الفصل الرابع

نسبية الخير والجمال

١

الغاية الرئيسية من هذا الكتاب هي بيان أن العبارات الميتافيزيقية خِلْو من المعنى، مع تحديد «الميتافيزيقا» بأنها البحث في أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلًا ولا إمكانًا؛ لأنها أشياء بحُكْم تعريفها لا يمكن أن تُدْرَكَ بحاسة من الحواس، ومن بين هذه الأشياء غير المُحسَّة — التي يكتب عنها الفلاسفة — الخير والجمال؛ ولذلك فنحن نسلك العبارات التي تتحدث عن الخير وعن الجمال في زُمْرة الميتافيزيقا بالمعنى الذي حدَّدناه لها، وبالتالي فإننا نرى العبارات التي تتحدث عن هاتَين القيمتَين في الأشياء — قيمة الخير وقيمة الجمال — خالية من المعنى، ولا تصلح أن تكون علمًا ولا جزءًا من علم.

وقبل الدخول في تفصيلات البحث، يحسن أن أوضِّح للقارئ ما أريده حين أقول: إن «الخير» و«الجمال» ليسا مما تدركه الحواس؛ لأنه ربما عجب لنفسه كيف يمكن أن يُقال فيهما مثل هذا القول، مع أنه «يرى» و«يسمع» أشياء بعينها، توصف بأنها خيِّرة أو بأنها جميلة، أفلا يكون عندئذٍ بمثابة مَن يدرك الخير والجمال بحواسه؟

والحقيقة أن الإجابة عن سؤاله هذا بالنفي، فيه سَبْقٌ إلى تأييد وجهة نظر بعينها في الخير والجمال، هي وجهة النظر التي نأخذ بها، وإيهامٌ بأنها وجهة النظر الوحيدة في الموضوع، مع أننا ولا شك نعرف ونعترف بوجود وجهة أخرى للنظر، لها أنصار وأصحاب من أقوى مَنْ عرفتِ الفلسفةُ من رجال، وهي وجهة النظر القائلة بأن صفة «الخير» وصفة «الجمال» تدركهما الحواس — السمع والبصر مثلًا — كما تدرك صفات أخرى كثيرة كاللون والطعم، فكما أن للوردة رائحة زكية أشمها بأنفي، فكذلك لها «جمال» أراه بعيني.

لكننا مع اعترافنا بوجود طائفة من الطراز الأول من المُفكِّرين، ترى أن الخير والجمال موجودان كائنان فعلًا خارج الإنسان ومشاعره، وأنه حتى لو انمحى أفراد الإنسان جميعًا من وجه الأرض، لبقي هنالك في العالم شيء اسمه خير وشيء اسمه جمال، كما يبقى فيه شيء اسمه شجرة وآخر اسمه جبل … أقول: إننا مع اعترافنا بوجود طائفة ممتازة من المُفكِّرين تأخذ بهذا الرأي، إلا أننا سندافع في هذا الفصل عن وجهة النظر الأخرى التي تجعل قيمة الشيء — خيرًا كانت أو جمالًا — مجرد شعور ذاتي عند الإنسان نحو الشيء، وليست هي بكائنة فيه، فأنا حين أنظر إلى الوردة — مثلًا — وأقول عنها إنها «جميلة»، فالذي أراه هو بقعة من اللون ذات شكل معين، لها أبعاد معينة يمكن قياسها ويمكن رسمها على الورق، كذلك «أرى» في الوردة تركيبًا كيماويًّا معينًا إذا حلَّلتها، لكن لن «أرى» في الوردة عنصرًا اسمه «جمال»، وإذن فوصفي لها بهذه الصفة هو شيء أضيفه لها من عندي، وإن شئت دقة فقُلْ هو وصف شعوري إزاءها لا وصف لها هي، وعلى هذا لا يكون «الجمال» من بين ما أدركه من الوردة بحواسي، فالعبارة التي تحتوي على كلمة «جمال» هي عبارة في الحقيقة تتحدث عما ليس يُحَس، أي إنها عبارة ميتافيزيقية، سنبيِّن فيما يلي كيف تخلو من المعنى.

فالقارئ الذي سيعجب لنفسه منذ بداية الحديث، كيف يُقال عن «الخير» وعن الجمال إنهما ليسا مما تدركه الحواس، مع أنه يرى بعينَيه ويسمع بأذنَيه أشياء خيِّرة أو جميلة في ذواتها، وما مهمة الحواس إزاءها إلا إدراكها كما تدرك ضوء الشمس وصورة الجبل، مثل هذا القارئ هو في حقيقة أمره في حكم مَن يأخذ بمذهب معين في الخير والجمال، هو المذهب الذي يجعل «القِيَم» موضوعية، وإنما كُتِبَ هذا الفصل لمحاولة إقناعه بأن «القِيَم» جزء من ذاته هو، وأن العالم الخارج عن ذاته لا خير فيه ولا جمال، وإنما هو عالَم من أشياء، فإذا أراد أن يقف إزاءها وقفة العالِم الذي ينطق كلامًا ذا معنًى، كان لا بد له من قَصْر الحديث على وصف ما يراه فعلًا وما يسمعه وما يحسه بسائر حواسه، دون إضافة شيء من ذات نفسه إلى الوصف، وإلا فقد أراد لنفسه شيئًا غير العلم ومجاله.

٢

إننا سنقصر حديثنا فيما يأتي على العبارات الأخلاقية، التي تَرِد فيها كلمات مثل «خير» و«واجب» … إلخ، حصرًا لدائرة البحث وتركيزًا لانتباه القارئ، وذلك على اعتبار أن ما يجوز قوله عن العبارة الأخلاقية، يمكن أن يُقال كذلك عن العبارة الجمالية، من حيث إن كِلْتَيهما تشمل ألفاظًا دالة على «قيمة»، كائنة ما كانت. ومعظم مجهودنا الآن مُوجَّه إلى إثبات أن العبارة التي تتحدث عن «قيمة» شيء — «خيرًا» كانت أو «جمالًا» — هي عبارة فارغة من المعنى.

فأوَّل ما نقوله في هذا الصدد، هو أن للغة عَمَلَين ينبغي أن نميِّز أحدها من الآخر تمييزًا واضحًا، وهما: التعبير من جهة، والتصوير من جهة أخرى،١ ونقول عن العبارة اللغوية إنها تعبيرية٢ حين نريد أن نقول إنها منصرفة إلى إخراج ما يشعر به القائل داخل نفسه، مما يستحيل على سواه أن يراجعه فيه؛ لأنه شعور ذاتي خاص به، كشعوره بالألم أو باللذة مثلًا، ثم نقول عن العبارة اللغوية إنها تصويرية٣ حين نريد القول بأنها قد أُريد بها أن تصف شيئًا خارجًا عن ذات القائل، ولمَن شاء أن يراجع هذا القائل في مطابقة الوصف على الشيء الموصوف، ليرى إن كان وصفًا صادقًا أو كاذبًا، وهذا التقسيم في استعمال اللغة، هو نفسه ما قصد إليه الأستاذ رتشاردز حين جعل اللغة إما تُسْتَعمل «استعمالًا علميًّا» أو «استعمالًا انفعاليًّا»،٤ وهو يريد بالاستعمال العلمي أن تجيء العبارة وصفًا لشيء خارجي، لا يتدخَّل فيه الإنسان بمشاعره، كأن يصف الجغرافي — مثلًا — جبال الهملايا من حيث ارتفاعها وتكوين صخورها … وهكذا، ويريد بالاستعمال الانفعالي للغة أن تجيء العبارة معبِّرة عن الحالة الوجدانية لقائلها.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نقسِّم مذاهب الأخلاق قسمَين: مذاهب تصويرية، وأخرى تعبيرية.

فمن الفلاسفة الأخلاقيين فريق يرى أن أيَّة عبارة تعبِّر بها عن حقيقة أخلاقية، كقولنا مثلًا: «إن الوفاء بالوعد واجب» أو «إن الإحسان إلى الفقير خير.» إنما هي عبارة تصف شيئًا كائنًا بغضِّ النظر عن نفس القائل ومشاعره، فهنالك — في رأيهم — في العالم الخارجي أعمال يمكن مشاهدتها تُسمَّى «الوفاء بالوعد»، وهنالك صفة تصف تلك الأعمال، هي صفة «واجب» ليست من خَلْق الإنسان ولا من خياله، إنما هي صفة موضوعية — كارتفاع جبال الهملايا — لا دَخْل للإنسان فيها، ولا حيلة له في تغييرها أو تحويرها، وكل ما عليه في هذا الصدد هو أن يسجِّل ما هنالك واصفًا له ومقرِّرًا لما يجده تقرير الناقل الذي لا يحذف مما يرى شيئًا ولا يضيف شيئًا، وكذلك قُلْ في العبارة الثانية «الإحسان إلى الفقير خير.» فصفة «خير» كأيَّة صفة أخرى من الصفات الموجودة فعلًا، والتي ستظل موجودة في الأشياء، سواء بقي على ظهر الأرض إنسان يراها ويحلِّلها، أو فنِيَ الناس عامة. عند هذا الفريق من فلاسفة الأخلاق أن المعنى الأخلاقي قائم كائن ذو خصائص معينة، فإذا ما جاء الإنسان ووصف معنًى من هذه المعاني نتيجة لبحث قام به في الأشياء الخارجية أو في ذات نفسه، فهو إنما يصف حقيقة لم يكن له يد في إيجادها ولن يكون له يد في تغييرها، وإذن — فمن وجهة نظرهم هذه — تكون «القيمة» موضوعية تُدْرَك وتوصف بعبارة وصفية علمية، ولئن رَأَيْنا الشعوب المختلفة في العصور المختلفة قد تباينت في أحكامها الخُلُقِية، فليس ذلك راجعًا إلى كَوْن المعاني الخلقية نسبية تتغيَّر بتغيُّر الناس، بل هو اختلاف في تشخيص الحقيقة ووصفها على النحو الصحيح، كما قد اختلف الناس يومًا في شكل الأرض أمُسطَّح هو أم كُرِّيٌّ، وسيجيء يوم يستطيعون فيه جميعًا أن يهتدوا إلى حقيقة أخلاقية واحدة، يرَوْنها جميعًا على السواء ويصفونها جميعًا وصفًا يشتركون فيه، كما قد جاء يوم اهتدوا فيه — بعد خلاف — على شكل الأرض، وكذلك قُلْ في الحقائق الجمالية.

ومن الفلاسفة الأخلاقيين فريق آخر يرى غير ذلك الرأي، إذ يرى أن العبارة الأخلاقية — وكذلك الجمالية — هي جملة تعبيرية، لا تزيد على كَوْنها تعبيرًا عمَّا في نفس القائل من شعور ذاتي خاص به، وعندئذٍ يستحيل أن يقف السامع منه موقف المُصدِّق أو المُكذِّب لما يقول؛ لأنه لا سبيل إلى مراجعته فيما يقول، وكيف يراجعه وهو لم يَقُل عن العالَم المشترك بينهما شيئًا، إنما نطق بشيء أشبه بالصراخ — مثلًا — أو بقهقهة الضحك؟

وإلى هذا الفريق الثاني ينتمي صاحب هذا الكتاب، وهو يحاول بهذا الذي يكتبه أن يقنع القارئ بهذه الوجهة من النظر.

٣

ما معنى أن يختلف اثنان (أو أن يتفقا) في حكم أخلاقي معين؟ هل يكون اختلافهما (أو اتفاقهما) شبيهًا بنظيره في العلوم الطبيعية، بحيث لا يكون الفَرْق بين اختلافهما على حكم أخلاقي وبين اختلافهما على حكم من أحكام العلوم الطبيعية الأخرى، إلا بمقدار ما هنالك من فرق في مادة البحث؟ «إننا إذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال، فقد ظفرنا بما يحدِّد لنا المشاكل المعيارية [الخاصة بالأخلاق والجمال مثلًا] بوجه عام.»٥
هنالك ضربان من الاختلاف: (١) اختلاف في الرأي. (٢) واختلاف في الميل والهوى.٦
  • (١)

    أما اختلاف الرأي فهو هذا الذي يقع بين الباحثين في العلوم الطبيعية، وبين المتحدِّثين في شئون الحياة اليومية الجارية (ونستثني الآن ما يمس أمور الأخلاق والجمال؛ لأنهما موضوع البحث)، فإذا اختلف عالِمان طبيعيان في كيفية انتقال الضوء، فهذا اختلاف في الرأي، وإذا اختلف مؤرِّخان في شيء يتعلَّق برحلة كولمبس إلى أمريكا فهو اختلاف في الرأي أيضًا، وإذا اختلف شخصان على ثمن اللحم في السوق اليوم فهو كذلك اختلاف في الرأي، وفي كل هذه الحالات جميعًا، يصح النقاش بين المختلِفَين؛ لأن هنالك مرجعًا يمكن الرجوع إليه والاهتداء به — ولو بعد حين — إلى الحق الذي تنتهي الخصومة عند إدراكه.

  • (٢)
    وأما الاختلاف في المَيْل والهوى فشيء غير ذلك؛ لأنه ليس اختلافًا في إدراك شيء موضوعي خارج عن الحالة النفسية للمتخاصمَين، إنما هو اختلاف في الرغبات والأغراض، هو اختلاف بينهما فيما يشبع الحاجة عند كل منهما، فالذي يشبع الحاجة عند أحدهما مختلف عمَّا يشبع الحاجة عند الآخر، والأمثلة الآتية توضِّح ما نريد.٧

رجلان أرادا اختيار مطعم مناسب يتناولان فيه طعام العشاء معًا، فيفضِّل أحدهما مطعمًا فيه موسيقى، ويؤثِر الآخر مطعمًا آخر لا عَزْف فيه، فهما إذن يختلفان ولا يسهل اتفاقهما على مطعم بعينه، والاختلاف مصدره تبايُن الرغبات وما يشبعها عند كل منهما، وبالطبع لا سبيل إلى حسم الخلاف بينهما، إلا أن ينزل أحدهما عن رغبته كارهًا.

رجل وزوجته يريدان إقامة حفل في دارهما، لكنهما يختلفان اتجاهًا، فالزوجة مزاجها أن تخالط أبناء الطبقة الممتازة بغضِّ النظر عمَّا يكون بينها وبينهم من صداقة أو عدمها، وأما الزوج فيؤثِر أن يلازم أصدقاءه الأقدمين أيًّا ما كانت طبقتهم الاجتماعية، فعندئذٍ يختلفان في تعيين أسماء مَن يدعوانهم، ولا سبيل إلى الاتفاق بينهما؛ لأنه ليس هنالك حقيقة خارجية قائمة، يمكن الرجوع إليها كي ينحسم الخلاف.

أمين على متحف عام يريد أن يزوِّد المتحف بصُوَر أخرى تُضاف إلى ما فيه من صُوَر، ويرى أن تكون الزيادة كلها صورًا لرجال الفن المعاصرين، لكن مستشاره يأبى عليه ذلك، ويُصِرُّ على أن تكون صُوَر المتحف لرجال الفن الأقدمين، فها هنا أيضًا خلاف في المَيْل والذَّوْق، لا سبيل فيه إلى اتفاق بالرجوع إلى فَيْصل خارجي كما هي الحال في العلوم الطبيعية مثلًا.

أمٌّ ترى الأخطار في لعبة الكرة ولا تحب لابنها أن يشترك فيها، والابن نفسه يرى أن في اللعبة نفس الأخطار التي تراها أمه فيها، لكنه مع ذلك يريد أن يشترك في اللعب، فها هنا اتفاق على الحقيقة الموضوعية؛ لأنهما متفقان على الأخطار المحتملة الوقوع، ثم هما بعد ذلك يختلفان في الرغبة، فالأم ترغب في شيء، والابن يرغب في شيء آخر، وواضح أن الاتفاق بينهما لا يقرِّره شيء خارج عن نفسيهما معًا.

«وهكذا يُقال عن شخصَين: إنهما يختلفان في المَيْل حين يقفان وقفتَين متعارضتَين إزاء شيء بعَيْنه، فأحدهما يقبله والآخر لا يقبله.»٨

من ذلك ترى أن الاختلاف بين الناس يكون أحد ضربَين؛ فهو إما اختلاف على وصف أمر وتفسيره وصفًا وتفسيرًا يُراد بهما مطابقة الواقع الخارجي، وهذا هو ما أطلقنا عليه اسم «اختلاف الرأي»، وإما أن يكون اختلافًا في الميول والأهواء، وعندئذٍ لا يكون ثَمَّة سبيل إلى الاتفاق، إلا أن يُكْرَهَ أحد المختلِفَين على قبول أمر لم يكن يرضاه، وليس الإكراه اتفاقًا بالمعنى الصحيح.

وقد يحدث أحيانًا أن يكون الاختلاف القائم اختلافًا في الرأي، ويُظَنُّ خطأً أنه اختلاف في الهوى، أو أن يكون الاختلاف القائم اختلافًا في الأهواء فيُظَنُّ خطأً أنه اختلاف في الرأي، ويهمنا أن نزيد الأمر هنا وضوحًا، لما يلقيه من ضوء على النتائج التي نريد أن ننتهي إليها.

افرض — مثلًا — أن رجلَين اختلفا فيما بينهما على نتيجة انتخاب قبل حدوثه، فقال أحدهما: إن أكثرية الأصوات ستختار فلانًا للرئاسة، وقال الآخر: بل إن الأكثرية ستختار شخصًا آخر، فأي ضرب من ضربَي الاختلاف السالفَين يكون هذا؟ أهو اختلاف في الرأي أم اختلاف في الميول والأهواء؟ الجواب: هو أنه اختلاف في الرأي عن ميول الناس وأهوائهم، أي إنه اختلاف في الرأي، لا في المَيل بين الرجلَين، إذ قد يكون الرجلان هنا من مَيل واحد.

ومن هذا المثل البسيط تستطيع أن ترى خطأ نظرية في القيم الأخلاقية والمالية، عبَّر عنها الأستاذ «رتشاردز» في كتابه المشهور عن أصول النقد الأدبي،٩ إذ يعرِّف القيمة — سواء أكانت قيمة أخلاقية أم جمالية — بأنها ما يُشبِع في الإنسان رغبة دون أن يتضمَّن هذا الإشباع وأدًا لرغبة أخرى تساويها أو تزيد عليها، فيمكن القول بصفة عامة: إن «س لها عندي قيمة» [قيمة أخلاقية أو جمالية] معناها «س تُشبِع من رغباتي أكثر مما تَئِد.»

فماذا لو اختلف شخصان في قيمة «س» بالنسبة لسائر الناس؟ أعني أن أحدهما يقول عنها: إنها مما تقبله الأخلاق، أو مما تقبله معايير الجمال عند الناس، على حين يقرِّر الثاني عكس ذلك، أيكون هذا اختلافًا في الرأي أم اختلافًا في الهوى؟ الجواب هو أنه اختلاف بينهما في الرأي عن أهواء الناس وميولهم، هو اختلاف أقرب جدًّا إلى ما يقع بين العلماء من تبايُن في الآراء؛ ذلك لأن اختلاف الرجلَين هنا مرجعه إلى علم النفس، فعلم النفس هو الذي سيقرِّر لنا الحقيقة عن ميول الناس وأهوائهم، إن كانت تقبل «س» أو ترفضها، وبالتالي هو الذي يقرِّر أي الرجلَين كان على صواب.

أمَّا إذا اختلف الرجلان على قيمة «س» اختلافًا يعبِّر كل منهما فيه عن ذات نفسه هو، بحيث قَبِلَها واحد ورفضها الآخر، فها هنا يكون اختلافًا صريحًا بين الرجلَين في الهوى.

وما موقع هذا الكلام كله فيما نحن بصدده؟ موقعه هو أن الناطق بعبارة أخلاقية أو جمالية، إذا أراد أن يعبِّر بها عن ذات نفسه هو، وما يقبله وما يرفضه، فهي ليست مما يجوز لغيره أن يناقشه فيه، إذ لا يكون ثَمَّة بين المتناقشَين ما يحسم بينهما الخلاف، وبالتالي تكون عبارته مرفوضة عند المنطق؛ لأن المنطق لا يقبل إلا عبارة يجوز وصفها عند سامعها بالصدق أو بالكذب، وبالطبع لا يكون هذا الوصف بالصدق أو بالكذب لعبارة إلا إذا كان هنالك مرجع موضوعي نرتد إليه في الحكم، أما إذا أراد الناطق بعبارة أخلاقية أو جمالية أن يصف ميول الناس وأهواءهم، فعندئذٍ يكون كلامه مقبولًا ولا غبار عليه؛ لأننا نستطيع في هذه الحالة أن نرجع إلى علم من العلوم الطبيعية — هو علم النفس — لنرى هل تدل نتائجه التي وصل إليها في بحثه عن ميول الناس وأهوائهم على أنها متفقة مع ما زعم القائل أو لا تدل على ذلك.

خلاصة القول: إذا قال لنا قائل مُشيرًا إلى شيء معين: «هذا خير.» أو «هذا جميل.» كان لنا أن نسأله: هل تعبِّر بذلك عن مَيلِك أنت؟ أم هل تصف ميول الناس عامة؟ إن كانت الأولى فعبارته فارغة من المعنى؛ لأنه لا سبيل إلى تحقيقها، وإن كانت الثانية فهي عبارة مقبولة، إذ يمكن الرجوع إلى ما نلاحظه في ميول الناس كي نحقِّق صِدْق الزاعم فيما زعم.

هذه تفرقة دقيقة، لكن لا بد منها، لنعلم متى يجوز الكلام في القِيَم ومتى لا يجوز.

لقد رصد «الأستاذ جود» كتابًا بأسره لنقد المذهب الوضعي المنطقي١٠ قرأتُه وعجبتُ لأكثره كيف يصدر عن رجل مشتغل بالفلسفة ومطالَب بالدِّقة فيما يقول، عجبت لأنه اعتمد في كثير جدًّا من مواضع نقده على الأسلوب الخطابي الذي يستهوي عامة القراء، دون أن يعمد إلى النقاش الفني الذي يرضي الفلاسفة، في معرض الحديث عن العبارات الأخلاقية ورأي أصحاب الوضعية المنطقية فيها، قال: «إن كانت كلمة «صواب» في الأحكام الأخلاقية معناها رأي الأغلبية، كما ذهب هيوم، كانت طريقة المفاضلة بين «س» و«ص» هي عَدُّ الأصوات، فإن وافق ٥١٪ من الناس على «س» و٤٩٪ منهم على «ص» كانت «س» هي الخير، وهذا قول لا يقوله أحد ولا يُقِرُّه أحد.»١١

ولست أدرى بماذا يجيب «جود» لو أننا قلنا له: لكن أصحاب الوضعية المنطقية قد قالوه وأقرُّوه، وهم «آحاد» لا «أحد» واحد؟! مرة أخرى نقول: إنا إذا لم نُرِدْ بقولنا عن شيء ما إنه خير، أو إنه جميل، أنه يصادف ميول الناس وأهواءهم — ولنا بالطبع أن نحدِّد كم من الناس يميل إلى ذلك الشيء بهواه — أقول: إننا إذا لم نُرِدْ هذا المعنى، فلا يبقى سوى أن يكون المراد تعبيرًا عن مَيْل القائل نفسه، وفي هذه الحالة لا يكون أمامنا مرجع نرجع إليه إلا القائل نفسه، وهو ما يتنافى مع الشرط الأوَّلي في أيَّة قضية علمية مقبولة، وأعني به إمكان التحقُّق من صِدْق ما يُقال، لنقبله إن كان صادقًا أو نرفضه إن كان كاذبًا.

٤

الذي نريد أن نقرِّره ونؤكِّده هو أن الجملة الأخلاقية أو الجمالية، أي الجملة التي من قبيل قَوْل القائل عن شيء ما: إنه خير، أو إنه جميل، هي عبارة بغير معنًى، إذا أُريدَ بها أن تكون تعبيرًا عن حكم قائلها بالنسبة إلى الشيء الذي عليه يحكم بالخير أو بالجمال.

هي عبارة بغير معنًى، أي بغير واقعة خارجية تكون من العبارة بمثابة الأصل من صورته، يُرْجَع إليه للنظر إن كانت الصورة صحيحة أو غير صحيحة، فهنالك فرق كبير بين قولنا «س أصفر» وقولنا «س خير»، فالعبارة الأولى صورة لأصل خارجي، ولك أن تُطابِق بين الصورة والأصل لتحكم بصدق العبارة أو كذبها، ذلك أن كلمة «أصفر» لها في الاستعمال اليومي معنًى، ولها في الاستعمال العلمي معنًى آخر، وسواء أردت من عبارتك الاستعمال الأول أو الاستعمال الثاني، فأنت في كلتا الحالتَين واجد في الطبيعة الخارجية ما ترجع إليه للتحقُّق من صدق العبارة، ففي الاستعمال اليومي تدل الكلمة على نوع من الخبرة البصرية مألوف ومُتفَق عليه، وفي الاستعمال العلمي تدل الكلمة على موجة ضوئية ذات طول معين، وسواء أردت بها الخبرة البصرية المألوفة التي يُطلِق عليها الناس هذه الكلمة، أو أردت بها طول الموجة الضوئية المنبعثة من الشيء المتصف بأنه أصفر، فالتحقُّق من صدق الوصف ممكن في كلتا الحالتَين.

لكن قارن ذلك بالعبارة الثانية «س خير» فماذا ترجع إليه من صفات الشيء وعناصره لتعلم إن كان القول صوابًا أو خطأً؟ لا شيء؛ لأنك في حقيقة الأمر حين تصف الشيء بأنه «خير» فأنت إنما تضفي على الشيء ما في نفسك أنت من مَيل إليه، لا ما يتصف به الشيء الخارجي نفسه من صفات، وهنا يجب أن نلاحظ أن أصحاب المذهب الوضعي المنطقي حين يجعلون الجُمَل الأخلاقية والجمالية بغير معنًى سوى التعبير عن أهواء قائليها، فهم يقصدون إلى الجُمَل الحملية لا الشرطية،١٢ فهم إذ ينكرون أن يكون هنالك معنًى لعبارة «س خير»، يوافقون بالطبع على وجود معنًى للألفاظ الدالة على القِيَم إذا استُعْمِلَت لتدل على أنها وسائل الغايات، كقولنا: «س هي الوسيلة إلى ص، فإذا كانت الوسيلة المؤدِّيَة إلى الغاية هي الخير فإن «س» خير؛ لأنها وسيلة مؤدِّيَة.» هذه عبارة لها معنًى بالطبع؛ لأنها في هذه الحالة خرجت عن كونها تعبيرًا عن مَيْل شخصي، إلى كونها تقريرًا لما يمكن وقوعه، إذ يمكنك في هذه الحالة أن ترجع إلى عالم الأشياء لترى هل «س» حقًّا مؤدِّيَة إلى «ص»؟ وفي هذا الرجوع إلى العالم الخارجي يكون الشاهد على صدق العبارة أو بطلانها، وما دمنا قد وجدنا طريقة للتحقُّق من صدق العبارة أو بطلانها، فقد أصبحت عند المنطق عبارة ذات معنًى.
قد يتفق الناس فيما بينهم على أن شيئًا معينًا «ص» غاية ينبغي أن تتحقَّق، وإذن فهي «خير»، ولا يكون معنى كلمة «خير» عندئذٍ إلا أن الناس قد اتفقوا عليه، وما دامت الغاية المنشودة قد تمَّ الاتفاق عليها، نتج عن ذلك أن كل وسيلة مؤدِّية إليها تكون خيرًا كذلك، فإذا قلت بعد ذلك عن الوسيلة «س» إنها خير، قاصدًا بذلك أنها وسيلة مؤدِّية إلى «ص» التي اتفقنا على بلوغها، كان لكلامي معنًى، لكنه في الوقت نفسه لم يجعل صفة «الخير» شيئًا لاصقًا ملازمًا ﻟ «س» في حد ذاتها، بل هي خير باعتبارها وسيلة لغيرها، وكان يمكن أن تكون الوسيلة شيئًا سواها، فما كانت لتكون هي خير لنا في مثل هذه الحالة، يقول «ستيوارت مل»: «إن كل ما يمكن البرهنة على أنه خير، فإنما يمكن فيه ذلك ببيان أنه وسيلة لشيء سبق لنا أن سلَّمنا بأنه خير بغير برهان»، معنى ذلك أنه يستحيل علينا أن نصل في مناقشة علمية إلى نتيجة تكون فيها كلمة «خير» إلا إذا كانت هذه الكلمة بذاتها قد سُبقَت في المقدمات، بعبارة أخرى: يجب أن نتفق أولًا على أن الشيء الفلاني خير لنصل إلى نتيجة أنه خير! وقل ذلك في سائر الألفاظ الأخلاقية ككلمة «واجب» — مثلًا — فلا يمكن أن أصل إلى نتيجة مثل «واجب أن يكون للنساء حق الانتخاب» من أي عدد من المقدمات الخالية من كلمة «الوجوب»، لا يمكن — مثلًا — أن أستنتج هذه النتيجة من مقدمة مثل: «كل النساء دافعات للضرائب»؛ لأن هذه الحقيقة في ذاتها لا تنتج أن يكون لهن حق الانتخاب، لا بد أن تكون هنالك مقدمة مثل «كل مَن يدفع الضرائب يجب أن يكون له حق الانتخاب.» بعبارة أخرى أقصر، لا يمكن في مجال الأخلاق أن نتفق على نتيجة معينة، إلا إذا سبق لنا الاتفاق عليها هي نفسها كمقدمة لا تحتاج إلى برهان!١٣
الجملة الأخلاقية أو الجمالية ليست بذات معنًى؛ لأنها لا تشير إلى عمل يمكن أداؤه للتحقُّق من صدق معناها المزعوم، ولا تكون الجملة بذات معنًى إلا إذا أمكن تحويلها إلى عمل،١٤ فكل جملة لا تدلك بذاتها على ما يمكن عمله، بحيث يكون هذا العمل هو معناها الذي لا معنى لها سواه، تكون صوتًا فارغًا مهما قالت لنا القواميس عن معانيها، الفكرة الواضحة هي ما يمكن ترجمته إلى سلوك، وما لا يمكن ترجمته على هذا النحو لا ينبغي أن نقول عنه: إنه فكرة غامضة وكفى، بل ليس هو بالفكرة على الإطلاق، وفيما يلي أمثلة لما نريد:

«الصلابة» في الجسم فكرة واضحة إذا كنتُ أعرف ماذا أعمل في الجسم لأتبيَّن فيه ما أسميه بالصلابة، كأن أحاول خدشه بأجسام أخرى كثيرة، فلا ينخدش، فأقول عندئذٍ: إنه «صُلْب»، وأعد نفسي قد فهمت فكرة «الصلابة» فهمًا «واضحًا»؛ لأنني عرفت ما نوع السلوك الذي أسلكه حين أريد ترجمة الفكرة إلى عمل، أما إذا وصفت شيئًا بأنه «خير» أو بأنه «جميل»، فلست أعرف ماذا أعمل فيه بحيث يكون عملي هذا هو نفسه ما أسميه في الشيء «بالخير» أو «بالجمال»، وإذن فهاتان الكلمتان لا تدلان على شيء إطلاقًا، لمجرد أنهما لا تدلان على سلوك مُحدَّد واضح يُعْمَل ليتبيَّن به المعنى المراد، ومن ذلك ترى أن كل مناقشة في هل هذا الشيء خير أو ليس خيرًا، جميل أو ليس جميلًا، لن تؤدي إلى نتيجة؛ لأنها كلمات ليست دالة على سلوك، وبالتالي ليست دالة على معنًى.

و«الثقل» في جسم من الأجسام فكرة واضحة؛ لأني أعرف ماذا أعمل في الجسم لأتبيَّن فيه ما أسميه «ثقلًا»، وهو أن أزيل الحوائل التي تمنع سقوطه على الأرض، فإن سقط كان «ثقيلًا»، وكانت فكرة «الثقل» واضحة؛ لأنها قد انتقلت إلى عمل منظور، لكن قارن ذلك بأن تقول عن شيء ما مثلًا: إن حقيقته كامنة وراء ظواهره، وهي ليست بالتي يمكن أن تحسه الحواس، فمثل هذا الكلام فارغ من المعنى؛ لأنه غير دال على سلوك يمكن أداؤه إزاء الشيء ليتبيَّن به المعنى المقصود.

الجملة الأخلاقية أو الجمالية ليست بذات معنًى؛ ولذلك فهي لا تصلح أن تكون جزءًا من علم؛ لأن الشرط الأساسي الذي يجب أن يتوافر في أيَّة قضية علمية، هو إمكان التحقُّق من صدقها، ولا يكون هذا التحقُّق ممكنًا إلا إذا كان المعنى موضوعيًّا يشترك فيه الناس جميعًا إذا أرادوا، ولم يكن بالشعور الذاتي الشخصي الخاص بالمتكلم وحده، إن ما يقتصر على ذات المتكلم، لا يصلح أن يكون علمًا؛ لأنه ليس «معرفة» على الإطلاق، بل هو حالة شعورية وجدانية يحسها صاحبها وحده، ولقد حدَّد «برتراند رسل» في آخر فصل من كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية» المعرفة الإنسانية بأنها … هي معرفة العالم الخاضع للتجربة الحسية، وهذا العالم التجريبي هو وحده مجال العلوم على اختلافها، فإن جئت تنطق لنا بعبارة لا تشير إلى شيء من أشياء هذا العالم المُحَس، فأقل ما يُقال فيها هو أنها خارجة عن الحدود المشروعة للعلم، إن ما تنطق به عندئذٍ لا يكون «معرفة» مما يمكن أن يتناقله الناس ويتبادلوه، وقُلْ عنه بعد ذلك ما تشاء، ليست «القِيَم» — أخلاقية كانت أو جمالية — جزءًا من المعرفة الإنسانية؛ ولذلك فالعبارة التي تحتوي على كلمة قيميَّة (مثل «خير» و«جميل») لا تكون بذات معنًى من هذه الناحية، إننا قد نشعر بأن الرأفة خير من القسوة، لكن شعورنا هذا لا سلطان له على مَن لا يشاركنا فيه، «إن العلم وحده لا يستطيع إقامة الدليل على أنه من الشر إنزال القسوة بالآخرين؛ ذلك لأن كل ما يمكن معرفته إنما يجيئنا عن طريق العلم، وأما الأشياء التي من حقها أن تدخل ضمن الميدان الشعوري، فهي خارجة عن نطاق العلوم.»١٥
العبارة الأخلاقية — وكذلك العبارة الجمالية — ليست بذات معنًى، وإنما توهَّمنا أنها جملة مفيدة؛ لأن تركيبها النحوي يشبه تركيب الجمل المفيدة، فلأن قولنا «س خير» يشبه في تركيبه النحوي عبارة «س أصفر»؛ حسبنا أن العبارة الأولى حكمها حكم الثانية، مع أن العبارتَين مختلفتان في تحليلهما المنطقي اختلافًا شديدًا؛ لأن عبارة «س خير» — منطقيًّا — قضية دالة على علاقة، لا على وصف شيء بصفة ما، إذ تحليلها هو: «هنالك علاقة بيني وبين س، وهذه العلاقة هي علاقة القبول والرضى»، فلو أننا تجاوزنا التركيب النحوي إلى التحليل المنطقي لكفينا أنفسنا كثيرًا جدًّا من الخطأ، بل لكفينا أنفسنا عناء كثير جدًّا من الفلسفات التي لم تقم إلا على أساس الخطأ في فهمنا لمنطق اللغة، فلو حلَّلت كثيرًا من الفلسفات الضخمة؛ لوجدت أصحابها يقولون عن العالم حقائق بعينها، لا لأنهم وجدوها في العالم، بل لأنهم ظنوا وجودها في العبارات اللغوية التي يستخدمونها، فبدل أن ينظروا إلى العالم نظرة علمية، ثم يصفوا ما يجدونه، تراهم يبدءون بالعبارات اللغوية ليثبتوا للعالم ما يجدونه في اللغة، فالجملة النحوية — مثلًا — التي تتركب من مبتدأ وخبر، كقولنا: «القمر مستدير» تدلهم على أنه لا بد أن يكون هنالك «عنصر» دائم ثابت اسمه «القمر»؛ لكي يُتاح لنا أن نصفه بهذه الصفة أو تلك، فإن حاولت إفهامهم بأن «القمر» إنْ هو إلا سلسلة من حوادث تُكوِّن تاريخه، وأنه ليست له ذاتية ثابتة دائمة، لم يقبلوا منك هذا الزعم؛ لأن الجملة فيها «مبتدأ» نخبر عنه بأخبار عِدَّة، فكيف يكون — في رأيهم — هذا الذي نخبر عنه ما لم يكن قائمًا هناك حقيقة ثابتة دائمة، إن تعذَّر على الحواس إدراكها، فالعقل كفيل بذلك؟ وانظر إلى هذه الأسماء اللامعة الآتية من قائمة الفلاسفة، واعجب أن يكونوا جميعًا ممَّن استدلوا على خصائص العالم من خصائص اللغة: بارمنيدز، أفلاطون، سبينوزا، ليبنتز، هيجل، برادلي،١٦ ظن هؤلاء جميعًا أن في العالم بعض الحقائق الثابتة لمجرد أن لها أسماءً في اللغة نتحدث عنها ونصفها بمختلف الصفات، فهنالك — في رأيهم — شيء ثابت كائن في العالم الخارجي قائم بذاته اسمه «خير»، وشيء آخر اسمه «جمال»، ما دامت هاتان الكلمتان موجودتَين، نتحدث عنهما كما نتحدث عن المناضد والمقاعد.

٥

لكننا إذا كنا نضع كلمة «خير» وكلمة «جمال» في عبارات نقولها ظنًّا منا أننا نتحدث عن أشياء كائنة في الخارج ندل عليها بهذَين الاسمَين، فنحن إنما نقول كلامًا فارغًا من المعنى؛ لأنه ليس في الخارج هذا الذي نزعم له الوجود المستقل، ونتحدث عنه كأنه كائن قائم بذاته مستقل عن ذات المتكلم، هذه أسماء ليست بذات مسميات، إنها كلمات لا تشير إلى شيء بذاته يمكن أن تراه العيون وتحسه الأيدي.

إذن فماذا تدل عليه كلمة «خير» أو كلمة «جميل» أو غيرها من الكلمات الدالة على «قِيَم» حين ترد في عبارات الحديث بين متكلم وآخر؟

إنها تدل على حالة نفسية عند المتكلم نفسه، إنها تدل على أن في المتكلم انفعالًا بالحب أو بالكراهية نحو شيء بعينه، إذا نظر الرائي إلى شيء، فقال عنه: «هذا خير» أو «هذا جميل» كان بقوله هذا مشيرًا إلى حالته الداخلية إزاء هذا الشيء، دون أن يدل على شيء خارج نفسه، إن الفعل الذي ينظر إليه المتكلم قائلًا: «هذا الفعل خير، يظل هو هو مجموعة من حركات معينة، لا يزيد حركة ولا ينقص حركة إذا ما قال عنه القائل: إنه خير أو إنه شر، فاختلاف وصفه بالخير مرة وبالشر مرة لا يعني أبدًا أن شيئًا تغيَّر في الفعل نفسه، إنما يعني أن ميلًا تغيَّر عند المتكلم فأصبح ميلًا آخر، كان حبًّا فأصبح كراهية، أو كان استحسانًا فأصبح استهجانًا.

من ذلك ترى أن المناقشة العقلية مستحيلة بين رجلَين اختلفا على شيء بعَينه، حيث قال عنه أحدهما: إنه خير، وقال الآخر: إنه شر، أو قال عنه أحدهما: إنه جميل، وقال الآخر: إنه قبيح، وقد ضربنا لك أمثلة كثيرة في الفقرة ٣ من هذا الفصل، تُبيِّن كيف تستحيل المناقشة العقلية حين يكون الاختلاف على مَيْل أو هوًى.

إن المناقشة العقلية مستحيلة في مثل هذه الحالة؛ لأن المتكلم لا يقرِّر شيئًا أو يصف شيئًا، بحيث نستطيع أن نراجعه في تقريره أو وصفه بالرجوع إلى الشيء الخارجي نفسه لنرى هل قرَّر الحق ووصف الواقع أو لم يفعل، بل المتكلم هنا «يعبِّر» عن ذات نفسه، أو قُلْ: إنه «ينفعل» انفعالًا معينًا، ويضع انفعاله هذا في كلمة يقولها مثل كلمة «خير» أو كلمة «جميل»، وبالطبع لا سبيل إلى مناقشة المنفعل في انفعاله.

المتكلم بعبارة مثل «س خير» أو «س جميل» هو أقرب إلى مَن يقول «س» بصوت مرتفع أو بصوت خفيض، أو هو أقرب إلى مَن يكتب كلمة «س» ثم يضع بعدها علامة تعجُّب ودهشة، إنه لا يقول شيئًا أكثر من أن ينطق باسم شيء ما، وأما ما يضيفه إلى الاسم من صفات «الخير» أو «الجمال» فليس سوي علامة على انفعاله.

يقول الأستاذان: «أوجدن» و«ريتشاردز» في كتابهما العظيم «معنى المعنى»١٧ ما يلي:

يزعم زاعمون أن كلمة «خير» أمر دالٌّ على مُدْرَك فريد بذاته غير قابل للتحليل، وهو الذي يُكوِّن موضوع البحث في علم الأخلاق، لكننا نرى أن استعمال كلمة «خير» على هذا النحو الأخلاقي المتميِّز إنْ هو إلا وسيلة للتعبير عن انفعال المتكلم، إذ إننا حين نستعمل الكلمة في مثل هذا السياق الأخلاقي، فإنها لا تدل على شيء كائن ما كان، ولا يكون لها وظيفة رمزية [أعني أنها تكون عندئذٍ رمزًا بغير شيء يشير إليه الرمز]، وعلى ذلك حين نستخدم الكلمة في مثل قولنا: «هذا خير»، فلسنا نزيد على الإشارة إلى شيء بقولنا «هذا»، وأما إضافة «خير» إلى اسم الإشارة فلا يغيِّر من الأمر شيئًا بالنسبة إلى ما نشير إليه، أما إذا قلنا من ناحية أخرى: «هذا أحمر»، فإضافة كلمة «أحمر» إلى اسم الإشارة «هذا» يزيد من المجال الذي يتضمَّنه القَوْل، إذ يضيف إلى مجرد الإشارة إلى الشيء، إشارة أخرى إلى حقيقة اللون الأحمر …

العبارة الأخلاقية — وكذلك العبارة الجمالية — لا تصف شيئًا ولا تقرِّر شيئًا، إنما هي تعبير عن انفعال المتكلم، وهي تُقال لعلها تثير في السامع انفعالًا شبيهًا به، كما يصيح حيوان من ذُعْر، فتثير الصيحة ذُعْرًا شبيهًا به عند سائر أفراد الفصيلة التي تسمع الصيحة، والأمل في أن يستخدم المنفعل كلمة معينة فيثير بها انفعالًا شبيهًا بانفعاله عند السامع، مرجعه إلى أن أبناء الجماعة الواحدة عادة يُرَبَّوْن على طريقة واحدة، فتصطحب كلمة ما بشعور ما في عملية التربية، حتى إذا ما نطقت الكلمة بعد ذلك أحدثت في نفس سامعها نفس الشعور الذي كان قد اصطحب بها مرارًا أثناء تنشئته وتربيته، وخذ مثلًا لذلك كلمتَين تكادان تترادفان معنًى، لكنهما مختلفتان في المشاعر التي ربطتها التربية بهما في نفوس الناس، وهما كلمتا «حرية» و«إباحية»، تقول الكلمة الأولى فتُحْدِث في نفس السامع انفعال استحسان للموقف، وتقول الكلمة الثانية فتُحْدِث في نفسه انفعال استهجان، وقد يكون الفعل الموصوف بالحرية أو بالإباحية هو بعَينه، فالتغيُّر الشعوري ليس مرجعه إلى تغيُّر في الطبيعة الخارجية، بل مرجعه إلى تغيُّر في الانفعال المصاحب لهذه الكلمة أو تلك، أو خذ مثلًا آخر هاتَين العبارتَين المترادفتَين: «رغبة جنسية» و«شهوة جنسية» تَرَ الأولى أخفَّ وقعًا في الأسماء من الثانية، حتى لَتُوصَف الثانية دون الأولى أحيانًا بأنها «شر»، وها هنا أيضًا ليس الاختلاف في حقيقة خارجية، لكنه اختلاف في انفعال المتكلم في كلتا الحالَين.

هذا يدل على أن الكلمة أو العبارة قد تكون لها القدرة على إثارة الانفعال دون أن يكون لها في ذاتها معنًى خارجي تشير إليه برموزها المنطوقة أو المكتوبة، وإن في لغة التخاطب لكثيرًا جدًّا من أمثال هذه الكلمات والعبارات التي يُراد بها تعبير عن انفعال، ولا يُراد بها أبدًا أن تشير إلى مُسمَّيات في الخارج، كقولنا مثلًا عند الدهشة عبارة: «يا سلام!» أو «الله! الله!» أو «ما شاء الله!» والذي نزعمه لك الآن هو أن كلمات الأخلاق والجمال، مثل «خير» و«شر» و«واجب» و«جميل» و«قبيح» كلها من هذا القبيل تعبِّر عن انفعال ولا تُقرِّر شيئًا عن حقائق العالم.

يقول الباحث الأخلاقي المعاصر «سير ديفد رُس» في كتابه «أُسُس الأخلاق»١٨ نقدًا للنظرية الانفعالية في الأخلاق ما يلي: «إنه يستحيل على الإنسان أن يقبل شيئًا دون أن يرى بفِكْره أنه جدير بالقبول، أعني دون أن يرى بفِكْره أن فيه صلاحية خاصة تجعله جديرًا بالقبول … وإلا فلو كنا نقبل الأشياء دون أن يكون فيها ما يجعلها جديرة بقبولها، كان قبولنا إيَّاها عملًا بغير معنًى على الإطلاق»، وهو يريد بقوله هذا أن وصفنا للشيء بأنه «خير» ليس مقتصرًا على إثارة الانفعال لمجرد ذِكْر كلمة «خير» صوتًا أو كتابةً، بل لصفة في الشيء ذاته نشير إليها بكلمة «خير»، وإذن فهي كلمة ذات معنًى، ولا ينفي ذلك أن تكون أيضًا كلمة مثيرة للانفعال.

وللرد على نقده هذا نقول أولًا: إننا لا نعرف على وجه الدقة ماذا يعني «بالاستحالة» في عبارته المذكورة؟ إنه يقول عن الإنسان: إنه «يستحيل» أن يقبل شيئًا دون أن يرى بفِكْره كذا وكذا، فماذا يريد بقوله «يستحيل»؟ أليس هو على أحسن الفروض يقرِّر لنا بعبارته هذه قانونًا نفسيًّا يحدِّد نوع السلوك الإنساني في مواقف من طراز معين؟ إذا كان الأمر كذلك، فلا «استحالة» هناك؛ لأن القوانين العلمية كلها — والقوانين النفسية بصفة خاصة — احتمالية نتوقَّع فيها الشذوذ، ولا «استحالة» هناك.

وثانيًا لا نعلم أيضًا ماذا يريد بقوله في آخر عبارته: إن الإنسان لو قَبِلَ شيئًا دون أن يكون في الشيء ما يبرِّر قبوله من صفات في الشيء ذاته، كان قبوله إيَّاه عملًا بغير معنًى … لعله يريد أن العمل عندئذٍ يكون بغير هدف معقول، ونحن نرد على ذلك بقولنا: إنه لا موضع للغرابة أن تكون أعمال الإنسان بغير أهداف «معقولة» أي بغير أهداف يبرِّرها المنطق العقلي؛ لأن كثيرًا جدًّا من أعماله — بل أكثر أعماله — يدفعه إليها شعوره الذي تربَّى عليه، كشعوره الديني مثلًا أو شعوره الأخلاقي إزاء هذا أو ذاك، أضف إلى ذلك أني إذا ما عملت عملًا دون أن أفكر بعقلي فيما يحتوي عليه الشيء من صفات «الخير»، فليس يتحتم أن يكون العمل بغير هدف معقول، إذ ما أكثر ما يحقِّقه الإنسان بأعماله من أهداف معقولة، دون أن يكون دافعه إليها ما رآه في الأشياء من صفات إضافية تُسمَّى «بالخير» أو «بالجمال».

وما دمنا قد عرضنا لرأي «سير ديفد رُس» فيجمُلُ بنا أن نقول عنه: إنه يفرِّق بين الجمال والخير، ولا يجعلهما سواءً في الذاتية أو الموضوعية، وإن شئت دقة فقل: إنه تذبذب في رأيه بين دفَّتَي كتاب واحد، هو كتابه عن «الصواب والخير»، ففي هذا الكتاب١٩ تراه يقول في موضع: إننا نعني بكلمة «جميل» صفة لا تعتمد أبدًا على الذات، بل نعني «شيئًا موجودًا في الشيء نفسه وجودًا كاملًا، غير معتمد في وجوده على علاقة الشيء بالعقل المُدرِك له»، ثم تراه هناك يقول نفس هذا القول عن كلمة «خير».

ولكنه في هذا الكتاب نفسه — في موضع آخر منه — يرى رأيًا آخر، إذ يقول: إننا بينما نعني بكلمة «خير» صفة قائمة بذاتها قيامًا كاملًا مستقلًّا، ترانا نخطئ ونُخْدَع حين نعني مثل هذه الموضوعية نفسها لمعنى كلمة «جميل»، إذ ليس في الأشياء الجميلة جانب مشترك سوى قدرتها على إحداث النشوة الجمالية في نفوس الناس، وهذه النشوة الجمالية متوقفة طبعًا على العقول المُدرِكة.

والنظرية الانفعالية التي نقدِّمها لك الآن وندافع عنها، تسوِّي بين الخير والجمال في أن كلَيهما معتمد على الذات المُدرِكة، لا على صفة في الشيء المُدرَك،٢٠ فإذا قلت لشخص عن شيء ما «س خير» فأنت في الحقيقة تريد أن تثير فيه مَيلًا نحو استحسان هذا الشيء، كذلك لو قلت له عن شيء ما إنه جميل، ولا فرق بين الحالتين إلا في نوع الشعور المُثار.

والذي يجعل للقِيَم الأخلاقية والجمالية شيئًا من الثبات والدوام عند الناس، هو أنه إذا نشأ شخص على ربط شيء معين بانفعال معين، فمن الصعب تغيير هذا الانفعال بعد ذلك لمجرد أن تطالبه بمثل هذا التغيير.

فاللفظة من ألفاظ اللغة لها وظيفتان: إحداهما وصفية، والأخرى شعورية، أما الأولى فيمكن التحكم فيها بغير مشقَّة، إذ تستطيع أن تُغيِّر معنى اللفظة الوصفي في أي وقت تشاء، كأن تؤلِّف كتابًا، وتقول للقارئ في مقدمته: إني سأستخدم اللفظ الفلاني في هذا الكتاب بالمعنى الفلاني، فيقبل القارئ هذا المعنى الجديد للفظ بغير غضاضة ولا نفور، قل له مثلًا: إني سأستخدم كلمة «ثقافة» بمعنى الإنتاج الفني والعلمي، تره لا يقيم اعتراضًا حتى لو كان رأيه السابق هو أن لكلمة «ثقافة» معنًى آخر؛ لأنه يعلم أن المعاني الوصفية للكليات مرهونة باتفاق الناس، ولهم أن يغيِّروها كيف شاءوا ومتى شاءوا، لكنك لا تستطيع أن تُغيِّر المعنى الشعوري لكلمة معينة بهذه السهولة في نفس القارئ أو السامع، فلا تستطيع بمثل هذا اليُسْر أن تقول له: أريدك منذ هذه اللحظة أن تشعر بالرضى أو بالسخط أو بالإشفاق أو بالذعر كلما وردت عليك الكلمة الفلانية، ومن هنا كان من أصعب الصعاب أن تجرِّد كلمة أخلاقية من بطانتها الشعورية لتدرك عناصرها الموضوعية وحدها إن كان لها عناصر موضوعية، «وقد حدث لي أن طلبت من المستمعين أن يتخلصوا من مشاعرهم إزاء كلمة أنانية؛ لأثبت لهم أن الأنانية أساس الأخلاق، فلم يسعهم إلا استنكار هذا الأساس.»٢١

حين نقول: إنه ليس ثمة في الأشياء صفة مستقلة قائمة بذاتها يصح أن يُطْلَقَ عليها اسم خاص بها، هو كلمة «خير»، فلسنا نريد بذلك إلا أن نصف العالَم الطبيعي وصفًا علميًّا يعتمد على المشاهدة، فنحن هنا نحاول أن «نعرف» ماذا هناك وماذا ليس هناك في العالَم الخارجي، ولسنا بمثل هذا القول نحاول أن نخلع على العالَم «قيمة» معينة، إننا نقول: إن العالَم ليس فيه شيء اسمه «خير» على نحو ما فيه شيء اسمه شجرة أو نهر أو جبل، ونحن إذ نقول هذا نستخدم كلمة «خير» بمعناها الوصفي، لكن معناها الشعوري راسخ في النفوس وله عند الناس قوة بحيث يكاد يستحيل على كثرة الناس أن يجرِّدوا الكلمة من هذا المعنى الشعوري لينظروا إليها باعتبارها اسمًا يشير إلى مُسمًّى كأي اسم آخر من الأسماء الدالة على أشياء، إننا إذا قلنا عن العالَم: إنه يخلو من شيء اسمه خير، أسرع إلى ظن السامع أننا نعني بقولنا: إن العالَم شر، كأنما نريد بالعبارة تقويم العالَم بهذه القيمة أو تلك؛ ولهذا ترى السامع لقولنا: «إن العالم يخلو من شيء اسمه خير» يشفق على قِيَمه التي يعتز بها، فهو يقدِّر أشياء مثل الحرية والعدالة والإحسان للفقير، ويريد للناس جميعًا أن يقدِّروا معه هذه الأشياء كلها بمثل تقديره إياها، فهذا هو الذي يميل به نحو التشدُّد في الرأي بأن لهذه القِيَم وجودًا موضوعيًّا غير معتمد على ذات الإنسان وتقديره … لكننا نريد أن يطمئن الناس على قِيَمهم التي يعتزون بها، فلسنا نلغيها، وإنما نضعها موضعها الصحيح، وهو أنها تقديرات ذاتية لا وجود لها في عالم الطبيعة، ولا تناقض بين أن يكون التقدير ذاتيًّا وأن نعتز به ونذود عنه.

فالذين ينفرون من النظرية الانفعالية في القِيَم، هم في الحقيقة يتخذون من نفورهم هذا موقفًا دفاعيًّا عن القِيَم التي يريدون الاحتفاظ بها، لا موقفا علميًّا يريد أن يعرف ما هنالك ليصفه وصفًا مجردًا عن الهوى، فالإنسان إذا ما رضي عن شيء واستحسنه تراه أمْيَل إلى حمل الناس على مشاركته الرضى والاستحسان، وهو بالطبع أقرب إلى اجتذابهم إلى جانبه إذا قال لهم عن الشيء الذي يرضيه: إنه موضوعي لا علاقة له بهواه الشخصي، منه إذا قال لهم: إن هذا الذي يرضيه إنْ هو إلا ميل شخصي ورغبة ذاتية، فمثلًا إذا أراد صاحب معمل أن يشجِّع عُمَّاله على بذل جهد أ كبر، فهو أقرب إلى إقناعهم إذا ما زعم لهم أن بذل الجهد له قيمة موضوعية، مما لو قال لهم: إن الخير في بذل الجهد هو مصلحته الشخصية.

يقول الأستاذ «بيتُن»٢٢ في نقده للنظرية الانفعالية في القِيَم، دفاعًا عن وجود قِيَم موضوعية ثابتة: «ما المبرِّرات التي تضطرنا إلى قبول هذه النظرية الانفعالية في الأخلاق؟ إن لها جاذبية خاصة عند هؤلاء الذين فقدوا — في فترة الحرب وعصر الانقلاب — مُقوِّمات حياتهم وزالت عن أبصارهم غشاوة الخداع التي كانت تُزيِّن لهم المُثُل العُليا فيما مضى، فتجعلها في أعينهم ممكنة التحقيق، والنظرية من هذه الناحية شبيهة بأختها التي هي أشد منها حوشية، وأعني بها الفلسفة الوجودية التي أخذ بها «سارتر» وغيره في فرنسا»، ثم يستطرد «بيتن» فيقول إن أنصار النظرية الانفعالية هؤلاء إن كانوا يقصدون إلى أن تكون الأخلاق نسبية، فليعلموا أن هذه النسبية المنشودة لا تتناقض مع قبولنا للمبادئ الأخلاقية العليا، إذ إن هذه المبادئ ليست جامدة على صورة واحدة مهما اختلفت الظروف من حولها، بل في رأي النظر السليم تختلف في طرق تطبيقها باختلاف الظروف القائمة.

هذا ما يقوله الأستاذ «بيتن»، وعندي أنه — رغم مكانته العالية في الأبحاث الأخلاقية — قد أخطأ خطأين على الأقل، فأما أولهما فهو أن يهاجم النظرية الانفعالية بطريقة خطابية تصلح للجماهير، لا بطريقة منطقية يقبلها الفلاسفة، وذلك حين قال عن النظرية: «إنها شبيهة بأخت لها، وهي الفلسفة الوجودية التي هي أشد منها حوشية.» فما هكذا يكون النقد الفلسفي المنطقي لرأي من الآراء، وأما الخطأ الثاني فهو أنه قد دافع في آخر حديثه عن النظرية نفسها التي جعلها موضع هجومه، إذ قال: إن المبادئ الأخلاقية العليا تختلف في تطبيقها باختلاف الظروف القائمة، ونحن نسأله: ما الذي يجعل التطبيق مختلفًا؟ خُذْ مثلًا فضيلة الصدق، وقل لي: كيف يجعلني اختلاف الظروف صادقًا بصور مختلفة؟ أم يريد أني أصدق مرة وأكذب أخرى حسب الظروف؟ إن النظرية التي يهاجمها لا تقول أكثر من هذا، إذ تقول: إن القِيَم الأخلاقية هي تعبير عن مشاعر الإنسان ومصالحه، ولمَّا كانت هذه المشاعر والمصالح مختلفة باختلاف الظروف، كانت القِيَم الأخلاقية مختلفة تبعًا لها.

ويوجه الدكتور «يوونج»٢٣ نقدًا للنظرية الانفعالية فيقول: إنه بناءً على هذه النظرية، لو حكمتُ أنا على شيء بأنه خير، وحكمتَ أنت عليه بأنه شر، لم يكن حُكْمانا بالمتناقضَين أخلاقيًّا؛ لأن كلًّا منا يكون عندئذٍ معبِّرًا عن شعوره الذاتي، فذلك شبيه بقولي: إني كنتُ مريضًا في أول فبراير، وقولك أنت عن نفسك بأنك كنت معافًى في ذلك اليوم، فلا تناقض هنا؛ لأن كلًّا منا يشير بكلامه إلى حالته الخاصة، ثم يقول الدكتور «يوونج»: مع أن حكمي على الشيء بأنه خير وحكمك على نفس الشيء بأنه شر لا بد أن يكونا حُكمَين متناقضَين، ولا يمكن أن يَصْدُقا معًا.

وهذا التعليق من الدكتور «يوونج» هو تعليق مَن لا يريد أن يأخذ بالنظرية الانفعالية لا أكثر ولا أقل، إن الحكمَين متناقضان عند النظرية التي تجعل القِيَم موضوعية ثابتة، والحقيقة فعلًا هي ألا تناقض هناك؛ لأن التناقض يكون بين القضايا المنطقية، أما قولي عن شيء: «هذا خير» وقولك عنه: «هذا شر»، فليس من القضايا المنطقية في شيء، القضايا المنطقية لا بد أن تكون تقريرية وصفية إخبارية يمكن وصفها بالصدق أو بالكذب، أما التعبير عن الميول والرغبات فليس هو من هذا القبيل، في هذه الحالة يكون قولي وقولك تعبيرَين عن شعورَين مختلفَين، هما شعوري من ناحية وشعورك من ناحية أخرى؛ كأن يجلس اثنان في مكان مُشمِس، فيستمتع أحدهما بالدفء ويضيق الآخر بحرارة الشمس، فهاتان حالتان مستقلتان إحداهما عن الأخرى، كل منهما حالة نفسية قائمة بذاتها، وليس اختلافهما من قبيل التناقض؛ لأنهما ليسا بحكمَين على شيء واحد معين.

النظرية التي ندافع عنها هي أن الحكم الأخلاقي تعبير عن انفعال المتكلم إزاء شيء ما، محاولًا أن يحدث انفعالًا شبيهًا به عند السامع، وإذن فلا صدق فيه ولا كذب؛ لأن الانفعالات النفسية ليست مما يوصَف بصدق أو كذب، إذ لو كانت القضية الأخلاقية وصفًا لشيء خارجي؛ لأمكن مراجعة صدقها بالمطابقة بينها وبين ذلك الشيء الخارجي، لكن الحكم الأخلاقي — كما قلنا — ليس من هذا القبيل الوصفي، ليس هو حكمًا على واقع شيئي عيني موضوعي بعيد عن ميول المتكلم ورغباته وأهوائه، فإذا قلت لأحد: إن سرقتك لهذا المال خطأ، فأنا باستعمالي لكلمة «خطأ» هنا لا أضيف إلى مضمون الواقع شيئًا، كأني لم أزد على قولي: «أنت سرقت هذا المال!!» (وعلامتا التعجب هنا رمز يشير إلى أني قد أخرجت العبارة بصوت يدل على حالة انفعالية خاصة)، وحتى إذا عمَّمت القول فحكمت بأن «سرقة المال خطأ» فأنا بذلك لا أقول قضية يجوز عليها الصدق أو الكذب، إنما هو مجرد تعبير عن مَيل عندي أحب أن يكون عليه سلوك الناس، وقد يقول شخص آخر نقيض ذلك، دون أن يكون في إمكان أحد الجانبَين إثبات ما يقوله هو ونفي ما يقوله الجانب الآخر، إذ ليس هنا ما يُثْبَت وما يُنْفَى، فالحكم الأخلاقي لا إثبات له ولا نفي، حكمه في ذلك حكم صرخة الألم أو كلمة الأمر، وما إلى ذلك من الأشياء التي تعبِّر عن حالة شخصية ولا تصوِّر أمرًا خارجيًّا.٢٤

إنه يستحيل المجادلة فيما يتعلق بمسائل القيم، فإذا قلتَ أنت: إن الإسراف فضيلة، وكان من رأيي أنا أن الإسراف رذيلة، فكل ما يمكن المجادلة فيه هو أن أحاول إطْلاعك على بعض عناصر الموقف التي ربما تكون قد غابت عنك، وهذا نقاش في أمر واقع، لا في قيمة هذا الواقع، أما إذا وجدت أنك مُدرِك للموقف بكل عناصره، لا يغيب عنك مما أعرفه أنا شيء، ومع ذلك تظل تضيف إلى هذه العناصر التي اتفقنا عليها معًا، حكمك بأنها خير، وأظل أنا أحكم عليها بأنها شر، فليس يمكن لجدال أن ينتهي بأحد منا إلى إثبات صدق قوله وكذب قول الآخر، إذ لم يعد هنالك في الموقف الخارجي جانب نختلف عليه، ويمكن الرجوع إليه، لتصديق واحد وتكذيب الآخر، بل بات الخلاف كله في الأهواء والميول، مما يستحيل الجدل فيه، كما يستحيل أن يتجادل اثنان في لذة طعام أحدهما يحبه والثاني يمُجُّه ويكرهه.

٦

رَأْيُنا هو أن العالم لا خير فيه ولا جمال، بمعنى أنه ليس بين أشيائه شيء اسمه خير وشيء آخر اسمه جمال، في العالم أشياء كثيرة: فيه أشجار وأنهار وأحجار، وصنوف شتَّى من الحيوان، ثم يأتي الإنسان فتُعلِّمه الخبرة وتُنَشِّئه التربية على أن يحب شيئًا ويكره شيئًا، ومن هنا يكون ما أحبَّه خيرًا وما يكرهه شرًّا، أو يكون ما يحبه جميلًا وما يكرهه قبيحًا، وما أكثر ما يحدث أن ترى الإنسان يبدأ حياته باستحسان شيء وعَدِّه خيرًا وجميلًا، وإذا بظروف حياته تتغيَّر، وطريقة تكوينه العقلي ووجهة نظره تتبدلان بفعل العوامل المؤثِّرة من بيئة وقراءة وأسفار واختلاط بالناس وغير ذلك، فإذا هو ينتهي من كل هذا إلى استهجان ما كان يستحسنه أول الأمر، وإذن فالشيء نفسه يكون خيرًا أو شرًّا، جميلًا أو قبيحًا، حسب ما تراه أنت فيه، والمحيط الاجتماعي والمصلحة الذاتية هما اللذان يحدِّدان لك ما تراه في الشيء من خير أو جمال أو غير ذلك.

يقول سبينوزا: «يظن الناس أنهم يرغبون في الأشياء لأنها خَيِّرة، والأمر على حقيقته هو أن الأشياء تكون خَيِّرة؛ لأن الناس يرغبون فيها.» فقولنا عن شيء: إنه خير، مساوٍ بحكم التعريف لقولنا عن الشيء نفسه: إنه مرغوب فيه، وهنا قد يسأل سائل: مرغوب فيه ممَّن؟ والجواب هو أن الأمر يختلف باختلاف الحالات الفردية، ففي حالة ترى الشيء مرغوبًا فيه من أهل الأرض جميعًا وفي كل العصور الماضية والحاضرة، وفي حالة أخرى ترى الشيء مرغوبًا فيه من أمة دون أخرى، وإذن فهو خير عند الأولى وشر عند الثانية، وفي حالة ثالثة ترى الأمة الواحدة تنقسم جماعات في حكمها على شيء ما، فما قد يراه أهل الوجه البحري في مصر مثلًا شرًّا قد يراه أهل الوجه القبلي خيرًا، كالنظر إلى الأخذ بالثأر، وهكذا وهكذا، والأمل في توحيد القواعد الأخلاقية في الشعوب مرهون باتحادها في الحاجات الرئيسية، فإن استقر الرأي في العالم كله على أن الحاجة الرئيسية للناس هي الطمأنينة الاقتصادية — مثلًا — بحيث ينفر الناس جميعًا من الحرب إن توافرت لديهم الموارد المادية، أصبحت الحرب شرًّا مُجْمَعًا عليه، لكن قد لا يكون التوحيد في الحاجات الرئيسية ممكنًا، وعندئذٍ يستحيل أن تتَّحد قواعد الأخلاق في العالم كله.

لكن فريقًا من الفلاسفة الأخلاقيِّين — وعلى رأسهم «مور» في عصرنا هذا — يريد أن يجعل «الخير» صفة موضوعية خارجية يدركها الإنسان كما يدرك اللون الأصفر، وإذا سألناهم بأيَّة حاسة يدرك الإنسان صفة الخير في الشيء الذي يقول عنه إنه خير، أجابوا إنه يدركها «بالحَدْس» [أي بالإدراك العقلي المباشر أو بالعَيان العقلي أو بالبصيرة؛ فهذه كلها ترجمات جارية لكلمة intuition]، فالحدسيون يرون أن كلمة «خير» تشير إلى صفة «لا طبيعية» لا يمكن إدراكها بإحدى الحواس الخمس المعروفة، ويمكن أن نسمي هذه الحاسة السادسة المفروضة بالحدس الأخلاقي، ومن ثم ينكر الحدسيون بأن تكون صفة الخير مطابقة لأيَّة صفة طبيعية مما نألفه كاللون والشكل والوزن وما إلى ذلك، وبالتالي فليست هي مرادفة لأي وصف تأتي به مُركَّبًا من هذه الصفات الطبيعية، وبعبارة أخرى: فإن صفة «الخير» — عندهم — لا يمكن تحليلها أو تعريفها بغيرها من الصفات التي تُدْرَك بسائر الحواس، فإذا قلت لك: إن «س خير»، فإما أن يكون لديك الحدس الذي تستطيع به أن تدرك في «س» هذه الصفة كما أدركها أنا، وإما ألا يكون لديك الحدس المطلوب، وإذن فلا أمل في أن ترى ما أَدُلُّك عليه، الأمر في ذلك كالأمر في اللون عند الأعمى، إذا قلت للمكفوف: «س أصفر»، فلا أمل له في أن يرى ما أَدُلُّه عليه في «س»؛ لانعدام حاسة البصر عنده، ولاستحالة أن نعرِّف اللون الأصفر بغيره من الصفات التي يدركها الأعمى بسائر حواسه.

وهذا مثل جيد لما يقوله الميتافيزيقيون للناس عن موضوعات بحثهم، إذ تراهم يحيلون الناس على حاسة سادسة أو ما يشبهها؛ ليقطعوا على معارضيهم خط الرجعة، فإما أن ترى معهم ما يرونه، وإذن فأنت ذو حاسة سادسة مثلهم، وإما أن تعجز عن إدراك ما يدركونه هم، وإذن فالنقص فيك أنت والكمال لهم هم وحدهم!

لكن من حقنا أن نطالبهم بترجمة إدراكاتهم الحدسية إلى لغة الإدراكات التي تتم بالحواس الأخرى، وإلا كان كلامهم عن الحدس والإدراك الحدسي فارغًا بغير معنًى، ما هذا الحدس الذي يحيلوننا عليه في إدراك القِيَم؟ انظر ما يقوله الأستاذ «جود»، مع أنه يقوله في مجرى اعتراضه للمذهب الوضعي المنطقي مدافعًا عن القِيَم الموضوعية، يقول: «لست أجرؤ على تعريف كلمة «حدس»، غير أني أعني بها فاعلية عقلية تجمع بين الإدراك الحِسِّي المباشر وبين تلك الصفة المميزة للذكاء، التي هي قدرته على إدراكه ما ليس بمحسوس، وإذن فالحدس هو إدراكنا المباشر لطبيعة ما ليس بمحسوس.»٢٥ فماذا أنت قائل لرجل يزعم لك أن شيئًا ما «س» موجود، فإذا سألته: وكيف أدركه؟ أجابك: تدركه بالحدس، فتنبئه بأنك لا تعرف ماذا يكون هذا الحدس إذا لم يكن حاسة من الحواس المعروفة، فيجيبك: «ولا أنا أجرؤ على تحديد معناه»!

تصوَّر شيئًا شبيهًا بهذا في الحياة اليومية، وانظر كيف يكون موقفك منه، تصوَّر شخصًا يزعم لك أن برتقالة موجودة أمامك في الطَّبَق، وتنظر فإذا الطبق خالٍ، وتسأله: أين البرتقالة؟ إني لا أراها، فيجيبك: إنها هناك ولكن طريقة إدراكها ليست هي العين، بل هي شيء لا أستطيع أن أصفه لك ولا أن أقول ما هو! تصوَّر هذا في الحياة اليومية، وقل لي ماذا أنت ظانٌّ بصديقك هذا إذا لم تظن بقوله إنه لا يحمل معنًى، وإذا كان هذا في الحياة اليومية فلماذا لا يكون شبيهه في الأقوال الميتافيزيقية؟ فقُلْ معنا وأنت مطمئن إلى حكمك: إن العبارات الميتافيزيقية التي تحدِّثنا عن أشياء لا تدركها الحواس، عبارات فارغة لا تعني شيئًا ولا تدل على شيء.

لو قال هؤلاء الحدسيون: إن «الحدس» هو الإدراك الحسي المباشر، كإدراكك لبقعة اللون مثلًا؛ لتيسَّر لنا فهم ما يقولون، ولو قالوا: إن «الحدس» هو إدراك عقلي مباشر لنتيجة تلزم عن مقدِّمات مُعترَف بها، أو تلزم عن تعريفنا لبعض الألفاظ؛ لتيسَّر لنا أيضًا فهم ما يقولون، لكنه محال علينا أن نتصوَّر كيف يكون الحدس في غير هاتَين الحالتَين، أعني كيف يكون في حالة لا هي إدراك حسي مباشر، ولا هي استنتاج مباشر من مُسلَّمات؟ والحدس الذي يطالبوننا به في إدراك القِيَم الموضوعية كالخير أو الجمال، هو من هذا الضرب العسير، فإذا اختلف شخصان في حدسهما الحسي، أي في إدراكهما شيئًا بالحس إدراكًا مباشرًا، أو إذا اختلفا في استنتاج نتيجة معينة من مُسلَّمات معينة؛ لهان فضُّ النزاع بينهما بالرجوع إلى الشيء المُحَس وإلى الحاسة التي تدركه، أو بالرجوع إلى المُسلَّمات وإلى النتيجة التي انتُزِعَت منها للتأكُّد من أن المتجادلَين متفقان أو مختلفان فيما يدركانه ويصفانه، أما إذا اختلف شخصان في الحدس الأخلاقي — مثلًا — بحيث قال أحدهما عن شيء: إني أراه خيرًا، وقال الآخر عنه: إني أراه شرًّا، فمُحال أن تجد لهما سبيلًا لحسم النزاع، ومن ثَمَّ كان النقاش في مثل هذا ضربًا من العبث لا ينتهي وإن طال أبد الآبدين، فلا عجب إذن أن يظل الميتافيزيقيون طوال التاريخ الفكري كله، يقولون ثم يعيدون ما قالوه، ثم يبدءونه من جديد وهلُمَّ جرًّا، لا اتفاق بينهم، ولن يكون اتفاق؛ لأنه لا إشكال بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة في مجال العلوم ومجال الحياة اليومية على السواء.

١  Carnap, R., Philosophy and Logical Syntax، ص٢٣.
٢  Expressive.
٣  Representative.
٤  Richards. A. I., The Principles of Literary Criticism، الفصل ٣٤.
٥  Stevenson, C. L., Ethics and Language، ص٢.
٦  المرجع السابق نفسه، فقرة ٢ من الفصل الأول.
٧  الأمثلة مأخوذة من المرجع السابق، ص٣.
٨  المرجع السابق، ص٣.
٩  Richards, A. I., Principles, of Literary Criticism، الفصل السابع.
١٠  Joad, C. E. M., A Critique of Logical Positivism.
١١  المرجع السابق، ص١١٢.
١٢  ربما يكون القارئ على غير علم بالمعنى الاصطلاحي لهاتَين الكلمتَين في المنطق، فيكفي أن نقول هنا في شرحهما: إن الجمة تكون «حَمْلِية» إذا كانت تقرِّر حقيقة قائمة، كقولنا: «فرنسا بلد جمهوري.» وتكون «شرطية» إذا افترضت قيام حقيقة ما ثم رتَّبْتَ على هذا الفرض نتيجته، كقولنا: «إذا قامت حرب زاد عدد النساء العاملات».
١٣  Pap, A., Elements of Analytic Philosophy، ص٢٢-٢٣.
١٤  راجع في ذلك رأي «بيرس» عن تكوين الأفكار الواضحة: Pierce, Charles, How To Make Our Ideas Clear. وهو في فصل ٣ من مجموعة مقتطفاته التي اختارها Justus Buchler.
١٥  Russell, B., History of western Philosophy، ص٦٨٣.
١٦  Russell, B., An Inquiry into Meaning and Truth، ص٣٤١.
١٧  Ogden and Richards, The Meaning of Meaning.
١٨  Ross, Sir David, Foundatinos of Ethics، ص٢٦١-٢.
١٩  Ross, Sir David, The Right and the Good، ص١٢٨ هامش.
٢٠  Robinson, Richard, The Emotive Theory of Ethics (Arist. Supp. VOL. XXII)، ص٨٥.
٢١  المرجع السابق نفسه، ص٩٣.
٢٢  Paton, H. J., The motive Theory (Ars. Soc. Supp. XXII)، ص١٦-١٧.
٢٣  Ewing, A. E., The Definition of Good، ص١٩.
٢٤  Ayer, A. J., Language, Truth and Logic، ص١٠٧ من الطبعة الثانية.
٢٥  Joad, C. E. M., A Critique of Logical Positivism، ص١١٣ هامش.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠