس قد أخذ لفيفة من الخيطان فربط طرف الخيط عند مدخل القبو الأول فجعل يسير واللفيفة بيده والخيط متصل.

أما ميلون فإنه اعتقد أنه فهم قصد مرميس من ذلك الخيط الطويل فقال: لقد علمت ما تريد بهذا الخيط.

– أتظن أنك علمت؟

– نعم، إنك تفعل كما يفعلون في سراديب روما فإن الساري فيها إن لم يستعمل هذه الطريقة لا يعرف أن يعود.

– لقد أخطأت فليس هذا قصدي …

– إذن ما هو قصدك.

– سأبسطه لك فيما بعد.

وكان ميلون قد تعود أن يحترم إرادة تلميذ روكامبول وتكتمه فلم يلح عليه بالسؤال، وتقدمت العصابة في الدهليز المتوسط حتى وصلوا إلى تلك الأتربة المتهدمة التي اعترضت مرميس وميلون وحالت دون تقدمهما حين اكتشاف هذا الدهليز.

فقال لهم مرميس: هلموا إلى العمل أيها الرفاق؛ إذ يجب أن نفتح ممرًّا بين هذه الأتربة المتراكمة.

فانكبوا جميعهم على العمل بهمة قوية.

وما زالوا يشتغلون أربع ساعات متوالية حتى رفعوا تلك الأتربة وأزالوا حواجز السرداب فصاحوا جميعهم صيحة الفرح والفوز.

وأما مرميس فإنه دفع لفيفة الخيطان لميلون وقال له: امسكها.

ثم أمر بوليت أن يأخذ مصباحًا وأخذ من جيبه مقياسًا متريًّا من تلك المقاييس التي يستعملها التجار، ففتحه وجعل يقيس به الخيط المتصل، وكلما قاس مترًا ابتعد عن ميلون إلى جهة المخزن، وميلون ينظر حائرًا مبهوتًا دون أن يجسر على سؤاله.

حتى إذا ابتعد عنه تنهد وقال: ليس لي بهذا الغلام حيلة فإنه يأبى إلا أن يعاملني كما يعاملني الرئيس.

ولم يفهم أحد من رجال العصابة ما كان يريد مرميس بهذه المقايسة غير بوليت، فإنه أدرك شيئًا من قصده؛ إذ قال له، حين بلغ إلى القبو الأول: إنك قست الخيط لتعلم المسافة التي اجتزناها.

– هو ذاك، ولكن لي بهذا القياس قصد آخر.

– ما هو؟

– سوف تعلم.

ثم جلس على حجر وقال: إني عددت ثمانية وسبعين مترًا فاصعد إلى المخزن فلا بد أن يوجد فيه لفيفة خيطان مثل هذه اللفيفة وأتني بها.

فأسرع بوليت وجاء باللفيفة فقاس مرميس منها ثمانية وسبعين مترًا وقطع الخيط، فوضع الخيط الذي قاسه بجيبه، وصعد مع بوليت إلى المخزن فأطفأ المصباح وقال: سوف نرى الآن إذا كان يصح قياسي.

وكانت السكينة سائدة في الشارع، فوضع مرميس أذنه على الباب وأصغى فسمع وقع خطوات بطيئة فقال: إنها خطوات الحارس الليلي فلننتظر إلى أن يمر.

وأقام ينتظر حتى مر الحارس بالمخزن وتعداه فقال: إنه لا يعود إلى هذا الموقف قبل خمس دقائق، وهو وقت كاف لإتمام ما أريد.

فوقف بوليت حائرًا وهو لا يفهم شيئًا من هذه الألغاز.

٣٨

وعند ذلك أمسك مرميس بوليت طرف الخيط وفتح باب المخزن وبيده الطرف الآخر فخرج منه وسار توًّا إلى سجن نوايت المقابل للمخزن فلم يقف إلا حين انتهى الخيط.

فترك الخيط ومشى إلى حائط السجن وهو يعد خطواته فبلغت إحدى عشر خطوة حين وصل إلى الجدار.

وهنا رجع مسرعًا إلى المخزن فأقفل بابه وقال لبوليت: أفهمت الآن؟

– قد فهمت كل قصدك.

– إذن اسحب الخيط كي لا يبقى في الشارع أثر يدل على ما نفعل.

فامتثل بوليت، وعاد الاثنان إلى القبو الأول فأنارا مصباحًا وذهبا إلى حيث كانت بقية أفراد العصابة فوقف في طليعتها وقال لرجالها: اتبعوني الآن، فتقدموا عشر خطوات، وهناك وجدوا قاعة جديدة يبلغ اتساعها نحو عشرة أمتار.

غير أنهم لم يجدوا فيها منفذًا ولا أثرًا يدل على وجود باب فقال ميلون: هو ذا عقبة جديدة قد عرضت لنا.

فهز مرميس رأسه وقال: ما أكثر العقبات عندك!

ثم تناول مطرقة وجعل يطرق بها جدران القاعة وبوليت ينير له حتى سمع صوتًا معدنيًّا في الجهة المقابلة للسجن وقال: هو ذا الباب، لكن يجب أن نزيل ما يحجبه برفق وعناية كي لا يخرج صوت مرتفع ينبه الأسماع.

ثم ترك المطرقة وأخذ آلة حادة فأمر رفاقه أن يقتدوا به وجعل يزيل طلاء الجدار برفق وسكينة، فما مضت ساعة حتى ظهر من تحت ذلك الجدار باب حديدي يشبه الأبواب التي في تلك الدهاليز.

ولم يكن لذلك الباب قفل، فضحك ميلون وقال: إننا نعرف طريقة فتحه، أليس كذلك يا مرميس؟

فأجابه: نعم، ولكننا لا نفتحه الآن.

– لماذا!

– إذ لا فائدة من فتحه الآن، فقد اشتغلنا فوق الكفاية في هذه الليلة.

ونظر ميلون في ساعته وقال: كيف ذلك، فإن الليل لم ينتصف بعد؟!

– لا بأس فاتبعوني.

ثم رجع أدراجه وهو يعد خطواته، حتى وصل في ذلك الدهليز إلى المكان الذي وجدوا فيه بقايا الردم فقال: إن المسافة من الباب الحديدي إلى هذا المكان أربع عشرة خطوة، ومن هنا إلى القبو الكائن تحت المخزن ثمانية وسبعون مترًا، فتكون المسافة كلها ثمانية وثمانين مترًا بالتقريب.

وقد عددت من باب المخزن إلى جدار سجن نوايت ثمانية وسبعين مترًا، وعلى هذا فلا بد أن يكون الباب الحديدي الأخير الذي اكتشفناه، كائنًا تحت منزل حاكم السجن، ولذلك فلا فائدة الآن من فتح ذلك الباب.

فقال ميلون: إني لم أفهم شيئًا بعد.

فابتسم مرميس وقال: ولكن الأمر بسيط.

– كيف ذلك؟

– ألم أقل لك إني سأزور مع فاندا سجن نوايت؟

– نعم …

– فإن كان الحاكم عارفًا بهذه الدهاليز فهو يريني إياها.

– إذن يضطر إلى فتح الباب الحديدي.

– كلا فإن الباب لا بد أن يكون محجوبًا بجدار من داخل السجن كما كان محجوبًا من داخل الدهليز.

– إذن فهو لا يستطيع أن يريك شيئًا.

فضحك مرميس وقال: سوف ترى، وأما الآن فهلموا بنا، فيجب أن ننام.

ثم سار أمامهم فتبعوه.

•••

وفي صباح اليوم التالي، نادى مرميس بوليت وقال له: يجب أن تكون شجاعًا.

– إن الشجاعة عندي.

– ألا تخاف من المبيت في الدهليز؟

– إني أبيت بين المقابر عند الاقتضاء.

– اصغ إليَّ، إني أريد منك أن تذهب إلى آخر باب اكتشفناه في الدهليز، فتجتهد أن لا تنام وتصغي كل الإصغاء.

– ماذا تتوقع أن أسمع؟

– لا أعلم، ولكنك تحفظ كل ما تسمعه وتنتبه إليه كل الانتباه.

– سأفعل ما تريد.

وبعد حين توجه بوليت إلى الدهليز ومضى مرميس إلى فاندا فسار بها إلى بيت حاكم السجن كما قدمناه.

٣٩

ولنعد الآن إلى بيت الحاكم، فإن زوجته وابنتيه وجدن من فاندا فوق ما كن يتوقعنه من اللطف والظرف والكياسة، فأعجبن بها غاية الإعجاب.

وقد استحال هذا الإعجاب إلى حب، حين ألبست فاندا إحدى البنتين عقدًا ثمينًا من اللؤلؤ، وألبست الأخرى خاتمًا بديعًا من أغلى الجواهر.

فأقام الجميع يتحدثون ويتنادمون، حتى دنا وقت الطعام، فأكلوا ولاعب مرميس الحاكم بالشطرنج، فتساهل باللعب كي يغلبه مبالغة بإرضائه.

ولما فرغا من اللعب قال مرميس للحاكم: إننا اتفقنا فيما اتفقنا عليه أن ترى زوجتي سجن نوايت؛ فإنها تُحب أن ترى كل ما فيه.

– حبًّا وكرامة وإنني أطلب إليك أمرًا يا سيدي.

– قل ما تشاء.

– إننا اتفقنا أن يلاعبك هذا الرجل السري الذي يدعونه بالرجل العبوس الليلة بالشطرنج.

– بل كل ليلة.

– هو ذاك وقد اتخذت كل وسائل الحرص، ولا يعلم بأنه يحضر إلى منزلي غير اثنين أثق بهما كل الثقة من حراسي.

– ما تريد بذلك؟

– أعني أن ناظر العدلية أصدر إليَّ أوامر شديدة بشأن الرجل العبوس، وهي أن لا أدع أحدًا يراه ولذلك لا أستطيع أن أري زوجتك غرفة هذا الرجل، وستراه في منزلي.

– لا بأس ولكنها تستطيع أن ترى بقية المسجونين.

– دون شك وسأريكم أيضًا جميع السجون على اختلافها من الغرف البسيطة إلى السجون العميقة المظلمة.

– أيوجد سجون عميقة في نوايت؟

– نعم يوجد سجنان.

– إن هذا يدهشني يا حضرة الميلورد.

– لماذا؟

– لأن طريقة السجون العميقة قديمة جدًّا وقد قرأت في تاريخ إنكلترا أن سجن نوايت أنشئ سنة ١٧٨٠.

– هو ذاك، ولكنه بُني على أنقاض السجن القديم الذي احترق في تلك الأيام فبقي هذان السجنان، على أنهما لم يُستعملا غير مرة فقد كانا ملجأ للمتآمرين أيام مؤامرة البارود المشهورة.

– نعم لقد قرأت شيئًا عن هذه المؤامرة، ولكن من عهد طويل فلم يعلق بفكري شيء منها.

– إنه حديث طويل سأخبرك عنه في غير هذا المقام وإن شئت بدأنا الآن بزيارة السجون العميقة.

– لماذا تُؤثر أن نبدأ بها؟

– لأنها ليست كائنة في داخل السجن، بل هي تحت أقدامنا حيث نقف؛ أي تحت منزلي.

– كيف ذلك؟

– إنه يوجد تحت منزلي قبو أضع فيه الخمر وفي هذا القبو مدخل السجنين، غير أني حصنتهما ووضعت فوقهما ما يشبه خرزة البئر خوفًا من أن يسقط فيها أحد الخدم.

– لقد أحسنت، وفوق ذلك فإن السجن العميق لا يختلف في شيء عن البئر.

– هو ما تقول، فإن هذين السجنين يبلغ عمق الواحد منهما سبعين قدمًا، ويمكن النزول إليهما بالحبال وقد نزلت إليهما مرة.

– وما رأيت فيهما؟

– رأيت فيهما مدخلًا للدهاليز التي حُفرت أيام مؤامرة البارود.

فضحك مرميس وقال: إذن يمكن الفرار من سجن نوايت.

فارتعد الحاكم، وقد خطر له الرجل العبوس، ولكنه أخفى اضطرابه وقال: إن هذا محال، فإن هذين السجنين كائنان تحت منزلي، وليس في السجن كما قلت لك وفوق ذلك فإن مدخل الدهاليز قد سد بالجدران.

– إن كان كما تقول فلم يبق وسيلة للفرار.

– وزيادة في الاستيثاق، نزلت مرة إلى السجنين ومعي بناء، فأمرته أن ينقض الجدار الذي سد فيه مدخل الدهليز ففعل، ولكنه لم يجد جدار، بل وجده قشرة رقيقة من الطين أزالها، فانكشفت عن باب من الحديد.

فاضطرب مرميس وقال: وهذا الباب؟

– إننا ألفيناه متينًا لم تعمل فيه المطارق.

– ألم تحضر صانع أقفال؟

– أحضرت ستة لا واحدًا.

– ألم يستطيعوا كسر القفل؟

– إنهم لم يجدوا فيه قفلًا فيفتحوه أو يكسروه.

– وبعدها ماذا صنعت؟

– وثقت من صلابته فتركته على حاله وطليته بالطين كما كان وجعلت فيه ثقبًا صغيرًا كي أعرف مكان الباب.

– لقد شوقتني إلى مشاهدة هذين السجنين فلنبدأ بهما.

– كما تشاء.

وبعد ربع ساعة كان الحاكم يتقدم مرميس وفاندا إلى السجن، ويتقدمهم حارسان يحملان المصابيح.

فقال مرميس لفاندا بصوت منخفض: كنت أفضل أن لا تري الرجل العبوس.

– لماذا؟

– لأني أخشى أن تظهر عليك علائم التأثر لمنظره فيفتضح أمرنا.

– لا تخف فإني أملك نفسي عند الاقتضاء وسوف ترى هذه الليلة.

– وإن ظهرت عليه نفس علائم التأثر؟

فهزت فاندا رأسها وقالت: إنه لا يحبني أنا الآن.

ثم ابتسمت ابتسامًا أعرب عما داخل فؤادها من القنوط وقالت: إنه يحب الآن مس ألن.

وبعد هنيهة وصلوا إلى مدخل السجنين فتفقدهما مرميس وكان يسأل الحاكم عن كل ما يشكل عليه؛ فيجيبه دون احتراس، إلى أن قال: أتريدان أن تنزلا إليه؟

فقالت فاندا: أما أنا فلا.

وقال مرميس: وأما أنا فإني أحب أن أنزل إليهما فإني طالما سمعت بهذه السجون ولم أرها في حياتي.

وأمر الحاكم أحد الحارسين أن يحضر سلمًا من الحبال، فغاب هنيهة وعاد به.

٤٠

فلما ربط الحارس السلم بأعلى البئر قال مرميس للحاكم: إني لا أكلفك يا سيدي مشقة النزول إلى السجن، فقد نزلت إليه مرارًا، فأعطني مصباحًا وسأنزل وحدي.

فأعطاه المصباح وحمله بإحدى يديه ونزل على السلم برشاقة الغلمان، فلم ينزل عليه درجة بل إنه أمسك الحبل بيده ولف رجليه عليه وترك نفسه يهوي حتى بلغ إلى أسفل السجن.

وأطل الحاكم من فوق قائلًا: افحص الباب جيدًا.

– ولكنك بنيت أمامه حائط كما تقول.

– نعم ولكني ثقبت فيه ثقبًا فانظر منه بنور مصباحك.

فابتسم مرميس وقال في نفسه: مسكين هذا الحاكم، فإني لم أر أشد بساطة منه.

ثم وضع المصباح قرب الثقب وجعل ينظر فرأى الباب الحديدي.

وقال له الحاكم: أرأيت الباب؟

– نعم وهو غريب الصنع.

– إنه رنان صلب فانقر عليه تعرف صلابته.

وقال مرميس في نفسه: ويح لهذا الرجل إنه بات شريكنا وخير عون لنا في تخليص روكامبول.

ثم مد يده من خلال الثقب ونقر على الباب، فخرج له دوي رنان.

وعند ذلك صعد مرميس على السلم درجة درجة، وهو يقول في نفسه: لقد بلغت ما أريد، ولا شك أن بوليت كان يسمع كلامي من وراء هذا الباب.

فلما التقى بالحاكم قال له: أليس للسجن الثاني باب مثل هذا الباب؟

– كلا، وهو يشبه هذا السجن أتم الشبه.

– إذن لا حاجة إلى النزول إليه فلنتفقد بقية السجن.

وسار الحاكم يتبعه مرميس وفاندا، وجعل يريهما غرف سجنه، وهو معجب بترتيبه، فكان يصف لهما كل ما يريانه ويوضح لهما كل ما يشكل عليهما، وقد بلغ من شغفه بهذا السجن أنه بات يُحب من يُسجن فيه، حتى إنه قال لمرميس: إني أكاد أبكي حين يخرج سجين من سجني.

– ولكنه سجن نوايت لا يخرج منه أحد إلا إلى المشنقة.

– ليس ذلك مضطردًا فإن جلالة الملكة كثيرة المراحم.

وكانت فاندا تظهر اهتمامًا عظيمًا بما تراه وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة، حتى وصلوا إلى الغرفة المسجون فيها روكامبول، فلمس مرميس كتفها وقال لها: هذه هي غرفته.

فاضطربت فاندا، ولكنها أسرعت إلى إخفاء اضطرابها، وكان باب غرفة روكامبول مقفلًا فلم يأمر بفتحه.

وغادرت تلك الغرفة إلى سواها فما مضت ساعة حتى تفرجوا على جميع غرف السجن الرهيب.

وبعدها عادوا إلى منزل الحاكم فأقامت فاندا مع زوجته وابنتيه وادعى مرميس أنه مضطر إلى الخروج لمقابلة أصحابه.

•••

وقد ذهب مرميس توًّا إلى المخزن ووقف بعيدًا عنه ورأى ميلون واقفًا عند بابه، فأشار إليه أن يتبعه.

فامتثل ميلون وتقدمه مرميس حتى ابتعد عن السجن فاجتمع به، وقال له ميلون: ما وراءك من الأخبار؟

– إني أحب أن أسألكم عن أخباركم.

– لم يحدث عندنا شيء فإن الحالة كما تركتها.

فقطب حاجبيه وسأله: وبوليت؟

– إنه لا يزال في المكان الذي وضعته فيه.

– ألم تره منذ الصباح؟

– إني ذهبت إليه عند الظهر بالطعام.

– وبعدها ألم تره؟

– كلا.

فزال التقطيب من جبينه وقال له: حسنًا، عد إلى المخزن وانتظرني فإني لا أحب أن أعود معك كي لا يروني من السجن.

فذهب ميلون وركب مرميس عربة وعاد بها إلى المخزن دون أن يراه أحد من الحراس.

وكان رجال العصابة في المخزن وكل منهم يشتغل في مهمته هذا يبيع الزبائن وهذا يقبض الثمن وآخر يقيد في الدفاتر.

فذهب مرميس توًّا إلى القبو مع ميلون، فقال له ميلون: إني لا أعلم لماذا وضعت بوليت عند ذلك الباب الحديدي فما عساك تنتظر منه؟

فلم يجبه مرميس وسار وإياه إلى حيث كان بوليت.

وأسرع بوليت إلى مرميس وقال له بصوت يضطرب: يظهر يا سيدي أننا لسنا وحدنا في هذا الدهليز.

– كيف ذلك؟

– يوجد سوانا وراء هذا الباب الحديدي.

– كيف عرفت ذلك؟

– سمعت نقرًا على الباب.

– اطمئن فأنا هو الذي قرع الباب.

فدهش ميلون وقال: ولكن أي طريق سلكت إلى هذا المكان؟

فأجابه: من الطريق الذي سيسلكها روكامبول غدًا إلينا؛ لأن ساعة خلاصه قد دنت.

٤١

ولنعد الآن إلى بيت حاكم السجن. ففي الساعة العاشرة كان الحاكم وعائلته وضيفاه جالسين على المائدة يشربون الشاي.

وكان الحاكم طلق المحيا باش الوجه طول النهار، فلما أظلم الليل انقبضت نفسه وتجهم وجهه.

أما سبب انقباضه فقد كان الرجل العبوس؛ إذ تذكر أنه يجب عليه الوفاء بعهده وإدخاله إلى منزله، فلما فرغوا من العشاء، ادعى أنه يريد تفقد السجن وذهب إلى الرجل العبوس.

فحياه روكامبول باحترام وقال له: ماذا أصابك؟ فإني أرى هيئتك تدل على الكآبة.

– إني لست كئيبًا، ولكني كثير القلق.

– لماذا يا حضرة الميلورد؟

– لا أنكر عليك أني خائف منك غير واثق بك، فإنك ستذهب الليلة إلى بيتي وأخشى أن يبدر منك ما يسيء.

– إنك تهينني يا سيدي بهذا الظن، وإذا كان بعض الظن إثم، يا سيدي كما يقولون، فإن ظنك كله إثم، وكيف يخطر لي أني أكيد لك بعد إحسانك إليَّ؟

– أتقسم لي بأنك لا تسيء إليَّ؟

– لا حاجة إلى الأقسام، يا حضرة الميلورد، فما أنا من أهل الشر كما يحسبون.

فانصرف الحاكم من عنده وقد سكن اضطرابه بعض السكون، ولكنه لم يعد إلى البيت حتى عاوده الاضطراب، وبات يحسب لاجتماع الرجلين ألف حساب.

ولما انتهوا من شرب الشاي، قال مرميس للحاكم: متى ستحضر السجين؟

فتنهد الحاكم وقال: سأحضره في الحال متى فرغ الحراس من أعمالهم، وأظنهم فرغوا.

ثم نادى أحد الخدم وقال له: قل للحارس ويتسون أن ينفذ الأمر الذي أصدرته إليه.

فانصرف الخادم، وبعد ربع ساعة فتح باب القاعة التي كانوا فيها ودخل الرجل العبوس.

فنظر مرميس إلى فاندا فرآها هادئة صامتة ساكتة تمثل دور عدم الاكتراث باضطراب قليل لا يظهر إلا لمثل عين مرميس.

أما روكامبول، فإنه حيا السيدات بلطف وإيناس، دلالة على وفرة أدبه.

فقال مرميس لفاندا: هذا هو الفرنسي المنكود يا سيدتي، الذي سجنت معه.

ثم التفت إلى الرجل العبوس وقال له: إني التمست من حضرة الحاكم إحضارك كي تلاعبني بالشطرنج حسب الطريقة الهندية.

– إني مستعد فإني أعرف هذه الطريقة، وقد أخبرني حضرة الحاكم اليوم بنيتك.

فقال مرميس للحاكم: إني أشكرك يا سيدي، وأسألك المعذرة عن كثرة مطالبي.

وكان الحاكم شديد الاضطراب حتى إنه حاول الابتسام فلم يستطع.

وتابع قائلًا: إني سأكلم مواطني بتلك اللغة الجافانية وأرجو أن لا يسوءك سماعها كما ساءك من قبل.

فنظر روكامبول إلى الحاكم نظرة خفية معنوية مفادها: ألم أقل لك اليوم إنه يريد أن ينتقم منك بالتحدث معي بهذه اللغة فلا تخف.

وعند ذلك قامت إحدى بنتي الحاكم وقالت له: إن هذه السيدة يا أبي ستشنف أسماعنا بألحانها الشجية على البيانو، بينما يلعب هذان السيدان بالشطرنج.

فقامت فاندا تعزف على البيانو، وبدأ مرميس وروكامبول يلعبان بالشطرنج، وكانت فاندا تعزف عزفًا مرتفعًا، يحول دون سماع الحديث.

أما مرميس فإنه بدأ الحديث مع روكامبول وهو يلاعبه وقال له باللغة الجافانية: أيها الرئيس إن كل شيء قد تهيأ.

– كيف ذلك؟

– إن نجاتك في الليلة القادمة يتعلق بك.

– من الذي ينقذني أنتم أو الإرلنديون؟

– نحن.

– أوضح قولك.

– إني فعلت ما أمرتني به فاشتريت المخزن الكائن تجاه السجن واشتريت الخريطة التي أخبرتني عنها.

– أوجدت مدخل الدهليز؟

– وجدت كل شيء.

ثم أخبره تفصيلًا بجميع ما فعله، وأنه نزل إلى السجن العميق ونقر على الباب الحديدي فسمع بوليت الصوت من الجهة الثانية ثم قال له: إني استأجرت باخرة وهي راسية في انتظارنا في التيمز، عند نهاية الدهليز الأيمن المشرف على ذلك النهر.

– أحسنت ولكن الإرلنديين ماذا صنعوا؟

– إني لم أعلم شيئًا من أخبارهم.

– ولكنهم يشتغلون ويعملون على إنقاذي.

– ربما، ولكننا سنبلغ قبلهم هذا المراد.

– هذه هي النتيجة التي لا أريدها.

فاضطرب مرميس وقال: لماذا؟

– لأني أريد أن يفعلوا شيئًا من أجلي.

– وأي فائدة لك من ذلك؟

– لأني أريد أن أعلم بعد إطلاق سراحي إذا كان يجب أن أخدمهم أو أتخلى عنهم.

– ولكنه لدينا في فرنسا أعظم من هذه المهمة.

– ربما، ولكني أظنك لا تجسر على عصياني.

– معاذ الله يا حضرة الرئيس.

– إذن اصنع ما أقوله لك.

ثم جعل روكامبول يحادثه ويلاعبه بالشطرنج، والحاكم يسمع حديثهما بقلق شديد دون أن يفهم شيئًا، فيضطرب ويقول في نفسه: والله إن هذين الشقيين إذا طال اجتماعهما عندي ابيضت شعوري وذهب عقلي.

٤٢

كانت مس ألن لا تزال في الغرفة التي وصفناها، وهي بثياب أخوات السجون حذرًا من الأسقف، وكان مرميس قد لقيها قبل أن يذهب إلى بيت الحاكم فقال لها: إني لا أعلم ما يصنعه الإرلنديون، ولكني أؤكد لك بأننا سننقذه.

– كيف ذلك؟

فأخبرها مرميس بجميع ما فعله، ووافقت على خطته، وانصرف إلى بيت الحاكم، وقد وعدها أن يعود إليها ويخبرها بما يكون بينه وبين روكامبول.

وفي اليوم التالي جاءها وهي تنتظره بفارغ الصبر، فتبينت الكآبة من ملامح وجهه، وقالت له: لا شك أن المصيبة قد داهمتنا، فقل لي ماذا حدث؟

– إن المصيبة لم تفاجئنا بعد، ولكني أخشى أن تفاجئنا.

– ماذا تعني؟

فقال لها بلهجة القنوط: إني أعددت كل وسائل إنقاذه، فطهرت الدهليز واستأجرت باخرة تنتظرنا في النهر، ولكنه لا يريد.

– من هو؟

– روكامبول.

– كيف ذلك؟ ألا يريد أن ينجو من السجن؟

– كلا.

فحارت الفتاة في أمرها، وقالت: ولكن كيف لا يريد؟ ولماذا؟

– لأنه يريد أن يرى ما يكون من الإرلنديين.

– إنهم سيبرون بوعدهم وينقذونه دون شك.

– ولكن متى؟

– إن الأب صموئيل أبى أن يخبرني.

– بل يجب أن نعلم فإني أنقذه بالقوة وبالرغم عنه إذا اضطررت.

– إذن تعال معي إلى كنيسة سانت جورج، فإننا نجد فيها الأب صموئيل.

فامتثل مرميس وسار معها وهو مكتئب حزين حتى وصلا إلى الكنيسة.

وكان البواب قد عرفها فقالت له المس ألن: قل للأب صموئيل إني أحب أن أراه إذا كان في القبة.

– إنه مجتمع فيها مع الزعماء ولا أعلم إذا كان يستطيع مقابلتكما.

– لا بأس اذهب وأخبره.

فذهب البواب ثم عاد فقال: إنه ينتظركما فاتبعاني.

فصعدا إلى تلك القبة ووجدا الكاهن مختليًا مع أربعة من الزعماء، فقال لهما الكاهن: ألعل لديكما أنباء خطيرة؟

فأجابته المس ألن: كلا، ولكننا أتينا لنعلم كيف ومتى ستنقذون الرجل العبوس.

فأجابها أحد الزعماء قائلًا: إننا وعدناك أن ننقذه، ونحن من الذين يحترمون الوعود.

– لا شك عندي فيما تقول، ولكني أحب أن أعلم كيف ستنقذونه.

– ذلك سر من أسرارنا لا نستطيع أن نبوح به لأحد.

– ولكن متى يكون إنقاذه؟

– قد يكون غدًا وقد يكون بعد أسبوع إلى أن تتم معداتنا.

فنظرت الفتاة إلى مرميس نظرة تشف عن اليأس، فقال لها على مسمع منهم: إذن لنصبر إذا كان لا بد من الصبر.

ثم انصرفا فلما باتا خارج الكنيسة قال مرميس للفتاة: لقد عزمت عزمًا أكيدًا لا يثنيني شيء عنه.

– ما هو؟

– هو أني سأنقذ روكامبول بالرغم عنه.

– ألم تثق بوعود الإرلنديين؟

– إني أثق بها، ولكن يظهر لي أن هؤلاء الإرلنديين من أهل المطل والأمر يدعو إلى الإسراع.

وفيما هما يسيران سمع مرميس صوت رجل يناديه، فالتفت فرأى الشرطي إدوارد فقال له: من أين أنت قادم؟

– إني سائر في أثركما.

– لماذا؟

– لأخبركما بنبأ محزن لا أجد بدًّا من إطلاعكما عليه؛ وهو أن ناظر الحقانية قرر محاكمة الرجل العبوس غدًا بناء على إلحاح الأسقف، وربما قُضي عليه بعد ليلة من صدور الحكم.

فاصفر وجه مس ألن وأوشكت أن تسقط، أما مرميس فقال: لا يزال لدينا ليلتان وهذا فوق الكفاية.

– ولكن إذا أصر على عناده فما تصنع؟

– أنقذه بالقوة وأختطفه اختطافًا.

ثم نادى مركبة فأصعد إليها مس ألن وقد وهت قواها، فجلس بجانبها وجعل يشجعها، فسارت المركبة بهما إلى غرفتها.

٤٣

وأوصل مرميس مس ألن إلى غرفتها وعاد إلى المخزن فوجد ميلون شديد القلق؛ لأنه لم يره بعد أن اجتمع بروكامبول فقال له: لم يعد لدينا وقت ويجب أن نسرع ما أمكنت السرعة.

فرد ميلون أظن أن الإرلنديين سيحدثون حدثًا، فإني رأيت كثيرين منهم يرودون في الليلة الماضية حول سجن نوايت.

– إذا كان الإرلنديون يريدون إنقاذه فلينقذوه الليلة.

– لماذا؟

– لأننا سننقذه الليلة القادمة ولو اضطررت إلى الإكراه، فإنه يريد أن ينقذه الإرلنديون اعترافًا بجميله عليهم.

فضم ميلون يديه وقال: ماذا أصاب الرئيس ألعله جُن؟ وماذا أتينا لنعمل إذن؟

– أتعلم يا ميلون أنهم سيحكمون عليه غدًا، ولكني أرجو أن نكون في طريق فرنسا قبل أن ينفذ الحكم فيه، فهل رأيت ربان الباخرة؟

– نعم، وهو مستعد للسفر.

– إذن عد إليه بين الساعة الرابعة والخامسة وقل له إن سيدة ستزوره في الباخرة …

– من هي، ألعلها مس ألن؟

– دون شك.

– في أية ساعة تزور الباخرة؟

– عند منتصف الليل وقل له أن يتأهب منذ ذلك الحين بحيث نستطيع السفر حين وصولنا إلى الباخرة.

– أأنت واثق أننا نستطيع إنقاذه هذه الليلة؟

– دون شك فهلم بنا إلى الدهليز ولنصحب وليم فإنه أشدنا قوة.

فأنار ميلون مصباحًا، وأخذ مرميس مطرقة وساروا جميعهم إلى الباب الحديدي الفاصل بين الدهليز والسجن ففتح الباب بالمطرقة على الطريقة التي عرفناها فظهر من ورائه الجدار الرقيق الذي بناه حاكم السجن.

فقال مرميس لميلون: إنك بناء فما رأيك بهذا الجدار …

– إنه رقيق جدًّا.

– ترى أنه يمكن تدميره بالمطارق بسهولة.

– لا حاجة إلى المطارق وسوف ترى، ثم صدم الجدار بكتفه صدمة قوية زعزعته فأسرع وليم إليه وقال له: اصبر فسأعينك، واندفع معه على الجدار، فما مضت دقيقة حتى تهدم وانقض وظهر السجن العميق الذي نزل إليه مرميس من بيت الحاكم، فدخل مرميس وتبعه وليم وميلون، وقال مرميس: انظر أتعلم أين نحن الآن.

– إننا في بئر كما يظهر.

– ولكن في هذا البئر منفذًا ويبلغ عمقها ستة أمتار فيجب أن نحضر سلمًا يبلغ طوله ستة أمتار.

– إن إحضار السلم سهل ميسور، ولكن كيف يمكن إدخاله من هذا الباب الضيق فإن اتساع البئر لا يزيد عن متر.

– لقد توقعت ذلك وأعددت لهذه المشكلة حلًّا فأوصيت نجارًا في شارع أوسبورن بصنع سلم يُطوى ويُنشر، فإن طوي لا يزيد حجمه عن نصف المتر وإن نُشر بلغ ستة أمتار، والآن اصغ إليَّ فإنك تذهب إلى النجار وتحضر السلم في هذه الليلة.

– وبعد ذلك؟

– تحضروا كلكم في الساعة الحادية عشرة إلى البئر ويتسلح كل واحد بمسدس وخنجر.

– وزوجة بوليت؟

– تحضرونها معكم، فإذا وضعنا السلم صعدت أنت في البدء وتبعك الآخرون ما عدا بولينا فلتنتظر عند أسفل السلم.

– وبعد ذلك؟

– عندما تبلغون إلى أعلى البئر تجدون قبوًا مقفل بمفتاح فتكسرون القفل وتفتحون الباب فتجدون السلم وتصعدون عليها وتبلغون منها إلى المطبخ وهناك لا تجدوا غير خادمة، وقد تجدونها نائمة، وإذا لم أتمكن من تخديرها وحاولت الصياح فاربطوا يديها ورجليها وكمموها وبعدها تدخلون إلى غرفة مجاورة للمطبخ وهي قاعة الطاعم فتنتظرون هناك.

– ماذا ننتظر؟

– كلمة مني تعمل بموجبها.

– وإن رأينا في المطبخ غير الخادمة؟

– إن اضطررتم إلى القتل فاقتلوا، ولكن بالخناجر لا بالمسدسات أفهمت الآن؟

فقال ميلون: كما ينبغي.

– إذن فاذهب الآن واحضر السلم وعد إلى الرفاق وأخبرهم بما يجب أن يفعلوا …

٤٤

أما مس ألن فإنها لم تكن رأت مرميس منذ الصباح، ولكنه قال لها حين رآها: إني أعيد عليك ما قلته وهو أني سأنقذه بالكره إن اضطرني إلى الإكراه.

– وأنا ماذا يجب أن أصنع؟

– يجب أن تنتظري وسيطول انتظارك إلى الساعة الثامنة حيث يأتي إليك ميلون ويذهب بك.

– إلى أين؟

– إلى باخرة راسية في النهر وهي الباخرة التي تذهب بنا إلى فرنسا.

ثم انصرف عنها فصبرت الفتاة إلى الساعة الثامنة فجاءها ميلون وعلائم السرور بادية على وجهه فقال لها: إننا لم نعد في حاجة إلى الإرلنديين يا سيدتي فسنتولى نحن إنقاذ روكامبول، وقد كنت أخشى أن يتولى إنقاذه سوانا.

– ومع هذا فقد ينقذونه؛ إذ لا شك عندي بصدق نيتهم بل قد ينقذونه قبلكم!

– إن ذلك محال.

– سيان عندي إن أنقذناه نحن أو الإرلنديين فإن الغرض أن يتم إنقاذه …

– ولكني أبذل حياتي طائعًا راضيًا على أن يكون تخليصه على يدنا لا على يد سوانا، فلقد طالما ضحى الرئيس الحبيب حياته في سبيلنا.

فابتسمت مس ألن وقالت: أتظنني غير مخلصة لروكامبول؟

– لا شك عندنا بإخلاصك يا سيدتي …

– يجب أن تعلم أني ضحيت هذا الإخلاص من أجلكم!

– كيف!

– إن الإرلنديين قد وضعوا خطة لإنقاذه لا أزال أجهلها، وأنتم قد اخترتم الدهاليز لإعداد وسائل فراره، أما أنا فما فعلت؟ إني لم أفعل شيئًا إلى الآن، ولكن لتحبط مساعي الإرلنديين، ولتحبط مساعيكم تجد أني أنا الذي أنقذه.

فأجابها ميلون بلهجة خامرها الشك: أنت يا سيدتي؟

– نعم … فإني أدعى مس ألن بالمير؛ أي ابنة لورد نبيل يُعد من أعظم رجال المجلس الأعلى نفوذًا، وإن اضطررت تراميت على أقدام الملكة وسألتها العفو عن رجل بلغ حبه من قلبي حد العبادة.

– ولكننا لسنا في حاجة إلى هذا يا سيدتي؛ لأنه لا يمضي بضع ساعات حتى يكون روكامبول بيننا.

– حقق الله هذا الرجاء فهو أمنية الجميع … والآن هيا بنا.

وعندها سار بها ميلون إلى الباخرة وقال لها: سنجتمع عند نصف الليل إن شاء الله.

ثم تركها وذهب إلى النجار الذي أوصاه مرميس على السلم، فأخذه وعاد به إلى المخزن.

ولما دخل ميلون وجد جميع رجال العصابة في اضطراب شديد وكانوا قد أقفلوا المخزن عند الساعة السادسة وأطفأوا الأنوار فباتوا في ظلام دامس.

فاستقبله جواني وقال: إننا ننتظرك بفارغ الصبر …

– لما، وما حدث؟

– لقد حدثت أمور كثيرة خلال غيابك.

فقاطعه بوليت وقال: إني سأتولى عن جواني شرح ما حدث، فإنك بعد أن خرجت كثر مرور الإرلنديين بالشارع، وكانوا يمرون اثنين اثنين، ثم رأينا فجأة واحدًا منهم يجر عربة من عربات براميل البيرا، فوقف هنيهة عند سجن نوايت بين البابين، فدنا منه عندها رجلان وأعاناه على إنزال البرميل ووضعاه عند الحائط.

– وما فعلوا بعدها؟

– لم يفعلوا شيئًا سوى أنهم ركبوا تلك المركبة وانصرفوا بها.

– والبرميل؟

– لا يزال في موضعه فتعال كي نراه.

فخرج بوليت وميلون فتفقدا البرميل، فقال ميلون: ما رأيك في هذا البرميل أتعرف ما فيه؟

– كلا.

فهزه ميلون وقال: إنه شديد الثقل.

فقال بوليت: أظنه محشو بارود.

فارتعش ميلون وقال: ما يعملون بالبارود؟ وأي قصد من وضعه عند الجدار؟

– لأنهم يريدون نسف السجن كما يظهر.

فهز كتفيه وقال: من الذي يبغي نسفه؟

– الإرلنديون بغية تخليص روكامبول.

– ويحك! ما هذا الخطأ؟ ألا تعلم أنهم إذا نسفوا السجن بغية تخليصه قتلوا الذي يريدون أن يخلصوه؟

– لقد أصبت، ولكن هلم بنا ندور حول السجن.

فوافقه ميلون وسارا نحو مائة خطوة فوجدا برميلًا آخر يشبه الأول، فقال له: أتعلم يا بوليت ماذا هذا؟

– كلا.

– إنه خمر سرقه اللصوص، فوضعوه هنا على أن يأخذوه في الصباح.

– ربما كنت على حق، ولكني لا أزال أعتقد أنه بارود.

– ذلك سيان عندي، فإنهم حين ينسفون السجن نكون قد أخرجنا روكامبول منه.

– ربما، ولكني في كل حال أؤثر أن أخبر مرميس بما رأيناه.

– إن هذا محال، فكيف يمكننا الدخول إلى سجن نوايت.

فتنهد بوليت وقال: لقد أصبت.

– إذن يجب أن نسرع ما أمكننا السرعة وأن نخرج روكامبول من سجنه قبل أن يُنسف، فهلم بنا نعود إلى المخزن فقد آن أوان رجوعنا إلى الدهليز.

وعندها رجعا إلى المخزن، ونزلا مع بقية العصابة إلى القبو، فأناروا المصابيح وحملوا السلم، وساروا في الدهليز الطويل حتى بلغوا إلى السجن العميق، فوضعوا السلم وصعدوا جميعهم ما خلا بولينا، فكسروا الباب كما أمرهم مرميس ودخلوا إلى المطبخ وهم يحملون المسدسات بأيديهم والخناجر بأفواههم.

٤٥

وكان مرميس قد عاد إلى سجن نوايت قبل هجوم الليل فوجد فاندا تعزف على البيانو مع بنتي الحاكم، ووجد زوجته تشتغل بالتطريز.

أما الحاكم فلم يكن في المنزل في ذلك الحين؛ لأنه لم يكن يعود إلى المنزل إلا ساعة العشاء.

ولما عاد رآه مرميس مصفر الوجه ووجد بين ثنايا وجهه علائم القلق، فقال له: يظهر يا سيدي الحاكم أنك متعب الليلة.

– هو ذاك أيها الضيف العزيز.

– ما أصابك؟

– لدي أنباء سوء.

فأدرك ما يعنيه الحاكم بأنباء السوء ولم يلح عليه بالسؤال، وبعد العشاء دخل هو والحاكم إلى قاعة التدخين، فلما اختليا سأله: قل لي يا سيدي الآن ما هو النبأ السيئ الذي أشرت إليه.

– هو أني أخشى ألا يتيسر لك ملاعبة الرجل العبوس بالشطرنج الليلة.

– لماذا؟

– لأنه ورد إليَّ بلاغ من ناظر الحقانية يتضمن على أن هذا المنكود ستكون محاكمته في صباح غد.

فتكلف الانذهال العظيم، وقال له: ألعلهم عزموا على الحكم عليه قبل أن يعرفوا اسمه؟

– نعم، والذي أراه أنهم سيحكمون عليه بالإعدام ويُشنق بعد غد دون شك.

فتأسف عليه ثم قال: ولكني سألاعبه ليلتين أيضًا.

فتراجع الحاكم منذعرًا وقال: كيف ذلك؟ أتجسر على ملاعبته بعدما علمت من أخباره؟

– دون شك.

– ولكني سأضطر إلى زيارة هذا المنكود الليلة وإخباره بما جرى.

– ستخبره في الليلة القادمة.

– ذلك محال يا سيدي فإن النظام يقضي عليَّ بإبلاغه الخبر في هذه الليلة قبل انتصاف الليل.

– إذن ستخبره الليلة، ولكن بعد فراغنا من اللعب.

وقد قال هذا القول بسكينة وارتياح، فكان الحاكم ينظر إليه نظرات إنكار ويقول في نفسه: ما هذا الرجل فقد تجرد قلبه من عاطفة الرفق والإشفاق.

وكأنما مرميس قد أدرك معنى نظرته فقال له: لقد آن الأوان يا سيدي الحاكم لإطلاعك على كل شيء من مكنونات أمري.

فوجف قلب الحاكم وقال: ماذا تعني يا سيدي؟

– أنك تحسبني إلى الآن غنيًّا من أهل الشذوذ والأخلاق الغريبة.

– هو ذاك يا سيدي فأنت الذي حكمت على نفسك هذا الحكم.

– نعم، فقد أكون من أهل الشذوذ غير أني من كبار اللاعبين بالشطرنج فإني غلبت في باريس جميع مشاهير هذه اللعبة، ولم يبق في لندرا من يجسر على ملاعبتي، ولكني لقيت رجلًا في بطرسبرج، وأعترف لك أنه هو وحده الذي غلبني إلى الآن.

– أحق ما تقول يا سيدي ومن هو هذا الرجل؟

– هو الجنرال إيجيتوف فقد قال لي آخر مرة غلبني فيها: «إنك لم تتعلم لعب الشطرنج على طريقة البراهمة فلا يمكن أن تكون من أكفائي» وقد علمت يا سيدي الحاكم أن الرجل العبوس يعرف هذا النوع من اللعب.

– نعم عرفت.

– وقد علمني اللعب ليلة أمس غير أني لا أزال محتاجًا إلى التمرين.

– وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك أصبح خير كفوء للجنرال فقد ربح مني مليون ريال في العام الماضي.

فاستعظم الحاكم المبلغ وقال له: مليون ريال؟

– نعم؛ أي نحو أربعة ملايين فرنك أفهمت الآن؟

– لم أفهم شيئًا بعد.

– إني في مدة سجني في نوايت تنقلت مع هذا المكنود الذي تدعونه الرجل العبوس من حديث إلى حديث، حتى انتهت بنا المباحثة إلى حديث الشطرنج، فأكد لي أنه يعرف الطريقة الهندية، وكنت لا أزال آسفًا على الملايين الأربعة التي فقدتها فقلت في نفسي: إن سمح لي حاكم السجن بملاعبة الرجل وتعلمت منه الطريقة الهندية فغلبت الجنرال واسترجعت ما خسرت من الملايين.

فأشرق وجه الحاكم بنور الرجاء وزالت من نفسه وساوس المؤامرة، فإن الهواجس كانت قد تمكنت منه فهدت حيله منذ دخول مرميس إلى السجن.

وعاد مرميس إلى الحديث وقد رأى ما بدا عليه من علائم الاطمئنان، فقال: إنك ترى يا سيدي الحاكم أن دخولي إلى بيتك لم يكن كما كان باديًا عليَّ من ظواهر الشذوذ، بل لاسترجاع تلك الملايين، وهي كثيرة تستحق هذا الاهتمام، فإن شنق الرجل العبوس، قبل أن أتمكن من إدراك دقائق أسرار هذا اللعب فقدت الملايين واضطررت أن أعود إلى المحامي ستلج ليطالبك بالغرامة.

فأنَّ الحاكم أنين الموجع وقال: لا أخالك تعود إلى هذا البحث.

– إذن دع الرجل العبوس يمرنني التمرين الأخير.

ففرك الحاكم أذنه دون أن يجيب وقد اصفر وجهه من الخوف، فقال له مرميس: إن الوقت غير متسع لدينا فاختر بين حلين، إما الرجل العبوس، أو المحامي ستلج.

٤٦

وقد وقف الحاكم التعس شر موقف فهو إما أن يخالف واجباته فيعرض نفسه للعزل والإهانة، أو يخالف مرميس فيعرض ثروته للضياع، وحاله للخراب.

وقد أراد أن يقنع مرميس بأنه من المخلصين له فأراه بلاغ الحاكم ثم قال: أترى في أي موقف أوقفتني فإني إن لم أطعك كنت السبب في خرابي، وإن أطعتك خالفت الشرع وعصيت أمر الوزير.

– بماذا تخالفه.

– بعدم إبلاغ الرجل العبوس هذه الأنباء قبل نصف الليل.

– ولكننا نفرغ من اللعب في الساعة الحادية عشرة.

– ولكن هذا المنكود يجب أن يقضي مع المحامي عنه هذا الوقت الذي يقضيه بملاعبتك.

– ولكنك تقول: إن الحكم عليه لا بد منه، فأية فائدة له من لقاء المحامي؟

– هو ما تقول، ولكن إن علم ناظر الحقانية بما جرى عاقبني بالعزل دون شك.

– كلا، بل إني أضمن لك أنه يكافئك خير مكافأة.

فدُهش الحاكم وقال: كيف ذلك؟

– ألم تقل لي: إنهم سيحكمون على الرجل العبوس دون أن يعرفوا اسمه؟

– نعم …

– إذن افترض أنه غدًا في ساعة المحاكمة تذهب إلى المجلس وتخبر القضاء بحقيقة اسم الرجل العبوس.

فانذهل الحاكم انذهالًا شديدًا وقال: أنا أقول لهم حقيقة اسمه وكيف يكون ذلك وأنا لا أعرفه؟

– ولكني أقوله لك …

– أنت! إذن أنت تعرف اسمه؟

فنظر مرميس في ساعته وقال: إن الساعة التاسعة الآن وستحضر الرجل العبوس لملاعبتي في الساعة العاشرة تقريبًا.

– نعم …

– وفي الساعة الحادية عشرة تنصرف زوجتك وبنتاك إلى مخادعهن.

– هو ذاك كما يفعلن في كل ليلة.

– وعند ذلك، يبقى في هذه القاعة، أنا وزوجتي وأنت والرجل العبوس.

– وبعد ذاك؟

– وبعد ذاك أنادي الرجل العبوس باسمه الحقيقي.

– وإن أنكره؟

– أقسم لك أنه لا يُنكره.

– كيف تثبت أنه لا يُنكر؟

– لأني حين كنت معه في السجن قال لي: إني لا غرض لي في إخفاء اسمي إلا لإطالة مدة المحاكمة، ولكنهم إن حكموا عليَّ ذكرت اسمي أمام القضاء.

– أحق ما تقوله لي أيها الرجل النبيل؟

– هي الحقيقة بعينها.

– أيمكن أن تكون هازئًا بي؟

– من يسعى وراء أربعة ملايين فرنك، لا يهزأ بأحد، وعلى ذلك فاحضر السجين، وإن علم ناظر الحقانية أنك أحضرته إلى منزلك وأراد تأنيبك ومعاقبتك، أفحمته بكلمة وهي اسم الرجل العبوس الحقيقي، ثم تقول له: إنك ما خالفت نظام السجن إلا لهذه الغاية الحميدة فيُكافئك بدلًا من أن يُعاقبك.

فسُر الحاكم سرورًا عظيمًا بهذه النتيجة بعد أن وثق من مرميس وعاد إلى الاشتراك بالحديث العام مع الحضور.

وبعد نصف ساعة برح الحاكم القاعة وهو يقول لمرميس: إني ذاهب لإحضار الرجل العبوس.

فلما انصرف الحاكم خلا مرميس بفاندا وأخبرها بجميع حوادث النهار، فاصفر وجهها حين علمت أن محاكمته غدًا، ولكن مرميس قال لها: إن كل شيء قد أعد لفراره الليلة.

– وإن أبى الرئيس أن يهرب؟

– لا بد له من أن يقبل.

– من يعلم.

– أنا، فإنه إن أبى أن يتبعنا عرَّض نفسه للقتل وعرضنا لأشد الأخطار.

فأطرقت فاندا برأسها وقالت: لا أعلم ما يكون، فإني شعرت اليوم بكآبة لم أشعر بمثلها في ما مر بي من أدوار الحياة، وإن قلبي ينذرني بمصاب كبير.

فهز مرميس كتفه وقال: إن مناخ لندرا دفعك إلى هذه الكآبة والكآبة ولدت في قلبك هذه الهواجس.

– ربما صح ما تقول، غير أنه إذا حبط مشروعنا فما نصنع؟

– يتولى إنقاذه الإرلنديون، والآن فهل لدينا خنجر؟

– هو تحت ملابسي …

– إذن فلنصبر، والله من وراء القصد.

وعندها فُتح الباب ودخل الحاكم مع روكامبول.

٤٧

وكان روكامبول رابط الجأش باسم الثغر تبدو عليه السكينة والارتياح كأنه غير مهدد بالشنق في سجنه الرهيب، بل كأنه ينادم أصحابه في نوادي باريس وهو يُدعى الماجور أفاتار.

وكان مرميس يقلد سكينته ويرتاح ارتياحه ما خلا فاندا فإنها كانت حزينة النفس منقبضة الصدر، فشُغل روكامبول بما رآه من ظواهر كآبتها.

أما الحاكم فإنه جلس قرب مرميس كي يرى دائمًا وجه الرجل العبوس ويراقبه، فجعلا يلعبان نحو ربع ساعة دون أن يفوها بكلمة؛ مما استدل منه الحاكم على شدة انهماكهما في اللعب، إلى أن بدأ مرميس يحدثه باللغة الجافانية فقال: لدي أنباء جديدة أيها الرئيس.

– لقد توقعت ذلك مما رأيته من كآبة فاندا.

فاعترض الحاكم وقال: كيف ذلك أعدتما إلى الحديث بهذه اللغة الجهنمية؟

فقال له مرميس: إنك مخطئ يا سيدي الحاكم إننا لا نتكلم بتلك اللغة الاصطلاحية التي تخافها.

– ولكنكما تتحدثان باللغة الجافانية.

– هو ذاك، ولكن حديثنا هذه المرة بلغة جافا الحقيقية.

– وأية فائدة من الحديث بها بعد أن رجعت عن الهزء بي.

– لأننا نلعب بالشطرنج على الطريقة الهندية ولا بد للتعبير عن المصطلحات بلغة الهنود.

فتنهد الحاكم وقال في نفسه: إن كل شقاء يعرف موعد انتهاءه لا يُعد شقاء، وهذه آخر ليلة تعذباني فيها هذا التعذيب.

عند ذلك سأل روكامبول مرميس باللغة الجافانية فقال له: ماذا حدث؟

– رأيت زعماء الإرلنديين الأربعة والأب صموئيل.

– ألعلهم يعملون على إنقاذي؟

– نعم … ولكنهم أبوا أن يخبروني عن خطتهم في إنقاذك وعن الموعد الذي عينوه.

– وما يهمنا ذلك؟

– يهمنا جدًّا.

– لماذا؟

– لأننا نضطر إلى لزوم السكينة بينما الأغراب يشتغلون.

فابتسم روكامبول وقال: أتعلم ما خطر لي يا مرميس؟

– ماذا.

– لقد خطر لي أن الإرلنديين يخفقون في مشروعهم وأنكم تخيبون أيضًا فلم يبق إلا أن أهتم بنفسي وأحك جلدي بظفري.

– ما تعني بذلك؟

– أعني أني سأنقذ نفسي بنفسي.

– متى!

– بعد ثلاثة أيام.

وعند ذلك بلغت الساعة الحادية عشرة فانصرفت زوجة الحاكم وبنتاه، فقال مرميس لروكامبول: إنه بعد ثلاثة أيام يكون قد فات الأوان.

– لماذا؟

– لأنهم سيحكمون عليك غدًا ويشنقونك بعد غد.

فارتعش روكامبول ارتعاشًا لم يظهر، فقال له مرميس: يجب يا سيدي أن تعذرنا وترضخ لمطالبنا فهذه أول مرة جسرنا فيها على عصيانك، وإن رجال العصابة سيكونون هنا بعد ربع ساعة.

فاتقدت عينا روكامبول وقال: أحق ما تقول؟

– نعم، وقد عزمنا على اختطفاك إن أبيت أن تتبعنا.

فتنهد روكامبول وقال: إن إخلاصكم قد شفع لدي بعصيانكم، وقد صفحت عنكم.

وكان الحاكم يسمع الحديث ولا يفهم كلمة منه.

وجعل ينظر إلى الساعة قلقًا وينتظر بفارغ الصبر أن يحين الوقت لمعرفة حقيقة اسم الرجل العبوس.

ولما حان الوقت وبات مرميس واثقًا من قدوم رجال العصابة خاطب روكامبول باللغة الإنكليزية فقال له: أليس ما قلته لي أكيدًا يا سيدي، وهو أنهم إذا حكموا عليك تعترف لهم باسمك الحقيقي؟

– دون شك.

فصاح الحاكم صيحة فرح وقال: إذن تستطيع أن تتكلم الآن.

فقال له روكامبول: لما يا سيدي الميلورد؟

– لأنهم قرروا محاكمتك دون أن يعرفوا اسمك.

– لا أظنك تريد فيما قلته إلا حملي على الاعتراف.

– كلا وهذا بلاغ ناظر الحقانية يُثبت لك ما أقول.

فنظر روكامبول إلى ذاك البلاغ الوزاري دون اكتراث وقال له: متى قرروا محاكمتي؟

– غدًا …

– وأنت متى ترى أنهم يشنقونني؟

– بعد غد …

– إذن تُريد أن تعرف حقيقة اسمي؟

– إني ألتمس ذلك منك التماسًا ورجائي أن تجيبني إليه فإني ما أردت لك إلا الخير.

إذن فاعلم أني أدعى روكامبول.

فوقف الحاكم لانذهاله وقال: أنت روكامبول!

– أنا هو بعينه.

وقد قال روكامبول هذا القول وهو يضحك، ولكنه قبل أن يتم ضحكه سمعوا صوت استغاثة ضعيفة ثم سمعوا صوت وقوع جسم على الأرض ثم انقطع الصوت.

فهب الحاكم منذعرًا وحاول أن يخرج إلى مصدر الصوت غير أن مرميس حال دونه فقبض على عنقه واستل خنجره فقال: إن مشيت خطوة أو صحت صيحة فأنت من الهالكين.

ثم صاح قائلًا: إليَّ أيها الرفاق.

٤٨

وهذه أول مرة وقف فيها الحاكم مثل هذا الموقف، فإنه حين سمع ما قاله له مرميس احمر وجهه في البدء ثم تواترت أوداج عنقه، وجعل يجيل نظرًا تائهًا بين روكامبول ومرميس وفاندا، فيرى علائم اليأس والشدة بادية بين وجوههم.

ثم سمع أن الأصوات قد زادت في مطبخه، ثم رأى الباب قد فُتح ودخل فريق من الرجال، فانجلت الحقيقة لهذا الحاكم الساذج، وأدرك سر المكيدة.

فقال في نفسه: إن الرجل الذي دعا نفسه روكامبول له شريك في المؤامرة وهو الرجل الفرنسي الذي هزأ بي وبالسفارة، وهؤلاء الرجال الذين دخلوا هم أعوان هذين الرجلين.

وكان الذين دخلوا إلى القاعة هم ميلون وبوليت وجواني ومورت ووليم، فصافحهم روكامبول، وسأل مرميس عن شوكنج، فقال: إني كتبت إليه أن يحضر، ولا بد أن يكون قد وصل الآن، ولكني لم أره بعد.

أما الحاكم فقد كان في بدء عهده جنديًّا، ولكنه اعتزل الخدمة العسكرية منذ عشرين سنة، وتعود عيش الترف فذهبت حميته، ولما رأى جميع أولئك الناس قد انقضوا على منزله انقضاض الصاعقة، هلع قلبه ووهت رجلاه من الخوف، فسقط جاثيًا على ركبتيه وهو يقول: بالله رحماكم وأشفقوا عليَّ.

فضحك مرميس وقال: اطمئن فإننا لا نقتلك إذا لزمت السكينة.

أما روكامبول فإنه التفت إلى ميلون وقال له: أوصلتم إلى هنا دون صعوبة؟

– كلا فإننا لقينا خادمة حاولت أن تستغيث فأوثقنا يديها ورجليها ووضعنا كمامة في فمها.

– وغير ذلك؟

– لقينا أيضًا حارسًا، في الغرفة المجاورة لهذه القاعة، فاضطر وليم إلى قتله.

وكان مرميس لا يزال محتفظًا بالرئاسة مع وجود روكامبول، فالتفت إلى الحاكم وقال له: يسوءني يا سيدي أن أجازيك عن حسن ضيافتك لي هذا الجزاء.

ولكني مكره على ما فعلت، فيجب عليك الآن أن تذعن لأحكامنا إذا كنت تؤثر الحياة، فافتح فمك في البدء لنضع فيه الكمامة، ثم اسمح لنا أن نوثق يديك ورجليك.

فبكى الحاكم بكاء الأطفال وقال: أتعاملني هذه المعاملة بعد أن عاملتك معاملة الأشراف؟

– إني شريف في عيني وفي عيون من يعرفني.

ثم أخذ كمامة من جيبه ودنا بها من الحاكم.

فأشار الحاكم إشارة مفادها أنه يريد أن يقول كلمة أيضًا.

فقال له مرميس: قل يا سيدي ما تشاء وأوجز ما استطعت فإن الوقت غير فسيح للجدال.

فقال بصوت مختنق: أتعدني أنك لا تسيء إلى امرأتي وبناتي؟

– إني لا أسيء إليهن ولا إليك، فما نحن من أهل الشر.

أتعدني أيضًا أنكم لا تسرقوا شيئًا من المنزل؟

فامتعض مرميس وقال: إنك تتهمنا بما نحن براء منه يا سيدي الحاكم، وحقك أن تتهمنا بما تشاء بعد الذي رأيت منا، غير أننا لسنا لصوصًا بل نحن متآمرون.

فلم يجد هذا الحاكم المنكود بدًّا من الإذعان، ففتح فمه ووضع مرميس فيه الكمامة وأوثق يديه ورجليه ووضعه برفق فوق مقعد، ثم قال للجماعة: هلموا بنا الآن.

فقال له روكامبول: ألعل الباخرة متأهبة؟

– إنها تنتظرنا عند مدخل الدهليز.

– والمس ألن؟

– إنها فيها.

فمشى روكامبول خطوة إلى الباب ثم التفت وراءه إلى فاندا فوجدها صفراء الوجه كئيبة فقال لها: ماذا أصابك؟

– لا أعلم ولكني خائفة.

فقال لها مرميس: أتخافين والرئيس معنا؟

وقال لها روكامبول: هلمي واتبعيني.

فمشت بالكره عنها وكان ساقاها يضطربان، فشُغل بال روكامبول عليها وقال: أخاف أن تكون أصابتها نوبة عصبية.

ثم تأبط ذراعها وسار بها تتبعهما الجماعة حتى وصلوا إلى المطبخ حيث كانت الخادمة ملقية مكممة، فوقفت فاندا وقالت: لا تتوغلوا بالمسير.

فقال مرميس: رباه ماذا أصابها ألعلها جُنت؟

وكان روكامبول قد خاف خوفًا شديدًا عليها فقال لها: لقد فات الأوان ولم يعد سبيلًا للرجوع.

فاصطكت أسنان فاندا وجعلت تقول: لا تتقدموا … إني خائفة.

٤٩

فجعل روكامبول ومرميس وميلون ينظر كل منهم إلى الآخر نظرات الانذهال.

ثم قال روكامبول لمرميس: ألا تعلم لماذا هي خائفة؟

– كلا.

وقالت فاندا: إني أتوقع مصابًا.

فقال لها مرميس: ولكننا لا نستطيع البقاء هنا، وأنت عارفة بموقفنا.

فتنهد روكامبول وقال: إن فاندا روسية تعتقد بأحاديث القلوب.

ثم التفت إليها وقال: هلمي بنا أيتها الحبيبة فإن الله يحمينا.

فامتثلت له وسارت معه حتى وصلوا إلى فم البئر، فقال روكامبول مخاطبًا رجال العصابة: إني رئيسكم وفي مثل هذا المقام يجب أن أكون آخر من ينزل بعدكم.

فقال له مرميس: ولكنك تنزل قبلي.

– لماذا؟

– لأنك قد تؤثر أن ينقذك الإرلنديين فتفضل البقاء.

– إنك لا تزال أبله، فقد أردت امتحان تلك الطائفة، وعلمت أنها لم تقدم على إنقاذي غير مكرهة طمعًا باسترضاء المس ألن وأبيها، وكفى ذلك برهانًا، فانزل.

فنزل الجميع واحدًا بعد واحد، فلما اجتمعوا كلهم في أسفل البئر تنهد ميلون تنهد الراحة وقال: لينسف الإرلنديون السجن الآن كما يشاءون ببارودهم.

فارتعش روكامبول وقال: أي بارود تعني؟

– إن الإرلنديين يحاولون نسف سجن نوايت، هذه الليلة، بغية إنقاذك.

– كيف عرفت ذلك؟

– قد رأيت مع بوليت براميل البارود عند جدران السجن، ولكنهم قبل أن ينسفوه نكون قد بعدنا عن موقف الخطر.

وعادت فاندا إلى إظهار مخاوفها وهواجسها، عندما سمعت هذا الحديث.

وكانت بولينا واقفة تنتظر بمصباحها، وقد أهاج الخوف أعصابها، فلما رأت زوجها أسرعت إلى معانقته وقالت له: لقد خفت وحدي خوفًا شديدًا فلنسرع الآن بالخروج من هذا الدهليز بل هذا القبر.

فساروا جميعهم حتى بلغوا القاعة ذات الثلاثة دهاليز، فوقفوا وسألوا مرميس في أي دهليز يجب أن يسيروا، فسار يتقدمهم في الدهليز المؤدي إلى النهر.

ولكنهم لم يسيروا بضع خطوات حتى ارتجت الأرض تحت أقدامهم، وسمعوا دويًّا هائلًا يفوق دوي الصواعق، فسقطوا جميعهم على الأرض لقوة الارتجاج.

وصاحت فاندا قائلة: رباه هذا الذي كنت أخشاه.

وقال ميلون: هو ذا دوي بارود الإرلنديين.

ثم سمعوا دويًّا آخر من ورائهم فالتفتوا وإذا بسقف الدهليز الذي كانوا يسيرون فيه قد تهدم وسقط صخور كبيرة.

فصاح مرميس بالرفاق قائلًا: أسرعوا راكضين فإننا قد ننجو.

فنهض الجميع وأسرعوا ركضًا إلى جهة النهر، ولكن الأرض كانت لا تزال ترتج تحت أقدامهم والصخور تتساقط.

فنظر روكامبول إلى ما حواليه بعينين تتقدان وقال: ماذا جرى ألعل ساعتي الأخيرة قد دنت؟

فقال مرميس: كلا فإن الطريق لا تزال مفتوحة.

أما فاندا فإنها اضطربت اضطرابًا شديدًا وقالت: بالله كفى لا تسيروا خطوة إلى الأمام.

فقال مرميس: كلا فلنمش.

فسار روكامبول في طليعة رجاله، وهو يقول: لنمش، ويفعل الله ما يشاء.

وتبعه الرفاق يتقدمهم ميلون وهو يشتم الإرلنديين أقبح شتم.

ولكنهم لم يسيروا بضع خطوات حتى سمعوا دويًّا آخر أشد من الأول، فصاحت فاندا صيحة منكرة وسقطت على ركبتيها.

أما بقية الرفاق فقد جعل كل منهم ينظر إلى الآخر نظرة ملؤها الرعب، ما خلا روكامبول فإنه لبث ساكنًا هادئًا شامخ الأنف غير مكترث لهذه الأخطار الهائلة.

٥٠

وقد طالت مدة تساقط الدهليز فإن القبة كانت تسقط قطعًا ضخمة، والأرض تهتز كل حين كما تهزها الزلازل.

وكانت فاندا راكعة تصلي، وبولينا تعانق زوجها بوليت وتقول: إننا نموت معًا على الأقل.

وكان ميلون يهدد السماء بقبضته ويشتم الإرلنديين، ومرميس ينظر إلى روكامبول، وروكامبول ساكن رابط الجأش ينظر إلى هذه النكبة ويتوقع نهايتها بسكينة تدل على أنه فوق الموت.

ثم خف الارتجاج وسكن الدوي وانقطع تساقط الصخور فقال روكامبول: هيا بنا … إلى الأمام.

فاتقدت عينا فاندا ببارق من الأمل وقالت: لقد نجونا.

فأجابها روكامبول: كلا إننا ما نجوننا بعد، ولكن تقدموا واتبعوا.

وكانت الصخور تراكمت في ذلك الدهليز، غير أن روكامبول كان يحمل مصباحًا فكان يسير أمامهم مستضيئًا به وهم يتبعونه آمنين لما رأوا من ظواهر سكينته.

فساروا كذلك نحو مائة خطوة وهناك وقف روكامبول؛ إذ رأى برميلًا كبيرًا ملقى أمامه في الدهليز.

وقد أيقن أنه برميل بارود؛ لأنه رأى فتيلًا في طرفه، فجعل يقول في نفسه: ما هذا البرميل ومن وضعه؟ ألعل الإرلنديين يعرفون طريق هذا الدهليز؟

وكان الرفاق قد وقفوا لتوقفه فدنا مرميس من البرميل وجعل ينظر إليه منذهلًا من وجوده ويظن فيه الذي ظنه الرئيس.

أما روكامبول فإنه بعد أن أتم فحصه قال: يستحيل أن يكون الإرلنديون وضعوه في هذا الدهليز.

– ومن عسى يضعه إذا لم يكن الإرلنديون؟

ودار روكامبول حول البرميل يفحصه أيضًا وابتسم قائلًا: إنه كائن في هذا الدهليز قبل أن نُخلق.

فدهش مرميس وقال: كيف ذلك؟

– وهذا البارود فيه من نحو ٢٠٠ سنة.

– كيف يمكن ذلك أن يكون؟

– انظر إلى خشبه قد نخره السوس ويكاد يفت إذا لمسته الأيدي.

– لقد أصبت.

– لا تمس الفتيلة فإنها شديدة الجفاف لما تقادم عليها من الأعوام، وهي تستحيل إلى غبار إلى لمستها.

– وعلى ذلك فإن البارود قد فسد أيضًا لطول عهده.

– إنك مخطئ يا مرميس، فإن قوة هذا البارود القديم تبلغ عشرة أضعاف البارود الجديد، فاحذروا أن تدنوا منه بمشاعلكم، وسيروا إلى الأمام.

ثم تقدمهم وتبعوه، وكانوا كلما ساروا يشعرون بأن الأرض تنخفض مما يشير إلى اقترابهم من النهر.

ولكن روكامبول توقف فجأة وقال: هذا الذي كنت أخشاه.

ذلك أنه رأى حجرًا ضخمًا قد سقط من قبة الدهليز وسد مخرجه كما سدت الصخور مدخله من ورائهم.

وزاد رعب فاندا وقالت: هو ذا قد بتنا أسرى.

فلم يجب روكامبول بشيء، وقد ذهب كل رجائه فإنه لا يستطيع أن يرجع إلى الوراء خوفًا من الوقوع في قبضة الشرطة؛ لأنهم لا بد أن يعلموا ما جرى للحاكم ويسرعوا إلى مطاردتهم في الدهليز، ولا يستطيع أن يتقدم إلى الأمام؛ لأن الطريق قد انسدت.

فتمعن هنيهة والرفاق وقوف حوله ينظرون إليه، ثم قال: يجب أن تغلب أو تموت.

فقال ميلون: كيف يتسنى لنا ذلك الفوز، ومن يستطيع دفع هذا الصخر إلى النهر؟

وقال مرميس: ألا نستطيع تكسيره؟

فأجابه ميلون: كيف نستطيع ذلك وليس لدينا شيء من الآلات، ثم ألا ترى أن الصخر أصم صلد؟

فقالت فاندا: أرى أننا سندفن أحياء في الدهليز.

فقال روكامبول: ربما.

أما بولينا فإنها عانقت زوجها تبكي.

فقال له بوليت: لا تبكي أيتها الحبيبة فإننا لم نقنط بعد كل القنوط، ألا ترين الرئيس انظري إلى وجهه فإنه يدل على أتم السكينة.

أما روكامبول فإنه لم يحفل بهذه الأخطار وقال لمرميس وميلون: اصغيا ألا تسمعان دويًّا بعيدًا؟

– نعم.

– إن هذا الصوت صوت دوي أمواج التيمس، فإنه بات على مسافة قريبة منا، وانظر يا مرميس إلى قبة هذا المكان الذي نحن فيه فإنها منحوتة من الصخر الأصم.

– هو ذاك ولا خوف علينا من سقوطه.

– ليس هذا الذي أريده، ولكنك تعودت إطلاق البنادق، أليس كذلك؟

– دون شك.

– إذن لنفرض فرضين، أولهما أن هذا الرواق الذي نحن فيه قريب جدًّا من النهر.

– إن ذلك أكيد لا سبيل فيه إلى الافتراض.

– ولنفرض أن هذا الرواق يشبه حديد البندقية.

– نعم.

– وأن هذا الصخر الذي تحشى بها فإنه يسد سبيلنا.

– وبعد ذلك؟

– إذن لا يعوزنا لإطلاق تلك الرصاصة غير البارود والبارود عندنا.

فقال ميلون: ألعلك تريد نسف الصخر؟

فقال روكامبول: كلا، بل أريد دفعه إلى النهر بقوة البارود، كما تدفع الرصاصة البندقية.

وقال مرميس: إن الفكر دقيق، ولكني أرى تحقيقه صعبًا.

– لماذا؟

– إن البارود لا يلقى وراءه ما يصده في الدهليز كما يلقى في البندقية، فينفجر ولا يكون لنا بعد انفجاره غير الموت.

فقالت فاندا: لقد أصاب مرميس.

أما روكامبول فإنه ابتسم وقال: بل أخطأ.

فنظر الجميع إلى روكامبول نظرات تدل على القلق، أما روكامبول فإنه كان ساكنًا مطمئنًا، ونظر إلى مرميس وقال له: إن الذي ينقصك هو القوة للمقاومة أليس كذلك؟

– دون شك كي تنحصر قوة البارود في الجهة المواجهة فتستطيع دفع الصخر وإلا فلا يكون إلا الانفجار.

– ولكن ذلك سهل ويسير، فإني أنا وأنت وميلون نحمل ذلك البرميل الذي لقيناه في الدهليز ونضعه تجاه الصخر ونجعل الفتيل من الوراء؛ أي من جهتنا دون شك.

– وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك نحمل جميع الذي نعثر به من الصخور التي تساقطت في هذا الدهليز، فيبنى بها جدارًا وراء البرميل تكون سماكته ستة أضعاف سماكة الصخر، وأنت بناء يا ميلون فكم تحسب أن هذا العمل يقتضي له من الزمن؟

– ست ساعات على الأقل.

– ولكن الشرطة تفاجئنا قبل ساعة.

فهز روكامبول كتفيه وقال: أما الشرطة فلا نخشاها لسببين؛ أحدهما أن الانفجار قد حدث مرتين وراءنا ولا بد أن يكون قد سد الطريق، والثاني أن هذا البوليس قد يعتقد أننا قتلنا جميعًا بهذا الانفجار، فلا يشغل نفسه بمطاردتنا.

فقال ميلون: ولكن العمل يقتضي له ست ساعات من الوقت.

فابتسم روكامبول وقال: أتظن أن الوقت طويل؟

– دون شك.

– إذن لنفرض أننا بنينا الجدار بلحظة، وأنه مبني الآن، بحيث لا يبقى علينا إلا أن نلهب الفتيل، فيجب علينا بعدها أن ننتظر سبع ساعات على الأقل.

فنظر الجميع إليه ولم يفهموا شيئًا مما قال.

– إن هذا الدوي الذي نسمعه هو صوت المياه، وهو يدل على شدة قربنا من النهر.

– نعم …

– ذلك لأن النهر الآن في زمن المد، ويجب علينا أن ننتظر لحين تنخفض المياه.

– لماذا؟

– لأننا إذا دفعنا الصخر الآن بالبارود يلقى مقاومة عنيفة حين بلوغه إلى فم الدهليز، ولكنه لا يلقى شيئًا من ذلك حين تنحصر المياه وتبعد من فم الدهليز فيخف مجرى الهواء.

– إن كل الذي تقوله صواب، وإنما بقي لي اعتراض، وهو أننا إذا وضعنا برميل البارود بين الصخر الذي يعترضنا والجدار الذي نبنيه فكيف توصل إليه النار؟

– بواسطة فتيل ندخله من منفذ نجعله في الجدار.

– وكيف نصنع هذا الفتيل؟

– من قمصاننا.

– مهما كان طويلًا فإنه لا يقي من يضع فيه النار من الأخطار فإن قمصاننا لا تكفي لإطالته إلى حد اتقاء الخطر.

– إن ذلك لا يعنيك؛ لأن الذي يضع النار هو أنا.

فصاح ميلون وفاندا ومرميس بصوت واحد: أنت؟

فابتسم وقال لهم بسكينة: نعم أنا فإنكم تدعونني الرئيس، ومن كان رئيسًا يجب أن يُطاع فهلموا إلى العمل.

٥١

وقد تكلم روكامبول فلم يعد بد من الطاعة، وفوق ذلك فإن ساعة الخطر كانت لا تزال بعيدة.

على أن مرميس رأى في عيني ميلون أنه عازم على العصيان، فهمس في أذنه قائلًا: لنسرع الآن في بناء الجدار، وسنرى بعد ذلك ماذا يكون.

– ليكن ما تريد.

وانصرف جميعهم إلى العمل يدًّا واحدة.

وقد بدءوا بنقل البرميل، وكان شديد الثقل بحيث اضطر الجميع أن يتعاونوا على نقله وإسناده إلى الصخر.

ثم نزعوا قمصانهم ومزقوها قطعًا طويلة، وصنعوا منها فتيلًا وأدخلوه في البرميل.

وعند ذلك قال روكامبول للجماعة: هلموا بنا الآن إلى بناء الجدار.

ثم نظر في ساعته، وكانوا جميعهم يحملون المشاعل في أيديهم، فقال لهم: لا حاجة إلى إنارة جميع هذه المشاعل، فقد نحتاج إليها، وفي واحد منها الكفاية.

فأطفأ الجميع مشاعلهم ما خلا روكامبول.

وقال ميلون لمرميس: أرى أن الرئيس شديد الحذر.

– وهو مصيب في حذره، فإننا سنقيم هنا عدة ساعات، فإذا أنرنا جميع مشاعلنا احترقت قبل فراغنا من العمل وبتنا في ظلام حالك.

وكان ميلون قد تولى إدارة البناء، فكان كل واحد من الجماعة يذهب ثم يعود بقطعة من الصخور، فيرص ميلون هذه الصخور بعضها فوق بعض.

فلما بلغ ارتفاعه قدمين أدخلوا الفتيل، بحيث بات طرفه الآخر في الخارج وعادوا إلى البناء.

وما زالوا على ذلك أربع ساعات متوالية، وهم يشتغلون بنقل الحجارة ويغنون ويضحكون، كأنهم قد نسوا ما هم فيه، حتى بلغ هذا الجدار إلى سقف الدهليز، فبات برميل البارود محصورًا بين الجدار وبين الصخور.

غير أن سماكة الجدار كانت ستة أضعاف سماكة الصخور، بحيث إن البارود حين ينفجر يصده، فيدفع الصخور إلى الأمام، كما تدفع قنبلة المدفع.

وقد حسب روكامبول أن قوة المقاومة في الجدار تبلغ ثلاثة أضعاف قوتها في الصخور؛ لأنه قطعة واحدة وذلك كاف لدفعه؟

وعند ذلك نظر في ساعته.

فقال له ميلون: أحان الوقت؟

– كلا.

– ولكننا نشتغل منذ زمن طويل.

فأجابه: إن هذا الزمن الطويل لم يزد على أربع ساعات، ولم يحن بعد وقت الجزر.

فتنهد ميلون ثم قال: كم يجب أن ننتظر بعد؟

– ثلاث ساعات.

فتنهد ميلون أيضًا وقال: إنه وقت كاف لقدوم رجال الشرطة.

فلم يعبأ روكامبول بهذا الخطر، وقال له بسكينة: إني أرجو أن لا يحضروا.

ثم جلس فوق صخر وكان رفاقه مجتمعين حوله فقال لهم: اصغوا إليَّ الآن أيها الرفاق.

فسكتوا جميعهم كأن على رءوسهم الطير، ليسمعوا حديثه في هذا الموقف الرهيب.

فقال روكامبول: إني واثق من النجاة بهذه الطريقة التي ابتكرتها غير أني قد أكون مخطئًا في حسابي هذا.

فأجابه مرميس: لا أظن أنك أخطأت.

– وأنا أرى ما تراه غير أن العاقل يجب أن يتوقع الخيبة والحرمان قبل أن يتوقع النصر والفوز فإذا كان مخطئًا في حسابه فلا يكون قد أخطأ مرتين بركونه إلى الفوز وعدم توقع الخيبة.

– هو ذاك يا سيدي، وما زلت مرشدنا الحكيم.

– إذن فاعلموا أننا إذا لم نستطع دفع الصخر إلى المياه من منفذ الدهليز فلا بد أن يُحدث انفجار البارود تهدمًا جديدًا في الدهليز.

– وأنت أيها الرئيس؟

– إني لا أتكلم عن نفسي الآن، فاصغوا إليَّ.

وقد قال هذا القول بلهجة السيادة المطلقة وبرقت عيناه، فأطرق جميعهم الرءوس ولم يجسر أحد على الاعتراض.

وعاد روكامبول إلى الحديث وقال: إنه حين تبلغ النار إلى البرميل وينفجر باروده، لا بد أن يحدث أحد الأمرين، وهو إما أن يدفع الصخر اندفاع قنبلة المدفع إلى النهر، فيتيسر لنا الخروج من هذا الدهليز …

فقاطعه مرميس قائلًا: وإما ان تتهدم القبة فتسحقنا جميعًا.

– كلا إنها لا تسحقكم أنتم بل تسحقني أنا.

فقالت فاندا: وهذا الذي لا نريده أيها الرئيس فإما أن نعيش معًا أو ندفن في قبر واحد.

– ولكن هذا الذي أريده أنا.

فقال ميلون: إني أجد طريقة جديدة بسيطة لحل هذه المشكلة أبديها إذا أذنت لي.

– ما هي؟

– هي أن نقترع فمن أصابته القرعة تولى إشعال الفتيل.

– إنك مصيب في رأيك في الظاهر لكنك مخطئ في الحقيقة.

– لماذا يا سيدي؟

– لأنه إذا تهدمت القبة بالانفجار، يستحيل على من يكون في القاعة ذات الدهاليز الثلاثة أن يهربوا، ولا بد لهم من السقوط في قبضة البوليس.

فإذا كنت بينكم وقبض عليَّ البوليس أخذني توًّا إلى المشنقة، وإذا كان لا بد لي من الموت فإني أؤثر الموت في هذا المكان.

أما أنتم فإنكم لم ترتكبوا جرائم ولم يُحكم عليكم بالإعدام، فإن الحكومة قد تسجنكم أيامًا معدودة ثم تُطلق سراحكم.

فقال ميلون: مَن يعلم، فقد يحسبون احتيالنا في إنقاذك من الجرائم التي تعاقب عليها بالإعدام.

– ولكني أنا أعلم، فإني أدرى منكم بالشرائع الإنكليزية، وليس من العدل أن يعرض أحد منكم نفسه للموت من أجلي لا سيما حين لا يكون لي رجاء بالحياة إذا نجوت من الانفجار.

فقالت فاندا: وأية فائدة لنا من الحياة بعدك؟

– إنكم تتمون أعمالي.

فاستاء ميلون لهذا الكلام وقال: أتريد أن نخدم أولئك الإرلنديين الزعانف وهم السبب في ما صرت إليه؟

فأشار إليه روكامبول بيده وقال له: اسكت.

ثم التفت إلى فاندا وقال لها: اصغي إليَّ يا فاندا.

فأطرقت فاندا برأسها خشية أن يلتقي نظرها بنظره وقالت: تكلم يا سيدي …

– إذا صح حذري وحدث ما أخشاه؛ أي إذا سحقتني هذه الصخور فاذهبي أنت بعد أن يُطلق سراحكم إلى مس ألن.

– إنها تنتظرنا في الباخرة.

– لا بأس فإنك تبحثين عنها حتى تجديها.

– سأمتثل لأمرك.

– ثم تذهبين معها إلى روتشريت في الضفة الثانية من التيمس قرب النفق.

– إني أعرف هذا المكان.

– هناك زقاق في أدم ستريت فتدخلان فيه وتبحثان عن منزل نمرته ١٧، وهو منزل ذو ثلاثة أدوار تقيم فيه امرأة تدعى بيتزي فتريها هذا.

ثم أخرج نوطًا صغيرًا من الفضة كان معلقًا في عنقه بخيط من حرير ودفعه لفاندا، فأخذته وقالت: وبعد ذلك؟

– وعند ذلك تعطيك بيتزي أوراقًا.

– سأفعل.

فنظر روكامبول في ساعته وقال: في أي يوم نحن من الشهر؟

فقال مرميس: في الرابع عشر.

فتمعن روكامبول هنيهة ثم قال: إني أخطأت في حسابي فإن زمن الجذر يبتدئ اليوم قبل ساعة من الموعد الذي حسبته، وعلى ذلك فلا بد أن تكون المياه قد انحسرت الآن عند مدخل الدهليز.

فارتجفت فاندا وقالت: إذن آن الأوان.

– بل لا يزال لدينا عشر دقائق.

وعند ذلك ركع ميلون أمام روكامبول وقال له: أستحلفك بالله يا سيدي أن تجيبني إلى رجاء ألتمسه منك.

– تكلم.

– دعني أبقى معك.

– ليكن ما تُريد.

فصاح ميلون صيحة فرح وجعل الجميع يبكون.

فدنا روكامبول عند ذلك من فاندا فضمها إلى صدره بلهف شديد، ثم عانق كل واحد من الآخرين عناقًا أسال الدموع من عيونهم وعادوا جميعهم إلى رجائه أن يأذن لهم بالبقاء معه.

فنظر إليهم روكامبول تلك النظرات الساحرة وقال لهم: إن الوقت قد أزف فابتعدوا.

فابتعد جميعهم سائرين إلى القاعة.

وكانت فاندا تسير في آخرهم وهي تلتفت كل خطوة لترى روكامبول.

أما روكامبول فكان يصيح بهم قائلًا: أسرعوا بالابتعاد حتى أيقن أنهم بعدوا عن موقف الخطر، نظر إلى ميلون وقال له: أأنت مستعد؟

– كل الاستعداد.

– ألا تشعر بشيء من الندم؟ ألم تخف من الموت؟

– إن الموت معك يحلو.

– إذن لنشرع بالعمل.

وعند ذلك أدنى مشعله من الفتيل فالتهب ووقف ينتظر الانفجار الهائل وقفة من لا يكترث للموت.

فكان الفتيل يشتعل ببطء وتتقدم النار فيها تباعًا حتى وصلت إلى الجدار الفاصل بينه وبين البرميل.

وكانت فاندا لا تزال تسير وراء الجميع وهي تلتفت كل حين ويكاد فؤادها ينفطر إشفاقًا على روكامبول، بينما كان رفاقها يتقدمون حتى كادوا يبلغون القاعة.

فصاح بها روكامبول: أسرعي … أسرعي.

وكان مرميس يتقدم الجماعة، فأسرع الخطى واقتدى به الرفاق.

ولما وصلوا إلى قرب مدخل القاعة وقف مرميس وقال لفاندا: إنا نبعد ثلاثمائة متر عن البرميل، ولكن الدهليز مستقيم بحيث نستطيع مشاهدة الانفجار.

ثم وضع المشعل الذي يحمله وراء ظهره فرأى روكامبول وميلون بنور المشعل الذي كان معهما.

وكانوا واقفين الواحد بإزاء الآخر ينتظران بلوغ النار إلى البارود بملء السكينة.

فوجف قلب فاندا وارتعدت فرائصها.

ولم يكن خوفها على نفسها؛ فقد برهنت على بسالتها في كثير من المواقف المحفوفة بالأخطار، وإنما كانت واجلة على ذلك الرجل الذي تدلهت بحبه حتى باتت تعبده عبادة.

ومضى على ذلك عشر دقائق مرت بتلك العصابة مرور الأدهار لما تولاهم من الجزع على روكامبول وميلون.

ثم رأى مرميس أن الوقت قد حان فقال لرفاقه: ناموا كلكم على الأرض.

فقال جواني: لماذا؟

– لأن قوة الانفجار تلقيكم على الأرض إذا كنتم وقوفًا فتنكسر أضلاعكم.

فامتثل الجميع له وانبطحوا على الأرض ما خلا فاندا.

فسألها مرميس أن تقتدي بالجماعة فقالت: كلا إني أحب أن أرى.

وظلت واقفة تنظر إلى روكامبول وميلون.

فقال لها مرميس: وأنا أبقى أيضًا كي أرى ما ترين.

ثم وقف جنبها بينما كان الجميع نيامًا فما مرت بها دقيقة حتى اتصلت نار الفتيل بالبرميل فسمعا دويًّا شديدًا لا يُذكر معه قصف الرعود.

وكان الاهتزاز شديدًا حتى إن مرميس وفاندا على تماسكهما سقطا على الأرض، غير أنهما لم يغمضا عيونهما فتجلى لهما ما كان يحسبانه من العجائب.

ذلك أنهما رأيا أن المشعل الذي كان يحمله روكامبول قد انطفأ وظهر لهما بدلًا منه نور أبيض مستدير كالقمر تألق من آخر الدهليز.

وقد دفع البرميل الصخر إلى الأمام والجدار إلى الوراء في حين واحد.

وعلى ذلك فإن الرئيس لم يخطئ في حسابه حين جعل الدهليز مدفعًا والصخر قنبلة.

وكان هذا النور المستدير الذي ظهر لهما ضوء النهار بدأ من فم الدهليز المستدير الذي ينتهي عند نهر التيمز.

وبعد لحظة رأيا روكامبول وميلون قد نهضا فإن قوة الارتجاج قد ألقتهما على الأرض، ثم سمعا صوت الرئيس يناديهم ويقول تقدموا … إلى الأمام وهو يتقدم مع ميلون إلى النهر.

فصاح مرميس برفاقه وقد أخذ الفرح منه كل مأخذ لقد فاز الرئيس … هلموا بنا … إلى الأمام، فنهضوا جميعهم وساروا وراء مرميس يتبعون أثر روكامبول وميلون.

وكأنما الله قد أراد أن لا يسيروا بضع خطوات حتى رأوا أن ذلك النور الأبيض المستدير توارى.

ثم شعروا باهتزاز الأرض، فوقف مرميس في مقدمة رفاقه والعرق البارد ينصب من جبينه.

ذلك أن قبة الدهليز الذي كان فيه روكامبول قد سقطت وتراكمت الصخور فسدت المنفذ أيضًا وحجبت ذلك النور الذي كان دليل النجاة.

فلما أيقن رجال العصابة من سد المنفذ ساد فيهم الرعب.

وكانت المشاعل قد أطفأت والظلام محدقًا بهم والأرض لا تزال ترتج ودوي سقوط الصخور يصل إلى مسامعهم على مسافة ٥٠ مترًا.

فقالت فاندا: لقد هلكنا وهذه الساعة الأخيرة قد دنت.

فقال مرميس: من يعلم فقد يفتح الله لنا بابًا للنجاة.

ثم أضاء المشعل وقال: يجب أن نرى أين نحن وكيف نسير.

وهنا انقطع دوي التهدم وبطل اهتزاز الأرض فتقدم مرميس من الرفاق وقال: اتبعوني.

فتبعوه وهو يسير أمامهم وينير طريقهم، وكانت زوجة بوليت قد أُغمي عليها من الرعب فحملها وسار في أثر الجماعة.

ولبثوا سائرين حتى وصلوا إلى موضع البرميل فمشوا فوق الصخور إلى الجدار الذي هدمه الانفجار فرأوا هناك تشقق الجدار في الجهة التي اندفع فيها الصخر.

ثم واصلوا السير حتى وصلوا إلى المكان الذي رأوا فيها احتجاب النور الأبيض المستدير فوجدوا صخرًا هائلًا أعظم من ذلك الصخر الذي دفعه البرميل قد انتزع من القبة وسد الدهليز.

فجعل مرميس وفاندا ينظر كل منهما إلا الآخر نظرات تشف عن الرعب وكلاهما يقول بعينيه دون أن يجسر على الكلام، تُرى ماذا أصاب الرئيس ألعله سحق تحت هذا الصخر، أو أن الصخر سقط وراءه ففصل بينه وبين رفاقه وسار هو إلى النهر.

وكأنما كل منهما قد فهم قصد الآخر وقد تغلب الرجاء على فاندا فقالت: أرجو أن يكون قد نجا.

– وأنا أرجو رجاءك.

ثم نظر إلى رفاقه وقد أخذ الرعب منهم كل مأخذ فقال: لا يجب أن يخطر لنا التقدم في بال فإنكم ترون الطريق مسدودًا.

فقال جواني: إذن لنعد إلى القاعة التي كنا فيها وسنرى ما يكون بيننا وبين البوليس إذا قبض علينا.

فلم تجب فاندا بكلمة، فإن هذه النكبة الجديدة انهكتها وقد عاودها الشك بعد ذلك الرجاء فكادت تُجن من جزعها على روكامبول.

وكأنما أولئك الرفاق المخلصين قد نسوا ما هم فيه من الأخطار.

وانصرف اهتمامهم إلى روكامبول فقال أحدهم: تُرى ماذا أصاب الرئيس؟

فأجابه جواني: لا شك عندي أنه نجا مع ميلون.

ولم يشترك مرميس بهذه المباحثة، ولكنه سار أمام الجماعة ساكنًا فتبعوه إلى القاعة التي كانوا فيها.

وهناك جمعهم وقال لهم: يجب أن نتباحث في أمورنا كي نقر على رأي نرجو أن يكون صوابًا، ثم أشار لهم إلى ذلك الدهليز الذي جاءوا منه كأنه يشير عليهم الرجوع منه.

فقال جواني: ألعلك تُريد أن نرجع إلى نوايت؟

وقال وليم: إنه بئس الرأي، فإننا إذا عدنا إليه نكون قد سلمنا أنفسنا للبوليس.

فقال جواني: وأي خطر علينا من ذلك؟

– هو أنهم يرسلوننا في البدء إلى سجن الطاحون.

– ولكنهم يطلقون سراحنا بعد ذلك.

– أما أنتم فقد يطلقون سراحكم، وأما أنا فإني إنكليزي.

أما بوليت فإنه أضاء مشعله وقال: إني سأتفقد هنيهة هذا الطريق الذي تشيرون أن أسلكه.

ثم تركهم وسار نحو خمسين خطوة وعاد فقال: لم يبقَ سبيل إلى الجدال فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب.

– كيف ذلك؟

– ذاك أن القبة قد تهدمت أيضًا في الدهليز المؤدي إلى السجن فسدت الطريق.

فقال جواني: إذن لقد أصبحنا أسرى بين الحاجزين.

وقال مورت: بل حُكم علينا بالموت جوعًا.

فهز مرميس كتفيه وقال: أرى أنكم تسرعتم باليأس.

فتطاولت إليه الأعناق وحومت عليه الأبصار وقالوا جميعهم: كيف ذلك؟

– ذاك أن هذه القاعة تحتوي على ثلاثة دهاليز أحدها يُؤدي إلى النهر والآخر إلى السجن وكلاهما مسدود، غير أنه بقي دهليز ثالث لا نعلم إلى أين يُؤدي ولكننا لم نطرقه بعد.

فقالت فاندا: لقد أصبت.

– وقد يفتح لنا باب النجاة، فهلموا بنا ندخل إليه.

ثم سار أمام الجماعة فتبعوه ودخلوا في ذلك الدهليز، فكانوا يسيرون فيه صعدًا خلافًا للدهليزين السابقين.

وكان مرميس يسير أمامهم وهو يعللهم برجاء وجود منفذ، فيسيرون وراءه يحثهم الأمل وقد أناروا كل المشاعل للاهتداء.

وفيما هم سائرون وقف مرميس فجأة وقال لهم بصوت منخفض: اسكتوا.

ثم أصغى هنيهة وقال: أحبسوا أنفاسكم ولا يتحرك أحدكم.

ذلك أنه سمع صوتًا ولكن هذا الصوت لم يكن صوت انفجار أو دوي تهدم، بل كان صوتًا بشريًّا.

فسكت الجماعة وجعل مرميس يصغي ويقول في نفسه: ألعل ذلك صوت رجال الشرطة أم هي أصوات الإرلنديين القادمين لإنقاذ روكامبول؟

وبينما هو حائر في أمر هذه الأصوات يشير إلى رفاقه بالصمت ظهر له نور من بعيد، ثم جعل هذا النور يقترب شيئًا فشيئًا حتى تبين حامله لمرميس فصاح بصوت الفرح المستبشر قائلًا: لقد نجونا.

ورددت الجماعة صوته دون أن يعلموا كيف قُدرت لهم النجاة.

ذلك أن هذا الرجل الذي كان يدنو منهم يحمل مصباحًا كان شوكنج يصحبه أحد زعماء الإرلنديين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠