الفصل السادس

الميتافيزيقا تحت معاول التحليل: أمثلة من التحليل عند بيرتراند رسل

(١) نظريته في تحليل العبارة الوصفية

١

تحليل الكل إلى أجزائه عملية لم يوافق عليها كثير من الفلاسفة منذ أقدم العصور، إذ اعتقد هؤلاء أن تحليل الكل إفساد لحقيقته وإبطال لمعناه؛ لأن الكل الواحد — في رأيهم — ليس مؤلَّفًا من مجرد أجزائه رُصَّ بعضها إلى جانب بعض كما اتفق، بل هو وحدة عضوية تُضفي على كل جزء من أجزائها معنًى يجعله — وهو عضو فيها — مختلفًا عنه وهو معزول عنها قائم بمفرده، وكثيرًا ما أدَّى هذا المنطق بأصحابه إلى اعتبار الكون كله حقيقة واحدة يستحيل عليها التكثُّر والتجزئة.

والذي يهمنا الآن من موقف هؤلاء، هو إحدى نتائجه العجيبة، وهي أن هنالك ضربًا من المعرفة يستحيل على التعبير اللفظي في عبارات وكلمات؛ لأنه ما دامت الحقيقة واحدة مُوحَّدَة، فكيف تبيح لنفسك أن تصفها وتُصوِّرها بقِطَع مُجزَّأة، هي العبارات اللفظية، والألفاظ التي تتألَّف منها كل عبارة؟

فحسبنا — إذن — دفاعًا عن إمكان التحليل، بل دفاعًا عن وجوبه، أن نقول إنه لا مندوحة لنا عن التعبير عمَّا نعرفه بلغة كائنة ما كانت، ولا مندوحة للغة عن تجزئة ألفاظها وعباراتها، «فالجُمَل مؤلَّفة من كلمات، والكلمات المطبوعة مؤلَّفة من أحرف، والمؤلِّف الذي يقدم كتابًا للطبع، يجمع له عُمَّال الطباعة قِطَعًا منفصلة هي أحرف الطباعة، يجمعونها في نظام معين، ومع ذلك فلو كان صاحب الكتاب فيلسوفًا [من القائلين باستحالة التحليل]، فقد يكون في كتابه هذا ما يُقرِّر به أن الفِكْر يستحيل تصويره بسلسلة من الأشياء المادية مهما يكن نوعها … إن الفِكْر الذي يمكن انتقاله بين الناس، لا يمكن أن يبلغ من كثرة العناصر وتعقُّدها حدًّا يصبح معه مُحالًا أن يتركب من أحرف الهجاء وتشكيلاتها المختلفة الممكنة، فقد يكون شيكسبير غاية في عبقرية العقل، لكن هذه العبقرية كلها لا يمكن أن تجيئنا إلا في ترقيمات سوداء على ورق أبيض، والذين يقولون إن الكلمات تبطل حقيقة الواقع ينسون أن الكلمات في ذاتها حقيقة واقعة، وأن الجمل والكلمات — باعتبارها حقائق واقعة — مؤلَّفة من أجزاء منفصل بعضها عن بعض، لكل جزء منها اسم خاص به [هي أسماء أحرف الهجاء] … وإذن فلا شك أبدًا في أن بعض الحقائق الواقعة يمكن تحليله إلى أجزائه.»١
فالتحليل ممكن، بل هو عملية ضرورية أحيانًا إذا أردنا أن نُحْسِن فَهْم الكل الذي نحلِّله، ومما يجب تحليله لحُسن فهمه عبارات اللغة التي نستخدمها في العلم وفي شئون حياتنا اليومية، لِيَتِمَّ بها التفاهم، وتحليل الجملة عند «برتراند رسل» يبدأ أولًا بتمييز مكوِّناتها بعضها من بعض؛ لتحليل كل منها على حِدَة،٢ حتى إذا ما تمَّ لنا ذلك، عدنا إلى العبارة كلها لنحاول فهمها على ضوء ذلك التحليل.
ومن الأجزاء التي عُنِيَ «رسل» بتحليلها «العبارات الوصفية»،٣ التي جاء تحليله لها من الأهمية في فلسفته، بل في الفلسفة المعاصرة كلها، بحيث استدعى تعليقات لا حصر لها في المؤلَّفات والدَّورِيَّات الفلسفية الحديثة، وها نحن أولاء باسطون لك موضوع البحث، شارحون لك أهم عناصره.

٢

أشار «رامزي» — وهو ذو مكانة ملحوظة في التحليل الفلسفي المعاصر — إلى نظرية «رسل» في «العبارات الوصفية»، فقال عنها: «إنها نموذج للفلسفة.»٤ فما هي العبارات الوصفية؟ وماذا يرى «رسل» في تحليلها؟
يبيِّن «رسل» ما يعنيه ﺑ«العبارة الوصفية» بيانًا صريحًا،٥ إذ يقول في كتابه «مقدمة للفلسفة الرياضية»:٦ «العبارة الوصفية قد تكون أحد نوعَين: فهي إمَّا خاصة٧ أو عامة،٨ أما العامة فهي ما دلَّت على نَكِرَة، وأما الخاصة فهي ما دلَّت على معرفة فرد بذاته.»٩

ونبدأ الحديث بتحليل العبارة الوصفية العامة:

المراد بالعبارة الوصفية العامة عبارة — وقد تكون كلمة واحدة — دالَّة على أفراد كثيرين من جنس واحد، كقولنا: «رجل»، «رئيس جمهورية»، «جبل من الذهب» … إلخ، وسؤالنا الآن هو: ماذا أُقرِّر على وجه الدِّقة حين أقول كلامًا فيه عبارة وصفية عامة، كأن أقول مثلًا: قابلت رجلًا؟

هَبْني صادقًا فيما أقول، حين أقول: «قابلت رجلًا»، وافرض أن الرجل الذي قابلته فعلًا هو «العقاد»، فمن الواضح أن عبارتَيْ «قابلت رجلًا» و«قابلت العقاد» ليستا متساويتَين، ويكفي لبيان ذلك أن نلاحظ بأنني قد أكون صادقًا في العبارة الأولى، وكاذبًا في العبارة الثانية، إذ ربما أكون قد قابلت رجلًا، لكن هذا الرجل لم يكن هو العقاد، ولو كانت العبارتان متساويتَين؛ لصدقتا معًا أو كذبتا معًا، ولاستحال أن تصدق إحداهما على حين قد تكذب الأخرى.

إن قولي: «قابلت رجلًا» لا يتعيَّن به أني قابلت فردًا بذاته من الناس كزيد أو عمرو، بل مثل هذا القول لا يتعين به أن يكون للفظ «رجل» مُسمَّيات حقيقية واقعة في عالم الأشياء، بدليل أني قد أقول: «قابلت غولًا» أو «قابلت عنقاء»، ويكون لقولي هذا معناه عند السامع — إذا فرضنا أن «الغول» و«العنقاء» محدَّدة الأوصاف معلومة الصورة — على الرغم من أنه ليس هناك في عالم الأشياء الواقعة غول حقيقي أو عنقاء حقيقية؛ لأنها كائنات من تصوير الخيال.

فأنا حين أقول: «قابلتُ رجلًا»، فإنما أعني بكلمة «رجل» مجموعة من صفات تنطبق على هذا وهذا وذاك من أفراد الناس، فهي أوصاف عامة، أتصوَّرها بالذهن، حتى ولو لم يكن هناك الفرد الذي تنطبق عليه، إذ الأمر هنا لا يزيد ولا يَقِلُّ عن الأمر في العبارات التي تتحدث عن كائنات خيالية كالغول والعنقاء.

وعلى ذلك فالمراد بالعبارة الوصفية العامة هو المُدرَك العقلي لا الأفراد الحقيقيون الواقعون في عالم الأشياء.

إننا نحب للقارئ أن يَعِيَ هذا المعنى؛ لأنه سيكون بعيد الأثر في هدمنا للعبارات الميتافيزيقية، ونكرِّر نفس المعنى بعبارة أخرى لزيادة الإيضاح فنقول: إن الألفاظ التي اصطلحنا على تسميتها ﺑ«الألفاظ الكلية»، مثل رجل وشجرة ونهر، ليست في الواقع إلا عبارات وصفية، ليست بذاتها دليلًا على وجود أفراد لها، وهذا يصدق على كل لفظة كلية في اللغة: لفظة «كتاب» تدل على مجموعة صفات أتصوَّرها وقد لا يكون لها مُسمًّى في الواقع، وكلمة «نهر» تدل على مجموعة صفات أتصوَّرها وقد لا يكون لها مُسمًّى في الواقع … وهكذا.

ومن هنا يتضح وجه الشبه، كما يتضح وجه الاختلاف، بين عبارة تتحدث عن شيء حقيقي، وأخرى تتحدث عن شيء خيالي وهمي، فكلتا العبارتَين تكون مفهومة للسامع على حد سواء، فلا فرق من حيث الفهم بين أن أقول: «قابلتُ رجلًا»، أو أن أقول: «قابلتُ غولًا»، إذا كان للغول صفات معلومة محدودة، لكن تعود العبارتان فتختلفان من حيث إن للأولى أفرادًا في عالم الواقع، وأنها قد تصدق على أي فرد منهم، وأما الثانية فعلى الرغم من أني قد أفهم معناها، فليس في عالم الواقع أفراد بحيث تصدق على هذا أو ذاك من هؤلاء الأفراد.

إننا بهذا التحليل نتخلص من إشكال ذي بال عند بعض الفلاسفة، خاص بالكائنات التي ليست بذات وجود فعلي، مثل «غول» و«عنقاء» و«المربع الدائري»، فيقول هؤلاء الفلاسفة: كيف يمكن أن أتحدث عن هذه الأشياء إذا لم يكن لها وجود إطلاقًا بأي معنًى من معانيه؟ لهذا تراهم يقترحون جعل الوجود درجات، منها ما هو وجود فعلي١٠ يتمثَّل في أفراد حقيقية، ومنها ما هو وجود ضمني١١ يتيح لنا أن نتحدث عن أمثال هذه الكائنات التي لا وجود لها في عالم الأشياء الواقعة.
وللفيلسوف النمساوي «مينونج» Meinong في أنواع الكائنات رَأْي ساقه حين تعرَّض لتحليل «العبارة الوصفية» في نفس الوقت تقريبًا الذي تعرَّض فيه «رِسل» لنفس الموضوع أول مرة في كتابه «أصول الرياضة» (سنة ١٩٠٣م)، وفيما يلي ملخص لرأي «مينونج» في ذلك، نذكره لما كان له من الأهمية عند «رسل»، إذ تناوله هذا بالعرض والنقد.
يقول «مينونج»: إن العبارات — أو الكلمات — الدالة على أوصاف عامة مما يمكن منطقيًّا تطبيقها على أفراد كثيرة، ثلاثة أنواع:
  • (١)

    فمنها ما ينطبق فعلًا على مُسمَّيات جزئية موجودة وجودًا حقيقيًّا، مثل «إنسان».

  • (٢)

    ومنها ما ليست له أفراد حقيقية ينطبق عليها، لكن وجودها ممكن من الناحية المنطقية، إذ ليس هنالك تناقض يجعل وجودها مستحيلًا، مثل «غول».

  • (٣)

    ومنها ما يستحيل منطقيًّا أن توجد له أفراد ينطبق عليها؛ لما فيها من تناقض، مثل «مربع دائري».

لكن «مينونج» — مع ذلك — يري أن لكل فكرة نتحدث عنها شيئًا يقابلها، وإلا لاستحال التحدث عنها، ومن ثَمَّ فهو يقسِّم الكائنات أنواعًا ثلاثة: (١) موجودات حقيقية. (٢) موجودات ضمنية. (٣) موجودات خالصة. الأولى مثل «إنسان»، والثانية مثل «غول»، والثالثة مثل «مربع دائري».

٣

مصدر هذه المشكلة — مشكلة الكائنات الوهمية — هو أن معظم المناطقة الذين عالجوا هذه النقطة، قد ضلَّلهم النحو عن المنطق، فاعتبروا التشابه في الصورة النحوية تشابهًا في الصورة المنطقية أيضًا، فعبارتا «قابلتُ رجلًا» و«قابلتُ العقاد» عندهم من ضرب منطقي واحد، ما دامتا من صورة نحوية واحدة؛ ولذلك كانتا تُعَدَّان في المنطق التقليدي قضيتَين من قالب واحد، مع أن الصورة المنطقية مختلفة في الأولى عنها في الثانية أشد اختلاف.

عبارة «قابلتُ العقاد» قضية فردية بسيطة، تصدق أو تكذب حسب مطابقتها أو عدم مطابقتها لما وقع في العالم الخارجي من حوادث، أما عبارة «قابلتُ رجلًا» فليست بالقضية، وإنما هي «دالَّة قضية»،١٢ ودالة القضية هي صورة فارغة لا يمكن تصديقها أو تكذيبها إلا بعد ملء ما فيها من فراغ بأسماء أفراد جزئية، فعبارة «س عمره عشرون عامًا» صورة قضية؛ لأنني لا أستطيع القول إن كانت صادقة أو كاذبة إلا بعد أن أضع مكان س اسم فرد جزئي، بحيث تصبح مثلًا «فيصل ملك العراق عمره عشرون عامًا».

«قابلتُ رجلًا» دالة قضية لا قضية، وتحليلها هو [«قابلت س» و«س إنسان» دالة تصدق على فرد واحد على الأقل]، وبهذه العبارة الأخيرة يتضح الفرق بين عبارة تتحدث عن أشياء ذوات وجود حقيقي، مثل «قابلت رجلًا»، وأخرى تتحدث عن أشياء ليس لها وجود حقيقي مثل «قابلت غولًا»؛ لأنه في هذه الحالة لن تصدق الدالة على «الفرد الواحد على الأقل».

وإذن فالذين يستنتجون من مجرد تحدُّثنا عن كلمات دالة على أوصاف عامة، وجود كائنات تكون بمثابة المُسمَّيات لتلك الكلمات — كما فعل مينونج وقدَّمنا شرح رأيه — قد أخطأوا لخلطهم بين القضية ودالة القضية، إنهم تصوَّروا أن قولنا: «قابلت غولًا» قضية، وإذن فهي حديث عن شيء ما، وإذن فلا بد أن يكون لذلك الشيء نوع من الوجود المنطقي، وإلا لخَلَت القضية من معناها، مع أن العبارة التي من هذا القبيل، أعني العبارة التي تتحدث عن كلمة دالة على أوصاف عامة، هي دالة قضية، لا تتحدث عن شيء، ولا تتحوَّل قضية مُتحدِّثة عن شيء إلا إذا أحللنا اسم عَلَم مكان الكلمة ذات المعنى الكلي، وهذا ممكن في مثل قولي: «قابلت رجلًا»، بأن أجعلها «قابلت العقاد»، وغير ممكن في مثل قولي: «قابلت غولًا»، ومن ثَمَّ كانت العبارة الأولى مشيرة إلى فرد ما من أفراد الوجود الواقعي، على حين أن الثانية لا تشير إلى أحد.

ما الفرق بين وجود «هاملت» — وهو شخص خيالي في الأدب — وبين وجود «نابليون» — وهو شخص حقيقي في التاريخ؟ إن كلًّا منهما قد ورد اسمه في مجموعة عبارات مكتوبة في الكتب، لكن الأمر في حالة هاملت ينتهي عند حد هذه العبارات المكتوبة، أما في حالة نابليون، فقد كان في عالم الأشياء — بالإضافة إلى العبارات المكتوبة — كائن من لحم ودم يمشي ويحارب ويخطب في الناس.١٣

وهكذا قُلْ في العبارة التي تتحدث عن «رجل» والأخرى التي تتحدث عن «غول»، فلكل منهما معنًى يفهمه السامع، وإلى هنا يتشابهان، لكنهما يعودان فيختلفان في أن الأولى يمكن تحويلها إلى قضية عن فرد معين له اسم معروف، وأما الثانية فتقف عند حد فهم معناها، بعبارة اصطلاحية: الأولى دالة قضية يمكن تحويلها إلى قضية، والثانية دالة قضية لا يمكن تحويلها إلى قضية.

٤

الجملة المحتوية على عبارة (أو كلمة) وصفية عامة هي دالة قضية وليست قضية، أعني أنه لا يجوز الحكم عليها بصدق أو كذب إلا إذا رددناها إلى قضية أولًا، وأعني مرة ثانية أنها لا تصلح موضوعًا لمناقشة أو لاختلاف في الرأي ما دامت باقية على حالها لم ترتد إلى قضية.

ولنضرب مثلًا لذلك كلمة «إنسان»، هذه نعدها «عبارة وصفية عامة»، أي إنها ليست اسمًا يُسمِّي هذا الفرد المعين أو ذاك الفرد المعين، ليست هي ككلمة «العقاد» مثلًا؛ لأن هذه الكلمة الأخيرة تعين فردًا بذاته ولا تُطْلَق على سواه، ليست كلمة «إنسان» اسمًا خاصًّا لفرد معين معلوم، بل هي «وصف عام»، فإذا وردت في جملة مثل «الإنسان فانٍ»، فإن هذه الجملة لا تكون — كما ظن المنطق التقليدي — قضية يجوز وصفها بالصدق أو بالكذب، إذ ليس في عالم الأفراد فرد اسمه «الإنسان»، بحيث يمكننا أن نرجع إليه لنرى إن كان فانيًا أو غير فانٍ.

تحليل كلمة «إنسان» وحدها هو « مُتَّصِف بالخصائص البشرية»، و«» هنا رمز لفرد معين تستطيع أن تشير إليه بقولك «هذا»، وإذن فتحليل جملة «الإنسان فانٍ» هو « مُتَّصِف بالخصائص البشرية»، و« فانٍ»، عندئذٍ نستطيع — إذا أردنا — أن نحقِّق هذا الكلام تحقيقًا مباشرًا؛ لنعلم أصادق هو أم كاذب؛ لأننا سنجد الفرد «» في عالم الأفراد، وليكن «العقاد» مثلًا، وسنرى إن كان موصوفًا بكذا وكذا من الصفات أو لم يكن، وإن كان فانيًا أو لم يكن.
وإذا كانت العبارة موضوع التحليل مؤلَّفة من موضوع وصفتين مثل قولنا: «الإنسان عاقل فانٍ.» فإن تحليلها يكون — على نفس القاعدة السابقة — هو: « متصف بالخصائص البشرية.» و« عاقل.» و« فانٍ.» فنحن في هذه الحالة أيضًا نستطيع أن نرجع إلى «» هذا في عالم الواقع؛ لنرى إن كان عاقلًا وفانيًا أو لم يكن، بحيث نتمكَّن من الحكم على العبارة الأولى بالصدق أو بالكذب.

وإذا استخدمنا الرموز المألوفة في كتب المنطق الرمزي، لندل على هذا الذي أسلفناه كانت الصيغة كما يلي:

«الإنسان فانٍ» صيغتها الرمزية هي «ﺳ »، فنحن هنا نرمز بالرمز «ﺳ» للخصائص البشرية، ونرمز بالرمز «» لفرد معين من الناس كالعقاد أو غيره.
وعبارة: «الإنسان عاقل فانٍ» صيغتها الرمزية هي «س ﺳ » مع العلم بأن الرمز «س» يرمز إلى صفة كَوْنه عاقلًا، والرمز «ﺳ» إلى صفة كَوْنه فانيًا، والرمز «» إلى فرد معين من الناس.

وما حاصل هذا كله؟ حاصله أنا تخلَّصنا من كلمة «إنسان» وأحللنا مكانها فردًا معينًا، وبهذا نمكِّن لأنفسنا أن نرى إن كان الكلام صحيحًا أو فاسدًا، على حين أننا إذا أبقينا كلمة «إنسان» على حالها فسنظن خطأً أن هنالك في عالم الأشياء شيئًا اسمه «إنسان» موصوفًا بكذا وكذا، فإذا رجعنا إلى عالم الأشياء المحسوسة ولم نجد هذا «الإنسان» العام، شطح بنا الوهم إلى افتراض وجود «الإنسان» العام في عالم غير هذا العالم المحسوس، كما فعل أفلاطون مثلًا في نظرية المثل.

وهنا نصل إلى بيت القصيد، فالغاية التي استهدفناها بهذا البحث كله هي مهاجمة الميتافيزيقا واعتبارها كلامًا فارغًا، نشأ من عجز الميتافيزيقيين عن تحليل عباراتهم تحليلًا صحيحًا.

خُذْ هذه العبارة الميتافيزيقية مثلًا: «الروح خالدة» وحلِّلها على ضوء ما قُلْناه، تجد أنها ليست — كما ظن المنطق التقليدي — قضية، وبالتالي فهي ليست مما يوصف بصدق وكذب، وبعبارة أخرى: ليست هي مما يجوز فيه المناقشة والكلام ما دامت على حالها هذه، إذ هي دالة قضية بمعنى أنها تقدِّم لنا عبارة مثقوبة فيها خانة شاغرة، ولا يجوز اعتبارها كلامًا تامًّا إلا إذا سَدَدْنا هذا الفراغ فيها.

ذلك لأن جملة «الروح خالدة» — شأنها في ذلك شأن الجملة التي حلَّلناها وهي «الإنسان فانٍ» — تنحلُّ إلى ما يأتي: «» روح، و«» خالدة حين تكون «» رمزًا لفرد معين في عالم الأفراد في دنيا الواقع، فلا بد من الرجوع إلى عالم الأشياء الواقعة أولًا، باحثين عن الفرد «» الذي زعمنا وجوده، والذي أردنا وصفه بكذا وكذا، لنرى هل هذا الفرد فيه الصفة المزعومة أم لا … فإذا استحال بطبيعة الموقف أن نجد في عالم الأفراد مثل هذا الفرد «» الذي جعلناه موضوع حديثنا، كان الكلام فارغًا من كل معنًى؛ لأنه فَقَدَ صفة الكلام الرئيسية، وهي أن يُتاح لنا وصفه بالصدق أو بالكذب.

٥

إلى هنا كان الحديث مُنصبًّا على العبارة الوصفية العامة التي تنطبق على أفراد كثيرين، ورأينا أن النقطة الرئيسية في تحليلها هي أن ننظر إليها باعتبارها دالة قضية تتحدث عن مجهول، ولا مندوحة لنا عن استبدال فرد معلوم بذلك المجهول، قبل أن يُتاح لنا أن نجعل من العبارة كلامًا يصح فيه الجدل والمناقشة.

وننتقل الآن إلى النوع الثاني من العبارة الوصفية، وهو «العبارة الوصفية الخاصة» التي لا تنطبق إلا على فرد واحد، شأنها في ذلك التخصيص شأن اسم العَلَم، فالعبارة الوصفية «مؤلِّف كتاب الأيام» تحدِّد فردًا بذاته، كما يحدِّده اسمه الخاص وهو «طه حسين».

غير أن العبارة التي تحتوي على اسم العَلَم لا تتعرَّض في تحليلها لنفس المشكلات التي تتعرَّض لها الجملة التي تحتوي على عبارة وصفية خاصة رامزة إلى الفرد الذي يرمز إليه اسم العَلَم؛ ذلك لأنه على الرغم من تساوي الدلالة الرمزية بين اسم العَلَم وبين العبارة الوصفية الخاصة في تمييز الفرد المسمى، إلا أنهما ليسا متساويين تساويًا مطلقًا، ولو كانت عبارة «مؤلِّف كتاب الأيام» مساوية تمامًا من كل الوجوه للاسم «طه حسين» لأمكن أن نُحِلَّ الواحدة مكان الأخرى دون أن يتأثر المعنى نقصًا أو زيادة، لكن ليس ذلك هو الواقع؛ لأننا في قولنا «مؤلِّف كتاب الأيام هو طه حسين» لا نقول فقط ما نقوله بعبارة «طه حسين هو طه حسين.» في الحالة الأولى نذكر حقيقة من حقائق التاريخ الأدبي، وفي الحالة الثانية نقول عبارة جوفاء، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يكون للعبارة الوصفية الخاصة تحليل غير تحليل اسم العَلَم، فما هو؟

إن أول ما يسترعي النظر في المقارنة بين اسم العَلَم وبين العبارة الوصفية الخاصة، هو أن اسم العَلَم رمز بسيط لا ينحل إلى أجزاء أبسط منه؛ لأن أجزاءه أحرف الهجاء التي ليست رموزًا في هذه الحالة، وأما العبارة الوصفية الخاصة فمكوَّنة من أجزاء هي بدورها رموز ذات دلالة معلومة قبل أن تتألَّف معًا لتكون عبارة وصفية دالة على فرد بذاته، ففي قولنا: «مؤلِّف كتاب الأيام» قد استعملنا كلمة «مؤلِّف» وكلمة «كتاب»، وكل منهما بدورها رمز له دلالته المستقلة (لاحظ أن كلًّا منهما عبارة وصفية عامة).

واسم العَلَم الذي هو رمز بسيط غير قابل للتحليل، إنما يدل على معناه دلالة مباشرة، فالفرد المعين المعلوم الذي هو طه حسين، يُشار إليه مباشرة باسمه، فكأن اسمه يشير إلى معناه دون الحاجة إلى إضافة كلمات أخرى إليه تساعده إلى إفراد مُسمَّاه من بين سائر الأشياء، وأما العبارة الوصفية الخاصة فمعناها تحدده معاني أجزائها.

ويترتب على ذلك عدم جواز الشك في وجود مُسمَّى اسم العلم وجودًا حقيقيًّا، وجواز هذا الشك في حالة العبارة الوصفية الخاصة، ذلك لأنه إذا لم يكن هنالك فرد معين بذاته موجود وجودًا حقيقيًّا واقعيًّا، لما أمكن — من الوجهة المنطقية — أن نطلق عليه اسمًا، إذ إن الكائن الفرد يوجد أولًا، ثم نطلق عليه اسمه المُميِّز ثانيًا، وإذن فعبارة مثل «طه حسين موجود» عبارة لا تزيد في معناها عن قولنا «طه حسين» فقط؛ لأن مجرد ذكر اسم العلم كافٍ وحده للدلالة على وجود المُسمَّى وجودًا يملأ الآن — أو ملأ فيما مضى — لحظات من زمان ومسافات من مكان.

وليس الأمر كذلك في حالة العبارة الوصفية الخاصة؛ لأن هنالك حالات نصوغ فيها عبارة من هذا النوع، دون أن يكون لها مُسمًّى في الواقع، كقولنا: «ملك فرنسا الحالي»، إذ ليس في فرنسا أحد اليوم يكون ملكًا عليها.

ولهذا أمكن أن نعرف قائمةً طويلة من العبارات الوصفية الخاصة المشيرة كلها إلى شخص بعينه، دون أن نعرف مَنْ هو ذلك الشخص، أي دون أن نعرف اسمه العَلَم، ففي القصة البوليسية تتجمَّع قضايا كثيرة فيها أوصاف مختلفة، كلها يدور حول الرجل الذي فعل الفعلة، دون أن نعرف أنه فلان بالذات.

وما دمنا قد فرَّقنا هذه التفرقة الدقيقة بين اسم العَلَم وبين العبارة الوصفية الخاصة، فجعلنا اسم العَلَم دالًّا حتمًا على وجود مُسمَّاه، لدرجة أن عبارة مثل «أ موجود» تكون عبارة بغير معنًى (على فرض أن «أ» اسم عَلَم لفرد معين)، في حين أنا قد جعلنا العبارة الوصفية الخاصة معتمدة في معناها على معاني أجزائها، وبالتالي أجزنا ألا يكون مُسمَّاها ذا وجود فعلي حقيقي، أقول: إننا ما دُمْنا قد فرَّقنا هذه التفرقة الدقيقة بين اسم العَلَم وبين العبارة الوصفية الخاصة، فيحسن أن نحصر اسم العَلَم في أسماء الإشارة وحدها، مثل «هذا» و«ذلك»، إذ لا يُعْقَل أن تشير قائلًا «هذا» دون أن يكون هنالك الفرد المُشار إليه.

أما ما اصطلحنا على تسميته باسم عَلَم، مثل «العقاد» و«طه حسين» و«شيكسبير» و«هومر» و«القاهرة» و«جبل المقطم» … إلخ، فهي في الحقيقة أوصاف، فاسم «هومر» — مثلًا — إنْ هو إلا عبارة وصفية لشخص قد يكون موجودًا وقد لا يكون، ومن الأوصاف التي تدل عليها أنه شاعر وأنه مؤلف الإلياذة والأوديسية، وأنه ضرير، وأنه يوناني قديم، وما دام الأمر كذلك، فهو — كأي عبارة وصفية أخرى — يجوز ألا يكون له مُسمًّى في عالم الأفراد.١٤

٦

ومهما يكن من أمر، فإننا نخلص من هذا كله إلى أن العبارة المشتملة على علم، تختلف في التحليل عن العبارة المشتملة على عبارة وصفية خاصة، وسبيلنا الآن أن نتعقَّب العناصر التي تجعل العبارة الوصفية الخاصة شيئًا غير اسم العَلَم، حتى وإن كانا دالَّين على مُسمًّى واحد.

اختار «رسل» جملة محتوية على عبارة وصفية خاصة، ليتناولها بالتحليل فتكون نموذجًا لمثيلاتها، وتحليله لهذه الجملة هو الذي دعا «رامزي» إلى أن يقول عنه عبارته التي وضعناها في صدر الفقرة الثانية من فقرات هذا الفصل، وهي أن تحليله ذاك نموذج للفلسفة، وهذه الجملة المختارة هي «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا»؛١٥ ولهذا نحب أن نحتفظ بها مثلًا، إذ قد أصبح لها ذيوع واسع في المؤلَّفات الفلسفية الحديثة كلها، التي تتناول تحليل العبارات بالتعليق والنقد.
يقول «رِسل»: إن جملة «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا» تنحلُّ إلى قضايا ثلاث هي:
  • (١)

    على الأقل شخص واحد كتب ويفرلي.

  • (٢)

    على الأكثر شخص واحد كتب ويفرلي.

  • (٣)

    أيًّا مَن كان كاتب ويفرلي فهو اسكتلندي.

فهذه القضايا الثلاثة جميعًا يتضمَّنها قولنا إن مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا، ولا تكفي منها أيَّة واحدة، ولا أيَّة اثنتَين لتفي بالمعنى كله الذي تحمله الجملة الأصلية، والعكس صحيح أيضًا، وهو أن هذه القضايا الثلاثة معًا تعني الجملة الأصلية، بعبارة أخرى: إن الجملة الأصلية تقتضي هذه القضايا الثلاثة معًا، وهذه القضايا الثلاثة معًا تقتضي الجملة الأصلية، ومن ثَمَّ كانت القضايا الثلاثة معًا تحديدًا لمعنى الجملة الأصلية.

هذه القضايا الثلاث مستقلة كل منها عن الأخرى، أي إن واحدة منها لا تتضمَّن واحدة،١٦ بدليل أن صدق أو كذب الواحدة لا يعني شيئًا بالنسبة إلى صدق أو كذب الاثنتَين الأُخريَين.
وتستطيع تطبيق هذا المثل على كل ما يشبهه، فالجملة: «أول رئيس للولايات المتحدة كان اسمه «جفرسن» تنحل إلى القضايا الثلاث الآتية:
  • (١)

    على الأقل شخص واحد كان رئيسًا للولايات المتحدة قبل سواه.

  • (٢)

    وعلى الأكثر شخص واحد كان رئيسًا للولايات المتحدة قبل سواه.

  • (٣)

    أيًّا مَن كان الرئيس الأول للولايات المتحدة فقد كان اسمه جفرسن.

والجملة: «سيكون الكتاب التالي الذي أقرؤه كتابًا فرنسيًّا» تنحلُّ إلى القضايا الثلاث الآتية: (١) على الأقل كتاب واحد سأقرؤه قبل أن أقرأ سواه. (٢) على الأكثر كتاب واحد سأقرؤه قبل أن أقرأ سواه. (٣) أيًّا ما كان الكتاب التالي الذي سأقرؤه فسيكون كتابًا فرنسيًّا.

يقول «مور» تعليقًا على هذا التحليل: «إنه بديهي — فيما أرى — بمجرد الإشارة إليه، لكن هل أشار إليه أحد قبل «رسل»؟ لست أدري، لكن يظهر لي أنه — في الفلسفة — كثيرًا ما يكون عملًا عظيمًا أن نلاحظ شيئًا نراه غاية في الوضوح بمجرد ملاحظته، لكنه لم يكن قد لوحظ من قبل، وإني لأَميل إلى الاعتقاد أن «رسل» قد أدَّى عملًا عظيمًا حين لاحظ هذه الحقيقة الواضحة البيِّنة.»١٧ وهي أن الجملة التي من طراز «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا» تنحل إلى قضايا ثلاث من طراز القضايا الثلاث التي أسلفنا ذِكْرها.

٧

لعلك قد لاحظت أننا إذ أردنا أن نحلِّل العبارة الوصفية الخاصة «مؤلِّف ويفرلي» لم نتناولها وحدها، بل وضعنا في جملة كاملة، هي «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا»، ثم أخذنا في تحليل الجملة على أنها وحدة، فلماذا لم نفرد عبارة «مؤلِّف ويفرلي» وحدها لنُخْضِعَها للتحليل؟

الجواب عن هذا السؤال يبرز لنا أصلًا من أهم الأصول التي وضعها «رسل» في التحليل، وهو أن العبارة الوصفية — عامة كانت أو خاصة — يستحيل تعريفها وهي وحدها؛ لأنها رمز ناقص،١٨ فأيَّة عبارة وصفية كائنة ما كانت، مثل «ملك فرنسا» و«مدير الجامعة» … إلخ «لا ينبغي أن يُفْرَضَ فيها أنها ذات معنًى وهي بمفردها، ولا يكون تعريفها ممكنًا إلا إذا وُضِعَت في سياق.»١٩ فإذا أردنا تعريف عبارة وصفية فلا يجوز لنا أن نحاول تعريفها في ذاتها كوحدة قائمة وحدها، بل لا بد أن نعرِّف القضية كلها التي وردت فيها العبارة الوصفية؛ لأن العبارات الوصفية «رموز غير كاملة».٢٠

فافرض مثلًا أننا نريد تعريف عبارة «ملك فرنسا»، عندئذٍ يجب وضعها أولًا في جملة، مثل: «ملك فرنسا عاقل.» ثم نأخذ في تحليل هذه الجملة إلى القضايا الثلاث الآتية:

(١) هنالك شخص واحد على الأقل هو ملك فرنسا. (٢) وهنالك شخص واحد على الأكثر هو ملك فرنسا. (٣) وأيًّا مَن كان ملك فرنسا فهو عاقل.

ولكي ترى أن تعريف عبارة «ملك فرنسا» وحدها غير ممكن، اطرح لفظة «عاقل» — في المثل السابق — من المُعرَّف ومن التعريف معًا، وبديهي أن ما يتبقى لديك من التعريف بعد حذف «عاقل» منه، هو التعريف المطلوب للمُعرَّف بعد حذف «عاقل» منه أيضًا، فينتج لديك من عملية الطرح هذه، أن تعريف «ملك فرنسا» هو: «هنالك شخص واحد على الأقل هو ملك فرنسا، وهنالك شخص واحد على الأكثر هو ملك فرنسا، وأيًّا مَن كان ملك فرنسا فهو»، وبديهي أنك لا تستطيع أن تستخدم هذا التعريف في كل الحالات التي تستخدم فيها المُعرَّف، فلو كان ملك فرنسا واقفًا أمامك وأنت تستطيع أن تشير إليه بإصبعك قائلًا: هذا ملك فرنسا، لكنك لا تستطيع أن تشير إليه قائلًا: هذا هنالك شخص واحد على الأقل … إلى آخر التعريف، وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن التعريف ليس مساويًا للمُعرَّف، أي إنه بعبارة أخرى ليس تعريفًا صحيحًا.

الرمز الكامل هو ما دل حتمًا على شيء مرموز له، وما دامت العبارة الوصفية ليست رمزًا كاملًا، فلا يتحتم أن يكون لها مُسمًّى بين أشياء العالم الواقع، ومن ثَمَّ جاز أحيانًا أن نصادف كلامًا نفهمه دون أن يكون له مدلولات خارجية، ومن ثَمَّ أيضًا يزول الإشكال المنطقي القديم الذي حيَّر الفلاسفة وأربكهم وأوقعهم في كثير من الخطأ، وهو: كيف يمكن أن يكون لدينا أسماء ولا يكون لها مُسمَّيات؟ لذلك كنت تراهم بمجرد وجود الاسم أمامهم، يفرضون وجود مُسمَّاه حتى ولو لم يقع لهم ذلك المُسمَّى في مجال خبرتهم، وهكذا نشأت الكائنات الكثيرة الوهمية التي يجعلها الميتافيزيقيون موضوعات لأبحاثهم، مع أنها منذ البداية وَهْم خَلَقَتْه اللغة خلقًا على غير أساس مقبول. يقول الأستاذ «آير»: يبدو لي أن إحدى المزايا العظيمة لنظرية «رسل» في العبارات الوصفية، هي أنها تُلقي ضوءًا على استعمال طائفة معينة من العبارات في حديثنا المألوف، وتلك نقطة لها أهمية فلسفية؛ ذلك لأنه حين بيَّن أن عبارات مثل «الملك الحالي لفرنسا» لا تؤدِّي وظيفة اسم العلم، قد فضح المغالطة التي أدَّت بالفلاسفة إلى الاعتقاد بموجودات ضمنية Subsistent entities٢١

٨

قد أسلفنا لك شرح «العبارات الوصفية» بنوعَيها العام والخاص؛ فالعبارة الوصفية العامة، مثل كلمة «إنسان»، تشير إلى أي فرد — لا إلى فرد معين بذاته — ما دام مُتَّصفًا بالأوصاف التي تُمثِّلها كلمة «إنسان»، والعبارة الوصفية الخاصة — مثل «أطول نهر في العالم» — تشير إلى شيء مفرد معين، كأنها اسم يُسمِّيه ويُميِّزه من سائر الأشياء، غير أنها تُسمِّيه عن طريق أوصافه، وأهمية ذلك من الناحية المنطقية هي أنه لا يُشترَط حتمًا أن يكون ذلك الفرد موجودًا وجودًا حقيقيًّا، ولو أننا نستطيع أن نتصوَّر صورة لِما يمكن أن يوجد لو كان للشيء المُسمَّى وجود، هذا بخلاف اسم العَلَم، فإنه يستحيل أن يقوم بغير قيام الفرد المُسمَّى، ومن ثَمَّ حصر «رسل» أسماء الأعلام في كلمات مثل «هذا» و«ذلك»؛ لأنها أسماء تشير إلى فرد هنا أو فرد هناك، وما لم يوجد ما نشير إليه لما أمكن منطقيًّا أن نشير بقولنا «هذا» و«ذلك».

ونحب أن نلاحظ لك على سبيل الزيادة في الإيضاح، أن الفرق الجوهري بين العبارة الوصفية العامة والعبارة الوصفية الخاصة، هو أن الثانية تخصيص الفرد المُسمَّى، بينما الأولى لا تُخصِّص فردًا بذاته، ولعلك تذكر تحليل العبارة الوصفية الخاصة «مؤلِّف ويفرلي» في جملة «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا»، أقول: لعلك تذكر أن «رسل» حين حلَّل عبارة «مؤلِّف ويفرلي» حلَّها إلى قضايا، أولاها قضية «على الأقل فرد واحد كتب ويفرلي»، وثانيتها «على الأكثر فرد واحد كتب ويفرلي»، فإذا ضمَمْتَ هاتَين القضيتَين إحداهما إلى الأخرى، وجدت أن الحاصل هو تفرُّد المُسمَّى وجعله شخصًا واحدًا بذاته.

وأهمية نظرية «العبارات الوصفية» عند «رسل» هي أنها تُنسِّق فلسفته في المعرفة الإنسانية، فهو يذهب إلى أن للمعرفة جانبَين: (١) معرفة بالاتصال المباشر.٢٢ و(٢) معرفة بالوصف.٢٣
أما الأولى فهي تلك التي ندركها إدراكًا مباشرًا بغير حاجة إلى أيَّة عملية من عمليات الاستدلال، كأن أنظر إلى هذه المنضدة أمامي وأعلم أنها بُنِّيَّة اللون، فإدراكي للبقعة اللونية إدراك مباشر، وأما الثانية فهي التي تُمكِّننا من معرفة الشيء بغير حاجة منا إلى الاتصال به اتصالًا مباشرًا، كأن أقول لك: قابلتُ رجلًا، فتفهم ما أريد دون حاجة منك إلى الإدراك الحسي المباشر للفرد المعين الذي قابلته.٢٤

إننا نعرف شيئًا بالوصف حين نشير إليه بعبارة وصفية في أحد نوعَيها: العام والخاص، فعندئذٍ لا يكون الشيء المعروف ماثلًا أمام حواسنا، فقولي مثلًا: «حاصل ضرب ١٧ × ١٨» هو معرفة بالوصف؛ لأن العدد المقصود ليس قائمًا أمامي، وأهمية المعرفة بالوصف أننا نجاوز بفضلها حدود خبراتنا الحسية المباشرة لننتفع بخبرات الآخرين.

وها هنا نصل إلى النقطة التي نريد أن نؤكِّدها لأهميتها البالغة فيما نحن بصدده، وتلك هي أن العبارة الوصفية لا بد — لكي يمكن فهمها — أن تكون ممكنة التحويل إلى جزئيات يمكن معرفتها بالاتصال المباشر، وإلا كانت بغير معنًى، حين أقول لك جملة مثل: «الجبل الواقع شرقي القاهرة»، فلا سبيل إلى قبول القَوْل، بل لا سبيل إلى فهمه، ما لم يكن في إمكانك تحويل كل وصف في هذه الجملة إلى معرفة جزئية مباشرة، فأنت تعرف معنى «الجبل» إذا كان في إمكانك أن تدرك بحواسك شيئًا وتشير إليه بإصبعك قائلًا: «هذا هو المُسمَّى بكذا (المقطم مثلًا)، وهو موصوف بالصفات التي تجعل منه جبلًا»، وكذلك تعرف معنى «شرقي» (في قولنا يقع شرقي القاهرة) إذا كان في إمكانك تمييز هذا النوع من العلاقة المكانية بين الأشياء، وأيضًا تعرف معنى «القاهرة» إذا كنت تستطيع الإدراك الحسي للمُكوِّنات التي يُقال إنها تميِّز القاهرة مما عداها، إذن ففهمك للعبارة الوصفية موقوف حتمًا على خبراتك الحسية المباشرة.

معرفة الأشياء بالوصف لا سبيل إليها بغير إمكان تحليل الأوصاف إلى معروفات مباشرة تقع لنا في خبراتنا، «فما أقول عنه إنه معرفة بالوصف يمكن تحويله في النهاية إلى معرفة بالاتصال المباشر.»٢٥ «فالمبدأ الأساسي في نظرية المعرفة، ذلك المبدأ الذي نركن إليه في تحليلنا للقضايا المشتملة على عبارات وصفية، هو هذا: أي قضية يمكننا فهم معناها لا بد أن تتألَّف بجميع أجزائها من مُكوِّنات نعرفها بالاتصال المباشر.»٢٦ «… وذلك لأن أي جزء في أيَّة قضية، لا يكون مما نتصل به اتصالًا مباشرًا، مستحيل علينا فهمه».٢٧
إن كثيرًا جدًّا من العبارات الميتافيزيقية، مثل «النفس خالدة» و«العقل جوهر روحاني» و«المُطلَق ليست له في الزمان بداية أو نهاية» … إلخ إلخ، قائم على افتراض أن العبارة الوصفية تعمل عمل اسم العَلَم، من حيث إنها تشير إلى موجودات حقيقية واقعية، فإن لم يجد الميتافيزيقيون موجوداتهم هذه بين الأشياء المحسوسة، افترضوا وجودها وجودًا ضمنيًّا، فالميتافيزيقا إنْ هي في حقيقة الأمر إلا «نتيجة الزعم الساذج بأن العبارات الوصفية الخاصة (أو العامة) رموز للإشارة»،٢٨ (مثل «هذا» و«ذلك» مما يترتب عليه حتمًا وجود الأشياء المشار إليها).

(٢) نظريته في الفئات٢٩

٩

رأينا في تحليلنا للعبارات الوصفية، أن من أهم النتائج التي أدَّى إليها ذلك التحليل، هو أن العبارة الوصفية رمز ناقص، أعني أنها رمز لا يصلح للتعريف وهو قائم وحده، وأنه لا يتحتم أن يكون له مُسمًّى في عالم الأشياء الواقعة، فالعبارة الوصفية الآتية: «مؤلِّف الإلياذة» رمز ناقص، بمعنى أنك إذا طالبتَ بتعريف لها، كان لا بد لمَن يُقدِّم التعريف أن يضعها في جملة تحتويها، ثم يُعرِّف الجملة بأَسْرِها، كأن يقول: «مؤلِّف الإلياذة هو هوميروس.» ثم يحلِّل هذه الجملة إلى القضايا الثلاث كما فعل «رسل» في جملة «مؤلِّف ويفرلي كان اسكتلنديًّا.» والقضايا الثلاث في هذه الحالة هي: (١) شخص واحد على الأقل كتب الإلياذة. (٢) شخص واحد على الأكثر كتب الإلياذة. (٣) أيًّا مَن كان كاتب الإلياذة فهو هوميروس. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذه العبارة الوصفية رمز ناقص، بمعنًى ثانٍ، وهو أنه لا يتحتم أن يكون هنالك شخص حقيقي تاريخي اسمه هومر، أي إنه لا يجوز لنا أن نفترض وجود المُسمَّى على أساس وجود اسمه، ما دام هذا الاسم عبارة وصفية.

وسؤالنا الآن هو: هل نجد في أسماء الفئات ما وجدناه في العبارات الوصفية من نتائج؟ إذا كان أمامنا اسم لفئة، مثل «سكان مدينة القاهرة» و«النمل» و«أبناء الأغنياء» … إلخ، أَفَيَكون اسم الفئة هذا هو أيضًا رمز ناقص، بمعنى أن تعريفه مستحيل وهو قائم وحده، وأنه لا يتحتم أن يكون له مُسمَّيات في الواقع، وأننا نستطيع حين نُحلِّل الجملة التي يَرِد فيها اسم لفئة أن ننتهي إلى تحليل نستغني فيه عن الجزء الذي هو موضع التحليل مع احتفاظنا بمعنى الجملة التي نحلِّلها؟

يجيب «رسل» على هذه الأسئلة بالإيجاب، غير أنه يُلاقي في بحثه للموضوع صعابًا ومشكلات، يتغلَّب عليها تدريجيًّا في كُتُبه المختلفة التي عالج فيها الموضوع.

فلقد تناول الموضوع بالبحث أول ما تناوله، في كتاب «أصول الرياضة»،٣٠ وهناك ألفى نفسه مضطرًّا إلى الاعتراف بأن لاسم الفئة مدلولَين: مدلولًا يُفسِّره بمُسمَّياته الكثيرة، ومدلولًا آخر يُفسِّره بالصفة الواحدة المشتركة بين تلك المُسمَّيات الكثيرة.

فمثلًا كلمة «أعداد» ما مدلولها الخارجي؟ لها مدلولان، فيمكن اعتبارها رمزًا دالًّا على مجموعة كبيرة من الأعضاء، وهي الأعداد المختلفة: ١، ٢، ٣، ٤ … إلخ، كما يمكن اعتبارها رمزًا دالًّا على شيء واحد فقط، وهذا الشيء الواحد هو الصفة المشتركة التي تشترك فيها تلك الأعداد كلها اشتراكًا أجاز لنا اعتبارها أعضاءً لمجموعة واحدة، أو بعبارة المنطق التقليدي، نقول إن اسم الفئة له مدلولان: مدلول يتمثَّل في ما صدقاته، ومدلول يتمثَّل في مفهومه، أما متى نفهم من اسم الفئة مدلوله الأول، ومتى نفهم منه مدلوله الثاني، فيتوقف على السياق الذي يَرِد فيه، فإذا قلت مثلًا: «القردة المقيمة في حديقة الحيوان بالقاهرة مُستورَدة من أواسط أفريقيا.» كان مدلول اسم الفئة هنا (القردة المقيمة … إلخ) دالًّا على أفراد المجموعة، أما إذا قلت «القردة المقيمة في حديقة الحيوان بالقاهرة ليست من آكلة اللحوم.» كان اسم الفئة في هذه الحالة دالًّا على الصفة المشتركة بين أفراد الفئة، لا على الأفراد نفسها باعتبارها كثرة.

لكن «رسل» لم يلبث أنْ واجهته المشكلات إزاء هذا الرأي في اسم الفئة، فمثلًا ماذا نقول في الفئة الفارغة؟ وماذا نقول في الفئة ذات العضو الواحد؟٣١ فعبارة «الجبال الذهبية» اسم لفئة لا وجود لأفرادها، إذ ليس هنالك في العالم الواقع جبال من ذهب، وإذن فهو اسم لفئة فارغة، وعندئذٍ نكون إزاء اسم لفئة إن دلَّ على صفة معينة، فهو لا يدل على أفراد، أعني أنه يفقد إحدى الدلالتَين اللتَين سبقت الإشارة إليهما في تحليل أسماء الفئات، وكذلك الحال في الاسم الدال على فئة ليس فيها إلا عضو واحد، مثل «الكواكب التابعة للأرض»، فليس هنالك في هذه الفئة إلا القمر، وعندئذٍ أيضًا نجد أنفسنا إزاء اسم لفئة لا تنطبق عليه الأوصاف التي أسلفناها لأسماء الفئات، إذ قلنا إن اسم الفئة يدل من ناحية على أفراد كثيرة هي أعضاء الفئة، ومن ناحية أخرى يدل على صفة واحدة هي المشتركة بين تلك الأفراد الكثيرة، فها نحن أولاء نرى أنفسنا أمام اسم لفئة لا يدل على أفراد كثيرة، بل يدل على فرد واحد، وإلا فهل نحلُّ هذا الإشكال بقولنا إن اسم الفئة دالٌّ على معنًى واحد فقط، أي إنه رمز يرمز إلى كائن واحد؟ لكننا إن قلنا ذلك وقعنا في تناقض؛ لأن هذا الكائن الواحد الذي يرمز له اسم الفئة، يكون كثيرًا وواحدًا في آنٍ معًا، فهو كثير عندما ننظر إلى اسم الفئة من ناحية تسميته لأفراد الفئة، وهو واحد حين ننظر إليه من ناحية تسميته للصفة المشتركة بين تلك الأفراد.
ونترك كتاب «أصول الرياضة» الذي لم يستطع فيه رسل أن يَقطَع برأي واضح في موضوع الفئات، وننتقل إلى كتابه الرئيسي التالي، وهو «برنكبيا ماثماتيكا»٣٢ (أي أصول الرياضة)، فنراه قد خَطَا فيه الخطوة الحاسمة في تحليله لاسم الفئة، إذ جعله بمثابة دالة قضية،٣٣ وبهذا يتغلَّب على كثير من المشكلات الناشئة في شأنه، فمثلًا اسم الفئة «سكان مدينة القاهرة» تحليله هو دالة القضية «س ساكن في مدينة القاهرة»، ولك بالطبع أن تضع مكان «س» أي متغيَّر آخر: ص، ط، ع … إلخ، فدالة القضية إذن تُفسِح المجال للأفراد الكثيرين الداخلين في الفئة موضوع البحث، وفي الوقت نفسه لا تغفل الصفة المشتركة بين هؤلاء الأفراد،٣٤ أي إنها تواجه المطلبَين معًا: الكثرة من جهة، والوحدة من جهة أخرى، إذ إن هذَين الجانبَين هما الطابع الأساسي الذي يطبع اسم الفئة ويُميِّزه.

١٠

وماذا يفيدنا هذا التحليل في هدمنا للعبارات الميتافيزيقية؟ النقطة الهامة لنا هي أن اسم الفئة — كالعبارة الوصفية — رمز ناقص، أي إنه رمز بغير مرموز له، فعبارة مثل: «أبناء الأغنياء» أو مثل «طلبة كلية الآداب» ليست تُسمِّي كائنًا بعَيْنه، تستطيع أن تمسكه قائلًا: هذا هو «أبناء الأغنياء» أو ذلك هو «طلبة كلية الآداب»، إنما أنت في هذه الحالة بمثابة مَن يقول صيغة فيها فجوة فارغة، إذ أنت بمثابة مَن يقول: «س فرد من أبناء الأغنياء» أو «س فرد من طلبة كلية الآداب»، ومعنى ذلك أن هذه العبارة ذات الفجوة الفارغة لا تتحوَّل إلى كلام مفهوم ذي معنًى نصدِّقه أو نكذِّبه إلا إذا وجدنا الفرد الذي نضع اسمه مكان «س»، كأن نقول مثلًا: «إبراهيم محمد ثابت طالب من طلبة كلية الآداب»، عندئذٍ فقط يُتاح لنا أن نرجع إلى العالم الواقع لنرى إن كان هذا الكلام صادقًا أو كاذبًا، وعندئذٍ فقط يصبح الكلام ذا معنًى مُحدَّد مفهوم.

أما إن ظلت العبارة على صورتها الأصلية: اسمًا لفئة، فستظل بغير معنًى قائم بذاته؛ لأنها ستظل رمزًا ناقصًا، وخُذِ الآن هذا المثل الآتي؛ لأنه يوضِّح نوع المباحث التي تبحث فيها الميتافيزيقا: «العقول الإنسانية ليست من طبيعة الأشياء المادية.» فها هنا اسم لفئة، هو «العقول الإنسانية» كأن هناك جماعة من أفراد نتصوَّرها مجتمعة في طائفة واحدة، ونطلق عليها طائفة العقول الإنسانية، كقولنا مثلًا: «الخيول العربية» و«الكتب الإنجليزية» وهكذا، أليس من البَدَائِهِ الأوَّلية أننا لا يجوز لنا أن نبحث في القضية القائلة بأن العقول الإنسانية كذا وكذا، قبل أن نعرف على وجه التحديد ما هي أفراد هذه الجماعة التي نريد الحكم عليها؟

طبِّق على هذه الفئة نتيجة التحليل التي انتهينا إليها، نجد أن «العقول الإنسانية» دالة قضية، هي «س عقل إنساني»، ولا تتحوَّل الدالة إلى قضية كاملة إلا إذا وجدنا فردًا جزئيًّا نُحِلُّه مَحَلَّ «س»، فإذا وجدنا، أمكننا أن نمضي في تحقيق الزعم الأول بأن هذا الفرد الذي وجدناه، والذي هو واحد من جماعة العقول الإنسانية، ليس من طبيعة المادة؛ لأننا عندئذٍ سنجد شيئًا بين أيدينا وأمام أبصارنا يمكن وضعه موضع البحث، لنرى هل هو كالأشياء المادية الأخرى من خشب ونحاس وما إليهما، أم أنه مختلف عنها.

لكننا من جهة أخرى إذا ما عثرنا على هذا الفرد الذي يملأ مكان الرمز «س»، فقد عثرنا على شيء — كما قلتُ — نتناوله بأيدينا ونراه بأبصارنا أو نسمعه بآذاننا، وإذن فهو من الأشياء المادية التي تُلْمَس وتُرَى وتُسْمَع، فمجرد عثورنا على أي مثل يحقِّق لنا دالة القضية هو في ذاته دليل على تناقض العبارة الأصلية، إذ مجرد عثورنا على مدلول «س» بين الأشياء، هو في ذاته دليل على أنه من طبيعة الأشياء المادية.

وماذا لو بحثنا عن مدلول للرمز «س» فلم نجد؟ عندئذٍ تظل الصيغة دالة قضية، ذات فجوة فارغة، ولا يصح وصفها بصدق أو كذب؛ لأنها تُحدِّثنا عن «مجهول» (هو الرمز «س») أو قل إنها لا تُحدِّثنا عن «شيء» إطلاقًا، إلا إذا كان لهذا المجهول معلوم يَحُلُّ مَحَلَّه، فتتحوَّل الدالة بذلك إلى قضية يمكن مناقشتها وتحقيقها.

فلنذكر جيدًا أن أسماء الفئات — كالعبارات الوصفية — رموز ناقصة، ولنذكر جيدًا أنها لا يتحتم لمجرد وجودها أن يكون لها مُسمَّيات، فلو تذكَّرنا هذه الحقيقة ووضعناها نُصْبَ أعيننا ونحن نقرأ أقوال الميتافيزيقيين عن «النفس» و«العقل» و«الجمال» و«الخير» … إلخ إلخ، لكان أول ما نطالب به — لكي نفهم أقوالهم تلك — هو الأفراد الواقعية التي نضعها مكان المجهولات في دالات القضايا قبل أن ندعهم يمضون في الحديث، ولو طالبناهم بذلك لأُسْقِطَ في أيديهم؛ لأنهم في معظم الحالات لا يتحدثون عن «أفراد» وقعت لهم في خبراتهم، بل يقولون «كلامًا»، ثم يتخيَّلون أن للكلام مُقابِلات واقعية، ثم يَبْنون «كلامًا» على «كلام» وهم يتوهَّمون أنهم يصفون «أشياء».

فمجادلة الميتافيزيقيين الذين يتحدثون عن كائنات غير واقعة في مجال الحِسِّ، لا تكون على أساس مناقشة «نظرياتهم» ومحاولة إبدالها «بنظريات» سواها، بل تكون مجادلتهم بتحليل كلامهم نفسه، لنبيِّن لهم أن العبارات التي ينطقون بها، هي في ذاتها — لو حلَّلناها — دليل على أنها لا تدل على شيء.

(٣) نظرية الأنماط المنطقية

١١

هذه نظرية قال عنها «رسل» حين بحثها لأول مرة في كتابه «أصول الرياضة» إنها «محاولة اجتهادية تمهيدية … تتطلب كثيرًا من التعديل قبل أن تستطيع التغلُّب على جميع المشكلات [التي تصادفها في ميدان بحثها]»،٣٥ ثم يعود فيقول شيئًا كهذا حين يعود إلى بحث النظرية نفسها بعد ما يقرب من عشرين عامًا في كتاب آخر له هو «تمهيد للفلسفة الرياضية»، إذ يقول في هذا الكتاب عنها «إنها نظرية لا تزال في كثير من جوانبها مهوشة غامضة.»٣٦ لكن ذلك لا يدل على أنها قليلة الشأن هَيِّنَة الخطر، إنما يدل على أنها بحاجة إلى تضافر المجهودات من المناطقة المعاصرين لتجلية غوامضها، لعلها تزيد من الضوء الذي تُلْقيه على كثير من المشكلات الفلسفية المُفتعَلة التي تشغل الفلاسفة الميتافيزيقيين، مع أنها في حقيقة أمرها ليست إلا غموضًا وارتباكًا في طريقة التعبير.

وهاك خلاصة مُبسَّطة لنظرية الأنماط المنطقية:

أنت تعلم أن دالة القضية هي الصيغة المحتوية على رمزٍ لمجهول، حتى إذا ما استبدلنا بهذا المجهول اسمًا لمعلوم تحوَّلت الدالة إلى قضية، فقولنا: «س إنسان» دالة قضية، أما إذا وضعت اسم العقاد مكان «س» بحيث تحوَّلت العبارة إلى «العقاد إنسان» أصبحت قضية، وجاز لنا مراجعتها على الواقع لمعرفة صدقها أو كذبها في تصوير ذلك الواقع.

لكن الرمز الذي يكون في دالة القضية، لا يجوز لنا أن نستبدل به أي معلوم كما نشاء، بل هنالك طائفة من الأشياء هي وحدها التي يجوز لنا أن ننتقي من بينها شيئًا لنضع اسمه مكان الرمز «س» في دالة القضية، بحيث تتحوَّل الدالة إلى قضية مفهومة ذات معنًى، ومدى دائرة الأشياء التي يجوز أن ننتقي منها بديلًا للرمز «س»، هو تلك الأشياء التي إذا وُضِعَ اسم أحدها، أصبحت القضية الناشئة إما صادقة أو كاذبة، أما الأشياء التي لا يجوز أن نضع واحدة منها مكان الرمز «س» فهي تلك التي إذا وضعنا اسم أحدها، أصبحت العبارة كلامًا فارغًا من المعنى.

وإذن فنحن إذ نريد استبدال معلوم بمجهول، أعني حين نريد أن نضع اسم شيء معين مكان الرمز «س» في دالة القضية؛ لتصبح قضية، فإننا نجد أنفسنا إزاء حالة من ثلاث حالات ممكنة: (١) فإما أن نستبدل بالمجهول معلومًا يجعل القضية صادقة. (٢) وإما أن نستبدل بالمجهول معلومًا يجعل القضية كاذبة. (٣) وإما أن نستبدل بالمجهول معلومًا يجعل العبارة كلامًا فارغًا من المعنى.

في دالة القضية «س إنسان»، إذا وضعنا مكان «س» اسم العقاد، بحيث أصبحت العبارة «العقاد إنسان»، فإننا نحصل بذلك على قضية صادقة، وإذا وضعنا مكان «س» اسمًا لأحد أفراد الغوريلا، ولنفرض مثلًا أننا أطلقنا اسم «شيتا» وعلى فرد معين من أفراد الغوريلا، فقلنا: «شيتا إنسان» كانت القضية الناشئة قضية كاذبة، أما إذا وضعنا مكان الرمز «س» اسمًا لشيء ليس بين طائفة الأفراد التي يصلح وصفها بكلمة إنسان — صدقًا أو كذبًا٣٧ — فقلنا مثلًا «الفضيلة إنسان»، كانت العبارة كلامًا بغير معنًى.

ولكي نجتنب الوقوع في النوع الثالث من العبارات، وهي العبارات الخالية من المعنى، حاول «رسل» أن يضع القواعد التي تضبط استخدام دالات القضايا، ومن هذه القواعد تتألَّف نظرية الأنماط المنطقية.

والنمط المنطقي هو مجموعة الأشياء التي لو أخذنا منها واحدًا لنضع اسمه مكان رمز المجهول في دالة القضية، أصبح لدينا بذلك قضية ذات دلالة مفهومة، سواء كانت صادقة أو كاذبة، بعبارة أخرى: النمط المنطقي هو «المدى»٣٨ الذي تصلح كل «قِيَمِه»٣٩ لدالة القضية التي أمامنا، بحيث تجعلها قضية صادقة أو قضية كاذبة.

وقد تكون المجموعة التي تصلح لانتقائنا من بين أعضائها ما نضعه مكان الرمز في دالة القضية، مجموعة من أفراد، مثلًا في دالة القضية «س طالب في قسم الفلسفة»، كل قيمة نضعها مكان «س» لا بد أن تكون اسمًا لفرد معين من الناس (وقد تكون القضية المُتكوِّنة بعد ذلك صادقة أو كاذبة)، وإذن فالنمط المنطقي هنا هو أفراد، أي إننا نتكلم في مستوًى لا يصبح فيه الكلام ذا معنًى إلا إذا جعلنا موضوع حديثنا فردًا معينًا.

وقد لا تكون المجموعة التي نختار من بين أعضائها واحدًا لنضعه مكان الرمز في دالة القضية مجموعة من الأفراد، كما في الفقرة السابقة، بل قد تكون مجموعة من فئات، فقسم الفلسفة فئة من أفراد، وقسم التاريخ فئة من أفراد، وقسم اللغة العربية فئة من أفراد، أما «كلية الآداب» ففئة تندرج تحتها فئات؛ ولذلك نقول عنها: إنها فئة من فئات.

وقد نعلو درجةً، بحيث يصبح الأمر الذي أمامنا دالًّا على فئة من فئات الفئات، مثل كلمة «الجامعة»، فهذه تندرج تحتها فئات كبرى هي الكليات المختلفة، ثم كل فئة من هذه الفئات تندرج تحتها فئات صغرى هي الأقسام المختلفة في كل كلية على حِدَة، ثم كل فئة من هذه الفئات الصغرى يندرج تحتها أفراد.

على أننا لا بد في هذا الموضع أن ننبِّه إلى نقطة هامة، وهي تحديد كلمة «فرد»، فهذه الكلمة لا نريد بها في المنطق ذلك الجزء الذي لا يمكن تحليله إلى ما هو أبسط منه، بل الأمر هنا نسبي يتعلَّق بالسياق، «فالفرد» هو ما أنوي أن أجعله في حديثي «موضوعًا» أصفه بالصفات المختلفة، وأربطه مع غيره بالعلاقات المختلفة، هذا يكون في اعتباري فردًا مهما يكن تقسيمه ممكنًا، «فالقاهرة» فرد واحد، ما دمت سأصفها بصفات معينة كأن أقول «القاهرة عاصمة مصر.» أو «القاهرة مدينة حارة في الصيف.» أو ما دمت سأربطها مع غيرها بعلاقات، كأن أقول: «القاهرة شرقي النيل.» و«القاهرة أكبر من طنطا.» وهكذا، والمهم هو أنني إذا ما جعلت شيئًا ما «فردًا» وجب أن يظل في اعتباري فردًا من أول السياق إلى آخره، فلا يجوز أن أبدأ حديثي باعتباره فردًا، ثم أتحوَّل في وسط الحديث عن هذا المعنى إلى معنًى آخر هو اعتباره مُكوَّنًا من أفراد كثيرة.

والاسم الواحد قد نجعله فردًا في سياق، وفئة في سياق آخر، «فالجامعة» اسم لفرد في سياق، واسم لفئة في سياق آخر، فإذا قلت مثلًا: «أرسلت الجامعة خطابًا إلى وزارة المعارف» كان اعتباري لها هو أنها فرد، وإذا قلت: «إن الجامعة قوامها عشرون ألف طالب» كان اعتباري لها هو أنها فئة.

ولا أظنني بحاجة إلى تذكيرك بأن الاسم الدال على فرد واحد يكون بمثابة اسم العَلَم، وأما الاسم الدال على مجموعة أفراد فقد أطلقنا عليه اسم الفئة، ولقد أسلفنا لك تحليلًا لأنواع الأسماء الدالة على أفراد والأسماء الدالة على فئات.

١٢

نعود فنكرِّر أن الكلمة الواحدة في السياق الواحد، يجب أن يكون لها اعتبار واحد من حيث حسبانها فردًا أو فئة، أو بعبارة أخرى: يجب أن تظل الكلمة الواحدة طول السياق منتمية إلى نمط واحد، فإذا كانت الكلمة من نمط «فئات الفئات»، فلا يجوز أن نتحدث عنها كأنما هي من نمط «فئات الأفراد».

فافرض بعد هذا أن كلمة «إنسان» قد أوردناها في سياق معين على أنها فئة لأفراد، هم فلان وفلان وفلان إلى آخر أفراد البشر، فإن كلمة «إنسان» في هذه الحالة تكون بمثابة دالة قضية (راجع ما قلناه في الفئات) هي «س إنسان»، وتكون القِيَم التي تصلح أن توضع مكان «س» هي أسماء أفراد الناس، كقولنا «سقراط إنسان» و«العقاد إنسان» … إلخ.

ثم افرض كذلك أنني أريد أن أصف فئة «الإنسان» بأن أفرادها «عاقلون»، فإذا قلت «الإنسان عاقل» كان لا بد لي أن أفهم هذه العبارة على أنها دالة قضية، صيغتها هي «س إنسان وهو عاقل»، على أن القِيَم التي تملأ دالة القضية هنا أيضًا هي أسماء أفراد الناس، فنقول «سقراط إنسان وهو عاقل»، و«العقاد إنسان وهو عاقل» … إلخ، أما إذا ظننت أن «عاقل» تصف «إنسان» فإني أكون بمثابة مَنْ خلط بين نمط ونمط آخر، فما يصلح في السياق الواحد لنمط ما، لا يصلح لنمط سواه، وها هنا صفة «عاقل» جاءت لتصف أفرادًا، فلا يجوز بعد ذلك أن أنقلها من دائرة الأفراد إلى دائرة الفئات، وإلا وقعت في تناقض وخلط.

وبعبارة اصطلاحية نقول: إن دالة القضية لا تصلح هي نفسها أن تكون قيمة لنفسها، يعني أنه إذا كان لديَّ دالة قضية «س إنسان»، فلا يجوز أن أجعل هذه الدالة نفسها هي المعلوم الذي يوضع مكان «س»، بل ينبغي أن يكون مجال القِيَم من نمط أدنى درجة، وهو في هذه الحالة نمط الأفراد.

هل تذكر ما قاله أفلاطون في المُثُل؟ ألم يقل إن الأسماء الكلية — مثل «إنسان» — تشير إلى موجودات حقيقية واقعية؟ فعنده أن «الإنسان» بصفة عامة موجود في عالم الواقع، كما أن العقاد موجود في عالم الواقع، فإذا قلت له: لكني لا أرى بين الناس «إنسانًا» بصفة عامة، بل إن جميع مَن أراهم من الناس أفراد، ذوو صفات معينة مُخصَّصة، فهذا الفرد من الناس — مثلًا — مُتزوِّج وله وَلَدان وهو مَدِين بمائتَي جنيه لجاره، فأين هذه الصفات المخصصة المعينة من «الإنسان» العام الذي لا يكون له من الصفات إلا «الجوهر»؟ أقول: إنك لو سألت أفلاطون أين هذا «الإنسان» العام فإنه يجيبك بأنه موجود، لا في هذا العالم الأرضي، عالم الجزئيات المادية المتغيِّرة، بل في عالم علوي، هو عالم المُثُل الثابتة الأزلية الخالدة.

ولعلك تدرك الآن موضع الخطأ عند أفلاطون ومصدره، فهو يخلط بين الأنماط، فالكلمة التي تكون اسمًا لفئة في سياق ما، يجعلها في نفس السياق اسمًا لفرد واحد، إذ هو لا يمانع في أن يقول «سقراط إنسان»، على اعتبار أن «إنسان» فئة من أفراد بينهم سقراط وغيره، ثم يعود فيقول إن «الإنسان» اسم لفرد مثالي واحد، وبالطبع لا فرق بين أن يجعل سُكنى هذا الفرد المثالي في الأرض أو في السماء، فيكفي أنه قد تصوَّره فردًا، بعد أن جعله فئة من أفراد.

وهكذا تنشأ طائفة كبيرة من الأخطاء عند الفلاسفة الميتافيزيقيين؛ بسبب خلطهم الأنماط الكلامية بعضها في بعض.

١٣

إذا تحدثنا عن فئات، وجب أن نراعي بكل دقة ما يصح أن يكون أعضاءً في تلك الفئات، إذ لن يكون لكلامنا معنًى، إذا نحن أردنا أن نتحدث عن فئة من طراز معين، فصَرَفْنَا الحديث إلى أعضاء فئة من طراز آخر؛ لأن نمط الفئة يحدِّده نمط أعضائها، ففئات الدرجة الأولى — الدنيا — أعضاؤها أفراد، وفئات الدرجة الثانية أعضاؤها فئات، وفئات الدرجة الثالثة أعضاؤها فئات لفئات … وهكذا.

فإن كان لدينا دالة قضية، بها مجهول «س» وجب أن نستوثق جيدًا أن المعلوم الذي نحله محل الرمز «س» هو من النمط الذي يجعل للقضية معنًى، ولا يجوز أبدًا أن نستخدم دالة القضية التي أمامنا قيمة لمجهولها — كما أسلفنا القول — ولا أن نستخدم دالة أخرى من نمطها قيمة لذلك المجهول.

خُذْ هذا المثال التقليدي المشهور في كتب المنطق، قصة الرجل الأقريطي٤٠ الذي قال عن أهل بلده إقريطش (جزيرة كريت) إنهم جميعًا كذابون، لكن القائل نفسه هو أحد سكان بلده، وإذن فهو كذاب، وقَوْله هذا كاذب، وإذن فنقيضه صادق، وهو أن أهل إقريطش صادقون، والقائل واحد منهم، إذن فهو صادق، وإذن فقوله الأول بأن أهل إقريطش كذابون قول صادق، فمن ذلك يتبيَّن أن ذلك القول الأول قد وصفناه بالكذب وبالصدق معًا، وهذا تناقض، ومن ثَمَّ يكون الإشكال الذي تتحدَّث عنه كتب المنطق بمناسبة هذه القصة.

فأين مصدر الخطأ هنا؟ مصدره هو أننا جعلنا دالة القضية قيمة لنفسها، فالقول الأصلي الذي قاله الرجل عن أهل بلده، وهو أنهم كذابون، يمكن تحليله إلى دالة القضية الآتية: «س عبارة قالها رجل من أهل إقريطش، فهي عبارة كاذبة»، فإذا أحللنا هذا القول نفسه مكان «س»، كنا بمثابة مَنْ جعل دالة القضية قيمة لمجهولها، وهو ما حرَّمناه، لك أن تضع مكان «س» أي قول آخر مما يقوله أهل إقريطش إلا هذا القول؛ لأنه هو الدالة أو الصورة الفارغة أو القالب الذي أُعِدَّ لغيره كي يوضع فيه، أما القالب نفسه فلا يُصَبُّ في نفسه.

إذا لم نراعِ هذا المبدأ، نشأ ما يُسمِّيه «وايتهد» و«رسل» — في كتاب البرنكبيا — «مجموعات غير مشروعة»، أي إننا نعتبر مجموعة ما ليس بمجموعة إطلاقًا، ثم نمضي في الحديث على هذا الأساس فيكون الخطأ.

إن من مبادئ المذهب الوضعي المنطقي أن يُفرِّق بين القضية التحليلية (كقضايا الرياضة) والقضية التركيبية (كقضايا العلوم الطبيعية)؛ ليجعل لكل منهما معيارًا للصدق يختلف عن معيار الأخرى، فإذا لم تكن الجملة تحليلية ولا تركيبية، قلنا عنها إنها كلام فارغ من المعنى، لا يخضع لمعايير الصدق في صورتَيه. فها هنا ترى كثيرًا من الناقدين يتوجَّهون بالنقد الآتي إلى المذهب الوضعي المنطقي، يقولون: لكن قولكم هذا نفسه ما هو؟ أتحليلي هو كقضايا الرياضة، أم تركيبي كقضايا العلوم الطبيعية؟ إنه لا هذا ولا ذاك، وإذن فهو بحكم مبدئكم نفسه كلام فارغ من المعنى، وإنا لنعجب أن نرى بين القائلين بمثل هذا الاعتراض الأستاذ «بوبر» وهو المنطقي النابه، إذ يقول في ذلك ما يأتي: إن قول الوضعيين المنطقيين بأنه يستحيل وجود عبارات إلى جانب تلك التي تعبِّر عن حقائق العلوم الطبيعية وتلك التي تعبِّر عن الرياضة والمنطق، هذا القول في حد ذاته لا هو يعبِّر عن حقيقة من حقائق العلوم الطبيعية، ولا هو من قضايا الرياضة أو المنطق، وإذن فما أشبهه بمشكلة الكذاب [يقصد مشكلة إبمنديز التي ذكرناها توًّا].٤١

ومصدر خطأ هؤلاء الناقدين هو أنهم يضعون دالة القضية معلومًا لمجهول نفسها، كما شرحنا في المثل السابق، وهو ما لا يجوز؛ لأنه يتضمَّن خلطًا في الأنماط المنطقية إذ نضع نمطًا من القول مكان نمط آخر، ولزيادة التوضيح، افرض أن أمامك على الصحيفة عشرين جملة مكتوبة باللغة الإنجليزية، فقلت عنها جملة عربية هي:

«كل الجمل على هذه الصحيفة مكتوبة بالإنجليزية»، ثم تقدَّم لك ناقد بقوله: لكن جملتك الإضافية هذه ليست مكتوبة بالإنجليزية، فماذا أنت قائل له؟ ستقول له بالكلام اليومي المألوف: إن هذه الجملة العربية تحكم على غيرها ولا تحكم على نفسها، وهذا نفسه ما نحن قائلوه الآن بلغة الاصطلاح المنطقي عند «رسل»، وهو أن دالة القضية لا يجوز أن تكون قيمة لمجهول نفسها، أو بصورة أخرى: إنه إذا اقتضى مجهول ما في دالة قضية قيمة من نمط معين، فلا يجوز أن نضع قيمة له من نمط آخر.

إن جملتك العربية التي أضفتها لِتَصِف سائر الجُمَل، فقلت فيها «كل الجُمَل على هذه الصحيفة مكتوبة بالإنجليزية» هي تعميم لأفراد، لكنها هي نفسها من نمط آخر؛ لأنها دالة على فئة، وليست فردًا من الأفراد، فإذا كانت الدالة هي «س جملة مكتوبة بالإنجليزية»، فالقيمة التي يُنتظَر أن تملأ مكان «س» هي فرد، ولو وضعنا القيمة فئة، خلطنا بين الأنماط المنطقية، ووقعنا في الخطأ.

ونلخِّص الموقف السالف فنقول: إذا كانت لدينا مجموعة من مفردات جمعناها في فئة واحدة، فلا يجوز أن نعتبر الفئة كأنما هي عضو بين سائر المفردات الأعضاء، فمثلًا إذا جمعت القضايا المنطقية كلها في حُكْم واحد (أي في فئة واحدة)، وقلت عنها هذه العبارة الآتية: «كل قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة»، فلا يجوز بعد ذلك أن أقول عن هذه العبارة الأخيرة نفسها إنها قضية من القضايا التي تكون إما صادقة أو كاذبة، وإلا فلو فعلت ذلك، كنت كمَن ينظر إليها نظرته إلى أيَّة قضية أخرى ممَّا تجمَّع فيها من قضايا.

وما مؤدَّى هذا الكلام؟ مؤدَّاه أنه لا يجوز التحدُّث عن هذه العبارة الكلية: «كل قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة»، وكل حديث عنها هو من قبيل الكلام الفارغ من المعنى، إذ ماذا عساك قائل فيها ما دام مُحرَّمًا عليك منذ البداية أن تصفها حتى بمجرد كَوْنها صادقة أو كاذبة؟ إنك تتحدث عن حكم من الأحكام إذا جاز لك أن تناقش صدقه، أما إذا لم يجُزْ لك ذلك، فقد امتنعَتْ كل سبيل أمامك للكلام المفيد.

إننا إذا أضفنا الرمز الدال على المجموعة كلها إلى أفراد المجموعة، تكوَّن لنا بذلك ما يُسمِّيه «وايتهد» و«رسل» «مجموعة غير مشروعة»، أي إنها ليست مجموعة بالمعنى المفهوم لسائر المجموعات، وذلك يقتضي استحالة أن نقول شيئًا عن «كل أعضائها»، خُذْ هذا المثل الآتي — وهو مأخوذ من كتاب البرنكبيا: «كان لنابليون كل خصائص الرجل العظيم.» فهل نَعُدُّ هذا القَوْل نفسه صفة من الصفات التي يتصف بها نابليون، فتكون في مستوًى واحد مع بقية صفاته مثل الشجاعة وبُعْد النظر … إلخ التي يتحلَّى بها القائد العظيم؟ كَلَّا؛ لأنها صفة من نمط أعلى من سائر الصفات، بل قل إنها ليست صفة على الإطلاق، إنما هي عبارة تجمُّع سائر الصفات في فئة، فلا يجوز لنا أن نعدَّ الفئة المتجمعة فردًا من أفرادها كأي عضو آخر، فإن جاز لك أن تتحدث عن شجاعة نابليون، أو عن بُعْد نظره، فلا يجوز لك أن تتحدث عن «كل صفاته» جملة واحدة؛ لسبب بسيط، وهو أن «كل الصفات» ليس صفة من الصفات، إنه رمز يجمع بقية الرموز، لكنه هو نفسه لا يرمز في العالم الواقع إلى شيء.

وننتقل من هذا المَثَل إلى مَثَل شبيه به عميق الأثر في الفلسفة الميتافيزيقية التأملية التي نعمل على مَحْوِها وهدمها، فكم من فيلسوف يحدِّثك عن «الوجود» حين يقصد «بالوجود» كل الموجودات جملةً واحدة، أرأيت الآن كيف يجيء كل كلام عن «الوجود» كله دفعة واحدة كلامًا فارغًا بغير معنًى؟ لأن «الوجود» تعميم لمفردات، ولا يكون التعميم مفردًا من المفردات كأنه واحد منها؛ لأنه من نمط أعلى من نمطها، فما يجوز أن تحكم به على كل فرد على حِدَة، لا يجوز أن تحكم به هو نفسه على مجموعها كأنه هو الآخر فرد منها.

وبعبارة اصطلاحية أسلفناها لك مرارًا فيما مضى، نقول: إن أيَّة عبارة تتحدَّث عن «الوجود» هي عبارة فارغة لا تجوز منطقيًّا؛ لأنها استخدمت دالة القضية قيمة «لمجهول نفسها»، فاحكم بما شئت على هذا الكائن أو على ذاك؛ لأنه سيكون في مستطاعنا عندئذٍ أن نراجع حكمك على الكائن الفرد الذي تحكم عليه، لنرى إن كنت قد أَصَبْت أم أخطأت، لكن لا تحكم على مجموعة الكائنات كلها كأنها كائن واحد؛ لأن المراجعة عندئذٍ تستحيل علينا، وبالتالي لا يكون كلامك من الكلام المقبول المفهوم في شيء، إنه لا يكون كذبًا فحسب، بل يكون كلامًا فارغًا من المعنى.

الكلام الفارغ منطقيًّا هو الذي يجعل قيمة المجهول في دالة القضية من نمط غير النمط المطلوب، فلو كانت دالة القضية هي: «س إنسان»، فلا تكون القضية المُستحدَثة ذات معنًى إلا إذا اخترنا للرمز «س» قيمة من نمط معين، هو نمط الأفراد، فنقول: «العقاد إنسان»، لكن الكلام يكون فارغًا بالمعنى المنطقي إذا وضعنا مكان الرمز «س» قيمة من نمط آخر، فنقول مثلًا: «الحكمة إنسان» أو «الناس إنسان».

وإذا كانت دالة القضية هي «س كثير»، فإن العبارة المتكوِّنة تكون فارغة من المعنى لو وضعنا اسم «العقاد» قيمة للرمز «س»، فنقول: «العقاد كثير»، لكنها تصبح ذات معنًى لو قلنا: «الناس كثير»؛ لأن القيمة المطلوبة هنا — على خلاف المثل السابق — لا بد أن تكون فئة لا فردًا واحدًا. وهكذا ترى لكل دالة — أعني لكل سياق — نمطًا يصلح وأنماطًا لا تصلح، والخلط في ذلك مَدْعَاة إلى الخطأ.

إننا نكرِّر هنا ما قلناه في موضع سابق، وهو أن مهاجمة الميتافيزيقا التأملية لا تكون بمناقشة «نظرياتها»، إذ لا «نظرية» هناك تُناقَش، بل المهاجمة تكون بتحليل عباراتها؛ لبيان خلائها من المعنى.

ونعود إلى مَثَل «الوجود»، فلو قال فيلسوف مثالي: «الوجود واحد» فيكفيك للرد عليه أن تحلِّل له هذه العبارة نفسها تحليلًا يكشف عن حقيقة تركيبها، وعندئذٍ سيرى معك أنها لا تحمل معنًى، وبالتالي لا تعبِّر عن «نظرية» كائنة ما كانت؛ لأن دالة القضية «س واحد» يحتاج رمزها «س» إلى قيمة من الأشياء التي تُعَد بالواحد، أعني تحتاج إلى شيء من نطاق «الأفراد»؛ كي تصبح قضية مفهومة، أما إذا أحللت محل الرمز «س» فئة، فقد قفزت من نمط إلى نمط آخر، وقد أسلفنا القول بأن الكلام الفارغ منطقيًّا هو الذي يجعل قيمة المجهول في حالة القضية من نمط غير النمط المطلوب، إن كلمة «الوجود» تساوي «كل الموجودات»، وإن جاز لك أن تحكم على كل موجود على حِدَة، فلا يجوز أن تحكم على «كل الموجودات»؛ لأن العبارة التي تبدأ بقولنا: «كل الموجودات» هي عبارة تعمِّم أحكامًا كثيرة مُتفرِّقة قيلت عن الموجودات وهي فرادى، أي إنها تلخيص لأحكام سبق الحكم بها على مفردات، فلا ينبغي أن تكون هي بدورها موضوع حكم، ولو فعلنا لَما اقتصرنا على الوقوع في الخطأ، بل لتجاوزنا حدود الخطأ إلى حيث الكلام الخالي من المعنى.

إن لأفلاطون عبارة عجيبة في محاورة «بارمنيدس» يقول فيها ما ملخصه: إنه إذا كان هنالك العدد ١، إذن فالعدد ١ له وجود، لكن العدد ١ وصفة الوجود ليسا متطابقَين تطابقًا ذاتيًّا يجعلهما شيئًا واحدًا بذاته، وإذن فهما اثنان، وإذن فهناك العدد ٢، وإذا ضممنا العدد ٢ إلى العدد ١ وإلى صفة الوجود كان لنا بذلك مجموعة عددها ثلاثة وهكذا، وهكذا تستطيع أن تمضي في مثل هذا التفكير حتى يتكامل لديك ما شئت من أعداد. ويقول «رسل» تعليقًا على هذا التفكير الأفلاطوني: إنه فاسد بما فيه من أغاليط، من ذلك «أن كلمة الوجود ليست بذات معنًى مُحدَّد»، أضف إلى ذلك أنه حتى لو اختُرِعَ لها معنًى مُحدَّد؛ لوجدنا أن ليس للأعداد وجود؛ لأن الأعداد في حقيقة أمرها «تصوُّرات منطقية».٤٢

إن القارئ لكثير جدًّا مما كتبه الفلاسفة الميتافيزيقيون، لو أراد محاسبة هؤلاء الفلاسفة على المعاني الدقيقة التي ينبغي أن تكون لكل كلمة وكل عبارة؛ لدهش دهشة بالغة مما يتحوَّل إليه معظم ما كتبوه، إذ إنه سرعان ما يتحوَّل في ضوء التحليل إلى كلام لا دلالة له ولا معنى.

١  Russell, B., An Inquiry into Meaning and Truth، ص٣٢٨.
٢  Fritz, Charles, Bertrand Russell’s Construction of the External World.، ص٤٦.
٣  Descriptions.
٤  Ramsey, F. P., Foundations of Mathematics، ص٢٦٣.
٥  رأي رسل في تحديد العبارة الوصفية قد تغيَّر في مؤلَّفاته المختلفة، فهو في كتاب «برنكبيا ماثماتيكا» (ص٣٠، ٦٦، ١٧٣ من الطبعة الثانية) يجعل معناها قاصرًا على العبارة الدالَّة على فرد واحد، كقولنا: «مؤلِّف كتاب الأيام»، ثم يعود فيجعلها نوعَين؛ أحدهما ما يدل على فرد واحد كما في المَثَل المذكور، وثانيهما ما ينطبق على أفراد كثيرين من جنس واحد كقولنا: «رجل»، وسنكتفي هنا بالاستعمال الثاني.
٦  An Introduction to Mathematical Philosophy، ص١٦٧.
٧  Definite.
٨  Indefinite.
٩  يحدِّد المؤلِّف صورة الخاصة بعبارة: the so-and-so، وصور العامة بعبارة a so-and-so، ولم نستطع نقل هاتَين الصورتَين إلى مقابلات دقيقة في العربية، فاخترنا للأولى عبارة «معرفة فرد بذاته»، وللثانية كلمة «نكرة».
١٠  Existence.
١١  Subsistence.
١٢  راجع دالة القضية في كتابي «المنطق الوضعي».
١٣  Russell, Introduction to Math. Philosophy، ص١٦٩.
١٤  Russell, Introduction to Math. Philosophy، ص١٧٨.
١٥  نفس المرجع السابق، ص١٧٧. لاحظ أن «ويفرلي» مجموعة قصص، ومؤلفها هو «وولتر سكت».
١٦  يقول «مور» تعليقًا على هذا التحليل: إن القضية (٣) تتضمَّن القضية (١)، إذ لا يمكن فهم (٣) وهي «أيًّا مَن كان كاتب ويفرلي فهو اسكتلندي» دون افتراض القضية (١) وهي أن «أن شخصًا واحدًا على الأقل كتب ويفرلي»، وعلى ذلك تكون القضيتان (٢) و(٣) وحدهما كافيتَين لتضمُّن الجملة الأصلية.
ثم يضيف «مور» إلى ذلك النقد، قوله: إن العبارة التي كان يمكن أن يضعها «رسل» بدل القضية (٣) بحيث يصدُق بعد ذلك كلامه كله، هي: «لم يكن ثمة شخص كتب ويفرلي ولم يكن اسكتلنديًّا»، فهذه العبارة الجديدة — كما يقول «مور» — لا تتضمَّن القضية (١)، بدليل أن القضية (١) قد تكون كاذبة وتظل هذه صادقة، فكأنما هذه العبارة الجديدة هي التي كان يقصدها «رسل» في تحليله، لكنه لم يوفَّق في توضيح قصده توضيحًا دقيقًا.
راجع: Moore, G. E., Russell’s Theory of Descriptions (The Philosophy of Russell, ed. Schilpp).
١٧  نفس المرجع السابق، ص١٩٣.
١٨  Incomplete symbol.
١٩  Russell and Whitehead, Principia Mathematica، ص٦٦.
٢٠  المرجع السابق نفسه، ص٦٧.
٢١  Ayer, A. J., Language, Truth and Logic، ص٣٣ من مقدمة الطبعة الثانية.
٢٢  Knowledge by Acquaintance.
٢٣  Knowledge by description.
٢٤  راجع تفصيل نظرية المعرفة عند رسل، وقسمة المعرفة إلى ما هو بالاتصال المباشر وما هو بالوصف، في كتابَيه:
Mysticism and Logic.
Problems of Philosophy.
٢٥  Russell, Problems of Philosophy، ص٩١.
٢٦  المكان نفسه من المرجع نفسه.
٢٧  Russell, Proc. of Aristotelian Society, 1911، ص١٢٨.
٢٨  Ayer, A. J., Language, Truth and Logic، ص٦١.
٢٩  هذه النظرية هي في أساسها نفس النظرية التي أسلفنا شرحها عند الكلام على العبارة الوصفية العامة، لكن أفردنا لها جزءًا خاصًّا؛ لأن «رسل» أفرد لها فصولًا كثيرة من كُتُبه المختلفة.
٣٠  Principles of Mathematics (1903)، الفصل الخامس.
٣١  راجع شرح الفئة الفارغة والفئة ذات العضو الواحد في كتابي «المنطق الوضعي».
٣٢  Principia Mathematica، الجزء الأول، ص٧١.
٣٣  راجع شرح دالة القضية في كتابي المنطق الوضعي.
٣٤  Russell, Introduction to Mathematical Philosophy، الفصل ١٧.
٣٥  Principles of Mathematics، ص٥٢٣.
٣٦  Introduction to Mathematical Philosophy، ص١٣٥.
٣٧  يفرِّق «رسل» بين نطاق الصدق ونطاق الدلالة المفهومة، فالجمل الصادقة جزء من الجمل ذوات الدلالة المفهومة، لكن ما كل ذي دلالة مفهومة صادق، فالكلام قد يكون ذا دلالة مفهومة، لكنه مع ذلك كاذب، فقولي مثلًا: إن ٢ + ٢ = ٥ ذو دلالة مفهومة لكنه غير صحيح، وكلا هذَين النطاقَين مما يقبله المنطق، إذ يكفي المنطقي من العبارة أن تكون ذا دلالة مفهومة، وأما التمييز بين صدقها وكذبها، فيقع على عاتق العالِم الذي من شأنه أن يقارن العبارة الكلامية بالواقع؛ ليرى إن كانت تُصوِّره أو لا تُصوِّره، أما الذي لا يقبله المنطق فهو العبارة الفارغة من المعنى، التي لا يجوز وصفها بصدق أو كذب (راجع أصول الرياضة، ص٥٢٣).
٣٨  اسمه بالإنجليزية range.
٣٩  نحن هنا نستعمل مصطلحات معروفة في الرياضة، فإذا كان الرمز س في صيغة رياضية يرمز إلى العدد ٣ مثلًا، قلنا: إن ٣ هي قيمة س، وكذلك في المنطق الرمزي، نطلق كلمة قيمة value (وجمعها قِيَم) على الاسم الذي نضعه مكان الرمز في دالة القضية لتتحوَّل إلى قضية، فاسم «العقاد» هو قيمة س إذا ما وضعناه مكانها في الدالة «س إنسان»، لتصبح «العقاد إنسان».
٤٠  اسمه Epimenides؛ ولذلك كثيرًا ما تُسمَّى المشكلة بمشكلة إبمنديز أو مشكلة الكَذَّاب.
٤١  Popper, K. R., What Can Logic do for Philosophy? (Arist. Soc. Supp. Vol. XXII, p. 143).
٤٢  Introduction to Mathematical Philosophy، ص١٣٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠