جيشنا

كان عيد الجلاء الأخير جلاء لجيشنا الفتيِّ، فأدهش تنظيمه النظارة — وأكثرهم من كبار الدبلوماسيين والملحَقين العسكريين — فنوَّهت الصحف به وبأمير لوائه الشهابي، فقلت في نفسي يومذاك: هذا سياج الحِمى قد شبَّ عن الطَّوْقِ، ألا بارك الله بالعهد وبسيده البنَّاء.

ثمَّ طالعت ما قاله الكولونيل ديلالند — مخترع قنبلة الدفاع ضد الدبابات، بعدما شهد عرض عيد الجلاء: «إنَّ قوة النيران في القطع التي مرَّت أمامي تلفت النظر وتستأثر به. إنَّها لقوة عظيمة لم يُجهِّز جيشٌ جنودَه بمثلها، وهي تضاعف عدده إن لم تُثلِّثه وتُربِّعه.»

وقرأت ما أذاعه المستر والتر كولنز — مدير وكالة برقيات يونايتد بريس: الجيش اللبناني صغير، ولكن معنوياته كبيرة.

فتذكَّرت ما قاله نابليون: «أعطني جيشًا قوي المعنويات؛ أكتسح به الدنيا.»

وإذا شكَّ الأستاذ شمعون النائب بقول الصحفي الأمريكي، والقائد العظيم الفرنسي، فما إخاله يشكُّ بقول أكبر كاتب عسكري بريطاني معاصر؛ الكابتن ليدل هارت.

لا شك في أنَّ الأستاذ قد عرفه حين مكث بلندن ثلاث سنوات ممثِّلًا لبنان.

قال هذا الكاتب — بعدما استعرض جيوش الشرق الأوسط بمناسبة ما تتمخَّض به الأيام من الأحداث الخطيرة: «إنَّ على الجيش اللبناني المؤلَّف من خمسة آلاف جندي أن يحمي حدودًا طولها مئتا كيلو متر ونيف، إلا أنَّه ربَّما لا يمكن الاعتماد عليه في مقاومة طويلة النفس.»

أفلا يكفي خمسة آلاف نفر فخرًا أن يقاوموا قوَّات كالجراد الزحاف مقاومةً قصيرة النفس؟

إنَّنا لم ننسَ بعدُ قول الجنود الأستراليين عام ١٩٤١م: كنَّا نظن أنَّ المقاومين جنود ألمان، ولم نحسب قط أنهم جنودٌ لبنانيون.

أما كان الأجدر بالنائب الأستاذ شمعون أن يشجِّع ولا يفزِّع؟

ولماذا لا يستحقُّ الجيش ثناءه بعد الانتخابات كما استحقَّه قبلها؟

أينسى وننسى من شوَّه منه وعوَّه، ومن طرش وعمِي، ومن أُقعد وقُتل دفاعًا عن الحدود حتَّى شهد له العدو بمضاء العزيمة، وعناد الدفاع؟ والفضل ما شهدت به الأعداء.

أليس عجيبًا غريبًا أن يتكلَّم ابن الشوف، ذاك العرين اللبناني الذي نما فخر الدين فيه، وعرف بسالة البشير وجنوده، فيُضعف معنويات جيش مترعرع لأجل معارضة ذاهبة؟

إذا جاز أن تتناول الحملات بعض الشئون الأخرى؛ فلا يصح أبدًا أن تتناول معنويات الجيش المقدَّسة، وهي أقوى العتاد.

أنظلُّ ماسكين ﺑ «الناضور» بالمقلوب؟

قوِّموه على الأقل حين تنظرون إلى جيشٍ يحميكم؟

أكلما دقَّ الكوز بالجرَّة نصرخ: فلسطين، ثمَّ نتأوَّه وننوح؟

إنَّ عملًا واحدًا مثمرًا لخيرٌ من ألف مأتم.

وإذا كان هذا تشجيعنا لجيشنا، أفتحمي حدودنا أنانيتنا الضيقة العين؟

إنَّ الناضور المقلوب يرينا كلَّ شيء ضئيلًا، حتَّى الجيش الذي قال فيه الكولونيل زنبل أحد أركان حرب إسرائيل: إنَّ جيش لبنان صغير بعدده، ولكن ضباطه أذكياء جدًّا، وثقافتهم العسكرية واسعة جدًّا.

ألا بارك الله بالعهد، وبسيد هذا العهد، وبقائد جيش العهد، وبكل سيفٍ من سيوف العهد.

وبورك بالأستاذ شمعون مجاهدًا، وسدَّد خطاه نائبًا، وجمَّله بالإنصاف معارضًا، كيلا يرى كل شيء لا شيء … حتَّى الجيش.

عالية، ٢ / ٧ / ١٩٥١م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١