الفصل الأول

الفلسفة تحليل

١

أَلِفَ الناس أن ينظروا بالمنطق ذي القيمتَين إلى القول يقوله القائل ليخبر به خبرًا؛ أي إنهم قد أَلِفُوا أن يحكموا على الخبر يأتيهم به المتكلم بأحد شيئَين: فهو عندهم إما صواب أو خطأ، ولا ثالث لهذَين الفرضَين؛ حتى جاء المناطقة المحدثون، فأضافوا إلى هذَين الحكمَين التقليديَّين حكمًا ثالثًا، هو أن يكون القول كلامًا فارغًا لا يحمل إلى السامع معنًى، فلا يجوز وصفه عندئذٍ بصواب أو خطأ، وبالتالي لا يجوز أن يكون موضع أخذ ورد وبحث ومناقشة؛ فقولنا عن العدد ٢ مثلًا: إنه زوجي، قول صحيح، وقولنا عنه: إنه فردي، قول خاطئ، وأما قولنا عنه: إنه «عدد أبيض» فكلام فارغ لا يكون صوابًا ولا خطأً.

والفرق واضح بين الكلام الخاطئ والكلام الفارغ، فالأول يرسم لنا صورة إلا أنها لا تصوِّر الحق، والثاني لا يصوِّر شيئًا؛ فإذا قلت لك: إن المصريين عددهم خمسون مليونًا من الأنفس، فقد قلتُ لك خبرًا مكذوبًا، بمعنى أني قد صوَّرت لك به صورة لا تطابق حقيقية الواقع، فأنت تستطيع أن تتصوَّر حالة يكون عدد المصريين فيها خمسين مليونًا، لكنك إذا أردت أن تراجع الحالة الواقعة فعلًا بالصورة التي رسمتها لنفسك؛ ألفيتَ بين الصورتَين اختلافًا، وفي هذا يكون المعنى الخطأ، إذ نقول عن الخبر: إنه خاطئ؛ أما إذا قلتُ لك: «إن المصريين عددهم أرباع مجسَّمة.» فقد قلتُ لك كلامًا فارغًا خاليًا من المعنى، على الرغم من أن كل كلمة على حِدَة لها معناها الخاص المعلوم إذا ما وُضِعَت في سياقها الصحيح، فمثل هذا الكلام الفارغ لا يُقال عنه إنه خطأ؛ لأننا قد اصطلحنا على أن يكون معنى الخطأ اختلافًا بين الصورة التي يرسمها الكلام وبين الحالة الواقعة فعلًا، فماذا لو كان القول لا يرسم صورة كائنة ما كانت؟ عندئذٍ لا تكون موازنةٌ بين الحالة الواقعة وبين صورة ما؛ وبالتالي لا يكون حكم بخطأ، دَعْ عنك أن يكون الحكم بصواب.

وقد يجوز للقول الخاطئ — في حقيقة أمره — أن يعتقد في صوابه أحد الناس فيدافع عنه، وفي مثل هذه الحالة يحق — طبعًا — لمَن شاء أن يرد هذا المخطئ عن خطئه. أقول: إن ذلك جائز الحدوث؛ لأن هنالك حالة واقعة فعلًا، لا تعتمد في واقعيتها على عقيدة المتكلم الأول ولا على عقيدة المتكلم الثاني، وسبيل المناقشة بين الخصمَين هو أن يحاول كل منهما أن يفتح عين زميله على تلك الحالة الواقعة؛ لكي يبصِّره بحقيقة تفصيلاتها، فمَنْ وجد منهما أن كلامه عنها لم يكن صورة صادقة مطابقة لتلك التفصيلات؛ عرف أنه أخطأ، ثم ارتد إلى الصواب. فافرض مثلًا أن هنالك حالة واقعة فعلًا، هي أن الطمْي الذي يحمله النيل في فيضانه أثناء الصيف، آتٍ من هضبة الحبشة، ثم افرض إلى جانب ذلك رجلَين: أحدهما «يعتقد» في صدق العبارة الآتية: «النيل ينقل الطمي أيام الفيضان من أوغندة»، والثاني يعلم أن ذلك قول خاطئ، ويريد أن يردَّ صاحبه إلى الصواب؛ ها هنا يكون مدار المناقشة بين الرجلَين هو الحالة الواقعة فعلًا، والتي لا تعتمد واقعيتها على عقيدة أي منهما، وقد يستطيع الثاني أن يفتح عين الأول على تلك الحالة الواقعة، فيعلم أن الصورة التي كان رسمها بقوله: إن النيل ينقل الطمْي من أوغندة، لا تطابق الواقع فيرتد عنها إذا أراد لنفسه صوابًا.

من ذلك ترى أن المناقشة جائزة حين يكون القول خاطئًا، لكنها ليست بذات موضوع إذا كان كلام المتكلم فارغًا؛ لأنه لن يكون هنالك «صورة» مرسومة بالكلام، حتى نستطيع أن نوازن بين الأصل وصورته، لنرى إن كان بينهما تطابق أو لم يكن؛ هبني زعمت لك «أن المصريين أرباع مجسَّدة» فماذا أنت قائل إزاء هذا الزعم تأييدًا أو تفنيدًا؟ لا شيء؛ لأن الكلام لم يرسم صورة يمكن مقارنتها بأصل هناك، فلا تأييد ولا تفنيد. أعني أن المناقشة تنتفي من أساسها.

والغاية التي يهدف إليها هذا الكتاب، هي أن يبيَّن أن «الميتافيزيقا»١ كلامها كله فارغ من هذا القبيل، لا يرسم صورة، ولا يحمل معنًى؛ وبالتالي لا يجوز فيها البحث واختلاف الرأي، فلو أردنا أن نقصر كلامنا على ما يكون له معنًى؛ وجب اطِّراح الفلسفة التأملية — وهو اسم آخر نطلقه على الأبحاث الميتافيزيقية — وما يدور مدارها من صنوف التفكير، بحيث لا يبقى بين أيدينا في دائرة العلم إلا العلوم الطبيعية والرياضة.

٢

إنني لأرجو أن يتبيَّن القارئ في وضوح خلال قراءته لهذا الكتاب، أن «المشكلات الفلسفية» المزعومة إنما نشأت من طريقة استعمال «الفلاسفة» للألفاظ والعبارات؛ إذ تراهم يستخدمون الألفاظ والعبارات على نحو يختلف عن الطريقة التي اتفق الناس فيما بينهم — اتفاقًا مفهومًا بالعُرف — على أن يستخدموا بها تلك الرموز اللغوية، وبذلك تنشأ عبارات ليست بذات معنًى مفهوم، وقد لا يظهر فيها هذا الجانب إلا بعد تحليل، فتؤخذ عند فلاسفة الميتافيزيقا على أنها «مشكلات» تستدعي التفكير والتأمل، وتنتظر الحل والجواب؛ والحق أنها أخلاط من رموز لا تدل على شيء ألبتة، فإذا استوجبت منا شيئًا فهو حذفها حذفًا من قائمة الكلام المقبول؛ يقول «وتجنشتين»: «معظم ما كُتِبَ من قضايا وما سُئِلَ من أسئلة عن الموضوعات الفلسفية، ليس باطلًا فحسب، بل خاليًا من المعنى؛ فلسنا نستطيع لذلك أن نجيب عن هذه الأسئلة إطلاقًا، وكل ما نستطيعه حيالها هو أن نقرِّر خُلُوَّها من المعنى. إن معظم أسئلة الفلاسفة وقضاياهم ناتجة عن عدم فهمنا لمنطق لغتنا … فلا عجب إذن أن تكون أعمق مشكلاتهم ليست بمشكلات.»٢

إن الكلمات والعبارات التي تتألف منها اللغة: رموز اصطلح الناس على استخدامها بطريقة معينة ليتم التفاهم، فإذا وجدنا عبارة لا تؤدي هذا الذي خُلِقَت من أجله، أعني لو وجدنا عبارة قالها قائلها ليفهم عنه السامع، ثم تَبَيَّن أنها بحكم تركيبها يستحيل أن تنقل إلى السامع شيئًا، كان حتمًا علينا أن نرفض قبولها جزءًا من لغة التفاهم، وكان لا مندوحة لنا عن حذفها من جملة الكلام المفهوم.

على أن الكلام لا يكون مفهومًا عند السامع، إلا إذا كان في مستطاع هذا السامع أن يتصوَّر طريقة لتحقيقه وتصديقه إذا أراد؛ فإذا قلتُ لصاحبي: «إن في هذا الصندوق أربع برتقالات.» ثم إذا كان صاحبي هذا متفقًا معي على مدلولات «صندوق» و«أربعة» و«برتقالة» — فضلًا عن مدلولات الكلمات البنائية «إن» و«في» و«هذا» — كان في إمكانه أن يحقق هذا الذي أزعمه له، فإن وجد القول مطابقًا للواقع صدَّقه، وإلا فهو قول كاذب، وفي كلتا الحالين — حالتَي صدقه أو كذبه — يكون القول كلامًا مفهومًا؛ لأنه رسم لسامعه الصورة التي يتوقع أن يجدها في عالم الواقع.

لكن قارن هذا بكل من العبارتَين الآتيتَين:
  • (١)

    إن في هذا الصندوق أربع مشقرات.

  • (٢)

    الإنسان حرارة لها زاويتان قائمتان.

تجد أن العبارة الأولى غير ذات معنًى؛ لاحتوائها على كلمة «مشقرات» التي لا مدلول لها فيما اتفق عليه الناس من رموز دالة، فلا يعلم السامع ماذا عساه واجد في الصندوق إذا أراد أن يتثبت من صدق ما قاله القائل، والعبارة الثانية غير ذات معنًى كذلك، على الرغم من أن كل لفظة منها ذات مدلول متفق عليه؛ لأن الألفاظ قد وُضِعَت في غير سياقها الذي يجعلها ذات معنًى؛ فماذا أنت صانع مثل هاتَين العبارتَين لو صادفتهما فيما تقرأ أو تسمع؟ إنك لن تتردَّد في حذفهما وإهمال شأنهما؛ لأنه من العبث أن تقف عندهما متفكرًا متدبرًا.

ونحن زاعمون لك الآن أن كل عبارة ميتافيزيقية هي من أحد هذَين النوعَين؛ فهي إما مشتملة على كلمة أو كلمات لم يتفق الناس على أن يكون لها مدلول بين الأشياء المحسوسة، أو مشتملة على كلمة أو كلمات اتفق الناس على مدلولاتها، لكنها وُضِعَت في غير السياق الذي يجعلها تفيد معناها؛ وإذن فالعبارات الميتافيزيقية فارغة من المعنى، وليس لنا بُدٌّ من حذفها.٣

وانظر إلى هذه الأمثلة الآتية مما يقوله الميتافيزيقيون، نسوقها لك متعجِّلين؛ ليتضح المعنى المراد، على أننا سنعود في بقية الكتاب إلى تفصيل القول في طرائق التحليل التي تكشف لنا عن خبيء العبارات الميتافيزيقية؛ لأنه كثيرًا جدًّا ما نتوهم للوهلة الأولى أن عبارة معينة ذات معنًى مفهوم، حتى إذا ما حلَّلتها وأمعنت في تحليلها؛ وجدتها منطوية على خلاء، بل على ما هو شر من الخلاء؛ لأنها تخدع خديعة إيجابية حين توهمنا أنها ذات معنًى ودلالة، وقد يستتبع معناها الوهمي كثيرًا من أوجه النشاط والعمل، والأمر كله ضلال في ضلال.

•••

فليس على الفيلسوف الميتافيزيقي من بأس في أن يقول مثلًا: إن «الروح عنصر بسيط.»٤ كما قد يقول زميله العالم إن «الذهب عنصر بسيط»، لكن زميله العالم حين يقول ذلك عن الذهب، فإنما يقوله وأنابيب المعامل تحت يدَيه، وهناك قطعة الذهب، فيظل يحاورها بتجاربه أمام المشاهدين، حتى لا يجد أحد بُدًّا من التسليم بأن قطعة الذهب ستظل ذهبًا، ولا تتحلل إلى عناصر أخرى، وبهذا يكون الذهب عنصرًا بسيطًا، وبهذا نفسه أيضًا يتحدَّد معنى كلمتَي «عنصر بسيط»، وهو ألا يكون الشيء قابلًا للتحلُّل إلى أجزاء مختلفة الخصائص، فأي جزء منه كأي جزء آخر. أما صاحبنا الفيلسوف حين يقول القول نفسه عن «الروح»، فهو يستحل لنفسه ألا يتقيد بهذه الضوابط والمراجعات، فلا أنابيب هناك ولا معامل ولا «روح» بين أصابعه، إنه نطق بصوت زاعمًا أنه رَمْز يرمز إلى شيء بين الأشياء، ثم زعم أن ذلك الشيء المرموز له من صفاته أنه لا يتحلل إلى أجزاء مختلفة، بل مهما حلَّلته وجدت أجزاءه متشابهة بعضها مع بعض. هذا جميل، ونريد الآن أن نعرف مدى صدق هذا الزعم، فأول ما نلتمسه في هذا السبيل، هو أن نمسك بذلك الشيء لنَخْبُرَه، فلا نجده بين الأشياء؛ ماذا حلَّل فيلسوفنا — إذن — فوجده متشابه الأجزاء؟ أين المُسمَّى الذي أطلق عليه اسم «روح» ثم راح يزعم له الصفات؟ إن موضع الجدل الآن ليس هو أن يُقال عن الروح بسيطة كالذهب أو مركَّبة كالبرونز، بل هو أن الشيء الذي يوصف بالبساطة أو يوصف بالتركيب، ليس كائنًا بين الأشياء؛ فما الفرق بين أن تقول «إن الروح عنصر بسيط.» وأن تقول «إن السُّوح عنصر بسيط.» حين يكون لفظ «السوح» رمزًا لغير مرموز له؟ أنا في كِلتا الحالَين صفر اليدَين من الشيء المراد تحليله لمعرفة بساطته أو تركيبه. ولمَّا كان الكلام المفهوم — كما قدَّمنا — هو وحده الكلام الذي يمكن التحقُّق من صدقه أو كذبه، كانت العبارة السابقة بغير معنًى، وكان الزعم بأنها «مشكلة» فلسفية ناشئًا من استخدام رمز بغير مدلول.
احذف كلمة «روح» وضع الرمز «س»، وقل «س عنصر بسيط»، ثم اشترط أن يكون معنى بساطة العنصر ألا يتحلَّل إلى أجزاء من غير نوع واحد، ثم حاوِل أن تحكم بالصدق أو بالكذب على عبارة «س عنصر بسيط»، تجد حكمك هذا مستحيلًا ما لم تعرف أولًا أي شيء بين الأشياء ترمز إليه «س»، فإن وضعنا مكان «س» كلمة «هواء» وقلنا: «الهواء عنصر بسيط»، كان الكلام كاذبًا؛ لأن الهواء مركَّب من أكثر من عنصر واحد، وإن وضعنا مكان «س» كلمة «أوكسجين» وقلنا «الأوكسجين عنصر بسيط»؛ كان الكلام صادقًا؛ لأن الأوكسجين لا يمكن تحليله إلى أجزاء تختلف بعضها عن بعض؛ وفي كلتا الحالتَين السابقتَين يكون الكلام مفهومًا؛ لأننا وجدنا الشيء الموصوف بالبساطة كذبًا في الحالة الأولى، وصدقًا في الحالة الثانية. لكن ضع مكان «س» كلمة «سوح» وقل «السُّوح عنصر بسيط»، فهل تستطيع الحكم بصدق أو بكذب قبل أن تعرف ماذا عسى أن يكون هذا «السُّوح»؛ لتأخذ في تحليله ومعرفة بساطته أو تركيبه؟ وإن كان ذلك كذلك، فالأمر نفسه يُقال عن عبارة «الروح عنصر بسيط»، هذا كلام فارغ من المعنى؛ لأن فيه رمزًا لا يشير إلى مرموز له بين عالم الأشياء، فلا إشكال هناك فيما عدا مجاوزة المتكلم حدود الكلام المفهوم. يقول «ريودلف كارناب»٥ في ذلك ما يلي: «لو تقدَّم لك عالِم بقضية لا يمكنك أن تستنبط منها ما عساك أن تدركه بالحس، فماذا يكون موقفك إزاءه؟ افرض مثلًا أنه زعم لك أن الأجسام ليست فقط تتأثَّر في مجال الجاذبية تبعًا لقوانين الجاذبية المعروفة، بل أضاف إلى ذلك زعمًا آخر، وهو أن للأجسام مجالًا آخر تتأثَّر فيه أيضًا، وهو مجال «اللاذبية»؛ فإذا سألته: ماذا عساي أن أشاهد في ظواهر الأجسام مما ينتج عن هذا المجال «اللاذبي» تبعًا للنظرية المزعومة؟ وأجاب بأنه ليس هناك أثر مما تُمكن مشاهدته بالحواس، أو بعبارة أخرى إذا سألته هذا السؤال فاعترف بعجزه عن تقديم طريقة معلومة يمكننا بمقتضاها أن نعلم ما يمكن مشاهدته بالحِسِّ مما يطرأ على الأجسام في مجالها «اللاذبى»، فماذا يكون موقفك إزاءه؟ لا شك أنك ستقف من كلامه موقفك من الكلام الذي يتخذ صورة الكلام وليس منه، إن كلامه فارغ لا يتحدث به عن شيء قط.»

•••

وليس على الفيلسوف من بأس — مثلًا ثانيًا — في أن يسأل: «هل المعاني الكلية التي في الذهن يقابلها أو لا يقابلها مُسمَّيات في العالم الخارجي؟»٦ كما يسأل زميله الاقتصادي: هل أوراق النَّقد التي في السوق يقابلها أو لا يقابلها رصيد من الذهب في خزائن المصارف؟ لكن العالِم الاقتصادي حين يسأل سؤاله، يعرف كيف تكون الوسيلة إلى جوابه؛ فهذه هي أوراق النَّقد نراها ونلمسها ونعلم أن عددها كذا وقيمتها المكتوبة عليها كيت، وهذا هو رصيد الذهب ووزنه كذا وقيمته كيت، وإذن فأوراق النقد تساوي رصيد الذهب في القيمة أو لا تساويه. وأما الفيلسوف فيسأل سؤاله وليس هنالك أمامه «معانٍ كلية» يستطيع لها وزنًا أو قياسًا. إنه يحاول أن يوازن بين طرفَين، مع أن أحد الطرفَين لا وجود له ولا يمكن أن يكون له وجود في عالم الأشياء؛ لأن عالم الأشياء مؤلَّف كله من جزئيات، لكل جزئي منها مكانه وزمانه، وأما «المعنى الكلي» فليس هناك، ليس هو على المقاعد ولا في الخزائن؛ فكيف أبحث عما يقابله وهو نفسه غير موجود؟ هَبْ سائلًا سألك: هل «للمعنى الكلي» صورة في المرآة التي في غرفتك؟ فعلامَ تبحث في صفحة مرآتك لكي تجيب بالإثبات أو بالنفي؟
إن فيلسوفنا حين يحاول الموازنة بين «المعاني الكلية» في ناحية و«الأشياء» في ناحية أخرى، ليعلم إن كانت للأولى مقابلات في الثانية، إنما يوهم نفسه بأنه «يوازن»، مع أن «الموازنة» مستحيلة؛ لأن كل كِفَّة من كِفَّتَي الميزان لا بد لها من «شيء» يوضع عليها لتتم الموازنة، لكن فيلسوفنا رغم هذه الاستحالة، ما يزال يسأل سؤاله باحثًا عن جواب، ثم لا يجد الجواب، فيقول إنها «مشكلة فلسفية» تتطلب التفكير والحل، والحقيقة هي ألا جواب لأنه لا سؤال، فلا يكفي أن تَرُصَّ الكلمات رصًّا وتضع علامة الاستفهام في آخرها ليكون ثمة سؤال ينتظر الجواب، بل لا بد أن يكون هناك «الشيء» الذي هو موضع التساؤل، حتى يمكن الجواب. يقول «وتجنشتين»:٧ «الجواب الذي لا يمكن التعبير عنه، سؤاله كذلك لا يمكن التعبير عنه، فاللغز [الذي يستحيل الجواب عنه] ليس له وجود.»

•••

وليس على الفيلسوف بأس في أن يقول — مثلًا ثالثًا — إن الشيء المادي لا يوجد إلا وهو مُدرَك،٨ على نحو ما يقول زميله العالم مثلًا: إن الزئبق الصُّلب لا يوجد إلا والحرارة أقل من ٣٨٫٨٦ درجة تحت الصفر بمقياس فهرنهيت، لكن العالم الطبيعي حين يقول ذلك، في مستطاعه أن يمسك ببضعة من زئبق سائل في أنبوبة، وأن يأخذ في خفض درجة حرارته درجة درجة؛ ليرى هو ومن أراد أن يرى معه، في أيَّة درجة سيتحوَّل الزئبق السائل إلى زئبق صلب، وإذن فقد شاهَدَ الزئبق في الحالتَين: في الحالة التي كانت درجة الحرارة فيها أكثر من ٣٨٫٨٦ تحت الصفر بمقياس فهرنهيت، وفي الحالة التي كانت درجة الحرارة فيها دون ذلك، فرأى أن الزئبق لا يكون متجمدًا إلا في الحالة الثانية دون الأولى. أما زميلنا الفيلسوف حين يصوغ قضيته على هذا الغرار، قائلًا إن الشيء لا يوجد إلا وهو مدرَك، فليس في وسعه أن يَخْبُرَ إلا حالة واحدة، وهي عندما يكون الشيء مدركًا. إنني الآن أنظر إلى خزانة كتبي، فأرى فيها صفوفًا من الكتب خلف لوح الزجاج، لكنني لا أرى الكتب التي رصصتها في أجزاء الخزانة التي تحجبها أبواب خشبية، فبناءً على هذا المبدأ الفلسفي المذكور، لا أحكم بالوجود إلا على الكتب التي أراها، وأما الكتب التي لا أراها الآن لاحتجابها وراء الحواجز الخشبية فهي غير موجودة، فتسأل فيلسوفنا: كيف لا تكون موجودة وقد رأيتها منذ لحظة حين فتحت الأبواب الخشبية، كما أستطيع أن أراها بعد لحظة إذا كشفت عنها الغطاء من جديد؟ فيجيبك: إنها كانت موجودة منذ لحظة؛ لأنك كنت تدركها، وقد توجد بعد لحظة لأنك ستدركها، وأما الآن فهي ليست موجودة لأنها غير مُدرَكة. أعود فأقول إن فيلسوف هذا المبدأ قد أشار في مبدئه هذا إلى حالتَين: حالة إدراكه للشيء، وحالة عدم إدراكه له، ثم قال إن الشيء يكون موجودًا في الحالة الأولى دون الثانية، مع أن الحالة الثانية — بحكم التسمية نفسها — لا تقع في حدود خبرته، وبالتالي لا يجوز له الكلام فيها.

إن أمثال هذه «المشكلات الفلسفية» المزعومة إنْ هي إلا لعب بالألفاظ؛ فنحن إذ نقول: «إن الشيء لا يوجد إلا وهو مُدرَك» إنما نستعمل كلمة «يوجد» بمعنى «يُدْرَك» فكأننا نقول «إن الشيء لا يُدْرَك إلا وهو مُدْرَك»، وهو تحصيل حاصل لا يفيد شيئًا.

•••

ومن هذا القبيل نفسه «مشكلة فلسفية» أخرى — وهو مَثَل رابع نسوقه لما تزعمه الفلسفة من مشكلات — وأعني مشكلة الإدراك الحسي لشيء ما، فهل يجوز لي أن أحكم بوجود الشيء نفسه في الخارج مع أن كل ما لديَّ منه حاضرات حسية؟ مثال ذلك: إنني أرى الساعة الآن قائمة على مكتبي، وأسمع دقاتها، فكل ما لديَّ منها انطباع لوني على عيني واهتزاز صوتي في أذني، فهل تمثِّل هذه الحاضرات الحسية شيئًا خارجها موضوعًا هنالك على سطح المكتب بعيدًا عني؟ أم أن حقيقة الساعة في هذا الانطباع اللوني والاهتزاز الصوتي لا أكثر؟

والحق أنك لو أمعنت في الأمر قليلًا، لما رأيت فيه إشكالًا؛ لأن المشكلة المزعومة هنا — كما هي الحال في المثل السابق — قد نشأت من طريقة استعمالنا الكلمات، وليست هي بالمشكلة التي تدور حول الوقائع ذاتها، ولكي تتصوَّر ما نريده، افرض لنفسك شخصَين اختلفا مذهبًا؛ أما أحدهما فيقول بأن الحاضرات الحسية معطيات جاءتنا من شيء خارجي، وأما الآخر فيقول بالمذهب الثاني وهو أن الحاضرات الحسية هي كل ما هنالك من حقيقة، ولا شيء خارجي هناك، فكيف السبيل لأحد الرجلَين أن يقنع الآخر كي ينحسم ما بينهما من خلاف؟ ليس هنالك من سبيل؛ لأنهما لا يختلفان على واقعة بذاتها، حتى يمكنهما الرجوع إليها في تصديق أحدهما وتكذيب الآخر، وإنما الاختلاف على «الاسم» الذي يطلقه كل منهما على تفصيلات الموقف الذي هما بصدده، والذي لا خلاف بينهما على تفصيلاته، فأحدهما يفضِّل أن يُسمِّيَ الموقف بلفظتَي «حاضرات حسية»، وأما الآخر فيؤثر أن يطلق على الموقف نفسه اسمًا آخر، هو «شيء خارجى». ولزيادة الإيضاح نقول: افرض أن رجلَين قد شاهَدَا — وهما سائران معًا في الطريق — حيوانًا معينًا، لا يختلفان على وصف ما يشاهدان منه، أي إنه لو طُلِب لكل منهما أن يذكر كل التفصيلات التي تتجمَّع لديه عن الحيوان المشاهَد؛ لجاء الوصف في كلتا الحالَين متطابقًا أتمَّ التطابق، ثم افرض بعد ذلك أن أحد الرجلَين قد أصرَّ على أن يُسمِّيَ هذا الذي يراه «ذئبًا»، بينما أصر الآخر على أن يسميه «ثعلبًا»، أفلا يكون الاختلاف بينهما على التسمية دون الخبرة التي يخبرانها؟ إنه إذا أراد أحدهما أن يصحِّح الآخر، فلا يرجع به إلى شيء من تفصيلات المشاهدة؛ لأنه لا اختلاف عليها، وإن جاز أن تقوم بينهما مناقشة في أمر اختلافهما، فينبغي أن تكون المناقشة في أي التسميتَين «أفضل». مثل هذا هو الاختلاف الذي يقوم بين الفلاسفة حين يقول فريق منهم: إننا ندرك الحاضرات الحسية وحدها، ويقول فريق آخر: بل إننا ندرك الأشياء الخارجية التي بعثت إلينا بتلك المعطيات الحسية. لا اختلاف بين الفريقَين على تفصيلات الخبرة، فما يقع في خبرة الفريق الأول هو نفسه ما يقع في خبرة الفريق الثاني، إنما آثَرَ الفريق الأول أن يسمي هذا النوع المعيَّن من الخبرة «حاضرات حسية»، بينما اختار الفريق الآخر أن يسميه «أشياء خارجية»، فإذا جاز للفريقَين أن يقوم بينهما مناقشة وبحث، فينبغي أن ينحصر الأمر في اختيار أفضل الاسمَين للدلالة على الموقف لا أكثر ولا أقل.

•••

ومَثَلٌ خامس وأخير نسوقه لك توضيحًا لما أردناه حين زعمنا أن العبارات الميتافيزيقية أقوال فارغة من المدلول والمعنى، وأن «المشكلات الفلسفية» وليدة لعب بالألفاظ لا أكثر ولا أقل، يقول «برادلي» وهو من أعظم الفلاسفة الإنجليز المحدثين، يقول هذه العبارة الآتية في سياق كتابه المشهور «المظهر والحقيقة»:٩ «يدخل المطلق في تطوُّر العالم وتقدُّمه، لكنه هو نفسه لا يطرأ عليه تطوُّر أو تقدُّم.» ومعنى ذلك عنده — فيما أظن — أن العالم في سَيْره التطوُّري الذي جعل يتقدم به من الحالة السديمية إلى الحالة التي هو عليها الآن — بما فيها من نبات وحيوان وإنسان — قد تأثَّر بعدَّة عوامل من بينها عامل اسمه «المطلق»، لكن هذا «المطلق» — على الرغم من أنه قد عمل على تطور العالم وتقدمه من حالة إلى حالة — فإنه هو نفسه ثابت على حالة واحدة، لا تطور فيها ولا تقدم.

لو قال لنا عالم بيولوجى إن اختلاف البيئة يؤدي إلى تطور الحيوان من حالة إلى حالة، رأيته يقول القول وفي كراساته الأدلَّة التي جمعها من مشاهداته؛ لأنه حين يقول مثل هذا القول لزملائه علماء البيولوجيا، لا يفترض أن هؤلاء الزملاء سيتلقون منه القول كأنه وحي أُوحِيَ به إليه من السماء، وفي مستطاع كل زميل أن يَدْحَضَ له قوله بمشاهدات أخرى إن كانت عنده مشاهدات أخرى من شأنها أن تدحض ما زعم، وهكذا يجري الأمر بين العلماء إثباتًا ونفيًا، فمَن يُثبِت منهم أمرًا فإنما يثبته بما قد شاهَد، ومن ينفي أمرًا فإنما ينفيه بما قد شاهد كذلك.

ولو قال لنا متحدث في الشئون اليومية إن إخراج الحكومة للتسعيرة قد أدى إلى تطور الأسعار من حالة إلى حالة، رأيته أيضًا يقول القول وعلى لسانه الأمثلة مما قد رأى في السوق، فقد كان البرتقال ثمنه كذا وأصبح كيت، ولك — إن أردت — أن تذهب إلى السوق لتثبت أو تنفي.

فما بال الفيلسوف يجيز لنفسه ويجيز له الناس — فيما يظهر — أن يرسل ألفاظه إرسالًا بغير حساب أو عقاب؟

ذلك لأني إذا طالبت «برادلي» بأن يشير لي إلى شيء من الأشياء التي أعرفها، أو في مستطاعي أن أعرفها إذا شئت، إذا طالبته بأن يشير لي إلى شيء يكون هو «المطلق» المزعوم، لأرى إن كان عاملًا من عوامل تطور العالم — كما زعم — أم لم يكن، أنكر عليَّ سؤالي؛ لأنه فيلسوف ميتافيزيقي كتب له الله في لوحه المحفوظ أن يعرج إلى السماء من حين إلى حين، ليعلم هناك أن «المطلق» يفعل هذا ولا يفعل ذلك.

لو طالبت «برادلي» بأن يشير لي إلى «المطلق» الذي يحدثني عنه، كان أقل ما يعترض به عليَّ هو أن ما يُشار إليه إنما يكون في مكان معلوم وزمان معلوم، أما «المطلق» فلا مكان له ولا زمان، وإلا لَما صح وصفه بأنه مطلق من القيود. كيف إذن عرفتَه يا صاحبي؟ إنك لا تعرف إلا الأشياء ذوات المكان المعين والزمان المعين، أم وهبك الله بابًا من أبواب المعرفة لم يفتحه أمامي؟ أليست حواسي وحواسك سواء؟

لا، لا يا صديقي — هكذا أتصوَّر المجيب قائلًا — ليس الأمر هنا موكولًا إلى الحواس من عيون وآذان وأصابع، بل الأمر طريقه «الحَدْس» أو العيان العقلي المباشر.

هذا جميل، ولست أريد أن أضيِّق عليك ما قد وسَّعه الله لك، فأَدْرِك بحدسك هذا آفاق السماء ما استطعت، لكنك الآن تحدثني أنا بما قد أدركت، وإذن فمن حقي عليك أن تترجم لي إدراكك هذا باللغة التي أفهمها، أنا الذي لم يهبني الله ما وهبك من «عيان عقلي مباشر»؛ فإن استطعت كان عيانك العقلي هذا اسمًا آخر على ما أسميه أنا الإدراك بالحواس، وإن لم تستطع، كان عليك أن تصمت، أو كان لي أن أسدَّ أذني فلا تسمع، إذ ما غناء موجة صوتية ترسلها شفتاك لا تدلني على شيء مما أفهم؟

إن كلمة «المطلق» لها معناها الذي اتفقنا عليه، فإن سألت الخادم: أربطت الكلب إلى سلسلته أم تركته مطلقًا؟ وأجابني الخادم: بل تركته مطلقًا؛ ارتسمت عندي صورة لما وقع، وفي مستطاعي أن أراجع الخادم فيما يقول، فأبحث عن الكلب لأرى أهو على الصورة التي رسمها لي الخادم أم هو على غيرها، وإن سألت التاجر: أأسعار الفاكهة مُقيَّدة بتسعير رسمي أم هي مطلقة؟ ثم أجابني بأنها مطلقة، فقد رسم لي صورة أستطيع أن أراجع الأمور الواقعة لأتبيَّن هل صَدَقَ في رسمه لصورة الواقع أم كذب.

هذا — أو شيء كهذا — هو معنى «مطلق» كما اتفقنا؛ فيجيء فيلسوف ميتافيزيقي ليزعم «أن المطلق يدخل في تطور العالم وتقدمه، لكنه هو نفسه لا يطرأ عليه تطور أو تقدم»، فلا يكون لعبارته معنًى؛ لأنه استخدم لفظًا متفقًا على معناه في غير السياق الذي يحفظ له ذلك المعنى، وإلا فحدِّثني ماذا عساي أن أجد في ظواهر الطبيعة كلها مما يثبت هذا القول أو ينفيه؟ هَبْنِي قلت لذلك الفيلسوف لا، بل المطلق لا يدخل في تطور العالم وتقدمه، أو قلت له لا، بل المطلق نفسه يتعرض للتطور والتقدم، فما الذي تغير في صورة الكون بين حالتَي الإثبات والإنكار؟ إن الكلام إذا كان له معنًى مفهوم فلا بد أن يكون هناك في عالم الأشياء الواقعة فرق بين إثباته ونفيه؛ فالفرق واضح في عالم الأشياء بين قولي: «إن الكلب مطلق» وقولي: «إن الكلب ليس مطلقًا»، فما دمت أدرك كيف تتغيَّر صورة الأشياء بين حالتَي نفي القول وإثباته، فالقول ذو معنًى مفهوم، وإلا فهو فارغ لا يدل على شيء.

وهكذا تستطيع أن تمضي في ذِكْر أمثلة مما يقوله الفلاسفة في «مشكلاتهم» المزعومة، لتعلم كيف وإلى أي حدٍّ استباحوا لأنفسهم أن يستخدموا ألفاظ اللغة التي تعاقَدَ الناس على أن تكون لها معانٍ محدَّدة لكي يتم التفاهم، استباحوا لأنفسهم أن يستخدموا تلك الألفاظ على نحو يخدم أغراضهم في خلق مشكلات موهومة، ولا يستقيم مع طريقة استخدامها في العلوم وفي الحياة اليومية الجارية على السواء، ولا غرابة بعد ذلك أن يتصدى لأمثال هذا كله «جورج مور» فيدحض العبارات الفلسفية على أساس مجافاتها للغة الحديثة الجارية، ويتخذ من ذلك محورًا لطريقته في التحليل،١٠ كما سنفصِّل القول في حينه. «فكم من فيلسوف يستمد قيمته من غموض عبارته أكثر مما يستمدها من رجحان فكرته؛ وعندي أن فكرته هذه تفقد ما فيها من قوة الإقناع لو صيغت في عبارة أكثر دقة واتساقًا.»١١
والحق ألا إسراف ولا تَجَنٍّ من رجال العلوم حين يهاجمون الفلسفة قائلين: إنها حين تبحث في مشكلات مثل وجود الله وخلود الروح وحرية الإرادة، فإنما تنسج نظرياتها من رءوس الفلاسفة نسجًا لا تستند فيه إلى تجربة؛ ولذلك كانت الفلسفة راكدة لا تكاد تخطو كما تخطو العلوم، فلا تزال تناقش اليوم نفس المشكلات التي ناقشها اليونان الأقدمون، أما العلم فغير ذلك، إذ هو يبني على ما قاله السابقون ثم يمضى.١٢
وجدير هنا بالذكر أن نشير إلى دفاع في هذا الصدد ساقته «الدكتورة روث سو»١٣ في كتاب حديث أخرجته لتدافع به عن الميتافيزيقا في وجه المتنكِّرين لها من رجال الوضعية المنطقية، إذ قالت: إنه ليس صحيحًا ما يُعْتَرَض به على الفلسفة من أن مشكلاتها باقية على حالها، على خلاف العلم الذي يتقدم؛ لأن النظرية الحديثة فيه تحل محل النظرية القديمة، ذلك عندها اعتراض ليس ثمة ما يبرره؛ لأنه يستحيل على فيلسوف اليوم أن يتجاهل النتائج التي وصل إليها «كَانْت» والفلاسفة التجريبيون الإنجليز، لكننا نحب أن نُرْدِفَ هذه الملاحظة بأن «كَانْت» والفلاسفة التجريبيين الذين تعتمد عليهم في دفاعها، هم في الحقيقة من فلاسفة التحليل، وسنرى في غضون هذا الكتاب أن ما نهاجمه هو «الميتافيزيقا» بمعناها التقليدي، أي بمعنى البحث في أشياء لا تقع تحت الحس ﮐ«المطلق» و«الجوهر» و«الشيء في ذاته» وما إلى ذلك؛ وأما التحليل — تحليل القضايا العلمية وكلام الناس في حياتهم اليومية — فأمر مشروع بغير شك؛ لأنه يلقي الضوء على ما تعنيه تلك القضايا والعبارات، دون أن يدَّعي إثبات حقيقة عن شيء من أشياء العالم، وسيرى القارئ بعد قليل، أننا نؤيد وجهة النظر القائلة بأن «الفلسفة» إذا أرادت أن تظل قائمة بين أوجه النشاط الإنساني، بحيث تؤدي عملًا يساعد على تقدم الفِكْر في شتَّى ميادينه، فلا مندوحة لها عن قَصْر نفسها على التحليل وحده — تحليل ما يقوله غير الفلاسفة من الناس — فالقول لسواهم وعليهم التوضيح، يقول «وتجنشتين»: «الطريقة الصحيحة للفلسفة هي ألا نقول إلا ما يمكن أن يُقال، أعني ألا نقول إلا قضايا العلم الطبيعي، أي أن نقول شيئًا لا شأن له بالفلسفة [معناها التأملي]، فلو أراد قائل أن يقول شيئًا في الميتافيزيقا، فعلينا أن نبيِّن له أنه لم يوضح ماذا تعني رموز بعينها في قضاياه، [أي نبيِّن له بأن قوله ليس بذي معنًى مفهوم].»١٤

٣

«موضوع الفلسفة هو توضيح الأفكار توضيحًا منطقيًّا.»١٥ هكذا يقول «وتجنشتين»، وتقول معه الكثرة الغالبة من فلاسفة اليوم، وهكذا أيضًا نريد أن نقول وندافع عن هذا القول، فأول ما نريد أن ننزعه من الأذهان، هو الاعتقاد الباطل بأن الفلسفة لها «موضوعها الخاص الذي تبحث فيه، شأنها في ذلك شأن سائر العلوم، لا، بل الفلسفة تحليل للعبارات مهما يكن مصدرها، الفلسفة طريقة بغير موضوع، إنها تأخذ العبارة التي تحلِّلها من هذا العلم أو من ذاك، بل قد تأخذها من أفواه الناس في حياتهم اليومية؛ فلقد سمع طالب صيني بفيلسوف الإنجليز المعاصر «جورج مور» G. E. Moore فارتحل إليه ليأخذ عنه، ما دام الرأي قد أوشك على إجماع بأنه في الفلسفة المعاصرة إمام، وإذا برجاء الطالب يخيب خيبة كبرى؛ لأنه لم يجد عند هذا الفيلسوف المشهور حديثًا في الكون وأسراره، وفي الحياة والموت والخلود، كما كان يتمنَّى ويشتهي، بل وجد الرجل يتناول عبارات إنجليزية بالتحليل، لا ينتقي في ذلك ولا يختار، فلا بأس — مثلًا — في أن تكون العبارة التي يحللها هي «الدجاجة تبيض» أو «هذه محبرة كبيرة»، يا ضيعة الأمل إذن، فما جاء هذه الرحلة الطويلة ليسمع كيف يتحدَّد معنى كلمة أو عبارة في اللغة الإنجليزية.١٦

إن هنالك طائفة من الأفكار جعل الناس يتبادلونها في وصف تجاربهم وخبراتهم، تسليمًا منهم بأنها معلومة مفهومة، فتراهم يتحدثون عن هذا الشيء أو ذاك، عن المقاعد والنوافذ وما إليها، يتحدثون عنها فيقولون: إنها في «مكان» معيَّن، وإنها في اللحظة الفلانية من «الزمان» قد حدث لها كيت وكيت، وإنها «تتغيَّر» لهذا السبب أو ذلك؛ ثم يأتي العلم فيأخذ هذه الأفكار من الاستعمال اليومي ليستخدمها بدوره بغير تعديل كبير، فيستخدم فكرات «المكان» و«الزمان» و«التغير» و«السببية» وغيرها، كأنما هي واضحة المعنى لا تحتاج إلى تحليل وتفسير.

لكنها في حقيقة الأمر فكرات غامضة بعيدة جدًّا عن التحديد والوضوح، وإذا لم يكن غموضها هذا باديًا في معظم حالات استعمالها؛ فذلك لأننا في معظم هذه الحالات إنما نستعملها في دائرة لا يكاد يكون هنالك اختلاف بيننا في حدودها، غير أننا قد نجاوز هذه الدائرة أحيانًا، وعندئذٍ يتبيَّن ما كان يكتنف تلك الفكرات من غموض، لما يقوم بيننا عندئذٍ من اختلاف في معانيها، فمثلًا قد نسأل عن مكان دبوس فنتفق جميعًا على مكانه، ثم نرى صورته في المرآة فنسأل عن مكان تلك الصورة، وهل نقصد بالمكان هنا نفس ما نقصده حين نسأل عن مكان الدبوس؟ عندئذٍ نعجز عن الجواب حتى نحدِّد أولًا معنى «مكان».١٧

فالمهمة الأساسية للفلسفة هي أن تتناول أمثال هذه الفكرات التي نستعملها كل يوم في الحياة الجارية وفي العلوم، تتناولها بالتحليل الذي يحدد معانيها تحديدًا دقيقًا، وإنها لمهمة خطيرة؛ لأن المعرفة الواضحة الدقيقة بأي شيء كائنًا ما كان هي — ولا شك — خطوة إلى أمام في سَيْر الإنسان نحو العلم بما يريد العلم به، وليس هنالك من العلوم الأخرى ما يضطلع بهذه المهمة، فالكيمياء تستخدم فكرة «العنصر»، والهندسة تستخدم فكرة «المكان»، والميكانيكا تستخدم فكرة «الحركة» وهكذا، لكن لا هذه ولا هذه ولا تلك — باعتبارها علومًا طبيعية — من شأنها تحديد معاني هذه الفكرات، فهي تتخذها نقطة ابتداء، فالمكان في الهندسة — مثلًا — مفروض وجوده، وبقي أن نُقسِّمه إلى مثلثات ومربعات ودوائر، لنعرف خصائص كل شكل من هذه الأشكال.

الفلسفة تحليل للألفاظ والقضايا التي يستخدمها العلماء والتي يقولها الناس في حياتهم اليومية، فليس من شأن الفيلسوف أن يقول للناس خبرًا جديدًا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء؛ لأن هذا الحكم يقوم به فريق آخر هم العلماء، كلٌّ في علمه الذي اختص به؛ فعالم الطبيعة أَوْلَى منه بالتحدث عن قوانين الطبيعة، وعالم النفس أَوْلَى منه بالتحدث عن قوانين السلوك … وهكذا، بل مهمة الفيلسوف هي أن يحلِّل ويوضِّح المعاني، حتى لقد عرَّفت «سوزان لانجر» الفلسفة بأنها «علم المعنى».١٨

وهنا قد يسأل سائل: ولماذا لا نترك توضيح معاني الألفاظ والعبارات في كل علم إلى أصحاب ذلك العلم؟ أليس العلماء أدرى بما يستخدمونه في علومهم من ألفاظ وعبارات؟

والجواب عن هذا السؤال ذو شطرَين:
  • فأولًا: ليس ثمة ما يمنع العلماء من القيام لأنفسهم بهذه المهمة، بل كثيرًا ما قاموا بها؛ غير أنهم إن فعلوا ذلك كانوا فلاسفة إلى جانب كَوْنهم علماء؛ فقد كان «نيوتن» فيلسوفًا في محاولته تحديد كلمة «كتلة»، وكان «أينشتاين» فيلسوفًا في تحديده لمعنى «الآنية»، وكان «رسل» فيلسوفًا في تحديده لمعنى «العدد»؛ ذلك لأن القضية العلمية هي التي تقول شيئًا عن ظاهرة من ظواهر الطبيعة، أما إن دار بحثك لا عن ظواهر الطبيعة مباشرة، بل عن «كلمة» أو عن «عبارة»، فإنك بذلك تدخل في نطاق آخر غير نطاق العلوم بمعناها الدقيق، وهذا النطاق الآخر هو ما اخترنا له كلمة «فلسفة».
  • وثانيًا: إن العلماء في أغلب الأحيان لا يقومون بهذا التحديد لألفاظهم، فكثيرًا جدًّا ما يستخدمون كلمات مثل «مكان» و«زمان» و«مادة» بغير الوقوف عندها ليحلِّلوا معانيها؛ لأنهم قد لا يشعرون بحاجة إلى هذا التحليل فيما هم بصدده من استخراج للقوانين العلمية؛ وإذن فمن حسن الحظ أن رضيت جماعة من الناس لأنفسها أن تسير أمام عربة العلوم — أو إن شئت فقل إنها تسير وراءها — تتسقَّط الكلمات والعبارات التي يكون لها أهمية خاصة، فتجعلها موضوع بحثها، حتى إذا ما وضحت كلمة منها بالتحليل ردُّوها إلى العلم وأخرجوها من دائرتهم بصفة نهائية.

وذلك هو معنى قولهم إن الفلسفة كانت في بدء تاريخها تضم المعرفة الإنسانية كلها، ثم أخذت العلوم تنسلخ من حظيرتها علمًا بعد علم؛ لأن الألفاظ العلمية بدأت غامضة، فإذا كُنَّا نسمي مَن يحاول توضيح لفظ فيلسوفًا، إذن فكل محاولة في بداية تاريخ الفِكْر كانت فلسفة؛ ثم أخذت المصطلحات العلمية تتضح شيئًا شيئًا، وكلما وَضَحَ منها جانب أصبح علمًا قائمًا بذاته، ولا يزال الفلاسفة حتى اليوم مشتغلين بتوضيح ألفاظ غامضة في مجالات فكرية معينة، مثل الأخلاق والجمال والسياسة والنفس والاجتماع؛ ولذلك فهذه كلها ما تزال تُعَدُّ «علومًا فلسفية»، فهي من مجال الفلسفة بدرجة تقل أو تزيد بمقدار درجة التحديد والوضوح اللذين قد بلغتهما ألفاظها.

ليس هناك — كما أسلفنا — غير الفلسفة ما يجعل تحديد المعاني شغله الشاغل، فالكيمياء تستخدم فكرة «العنصر»، والهندسة تستخدم فكرة «المكان»، والميكانيكا فكرة «الحركة»، وهي جميعًا تفرض أن معاني هذه الألفاظ مفهومة، وإذا تعرَّض العلماء لها بشيء من التحديد، فإنما يفعلون ذلك بما يكفي لعلومهم فقط، أما إذا راح عالم يتعقب التحليل — لفكرة يستخدمها — حتى النهاية دون أن يكتفي بما يكفي بحثه العلمي، فإنه بذلك يكون قد ترك دائرة علمه ودخل في «فلسفة ذلك العلم».١٩

٤

إذا اتفقنا على أن الفلسفة تحليل للألفاظ والعبارات — ونحتفظ الآن بالمعنى المراد من كلمة «تحليل»؛ لأننا سنفيض فيه القول في فصول الكتاب التالية — وجب أن نفرِّق بين الفلسفة وبين الميتافيزيقا،٢٠ فبينما «الفلسفة» — بمعنى التحليل — ضرورية لتوضيح القضايا العلمية والعبارات الجارية في الحياة اليومية، نرى «الميتافيزيقا» — بمعنى الحكم على أشياء غير محسوسة — واجبة الحذف من دائرة المعارف الإنسانية؛ لأنها لا هي مزوَّدة بأدوات المشاهدة التي تمكِّنها من الحكم على الأشياء، ولا هي ارتضت لنفسها أن تسمع ما يقوله المُؤَهَّلون لذلك مكتفية بتوضيحه وفهمه، «فإذا أراد الفيلسوف أن يثبت صدق ما يزعمه من أنه شريك في زيادة المعرفة الإنسانية، فلا يجوز له أن يحاول وصف الحقائق عن طريق التأمل الخالص، أو أن يبحث عن المبادئ الأولى، أو أن يُصدر أحكامًا قبلية عن صحة ما نعتقد في صدقه على أساس التجربة، بل ينبغي له أن يحصر مجهوده في التوضيح والتحليل.»٢١
نعم، إن الفلسفة لم تجعل مهمتها دائمًا تحليل ألفاظ الناس وعباراتهم٢٢ كما نريد لها أن تكون، فقد جرى التقليد على أن تُطْلَقَ كلمة «فلسفة» على موضوعات مختلفة فيما بينها جِدَّ الاختلاف، إذ تُطْلَق على موضوعات شيئية كما تُطْلَق على موضوعات منطقية على السواء.

غير أنها حين كانت تصبُّ بحثها على موضوعات شيئية، لم تكن «أشياؤها» التي جعلتها موضوع بحثها هي بذاتها الأشياء التي تبحثها العلوم الطبيعية، أو ربما كانت هي نفسها أشياء العلوم الطبيعية، منظورًا إليها من زاوية أخرى، ومبحوثًا فيها بمنهج آخر غير التجربة. فإن كانت العلوم الطبيعية تبحث في الصخور والمعادن والنبات والماء والهواء، فقد جعلت الفلسفة «أشياءها» التي تبحث فيها غير تلك، إذ جعلتها أحد نوعَين: فإما هي «أشياء» لا تقع لنا في الخبرة الحسية، مثل «الشيء في ذاته» و«المطلق» و«العدم» و«القِيَم»، وعندئذٍ كانت تُسمِّي بحثها بالميتافيزيقا، وإما هي «أشياء» مما نصادفه في مباحث العلوم الأخرى، كالإنسان والمجتمع واللغة والتاريخ والاقتصاد والمكان والزمان والسببية، لكنها تعالجها بغير الطريقة التجريبية التي تعالجها بها العلوم، وعندئذٍ كانت تسمي بحثها فلسفة طبيعية أو فلسفة التاريخ أو فلسفة اللغة … وهكذا.

وأما الموضوعات المنطقية التي كانت هي الأخرى تندرج تحت كلمة «فلسفة» — إلى جانب الموضوعات الشيئية التي ذكرناها — فلا يتعذَّر حصرها، فهي واقعة فيما نسميه حتى اليوم «بالمنطق»، وأهم أبحاثه طرائق تعريف الألفاظ وتحديدها، وصُوَر القضايا المختلفة، وأنواع الاستدلال وهكذا، أَضِف إلى ذلك بعض أجزاء ما يُسمَّى بنظرية المعرفة.٢٣

من ذلك ترى أننا حين نختار للفلسفة أن تحصر نفسها حصرًا في التحليل المنطقي وحده، وأن تطرح كل محاولة نحو وصف شيء من العالم وصفًا إيجابيًّا تعتمد فيه على التأمُّل، فإننا في الحقيقة نختار لها إحدى المجموعتَين اللَّتَين جرى العرف على جمعهما معًا تحت اسم «الفلسفة»، وليس اختيارنا المجموعة المنطقية، وتركنا المجموعة «الشيئية» تعسفًا وجزافًا، بل هو قائم على أننا ننكر الميتافيزيقا إنكارًا تامًّا من جهة —كما سيتبيَّن خلال الكتاب — ونريد، من جهة أخرى، أن نترك «الأشياء» كالإنسان والمجتمع والتاريخ واللغة والطبيعة، إلى العلوم؛ لأن العلماء وحدهم، بما لديهم من أدوات ومناهج للبحث، هم القادرون على الوصول بهذه المباحث إلى نتائج يمكن الاعتماد على صدقها.

إننا نريد الإبقاء على الفلسفة، على شرط ألا تجاوز دائرة التحليل لما يقوله الناس في شتى نواحي التفكير، أي إننا لا نريد للفيلسوف أن يتقدم إلينا بقائمة من القضايا، قائلًا هذه القضايا هي ما تقوله الفلسفة، فلكم أن تضيفوها إلى القضايا التي يقولها العلماء، لِيَتِمَّ بذلك علمكم عن العالم. كلَّا، فليست الفلسفة مع العلوم الأخرى في مستوًى واحد، وليست الفلسفة علمًا من العلوم الطبيعية، بل موضوعها هو توضيح الأفكار توضيحًا منطقيًّا، ليست الفلسفة نظرية تُضاف إلى غيرها من النظريات، بل هي فاعلية [تنصبُّ على تحليل القضايا العلمية]، وقوام العمل الفلسفي طائفة من توضيحات، ليست نتيجة العمل الفلسفي مجموعة من القضايا الفلسفية، بل نتيجته توضيح للقضايا [التي يقولها غير الفلاسفة من الناس]، واجب الفلسفة أن توضِّح وأن تحدِّد تحديدًا قاطعًا تلك الأفكار التي لولا الفلسفة لظلت معتمة مهوشة.»٢٤

فإذا وضعنا نصب أعيننا هذه الحقيقة، وهي أننا نقبل الفلسفة على أساس انحصار عملها في التحليل، تقشَّع على الفور كثير جدًّا من نقد الناقدين الذين يحرصون على الفلسفة ولا يريدون لها الزوال تحت ضربات الوضعية المنطقية.

خُذْ مثلًا هذا النقد الذي يعتمد فيه الناقدون على عبارة قالها أرسطو، إذ قال: «سواء تفلسفنا أو لم نتفلسف، فلا بد لنا من التفلسف.»٢٥ على اعتبار أننا نتفلسف حتى ونحن نجاهد في إنكارنا للفلسفة؛ فالعِبرة هنا بالمعنى الذي نحدِّد به عملية التفلسف، فقد كان يجوز هذا الاعتراض لو كُنَّا منكرين لكل ضروب الفلسفة على حد سواء، لكننا نُبْقِي من تلك الضروب على التحليل المنطقي، وإذن فلا غبار على رجل يتناول عبارة قالها قائل ليحلِّل ما تنطوي عليه من عناصر وأجزاء، ولا يمنع ذلك طبعًا أن يكون هنالك الفلاسفة المتأمِّلون، الذين يقولون عن الكون عبارات ميتافيزيقية، فيتناول أصحاب التحليل عباراتهم تلك، ليبيِّنوا أنها كلام فارغ ليس بذي دلالة، وهل يستطيع إنسان أن يمنع إنسانًا سواه من النطق بأخلاط صوتية كما يشتهي؟ فلينطق مَن شاء بما شاء، ولنا نحن كل الحق في غربلة هذه المنطوقات، لنميِّز فيها بين ما نقبله لما يحتوي عليه من معنًى، وما نرفضه لخلائه من المعنى، «فالمهمة الأولى للفيلسوف هي تمييز العبارة الخالية من المعنى من العبارة الدالة على معنًى.»٢٦ إن القائلين بالاعتراض الأرسطي السالف، الذي مُؤدَّاه أنك لا بد متفلسف حتى وأنت تهدم الفلسفة، قد أخذوا كلمة «الفلسفة» بمعنى «التفكير»، وعندئذٍ يصح قولهم؛ لأنك لا تنقض تفكيرًا إلا بتفكير، وربما كان هذا المعنى جائزًا بالنسبة لأرسطو، الذي كانت الفلسفة عنده هي جِماع الفِكْر كله، لكننا بمعنى الفلسفة الذي أوردناه، لا نرى تناقضًا في هدمنا للميتافيزيقا بالتحليل المنطقي لعباراتها.
ومن أنواع النقد الذي يوجِّهونه أيضًا، قولهم إن محاولة هدم الميتافيزيقا بالتحليلات اللغوية، إنْ هي إلا اسكولائية جديدة، فالمنكرون للفلسفة — بمعنى الميتافيزيقا — إنما ينكرونها دفاعًا عن نوع آخر من المعرفة، ولئن أراد رجال العصور الوسطى للفلسفة أن تكون خادمة تابعة للدين، فهؤلاء المحدثون يريدون لها أن تكون خادمة تابعة للعلم.٢٧ ونحن نعجب من نقدٍ كهذا يوجِّهه أستاذ للفلسفة محترف؛ لأنه بدل أن يقول للمنكرين أين أخطأوا، فهو يعيِّرهم بأنهم يجعلون أنفسهم أشباهًا لاسكولائية العصور الوسطى، فهل هذا التعيير دليل كافٍ على أن الميتافيزيقا يمكن أن تقوم بذاتها فرعًا من فروع المعرفة الإنسانية؟

وانظر كذلك في عناية إلى النقد الآتي؛ لأنه — في رأينا — أخطر أساسًا من النقدَين السابقَين:

إن الرأي الذي يأخذ به أنصار المدرسة التحليلية الحديثة، ينتهي بهم — كما سيأتي في موضع آخر من الكتاب بالتفصيل — إلى أن المعرفة العلمية نوعان لا ثالث لهما: وهما الرياضة والعلوم الطبيعية؛ وهم في ذلك أتباع لأب أصيل من آباء المذهب الوضعي، وأعني به «هيوم»، وله العبارة المشهورة التي نصها بالترجمة هو ما يأتي: «إذا تناولت أيدينا كتابًا — كائنًا ما كان — في اللاهوت أو في الميتافيزيقا الاسكولائية مثلًا، فلنسأل: هل يحتوي هذا الكتاب على أي تدليل مجرد يدور حول الكمية والعدد؟ لا، هل يحتوي على أي تدليل تجريبي يدور حول الحقائق الواقعة القائمة في الوجود؟ لا، إذن فاقذف به في النار؛ لأنه يستحيل أن يكون مشتملًا على شيء غير سفسطة ووهم.»٢٨

فيقول الناقدون تعليقًا على هذا الموقف؛ لكن هذه العبارة نفسها التي قالها هيوم لا هي تدليل رياضي يدور حول الكمية والعدد، ولا هي تدليل تجريبي يدور حول وقائع الوجود، فماذا هي إذن؟

وجوابنا هو أنها منطق؛ أي تحليل؛ أي فلسفة بالمعنى الذي نريد أن نحدِّد الفلسفة به.

فأمامنا عبارات يقولها المتكلمون والكاتبون، يقولونها لمَن؟ يقولونها لمَن يسمعونهم أو يقرءونهم، يقولونها لنا، أفلا يكون من حقنا أن نستوثق أولًا من أن ما يقولونه وما يكتبونه يمكن مراجعته لتصديقه على أساس سليم؟ فإذا سألتَ العالم الرياضي عن حقيقة ما يقوله، أجاب في اختصار: إنني أقدِّم لك معادلات، كل معادلة منها تقول الشيء الواحد بصيغتَين، وإنما أعتبر الصيغتَين متساويتَين على أساس كذا وكذا من الفروض، فعليَّ أنا بعد ذلك — إذا أردت التحقُّق من صدق زعمه — أن أراجع تلك الفروض لأتأكَّد أن كل معادلة من معادلاته متساوية الشطرَين حقًّا على أساس الفروض المزعومة المشار إليها.

وإذا سألت العالِم الطبيعي عن حقيقة ما يقوله؛ أجاب في اختصار: إنني أقدِّم لك قوانين تلخِّص بعبارة موجزة جملة مشاهداتي وتجاربي، فعليَّ أنا بعد ذلك — إذا أردتُ التحقُّق من صدق زعمه — أن أراجع العالم الواقع لأتأكد أنه قد شاهده مشاهدةً دقيقة وسجِّل مشاهداته تسجيلًا صحيحًا.

وليس أمامي إلا هذان الطريقان في التحقُّق من صدق ما يُقال: طريق مراجعة الاستدلال الاستنباطي في حالة العلوم الرياضية، وطريق مراجعة المشاهدات للعالم الواقع في حالة العلوم الطبيعية، ومن أجل ذلك قبلت ما يقوله الرياضيون وعلماء الطبيعة، ولم أكن في قبولي هذا عالمًا من علماء الرياضة ولا عالمًا من علماء الطبيعة، إنما كنت رجلًا من رجال التحليل، تناول ما يقوله هؤلاء وأولئك للتأكُّد من أنها أقوال ذوات معنًى مفهوم؛ فأين التناقض في مثل هذا الموقف؟

أإذا وقفتُ أمام كومة من أشياء مختلفة، بينها برتقال وكمثرى وأصناف أخرى، ثم جعلت غايتي جَمْع البرتقال والكمثرى وحدهما والقذف ببقية الأشياء، يُقال لي: لكنك لست برتقالًا ولا كمثرى، فماذا أنت؟ هذا هو بعينه موقفي حين أقف أمام كومة من أقوال العلماء، ثم أجعل غايتي هي جمع الأقوال ذوات المعنى المفهوم وحدها، والقذف ببقية الأقوال، فإذا حصلت في النهاية على مجموعة من أقوال مفهومة، ثم حلَّلتها فوجدتها صنفَين: أقوال رياضية وأقوال في العلوم الطبيعية، فانتهيت إلى الحكم الآتي: الأقوال المقبولة هي قضايا الرياضة والعلوم الطبيعية وحدها، فهل يجوز أن يُعترَض على ذلك بقولهم: لكن هذا القول نفسه لا هو رياضة ولا هو من العلوم الطبيعية. فماذا هو؟ لو قيل ذلك لأجبت بالجواب الذي أسلفته وهو: أنه منطق، وقد اعترفنا بالفلسفة إذا جعلت بحثها تحليلًا منطقيًّا، ولم ننكر هذا المعنى من معانيها، وما كان لنا أن ننكره؛ لأن المنطقي لا يقول شيئًا من عنده، إنما يحلِّل ما يقوله الآخرون وكفى.

ولزيادة التوضيح نسوق التشبيه الآتي: هَبْني قلتُ: «إن أعضاء النواب وأعضاء الشيوخ وحدهم هم المسموح لهم بدخول القاعة، وأما الزائرون فينبغي إخراجهم.» أفلا يكون لهذه العبارة معنًى ما دامت هي نفسها ليست عضوًا في النواب ولا عضوًا في الشيوخ ولا واحدًا من الزائرين؟ كذلك الحال فيما نحن بصدده: أمامنا أكداس من عبارات لغوية يقولها الناس في مناسبات شتَّى، فنقول: «إن العبارات المقبولة من هذه الحكومة كلها في القضايا الرياضية وقضايا العلوم الطبيعية؛ لأن هاتَين الطائفتَين هما وحدهما العبارات ذوات المعنى، أما العبارات التي لا هي من هذه ولا من تلك فينبغي حذفها؛ لأنها بغير معنًى» … لماذا يُعْتَرَض على هذا بقولهم: لكن هذه العبارة نفسها لا هي من قضايا الرياضة ولا من قضايا العلوم الطبيعية فينبغي حذفها؟ وحتى لو فرضنا جدلًا أننا حذفناها، فإن الموقف لا يتغير، إذ ستظل العبارات ذوات المعنى هي قضايا الرياضة والعلوم الطبيعية وحدها.

ولعل هذا هو نفسه الذي حَدَا بوتجنشتين أن يقول في آخر كتابه،٢٩ إن ما أورده في الكتاب ليُهدَى به القارئ إلى ما يترك وما يأخذ من الأقوال، هو نفسه مما يُتْرَك، فكأنه للقارئ الدارس بمثابة السلَّم الخشبي، يستعين به على الصعود إلى السطح، ثم يقذفه بقدمه بعيدًا؛ لأنه لم يعد بحاجة إليه، وهذا هو نص عبارته مترجم: «إن ما قد أوردته [في الكتاب] من قضايا يدل على أن مَن يفهمني سيرى في النهاية أن تلك القضايا ليست بذات معنًى، وذلك بعد أن يكون قد صعد على سُلَّمها، وخَطَا على درجاتها، وأصبح فوقها، فيجب أن يقذف بالسُّلَّم — إن صح هذا التعبير — بعد أن يفرغ من استخدامه لصعوده.»٣٠

فاحذف إن شئت ما يقوله لك المذهب الوضعي المنطقي، احذفه باعتباره كلامًا هو في ذاته لا يدل على شيء من رياضة أو علوم طبيعية، لكنك إذ تحذفه ستكون قد بلغت ما أردنا لك بلوغه، وهو ألا تُبْقِي بين يديك من العبارات إلا قضايا الرياضة وقضايا العلوم الطبيعية، وقذفت بالبقية الباقية كلها في المهملات؛ لأنها كلام فارغ بغير معنًى.

٥

الفكرة التي نعرضها في هذا الفصل وندافع عنها، هي أن «الفلسفة» لا ينبغي أن تجعل غايتها شيئًا غير التحليل المنطقي لما يقوله سواها؛ إنها لا تتكلم بذاتها، بل تدع غيرها يتكلم بما قد كشف عنه من حقائق العالم، ثم تتقدم هي لتحليل هذا الذي نطق به غيرها في تصويره للعالم؛ كي تستوثق بأن الكلام الذي قيل قد كان كلامًا له معنًى، وليس من شأنها بعد ذلك أن تقول إن كان الكلام الذي قيل، والذي وجدته كلامًا ذا معنًى، ليس من شأنها أن تقول إن كان ذلك الكلام صادق التصوير لحقائق العالم أو غير صادق؛ لأن مراجعة الصورة الكلامية على الأصل الطبيعي من صميم عمل العلماء بما لديهم من أدوات المشاهدة والتجربة.

وأعيد هنا ما قلته في موضع آخر:٣١
الفلسفة طريقة في البحث بغير موضوع، فليست غايتها أن تبحث «مسائل» لتصل فيها إلى «نتائج»؛ لأنه ليس هناك «مسائل فلسفية»، ولا ينبغي أن يُطْلَبَ من الفلسفة أن تصل إلى «نتائج» عن حقائق الكون؛ كل مسألة في الدنيا يُرَاد فيها الوصول إلى نتائج يجب أن تُتْرَكَ للعلم والعلماء، إذ هي والله أضحوكة الأضاحيك أن يجلس المتفلسف على كرسيه في برجه معزولًا عن العالم، حتى إذا ما سئل: ماذا تصنع ها هنا في عزلتك هذه؟ أجاب: أريد الوصول إلى حقيقة العالم! وسأسوق لك مثلًا كلام فيلسوف مسلم — هو الكِنْدي٣٢ — في موضوع الفلسفة؛ لأوضِّح لك به ما أريد، قال: «علوم الفلسفة ثلاث: فأولها العلم الرياضي في التعليم وهو أوسطها في الطبع، والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع، والثالث علم الربوبية وهو أعلاها في الطبع، وإنما كانت العلوم ثلاثة؛ لأن المعلومات ثلاثة: إما علم ما يقع عليه الحس، وهو ذوات الهيولى، وإما علم ما ليس بذي هيولى: إما أن يكون لا يتصل بالهيولى ألبتة، وإما أن يكون قد يتصل بها، فأما ذات الهيولى فهي المحسوسات، وعلمها هو العلم الطبيعي، وإما أن يتصل بالهيولى وأن له انفرادًا بذاته كعلم الرياضيات التي هي العدد والهندسة والتنجيم والتأليف (أي الموسيقى)، وإما لا يتصل بالهيولى ألبتة، وهو علم الربوبية».

وقد يكون كلام الكِنْدي مما لا تألفه أذنك من الكلام، فخلاصة رأيه هذا هي أن الفلسفة تبحث إما في شيء لا يمكن أن يتصل بمادة وهو الله، أو في شيء قد يتصل بالمادة وقد ينفصل عنها بحيث يكون وجوده ذهنيًّا فقط مثل العدد، وعلمه الرياضة، أو في شيء يتصل دائمًا بالمادة ولا ينفصل عنها كالأشجار والنجوم والهواء، وعلمه الطبيعة؛ وبعبارة أقْصَر، يقول الكندي: إن موضوع الفلسفة ثلاثة: الإلهيات والرياضة والطبيعة.

والذي أريد أن أعترض به على أمثال هذا القول، هو أنك حين تبحث في الإلهيات فأنت من رجال الدين ولستَ بالفيلسوف، وحين تبحث في الرياضة فأنت رياضي لا فيلسوف، وحين تبحث في الطبيعة فأنت من علماء الطبيعة لا فيلسوف.

كلا، ليس للفلسفة موضوع، ولا ينبغي أن يُطْلَب إليها أن تصل إلى نتائج هي من شأن رجال الرياضة والعلوم الطبيعية، ولو طلبنا إليها ذلك كنا عابثين، ولو أخذ الفيلسوف على نفسه أن يصنع ذلك كان عابثًا واستحق سخرية الساخرين، إنما واجب الفلسفة الصحيح المفيد هو نقد وتحليل؛ نقد وسائل التعبير وتحليل معاني الألفاظ التي يستخدمها الرياضيون والعلماء؛ ليزداد الإنسان فهمًا لما يقوله الرياضيون والعلماء، بل ليزداد الرياضيون والعلماء أنفسهم فهمًا لما يقولون … ليس للفلسفة موضوع معين، وليس لها أن تنبئنا عن حقائق الكون؛ إنما هي طريقة بغير موضوع، كقولك عن الرجل: إنه وزير بلا وزارة، فيعمل في شئون العدل مرة وفي شئون الدفاع مرة؛ هي البحث عن معاني الألفاظ، لا كما تشرحها القواميس، بل هو تحليل يسير على أوضاع وشروط — سنفصِّل القول فيها تفصيلًا فيما بعد، حين نعرض طرائق التحليل عند «مور» و«رسل» و«كارنب».

ليست الفلسفة مجموعة من «القضايا» يتقدم بها الفيلسوف، ليخبر في كل قضية منها بخبر عن هذا الجانب أو ذاك من جوانب العالم، وفي هذا يقع الاختلاف بينها وبين مختلف العلوم، فالعلم من العلوم — كعلم النبات مثلًا أو علم الضوء — مؤلَّف من مجموعة قضايا، أو إن شئت فقل إنه مؤلَّف من مجموعة قوانين، أما الفلسفة فلا «قضية» عندها تقدمها، ولا «قانون» من قوانين العالم هو من نتائج بحثها، وإنما ينحصر عملها في تحليل ما تقوله شتَّى العلوم من قضايا، «ليست الفلسفة علمًا بين العلوم الطبيعية، بل موضوعها هو توضيح الأفكار [أي القضايا العلمية] توضيحًا منطقيًّا، فليست هي بنظرية من النظريات، بل فاعلية …»٣٣
الفلسفة «فاعلية» من نوع معين، وليست هي مجموعة أقوال يقولها القائلون ليصفوا بها شيئًا، هي «فعل» لا «قول»؛ لأنك حين تتناول عبارة كلامية بتحليلها إلى عناصرها، فأنت تبذل في ذلك ضربًا من ضروب النشاط، لكنك لا تقول من عندك شيئًا، وهذا النشاط المبذول في عملية التحليل هو الفلسفة بالمعنى المراد، «إن الفلسفة فاعلية في عقولنا، تتميَّز بعلامات معينة من شتَّى ضروب الفاعلية الأخرى؛ إذ يميِّزها أنها نشاط وفعل في طريقة ومنهج، ولو عرفنا ما منهجها، استطعنا بذلك أن نعرف ما هي.»٣٤
وليست الفلسفة التحليلية وليدة اليوم ولا الأمس القريب، بل تستطيع أن تلمس أصولها عند فيلسوف قديم هو في الحق نموذج الفلسفة الصحيح الكامل،٣٥ وأعني به سقراط، الذي انصرف بمجهوده الفلسفي كله إلى غاية واحدة، هي تحليل بعض الألفاظ المتداولة — وبخاصة في مجال الأخلاق — وتحديد معانيها، فيحاول — مثلًا — أن يحدد معنى ألفاظ كالتقوى والشجاعة ونحو ذلك.

لقد كان المذهب السقراطي في الأخلاق قائمًا على أساس أن الفضيلة يمكن أن تُلَقَّن بالتعليم، أي إنها معرفة كأي معرفة أخرى، يعلِّمها المعلم لتلاميذه، لكنه لم يتناولها بالشرح المفصَّل؛ ماذا تكون قضايا هذا العلم، لم يجهد نفسه في الوصول إلى «الحقائق» التي من مجموعها يتألف «علم الاخلاق»، كما يتألف علم الضوء مثلًا من مجموعة قوانين، لم يجهد نفسه في ذلك، على الرغم من يقينه بأن الأخلاق يمكن أن تستوي علمًا بمجموعة قضاياه؛ لأنه أنفق جهده في محاولة الإجابة عن سؤال آخر يأتي منطقيًّا قبل تقرير الحقائق الأخلاقية، وهو: كيف يمكن الوصول إلى علم ثابت يقيني في هذا الميدان المعين، ميدان الأخلاق؟ أعني أنه حاول أولًا أن يفكر في «المنهج» العقلي الذي من شأنه أن يوصل الإنسان إلى ما يريد أن يصل إليه من حقائق في ميدان بحثه هذا، حاول أولًا أن يتناول كلام الناس في هذا الميدان كما هو، فيأخذ منه عبارة كما اتفق، فيتناولها بالتحليل وتحديد المعاني ليرى إن كان ما تعوَّد الناس قوله في هذا المجال كلامًا متسقًا مفهومًا خاليًا من التناقض، فإن وجده كذلك صحَّ أن يضاف إلى قائمة الحقائق التي تكوِّن علم الأخلاق، وإلا فلا مندوحة عن مراجعته وتصحيحه وتقويمه.

والذي يستوقف النظر في هذا الصدد، مما له علاقة مباشرة قوية بموضوعنا، هو أنه لم يكن يعبأ بالوصول من تحليلاته إلى نتائج يقرِّرها، ولم يكن يشعر بشيء من خيبة الرجاء إذا ما وجد تحليله لم ينتهِ به إلى نتيجة؛ ذلك لأن غايته المقصودة باعتباره فيلسوفًا هي عملية التحليل في ذاتها، إذ الفلسفة فعل لا قول كما أسلفنا، هي فاعلية تحليلية وليست بتقرير لنتائج معينة وتوكيد لأحكام بذاتها في هذا الموضوع أو ذاك.

يقول سقراط في محاورة الدفاع،٣٦ ردًّا على اتهام مليتس له بأنه كان يبحث في الطبيعة وظواهرها: «… لشد ما يسوءني أن يتهمني مليتس بمثل هذا الاتهام الخطير، أيها الأثينيون، الحق الصراح أني لا أتصل بتلك الدراسة الطبيعية بسبب من الأسباب، ويشهد بصدق قولي كثير من الحضور، فإليهم أحتكم، انطقوا إذن يا مَن سمعتم حديثي، وأَنْبِئوا عني جيرانكم، هل تحدثت في مثل هذه الأبحاث كثيرًا أو قليلًا؟»

لا، لم يكن سقراط فيلسوفًا إذا كانت مهمة الفيلسوف أن يقول ويقرر هذه الحقيقة أو تلك عن ظواهر العالم كائنة ما كانت، لكنه كان نموذج الفلسفة الكامل، إذا حدَّدنا معنى الفلسفة بأنها فاعلية التحليل المنطقي لما يقوله الناس في ميادين الفكر المختلفة، وقد اختار هو لنفسه ميدانًا واحدًا من هذه الميادين، هو ميدان الأخلاق، فالمادة الخامة التي صبَّ عليها فاعليته الفلسفية، هي العبارات التي ينطق بها الناس في أحاديثهم المتصلة بالمعاني الأخلاقية كالتقوى والشجاعة وما إلى ذلك.

إن المكانة الرئيسية التي يحتلها سقراط في الفكر اليوناني هي — بغير شك — مكانة مستمدة من منهجه الذي اشترعه التفلسف، لا فيما عسى أن يكون قد قرَّره للناس من حقائق أو أثبته لهم من قضايا، وكلمة «الديالكتيك» التي سُمِّيَ بها كثير من المحاولات المنهجية منذ عهده إلى اليوم، إنما ترجع إلى فنه في النقاش الفلسفي.٣٧
وكذلك كان أفلاطون فيلسوفًا تحليليًّا في كثير مما تعرَّض له، ومحاورة بارمنيدس مَثَل جيد لطريقته في التحليل، فبعد مقدمة طويلة، تتألف هذه المحاورة من أجزاء، كل جزء منها يحلِّل فرضًا ميتافيزيقيًّا ليستخرج منه مضمونه، ولما كانت هذه الفروض الميتافيزيقية مُستمدَّة من فلسفة بارمنيدس، فقد أسماها باسمه.٣٨

وماذا يكون «منطق» أرسطو إذا لم يكن محاولة جبارة أصيلة في التحليل؟ إنه بمؤلَّفه ذاك لم يُرِدْ بالطبع — لطبيعة المنطق الصورية البحت — أن يقرِّر حكمًا بذاته على أيَّة ظاهرة من الظواهر الطبيعية، إنه لم يرد أن يصف شيئًا — فيما عدا العبارات الكلامية — وإنما جعل موضوعه تحليل هذه الأقوال التي يقولها الناس في شتَّى نواحي القول، ليعلم القوالب الصورية التي تنحصر فيها أقوال الناس على كثرتها وتنوُّع موضوعاتها، فإذا قال أرسطو: إن القضية —كائنة ما كانت — تتألف من موضوع ومحمول، فهو إنما يحلِّل بذلك فِكْر الناس في عصره (وفي عصور طويلة تَلَتْ) بأن الإنسان ليس في مستطاعه أن يتحدث إلا إذا تحدث عن «شيء» ما، فيصفه بهذه الصفة أو تلك، وهو اعتقاد ينبني على اعتقاد أسبَق منه، هو أن في العالم عناصر ثابتة، لكل عنصر منها هوية يمكن تحديدها وتعريفها، ثم يمكن وصفها بنعوت مختلفة، كما أقول عن البرتقالة مثلًا: إنها مستديرة، أو إنها صفراء … إلخ، ولما تغير هذا الرأي في عصرنا الحاضر، ولم يَعُد فكرنا العلمي قائمًا على أساس الهوية الثابتة للأشياء، بل على أساس أن الشيء المعيَّن إنْ هو إلا تاريخه المؤلَّف من سلسلة حوادث، كل حادثة منها تقع في مكان معين وزمان معين، لم يعد شرطًا — في المنطق الحديث — أن يكون الكلام دائمًا مؤلَّفًا من موضوع ومحمول كما ظن أرسطو، لكن أرسطو لم يخطئ حين قال هذا الذي قاله في تحليل القضية؛ لأنه إنما يحلل الكلام الذي يقع له في أحاديث الناس تحليلًا يستخرج به ما يتضمنه من عناصر، وما ينطوي عليه من صورة.

والفلاسفة التجريبيون من الإنجليز: «لوك» و«باركلي» و«هيوم» وأتباعهم، هم — على وجه الإجمال — من أولئك الذين نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقة في التحليل، فلو استبعدت ما كتبوه في علم النفس؛ وجدت بقية آرائهم تحليلات لطائفة من المعاني،٣٩ وأصح من ذلك أن نقول عنهم ما قاله «آير»،٤٠ وهو أن معظم ما كتبه هؤلاء الفلاسفة يندرج تحت ما يُسمَّى في فروع الفلسفة بنظرية المعرفة، والمفروض فيها أن تُحَلَّل ضروب الإدراك المختلفة بما في ذلك — إلى جانب المعرفة بمعناها الدقيق — الخيال والاعتقاد والتمييز بين ألوان القضايا المختلفة، وتحليل هذه القضايا وما يَرِد فيها من مُدرَكات.
كان «لوك» فيلسوفًا تحليليًّا؛ لأنه في الأعم الأغلب لا يثبت قضايا تجريبية بعينها أو ينفيها، بل تراه يتناول القضايا التي يقولها الناس كما هي ليحلِّل معانيها، وكذلك «باركلي» لا يتعرَّض — في الأغلب — إلى إثبات شيء أو إنكار شيء، بل يكاد هو أيضًا يقتصر على تحليل ما يُقال، وليس صحيحًا ما هو شائع عنه من أنه أنكر وجود الأشياء المادية كالمقاعد والمناضد، فالذي ينكره هو التحليل الذي تقدَّم به «لوك» لأمثال هذه الأشياء، أعني أنه أبدل تحليلًا بتحليل، فقد جعل «لوك» الإحساسات التي نتلقاها بحواسنا من شيء ما — كهذا القلم الذي في يدي مثلًا — مرتبطة بعنصر، أي إن للشيء جوهرًا مركزيًّا تلتف حوله صفاته، بحيث نستطيع أن نقول عن القلم مثلًا: إنه أزرق وصُلب … إلخ، لكن «باركلي» لم يوافق على هذا التحليل، وجعل صفات الشيء لا تلتف حول عنصر أو جوهر، بل يرتبط بعضها ببعض فحسب، بحيث لا يكون الشيء عنده إلا مجموعة إحساساتنا به، متصلًا بعضها ببعض على صورة ما، وكان الخطأ الذي وقع فيه «باركلي» حين تصدى لنقد «لوك» هو أنه استثنى النفس، إذ جعلها عنصرًا قائمًا بذاته؛ ولهذا نهض «هيوم» ليدفع نقد «باركلي» إلى نتائجه المنطقية حتى النهاية، وإذن فالنفس أيضًا إنْ هي إلا حالات مُجزَّأة متتابعة، متصل بعضها ببعض على صورة ما، دون أن يكون هناك عنصر جوهري مركزي تتعلَّق به تلك الحالات، وهكذا ترى شغلهم الشاغل هو تحليل معاني كلام الناس في حياتهم الجارية أو في حياتهم العلمية، فماذا نعني حين نقول مثلًا: هذا قلم؟ نعني — عند «لوك» — هذه مجموعة صفات تلتف حول عنصر خفي، ونعني — عند باركلي وهيوم — هذه مجموعة من الإحساسات ارتبط بعضها ببعض على نحو ما. حتى فكرة السببية التي كثيرًا ما يُقال عن «هيوم»: إنه أنكرها، لم تكن قط عنده موضع إنكار؛ لأنه فيلسوف يحلِّل العبارات والمُدرَكات ولا يثبت شيئًا أو ينكر شيئًا، إنه اقتصر في فكرة السببية على تحديدها وتعريفها٤١ فألقى ضوءًا على ما يتضمنه قولنا مثلًا: إن الكرة «أ» هي التي دفعت الكرة «ب» فحرَّكتها.

ولسنا في هذا الموضوع نريد أن نؤيِّد أو نفنِّد ما يقوله هؤلاء الفلاسفة في تحليلهم للعبارات وما تنطوي عليه من عناصر ومعانٍ، فربما أصابوا هنا وأخطئوا هناك، أو ربما أخطئوا هناك وأصابوا هنا فذلك بحث آخر، لكن الذي يعنينا الآن هو أن نقرِّر هذه الحقيقة الآتية: وهي أن الفلسفة على أيديهم كانت عملية تحليلية، ولم تكن — في الأعم الأغلب — تقريرًا عن ظواهر الكون المختلفة بإثبات صفات معينة لها أو نفيها عنها، ولو فعلوا لكان الأجدر أن يُسلَكوا في جماعة العلماء الذين من شأنهم ملاحظة الطبيعة ووصفها.

فإذا أُريدَ للفلسفة بقاء، وجب أن تحصر نفسها في مهمتها الحقيقية الممكنة النافعة، ألا وهي التحليل المنطقي للألفاظ والعبارات: يقول «بيرتراند رسل»: «إن كل مشكلة فلسفية، إذا ما أخضعْتَها للتحليل وللتنقية الضروريتَين؛ ألفيتَها إما ألا تكون مشكلة فلسفية بالمعنى الصحيح، وإما أن تكون مشكلة منطقية، بالمعنى الذي نقصد إليه بكلمة منطق.»٤٢

إن الذي نتصدى لإنكاره في هذا الكتاب إنكارًا قاطعًا، هو إمكان التحدث عن «أشياء» غير مُحسَّة، وهو موضوع الميتافيزيقا بالمعنى الذي نرفضه، فإن قال لنا قائل: إن هذه هي مهمة الفلسفة الأساسية، أجبناه بأن الفلسفة عندئذٍ تفقد أساس وجودها ولا يعود لها كيان تقوم عليه؛ أما الفلسفة بمعنى التحليل، فهي شيء نرتضيه، ونستمد دعامة لنا تؤيِّد وجهة نظرنا من أعلام الفلاسفة: من سقراط، ومن أفلاطون في بعض محاوراته، ومن أرسطو في منطقه، ومن الفلاسفة التجريبيين الإنجليز، ولم نَقُل شيئًا عن «كَانْت» الذي جاء الشطر الأعظم من فلسفته «نقدًا» — أي تحليلًا — للأُسُس التي تقوم عليها العلوم.

لكن «كَانْت» أخطر مكانة في ميدان الفلسفة التحليلية من أن نذكره في إشارة عابرة، فلنجعل للحديث في فلسفته النقدية فصلًا بأَسْرِه، هو الفصل التالي.

١  كلمة «الميتافيزيقا» مستعملة هنا بمعنًى سنحدِّده تفصيلًا فيما بعد، ونكتفي الآن بالقول إن الميتافيزيقا المرفوضة هي مجموعة العبارات التي تتحدث عن كائنات لا تقع تحت الحِسِّ.
٢  Wittgenstein, L., Tractatus Logico-Philosophicus، ٤٫٠٠٣.
٣  Weinberg, J. R., An Examination of Logical Positivism، ص١٨٤.
٤  أفلاطون في محاورة فيدون، انظر: «محاورات أفلاطون»، تعريب المؤلف، ص٢١٤ وما بعدها.
٥  Carnap, Rudolf, The Logical Syntax of Language، ١٣-١٤.
٦  مشكلة المعاني الكلية معروضة بشيء من التفصيل في كتابي «المنطق الوضعي»، ص٣٩-٤٠.
٧  Wittgenstein, Ludwig, Tractatus Logico-Philosophicus، ٦٫٥.
٨  هو مذهب «باركلي» المعروف.
٩  Appearance and Reality، والكتاب مليء بأمثال هذه العبارة.
١٠  Norman Malcolm, Moore and Ordinary Language (The Philos. of Moore, ed. by Schilpp)، ص٣٤٩.
١١  Hans Reichenbach Russell’s Logic (The Philosophy of B. Russell, ed. by Schilpp)، ص٢٣.
١٢  Broad, C. D., Scientific Thought، المقدمة.
١٣  Ruth Saw, Vindication of Metaphysics (1951)، المقدمة.
١٤  Wittgnstein, Ludwig, Tractatus، ٦٫٥٣.
١٥  المرجع نفسه، ٤٫١١٢.
١٦  Pap, A., Elements of Analytic Philosophy، ص٦ من المقدمة.
١٧  Broad, C. D., Scientific Thought، ص١٦.
١٨  راجع كتابها Susanne K. Lunger, The Practice of Philosophy، وهو من الكتب التي توضح هذه الوجهة من النظر.
١٩  Broad, C. D., Scientific Thought، ص١٦.
٢٠  Ayer, A. J., Language, Truth and logie، ص٣٠.
٢١  المرجع نفسه، ص٥٠.
٢٢  راجع طائفة من المعاني المختلفة للفلسفة في الفصل الثاني من كتاب «المدخل إلى الفلسفة» تأليف «أزفلد كولبه» وترجمة الدكتور أبو العلا عفيفي.
٢٣  Carnap, R., The Logical Syntax of Language، ص٢٧٨.
٢٤  Wittgenstein, L., Tractatus، ٤٫١١٢.
٢٥  Barnes, W., The Philosophical Predicament، ص٢١.
٢٦  Stebbing, L. S., Logical Positivism and Analysis (annual Philos. Lecture, British Academy, 1933).
وقد طُبِعَت المحاضرة في كتاب مستقل، ومما يجدر ذكره أن المؤلِّفة قد أشارت في بحثها هذا إلى أن هذه النقطة مشروحة شرحًا جيدًا في مقال نشره R. B. Braithwaite في Camb. Univ. Studies.
٢٧  Barnes, W., Philos. Predicament، ص١٤.
٢٨  David Hume, An Inquiry Concerning Human Understanding، ج٣ فقرة ١٢.
٢٩  Wittgenstein, L., Tractatus Logico-Philosophicus.
٣٠  المرجع المذكور، فقرة ٦٫٥٤.
٣١  راجع للمؤلف مقالة «القطة السوداء» في كتاب «شروق من الغرب».
٣٢  انظر «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» للمغفور له الشيخ مصطفى عبد الرازق، ص٤٨.
٣٣  Wittgenstein, L., Tractatus، فقرة ٤٫١١٢.
٣٤  Collingwood, R. G., An Essay on Philos. Method، ص٣.
٣٥  Karl Joel نقلًا عن: Leonard Nelson, The Socratic Method، ص٦.
٣٦  «محاورات أفلاطون» تعريب المؤلف، ص٧٠-٧١.
٣٧  Collingwood, R. G., Philosophical Method، ص١٠.
٣٨  المرجع نفسه، ص١٤.
٣٩  Arthur Pap, Elements of Analytic Philos، ص٧ من المقدمة.
٤٠  Ayer, A. J., British Empirical Philosophers، ص١٠.
٤١  Ayer, A. J., Language, Truth and Logic، ص٥٦.
٤٢  Russell, B., Our Knowledge of the External World، ص٣٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠