الفصل الخامس

الميتافيزيقا تحت معاول التحليل: التحليل عند «مور»

١

قد تجد من الفلاسفة أنفسهم مَن يستصغر شأن فلاسفة التحليل؛ لأن هؤلاء الفلاسفة التحليليِّين بدل أن ينظروا نظرة شاملة واسعة إلى الإنسان وقيمته ومصيره، وإلى كمال الله أو لانهائية الكون، تراهم يشغلون أنفسهم بمناقشات تفصيلية تحليلية في معنى هذه العبارة أو تلك، مما يقع لهم عَرَضًا في حديث الناس، إنهم لا يطيرون على أجنحة من الخيال المتأمِّل، ولا يضربون في مجاهل الغيب، ولا ينتجون النظريات الضخمة الفخمة، إنما زادُهم كله تحليلات لغوية؛ لأن دراسة الألفاظ قد شغلتهم عن دراسة العالم.١
لكننا لا نريد ها هنا أن نقف طويلًا عند تقدير بعض الفلاسفة لمهمة التحليل التي أخذها كثيرون من فلاسفة العصر الحاضر على أنفسهم وجعلوها شغلهم الشاغل عن كل شيء عداها مما اعتادت الفلسفة أن تخوض فيه، ويكفينا أن نسجِّلها حقيقة واقعة، وهي أن الكثرة الغالبة الساحقة من أئمة الفلاسفة المعاصرين، متجهة بالفلسفة إلى أن تكون تحليلات منطقية، وحسبك لكي ترى ذلك أن تلقي نظرة سريعة على مؤلَّفات «مور» و«رسل» و«جماعة فينا» و«رايشنباخ» و«مناطقة وارسو» و«مناطقة هارفارد»، بل حسبك أن تتابع الدوريات الفلسفية الهامة مثل مجلة Mind ومجلة Philosophy of Science ومجلة The Philosophical Review وغيرها؛ لتعلمَ أن مجال البحث عند الفلاسفة اليوم قد أوشك أن يكون كله تحليلًا، فالحق أن «ليست جميع المشكلات الفلسفية إلا تحليلات لتركيبات لغوية.»٢
فإذا كانت الفلسفة التقليدية في جملتها «تأمُّلًا»، فالفلسفة المعاصرة في جملتها «تحليل»، وبين الفلسفة التأملية والفلسفة التحليلية اختلاف واضح:
  • فأولًا: تدَّعي الفلسفة التأملية التقليدية أنها تكشف عن الحق فيما يتصل بالكون باعتباره كُلًّا واحدًا، وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة فتبرأ من الادعاء بأنها تكشف عن حقائق الكون صَغُرَ أو كبر؛ لأنها تعلم أن ذلك من شأن العلماء وحدهم بما لديهم من وسائل تعينهم على المشاهدة وإجراء التجارب، كل عالم فيما يخصه من جوانب الكون وأجزائه، ولا يزعم الفيلسوف التحليلي المعاصر لنفسه شيئًا سوى أنه يتناول العبارات التي يقولها العلماء أو عامة الناس، فيوضِّح غامضها ويبرز عناصرها.
  • وثانيًا: تحاول الفلسفة التأملية التقليدية أن تواجه عالم الأشياء وجهًا لوجه، وما ألفاظ اللغة وعباراتها إلا أدواتها الثانوية للتعبير عمَّا قد تصل إليه من حقيقة، بل كثيرًا ما تدَّعي أن ألفاظ اللغة وعباراتها قاصرة لا تنهض بالتعبير عن الحقيقة التي وصلت إليها «التأملات» الفلسفية تعبيرًا كاملًا شاملًا، وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة فتدور كلها حول ألفاظ اللغة وعباراتها، اعتبارًا منها بأن مهمتها الوحيدة التي لا مهمة سواها، هي أن تطمئن إلى وضوح ما ينطق به الناس، علماؤهم وعامتهم على السواء، وأما الحقيقة الشيئية فَمَوكُولَة إلى رجال العلوم على اختلافهم، وفي هذا الفصل بيان لطريقة التحليل عند إمام من أئمة الفلاسفة المعاصرين، وهو «جورج مور».

٢

والفلسفة التحليلية المعاصرة، التي من أعلامها «مور»، كثيرًا ما تُعْرَف باسم مدرسة كيمبردج؛ لأن الطبقة الأولى من فلاسفة التحليل اليوم، قد كانت — ولا يزال بعض أفرادها — من أساتذة تلك الجامعة وأبنائها، وأهمهم — إلى جانب «مور» — «رسل» و«برود» و«استبنج».

لكن «مور» يكاد ينفرد دونهم جميعًا باتجاه خاص عُرِفَ به، وهو جعل «الفهم المشترك»٣ أساسًا لفلسفته ومحورًا لتفكيره.
وخلاصة موقفه هي أننا ﺑ«الفهم المشترك» نعرف أن بعض القضايا صادق، فكلنا نعرف صدقًا أن «الدجاج يبيض»، لكن يأتي الميتافيزيقيون فينقسمون حيالها شِيَعًا: فالميتافيزيقا المثالية تفهم منها فاعلية عقلية عند قائلها، والميتافيزيقا المادية تفهم منها حركات ذرية في أجزاء المادة … وموقف «مور» إزاء هؤلاء وأولئك هو ألا يتدخل بتأييد أو تفنيد، قائلًا إنه مهما اختلف المعنى عند جماعة الميتافيزيقيين فكلهم معنا على اتفاق بأن القضية القائلة بأن الدجاج يبيض قضية صحيحة،٤ فليس في مستطاع الفلسفة «التأملية» أن تنقض لنا هذه القضية — وإن اختلفت في تفسيرها — وحسبنا ذلك؛ لأنه وحده دليل كافٍ على أننا ندرك الصدق ببداهة «الفهم المشترك».

فبالفهم المشترك نعرف أن العالم المادي موجود، وأن فيه أناسًا غيرنا، وأنه قد لبث موجودًا عدَّة سنين … إلخ، فليس بنا حاجة إلى ميتافيزيقا تبرهن لنا على ذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلو كان هنالك من المعرفة ما ليس يأتينا به «الفهم المشترك» بفطرته ولا العلم بمشاهداته — كالقول بخلود الروح مثلًا — فستعجز الميتافيزيقا كذلك عن إمدادنا بهذه المعرفة، بعبارة أخرى: ما نعرفه عن طريق الفهم المشترك والعلوم لا حاجة بنا فيه إلى الميتافيزيقا لتزيد من معرفتنا به، وما لا نعرفه عن ذلك الطريق ليس في وسع الميتافيزيقا أن تحيطنا علمًا به.

فخير ما تشغل الفلسفة نفسها به هو أن تحلِّل عبارة المتكلم التي يصدر فيها عن «فهم مشترك» أو عن بحث علمي، تحليلًا يبيِّن على وجه الدقة ما يُراد بها من معنًى حتى يصح لها أن تكون عبارة صادقة.

ليس صدق العبارات الآتية عن طريق «الفهم المشترك» موضع شك أو بحث في رأي «مور»، وكل ما قد تحتاجه هو التحليل الذي يوضِّحها ويبرز عناصرها، لا الدليل الذي يبرزها ويؤيدها، وقد نَشَرَ سنة ١٩٢٥م بحثه المشهور «دفاع عن الفهم المشترك»،٥ جاء فيه: «هنالك في هذه اللحظة الراهنة جسم بشري حي، هو جسمي، وقد وُلِدَ هذا الجسم في وقت معيَّن في الماضي، ولبث منذ ذلك الحين مستمرًّا على وجوده، وإن لم يَخْلُ من تغيرات سايرت وجوده، فمثلًا كان أصغر مما هو الآن حين وُلِدَ، ولمدة من الزمن بعد ولادته، وقد ظل منذ ولادته حتى الآن ملامسًا لسطح الأرض وغير بعيد عنه، وكان هنالك منذ وُلِدَ أشياء كثيرة أخرى لها شكل وحجم في أبعاد ثلاثة … وكان جسمي على مسافات مختلفة من تلك الأشياء …»٦

هكذا يأخذ «مور» في ذكر أشياء أدرك وجودها ﺑ«الفهم المشترك» إدراكًا لا يجوز أن يكون موضع شك، فمن العبث والباطل أن تلتمس الفلسفة إقامة البرهان على أن معرفتنا بأمثال هذه الأشياء صحيحة وقائمة على أساس سليم، فالفهم المشترك يدركها وفي ذلك الكفاية.

لا، بل إنه إذا جاءت فلسفة تزعم لنا حقائق ينكرها «الفهم المشترك» فهي فلسفة باطلة، إن جاء فيلسوف مثالي زاعمًا بأن المكان والزمان ليسا من عالم الطبيعة الخارجية، وزاعمًا بأن هذه المقاعد والمناضد لا وجود لها، تنكَّرنا لزعمه على أساس أن «فهمنا المشترك» يقرِّر حقيقة المكان والزمان ووجود المقاعد والمناضد، فالفلسفة «التأملية» (الميتافيزيقا) ليس في مقدورها أن تفنِّد ما يقرِّره «الفهم المشترك»، أما «الفهم المشترك» ففي مستطاعه أن يفنِّد الميتافيزيقا إذا جاءته بما يتعارض مع إدراكه.

قد يُقال عن «مور» أحيانًا، إنه فيلسوف واقعي جاء معارضًا للفلسفة المثالية، لكن الجديد في «مور» هو منهجه لا فلسفته الواقعية، فلئن رأيته متفقًا مع الواقعيين في قبول وجود الأشياء الخارجية، فهو مختلف معهم في أساس القبول، هم يقبلون وجود الأشياء الخارجية على أساس مبرِّرات عقلية يُدْلُون بها، وأما هو فيقبل وجود الأشياء الخارجية على أساس أن «الفهم المشترك» يقضي بذلك، ولا حاجة بعد ذلك إلى برهان، ففيلسوفنا «مور» لا يرى ما يبرِّر إقامة الدليل على صدق «الفهم المشترك»، وكل محاولة في هذا السبيل عبث لا طائل وراءه، ولا فرق في ذلك عنده بين مثاليين وواقعيين؛ لأن الطائفتَين كلتيهما تحاولان إقامة مثل هذا الدليل، فأما المثاليون فيقيمون الأدلة الباطلة الفاسدة على أن «الفهم المشترك» لا يدرك الصواب، وأما الواقعيون فكذلك يقيمون الأدلة الفاسدة لإثبات ما يدركه «الفهم المشترك» إدراكًا صائبًا.

المثاليون ينتهون بأدلتهم إلى نتائج ينكرها «الفهم المشترك»، فيكفي ذلك بيانًا لبطلان نتائجهم وصرفًا لنا عن مراجعة أدلتهم، والواقعيون ينتهون بأدلتهم إلى نتائج يؤيِّدها «الفهم المشترك»، فنحن نقبل النتائج، ونصرف النظر عن الأدلة، إذ لا حاجة لنا إليها.

فالوضع الحقيقي الذي يحتله «مور» ليس هو أنه واقعي يهاجم المثالية، بل هو أنه عدو للفلسفة التأملية، ومعارض للميتافيزيقا مثالِيِّها وواقعِيِّها على السواء،٧ ولو صوَّرنا موقف «مور» بصورة (رمزية) كانت كما يلي:

«س حقيقة واقعة أُدرِكها بالفهم المشترك، لكن النظرية ص التي يقولها الفيلسوف الفلاني تتناقض منطقيًّا مع س، إذن تكون النظرية ص باطلة.»

وهذا بعينه هو موقفنا في الأبحاث العلمية وفي الحياة اليومية على السواء، فنحن في هذَين المجالَين لا نتردَّد لحظة في رفض أيَّة نظرية نراها تتناقض مع الحقائق الواقعية التي نعرفها، ولم يشذ عن ذلك إلا الفلسفة، ففي الفلسفة وحدها لا يخلص الفلاسفة لأنفسهم، فتراهم يعرِّفون شيئًا على أنه حقيقة واقعة، ويرتِّبون حياتهم العملية في غير تردُّد ولا ارتياب على أساس ما يعرفونه، لكنهم إذا ما جلسوا على مقاعدهم «يتفلسفون»، فليس ما يمنع لديهم أن ينسجوا نظريات يدافعون عنها، مع أنها تناقض الحقائق الواقعة التي يعرفونها ويقيمون حياتهم العملية على أساسها، ولقد استطاع الفلاسفة أن يؤمنوا بينهم وبين أنفسهم إيمانًا يسلكونه في عقائدهم الفلسفية، بقضايا تتناقض مع ما يعلمون هم أنفسهم أنه صواب.»٨

٣

إذا دلَّني «الفهم المشترك» على صدق قولي بأنني الآن أُمْسِك قلمًا أكتب به، فليست المشكلة عند «مور» هي أن أسأل: هل هذه معرفة صادقة حقًّا؟ بل المشكلة هي أن أسأل: «ما تحليل هذه العبارة التي أقولها؟» وذلك لأن صدق العبارة لا يرقى إليه شك ما دام «الفهم المشترك» هو وسيلة الإدراك، فكيف يقوم «مور» بعملية التحليل، هذه التي جعلها — وجعلها معه معظم الفلاسفة المعاصرين — محور الفلسفة كلها؟

الحق أن الفلسفة التحليلية ليست وليدة اليوم ولا الأمس القريب — كما قدَّمنا لك القول في الفصل الأول — بل تستطيع أن تلتمس أصولها عند الأقدمين؛ عند سقراط في محاولته توضيح المعاني، وإن يكن قد قصر نفسه على المُدرَكات الأخلاقية وحدها، وتستطيع كذلك أن تلتمسها عند أفلاطون وهو يحاول في الجمهورية أن يحلِّل معنى «العدالة» مثلًا، وعند أرسطو في منطقه.

والفلاسفة التجريبيون من الإنجليز: «لوك» و«هيوم» و«باركلي» وأتباعهم، هم من أولئك الذين نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقة في التحليل، فلو استبعدت ما كتبوه في علم النفس؛ وجدت بقية آثارهم تحليلات لبعض المعاني،٩ وهكذا قل في «بنتام» و«جون ستيوارت مل»، فهؤلاء جميعًا يحاولون التحديد والتحليل لهذا المعنى أو ذلك … ولم نقُلْ شيئًا عن «كَانْت» الذي جاء الشطر الأعظم من فلسفته «نقدًا» — أي تحليلًا — للأُسُس التي تقوم عليها العلوم.

غير أن رجال المذهب الوضعي التحليلي المعاصر، يتفردون بما يميِّزهم حتى من أسلافهم الأقربين في القرن التاسع عشر — مثل «مِل» و«ماخ» و«كارل بيرسن» — إذ يتميزون بحذفهم للميتافيزيقا من قائمة الكلام المقبول، فهم يحذفون الميتافيزيقا حذفًا تامًّا على أساس تحليلاتهم المنطقية للعبارات اللغوية، ثم يتميزون كذلك بتفرقتهم بين قضايا المنطق والرياضة من جهة، وقضايا العلوم الطبيعية من جهة أخرى، على حين كان المحلِّلون السابقون يفسرون هذه بما يفسرون تلك، كما فعل هيوم نفسه، أو يفسرون تلك بما يفسرون هذه كما فعل «مِل» حين رد القضايا الرياضية إلى أصول حسية، وفي كلتا الحالَين يكون إشكال، ففي الحالة الأولى ينتهي الأمر بالتشكُّك في العلوم الطبيعية ما دامت لا توصِّل إلى يقين الرياضة، وفي الحالة الثانية ينتهي الأمر بجعل قضايا الرياضة احتمالية لا يقينية.

فلئن كان التحليل شائعًا في الفلسفة منذ قديم، إلا أن أصحاب التحليل من المعاصرين قد تميَّزوا بما يبرزهم — دون سائر الأسلاف — من خصائص (و«مور» على رأس هؤلاء المعاصرين)، وها نحن أولاء مُحدِّثوك فيما يلي عن بعض طرائق التحليل التي يصطنعها المعاصرون، التي تنتهي إلى ما انتهوا إليه من نتائج، وأهمها حذف الميتافيزيقا.

ليس المراد بالتحليل تعريفًا للألفاظ، فالتعريف يكون للحدود كل على حدة، أما التحليل فيكون لعبارة كاملة، وفضل التحليل على التعريف هو أنه حينما يتعذَّر تعريف حد ما تعريفًا مباشرًا؛ نلجأ إلى تحليل العبارة التي يرد فيها ذلك الحد المراد تعريفه، فإذا ما استبدلت بالعبارة كلها عبارة أخرى تساويها معنًى، مع استغنائها عن الحد المراد تعريفه، كنت بمثابة من قدَّم تعريفًا لذلك الحد بطريق غير مباشر.

لكن ليس المراد بالتحليل أن نترجم عبارة إلى عبارة أخرى مساوية لها في معناها — سواء كانت الترجمة إلى نفس لغة العبارة الأولى أو إلى لغة أخرى — بل لا بد أن تجيء العبارة الثانية التي هي تحليل للأولى أكثر إبرازًا للعناصر التي تنطوي عليها العبارة الأولى، بهذا لا يكون التحليل مجرد ترجمة عبارة إلى عبارة تساويها، بل يُشتَرط — كما قلنا — أن تجيء العبارة الثانية مساوية للأولى في معناها، ومضافًا إلى ذلك زيادة في الوضوح وفي عرض عناصر المعنى؛ لأنه لو كانت العبارة «ك» مجرد ترجمة للعبارة «ق» لا أكثر، فإن «ق» تكون أيضًا ترجمة للعبارة «ك»، أما إن كانت «ك» تحليلًا للعبارة «ق»، فلا تكون «ق» تحليلًا للعبارة «ك».

ونسوق لذلك مبدئيًّا مثلًا بسيطًا، ساقه «مور» في هذا الصدد: إنني أكون قد حلَّلت عبارة «زيد شقيق عمرو» حين أُبرِز العناصر المضغوطة في كلمة «شقيق»، فأقول: «إن زيدًا وعمرًا ذَكَران، والوالدان اللذان أنسلا زيدًا هما الأبوان اللذان أنسلا عمرًا»، فها هنا أُسمِّي العبارة الثانية تحليلًا للأولى، لكن ليست الأولى تحليلًا للثانية، ولو كان الأمر مجرد وضع عبارة مكان أخرى تساويها معنًى؛ لكانت الأولى تحليلًا للثانية بمقدار ما تكون الثانية تحليلًا للأولى، فالعنصر الهام في عملية التحليل هو السَّير نحو الزيادة في الوضوح بإبراز العناصر الخبيئة في العبارة المراد تحليلها، ويختصر «الدكتور وِزْدَم» عملية التحليل بالوصف الموجز الآتي:

إنك تحلِّل القضية «ق» لو وجدت عبارة أخرى «ق١» تكشف عن مكنون «ق» أكثر من «ق» نفسها.١٠
فإن كنا قد جعلنا التحليل مهمة الفلسفة من وجهة نظر المحدثين، فكأنما أردنا أن نقول إن مهمة الفلسفة هي توضيح المعاني. يقول «شليك» نقلًا عن «وتجنشتين»: «إن موضوع الفلسفة هو توضيح الأفكار توضيحًا منطقيًّا.»١١ ويقول «رامزي»: «واجب الفلسفة أن توضِّح وتحدِّد أفكارًا كانت قبل تحليلها غامضة مهوشة.»١٢ فالفيلسوف التحليلي كطبيب العيون الذي يضبط الرؤية المضطربة بأن يمكِّن العين من تركيز المرئي في بؤرة الإبصار تركيزًا صحيحًا، إنه لا يخلق أمام العين مرئيًّا جديدًا، لكنه يوضِّح ما هناك وكفى، وهكذا قُلْ في فيلسوف التحليل الذي يمكِّننا من إدراك العبارة المراد تحليلها إدراكًا أوفى وأكمل.

إننا لا نريد بالغموض الذي يزيله التحليل غموضًا يكون مصدره جهل السامع بمعنى هذه الكلمة أو تلك؛ لأنه لو كان الأمر كذلك؛ لقام القاموس بالمهمة كلها، إنما نريد الغموض الناشئ من طبيعة اللغة نفسها في طريقة تركيبها للعبارات تركيبًا يُخفي بعض العناصر المكوِّنة للمعنى.

خُذْ لذلك مثلًا: إنه من الصواب أن أقول إنه ما دام الفيل حيوانًا، فالفيل الأسود يكون حيوانًا أسود، لكنني أخطئ إذا قِسْت على ذلك قولي إنه ما دام الفيل حيوانًا فالفيل الصغير يكون حيوانًا صغيرًا، ويتبيَّن مصدر الخطأ حين نأخذ في تحليل العبارتَين فنجد أنه على الرغم من التشابه بينهما في التركيب النحوي، إلا أنهما تختلفان في التركيب المنطقي، فقولي «الفيل حيوان أسود» مؤلَّف من عبارتَين، يمكن تحقيق كل منهما على حدة، كما يمكن إثبات واحدة ونفي الأخرى أو إثباتهما معًا أو نفيهما معًا، والعبارتان هما: (١) الفيل حيوان. (٢) الفيل أسود. فهاتان العبارتان مستقلتان، لا يتوقَّف صدق الواحدة أو كذبها على صدق الأخرى أو كذبها، إذ يجوز لي أن أقول مثلًا: إن الفيل حيوان لكنه ليس أسود، أو إن الفيل أسود لكنه ليس حيوانًا، أو أقول: إن الفيل لا هو حيوان ولا هو أسود، أو هو حيوان وأسود في آنٍ معًا.

لكن ما هكذا تتركَّب العبارة الثانية «الفيل حيوان صغير»، إذ يتألَّف بناؤها من قضيتَين أيضًا، لكنهما مختلفتان نوعًا، وهما: (١) الفيل حيوان. (٢) الفيل أصغر من متوسط الفِيَلَة. وهذه القضية الثانية — كما ترى — قضية علاقات، وليست — مثل الأولى — قضية حملية، أعني أنها لا تصف الفيل بصفة قائمة فيه، بل تنسبه إلى أفراد أخرى من مجموعة معينة نسبة تبيِّن علاقته بها، وإلا فلو حلَّلنا عبارة «الفيل حيوان صغير» إلى عبارتَين هما: «الفيل حيوان» و«الفيل صغير»؛ لجاءت العبارة الثانية منهما بغير معنًى، إذ الصِّغَر والكِبَر لا يكونان إلا بنسبة شيء إلى شيء آخر، فإما أن يساويه أو يصغر عنه أو يكبر، ولو تركنا العبارة مهملة بغير تحديد، على أساس أننا ننسب الفيل إلى سائر الحيوان، لما كان صوابًا أن الفيل صغير بالنسبة لسائر الحيوان، وإن يكن صغيرًا بالنسبة لسائر الفِيَلَة.

وخُذْ هذا المثل السابق بعد تحليله، وانتقل إلى أصحابنا الميتافيزيقيين؛ لترى كيف تتألَّف مشكلاتهم الكبرى من قصورهم عن أمثال هذا التحليل المنطقي لعباراتهم، فمثلًا مشكلة القِيَم الأخلاقية والجمالية — هل هي ذاتية أو موضوعية؟ — قد نشأت كلها من الظن بأن هاتَين العبارتَين متساويتان:

(١) هذا أصفر. (٢) هذا خير.

فما دامت العبارتان تتشابهان في التركيب النحوي، فقد سبق إلى ظنهم أنهما متساويتان في التركيب المنطقي كذلك، وإن كان الأمر كذلك، ثم إن كان اللون الأصفر شيئًا خارجيًّا يُضاف إلى موضوعه فيكسبه صفة ما، وقد يزول عنه فتزول عن الموضوع صفته تلك، إذن «فالخير» كذلك (أو الجمال) شيء خارجي يُضاف إلى موضوعه أو يزول عنه، فيكسب موضوعه صفة أو يفقد صفة، وكما أن الإنسان لا دخل له في أن يكون الشيء أصفر، فكذلك لا دخل له في أن يكون الشيء خيِّرًا أو جميلًا، فهذا يتلقَّى صفة الخير وصفة الجمال من الخارج كما يتلقَّى صفة الاصفرار.

لكن الأمر كله — كما قلنا — مصدره قصور عن التحليل، فلو حلَّلنا العبارة الثانية «هذا خير» إلى عناصرها فقلنا: «هذا الشيء بينه وبيني علاقة هي إحداث اللَّذة»؛ ظهر على الفور بأن العبارتَين: (١) هذا أصفر. (٢) هذا خير. وإن يكونا متشابهتَين نحويًّا، إلا أنهما مختلفتان في البناء المنطقي، فالأولى قضية حملية تصف موضوعًا بصفة قائمة فيه، والثانية قضية علاقات، تبيِّن العلاقة بين شيئَين هما: (أ) الشيء المُشار إليه. (ب) أنا.١٣
ومَثَلٌ آخر من المشكلات الميتافيزيقية كيف تنشأ عن خطأ منطقي في فهم العبارات اللغوية، هذه التفرقة التي يجعلها الميتافيزيقيون بين «الوجود الفعلي» و«الوجود الضمني»،١٤ إذ يقولون إن هنالك مرحلة بين الوجود والعدم هي مرحلة الوجود الضمني، فليست القسمة ثنائية بين ما هو موجود وما هو غير موجود، أو قُلْ بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، بل هنالك كائنات بين بين، هي الكائنات التي ليس لها وجود فعلي، لكننا نتحدث عنها ونصفها بصفات معينة، فمثلًا «العنقاء» طائر غير موجود، لكني أقول عنه: إنه طائر وإنه طويل العمر … إلخ، فماذا أصف بهذه الصفات؟ لست أصف شيئًا موجودًا بين الأشياء، إذ ليس للعنقاء وجود فيُشار إليه، كما يُشار إلى الصقر والنسر، لكني في الوقت نفسه يستحيل أن أصف العدم بصفات إيجابية فأقول: إنه طائر وإنه طويل العمر، إذن فللعنقاء «وجود ضمني»، فلا هو موجود فعلًا وحقًّا، ولا هو معدوم.
لكن المشكلة المزعومة هنا مصدرها خلط في التحليل المنطقي للعبارات، فلأننا نجد شبهًا ظاهرًا في البناء النحوي بين هاتَين العبارتَين:
  • (١)

    العنقاوات ليست موجودة.

  • (٢)

    الأنهار ليست مِلْحَة.

ترانا نزعم أنهما شبيهتان أيضًا في بنائهما المنطقي، فنظن تبعًا لذلك أن كلتا العبارتَين على السواء تنفيان صفة عن موصوف — أو محمولًا عن موضوع لو استعملنا لغة المنطق — أما العبارة الأولى فتنفي صفة الوجود عن العنقاوات، وأما الثانية فتنفي صفة الملحية عن الأنهار، ثم نظن أيضًا أن الموضوع في كلتا العبارتَين يتألَّف من طائفة معيَّنة من أفراد، فموضوع العبارة الأولى هو طائفة العنقاوات، وموضوع الثانية هو مجموعة الأنهار، وطائفة العنقاوات تشترك كلها في صفة عدم الوجود، كما أن مجموعة الأنهار تشترك كلها في صفة عدم ملحية مائها.

لكن حلِّل العبارتَين تحليلًا منطقيًّا، تجدهما مختلفتَين اختلافًا شديدًا من شأنه أن يزيل المشكلة الميتافيزيقية التي نشأت حول «الوجود الضمني».

وأبدأ بتحليل العبارة الثانية: «الأنهار ليست مِلْحَة.» هذه العبارة تنحلُّ إلى مجموعة كبيرة من قضايا أوَّلية، تتخذ هذه الصورة الآتية:

س١ نهر و س١ ليس ملحًا
س٢ نهر و س٢ ليس ملحًا
س٣ نهر و س٣ ليس ملحًا
سع نهر و سع ليس ملحًا
ليس من الصدق أن تجتمع في فرد جزئي واحد هاتان الصفتان معًا، وهما أن يكون الفرد الجزئي نهرًا وأن يكون ملحًا في آنٍ معًا.
ثم انظر بعد ذلك في العبارة الأولى: «العنقاوات ليست موجودة» فلن تجد عنقاء١، عنقاء٢، عنقاء٣ … عنقاءع؛ لأنك منذ بداية الشوط لن تجد أفرادًا جزئية، فلو كمل علمنا عن العالم كله، ولو وضعنا هذا العلم الكامل في قائمة طويلة من قضايا، كل قضية منها تثبت صفة لموصوف، لمَا كان في هذه القائمة قضية «العنقاوات ليست موجودة»؛ لأن العنقاوات ليست جزءًا من العالم.
فأساس الخطأ المنطقي هنا، هو أننا عاملنا الفئة الفارغة من الأفراد معاملتنا للفئة ذات الأفراد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أننا حسبنا أن العبارتَين متشابهتان منطقيًّا من حيث إن الكلمة الأولى في كل منهما («العنقاوات» و«الأنهار») موضوع ننفي عنه محمولًا، لكن الحقيقة هي أن «الأنهار» في العبارة الثانية محمول؛ لأنني — كما رأينا — حين أُفْرِد الأنهار فردًا فردًا وأقول: س١ نهر، س٢ نهر … إلخ، فأنا في كل حالة من هذه الحالات الأولية أَصِف شيئًا ما بأنه نهر، ثم في النهاية أصف مجموعة ما بأنها أنهار، وإذن فلفظة «أنهار» محمولة على موضوع، وليست في ذاتها موضوعًا، وأما في العبارة الأولى «العنقاوات ليست موجودة.» فلفظ «العنقاوات» يتَّخذ وضع المحمول، لكنه لا يفعل فعله، إذ ليس هناك فرد واحد يُحْمَل عليه.

فإذا جئت تسأل: علامَ أتحدث حين أقول «العنقاوات ليست موجودة؟» أليس يتحتم أن يكون للعنقاوات «شِبْه وجود» حتى يتسنى لي الحديث عنها؟ وما دامت العنقاوات لا وجود لها بين الموجودات الفعلية، فلنقُلْ: إنها موجودات وجودًا ضمنيًّا … إلخ، أقول: إنك إذا جئت تسأل هذا السؤال بعد التحليل الذي أسلفناه، فسيكون جوابنا هو: إنك لا تتحدث حديثًا مشروعًا، فالأصوات التي نطقت بها هي مجرد أصوات، اتخذت «صورة» الكلام وليست من الكلام في شيء.

ومَثَلٌ ثالث من المشكلات الميتافيزيقية التي لا تحتمل البقاء تحت أشعة التحليل المنطقي، هذه المشكلة المشهورة التي يثيرها أفلاطون في اجتماع الأضداد في الأشياء الجزئية، مما يخفضها في سُلَّم الوجود، فما دام الشيء الواحد قد يكون كبيرًا وصغيرًا في آنٍ واحد، أو حارًّا وباردًا في وقت واحد، إذن فهو — عنده — موجود وغير موجود في وقت واحد، وإذن فهو من الأشياء المتغيِّرة المتعرِّضة للصيرورة، وليس هو من الحقائق الثابتة الخالدة.

ولنضرب لذلك مثلًا هاتَين العبارتَين الآتيتَين:
  • (١)

    هذه بطيخة صغيرة.

  • (٢)

    هذه البطيخة نفسها فاكهة كبيرة (بالقياس إلى البرتقال مثلًا)، إذن فالبطيخة — بلغة أفلاطون — صغيرة وكبيرة معًا … إلخ، وإننا في الحق لنَعْجَب عجبًا لا ينقضي من أمثال هذه المشكلات يثيرها الفلاسفة من لا شيء! هل يحتاج الأمر هنا إلى إنجاز في التحليل حين نقول: إن العبارة الأولى تنسب البطيخة إلى مجموعة من أفراد غير المجموعة التي تنسبها إليها العبارة الثانية، فلا يكون هنالك تناقُض بين أن تكون البطيخة صغيرة بالنسبة إلى أفراد المجموعة الأولى (وهي مجموعة البطيخ) وكبيرة بالنسبة إلى أفراد المجموعة الثانية (وهي مجموعة الأصناف الأخرى من الفاكهة كالبرتقال)؟

يقول بيرتراند رسل في هذه المشكلة الأفلاطونية ما يأتي: «إنني لا أظن أن الاعتراضات المنطقية التي يثيرها أفلاطون ضد وجود الأشياء وجودًا حقيقيًّا، تثبت أمام النقد، فهو يقول مثلًا: إن ما هو جميل هو أيضًا قبيح من بعض نواحيه، وما هو ضِعْفٌ هو كذلك نِصْف … وهكذا، ولكننا حين نصف أثرًا فنيًّا بأنه جميل من بعض نواحيه قبيح من بعضها الآخر، فإننا نستطيع دائمًا بواسطة التحليل (على الأقل نظريًّا) أن نقول: «إن هذا الجزء أو هذه الناحية من الأثر جميلة، بينما ذلك الجزء أو تلك الناحية منه قبيحة.» وأما عن «الضِّعْف» و«النِّصْف» فهذان حَدَّان متضايفان، وليس هنالك تناقض في الحقيقة الواقعة وهي أن ٢ ضعف ١ ونصف ٤، إن أفلاطون ما ينفك يثير حول نفسه المشكلات من سوء فهمه للحدود المتضايفة، فهو يظن أنه ما دامت أ أكبر من ب وأقل من ﺟ، إذن تكون أ كبيرة وصغيرة في آنٍ معًا، وهو الأمر الذي يبدو له متناقضًا، وأمثال هذه المشكلات نسلكها في عداد أمراض الطفولة التي أُصِيبت بها الفلسفة.»١٥

٤

قدَّمنا فيما سبق أمثلة للتحليل المنطقي كيف ينتهي باقتلاع المشكلات الميتافيزيقية اقتلاعًا من جذورها، وذلك حين تكون المشكلات قائمة على خطأ منطقي في تحليل العبارات وفهمها.

لكن التحليل المنطقي وحده لا يكفي للتخلُّص من سائر المشكلات التي ما برحت تشغل الميتافيزيقيين، فيجيء التحليل الفلسفي ليُجْهِزَ على البقية الباقية، فهنالك فرق بين نوعَين من التحليل: المنطقي من ناحية، والفلسفي من ناحية أخرى.

وتمهيدًا لإبراز الفرق بين هذَين النوعَين من التحليل، نقول: إن ألفاظ اللغة نوعان؛ أسماء وعلاقات، فأما الأسماء فهي الألفاظ التي تُسمَّى بها الأشياء، فهذا قلم وهذا كتاب وهذه شجرة، وإذن فالألفاظ الثلاثة: «قلم» و«كتاب» و«شجرة» أسماء لأشياء، وأما العلاقات فألفاظ لا تُسمِّي شيئًا في عالم «الأشياء»، وإنما تربط الأجزاء في بناء واحد، دون أن تضيف إلى تلك الأجزاء جزءًا جديدًا، فحين أقول: «إن الكتاب بين المحبرة والمصباح»، لا يكون في عالم الأشياء إلا ثلاثة: «كتاب» و«محبرة» و«مصباح»، أما كلمة «بين» وكلمة «و» فلا تسميان شيئًا، وكل عملهما هو أن تربطا الأجزاء الثلاثة الأخرى في بناء واحد لغوي، حتى تجيء العبارة المرتبطة الأجزاء صورة تعكس الواقعة الخارجية «بأشيائها» و«علاقاتها».

ومهمة المنطق الرئيسية هي البحث في هذه الألفاظ التي لا تُسمِّي «شيئًا» مثل «كل»، «بعض»، «إما … أو»، «إذا … إذن» … إلخ؛ لأنه حين بحث في هذه الألفاظ «العلاقية» فإنما يبحث في التركيبة الصورية للعبارة، بغضِّ النظر عن «المادة» التي تملأ ذلك الإطار الصوري، فإذا تناولت هذا التركيب الصوري بالتحليل لأخرج ما يحتويه من علاقات بين أجزائه، كان التحليل منطقيًّا.

أما إذا تناولت أسماء «الأشياء» بالتحديد والتحليل، فليس ذلك «منطقًا»، إنما هو تحليل «فلسفي»، فإذا حلَّلتَ — مثلًا — فكرة العدد أو فكرة المكان أو الزمان أو المادة أو الدولة وما شابه ذلك، فلا أكون عندئذٍ في مجال البحث المنطقي؛ لأن المنطق صوري بحت، بل أكون في مجال بحث آخر، هو الذي نُسمِّيه بالتحليل الفلسفي، ما دام الأمر لا يزال متعلقًا بالألفاظ والعبارات؛ (لأنه لو جاوز ذلك إلى وصف الأشياء الخارجية نفسها وتحليلها إلى عناصرها تحليلًا مباشرًا، كان ذلك علمًا طبيعيًّا، فلا هو تحليل منطقي ولا هو تحليل فلسفي).

نقول: إن التحليل المنطقي وحده لا يكفي للقضاء على الميتافيزيقا؛ لأنه يقوم بجانب واحد، وهو بيان أن العبارات الميتافيزيقية تتكشَّف عن خطأ في فهم قائلها للبناء اللغوي وما ينطوي عليه من روابط وعلاقات، فيجيء التحليل الفلسفي ليُجهِز على البقية الباقية، إذ يتناول المُدرَكات الفلسفية نفسها بالتحليل، مثل «القِيَم» و«حرية الإرادة» و«وجود العالم الخارجي» و«شخصية الدولة» وما إلى ذلك، والمشكلة التي عُنِيَ بها «مور» بصفة خاصة هي مشكلة «وجود العالم الخارجي».١٦

في التحليل الفلسفي نهدف إلى التقليل من الألفاظ الاصطلاحية، ولمَّا كانت اللفظة الاصطلاحية الواحدة كثيرًا ما تنحلُّ إلى عبارة طويلة من الألفاظ الأخرى المألوفة في الحياة اليومية، كان التحليل في الكثرة الغالبة من الحالات، ينتقل من جملة أقل إلى جملة أكثر في عدد الكلمات، وبهذا وحده يمكن إخراج العناصر التي كانت منطوية في جوف الجملة الأصلية، فمثلًا لتحليل عبارة: «إنسان كاذب» نقول: «يكون الإنسان كاذبًا إذا قال خبرًا على سبيل الإثبات، ليحمل السامع على الحكم بأنه — المتكلم — يعتقد في صدق الخبر، مع أنه في الحقيقة لا يعتقد في صدقه.»

ونحب هنا أن ننبه إلى نقطة هامة، وهي أن القارئ لعبارة ما، قد لا يعلم للوهلة الأولى كم هو يجهل من عناصر معناها، حتى إذا ما فُصِّلَت له تلك العناصر، لم يعرف جديدًا، بل اتَّضح له في جلاء ما كان في إدراكه الأول مشوبًا بالغموض، وإذا أردت مثلًا لذلك فانظر إلى هذه العبارة البسيطة: «زهرة اللَّعِب مُكعَّبة»، هل برزت أمامك كل العناصر المحتواة في المعنى؟ إذا أجبت بالإيجاب فأعود إلى سؤالك: كم حافةً لزهرة اللَّعِب؟ إنني لا أدري بماذا ستجيب لنفسك عن هذا السؤال، لكني أرجِّح أن الإجابة الصحيحة وهي أن للمكعب اثنتي عشرة حافة لن تسرع إلى المثول أمام ذهنك، وإذا كان أمرك هكذا، إذن فلم تكن فكرة تكعيب زهرة اللعب واضحة كل الوضوح كما قد ظننت.١٧

ونسوق لك مثلًا آخر للتحليل الفلسفي، نحاول فيه أن يجيء بيانًا للطريقة التي يهدم بها التحليل الفلسفي مدركات الميتافيزيقا:

«تركيا حاربت اليونان.» انظر إلى هذه العبارة تجدها في ظاهرها شديدة الشبه بعبارة مثل: «زيد قاتل عمرًا.» ففي كلتا العبارتَين ترى طرفَين مرتبطَين بعلاقة ما، الطرفان في العبارة الأولى هما «تركيا» و«اليونان»، والعلاقة التي تربطهما هي «الحرب»، والطرفان في العبارة الثانية هما «زيد» و«عمرو»، والعلاقة التي تربطهما هي «القتال».

لكن ابدأ في عملية التحليل، تَرَ الفرق واضحًا، وتعلم كيف يقع كثير من الأخطاء التي يطلقون عليها اسم ميتافيزيقا، فواضح في العبارة الأولى أن «تركيا» باعتبارها قطعة من الأرض لم تكن هي التي حاربت «اليونان» باعتبارها قطعة من الأرض، وإنما المقصود من كلمَتي: «تركيا» و«اليونان» مجموعتان من الناس، مجموعة هنا ومجموعة هناك، بل المقصود — بعبارة أدقَّ — جيشان يتألف كل منهما من أفراد معروفين، كانت المعلومات الفردية عن كل منهم مثبتة في قوائم معينة، ولو أردنا وصفًا واقعيًّا كاملًا للحوادث التي نطلق عليها عبارة «تركيا حاربت اليونان»؛ لجعلنا نذكر الأفراد الذين كان يتألَّف منهم الجيشان فردًا فردًا، لنقول ماذا صنع كل فرد من هؤلاء وأولئك قولًا تفصيليًّا يذكر أعمال الفرد الواحد عملًا عملًا، ويذكر لكل عمل ظروفه الزمانية والمكانية، حيث يصبح لدينا في النهاية قائمة طويلة من قضايا أولية، صورة كل منها هي: الفرد «س» التركي قام بالعمل «ص» بالنسبة لليوناني «م» … وهكذا.

فإن كان مثل هذا التحليل مستحيلًا من الوجهة العملية، فأقل ما يهدينا إليه هو ألَّا نخطئ فنظن أن «تركيا» و«اليونان» كلمتان تُطْلَقَان على حقيقتَين، كل حقيقة منهما قائمة بذاتها، كما هي الحال في قولنا: «زيد قاتل عمرًا.» فليست «تركيا» اسمًا على مُسمًّى بمثل ما يكون «زيد» اسمًا على مُسمًّى، وكذلك ليست «اليونان» اسمًا على مُسمًّى كما يكون «عمرو» اسمًا على مُسمًّى، ليس هنالك كائن قائم بذاته يُشار إليه في لحظة معينة ومكان معين، ويُقال: هذه هي «تركيا» أو هذه هي «اليونان»، وإذا عرفنا ذلك، أدركنا أن ما نسميه بلفظة «تركيا» أو بلفظة «اليونان»، هو في الحقيقة تركيبة ذهنية ليس لها ما يطابقها في عالم الأشياء الخارجية، ففي عالم الأشياء الخارجية هذا وهذا وذلك من الأفراد الذين يسكنون قطعة معينة من الأرض، فأبني أنا من هذه المفردات بناءً خياليًّا ذهنيًّا وأُسمِّيه «تركيا» — مثلًا — تسهيلًا للتفاهم.

بهذا نتخلَّص من الوهم الميتافيزيقي الذي قد يقع فيه الفلاسفة السياسيون حين يفرضون أن «الشعب» له كيان ووجود قائم بذاته على نحو ما يكون لزيد أو لعمرو من الأفراد كيان ووجود، ومصدر الخطأ أن هنالك «أسماءً»، فحسبوا أن لكل اسم مُسمَّاه، والحقيقة أن هذه الأسماء لا تشير إلى مُسمَّيات خارجية، ولا تعدو أن تكون رموزًا للتفاهم السريع.

وأمثال هؤلاء الفلاسفة الميتافيزيقيين، حين يتلفتون حولهم فلا يجدون «دولة» أو «شعبًا» بين الموجودات الفردية التي تقوم وتقعد وتأكل وتنام وتمرض وتلبس الثياب، تراهم يُبْعِدون في الوهم فيفرضون بأن «الدولة» — مثلًا — كائن من طبقة أعلى من طبقة الكائنات الفردية، وكثيرًا ما يخلصون من هذا التفكير إلى نتيجة أو نتائج لها كل الخطر على حياة الأفراد، كأن يقولوا مثلًا: إن الدولة أعلى من الفرد في سُلَّم الوجود، وإذن فليس للفرد حق مناهضتها أو الثورة عليها، فإذا ما تناول فيلسوف التحليل هذه الميتافيزيقا بمِبْضَعِه؛ وجدها قائمة على غلطة منطقية في فهم العبارات وتحليلها لا أكثر ولا أقل، والغلطة هي الظن بأن العبارة التي تَرِدُ فيها كلمة «دولة» أو «أُمَّة» أو «شعب» أو ما هو شبيه بذلك، هي كالعبارة التي تتحدث عن فرد من الأفراد، فإذا فكَّكنا كل عبارة فيها لفظة «دولة» — مثلًا — إلى قائمة طويلة من العبارات الأولية التي تتحدث كل منها عن فرد واحد في حالة واحدة من حالاته الكثيرة، تبخَّرت هذه الأشباح الوهمية وزالت من الوجود، وزالت بالتالي الميتافيزيقا القائمة على أساسها.

وأهم مشكلة عالجها «مور» بهذه الطريقة التحليلية، هي مشكلة العالم الخارجي، إذ ترى أصحاب التفكير الميتافيزيقي يتساءلون: هل العالم الخارجي موجود حقيقة؟ وإن كان موجودًا فهل هو واحد أم كثير؟

أتدري كيف أقام «مور» البرهان على هذه المشكلة المزعومة؟ أقامه هكذا:

«أستطيع الآن أن أقيم البرهان — مثلًا — على أن يدَين بشريتَين موجودتان، كيف؟ بأن أرفع كلتا يدَيَّ، قائلًا — وأنا أشير إشارة خاصة بيدي اليمنى: «هذه يد واحدة.» ثم أضيف إلى ذلك قولي — وأنا أشير إشارة خاصة بيدي اليسرى: «وهذه يد أخرى».»١٨

هذا في رأى «مور» برهان كافٍ على أن العالم الخارجي موجود أو على أنه متكثِّر، وهو برهان لأن المقدِّمات فيه غير النتيجة (المقدمتان هما: (١) هذه يد. (٢) وهذه أخرى. والنتيجة هنالك يدان موجودتان، وقد اعتبر النتيجة مختلفة عن المقدمتَين؛ لأنها قد تكون في ذاتها صوابًا مع خطأ المقدمتَين، إذ تستطيع — مثلًا — أن ترفع قلمًا وتقول هذه يد، ثم ترفع كتابًا وتقول: وهذه يد أخرى، ثم تستنتج النتيجة: إذن هنالك يدان موجودتان، فتكون النتيجة صوابًا والمقدمتان خطأ، وعلى ذلك فقولي: هذه يد، وتلك أخرى زعم يختلف عن الزعم المُثبَت في النتيجة وهو: هنالك يدان موجودتان). أقول: إن هذا في رأى «مور» برهان كافٍ على وجود العالم الخارجي، وعلى أن هذا العالم كثير؛ لأنه مؤلَّف من مقدمتَين ونتيجة، ولأن المقدمتَين ثابت صدقهما على أساس «الفهم المشترك»، وإذن تكون النتيجة هي الأخرى صوابًا، لكن النتيجة تثبت وجود أكثر من يد واحدة، إذن هنالك — على الأقل — شيئان، هما هاتان اليدان.

لقد توهَّم الميتافيزيقيون وجود المشكلة؛ لأنهم — كما يبدو — حين تساءلوا: هل العالم الخارجي موجود؟ حسبوا أن هاتَين اليدَين البشريتَين اللتَين أعلم بوجودهما علمًا — يثور عليَّ «الفهم المشترك» لو أنكرت صحته — حسبوا أن هاتَين اليدَين البشريتَين ليستا من الضخامة والفخامة بحيث تكفيان أن تكونا عالمًا خارجيًّا، حسبوا أن العالم الخارجي كلمة مجيدة عظيمة غير هذه الأشياء الجزئية اليسيرة التي أعلم بوجودها، لكن فيلسوف التحليل يفك بمِشْرَطِه هذه العقدة إلى خيوطها، فإذا هي أيسر جدًّا مما توهَّم الميتافيزيقيون.

هكذا جعل «مور» مهمة الفلسفة تحليل العبارات تحليلًا منطقيًّا وتحليلًا فلسفيًّا، توضيحًا لمعناها حتى يزلزل الأرض التي تستند عليها الفلسفة التأملية؛ لأن هذه الفلسفة — كما قد أظهر التحليل — قائمة كلها على أغلاط منطقية في فهم العبارات اللغوية. أقول: إن التحليل هو المهمة الرئيسية التي جعلها «مور» شُغْل الفلسفة وشاغل القائمين بها، فشَقَّ بذلك طريقًا أمام مدرسة فكرية جديدة، هي التي تستطيع أن تُسمِّيها بالمدرسة الفلسفية المعاصرة.

١  Barnes, W. H. F.: The Philosophical Predicament، ص٢٩.
٢  Carnap. R.: The Logical Syntax of Language، ص٢٨٠.
٣  أرى أن عبارة «الفهم المشترك» ترجمة دقيقة للعبارة الإنجليزية: Common sense، ومما يؤيدها أنها ترجمة حرفية للأصل، فكلمة Sense في اللغة الإنجليزية لها معنيان، فهي تعني «الحس» بإحدى الحواس (كالبصر والسمع واللمس)، وهي تعني كذلك «المعنى العقلي»، فتراهم يصفون لك الشخص أو العبارة بهذه السِّمة ومشتقاتها؛ ليدلوا بذلك على أن الشخص ذو عقل حصيف أو خِلْوٌ منه، وأن العبارة ذات معنًى يسيغه العقل أو خلو منه، وعلى ذلك فهم إذا وصفوا شيئًا بأنه Common sense فإنما يقصدون بأن ذلك الشيء يمكن إدراكه للناس جميعًا بفطرتهم وبداهتهم التي لا تحتاج إلى تعلُّم وتدريب، وعبارة «الفهم المشترك» — في رأيي — تؤدِّي هذا المعنى خير الأداء.
٤  Moore, G. E.: Philosophical Studies، ص٦٥.
٥  Contemporary British Philosophy، مجلد ٢، ص١٩٣–٢٣٣.
٦  المرجع السابق، ص١٩٤-٥.
٧  Barnes, W. H. F.: The Philosophical Predicament، ص٣٥.
٨  Moore, G. E.: Defence of Common Sense (Contemporary British Philosophy)، ص٢٠٣.
٩  Pap, Arthur, Elements of Analytic Philosophy، ص٧ من المقدمة، وانظر كذلك Ayer, A. J., Language, Truth and Logic، ص٥٦ من الطبعة الأولى.
١٠  Wisdom, John, Moore’s Technique (The Philosophy of Moore ed. Schilpp)، ص٤٢٥.
١١  Schlick M., The Future of Philosophy، ص١٣٢.
١٢  Ramsey, F. P., The Foundations of Mathematics، ص٢٦٣.
١٣  ليست هذه الأمثلة مأخوذة من «مور»، كلا ولا هي تمثِّل آراءه دائمًا، فنحن هنا معنيُّون بطريقته في التحليل وحسب، أما الأمثلة فقد اخترتها لتخدم رأيي وهدفي.
١٤  أقصد بالوجود الفعلي ترجمة لفظة Existence وبالوجود الضمني ترجمة Subsistence.
١٥  Russell, B.: History of Western Philosophy، ص١٥٠.
١٦  Moore G. E., Proof of an External World, (Proceedings of the British Academy, Vol. XXV, 1939, pp. 273–300).
١٧  Langford, C. H., Moore’s Notion of Analysis (The Philosophy of Moore, ed. Schilpp).
١٨  Proceedings of the British Academy, Vol, XXV، ص٢٩٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠