الفصل الثاني

الإقليم داخل الإطار المعرفي وخارجه

(١) مقدمة

يمكن مراجعة الممارسات الإقليمية البشرية في فترات الانحسار والتراجُع من التاريخ الإنساني، والحقُّ أنَّ الإقليمية في أشكالها المتنوِّعة عادةً ما يتم تطبيعها كضرورةٍ بيولوجيةٍ (أردلي ١٩٦٦)، وكغريزةٍ بدائية (جروسبي ١٩٩٥)، وكظاهرةٍ مستمرةٍ بالأساس في ظل إظهار الرئيسيات وجميع الفصائل الحيوانية للإقليمية (تايلور ١٩٨٨). وبالتأكيد يمكن، داخلَ السجل التاريخي للغرب، تحديدُ بقايا تمتدُّ من أفلاطون إلى مونتسكيو تدعم فكرةَ وجودِ جوهرٍ راسخٍ لماهية الإقليمية في الأساس؛ وأنها أساسية من ناحيةٍ ما (انظر، على سبيل المثال، المختارات لدى كاسبرسون ومينجي ١٩٦٩). غير أن التنظير الصريح للإقليم والإقليمية هو ظاهرة حديثة نسبيًّا ظهرت في ظل مجموعةٍ محددةٍ من الظروف السياسية (الجغرافية) والتاريخية. علاوةً على ذلك، فإن الاعترافَ بالإقليمية كمفهومٍ موضعِ نزاعٍ (وغير جوهري)، أو كمجموعةٍ من الأفكار، والصور، والممارسات البالغة الإشكالية والجديرة بالتدقيق النظري؛ يُعَدُّ إلى حدٍّ كبيرٍ تطوُّرًا نشأ بالأساس طوال الثلاثين عامًا الماضية.

كان موضوع الإقليم مسألةً جوهريةً نوعًا ما في مجموعةٍ من الاختصاصات الأكاديمية، وقد كان بالنسبة إلى البعض منها، مثل مجال العلاقات الدولية والجغرافيا البشرية، في غاية الأهمية؛ وكان بالنسبة إلى البعض الآخَر، مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، محورَ اهتمامٍ أكثر تخصُّصًا لمجالاتٍ فرعيةٍ مثل الأنثروبولوجيا السياسية، وعلم الاجتماع الحضري، وعلم النفس البيئي. وقد كان معنى الإقليم وأهميته بالنسبة إلى كل مجالٍ مشروطَيْن بشكلٍ قويٍّ بمحاور الاهتمام الخاصة بمجال الدراسة التابع لكل فرعٍ معرفي، مثل: السيادة (العلاقات الدولية)، أو الثقافة (الأنثروبولوجيا)، أو الخصوصية (علم النفس)؛ لذلك قد تبدو للوهلة الأولى الصلةُ التي تربط بين الأدوار التي يلعبها الإقليم في أساليب الخطاب التخصصية محدودةً. غير أنه عند النظر إليها عبر مجموعةٍ من مثل أساليب الخطاب هذه، نجد أن المفاهيم المتعددة للإقليم مدعومةٌ بمجموعةٍ مشتركةٍ من الافتراضات السابقة الجوهرية.

ينقسم هذا الفصل إلى جزأين؛ في الجزء الأول أعرض دراسةً لكيفية معالجة الإقليم في مجموعةٍ من أساليب الخطاب التخصصية، وفي ظل العدد الكبير من الفروع المعرفية وقيود المساحة لهذه «المقدمة القصيرة»، لا أدَّعِي أنني سأعرض أي شيءٍ يقترب بأي حالٍ لأنْ يكون دراسةً شاملة؛ فبحكم الضرورة ثَمَّةَ جزءٌ كبيرٌ لم يُتطرَّق إليه وكان ينبغي إدراجه بلا شك، وما هو مُدرَجٌ مُعالَجٌ معالجةً سريعة نوعًا ما. والأهداف من وراء ذلك هي إبراز بعض الإنجازات الأساسية التي جلبها كل مجالٍ إلى فهمنا للموضوع، واستكشاف الدور الذي تلعبه المفاهيم الخاصة بالإقليم فيما يتعلق بالمسائل الأساسية التي تعالجها هذه الفروع المعرفية. كذلك أشير إلى ثغراتٍ وأَوجُهِ تفكُّكٍ مهمةٍ تُميِّز هذه المناهج المعرفية. والحق أن أفضل شكلٍ يمكن أن ننظر به إلى هذا الجزء هو أن نعتبره استكشافًا ﻟ «الأقلمة الأكاديمية للإقليم»؛ لأن الاختصاصات المعرفية المختلفة استخدمت المفاهيم الخاصة بالإقليم استخدامًا تقليديًّا من أجل تعيين حدودٍ لمحاور اهتمامها الأكثر محوريةً، وتمييز أنفسها عن الفروع والمجالات الأخرى.

في الجزء الثاني أستكشِفُ مجموعةً من المشروعات المتعددة الاختصاصات المعرفية (كلاين ١٩٩٠)، التي ترفض صراحةً هذه الأقلمة للإقليم، وتسعى لتوضيح بعضٍ ممَّا أُضفِيَ عليه غموضٌ بفعل أساليب الخطاب التخصُّصية الأكثر تقليدية؛ بل إنه من الممكن إثبات أن هذه المشروعات المتعددة الاختصاصات هي في حد ذاتها، جزئيًّا، نواتجُ للتفكير في عمليات إعادة التشكيل الإقليمي في العالَم، مثل تلك المرتبطة بالخصخصة وما بعد الاستعمارية.

(٢) الإقليم ومجالاته المعرفية

(٢-١) العلاقات الدولية

لا شك أن الدولة الإقليمية، وتكتلات الدول، وحدودها المرتبطة بها التي تُغطي الأرض المأهولة على نحوٍ شامل؛ هي من بين التعبيرات الأهم للإقليمية في العالم الحديث؛ فهذه المصفوفة المكانية، بطرقٍ عدة، تدعم أو تعتبر محطَّ انتباهِ معظم التخصُّصات المعرفية الاجتماعية (أجنيو ١٩٩٣). فالدولة، التي يُنظَر إليها تقليديًّا باعتبارها «حاوية» شبه طبيعية ﻟ «مجتمعها» المقترن بها، «عملت بمنزلة دوامةٍ تمتص العلاقات الاجتماعية لتُشكِّلها من خلال إقليميتها» (تايلور ١٩٩٤، ١٥٢).

من بين التخصُّصات المعرفية، التي يُعَدُّ الإقليم محورَ اهتمامٍ جوهريٍّ لها، العلاقاتُ الدولية. ولكن حتى في هذا الصدد، كما يدَّعِي روجي، «من المدهش حقًّا أن مفهوم الإقليمية قد دُرِس دراسةً محدودةً من قِبل طلاب السياسة الدولية؛ فإهماله أشبه بعدم النظر مطلقًا إلى الأرض التي يمشي عليها المرء» (١٩٩٣، ١٧٤). والمقصود بهذا هو أنه بينما يُعَدُّ الإقليم محورَ اهتمامٍ جوهريٍّ لمجال العلاقات الدولية، فإن «ماهية» الإقليمية و«كيفية» عملها عادةً ما تُفترضان فقط دون أن تُستكشَفَا؛ سواءٌ على نحوٍ نقديٍّ أو على أي نحوٍ آخَر؛ فالإقليم يُعيِّن حدود «الداخل» و«الخارج» المؤسسين للدول؛ فهو يعمل على تمييز المحلي عن الأجنبي، والقومي عن العالمي. ولكن هذه الاختلافات بدورها تعمل على دعم هوية العلاقات الدولية في مقابل العلوم السياسية؛ فكما كتب أجنيو: «لقد كان التقسيم الجغرافي للعالم إلى دولٍ إقليميةٍ متعارِضةٍ هو ما عمل على تحديد مجال الدراسة» (أجنيو وكوربريدج ١٩٩٥، ٧٨). والفكرة المعلنة في الغالب هي أن «السياسة»، على وجه التحديد، يمكن أن تظهر فقط «داخل» مجتمعٍ سياسيٍّ محددٍ إقليميًّا؛ ﻓ «العلاقات» المتنوعة بين الدول ذات السيادة (بين الأماكن) لا يمكن وصفها وصفًا دقيقًا بأنها «سياسة»، بل حنكة سياسية. بتعبيرٍ أبسط، «النظام داخلَ حدود الدولة دراستُه متاحةٌ للآخَرين» (أجنيو وكوربريدج ١٩٩٥، ٨١). وهذا ببساطةٍ تأكيدٌ على أن مفهومًا معيَّنًا للإقليم يُعَدُّ موضعًا محوريًّا للاهتمام المعرفي، ومقومًا للعلاقات الدولية كتخصُّصٍ مستقل.

تُعَدُّ الدولة الإقليمية و«منظومة» الدول الشاملة عالميًّا تطوُّرًا حديثًا نسبيًّا في العالم؛ فعلى الرغم من وجود سوابقَ مشابهةٍ في الماضي، ظهرتْ منظومةُ الدول الإقليمية الحديثة في أوروبا الحديثة في بدايتها كحلٍّ عمليٍّ جزئيٍّ لعددٍ من المشكلات المحلية والمحتمَلة تاريخيًّا، المرتبطة بالفترة الانتقالية الطويلة المدى من الإقطاعية إلى الرأسمالية. وقد صِيغَتِ الإقليمية كتعبيرٍ مكانيٍّ عن فكرة السيادة الحصرية في عددٍ من المعاهدات، مثل معاهدة وستفاليا (١٦٤٨)، ومعاهدة أوترخت (١٧٠٣) (كريسنر ٢٠٠١؛ تيشة ٢٠٠٣). ولكن الأمر استغرق ٣٠٠ عام — ثم بضعة أعوامٍ أخرى — لتصبح الأداة المكانية المنظمة على مستوًى كوكبي. وجزء من الكيفية التي يمكن بها فهْمُ العمليات العالمية التاريخية الخاصة بالإمبريالية، والاستعمارية، وتصفية الاستعمار، والتحرير الوطني؛ هو فهمها باعتبارها الفرضَ التدريجيَّ والانتقائيَّ لهياكل الدولة ذات الطابع الإقليمي على الشعوب غير الأوروبية والمقاومة، والتكيُّف أو القبول الانتقائي لهذه الأمور من جانب الخلفاء القوميين. وأيًّا كان الأمر، فمن المهم أن نتذكر أن الدولة الإقليمية السيادية كانت ظاهرةً عالميةً لأقل من ٦٠ عامًا.

يرتبط الإقليم في هذا الإطار الفكري ارتباطًا وثيقًا بمفهوم «السيادة» كشكلٍ خاصٍّ من أشكال السلطة (كريسنر ١٩٩٩؛ ووكر ومندلوفيتش ١٩٩٠). والحق أن السيادةَ الحديثةَ غيرُ قابلةٍ للانفصام عن الإقليم الحديث؛ فعلى الصعيد الشكلي، أن تكون «ذا سيادة» يعني أن تمتلك سلطةً مطلقةً داخل حيزٍ إقليمي، ولا تعاني أيَّ تدخُّلٍ من قِبل أي أطرافٍ خارج هذا الحيز، وحدودُ الحيز تُقرِّر حدودَ السلطة، وأيُّ تدخُّل من هذا القبيل يُفهَم أنه يهدِّد سلامَ الدولة؛ ومن ثَمَّ يهدد استمرار وجودها؛ لذلك، من المفهوم أن أي تدخلٍ أو اعتداءٍ يُحفِّز استخدامَ حقِّ الدفاع بأي وسيلةٍ تقتضيها الضرورة. ومفهوم السيادة الإقليمية، «على الصعيد الشكلي»، يستتبع المساواة بين الدول السيادية الذاتية الإعلان عن استقلالها، مثل: أوزبكستان، وسيشل، والمكسيك، والولايات المتحدة. أما «على الصعيد العملي»، فيوجد تدرُّج هرمي متغيِّر تاريخيًّا ومتنوِّع إقليميًّا للدول، من شأنه تعقيد هذه المساواة الشكلية (كلارك ١٩٨٩).

وقد وَضعَت العلاقات الدولية على نحوٍ تقليدي عددًا من الافتراضات بشأن الإقليم وعلاقته بالسيادة؛ ولكن، على نحوٍ أساسي، تسلم العلاقات الدولية بأن «الشكل الحديث للإقليمية … قائمٌ على حدودٍ خطيةٍ ثابتةٍ تفصل المساحات المتصلة والمتعارضة» (روجي ١٩٩٣، ١٦٨). ومن المفهوم أن هذه الحدود تُميز اختلافاتٍ واضحةً وغير مبهمةٍ بين الدواخل والخوارج، والعلاقات المحلية والخارجية، والمُواطن والأجنبي. وهذه الحدود، بالطبع، من بين أهم فئات الحياة الاجتماعية الحديثة. ووضوح وبساطة الإقليم والحدود يضمنان وضوح وقطعية السلطة السيادية. ولكن نظرية العلاقات الدولية تتفهَّم هذه الحدود أيضًا بطرقٍ خاصةٍ نوعًا ما، وفهْمُ التداعيات التي يُتخيَّل أنها تنبثق من هذه «الكينونة المكانية»، بحسب تعبير أجنيو (١٩٩٨)، هو جلُّ مضمونِ نظرية العلاقات الدولية.

في الخطاب الخاص بنظرية العلاقات الدولية يكون لحد الدولة معنًى آخَر أعمق؛ فهو لا يُميِّز الحدود الخارجية للسلطة الشرعية أو النقاط الواقعة على طول أي خطٍّ تتَّصِل عنده الدول ذات السيادية المتجاورة فحسب، بل أيضًا يُميِّز الاختلاف المطلق بين «المجتمع» و«الفوضى». والفوضى في هذا المقام مصطلح متخصص يُشير ببساطة، في أبسط استخدامٍ له، إلى «غياب» السيادة. ولكن إذا كانت «السيادة» تُشير ضمنًا إلى «نظام سياسيٍّ متجانسٍ ومتماسك» (آشلي ١٩٨٨، ٢٣٨)، وإذا كان «مجال السياسة المحلية … هو المجال الذي يصل فيه المجتمع إلى أقصى درجات البراعة والكمال» (آشلي ١٩٨٧، ٤١٢)؛ فإن «الفوضى، في المقابل، تُشير إلى مجالٍ من الالتباس واللاتحديد، مجالٍ من المخاطر والمخاوف قد يضع الوجود المحض للدولة السيادية في خطر» (آشلي ١٩٨٨، ٢٣٨). إذًا، نظرية العلاقات الدولية لا تفترض فقط مفهومًا بعينه للإقليم (بوصفه واضحًا ومغلقًا وثابتًا)، ولكنها تميل أيضًا إلى تحويل الإقليم بقوةٍ إلى مصطلحاتٍ ثنائية التفرُّع بواسطة وضع خرائط لتعيين النظام/الفوضى، والهوية/الاختلاف، والوجود/الغياب، والسياسة/السلطة، وما إلى ذلك عبر الحدود والمساحات التي تصبح من خلالها الحياةُ الاجتماعية ملموسةً وواضحة.

ولكن هذا التوصيف يبسط الرؤية الإقليمية لنظرية العلاقات الدولية تبسيطًا مبالغًا فيه؛ فهذا الرأي ينطبق بسهولةٍ على بعض التوجُّهات النظرية أكثر من انطباقه على غيرها. وانتقادات ودفاعات هذا التوجُّه أعطت بالفعل حياةً لما يُسمِّيه مؤرخو المجال «المناظرة الكبرى» بين «الواقعيين» و«المثاليين» (مجروري ١٩٨٢؛ سميث ١٩٩٥؛ ووكر ١٩٨٩). و«الواقعية» هي أسلوب تفكيرٍ في «الجانب الدولي»، تكون فيه جميع الدول السيادية هي الجهاتِ الفاعلةَ الوحيدةَ ذاتَ الصلة (براون ١٩٩٢؛ بوزان ١٩٩٦). والشواغلُ الأساسية للعلاقات الدولية الواقعية وأساليب الخطاب الخاصة بالشئون الخارجية والسياسة الخارجية المرتبطة بها؛ هي السلطة والأمن والنظام. ثَمَّةَ موضوعات أخرى مرجحة للعلاقات بين الدول، مثل العدالة أو الأخلاق، غير ذات صلةٍ بدرجةٍ ما أو بأخرى. ومرةً أخرى، يُعتقَد أن الأفكار مثل «السياسة» أو «المجتمع»، التي ربما تُشكِّل الأساس لعدالة أو أخلاقيات الكوكب، غائبةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ عن العلاقات «بين» الدول؛ وهذا هو معنى «الفوضى».

في المقابل، تعمل «المثالية» — أو كما يُسمَّى هذا التوجُّه في بعض الأحيان «الليبرالية»، أو «التعددية»، أو «اليوتوبية» — على تأكيد إمكانية قيام «مجتمع دولي» للدول في غياب السيادة (ليتل ١٩٩٦). ويرى المفكرون بهذا الأسلوب أن هناك على الأقل إمكانيةً لدعم العلاقات الدولية (بشيءٍ أشبه) بالتزاماتٍ أخلاقيةٍ عامةٍ ومفهومٍ عامٍّ وشاملٍ للعدالة. ويصنف كريس براون الاختلافَ بأنه اختلاف بين «الجماعاتيين» (الواقعيين) و«الأمميين» (المثاليين). عمليًّا، قد يكون بالإمكان تحقيق نظامٍ عالميٍّ معياريٍّ أمميٍّ من خلال تأسيس وتنشيط منظماتٍ دوليةٍ مثل عصبة الأمم أو الأم المتحدة، ومن خلال زيادة وتقوية «الأنظمة الدولية» أو الاتفاقيات المتعددة الأطراف كتلك المتعلقة بحقوق الإنسان، والبيئة، وحظر انتشار الأسلحة النووية (هاسينكليفر وآخرون ١٩٩٧؛ كريسنر ١٩٨٣). بالطبع يدرك المثاليون الأهميةَ الجوهريةَ للسيادة الإقليمية ويؤكدون عليها. ولكن افتراض «مجتمعٍ دولي» من شأنه توسيع موضوعات المناقشة لتشمل التعاون والضرورة المحتملة، المتمثِّلة في «التدخُّل» الإنساني في الشئون الداخلية للدول الأعضاء. وثَمَّةَ صور أقوى لهذا التوجُّه قد تدعو إلى فرض قيودٍ عمليةٍ على السيادة الإقليمية أو ترحيل بعض سمات السيادة إلى حكومةٍ عالمية؛ فحتى النُّسَخُ الأقوى وضَعَها مؤيدون لقيام حكومةٍ عالميةٍ موحدة (جلوسوب ١٩٩٣).

في سبيل تحقيق أهدافنا تُصاغ هذه المناظرات داخلَ إطار العلاقات الدولية (والخطاب الخاص بالشئون الخارجية التقليدية من منظورٍ أعم)، من خلال مفاهيمَ متباينةٍ للإقليم؛ فيرى الواقعيون المنظومةَ الإقليميةَ العالميةَ باعتبارها مؤلَّفةً من دول سيادية متعارضة ومحددة مكانيًّا، منظَّمة على أساس تخطيطٍ مستوٍ ثنائي الأبعاد للسلطة والنفوذ. أما المثاليون، فيتخيَّلون أقلمةً للسلطة العالمية مقسَّمةً تدريجيًّا إلى طبقات. وفي هذا الصدد، تُعَدُّ الأقاليم السيادية عناصرَ تأسيسيةً لمجتمعٍ عالميٍّ من الدول؛ فيما يُشبه إقليمًا ضخمًا. وكما سيتضح أكثر مع التوغُّل في هذه الدراسة، هناك الكثير من العناصر المشتركة بين هاتين الصورتين من الإقليم أكثر مما قد توحي به عبارة «المناظرات الكبرى».

(٢-٢) الجغرافيا البشرية

ثَمَّةَ تخصُّصٌ معرفيٌّ آخَر كان الإقليم محلَّ اهتمامٍ جوهريٍّ تقليديٍّ له، هو الجغرافيا البشرية. ميَّز هذا المجالُ نفسَه تاريخيًّا عن المجالات الأخرى من خلال اهتمامه المحوري بالفئات الاجتماعية للمكان، والحيز، والمنظر الطبيعي. بالطبع يُعَدُّ الإقليم عنصرًا مهمًّا من عناصر العلاقات المكانية الاجتماعية البشرية، وقد شكَّلت هذه الموضوعات الأساسَ أيضًا لتصوُّر الجغرافيا كمجالٍ معرفيٍّ «مركب»؛ أي كنوعٍ من المجالات الأولية المتعددة الاختصاصات، وظيفتُه توليفُ المعرفة التي تنشأ في المجالات الأخرى، واستعراضُ العلاقات فيما بينها في العالم المادي (جيمس ١٩٧٢؛ ليفينجستون ١٩٩٣). على الجانب الآخر، كان ثَمَّةَ شكلٌ واضحٌ نوعًا ما من التخصُّصية، غالبًا ما يُعاد تشكيله من خلال زيادة المجالات الفرعية مثل الجغرافيا السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والحضرية، التي غالبًا ما تكون أبعدَ ما يكون عن مستوى التوليفِ المرجوِّ.

إذا كان من الممكن وصف العلاقات الدولية كتخصُّصٍ معرفيٍّ يُعَدُّ الإقليم أساسيًّا بالنسبة إليه ولكنه في الوقت نفسه نادرًا ما يتم تناوُله وبحثه على نحوٍ صريح، لا يمكن أن يَسْرِيَ الأمرُ نفسُه بالنسبة إلى الجغرافيا، أو على الأقل ليس بالمعنى نفسه؛ فقد خلَّفَ الجغرافيون وراءهم على مَرِّ الأجيال قدرًا كبيرًا من المعرفة حول الأشكال، والوظائف، والعمليات المرتبطة بالإقليمية والحدود. سوف أتناول هذه الأمور لاحقًا، ولكن سوف أذكر أولًا سمتين عامتين لمعالجة الإقليم في الجغرافيا تختلفان عن معالجته في العلاقات الدولية؛ الأولى: بينما ركَّزَ الكمُّ الأكبر من الاستكشاف التاريخي للإقليم على علاقته بالدولة القومية، شرَعَ بعض الجغرافيين في منتصف القرن العشرين في دراسة آليات الإقليم «داخل الدولة» في سياقاتٍ مثل الفيدرالية، وتكوين الحدود داخل الدولة، وتوسعة حدود المدن، وإعادة تقسيم الدوائر، وما إلى ذلك (ديكشيت ١٩٧٥؛ موريل ١٩٨١). الثانية: يوجد أيضًا تقليد في الجغرافيا الاجتماعية يتمثَّل في فحص ودراسة آليات الإقليم في السياقات «البعيدة عن الدولة»، وفي هذا المقام، يتداخل الموضوع مع موضوع الحيز الاجتماعي الأعم (لي ١٩٨٣).

من ناحية القُرْب، كانت معالجة الإقليم في الجغرافيا شديدةَ الشبه بمعالجة مجال العلاقات الدولية الواقعية، وكانت «السياسة الجغرافية» من الاهتمامات الأساسية. وبحسب تعريف سول كوهين لها، «السياسة الجغرافية هي الدراسة التطبيقية لعلاقة الحيز الجغرافي بالسياسة» (١٩٩٤، ١٧). وفي التاريخين القديم والمعاصر للجغرافيا السياسية يُعرَف فريدريك راتزل (١٨٤٤–١٩٠٤) عمومًا كواحدٍ من «آبائها المؤسِّسين» (باركر ١٩٩٨)؛ فخلال ذروة التوسُّع الإمبريالي الأوروبي صاغ رؤيةً للإقليم ربما يراها المراقبون المعاصرون غريبةَ الأطوار، غير أن هذه التفسيرات كانت لها أهميتها آنذاك، وظل لها نفع واستمرارية في القرن الحادي والعشرين، على الرغم من حقيقة أن عالَمه وعالَمنا مختلفان اختلافًا جذريًّا من نواحٍ عدة. ولكن ربما يكمن نفعها الدائم تحديدًا في جدواها في «رفض» هذه الاختلافات، وتأكيد الرؤية الراسخة المفترضة سابقًا من قِبل مجال العلاقات الدولية الواقعية وخطاب إدارة الدولة لدى القوى العظمى.

عبَّرَ فريدريك راتزل، وهو صحفي متجوِّل تحوَّلَ إلى جغرافيٍّ أكاديمي، عمَّا أطلق عليه مفهومًا «عضوانيًّا» لإقليم الدولة (هيفرنان ٢٠٠٠؛ أوتواثيل ١٩٩٦). فقد أكَّد في ورقته البحثية التي بعنوان «قوانين النمو المساحي للدول» (١٨٩٦ [١٩٦٩]) على «أننا نتعامل داخل الدولة مع طبيعةٍ عضوية، ولا شيء يُناقض طبيعةَ العضوي أكثر من التحديد الصارم» (١٨٩٦ [١٩٦٩]، ١٧). وكتب مُرْدِفًا: «كل شعب، بالنسبة إلى السياسة الجغرافية، قائم على حيزٍ ثابتٍ بالأساس، يُمثِّل كائنًا حيًّا بسَطَ نفسَه على جزءٍ من الأرض وميَّز نفسه عن كائناتٍ أخرى لها حدود ممتدة على نحوٍ مماثل، أو بحيزٍ شاغر» (ص١٨). والكائن الحي هنا ليس مجرد مؤسسة — الدولة — وإنما «شعبه» المرتبط به: «ثقافة» أو «أمة». وقد وضع راتزل ما قد نُطلِق عليه النظرية الجلدية للحدود؛ ﻓ «الحد هو العضو المغلق للدولة أو المحيط بها، والمنوط بنموها وكذا تحصينها، ويشارك في كل التحوُّلات التي تمر بها الدولة ككائن» (ص٢٣). ولما كانت الدولة أشبهَ بكائنٍ حي، كانت هناك ضرورة شبه بيولوجيةٍ نحو «النمو» الحرفي والمجازي. والتوسُّع الإقليمي مفهوم في إطار نظريةٍ لمراحل النضج الحضاري، وينص القانون رقم واحد من «قوانين النمو المساحي» على أن «حجم الدولة ينمو مع ثقافتها» (ص١٨). ولكن ما الذي يمكن أن يعنيه الحديث عن «حجم» ثقافةٍ ما؟ يعتمد راتزل في هذا المقام على المفهوم التطوُّري للتاريخ أو الأنثروبولوجيا، الذي قد تتطوَّر، أو لا تتطوَّر، فيه الثقافات «الأدنى» أو «الأولية» إلى ثقافاتٍ أكثر أو أقل «تقدُّمًا» أو «نضجًا». وبمقتضى التوسُّع المجازي تكون الثقافة الأكثر نضجًا أكبر من ثقافةٍ أقل نضجًا؛ ومن ثَمَّ تقتضي وتستحق مساحةً أكبر. والبعض من الأخيرة يرتقي إلى منزلة «الحضارات»، وعن ذلك قال: «كلما انحدرنا في مستويات الحضارة، تصبح الدول أصغر» (ص١٩). وقد أضْفتْ هذه الضرورات شبه الداروينية التطبيعية مظهرًا بلاغيًّا من العلمية على الخطاب الجغرافي السياسي في مطلع القرن العشرين. وكما ذهب أحد الجغرافيين مؤخرًا: «لقد قدم فريدريك راتزل مفرداتٍ سياسيةً — أكثر من أي شيءٍ آخر — تحيط بها هالةٌ من العلم لليمين الألماني؛ مفرداتٍ عبَّرتْ عن رغبةٍ قوميةٍ متطرفة، وبرَّرتها، في حيزٍ ما، وكان من شأنها أن عجَّلَتْ بحَرْبَيْن عالميتين في القرن العشرين» (أوتواثيل ١٩٩٦، ٣٨).

يمكننا رؤية بعضٍ من تأثير أفكار راتزل في النص الأمريكي الذي وضعه صامويل فان فالكنبرج بعنوان «عناصر الجغرافيا السياسية» (١٩٤٠)؛ فقد استخدم فان فالكنبرج نموذجًا تطوُّريًّا عضويًّا على نحوٍ صريحٍ لترتيب «الأمم» على مقياسٍ يتدرَّج من «الشباب» إلى «المراهقة»، إلى «النضج»، إلى «الشيخوخة». في هذا النص الذي كتبه عام ١٩٣٩، لم يجد سوى ثلاثِ دولٍ «ناضجة» هي: الولايات المتحدة، والإمبراطورية البريطانية، وفرنسا. أما ألمانيا وإيطاليا واليابان، في المقابل، فكانت دولًا مراهِقة واتَّسمتْ ﺑ «طبيعتها الديناميكية» (ص٩). ولكن بالنظر إلى طبيعة المراهقين، «لا بد من إبقائها تحت السيطرة، على أمل أن يعمل النضج على تخفيف آرائها السياسية» (ص٩-١٠). من الجوانب المهمة لأي أمة، في رأي فان فالكنبرج، تكوينها العِرْقي، ولفظة العِرْق هنا «مستخدَمة بالمعنى البيولوجي» (ص٢٣٣). وفي فقرةٍ رائعةٍ سعى فيها للتوصُّل إلى «فهمٍ أفضل لأسباب الثورة المضادة لليهود» (ص٢٤٢) في جمهورية الرايخ الثالث المراهِقة، أشار إلى بروز اليهود في المهن المختلفة، والقيمة النسبية للممتلكات الاقتصادية لليهود بالنسبة إلى أعدادهم. «ها هو السبب الحقيقي للمشكلة»:

قد يُسمِّيها أحدهم عداءً عِرْقيًّا قائمًا على حقيقة أن اليهود لهم صفات غير جاذبةٍ للآخرين، وقد يُسمِّيها آخَر غيرةً اقتصاديةً قائمةً على حقيقة أن اليهود لديهم المقدرةُ على السيطرة على مجالاتٍ بعينها. في حالة ألمانيا، كان الأسلوب الذي تمَّ التعامُل به مع المشكلة هو ما استفَزَّ بقيةَ العالم أكثر من المشكلة ذاتها. لقد كان بمقدور ألمانيا بالتأكيد أن تكون أكثر كِياسةً. (١٩٤٠، ٢٤٣)

ولعل هذا هو أفضل مثالٍ توضيحيٍّ يمكن تخيُّله لملحوظة كيرنز عن أن «الرؤية الجغرافية السياسية ليست بريئةً على الإطلاق؛ فهي دائمًا رغبة تفرض تحليلًا ما» (٢٠٠٣، ١٧٣).

وكنتيجةٍ مباشِرةٍ لهذا النمط من التفكير، ظهرت عقبة ملموسة في الجغرافيا السياسية في منتصف القرن، تمثَّلَتْ هذه المشكلة في كيفية «إزالة» الطابع السياسي عن المعرفة العلمية بشأن السياسة والحيز من أجل تحقيق شيءٍ أشبه ﺑ «الموضوعية»، أو شيء جدير بصفة «العلم» المشرفة. وكان من بين أكثر المُصلِحين تأثيرًا ريتشارد هارتشورن. سعى هارتشورن، الذي ألَّفَ بحثًا بعنوان «المنهج الوظيفي في الجغرافيا السياسية» (١٩٥٠ [١٩٦٩]) في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى تقديم تحليلٍ غير متحيِّزٍ للإقليم، أو «حيز منظم سياسي» كما سمَّاه.

وقد ذهب إلى أن مهمة الدولة هي «إرساء سيطرةٍ كاملةٍ وخالصةٍ على العلاقات السياسية الداخلية؛ بعبارةٍ بسيطة: وَضْع القانون والنظام، والحفاظ عليهما»، وبالإضافة إلى هذا «تأمين الولاء الأسمى لدى الناس في كل أقاليمها، في منافَسة أي ولاءاتٍ محليةٍ أو إقليمية، وفي معارضةٍ مطلقةٍ لأي دولةٍ أو إقليمٍ خارجي» (١٩٥٠ [١٩٦٩]، ٣٥). وأكَّد أن «المشكلة الأولى والمستمرة التي تُواجِهها أي دولةٍ هي كيفية دمج مناطقَ متشعِّبةٍ أقل أو أكثر انفصالًا في كلٍّ فعَّالٍ» (ص٣٥). إن المشكلة التي تُواجِه المتخصِّص في الجغرافيا السياسية تكمن في تقييم نقاط القوة النسبية للقوى «الجاذبة» (ص٣٨) و«النابذة» (ص٣٦)، التي تعمل داخل دولةٍ إقليميةٍ بعينها وتؤثِّر عليها. وهذا يستلزم تحليلًا لعلاقات الأجزاء بالكل، وعلاقات الكل بالخارج. وقد يتم إجراء هذا من خلال دراسةٍ للأقاليم القائمة، ومن خلال فحص الأقاليم المقترحة من أجل التنبُّؤ بالكفاءة الوظيفية. وبينما كان لهارتشورن مفهومٌ أكثر اجتماعيةً وأقل طبيعيةً للدولة، فإنه استعاض عن الاستعارات البيولوجية باستعاراتٍ من عِلْم الفيزياء.

كان من بين القوى النابذة التي ذكرها هارتشورن السماتُ الطبيعية، مثل سلاسل الجبال والمسافة، ووجود «شعب مختلف، وبالأخص شعب غير ودود» (ص٣٦)، وتنوُّع في اللغة أو الديانة أو النشاط الاقتصادي معبَّر عنه إقليميًّا. وهذه الأمور، خاصةً إنْ كانت مجتمعةً، يمكن أن تُنهك السلامةَ الإقليمية. وأهم القوى الجاذبة التي قد تتصدَّى لهذه الأمور هي ما أطلق عليه هارتشورن «فكرة الدولة» (ص٣٨)، أو سبب الوجود لدى الدولة. ربما تُوجَدُ «فكرة الدولة» في عقول هؤلاء الذين يسعَوْن لإنشائها أو الحفاظ عليها، ولكن لا توجد فكرة دولةٍ عالميةٍ عامة؛ بل إن فكرةَ دولةٍ بعينها يمكن فقط أن تُكتشَف من خلال بحثٍ مفصل. ويمضي البحث إلى الإجابة عن أسئلةٍ على غرار: «لماذا توجد فنزويلا؟»، «لماذا توجد لبنان؟»، «أيُّ فكرةِ دولةٍ تربط الأجزاء المختلفة لأفغانستان معًا؟». قد يتساءل أحدهم حينئذٍ عمَّا إذا كانت «فكرة الدولة» الخاصة بدولةٍ بعينها قويةً بما يكفي لصدِّ القوى النابذة التي من شأنها أن تفكِّكها إقليميًّا، أو ما إذا كان من الممكن لفكرة دولةٍ مضادةٍ أن تكون قويةً بما يكفي لدعم الانفصال أو التقسيم. والمثير في الأمر، في ظل الأحداث الأخيرة، أن المثال الذي ساقه لفكرة الدولة يتعلَّق بالعراق الذي كان «سبب وجوده» متأصِّلًا في:

(١) الاعتراف من قِبَل القوى العظمى ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية بمنطقة بلاد الرافدين، و(٢) الحاجة لتوفير مكانٍ للقومية العربية المطرودة من سوريا. وعلى أساس هذين الاعتبارين أُسِّس إقليمٌ (لاحِظْ صيغةَ المبني للمجهول) يضمُّ منطقةَ سهول دجلة والفرات العربية المستقرة، جنبًا إلى جنب مع مناطق القبائل الجبلية والصحراوية المتاخمة لها على الرغم من اختلافها، لينشأ الكلُّ كدولةٍ عربيةٍ منفصلة. (١٩٥٠ [١٩٦٩]، ٤٠)

وأضاف على سبيل التنبُّؤ: «سوف يحتاج المرء لتحديدِ ما إذا كان العراقيون قد طوَّروا مفهومًا قوميًّا بحقٍّ منذ ذلك الحين أم لا» (ص٤٠).

انخرط جغرافيون آخَرون من حقبة منتصف القرن في «دراسات عن الحدود»، وقُدِّمت دراساتُ حالةٍ فيما يتعلق بالنزاعات الحدودية، والتغيرات الحدودية، والمراجعات الحدودية الأخرى مثل الضم والتقسيم. بالإضافة إلى ذلك، وإنْ كان هذا موضوعًا ثانويًّا بشكلٍ قاطع، بدأ بعض الجغرافيين في تحليل الحدود «الداخلية»، كتلك التي تتضمَّن ولايات الولايات المتحدة والمناطق الحضرية الكبرى والحكومات المحلية، وكذا العمليات المرتبطة بإعادة تقسيم الدوائر السياسية؛ غير أن هذه الأمور كانت في العادة لا تُنظَّر في إطار الإقليم.

قبل سبعينيات القرن العشرين كان الإقليم في إطار معالجة الجغرافيين البشريين له مجالٌ يكاد يقتصر على الجغرافيين السياسيين، الذين كانوا بدورهم مهتمين على نحوٍ شبه حصريٍّ بالدولة القومية. ومع أواخر عام ١٩٧٣، استطاع الجغرافي البارز جون جوتمان تأليفَ كتابٍ بعنوان «أهمية الإقليم»، اهتمَّ فيه اهتمامًا شبه حصريٍّ بتاريخ الإقليم التابع للدولة في أوروبا الغربية، وحاوَلَ تبريرَ تطوُّره في إطار حالة عدم الاتزان بين «الأمن في مقابل الفرصة» و«الحرية في مقابل المساواة». ولكن وقتئذٍ، كما سوف نرى لاحقًا في هذا الفصل، كان تخصُّص الجغرافيا البشرية قد بدأ يتغيَّر.

(٢-٣) الأنثروبولوجيا

على عكس العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية، لم يكن الإقليم موضوعًا محوريًّا لهذه الدرجة في الأنثروبولوجيا التقليدية، غير أنه كان يُدرَس كجانبٍ من موضوعاتٍ أساسيةٍ مثل الثقافة والتغيير الثقافي، والعلاقات بين العِرْقيات المختلفة، ورابطة الدم والنَّسَب، ومنظومات المعنى الرمزي، واستخدام الموارد وحيازة الأرض، والتنظيم السياسي في مرحلة اللادولة أو ما قبل الدولة. وبالنسبة إلينا يُمثِّل أهميةً كمصدرٍ للتفسيرات الخاصة بالإقليم في سياقاتٍ خلاف تلك التي تُركِّز على الدولة ذات السيادة؛ وبمقتضى ذلك، يُشكِّل أهميةً كمصدرٍ لعمليات إعادة تنظيرٍ أكثر حداثةً.

ركَّزَتْ مجموعة فريدريك بارث المؤثرة بعنوان «الجماعات العِرْقية والحدود: التنظيم الاجتماعي للاختلاف الثقافي» تركيزًا صريحًا على آليات صنع الحدود الإثنوجرافية والحفاظ عليها؛ فقد أشار بارث إلى أن: «جُل الاستدلال الإثنوجرافي يرتكز على فرضية أن التبايُن الثقافي متقطع. والاختلافاتُ بين الثقافات وحدودُها وروابطُها التاريخية أُولِيت الكثيرَ من الاهتمام؛ أما تكوين الجماعات العرقية، وطبيعة الحدود بينها، فلم يَلْقيا نصيبًا مماثلًا من البحث» (بارث ١٩٦٩، ٩). تختلف هذه المساحات الثقافية ذات الحدود من نواحٍ مهمةٍ عن الإقليم حسبما عُولِج في العلاقات الدولية والجغرافيا. والتركيز في الأنثروبولوجيا ينصَبُّ على العزلة والتنوُّع أكثر من الإقصاء والاستئثارية؛ على الهوية والعضوية الذاتية النسب أكثر من استخدام السلطة. تتضمَّن الحدود وممارسات الحفاظ على الحدود والتفاوض بشأنها قضايا تَشابُهٍ واختلاف. و«التركيز الأهم» ينبغي — وفقًا لبارث — أن يَنصَبَّ على «الحد العِرْقي الذي يعرف المجموعة، وليس المحتوى الثقافي الذي يحيط به» (ص١٥). فالمساحات المحددة بفعل هذه الحدود قد تكون لها، أو لا تكون، صيغة مادية ثابتة؛ بل إنها، في الواقع، قد تتحرَّك بتحرُّك «المضمون الثقافي». ومثل هذه الممارسات الخاصة بالحدود، من منظورٍ يفترض الثبات المكاني للإقليم، من شأنها أن تكون لا إقليميةً بالضرورة؛ أو ربما كان «الحد» و«الإقليم» يُستخدَمان بمعنيَيْهما الأكثر مجازيةً. غير أنه من منظورٍ آخَر، ذلك الذي لا يرى تعارضًا بالضرورة بين التنقُّل والإقليم، تنبع الاحتمالية من التفكير في الإقليم بطرقٍ تحيد على نحوٍ أكثر إثارةً عن نموذج العلاقات الدولية؛ على سبيل المثال: بحث بعض علماء الأنثروبولوجيا آليات الإقليم والإقليمية بين مجتمعات الصيد وجمع الثمار، والرعويين، والبدو. قد يبدو ذلك مُحيِّرًا للوهلة الأولى؛ نظرًا لأن هذه النوعيات من المجتمعات ربما تُعَدُّ «غير» إقليميةٍ بالضرورة مقارَنةً بالشعوب المقيمة المستقرة. ولكنْ مرةً أخرى، قد يكون اللغز أقربَ إلى كونه نتيجةً ترتَّبَتْ على مفهومٍ بالغ السذاجة أو متمركزٍ حول الدولة للإقليم.

ويبحث المساهمون في كتابٍ منقَّحٍ مهمٍّ تأليف مايكل كازيمير وأبارنا راو بعنوان «التنقُّل والإقليمية: الحدود الاجتماعية والمكانية بين مجتمع الصائدين البريين، وصائدي الأسماك، والرعويين، والرحالة» (١٩٩٢)، في هذه المسألة تحديدًا. على سبيل المثال: كان وصف آلان برنارد للإقليمية بين جامِعِي الثمار والصيادين في جنوب أفريقيا على النحو التالي:

إن الحدود الاجتماعية المحفوظة لدى قبائل البوشمن، أو مجتمع الصيد وجمع الثمار الجنوب أفريقي؛ محدَّدة وفقًا للغة والثقافة وعلاقات النسب والدم، وتضم هذه الحدود تلك القائمة بين البوشمن وغير البوشمن، وبين جماعةٍ وأخرى من البوشمن، وداخل مجتمعاتٍ معينةٍ من البوشمن، وبين تجمُّعاتٍ عنقوديةٍ خاصةٍ (أيْ مَن تَجْمَعهم روابط)، والمجموعات والعائلات. والحدود المكانية تسير في خطٍّ موازٍ مع هذه الحدود بدرجةٍ ما، إلا أنها ليست دائمًا متطابِقة؛ فهي تعتمد على حقوق الدخول إلى الإقليم ومفاهيم استخدام الحيز فيما يتعلق بأنماط السلوك الملائمة. وبعض جوانب الحفاظ على الحدود المكانية والاجتماعية تقتصر على طوائفَ معينةٍ من البوشمن، بينما الجوانب الأخرى تكون مشتركة بين جميع أفراد البوشمن أو مجتمع الصيد البري وجمع الثمار عمومًا. وبالنظر إلى أن الإقليمية توجد في سياق مجموعةٍ أوسع من العلاقات بين الإنسان والبيئة وبين الأفراد، فلا بد أن يكون البحث في مسألة الإقليمية داخل مجتمع الصيد وجمع الثمار مبررًا لأهميتها ضمن هذه المجموعة الأكبر من العلاقات. (١٩٩٢، ١٣٧-١٣٨)

قد نلاحظ أيضًا أن أي حساسيةٍ إثنوجرافيةٍ من شأنها إبراز التفاصيل العملية للعوالم الحياتية على نحوٍ يفوق ما يحدث عادةً في النظريات العامة المتعلقة ﺑ «الدولة». ويناقش مُساهِم آخَر في هذه المجموعة، وهو أندزاي ميجرا، بعضًا من الآليات الخاصة للإقليمية داخل طائفة الروما بأوروبا الشرقية:

ثَمَّةَ شكلٌ خاص للإقليمية يتصل بالوحدة الاجتماعية الاقتصادية الأساسية ﻟ «الغجر» الرحَّالة المعروفين في السياق البولندي ﺑ «تابور». لم يكن مفهوم الإقليمية هنا ينطبق على منطقةٍ جغرافيةٍ أو إداريةٍ واحدة، بل يطابق مجموعةً من الأماكن التي وجِدَت فيها — أو استطاعت أن تُوجَد فيها — مجموعةٌ ما من التابور وجودًا ماديًّا في أي لحظةٍ بعينها؛ فكان يُستدعى إلى الذهن كلما حدث واستقر أعضاؤها في مكانٍ ما؛ ومن ثَمَّ كان أقربَ إلى منطقةٍ متنقلةٍ أو متغيِّرة. كان أساسها هو حقَّ الأولوية الذي كان يُحترَم من قِبل طوائف «التابور» الأخرى، ووجود شعور بأنهم «ملَّاك مؤقتون»؛ إذ كان التفاوض يحدث جزئيًّا مع السلطات المحلية. (ميجرا، في كازيمير وراو ١٩٩٢، ٢٦٨)

وبقدرٍ أدقَّ من التحليل، يناقش جوزيف برلاند «الأقاليم المتنقلة» لشعوب باكستان الرحَّالة؛ فكتب يقول إنه في جميع أنحاء مجتمعات باكستان المتنقلة:

الوحدة الاجتماعية الأساسية هي الخيمة («بوكي»)، حيث تُحدِّد البوكي بنيةً ماديةً فعليةً بحدودٍ مكانيةٍ قاطعةٍ وواضحة؛ وتضم أيضًا المفهومَ الثقافيَّ الأوسعَ للوحدة الاجتماعية الأساسية المؤلَّفة من أنثى وزوجها والأبناء المقيمين. وأينما استقروا، يُعَد الحيز الداخلي والخارجي المباشر هو المجال أو الإقليم الحصري لأفرادها. وحين ترتحل خيمتان أو أكثر معًا، فإنهما تُشكلان «ديرا»، وتكون «الديرا» مشتركةً على نحوٍ بحتٍ إلى حدِّ أنَّ أفرادها يتعاونون من أجل الحفاظ على الحدود المكانية حول مواقع المخيم، ويعزِّزون الانسجام والتجانُس، ويجمعون المعرفة والخبرة حول الأسواق المحلية. (برلاند ١٩٩٢، ٣٨٣-٣٨٤، ٣٨٦)

وفي بعض الأحيان قد يتركز عدد من «الديرا» في موضعٍ ما لتكوين مخيمٍ مؤقت:

في المساحات المفتوحة المتاحة سوف تحافظ كل «ديرا» على أقصى مسافةٍ ممكنةٍ بينها وبين الأخرى … فيكون لكل مخيمٍ محيطٌ وحيزٌ محددان يفصلان كلَّ «ديرا» عن الأخرى. من الصعب على الغرباء أن يرَوْا هذا؛ غير أن أفراد «الديرا»، وخاصةً حراس الخيام، يؤسِّسون ويدافعون بيقظةٍ عن حدود مناطقَ تقع في منتصف المسافة تقريبًا بين كل منطقةِ تخييم. (١٩٩٢، ٣٨٨-٣٨٩)

يبدو جليًّا أن رؤية الإقليم المستخدَمة من قِبل هؤلاء الأنثروبولوجيين تحوي عناصرَ عديدةً لرؤًى أخرى استعرضناها من قَبل؛ فهي مساحات محدودة تُحدِّد وتُحدَّد بجوانب الهوية والاختلاف التي تقتضي دخولًا تفضيليًّا وتتضمَّن الدفاع، أو آليات النفوذ والسلطة. ولكن على القدر نفسه من الوضوح، تأتي السُّبُل التي تختلف بها هذه الأقاليم عن طرق الفهم التقليدية التي تعتمد الدولةَ السياديةَ نموذجًا؛ وهذه الأقاليم زائلةٌ نوعًا ما، ويمكنها بالفعل أن تتحرك.

لعل من الأشكال الأكثر تقليديةً للإقليم التي دُرِست من قِبل علماء الأنثروبولوجيا، هو ذلك الشكل المرتبط بالنظم المحلية لحيازة الأراضي والقانون العرفي بين الشعوب غير الغربية؛ فحيازة الأراضي، بما في ذلك نظم الملكية الحرة في الغرب، يتخلَّلها بالضرورة أقلمة ما يُترجَم، وإنْ كان بصعوبة، إلى «حقوق». فقد كتب بول سيلتو في حديثه عن شعب الوولا في بابوا غينيا الجديدة قائلًا: «تتعلَّق حقوق الأرض بالحدود ومشكلة التعريف الإقليمي، وتُعَدُّ حقوقُ الأرض واحدًا من الميادين الرئيسية التي يُعبِّر فيها الناس عن صلات القربى والهُوِيَّة، ويفعِّلونها في ظل سيطرة الالتزامات المحددة بصلات القرابة على قواعد الدخول» (١٩٩٩، ٣٣٣). ويتبيَّن للغرب، عن طريق الدراسات الإثنوجرافية المتعلقة بالأرض، وجودُ مجموعةٍ ضخمةٍ ومتنوعةٍ من الطرق لتخيُّل وممارسة الإقليم بعيدًا عن تلك المفترضة سابقًا من قِبل تخصُّص العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية؛ فالقواعد والصور وممارسات الحيازة العُرْفية للأرض — التي تُعَدُّ عناصر الإقليمية المحلية — غيرُ قابلةٍ للانفصال عن أساليب الحياة وأساليب التصرُّف في العوالم المادية والرمزية والاجتماعية. كذلك تنقل المناهجُ الأنثروبولوجيةُ لتناوُل حيازة الأرض دراستَنا بعيدًا عن المفاهيم المتركزة حول الدولة، وتفتح مجموعةً أوسع من المعاني لكلِّ ما هو سياسي. ومما يحظى بأهميةٍ أيضًا الدراساتُ الإثنوجرافية للسياسة المحلية الخاصة بالأرض فيما يتعلَّق بالحصول على الحقوق أو استغلالها أو تخصيصها ونقلها إلى أماكن بعينها، وكذلك بآليات النزاعات الإقليمية (بيندا-بيكمان ١٩٧٩؛ موور ١٩٨٦)، والدراسات المتعلقة بالصراعات بين القانون العرفي للأراضي والقانون المحلي في عهد الاستعمار أو ما بعد الاستعمار (بيندا-بيكمان ١٩٩٩؛ توكانسيبا-فالا، ٢٠٠٠-٢٠٠١)، وعمليات التشكيل الإقليمي المرتبطة بعمليات استصلاح الأراضي، والزراعة الجماعية وتفكيك الزراعة الجماعية، واختراق الشركات المتعددة الجنسيات ومشروعات التنمية التابعة للدولة في مناطق محلية (ستراذيرن وستيوارت ١٩٩٨؛ يتمان وبيركيز ١٩٩٨).

بالمقارنة مع العلاقات الدولية والجغرافيا، يحرك الخطاب الأنثروبولوجي مفاهيمَ الإقليم في ثلاثة اتجاهات؛ الأول: أنه يُقدِّم من خلال نقل التركيز من الغرب إلى «بقية العالم» — إلى مناطق الإمبراطورية والمستعمرات — مجموعةً أوسع من الممارسات والعمليات الإقليمية البشرية. الثاني: أنه من خلال فحص الممارسات «العُرْفية»، ينقلنا بعيدًا عن فكرة أن الدولة هي التعبير الوحيد عن الإقليم، حتى عندما يُوجِّه الانتباهَ إلى العلاقة بين الأشكال الخاضعة للدولة وغير الخاضعة للدولة. الثالث: أنه بواسطة الدراسات الإثنوجرافية المفصلة، يُقدِّم تحليلاتٍ دقيقةً وعميقةً للآليات الإقليمية داخل القرى والحقول والحدائق والطرق، بوسائل تُشير ضمنًا إلى تداخُل الإقليم مع تطوُّر الحياة الإنسانية.

(٢-٤) علم الاجتماع

اعتمد جزء من تميُّز مجال علم الاجتماع في مقابل الأنثروبولوجيا تقليديًّا على مفاهيمَ مُسلَّمٍ بها للحيز والإقليم (هنا/هناك، الغرب/بقية العالم، عاصمة/مستعمرة)، وبالتبعية على مفاهيمَ مُسلَّمٍ بها تتعلَّق بالهُوِيَّة. يدرس علماء الاجتماع، اصطلاحًا، المجتمعاتِ الحديثةَ التي ينتمون إليها، ولكن مفاهيم الإقليم في خطاب علم الاجتماع مُشابِهةٌ، من نواحٍ عدة، لنظيرتها في الأنثروبولوجيا؛ وإن كان ذلك بتعديلاتٍ مهمةٍ مستمَدةٍ من السمات التي من المفهوم أنها تُبرِز تميُّز الحداثة؛ على سبيل المثال: التفرُّد والعلاقة بين الفرد والمجتمع، والتمدُّن، والتقسيم الطبقي، والانحراف. ومن الموضوعاتِ الموازيةِ الآثارُ الجوهريةُ للحدود؛ فعمل أنتوني كوهين الصادر عام ١٩٨٥ — على سبيل المثال — مشابهٌ، في التوصيف العام، لعمل فريدريك بارث؛ فقد كتب يقول: «إن وعيَ المجتمع محاطٌ بإدراك حدوده، الحدودِ التي تتأسَّس في حدِّ ذاتها إلى حدٍّ كبيرٍ بواسطة أشخاصٍ في حالةٍ من التفاعُل» (١٩٦٩، ١٣). والمناقشات المتعلقة بالإقليم سائدةٌ على الأخص في معالجات علم الاجتماع لعصابات الشوارع الحضرية و«أراضيهم». وكما يذهب عالما الاجتماع ديكر وفان وينكل، فإن «توجيه تهديدٍ لعصابةٍ ما في حيٍّ (أرض) قريبٍ جغرافيًّا، يؤدِّي إلى زيادة تضافُر العصابة، ويدفع الشباب إلى الانضمام لعصابة حيِّهم، ويُمكِّنهم من التورُّط في أعمال عنفٍ ربما ما كانوا ليرتكبوها» (ديكر وفان وينكل ١٩٩٦، ٢٢). ويناقش عالِم اجتماعٍ آخَر، وهو فليكس باديلا، توقُّعَ الدفاع العنيف عن الإقليم بين العصابات التي درسها، وأيضًا:

الواقعية المرتبطة بأعمال العنف المستخدَمة للدفاع عن الأرض؛ فجميع أفراد العصابات تقريبًا يُسلِّمون بداهةً بأن أي هجماتٍ على أرضهم سوف تُقابَل باستجاباتٍ عنيفة، مثلما سيحدث مع انتهاكاتهم لأرضِ أفرادِ العصابة المنافِسة. والحديث عن الحاجة للدفاع عن الأرض الخاصة بالعصابة يدور على أساسٍ منتظمٍ ودائمٍ بين أفراد العصابة على نحوٍ يفوق كثيرًا أعمالَ الدفاع الفعلية؛ وبذلك يؤدِّي مناخُ اليقظة الرمزي ضد تهديد المتطفلين الغرباء إلى توحيد العصابة معًا وإعدادهم لاستخدام العنف التعبيري (والمفرط)، المرتبط غالبًا بالدفاع عن الإقليم الأم ضد العصابات المعادية. (١٩٩٢، ١١٤)

ثَمَّةَ مقال لليمان وسكوت بعنوان «الإقليمية: بُعْد اجتماعي مهمل»، نُشِر في دورية «سوشيال بروبلمز» عام ١٩٦٧، كان من إحدى المحاولات لصياغة مفهومٍ اجتماعيٍّ محدَّدٍ للإقليم يُركِّز على الإقليمية الجزئية العميقة للحياة الاجتماعية. في هذا المقال أسَّس الكاتبان تصنيفًا نموذجيًّا للأقاليم يُميِّز أمريكا الحديثة المتمدِّنة، وكان من بين أنماطها الأساسية: «الأقاليم العامة»، «تلك المناطق التي يحظى فيها الفرد بحرية الدخول، ولكن ليس بالضرورة حرية التصرُّف، بمقتضى ما يتمتع به من حق المواطَنة» (١٩٦٧، ٢٣٧). ومع ذلك، فإن حرية الدخول هذه قرينة الهوية الاجتماعية، وعلى هذا النحو، فإن بعض الناس لا يتمتعون بعضوية كاملة في المجتمع. «وهناك فئات معينة من الأشخاص يُمنَحون فقط حقَّ دخولٍ محدودٍ إلى الأماكن العامة ونشاطٍ محدَّدٍ داخلَها» (ص٢٣٨). على سبيل المثال: «لن يُشاهَد الزنوج يسيرون بتؤدةٍ على أرصفة أحياء البِيض، وإنْ كانوا قد يُشاهَدون وهم يقومون بتركيب مواسير الصرف تحت الشوارع.» ثم توجد «الأقاليم الأم»، وفيها «يحظى المشاركون الدائمون بحرية تصرُّفٍ نسبيةٍ وإحساسٍ بالألفة والسيطرة على المنطقة. وتضم الأمثلة نواديَ الأطفال المؤقتة، ومخيمات المشردين، وحانات المثليين.» وقد أشار الكاتبان إلى أنه في هذه الأقاليم المذكورة للتوِّ «قد يَنقل على الفور نمطُ الملبس واللغة بين زبائن إحدى الحانات لمثلي الجنس أنه قد دخل إلى إقليمٍ أم» (ص٢٤٠). وهذا يُشير إلى أن الإقليمية لها جانب أدائي أو علاماتي.

وبالتركيز على الإقليم على مقياسٍ أكثر عمقًا، لاحَظَ ليمان وسكوت أن «أي تفاعُلٍ يحيط به حد غير مرئي، أو نوع من الغشاء الاجتماعي». ومثل هذه الحدود تطوق «أقاليم تفاعلية»، وهذه الأقاليم «متنقلة وهشَّة على نحوٍ مميز». وأخيرًا، توجد «أقاليم الجسد، التي تشمل الحيز المحاط بجسم الإنسان أو الحيز التشريحي للجسم». ويدخل ضمن أقاليم الجسد «حقوق رؤية وملامسة الجسد»، وقد كتبا يقولان: «إن حق الوصول إلى الأنثى يُنظَر إليه باعتباره الحقَّ الحصريَّ للزوج ما دام يُطبِّق الأصول والآداب فيما يتعلَّق بوضعه» (ص٢٤١). وينطوي توصيفهم ضمنًا على تبايُنٍ واضحٍ للحقوق والسلطة؛ فاستخدام صيغة المبني للمجهول (في عبارة «يُنظَر إليه») تتعارض تعارُضًا مثيرًا للدهشة مع ما يُوصَف. وقد تتساءل أيضًا أيُّ نوع من الممارسات الحدودية يُستنَد إليه بعبارة «يُطبِّق الأصول والآداب»، وهكذا يكون الإقليم الجسدي ﻟ «الأنثى» هو «الإقليم الأم» ﻟ «الزوج». «إن أي شخصٍ يُصرُّ على انتهاك الحيز الخارج عن الحدود الإقليمية لشخصٍ آخَر من الجنس نفسه؛ قد يُتَّهَم بانعدام اللياقة ويُشتبه في كونه مثليًّا، بينما قد تُشير الاعتداءات غير المرغوبة على المخنثين إلى مألوفيةٍ لا مبرِّرَ لها» (ص٢٤١). كذلك يناقش ليمان وسكوت أشكال الانتهاكات — التعدِّي، والاستباحة، والتدنيس — وأساليب رد الفعل. وممَّا يحظى بأهميةٍ تاريخيةٍ مفهومُهما عن «الإقليم الحر»:

يُجتزأ الإقليم الحر من المكان ويوفر فرصًا للخصوصية والتميُّز والهُوِيَّة. وترتبط فرص حرية التصرُّف بالقدرة على إضفاء حدودٍ على المكان، والتحكم في الدخول إلى الأقاليم أو الإبعاد عنها. وفي المجتمع الأمريكي حيث يؤثر الانتهاك الإقليمي على جميع أفراد المجتمع تقريبًا، تعاني قطاعات معينة من السكان من الحرمان على نحوٍ خاص، تحديدًا الزنوج والنساء والشباب والموقوفين من مختلِف الأنماط. (ليمان وسكوت ١٩٦٧، ٢٤٨)

من بين ردود الأفعال تجاه غياب الإقليم الحر أو انتهاك الإقليم الأم ما يُطلِق عليه الكاتبان «الاختراق»، الذي يقصدان به «التلاعب في الحيز الداخلي وتعديله بحثًا عن إقليمٍ حر.» على سبيل المثال: «أحيانًا يتعاطى الشباب الجامعي المعاصر عقاقيرَ هلوسةٍ أو عقاقيرَ معطِّلةً للإدراك من أجل القيام بهجرةٍ داخل النفس (أو «الغياب عن العالم» كما يُقال كثيرًا)» (ص٢٤١).

ثَمَّةَ منهج مشابه قد يوجد في عمل عالِم الاجتماع البارز إرفنج جوفمان، الذي يضم كتابه «العلاقات في العلن: دراسات جزئية عن النظام العام» فصلًا عن «أقاليم النفس». إن المفهوم الأفضل للإقليم، لدى جوفمان، هو أنه «حافظة» أو «مجال للأشياء». «إن حدود هذا المجال عادةً ما يتولَّى حراستَها والدفاعَ عنها المدَّعِي لملكيتها» (١٩٧١، ٢٩). وعلى خطى ليمان وسكوت، يُقدِّم جوفمان تصنيفًا نموذجيًّا للأقاليم ذات الأهمية الاجتماعية. ومن بين الأقاليم التي تعطي بنيةً للسياسة الجزئية للمجتمع الأمريكي الحديث:
  • الحيز الشخصي: «الحيز المحيط بالفرد، أي مكان يتسبَّب دخولُ فردٍ آخَر إليه في شعور الفرد الأول بأنه قد اعتُدِي عليه؛ ما يؤدِّي به إلى إظهار الاستياء، وفي بعض الأحيان الانسحاب» (١٩٧١، ٢٩).
  • المقصورة: «الحيز المؤمَّن جيدًا الذي يمكن للأفراد ادِّعاءُ ملكيةٍ مؤقتةٍ له، على أن تكون الحيازة على أساس مبدأ «الكل أو لا شيء». وهم يوفرون حدودًا خارجيةً تسهل رؤيتها وحصينة من أجل تقديم ادِّعاءٍ مكانيٍّ بالملكية» (١٩٧١، ٣٢-٣٣).
  • الغلاف: «الجلد الذي يغطي الجسم، والثياب التي تغطي الجسم فيما يُعَدُّ النوعَ الأكثرَ جلاءً من الإقليمية المتمركزة حول الذات» (١٩٧١، ٣٨).

ناقَشَ جوفمان أيضًا أساليبَ تمييز الأقاليم، وطرق الانتهاك والتعدي، والجرائم.

وهذه المفاهيم الاجتماعية للإقليم مشابهة للمفاهيم الأنثروبولوجية؛ من حيث إن أولئك الذين يتصرَّفون بنوعٍ من الإقليمية يُضاهَوْن بجماعاتٍ عِرْقيةٍ أو ثقافاتٍ فرعية. ولكن الرؤية الاجتماعية، الموضوعة على أساس شكلٍ من الفردانية التي تُميِّز الحداثة، تُركِّز انتباهَها على أقاليم النفس، لا سيما أن هذه الأقاليم مشروطة باختلاف العام/الخاص.

(٢-٥) علم النفس

يتعامل مجالا علم النفس السلوكي والبيئي الفرعيان أيضًا مع موضوع الإقليم على نحوٍ جديٍّ للغاية (ألتمان ١٩٧٥؛ براون ١٩٨٧). وعلى خطى ليمان وسكوت، ربما يمكن فهمهما باعتبارهما يضعان مخططًا للصلات بين الإقليم ﮐ «حيز داخلي» وأقلمة العالم الخارجي. ويُعَدُّ كتاب «الأداء الإقليمي البشري»، تأليف رالف تايلور (١٩٨٨)، واحدًا من أكثر المؤلفات تفصيلًا وأهميةً عن الإقليمية النفسية. يناقش تايلور الإقليم، الذي وُضِع صراحةً داخل «إطار تطوُّري» يعتبر الإقليمية البشرية متصلة مع الإقليمية غير البشرية، في إطار النظام، والحد من الصراع، وخفض الضغط التجريبي، والكفاءة النسبية للأقاليم المتنوِّعة من أجل أداء هذه الوظائف؛ فبعد تصميم نموذجٍ عامٍّ للأداء الإقليمي في الفصول الستة الأولى من الكتاب، يعرض تحليلاتٍ مفصلةً للأداء الإقليمي في أربعة مواقعَ عامةٍ وشاملة، مخصِّصًا فصلًا لكلٍّ منها. يبحث «الموقع السكني الداخلي» («الأماكن التي يستطيع قاطنها أو قاطنوها ممارسةَ درجةٍ من الخصوصية والسيطرة على الأنشطة») (ص١٤١) سماتٍ مثل تأثيرات مخططات الطوابق، ووضع الأثاث، والعلاقات الاجتماعية الخاصة؛ على سبيل المثال: يزعم تايلور أن «درجة أكبر من التشابُه بين الأفراد الذين يتشاركون نفسَ الموقع السكني الداخلي؛ يُفترَض أن تُسفِر عن أداءٍ إقليميٍّ أكثر خُلُوًّا من المشكلات والصعاب. ومع زيادة التشابُه يُفترَض أن يكون هناك توزيعٌ زمني ومكاني أكثر تراضِيًا لأماكنَ بعينها داخل الموقع» (ص١٤٧). أما فئة «المساحات السكنية الخارجية القريبة من المنزل»، فتُعنى بالأداء الوظيفي للإقليم في الأفنية الخلفية، والأزقة، والمربعات السكنية المحيطة بالمنزل. ومما يحظى بأهميةٍ في هذا المقام السلوكياتُ المميزةُ، مثل «الأرصفة النظيفة، ودرجات السلم المغسولة، والحشائش والشجيرات المُقَلَّمة، وطيور الفلامنجو الوردية، والقطط الفخارية والزخارف الموسمية في عيد رأس السنة أو عيد الشكر أو الهالوين» (ص١٧٧). وهذه العلامات الإقليمية تنقل معلوماتٍ إلى الجيران والمارة واللصوص المفترضين؛ على سبيل المثال: قد يُترجَم التثبيت الاستراتيجي لتماثيل الخيالة على الحشائش باعتبارها تدل على أنه «ساكن يقظ في حالة ترقُّبٍ دائمٍ للتأكُّد من عدم عبث الناس بممتلكاته؛ فلا يمكنك الإفلات بأي شيءٍ ترتكبه في محيط مكانه» (ص١٧٩). كذلك قد تعمل الإقليمية في هذه السياقات من أجل تيسير التفرُّد، وتقليل الضغوط، وتدعيم أواصر المعرفة أو الجيرة. أما «مواقع الاستخدام الدائم»، فتتضمَّن أداء الإقليم في سياقاتٍ مثل أماكن العمل والمكاتب والحانات، بينما تتعلق فئة «الأداء الإقليمي الأدنى» بسلوكياتٍ إقليميةٍ أكثر زوالًا في أماكنَ مثل الفصول والشواطئ. يُطبِّق تايلور نظريتَه للأداء الإقليمي على مشكلاتٍ اجتماعيةٍ متعددة، مثل الفوضى والجريمة والتخريب، ويجد أن زيادةً في المراقَبة والعلامات الإقليمية يمكن أن تحدَّ من الاضطراب والفوضى.

تميل رؤية الإقليم، التي صاغها خبراء علم النفس البيئي أمثال تايلور، إلى تعميم وتطبيع الممارسات والشواغل الثقافية لدى العصريين؛ أو لمزيدٍ من التحديد لدى الأمريكيين من الطبقة الوسطى الذين عاصروا أواخر القرن العشرين. وبوصفها تمثيلًا متطوِّرًا لهذه الطريقة المحلية لأقلمة الحياة الاجتماعية، فإنها توضِّح إلى أيِّ مدًى قد يكون الخوف أساسيًّا لبناء هذه العوالم الحياتية.

(٢-٦) ملخص

في هذا الاستكشاف الموجز والشديد الانتقائية لأساليب الخطاب التخصصية للإقليم والإقليمية، رأينا كيف أن الإقليم متضمَّن في مجموعةٍ كبيرةٍ من العلاقات الاجتماعية، من الشخصية إلى الدولية، وكيف تتغلغل أشكالٌ وصيغٌ مختلفةٌ من السلطة والنفوذ في تشكيل الأقاليم والحفاظ عليها. وتوضح هذه الرؤى، عندما تُؤخَذ معًا ككلٍّ، مدى تعقيد وأهمية الإقليم، أو على الأقل ما «يُطلِق عليه» العديد من المراقبين الأكاديميين إقليمًا. ولكن في الواقع نادرًا ما «تُؤخَذ معًا ككلٍّ»؛ فكل خطابٍ تخصُّصيٍّ يميل إلى تشريح الإقليم «في ذاته» وإخضاعه لمحاور الاهتمام الأساسية التي تُميِّز التخصصات أحدها عن الآخَر (ثَمَّةَ استثناء مهم لهذا؛ هو عمل روبرت ساك، الذي سوف يتم تناوُل كتابه «الإقليمية البشرية» تفصيلًا في الفصل الثالث). وحين تُؤخَذ معًا ككلٍّ، قد يُعجَب المرء أكثر ما يُعجَب بما هو مفقود، أَلَا وهو: كيفية تآزُرها وتضافُرها معًا إن كانت كذلك من الأساس. إن ما نراه هو الأقلمة المتخصصة للإقليم التي تتعامل مع الدول، والمدن، والجماعات العرقية، والمجتمعات، والعصابات، والأسر، والأفراد؛ وكأن كل واحدٍ منها يعيش في عالمه المنفصل الذي لا يمكن فحصه ودراسته إلا بمعزلٍ عن بقية العالم. وربما تكون الاختلافات على أقوى ما تكون في المجالات المتطرفة. لقد استهللنا دراستنا بالعلاقات الدولية، التي تتخيَّل الأقاليم السياسية بلا أشخاص، وأنهيناها بعلم النفس البيئي الذي يتخيل الأقاليم الشخصية بلا سياسة. وعلى طول الطريق، شاهدنا كيف تحوَّلَ الإطار العملي للإقليم من الأشكال الراسخة والرسمية والصارمة والعنيفة، إلى أشكالٍ أكثر انسيابيةً وغير رسميةٍ وزائلةٍ بل متنقلةٍ أيضًا. ربما يكون من الممكن فهم الخطابات التخصصية بوصفها تقوم بتشريح العالم وفقًا لمقياس بعينه، وفهم مسارنا بوصفه قد اتبع طريقًا من الكلي إلى الجزئي. ولكن مرةً أخرى، تمَّ التغاضي عن السؤال بشأن ما إذا كانت هذه المقاييس مُعبِّرةً والكيفية التي تُعبِّر بها. والإقليم في حد ذاته «متضمن» من قبل المقياس، والمقياس يُحدِّد للتخصُّصات المعرفية الموضعَ الملائمَ لها في المنظومات الحديثة لإنتاج المعرفة.

غير أن هذه الدراسة قد تكشف أيضًا عن قواسمَ مشتركةٍ مهمةٍ بين العديد من الرؤى المختلفة، وهذه القواسم المشتركة أصبحت موضعَ قدرٍ كبيرٍ من النقد مؤخرًا. ومن بين القواسم المشتركة الميل نحو رؤية الإقليم في إطار متضادات «إما/أو»، و«الداخل/الخارج» الثنائية الحادة نوعًا ما، مع «دواخل» موحدةٍ ومتجانسةٍ نوعًا ما وحدودٍ واضحةٍ نسبيًّا. وفي كل واحدٍ منها أيضًا يوجد ثبات واضح؛ حيث تتميز الاختلافات والعلاقات «الأفقية» على ما سمَّيته في الفصل الأول الاختلافات والعلاقات «العمودية». وتُشدِّد التخصصات المعرفية على الإقليم فيما يتعلَّق مثلًا بعلاقات الدولة/الدولة، أو المجموعة/المجموعة، أو النفس/النفس، وليس فيما يتعلق بعلاقاتٍ أكثر تعقيدًا وتباينًا؛ بمعنى أن هناك نزعةً قويةً لقراءة الإقليم كشيءٍ مميزٍ وسطَ أُطُرِ التشابُه التخصصية. يوجد أيضًا ثَمَّةَ انحياز نحو التركيز على هذا الإقليم أو ذاك أو الحد على نحوٍ مستقل، على حساب تحليل مجموعاتٍ إقليميةٍ أكثر تعقيدًا. علاوةً على ذلك، يوجد الإطار الذي تكون فيه كل نقطةٍ من النقاط المبالغ فيها من دراستنا مجردَ نسخةٍ من الأخرى؛ فمجالُ العلاقات الدولية ينظر إلى الدولة كنوعٍ من الذات الفردية الموحدة على نطاقٍ كبير، بينما يرى علمُ النفس الذاتَ كنوعٍ من الدولة السيادية على نطاقٍ صغير. وبالنسبة إلى كلٍّ منهما، ترتبط الإقليمية ارتباطًا مُحكَمًا بأفكار حرية الإرادة، ويُصاغ تصوُّرها في إطار الخوف، والخطر، والأمن، والتعدي، والسيطرة، والدفاع، والعنف، وفقدان النزاهة.

(٣) لاأقلمة المجالات المعرفية

في الثلث الأخير من القرن العشرين بدأ علماء من مجالاتٍ «أساسية» متنوعةٍ يسعَوْن على نحوٍ متزايدٍ لاستكشاف وسائلَ للهرب من إقليمية الإقليم، من خلال مجموعةٍ من المشروعات التي تجمع بين تخصصاتٍ متعددة. واعتمادًا على مجموعةٍ واسعةِ النطاق من الموارد النظرية؛ مثل: حركة ما بعد البنائية، وما بعد الحداثة، والاقتصاد السياسي، والحركة النسائية، بدأ هؤلاء الكُتَّاب في إبداء انعكاسيةٍ أكثر صراحةً فيما يتعلَّق بإنتاج المعرفة، والطرق التي تتبعها الرؤى التخصصية الثابتة من أجل كلٍّ من تركيز الانتباه على بعض جوانب الإقليمية وتحجيم نطاق البحث والاستقصاء. كذلك كان يوجد وعي متزايد بالعلاقة بين المعرفة (تمثيلات الإقليم) والسلطة. وفي ظل ازدياد التشكُّك بشأن بعض المزاعم — على الأقل — التي قُدِّمت باسم الحداثة، إنْ لم يكن بشأن فكرة الحداثة في جوهرها؛ أبدى بعض هذه المشروعات أيضًا حساسيةً متصاعدةً لتأثيرات المفاهيم التقليدية للإقليم. والحق أن موضوع الإقليم قد انخرط فيه كليًّا الكثير والكثير من العلماء والباحثين من العديد من المشروعات المتعددة التخصصات، لدرجةِ أن العصر الحالي يمكن، ببعض التبرير، اعتباره عصرًا ذهبيًّا لنظرية الإقليمية. ويُعَدُّ هذا، في جزءٍ منه، نتاجًا للتغير الجيلي وتكثيف التداخل بين المجالات والتخصصات عبر العلوم الاجتماعية. وفي جزءٍ آخَر، يُعَدُّ نتاجًا لتغيُّراتٍ ملموسةٍ في العالم تُثبِت على نحوٍ متزايدٍ عدمَ كفاية طرق الفهم التقليدية. ومن الصحيح أيضًا أن هذه المناهج الأحدث تميل أيضًا لأن تكون ناقدة؛ فهي ناقدة لأساليب الخطاب التخصُّصية الموروثة، وناقدة للطرق التي تمارَس وتُختبَر بها السلطة فعليًّا في مقابل الإقليمية، وناقدة لتورُّط الأولى في آليات الأخيرة. ونتاج كل هذا الاضطراب هو ظهور طرقٍ جديدةٍ لفهم الإقليم قلبت المفاهيم التقليدية ظهرًا لبطن.

في هذا الجزء من الدراسة سوف نبحث بعضًا من المشروعات المهمة المتداخلة الاختصاصات، بطريقةٍ تقتفي مسارَ أساليب الخطاب التخصصية التي استعرضناها في الأجزاء السابقة. سوف أناقش أولًا مناهجَ ما بعد البنائية لمعالجة العلاقات الدولية وظهور السياسة الجغرافية النقدية في الجغرافيا البشرية، وبعد ذلك سوف أتطرَّق إلى بعض القضايا الأساسية في الجغرافيا الجذرية والنقدية على نحوٍ أعم؛ نظرًا لارتباط هذه القضايا بالتفسيرات وطرق الفهم المتغيرة للإقليم. وسوف يتبع هذا استكشافٌ موجزٌ لدور نظرية الثقافة، وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، نظرية الحدود في عمليات إعادة التنظير الأخيرة. وسوف يُختتَم هذا الجزء بمناقشةٍ موجزةٍ لما قد يكون الموضوع الأشد جدلًا في المناقشات الحالية بشأن الإقليم: العولمة وآثارها المزعومة النازعة للأقلمة.

(٣-١) العلاقات الدولية الأحدث

لم يكن مجال العلاقات الدولية محصَّنًا ضد التغيرات النظرية والعملية للعصر؛ فقد حاول العديد من الممارسين — متأثرين بالنظريات والطرق الاجتماعية التي لم تكن تُشكِّل جوهر المعرفة العلمية لمجال العلاقات الدولية من قبلُ — الخروجَ من الصندوق المحدد ببنود «المناظرة الكبرى» بين الواقعيين والمثاليين. وكخطوةٍ أولى أخضعوا بنود المناظرة لتحليلٍ ونقدٍ مستمرَّيْن، وأفضى هذا إلى فحصٍ نقديٍّ للأفكار الأساسية الخاصة ﺑ «السيادة»، و«الفوضى»، و«العنصر الدولي»؛ إذ إن هذه الأفكار منتشرة في خطاب العلاقات الدولية التقليدي. ونظرًا لأن هذه المفاهيم جميعًا قد تم توضيحها من خلال مفاهيم الإقليمية التي لم تخضع لأي فحصٍ أو دراسة، فليس غريبًا أن تكون هذه الاستكشافات النقدية قد أسفرت عن ابتكار عمليات إعادة التصوُّر الجديدة والمثمرة للإقليم وعلاقته بالسلطة والمعنى والخبرة. سوف أتطرَّق هنا لثلاثة خطوط للنقد: التأريخ، والاستطراد، والتحوُّل في التركيز من الأقاليم كحاوياتٍ ثابتةٍ إلى الحدود التي تحددها وقابلية تحرُّك الأشخاص الذين يعبرون هذه الحدود.

ولما كان خطاب إدارة الدولة في العلاقات الدولية والسياسة الجغرافية يفترض أن الدولة الإقليمية بمثابة تطويعٍ مكانيٍّ أوليٍّ شبه طبيعيٍّ للسلطة، تكون إحدى المهام الأساسية لنظرية العلاقات الدولية النقدية هي تأكيد تاريخية هذا التكوين. وهذا لا يعني مجرد تتبُّع ظهور و«نشوء» الدولة الإقليمية وانتشارها عالميًّا، ولا يعني أيضًا أن الاستقصاء مقتصر على دراسة التشكيلات المتغيرة داخل إطارٍ دائمٍ وقوي، كما في الجغرافيا السياسية التقليدية، بل يعني أن نظرية العلاقات الدولية النقدية تُشدِّد على «الاحتمالية» التاريخية والثقافية والسياسية للإطار ذاته، بمعنى أنه يرمي إلى نزع السمات الطبيعية، ومن ثَمَّ إعادة تسييس واحدةٍ من أكثر العلاقات الحديثة جوهريةً بين السلطة والإقليم. ويكتب آر جيه بي ووكر، أحد الرواد في هذا المسعى، قائلًا:

ظهر المبدأ الحديث لسيادة الدولة تاريخيًّا باعتباره الصيغة القانونية لطبيعة وشرعية الدولة … وعلى أبسط المستويات، يُعبِّر عن ادِّعاء الدولِ الحقَّ في ممارسة سلطةٍ شرعيةٍ داخل حدودٍ إقليميةٍ محددةٍ تحديدًا صارمًا. وهذا الزعم الآن يبدو طبيعيًّا وبارعًا … فالمزاعم بشأن سيادة الدولة توحي بالبقاء والاستمرار؛ حيز إقليمي غير متغير نسبيًّا ستشغله دولة تتسم بتغيُّرٍ زمني، أو وعاءٍ مكانيٍّ ومؤسسيٍّ سوف تشغله تطلعات ثقافية أو عِرْقية لشعبٍ ما. الحكومات والأنظمة قد تأتي وتذهب، ولكن الدول ذات السيادة تستمر للأبد. (١٩٩٣، ١٦٥-١٦٦)

على النقيض من هذا يروي ووكر قصةً من نوعٍ مختلف، فيروي لنا أنه «ذات يوم»:

لم يكن العالم كما هو الآن؛ فأنماط الدمج والإقصاء التي نعتمدها الآن كمسلَّماتٍ هي ابتكارات تاريخية، ومبدأُ سيادة الدولة هو التعبير الكلاسيكي لتلك الأنماط؛ تعبير يُشجِّعنا على الإيمان بأن تلك الأنماط إما دائمة (الواقعية) وإما أنه لا بد من مَحْوها لصالح مدينةٍ عالميةٍ من نوعٍ ما (المثالية). وإرساؤه للوحدة والتنوُّع، أو الداخل والخارج، أو المكان والزمان؛ غير طبيعي ولا حتمي، إنه جزء بالغ الأهمية من ممارسات جميع الدول الحديثة، ولكن تلك الممارسات ليست طبيعية أو حتمية هي الأخرى. (١٩٩٣، ١٧٩)

إذا كانت أقلمة السلطة السياسية تُوصَف في إطار الاحتمالية أكثر من الضرورة، فإن خطوطًا جديدةً من الاستقصاء والبحث تتفتح قد تتيح للمرء مزيدًا من الفهم والاستيعاب للإقليمية.

ثَمَّةَ مهمة ثانية ونقدية ذات صلة، هي التأكيد على الإقليم باعتباره «أثرًا» للممارسات الخطابية (ومن ثَمَّ إشارات ووكر إلى «المزاعم» و«التعبيرات»)، وتركيز انتباهٍ خاصٍّ على الطرق التي تعمل بها هذه المطالبات والافتراضات في أساليب الخطاب التقليدية فيما يتصل بالعلاقات الدولية، وفن الحكم، والشئون الخارجية، وبالتبعية في الخيال الشعبي (جورج ١٩٩٤). والخطاب هنا لا يشير ببساطةٍ إلى النقل الشفاف والواضح ﻟ «المعاني» فيما يتعلق بالخطوط الفاصلة والمساحات، أو حتى إلى آليات البلاغة، بل يشير إلى الأساليب المنظمة النمطية للتفكير والقول والكتابة والفعل، التي تؤدِّي إلى تنميط أو تعميم السيادة، والإقليم السيادي، وما يرتبط بهما من صورٍ ومتناقضات. وفي مواجهة هذا، يقدِّم ووكر:
قراءة للنظريات الحديثة للعلاقات الدولية كخطابٍ يجسد تجسيدًا منهجيًّا أنطولوجيا مكانية خاصة من الناحية التاريخية؛ توصيفًا دقيقًا لهذا المكان أو ذاك، وخطابًا يوضِّح، ويثبت دومًا، وجودَ أو غياب الحياة السياسية داخل وخارج الدولة الحديثة باعتباره الأرضية الوحيدة التي يمكن على أساسها فهم الضرورات الهيكلية، ويمكن الكشف عن مجالاتٍ جديدةٍ للحرية والتاريخ. (١٩٩٣، ix)

علاوةً على ذلك، لا تُعَدُّ هذه الخطابات الإقليمية التقليدية وما يرتبط بها من مزاعم المعرفة، القائمة على خبرةٍ من نوعٍ خاص، والمدعومة بنظريات العلاقات الدولية الموروثة؛ جامدةً فيما يتعلق بالآليات العملية للسلطة. وبحسب تعبير فيليب داربي، «العلاقات الدولية كنظامِ فكرٍ لا يمكن فهمها بمعزلٍ عن الوضع المسيطر للغرب في العلاقات العالمية، وخاصةً التفوُّق التاريخي لبريطانيا والولايات المتحدة» (٢٠٠٣، ١٤٩). أغلب الظن أن داربي يقصد أن هذه العلاقات لا يمكن فهمها «على نحوٍ دقيق»؛ لأنها بالتأكيد تُفهَم، في أغلب الأحيان، بمعزلٍ عن هذه الظروف السياسية. ولكن بمزيدٍ من الصراحة الحادة يقول سميث: «بِاسم التنوير والمعرفة، مالت النظرية الدولية لأنْ تكون خطابًا متقبِّلًا لخلق وإعادة خلق الممارسات الدولية التي تُهدِّد وتُؤدِّب وتُسيء إلى الآخرين، ومتورطًا في ذلك» (١٩٩٥، ٣). ومن بين أبرز مزاعم المعرفة الأساسية تلك المزاعم المتعلقة بالإقليم.

يفحص مُنظِّر بارز آخَر للعلاقات الدولية النقدية، وهو ريتشارد آشلي، أيضًا «النزعات التأويلية المسيطرة» لنظرية العلاقات العامة التقليدية؛ ففي مؤلَّفٍ بعنوان «السياسة الجغرافية للحيز الجيوسياسي» (١٩٨٧)، يقترح بدلًا من ذلك اتخاذ «موقف نَسَبي» تجاه الخطاب السائد للسيادة الإقليمية للدولة؛ فهذا موقف تشكُّكي تجاه إنتاج وتداول مزاعم المعرفة التي:

تهيئ المرء لاعتبار «استقلالية» و«هوية» المجال بمنزلة نتيجةٍ لاستعراضات القوة بين العناصر المتعددة. فيُهيَّأ المرء للبحث عن استراتيجيات وتقنيات وطقوس القوة التي تُستبعَد بها موضوعاتٌ ومفاهيمُ وقصصٌ وممارسات، أو يتم إسكاتها، أو تبديدها، أو إعادة جمعها، أو منحها تأكيدًا جديدًا أو معكوسًا، ومن ثَمَّ تفضيل بعض العناصر على أخرى، وفرض الحدود، وتطبيق الانضباط بطريقةٍ تنتج هذا الشق المعياري من الحيز العملي فقط. (١٩٨٧، ٤١)

يشير هذا «الحيز» في الوقت نفسه إلى التكوين الخطابي ﻟ «مجال» العلاقات العامة في مقابل العلوم السياسية، وإلى تمثيلات الإقليم السياسي التي تضمن «استقلاليته» و«هويته» المفترضة، والتي لا تقبل الانفصال فعليًّا عنه كمجالٍ للخبرة الموثوق فيها. ولعل هذا الخطاب المكاني هو الأوضح فيما يتعلق بمتضادات الداخل/الخارج الهيكلية، والتي تتضح وفقًا لها متضادات السيادة/الفوضى، والمحلي/الأجنبي، والقومي/الدولي.

إن الهدف من هذه الممارسات النقدية، مرةً أخرى، هو توضيح «عَرَضية» — عدم ضرورة — أساليب التفكير، وممارسات التنظير، و«طرق تشكيل العالم» المرتبطة بالإقليمية الحديثة المتركزة حول الدولة، والهويات الخاضعة للأقلمة. إن الهدف هو التأكيد على أن هذه الممارسات متوقِّفة على توزيعاتٍ قائمةٍ للسلطة وعلى توفير منفذٍ نتخيل من خلاله احتمالات أخرى، وتوليفات أخرى من «الحيز – السلطة – المعنى – الخبرة» خلاف تلك التي تقر بها الإقليميات الأخرى. ويختتم ووكر كتابه «الداخل/الخارج» (١٩٩٣) بمطالبتنا بتخيُّل كيف قد يصبح ممكنًا «صياغةُ وصفٍ معقولٍ للهوية، أو الديمقراطية، أو المجتمع، أو المسئولية، أو الأمن، دون افتراض وجود حيزٍ إقليمي؛ حدٍّ قاطعٍ يفصل بين هنا وهناك» (ص١٨٢).

والانتباه إلى الآليات الخاصة بداخل/خارج منقسم في الوعي وفي الطرق التي تُقدِّم بها عمليات أقلمة السلطة، الحديثة والمتركزة حول الدولة، دعمًا للمضادات الأخرى؛ يُعَدُّ جزءًا من تَحوُّلٍ أوسع نحو التحليل النقدي للحدود. قد يُنظَر إلى الحدود على أنها مختلفة عن الأطراف الواضحة الثابتة للدول السيادية. وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، في النظرية النقدية للعلاقات الدولية يوجد تحوُّل عن النظر إلى الأقاليم كحاوياتٍ مغلقةٍ باتجاه استكشاف حركات التنقُّل العابرة للحدود، وسوف أتناول هذا الموضوع بمزيدٍ من التفصيل أدناه. أما فيما يتعلق بالأهداف الحالية، فيُنظَر إلى الاعتراف بحركات التنقُّل العابرة للحدود بوصفه أمرًا يتطلب إعادةَ توجيهٍ للفكر التقليدي للعلاقات الدولية بشأن الإقليم؛ فيؤكد بيتر ماندافيل، على سبيل المثال، أنه نظرًا لتزايد أهمية ما سمَّاه «التنقُّل عبر المحلي» في الحياة الاجتماعية العالمية، «قد تمر الطبيعة الأساسية للإقليمية بتغيُّرٍ معين» (١٩٩٩، ٦٥٣). بل إنه يذهب إلى أن «الإقليم بمعناه الكلاسيكي — الذي أفهمه كمجالٍ محدودٍ بالولاية الخالصة لنفوذٍ سياسيٍّ بعينه — ربما لم يَعُدْ يُشكِّل الحيز الأساسي للموقف السياسي» (ص٦٥٤). ويكتب قائلًا: «لقد صارت الحدود أكثر نفاذيةً بفضل التعبيرات الملموسة والمادية للكيان السياسي. والناس يعيشون حياتهم عبر الأقاليم وبينها وليس داخل «الصناديق الصغيرة» للمساحة الرسمية للدولة» (ص٦٥٨). وهو يؤيد تحويلَ مُنظِّري العلاقات الدولية انتباهَهم إلى دراسة «سياسة التنقُّل عبر المحلي» التي استطاعت، بحسب زعمه، أن تُقدِّم «وصفًا أكثر ثراءً للهوية، والمجتمع، والإقليم» (ص٦٥٥). ولم تمر هذه الأطروحة الخاصة ﺑ «اللاأقلمة» دون جواب، كما سنرى فيما يلي؛ فقد أخضع مُنظِّرو العلاقات الدولية الأكثر حداثةً طرقَ الفهم الموروثة للإقليم لمستوًى غير مسبوقٍ من التحليل النقدي؛ فالعالم البديهي للدول القومية السيادية وما يرتبط بها من هوياتٍ وقوًى يبدو أكبر قليلًا من مكانٍ للعبة خداع تُمارَس على نطاقٍ كوكبي.

(٣-٢) السياسة الجغرافية النقدية

ثَمَّةَ إسهام مهم في إعادة التنظير العامة للإقليمية المتركزة حول الدولة، هو مشروع السياسة الجغرافية النقدية الذي طُوِّر في الأساس على يد الجغرافيين السياسيين. ووفقًا للمساهمَيْن الأساسيَّيْن سايمون دالبي وجيرويد أوتواثيل، يُعَدُّ هذا «استجوابًا فكريًّا مستمرًّا لسياسة المعرفة الجغرافية في كلٍّ من السياسة الدولية والقومية، وعلى نحوٍ متزايدٍ في تلك الأماكن التي تُفنِّد هذه الاختلافات» (١٩٩٦، ٤٥٢). وكتب أوتواثيل أن:

«السياسة الجغرافية النقدية» تُبشِّر بدرجةٍ جديدةٍ من التسييس لطرق فهم الجغرافيا، ودرجةٍ جديدةٍ من الجغرفة لدراسة السياسة العالمية. إنها تسعى لتجاوز الحدود وتتحدَّى ما يُعتقَد أنه هويات أساسية، سواءٌ أكانت مجتمعاتٍ متخيَّلةً أم حدودًا فلسفية موروثة. (١٩٩٤، ٥٢٥)

ومن بين الأهداف الرئيسية لها تحليلُ جوهرِ فكرة «السياسة الجغرافية» وآثارها نقديًّا؛ على سبيل المثال: يعرض أوتواثيل هذا التعريف القياسي إلى حدٍّ ما ﻟ «السياسة الجغرافية»، مثلما قدَّمه الجغرافي السياسي سول كوهين: «إن جوهر التحليل السياسي الجغرافي هو علاقة النفوذ السياسي الدولي بالموقع الجغرافي» (كوهين ١٩٧٣، ٢٩). بعد ذلك يشير إلى أنه في طيات هذا التعريف البسيط تختبئ افتراضات بأن:

السياسة الجغرافية هي نقطة محددة، وهوية معروفة، ووجود. وتوجد هذه النقطة في التقاطع ما بين مجالين أو إقليمين منفصلين للمعرفة، هما: «النفوذ السياسي الدولي» و«الموقع الجغرافي». وموضعُ تقاطعِ هاتين الأرضين هو موقع السياسة الجغرافية. والعلاقات الترابطية لهذا المصطلح ترسم خريطةً لعلاقةٍ بين الجغرافيا وما يقابلها (التاريخ/السياسة/الأيديولوجيا). وداخل التقليد الجغرافي السياسي تبرز الجغرافيا طبيعيةً لا تاريخية، سلبيةً لا ديناميكية، دائمةً لا زائلة، صُلبةً لا مائعة، خشبةَ مسرحٍ وليس دراما. (أوتواثيل ١٩٩٤، ٥٣١)

يحلِّل الجغرافيون السياسيون النقديون أيضًا كتاباتِ الأعلام البارزة في مجالَي السياسة الجغرافية والجغرافيا السياسية التقليدية مثل راتزل وهارتشورن، ويقرنونها بسياقٍ سياسيٍّ من أجل إثباتِ تواطُؤ منتجي المعرفة وشرعنة السلطة (باسين ٢٠٠٣؛ هيفرنان ٢٠٠٠؛ كيرنز ٢٠٠٣). وتهدف السياسة الجغرافية النقدية إلى زعزعة المفاهيم البديهية المسلَّم بها للإقليم التي يستند إليها جزءٌ كبيرٌ من الفكر المعاصر بشأن السلطة على جميع مستويات التحليل والخبرة.

من ضمن المساهمين المهمين في إعادة التفكير بشأن الحيز السياسي الجغرافي جون أجنيو. يُقدِّم أجنيو، اعتمادًا على علماء وباحثي العلاقات الدولية أمثال ووكر وآشلي، تحليلًا لما يُطلَق عليه «المصيدة الإقليمية» (١٩٩٤، أُعِيد طباعته في أجنيو وكوربريدج ١٩٩٥). تتألَّف هذه المصيدة التحليلية من «الافتراضات الجغرافية المحددة والضمنية التي تدعم التمثيلات التقليدية» للإقليم السياسي في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية (١٩٩٥، ٧٩). وكذلك تكفل جزءًا كبيرًا من المنطق السليم الذي لم يخضع للفحص لمعظم التخصصات الاجتماعية.

من وجهة النظر هذه تكون الدول بمنزلة جهاتٍ فاعلةٍ مركزيةٍ تتحدَّد طبيعتها بتفاعُل كلٍّ منها مع الأخرى. وكل دولةٍ تباشِر عمليةً حسابيةً لحساب مدى تعاظم مكانتها بالنسبة إلى الدول الأخرى. ولا توجد وحدة مكانية خلاف إقليم الدولة متضمَّنة في العلاقات الدولية. أما العمليات التي تتضمَّن الوحدات الفرعية للدولة (مثل المراكز المحلية والمناطق)، أو وحدات أكبر (مثل مناطق عالمية، أو الكرة الأرضية)؛ فتُستبعَد بالضرورة. (١٩٩٥، ٨١-٨٢)

أول و«أهم» المفاهيم الخاطئة هو ذلك الذي يفيد بأن «الدول تجسدت كمجموعةٍ من الوحدات الثابتة لحيز سيادي؛ فقد عمل هذا على تجريد عمليات تكوين وتفكيك الدولة من الطابع التاريخي والسياق. وقد عوَّلت كلٌّ من الواقعية والمثالية تعويلًا بالغًا على هذا الافتراض» (أجنيو وكوربريدج ١٩٩٥، ٨٣-٨٤). وهذا الجزء من المصيدة يضع «الأمن» — الذي «يُساء» فهمه بطريقةٍ خاصةٍ للغاية — في قلب الاختصاص السياسي الجغرافي. «إن ما على المحك هو بقاء الدولة ودفاعها عن أرضها؛ فالسيادة الإجمالية للدولة على مساحتها الإقليمية في عالَمٍ مفتَّتٍ إلى دولٍ إقليمية؛ تمنح الدولةَ أقوى مبرراتها، ودون هذا ستكون الدولة مجردَ مؤسسةٍ أخرى» (ص٨٤). يتعلق الافتراض الثاني ﺑ «استخدام تقاطبات المحلي/الأجنبي والقومي/الدولي الذي عمل على إضفاء نوعٍ من الغموض على التفاعُل بين عملياتٍ تعمل على نطاقاتٍ مختلفة» (ص٨٤). والاعتماد المطلق على هذه التقسيمات المفاهيمية من شأنه تيسير إنكار عمودية الإقليم؛ وهذا بدوره يُضفي غموضًا على سريان القوى والعمليات الأقل قابليةً لقراءةٍ أفقيةٍ مستويةٍ للسلطة الإقليمية. أما المفهوم الخاطئ الأساسي الثالث فهو مفهومٌ يفيد بأن «الدولة الإقليمية كان يُنظَر إليها باعتبارها قائمةً قبل المجتمع وحاويةً له؛ ونتيجةً لذلك يصبح المجتمع ظاهرةً قومية. وهذا الافتراض مشترك بين جميع أنواع نظرية العلاقات الدولية» (ص٨٤). وحين يضع محلل (أو أي شخصٍ آخر) هذه الافتراضات، يكون قد وقع في المصيدة، ولا يخلو هذا من وقوع أشد العواقب؛ خاصةً فيما يتعلق بقدرة الفرد على تقييم الأحداث المعاصرة؛ على سبيل المثال: تُيسِّر المصيدة الإقليمية كثيرًا النظرَ إلى الحرب باعتبارها مواجَهةً عنيفة، لنَقُلْ بين «الولايات المتحدة» و«العراق»، التي يَفترض كلٌّ منهما أنه كيان موحد غير ملتبس؛ ومن ثَمَّ تُضفِي غموضًا على آليات العسكرية العالمية، على سبيل المثال، والسيطرة الاقتصادية للنفط، ودور الموارد المالية الدولية، والأصوليات الدينية، والمستوى المرتفع من السخط السياسي داخل كلٍّ من هذه الساحات السياسية. وبالمثل، عندما يُنظَر إلى الهجرة عبر الحدود الأمريكية المكسيكية من منظور المصيدة، «يرى» المرء صراعاتٍ بين الدول القومية، ولكنه يعجز عن «رؤية» ديناميكيات العِرْق، والطبقة الاجتماعية، والنوع، وإعادة هيكلة التقسيم الدولي للعمل التي تُعَدُّ، كما يزعم، أكثر أهميةً.

ولكن أجنيو يذهب إلى أن:

كلًّا من هذه الافتراضات إشكالي وتتزايد إشكاليته؛ فالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا يمكن احتواؤها وجوديًّا داخل الحدود الإقليمية للدول. والحركات السكانية المعقَّدة، والحركية المتنامية لرأس المال، والاعتماد البيئي المتبادَل المتزايد، و«السياسة الوقتية» للتقنيات العسكرية الجديدة؛ تتحدَّى الأساسَ الجغرافيَّ لنظرية العلاقات الدولية التقليدية. (أجنيو وكوربريدج ١٩٩٥، ١٠٠)

ولعل الطريقة المُثلى لفهم السياسة الجغرافية النقدية هي اعتبارها مُكوِّنًا للجغرافيا النقدية على نحوٍ أعم. ويشترك الجغرافيون مع العلماء في التخصصات الاجتماعية الأخرى في تأثُّرهم بمجموعةٍ ممتدةٍ من الموارد النظرية خلال الجيل الأخير والمساهمة فيها، مثل أن المواضع النظرية (والمحادثات الدائرة داخِلَها) غالبًا ما تكون أهمَّ من المواضع المعرفية (والمحادثات الدائرة بداخلها)؛ على سبيل المثال: قد يكون الجغرافيون النسويون على اتصالٍ أكثر اكتمالًا مع النسويين في تخصصات أخرى مقارَنةً بغيرهم من الجغرافيين؛ وقد يشعر جغرافيو ما بعد الحداثة برابطةٍ أقوى مع غيرهم من المنتمين إلى ما بعد الحداثة من الجغرافيين الآخَرين. وبينما تُعنى الجغرافيا البشرية بما هو أكثر بكثيرٍ من الإقليم، كان للكثير من التطوُّرات النظرية أثرٌ عميقٌ على الكيفية التي أُعِيد بها تصوُّر الإقليم.

في إطار التأثير الأوَّلي والأهمية الدائمة داخل المجال ووراءه، لا يمكن أن تكون هناك مبالغة في تقدير ظهور الفلسفات الماركسية والفلسفات الأخرى للجغرافيا؛ فعلى النقيض من المفاهيم السائدة لما ترمز إليه «سياسة» الجغرافيا السياسية، بدأ الجغرافيون الماركسيون (أمثال ديفيد هارفي، ودورين ماسي، وريتشارد بيت، ونيل سميث، وآخرين عدة) في وضع تفسيرات الإقليم (والحيز والمكان على نحوٍ أعم) داخل سياق العمليات التاريخية الخاصة بتراكم رأس المال، والإنتاج الصناعي، وعلاقات العمل، والتطوُّر غير المتكافئ، والاستهلاك (ستوربر وسكوت ١٩٨٦؛ ستوربر وَووكر ١٩٨٩). فقد بات يُنظَر إلى الأقاليم على نحوٍ متزايدٍ بوصفها تعكس، أو تُعزِّز، أو تُقوِّض آليات قوًى اجتماعيةٍ أكثر انتشارًا وتغلغلًا، وليست مجرد حاوياتٍ للسلطة السيادية. فيكتب هارفي أن «الأقلمة في النهاية هي نتاجٌ لصراعاتٍ سياسيةٍ وقراراتٍ تُتَّخذ في سياق الظروف التكنولوجية والسياسية والاقتصادية» (٢٠٠٠، ٧٥). كذلك يربط الجغرافيون الماركسيون التقييمات المعيارية لهذه العمليات بمخاوفَ صريحةٍ بشأن العدالة الاجتماعية والمعاناة البشرية الواقعية التي ترتَّبت على الأساليب الرأسمالية للإنتاج والتنظيم الاجتماعي. إذًا فالتشكيلات الإقليمية في اقتصادٍ سياسيٍّ رأسماليٍّ ليست مقتصرةً على حاوياتٍ ثابتةٍ ثنائية الأبعاد، حتى إنه قد لا يكون من الممكن رسم خريطةٍ لها بواسطة وسائلَ خرائطيةٍ تقليدية؛ بل إنها تتشكَّل عن طريق تحويل المجموعات التي تعكس العمليات المتأصلة في تراكم رأس المال، وتُعززها وتعيد استنساخها، وفي بعض الأحيان تُقوِّضها. وفي كتابٍ مؤثرٍ بعنوان «السياسة الجغرافية للرأسمالية» (١٩٨٥)، يكتب هارفي أن «التناقضات الداخلية للرأسمالية يُعبَّر عنها من خلال التشكيل وإعادة التشكيل المستمرَّيْن للمشاهد الجغرافية. هذا هو الإيقاع الذي يجب أن ترقص عليه الجغرافيا التاريخية للرأسمالية وما يرتبط بها من عمليات أقلمةٍ وإعادة أقلمةٍ بلا توقُّف» (ص١٥٠). وتسري هذه العملية في عملياتٍ اجتماعيةٍ-مكانيةٍ واسعة النطاق، وتكون مقروءة وواضحة فيها، مثل تكوين الدولة (وتفكيكها)، والاستعمارية، وإزالة الاستعمار، وكذا عمليات الاستثمار وسحب الاستثمارات الأصغر نطاقًا والمعبَّر عنها محليًّا، وعمليات الأقلمة الجزئية المرتبطة بتقسيم أسواق العمل وتنظيم أو تفكيك أماكن العمل.

ثَمَّةَ فكرة مفيدة على نحوٍ خاصٍّ وظَّفَها الكثير من الجغرافيين النقديين، ولها تداعيات مهمة على فهم آليات عمل الإقليمية، وهي فكرة «إنتاج الحيز». صِيغَ هذا المفهوم في البداية على يد الفيلسوف الماركسي الفرنسي هنري لوفيفر. تبدأ الفكرة بفرضيةٍ مفادها أن الحيز الاجتماعي — بما في ذلك التشكيلات الإقليمية دون الاقتصار عليها — هو «منتج «اجتماعي»؛ ومن ثَمَّ يعمل الحيز الناتج أيضًا كأداةٍ للتفكير والفعل … وهو أيضًا وسيلةٌ للرقابة، ومن ثَمَّ الهيمنة والسلطة؛ غير أنه لا يلحظ جزئيًّا من جانب أولئك الذين يستفيدون منه» (١٩٩١، ٢٦). وقد وجد العديد من الباحثين أن تمييز لوفيفر بين «تمثيلات الحيز» و«التمثيلات المكانية» مفيد على نحوٍ خاص؛ فتشير «تمثيلات الحيز» إلى «حيز متصور، حيز العلماء، والمخططين، ومخططي المدن الحضرية، والتكنوقراط، والمهندسين الاجتماعيين» (ص٣٨)، بينما تدل «المساحات التمثيلية» على «الحيز مثلما يعاش مباشَرةً من خلال الصور الذهنية والرموز المرتبطة به، ومن ثَمَّ يشير إلى حيز السكان» (ص٣٩). قد يرصد هذا الاختلاف الفرق بين كيفية تخيُّل الإقليم وتمثيله من قِبل ممارِسي العلاقات الدولية التقليدية، والسياسة الجغرافية، وإدارة الدولة، والزراعة الجماعية أو تفكيك الزراعة الجماعية، والتخطيط، ومن قِبل المحامين والقضاة العقاريين من جانب؛ وبين الكيفية التي يُختبَر بها من قِبل المهاجرين، أو اللاجئين، أو جنود الاحتلال، أو المستأجرين على الجانب الآخر. من الممكن الدفع بأن العديد من وجهات النظر بشأن الإقليم التي استعرضناها في الجزء الأول من هذا الفصل يعطي مثالًا على «تمثيلات الحيز» اللوفيفرية؛ فقد تُفهَم آليات الإقليم جزئيًّا بالإشارة إلى التوترات أو التناقضات بين هذه النزعات المتباينة (والمتعارضة) نحو الحيز والممارسات التي تشترطها هذه التناقضات. ومع إشارةٍ خاصةٍ إلى عمليات الأقلمة للدولة السيادية ونظام الملكية الحرة، يُوجِّه لوفيفر انتباهَنا إلى التناقض «بين مظهر الأمن والتهديد المتواصِل، وبالطبع الاندلاع العارض للعنف» (ص٥٣).

يُقدِّم كتاب «إنتاج الحيز» مواردَ لا حصرَ لها لإعادة تصوُّر الإقليمية، وفيما يتعلَّق بأهداف هذه «المقدمة القصيرة»، سوف أُركِّز فقط على انهيار الاختلاف الوجودي بين الإقليم (أو «الحيز» على نحوٍ أعم) و«المجتمع»، وظهور مفاهيمَ أكثر «جوهريةً» مثل «المكانيات»، أو «المكاني-الاجتماعي»، التي تنقل جزءًا كبيرًا من الجغرافيا النقدية المعاصرة؛ فقد أسهم إدوارد سوجا، على سبيل المثال، معتمدًا على عمل لوفيفر ومفسرًا له، في تفكيك الاختلاف الموروث بين «المجتمع» و«الحيز»؛ فكتب يقول: «أنْ تحيا هو أن تُشارِك في الإنتاج الاجتماعي للحيز، أنْ تُشكِّل وتتشكَّل بمكانيةٍ دائمة التطوُّر وتُضفِيَ طابعًا ماديًّا على الحراك والعلاقة الاجتماعيين» (١٩٨٥، ٩٠). ويؤكِّد على أن «الحياة الاجتماعية مُكوِّن للحيز وعارِض للحيز» (ص٩٤). وقد قام سوجا بتطوير وتوسيع نطاق بعضٍ من هذه الأفكار في كتابه المؤثر للغاية «جغرافيات ما بعد الحداثة» (١٩٨٩). الفكرة بالنسبة إلينا هي أنه في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بدأ الإقليم يُدرَك ليس كشبكةٍ غير فاعلةٍ من الخطوط والمساحات التي تُميِّز ببساطةٍ الحاوياتِ المتعددةَ لما هو اجتماعي، بل كشيءٍ مُقحَمٍ على نحوٍ لا يقبل الانفصال تقريبًا في جميع جوانب الحراك الاجتماعي، والوجود، والوعي، والخبرة الإنسانية بطريقةٍ ما أو بأخرى.

ثَمَّةَ تطوُّرٌ آخَر مهمٌّ في الفكر الاجتماعي فرَضَ إعادةَ التفكير في البنائية المتبادلة ﻟ «المكاني» و«الاجتماعي»؛ إنه تطوير وتوسيع انتشار الأساليب النسوية للتحليل والنقد المكاني-الاجتماعي؛ فالجغرافيون النسويون، والنسويون في مجالاتٍ أخرى من المهتمين بالعلاقة بين الحيز والسلطة والخبرة، لا يميلون لتقديم العلاقات كفكرةٍ أو موضوعٍ في إطار الإقليم في حد ذاته، مفضِّلين بدلًا من ذلك الكتابة عن الحيز والمكان. غير أنني أشير إلى أن أساليب الفهم النسوية للحيز والسلطة ضروريةٌ من أجل رؤيةٍ أوضح لكيفية ممارسةِ ومعايشةِ الإقليم (آيكين وآخرون ١٩٩٨؛ ماكدويل وشارب ١٩٩٧).

يتعقَّب كتاب «وضع المرأة» (٢٠٠١) تأليف دوموش وسيجر، على سبيل المثال، العلاقةَ بين النوع، والجنسانية، والسلطة الأبوية، والتحييز التاريخي للحياة الاجتماعية على مستوياتٍ متعددةٍ من الخبرة والخيال. ويُركز الكثير من أهم جوانب تحليلهما على ما يُطلِق عليه الآخَرون عملياتِ أقلمة: الفصل القائم على النوع بين «العمل» و«المنزل»، والتحييز المنقسم ﻟ «العام» و«الخاص»، وتقسيم العمل القائم على النوع. ويتناولان أيضًا أقلمة الحيز الحضري، بقيوده واستثناءاته التي تُميِّزه، والدور التأسيسي لأيديولوجيات النوع (والخبرات المتباينة) في مشروعات القومية والاستعمارية والإمبريالية؛ فكل هذه الأمور تُظهِر التشكيلات الإقليمية المتغيِّرة والكثيفة التي عِيشت في إطارها الحياة — حياة الرجال والنساء على حدٍّ سواء.

تعمل التحليلات النسوية لتاريخ وسياسة الحيز الاجتماعي القائم على النوع على توسيع طرق فهمنا للعلاقات المعقدة للسلطة، والأيديولوجيا، والخبرة، والأشكال المتعددة للأقلمة. ومن الإسهامات المهمة ازديادُ الوعي بأن مسائل النوع والنشاط الجنسي استُبعِدت على نحوٍ ممنهجٍ من جميع المعالجات التقليدية تقريبًا — وكذا من المعالجات «النقدية» الكثيرة للغاية — للإقليم. كذلك تستكشف القراءات النسوية للإقليمية كيف تتقاطع الأشكال التاريخية والمتغيرة ثقافيًّا من الإقليميات القائمة على النوع، مع القوى الاجتماعية الأخرى وتعمل على تكييفها، حتى عندما تتطلَّب منَّا مراجَعةَ المفاهيم الموروثة بشأن «العمل»، أو «الجانب السياسي»، أو «المواطن». وأخيرًا توفر موارد لوضع مفاهيم تتعلَّق بتعبيرات وممارسات الإقليم على جميع مستويات التحليل من الجسدي الداخلي (المهبلي، الرحمي) إلى العالمي. كذلك فتحت الدراسات المكانية النسوية طرقًا لإعادة التفكير في هذه الصلات في سياقاتٍ أخرى للسلطة، كتلك التي تُركِّز على التوجُّه الجنسي، والعِرْق، والإعاقة، والسن.

(٣-٣) نظرية الثقافة

ثَمَّةَ مشروع آخَر متداخِل الاختصاصات كان له تأثير كبيرٌ على التصوُّر الحديث للإقليم؛ إنه نظرية الثقافة، ولمزيدٍ من التحديد: نظرية الحدود. انبثقت نظرية الثقافة من التطوُّرات في مجال الأنثروبولوجيا التي بدأ فيها الأنثروبولوجيون في فحص المفاهيم التقليدية للثقافة نقديًّا بطرقٍ مشابهةٍ لإعادة تقييم «السيادة» في العلاقات الدولية، و«الحيز» في الجغرافيا، و«السياسة» في النظرية النسوية. وكما هي الحال مع المشروعات الأخرى المتداخِلة الاختصاصات، أدَّى هذا إلى إعادة تقييمٍ للكيفية التي هيَّأت بها التمثيلاتُ المسلَّم بها الرؤى البديهية للموضوعات الأساسية لهذه التخصصات. كذلك أثَّرَتْ تفسيراتٌ أحدث للحيز والثقافة، بشكلٍ متبادل، على النظرية النقدية للعلاقات الدولية والجغرافيا النقدية، خاصةً في المناقشات الخاصة بأهمية العولمة.

في كتابهما «ما وراء «الثقافة»: الحيز والهوية وسياسة الاختلاف» (١٩٩٧أ)، ينتقد جوبتا وفيرجسون «التماثُل المفترض للحيز، والمكان، والثقافة» (ص٣٤) وجذَبَا الانتباه، بدلًا من ذلك، إلى «عالَم تصبح فيه الهويات، على نحوٍ متزايد، خاضعةً للأقلمة ولو اختلفت الكيفية، إنْ لم تكن غير خاضعةٍ لها كليًّا» (ص٣٧). إنه عالم يصبح فيه ««هنا» و«هناك» ضبابيَّيْن» (ص٣٨). يحاول هذان الكاتبان الكشف عما تُخفيه التمثيلات الإقليمية التقليدية للثقافة والهوية؛ ما يعني أنهما ينتقدان نسخةً ثقافيةً من المصيدة الإقليمية. أولًا: تميل الخطابات الموروثة للثقافة والهوية إلى تجاهُل «أولئك الذين يقطنون الحد، ذلك «الشريط الضيق الممتد على طول أطرافٍ منحدرة» للتخوم القومية؛ فيصير أدب الثقافات كظواهرَ مميزةٍ أشبه بشيءٍ ماديٍّ تشغل مساحاتٍ متمايزةً غير منطقيةٍ بالنسبة إلى أولئك الذين يقطنون مناطق الحدود» (ص٣٤). ثانيًا: تفترض أساليب الخطاب المتعلِّقة بالمجالات المعرفية قدرًا كبيرًا من التجانس الثقافي، وتُضفِي غموضًا على جوانب اللاتجانس «داخل» المساحات الإقليمية أو تتجاهلها؛ على سبيل المثال: «تحاوِل فكرةُ «الثقافات الفرعية» الحفاظَ على فكرة «الثقافات» المتمايزة، بينما تعترف بعلاقة الثقافات المختلفة بثقافةٍ سائدةٍ ما داخل الحيز الجغرافي والإقليمي نفسه» (ص٣٥)؛ وبهذا يتم احتواء وتدجين التغاير الثقافي بواسطة مفاهيم الإقليم المتركزة حول الدولة. ثالثًا: من شأن هذه الطرق لتخيُّل الإقليم أن تجعل استقصاءات الديناميكيات الثقافية لما بعد الاستعمار صعبةً. فيتساءل جوبتا وفيرجسون: إلى أي أماكنَ تنتمي الثقافات المهجنة لحقبة ما بعد الاستعمار؟ هل تخلق المواجهة الاستعمارية «ثقافة جديدة» في كلٍّ من الدولة المستعمِرة والمستعمَرة، أم أنها تزعزع فكرة أن الأمم والثقافات متماثلة؟ إن ما بعد الاستعمار يُضفِي نوعًا من الإشكالية على العلاقة بين الحيز والثقافة» (ص٣٥)؛ ومن ثَمَّ تجعل نظرية ما بعد الاستعمار طرقَ الفهم التقليدية للعلاقة أقلَّ نفعًا في إدراك الثقافة أو الإقليم السياسي. ويُثير رفض فرضية التماثُل بين الإقليم والثقافة مجموعةً من التساؤلات والمشكلات الجديدة التي أُضفِيَ عليها نوعٌ من الغموض بفعل العمل غير المدروس الذي يُحقِّقه الإقليم في أساليب الخطاب التقليدية؛ فيؤكدان أن «التحدي الخاص يكمن في استخدام بؤرة تركيزٍ على الطريقة التي يُتخيَّل بها الحيز (ولكن دون أن يكون خياليًّا) كوسيلةٍ لاستكشاف الآليات التي تُلبِّي من خلالها مثلُ هذه العمليات المفاهيمية المتعلقة بصنع المكان وعمليات الأقلمة الظروفَ الاقتصاديةَ والسياسيةَ العالميةَ المتغيِّرةَ للمساحات المأهولة. ويقترحان أنه:

بدلًا من الإحجام عن مفهوم اللاأقلمة، وسَحْق حيز الحداثة المتقدمة، نحن بحاجةٍ إلى التنظير لكيفية «إعادة» أقلمة الحيز في العالم المعاصر. إن الموقع المادي والإقليم المادي، اللذين ظلَّا لفترةٍ طويلةٍ للغاية الشبكةَ «الوحيدة» التي يمكن تخطيط الاختلافات الثقافية بناءً عليها، بحاجةٍ لأن يُستعاض عنهما بالمصفوفات المتعددة التي تُمكِّننا من إدراك أن الصلات والتجاور يتنوَّعان تنوُّعًا كبيرًا بحسب عواملَ عدة، منها الطبقة الاجتماعية، والنوع، والعِرْق، والجنسانية، ومتاحان على نحوٍ مختلفٍ لأولئك القابعين في مواقعَ مختلفةٍ في مجال السلطة. (١٩٩٧أ، ٥٠)

إحدى المحاولات المؤثرة للغاية الرامية إلى توفير مثل هذه «الشبكة المتعددة» نجدها في عمل آرجون أبادوراي عن العولمة الثقافية؛ فيكتب قائلًا إن «اللاأقلمة … واحدة من السمات الأساسية للعالم الحديث» (١٩٩٠، ١١). وفي ظل تفضيله للتنقُّل على المساحات الثابتة، يرسم مخططًا ﻟ «أبعاد التدفقات الثقافية» المتعلقة بالاختلافات بين الكيفية التي يتوزع بها الأشخاص والأشياء والمال والصور الذهنية والأفكار عبر الكون، من خلال الشبكة الإقليمية للدول القومية، التي تتقاطع إحداها مع الأخرى من خلق «تضاريس» أو «عوالم متخيَّلة» معقَّدة. وهذه التضاريس «المنفصلة» — و«السياسة الثقافية للاأقلمة» (ص١٣) التي تترتب عليها — غالبًا ما تتناقض مع عمليات الأقلمة التقليدية المتركزة حول الدولة فيما يتعلق بالسلطة والهوية. وأخْذ كل هذا في الاعتبار يتطلَّب منَّا «البَدءَ في التفكير في تكوين القوى الثقافية في عالم اليوم كتكوينٍ كسوريِّ في الأساس، بمعنى أنه لا يحوز أي تخوم، أو هياكل، أو تناسقات إقليدية» (ص٢٠). «نحن بحاجة إلى دمج المجاز الكسوري لشكل الثقافات مع وصفٍ متعدد الخصائص لتشابكاتها وتشابهاتها» (ص٢٠).

(٣-٤) نظرية الحدود

تشكل الحدود الإقليمية وتتشكل بما تحتويه، وما يَعبُرها أو يُمنَع من عبورها؛ ﻓ «الحاوية» و«المحتويات» لهما طبيعة بنيوية متبادلة. وتنبثق أهمية الحدود في الأساس من أهمية الإقليمية كمبدأٍ مُنظِّم للحياة السياسية والاجتماعية. ولطالما كانت وظائف ومعاني الحدود غامضةً ومتناقضةً بطبيعتها، ويبدو أن هذه السمات تتخذ أهميةً جديدةً في ظل مزاعم بظهور «عوالم بلا حدود» وإفساح «حيزِ الأماكن» المجالَ ﻟ «حيز التدفقات». (أندرسون وأودود ١٩٩٩، ٥٩٤)

شكليًّا، كما يذهب أندرسون وأودود، يُعَدُّ المعنى والأهمية العملية للإقليم وظيفةً من وظائف معنى وبراجماتية الحدود. ويردفان أن «الإقليمية بالضرورة تُنتِج وتركز الانتباه على الحدود، وهي متجسدة في «الدولة القومية الإقليمية» السيادية الحديثة» (١٩٩٩، ٥٩٨). ولعل من المشروعات العصرية المتداخلة الاختصاصات الأكثر أهميةً فيما يتصل بالإقليم؛ نظرية الحدود، التي يمكن استيعابها جزئيًّا كنقطةِ التقاءٍ لنظرية العلاقات الدولية الأحدث ونظرية الثقافة. كذلك تعتمد النظرية، ذات الحضور القوي في الأنثروبولوجيا، على مشروعاتٍ أخرى عديدةٍ وتشكلها، وتسعى لفهم الصلات بين الثقافة والسياسة والاقتصاد والخبرة في الحيز الاجتماعي. ترفض نظرية الحدود، مثل مشروعات أخرى بحثناها، الرؤيةَ التقليدية للحدود بوصفها تمييزًا للحواف الحادة للأقاليم المتجانسة والطرق التي تُحدِّد بها هذه الرؤى التقليدية ما وراء الحدود بوصفه «خارجيًّا» وخطيرًا. وهي قائمة على فرضية رفض الطرق التي يُنظَر بها إلى الحدود الفاصلة كتحديدٍ للغيرية البديهية. بدلًا من ذلك، تكون الحواف في نظرية الحدود متمركزة، ويكون التركيز على الحدود الفاصلة كمواقع للاختلاط أو التهجين.

يتحدَّى التدقيق النقدي الأدق للحدود تجسيدَها المادي، ويكشف عنها بوصفها أبعد ما تكون عن البساطة؛ فهي تبدو، في المقابل، متناقضةً وإشكاليةً ومتعددة الأوجه في طبيعتها. إنها تُمثِّل على نحوٍ متزامنٍ بواباتٍ وحواجزَ مؤديةً إلى «العالم الخارجي»، وحاميةً وساجنة، ومجالاتٍ لفرص جديدة و/أو عدم الأمان، ومناطقَ للاتصال و/أو الصراع، للتعاون و/أو التنافس، للهويات المتناقضة و/أو التأكيد العدواني للاختلاف. قد تتبدَّل هذه التفرُّعات الثنائية مع الزمن والمكان، ولكنها — وهو الأكثر إثارةً — من الممكن أن تُوجَد معًا في آنٍ واحدٍ لدى الأشخاص أنفسهم، الذين يتعيَّن على البعض منهم التعامُل على نحوٍ دائم، ليس مع دولةٍ واحدةٍ بل اثنتين. (أندرسون وأودود ١٩٩٩، ٥٩٥-٥٩٦)

وكما هي الحال مع بعضٍ من المشروعات الأخرى المتداخلة الاختصاصات، تحيد نظرية الحدود عن أي رؤيةٍ ثابتةٍ خرائطيةٍ للإقليم، وتؤكِّد على تنوُّعٍ للتدفقات والحركيات العابرة للحدود كتلك المرتبطة بالعمال المهاجرين (موسميًّا، أو يوميًّا، أو خلال دورة الحياة)، واللاجئين، والسياح، والمهربين. وإذا فُهمت الحدود بوصفها المواقعَ الأكثرَ نشاطًا للتعقيدات الإقليمية، فإن انتباهنا يكون موجَّهًا نحو مجموعةٍ أوسع من الممارسات الإقليمية وإلى أبعاد لآليات السلطة خلاف تلك التي تعرضها النظرية التقليدية. وقد تشمل هذه الممارساتُ ممارساتِ الدولة الرسمية كتلك التي تتضمَّن «مراقبة الحدود»، ونقاط التفتيش، والمنافذ الجمركية، والمراقبة، والإبعاد، والإدماج، والطرد، والتنظيم؛ وتضم كذلك ممارساتِ المراوغة، والتفاوض، والمقاومة بمختلِف أشكالها. وقد استكشف العديد من الباحثين العلاقةَ بين مناطق الحدود والتهجين الثقافي، أو مسألة الهويات المتعدِّدة أو المائعة بالنسبة إلى الحدود (فلين ١٩٩٧؛ فرينش ٢٠٠٢؛ روسلر وفيندل ١٩٩٩؛ ويلسون ودونان ١٩٩٨). فيرفض جوبتا وفيرجسون، على سبيل المثال، فهم الحد في إطار «موقع طبوغرافي ثابت بين موقعين ثابتين آخرين (دول، مجتمعات، ثقافات)»، وينظران إلى الحد، بدلًا من ذلك، بوصفه «منطقةً خلاليةً للتهجير واللاأقلمة تُشكِّل هوية المواطن المهجن». بل إن الحد، بحسب قولهما، هو ««الموقع» الطبيعي لمواطن ما بعد الحداثة» (١٩٩٧أ، ١٨).

إن لهذه الأفكار تداعيات بالنسبة إلى أي فهمٍ للإقليم؛ على الأقل فيما يتعلق بإقليمية الدول القومية. حتى مع التسليم بالفاعلية المستمرة للممارسات الإقليمية للدول — مثلما يتبيَّن، على سبيل المثال، من خلال عسكرة تلك الأرض الحدودية الأكثر خضوعًا للفحص والتدقيق، التي تضم المكسيك والولايات المتحدة (ألفاريز ١٩٩٩؛ كيرني ١٩٩٨؛ أورتيز ٢٠٠١؛ بالافوكس ٢٠٠٠) (ومن خلال حقيقة أنه على الرغم من مزاعم اللاأقلمة، فإن العديد من المشاركين المتنقلين «المهجنين» أنفسهم قد يعتنقون آراءً أكثر تقليديةً بشأن تماثُل الثقافة، والسياسة، والإقليم) — تؤكِّد نظرية الحدود ما بعد الحداثية على أوجُه الانفصال، والتشابك، وعدم الاستقرار بين الأقاليم المنظمة على أساس أفكارٍ وممارساتٍ غالبًا ما تكون متعارضة، وهذه السمات تحديدًا هي التي عادةً ما يُعتَّم عليها أو تُرفض من قِبل أساليب الخطاب المتخصصة التقليدية والتفضيل المجرد من التفكير لمفاهيم الإقليم القائمة على سيطرة الدولة.

ولكن إذا كانت مناطق الحدود بدلًا من أن تكون تمييزًا للثبات واليقين والاستقرار والتعارض، يُنظَر إليها بوصفها مُوَلدًا للسيولة والغموض والبنائية المتبادلة؛ فقد يتساءل المرء أين تقع حدود المناطق الحدودية؟ إحدى الإجابات هي «ليس في أي مكان». وفي مقال «العِرْق، والحيز، وإعادة استحداث أمريكا اللاتينية في شيكاجو المكسيكية» (١٩٩٨)، يرى نيكولا دي جينوفا جميع سمات الحدود في الوسط. «تزداد صعوبة تخيُّل أن أمريكا اللاتينية (والمكسيك و«العالم الثالث») تبدأ فقط عند الحدود، وتزداد ضرورة إدراك التخوم ذات الطابع العِرْقي لحيز دولة الولايات المتحدة المتفجرة داخليًّا في أعماق خريطتها الإقليمية». ويرى أن الحد هو «كل مكان» داخل الولايات المتحدة (١٩٩٨، ١٠٦)؛ ومن ثَمَّ أيضًا فهو «كل مكان» داخل الحيز الإقليمي للمكسيك. ولكن هذه ليست أطروحةً حول «اختفاء» التخوم، بل تخطيط ﻟ «تكاثرها وانتشارها» على مدى المساحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. إنها، في الأساس، أطروحة حول الحيز الاجتماعي ذاته، وإذا كانت الحدود المكسيكية-الأمريكية تُوجَد في مواقعَ متعددةٍ على امتداد حيزَي الولايات المتحدة والمكسيك، فقد يكون بالإمكان دراسة مواقع حدود الولايات المتحدة-جوانتانامو، أو الحدود الباكستانية-الكندية، أو الحدود الأمريكية-الأفغانية. وقد يكون بالإمكان أيضًا دراسة ظواهرَ إقليميةٍ مثل الحدود الهندية-الباكستانية مثلما قد تُقابَل على نحوٍ مختلفٍ في لندن، أو مدينة الكويت، أو لوس أنجلوس. وربما نكون هنا قد واجهنا الانعكاس — أو الانحراف — التام للتفسيرات التقليدية للإقليم.

ولكنه ليس كاملًا تمامًا؛ فمن الموضوعات المهمة الأخرى لدراسات الحدود التي تحيد عن الآراء التقليدية، التركيز على آثار الحدود والإقليم على «الحياة اليومية» وعلى الخبرات المجسدة، وهو ما يبدأ في تسليط الضوء على التخوم المعقدة بين «الدولة» و«المواطن»، أو بحسب تعبير ويلسون ودونان: «كيفية معايشة الناس مفهومَي الأمة والدولة في حياتهم اليومية على الحدود الدولية» (١٩٩٩، xiii). ويُعبَّر عن الاتجاه نحو «الحياة اليومية» فيما يتعلق بنظرية العلاقات الدولية من قِبل مايكل نيمان الذي يذهب إلى أن «الخبرات المعيشة — بعيدًا عن كونها بقايا تخلَّفَتْ بعد أن كشفت مكائد «السياسة الكبرى» نفسها — هي مكونات بالغة الأهمية للعلاقات الدولية، وفهمنا النظري للمجال سوف يظل منقوصًا إلى أن يجريَ دمج خبرات الحياة اليومية» (٢٠٠٣، ١١٥). أو بحسب تعبير روكسين دوتي في مقال «البقاع الصحراوية: إدارة الدولة في الأماكن النائية»: «يوجد بشر ربما لم يسمعوا من قبلُ قطُّ بمصطلح إدارة الدولة، ولكن حياتهم مقحمة بعمقٍ في هذا اللاشيء، في هذه العملية، في هذه الممارسة، في هذه الرغبة التي تشغل وعيَ رجال الدولة وباحثي العلاقات الدولية بعمقٍ بالغ» (٢٠٠١، ٥٢٦). وتُردف قائلة: «إن هؤلاء الناس وأحلامهم يعرقلون مشروع إدارة الدولة، ذلك المشروع الذي يتطلب تخومًا واضحةً تستدعي حسًّا آمنًا بمعرفة مَن «نحن»» (ص٥٢٧). «إن هؤلاء الناس لديهم علم بالصحاري والظمأ والحر الخانق، ويعرفون أن الحدود تعني كل شيءٍ ولا شيء. فالحياة تُوجِّه ضرباتٍ عنيفةً إلى حدود العالم؛ مما يقيِّد حوافَّها» (ص٥٣٨). في هذا المقام قد يتبادر إلى الذاكرة أن أعداد المكسيكيين الذي يموتون أثناء عبور الحدود كلَّ عام، يفوق أعداد الجنود الأمريكيين الذين قُتِلوا في العراق قبل إعلان «النصر» في مايو ٢٠٠٣. ويكتب آشيل ميمبي يقول: «بالنسبة إلى الإقليم، فهو في الأساس نقطة تقاطعٍ لأجسامٍ متحركة، ويُعرَّف أساسًا بمجموعة الحركات التي تحدث بداخله. وبالنظر إليه على هذا النحو، فإنه إذًا مجموعةٌ من الاحتمالات دائمًا ما كانت الجهاتُ الفاعلةُ التابعةُ للدولة القائمة تاريخيًّا تُقاوِمها أو تُدركها» (٢٠٠٠، ٢٦١).

ربما يمكننا أن نرى كلًّا من الانهيار المطلق للمفاهيم التقليدية للإقليم، والفاعلية المتواصلة لممارسات الدولة القائمة على أساس هذه المفاهيم فيما يتعلق بالأجسام والذاتية المجسدة؛ بالشعور بتأثيرات العطش والحر، بكونك تُطارَد، وتُؤسَر، وتُعتقَل، وتُسلَّم. ويكتب ويلسون ودونان عن «تلك القوى التي تُحدِّد الحيز الجغرافي والسياسي كخطوطٍ على الخريطة تَنقش في ذات الوقت طبوغرافية الجسد» (١٩٩٩، ١٢٩). والمراقبة الشُّرطية لتدفُّق البضائع والأفراد «قد تنطوي أيضًا على عمليات تفتيشٍ من نوعيةٍ أكثرَ شخصيةً وتفصيلًا وفي أشد الحالات تطرُّفًا، قد تتضمَّن مثل هذه العمليات التفتيشية للشخص «تفتيشًا ذاتيًّا عاريًا». وهذا يتطلب نزع الملابس من أجل فحص مفصل، بل فحص الجسد ذاته» (ص١٣٠).

إن مثل هذه الممارسات تُعزِّز فكرة أن نقاط التفتيش الحدودية والمنافذ الجمركية هي مساحات حدية؛ مساحات يتوقف بداخلها سريان العادات الغربية المألوفة للاحتكاك الجسدي … إنها مساحات حدية تكون سلطة الدولة في نطاقها مطلقة، ويمكن فرضها حتى على أجسادنا؛ تلك العناصر الأكثر ذاتيةً من كياننا. وفي التحليل الأخير، حتى أجسادنا لا تصبح ملكًا لنا في مثل هذه المواقع؛ إذ يُستعاض عن إدارتنا لها بالسلطة الخرقاء للدولة التي يمكن أن تتجلى هناك. (ص١٣١)

ويردفان: «تصبح تخوم الجسد مماثلةً لحدود الأمة والدولة القومية؛ فلكتاهما عرضة للاختراق والإتلاف من الخارج، وقابلة للتعرُّض للمرض والاعتداء الخارجي على التوالي» (ص١٣٦). وهنا نرى كيف أن الأقاليم الكلية لنظرية العلاقات الدولية و«أقاليم النفس»، خاصةً «غلاف» جوفمان، قد تتداخل كلٌّ منها مع الأخرى، حتى لو لم تكن كل واحدةٍ منها نسخةً من أخرى.

(٣-٥) العولمة

تُعَدُّ نظرية الحدود، ونظرية الثقافة، والجغرافيا النقدية، والنظرية ما بعد البنائية للعلاقات الدولية جميعًا، من نواحٍ عدة، استجاباتٍ (أو جوانب) للارتباطات المتعددة الاختصاصات والأوسع نطاقًا مع العولمة. وتُفهَم العولمة في هذا المقام باعتبارها مجموعةً من العمليات، وكمجموعةٍ من أساليب الخطاب حول الظروف المتغيرة في العالم. وكما هي الحال مع الموضوعات والأفكار الأخرى محل النقاش في هذا الفصل، فإن العولمة مفهومٌ محل جدلٍ شديد (براولي ٢٠٠٣؛ سكيماتو وويب ٢٠٠٣). فالعولمة على المستوى الأبسط والأقل جدليةً تشير إلى «المستوى التوسعي، والضخامة المتنامية، والتأثير التسريعي والتوسُّعي لتدفقات وأنماط التفاعل الاجتماعي العابرة للقارات. إنها تشير إلى تغيُّرٍ أو تحوُّلٍ في مستوى التنظيم البشري الذي يربط المجتمعات البعيدة ويوسِّع نطاق علاقات السلطة عبر مناطق وقارات العالم» (هيلد وماكجرو ٢٠٠٢). وينصَبُّ الاهتمام على تلك العمليات التي أصبحت من خلالها الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المتنوِّعة، التي كانت حتى عهدٍ قريبٍ فعَّالةً ومؤثرةً على نطاقاتٍ محليةٍ أو قوميةٍ أو إقليمية — منتشرة انتشارًا كليًّا (تقريبًا) على مستوى الكوكب. وتشمل هذه العملياتُ كلَّ شيءٍ من الإنتاج الصناعي إلى الهوية الثقافية، من الوعي القانوني إلى المطبخ، من المعاملات المالية إلى الحركات الاجتماعية، من غرف الدردشة إلى الجماعات شبه المسلحة. والعولمة، إذ يُنظَر إليها على هذا النحو، تؤدِّي إلى نزع الطابع المحلي، أو حل الارتباط بين الظواهر الاجتماعية والموضع أو «المكان». وبينما تخضع أسباب ونتائج وتاريخية العولمة للجدل، يُلاحَظ عادةً أن اشتدادها في أواخر القرن العشرين قد تيسَّرَ بفعل التغيُّرات المؤثرة في تقنيات النقل والاتصال، لا سيما السفر الجوي والإنترنت. ولكن فيما يتعلق بأهدافنا، فإن الأكثر أهميةً هو أن العولمة أيضًا عادةً ما تُعَدُّ مؤديةً للاأقلمة؛ بعبارةٍ أخرى، الظواهر الاجتماعية التي كان من المفهوم أنها محتواة أو مقيَّدة من قِبل الهياكل الإقليمية (القومية في العادة)، لم تَعُدِ الآن محاطةً بالسهولة نفسها من جانب هذه الهياكل. ومن هذا المنظور أَوجدَتِ العولمة «عالَمًا بلا حدود» على نحوٍ متزايد (أوماي ١٩٩٩). وهذا، كما رأينا بالفعل، عالَمٌ يتسم ببروز التدفُّقات والشبكات التي لا تُعرقل نسبيًّا بفعل الإقليمية. وإلى حد التلازم بين الإقليم والسيادة، تبدو العولمة أيضًا مؤديةً إلى زوال الدولة (كوزيمانو ٢٠٠٠؛ هدسون ١٩٩٩). فيكتب يان آرت شولت، على سبيل المثال:

إن العولمة تضع الوجود الإقطاعي للنظرية الاجتماعية الحديثة موضعَ شك؛ فهذه الفرضية المستحكمة تؤمن بأن الحيز الاجتماعي مخطط في إطار الأماكن والمسافات والحدود داخلَ جغرافيا ثلاثية الأبعاد؛ غير أن العولمة تُقدِّم نوعيةً جديدةً من الحيز الاجتماعي، حيز غير إقليميٍّ وغير ناءٍ. لقد جعلت العولمة قضيةَ تحديد الحدود أكثر إشكاليةً من أي وقتٍ مضى؛ ولهذا السبب، توجد حاجة لخرائطيةٍ جديدةٍ لا إقليميةٍ للحياة الاجتماعية. (١٩٩٦، ٤٨-٤٩)

ويتفق نيل برينر في الرأي على أن العولمة قد جعلت «السمات الأشبه بحاويةٍ للدول إشكاليةً إلى حدٍّ كبير» (١٩٩٩، ٤٠)، إلا أنه في استقصاءٍ عبقريٍّ للإقليمية في ظل هذه الظروف، يرفض القراءة الخاصة باللاأقلمة التي عادةً ما يتضمَّنها هذا. ولعل من العناصر البالغة الأهمية لتحليله وجودَ تقديرٍ مدروسٍ لأهمية العمودية أو مستوى الإقليمية في العالم المعاصر؛ فهو يقول إن «العولمة تتطوَّر تطوُّرًا متزامنًا على مستوياتٍ جغرافيةٍ متشابكةٍ عديدة؛ ليس فقط داخل الحيز العالمي، بل من خلال إنتاجِ وتمييزِ وإعادةِ تشكيل وتغييرِ المساحات العالمية الفرعية مثل الدول الإقليمية، والمناطق، والمدن، والمواقع المحلية» (ص٤٤). وفي ضوء مناقشتنا السابقة للأجسام والحدود قد نلاحظ أن هذه ليست المساحاتِ الوحيدةَ التي تتطوَّر من خلالها العمليات المرتبطة بالعولمة. ويرى برينر التفسيرات التي مثل تفسير شولت كتعبيرٍ عن نوعٍ من «الإقطاعية العالمية» التي «تُمثِّل الحيز العالمي بأسلوبٍ متمركزٍ حول الدولة، وكحاويةٍ إقليميةٍ مفترضةٍ سابقًا تتطوَّر بداخلها العولمة» (ص٥٩)، وفي الواقع، ﮐ «دولة إقليمية على نطاقٍ كبير» (ص٦١). ومن العناصر المحورية لتحليل برينر الحجة القائلة بأن عمليات إعادة الأقلمة على مستوًى ما أو في وقتٍ ما توجب «عمليات إعادة أقلمة» على مستوياتٍ أخرى أو في أوقاتٍ أخرى (ص٤٣).

إن إقليمية الدولة اليومَ متراكبة ومتشابكة مع أشكالٍ مكانيةٍ دخيلةٍ متعددةٍ على نحوٍ متزايد … لا يمكن وصفها وصفًا وافيًا كوحداتٍ متجاورةٍ ومتعارضةٍ ومعزولةٍ ذاتيًّا من الحيز … فمؤسسات الدولة … يُعاد قياسها جذريًّا إلى أعلى، وإلى أسفل، وجانبيًّا في وقتٍ واحدٍ لخلق طبقاتٍ متعددةٍ الأشكال للتنظيم الإقليمي للدولة. وفي ظل هذه الظروف، صارت الصورة الذهنية للحيز الاجتماعي العالمي كمجموعةٍ معقدةٍ من العقد والمستويات والنطاقات والتكوينات المتراكبة والمتداخلة، أكثرَ ملاءمةً من النموذج الديكارتي التقليدي لوحدات الإقليم المتجانسة المتداخلة والمرتبطة بالمنظومة الحديثة التي تربط بين الدول. (برينر ١٩٩٩، ٦٩)

إذًا «العولمة»، في منظور برينر، تُشير إلى ظاهرةٍ حقيقيةٍ ومعقدةٍ لها آثار عميقة على أشكالٍ معاصرةٍ وناشئةٍ للإقليمية، ولكنها لا تُوجِب ظهورَ عالَمٍ «بلا حدود»، أو غير مؤقلم؛ فالأمر بعيد عن ذلك. وكما هي الحال مع قراءة دي جينوفا للحدود الأمريكية-المكسيكية، تدل العولمة على تكاثُر وانتشار الحدود والأقاليم غير المتجانسة وترابُطها الانسيابي عبر مجموعةٍ من المستويات. غير أن قَبول هذه المفاهيم الأحدث للإقليمية من شأنه أن يجعل التحليل أصعب بكثير؛ فالإقليمية، من جانبٍ مهم، هربت من قيود الإقليمية (المتمركزة حول الدولة) دون محو تلك الهياكل الموروثة. والإقليمية في القرن الحادي والعشرين هي منظومة لا محدودة من الحدود والقيود.

(٤) ملاحظات ختامية

إن هذا الدليل التقريبي للطرق التي تَغيَّر بها البحث العلمي للإقليم، يكشف عن أن موضوعًا بَدَا في وقتٍ ما بسيطًا وواضحًا قد أصبح معقدًا ومحلَّ نزاعٍ نوعًا ما. والشعور المتصاعد بالتعقيد هو، في جزءٍ منه، نتاج مقارباتٍ متداخلة الاختصاصات على نحوٍ متزايدٍ لدراسة الموضوع، ولا شك أيضًا أنه انعكاسٌ للتغيُّرات التي طرأتْ على أقلمة العوالم التي يقطنها الباحثون والمعلقون (والآخَرون جميعًا) ويحاولون فهمها؛ فالتحولات الاجتماعية المكانية الضخمة المرتبطة — على سبيل المثال — بعمليات الاستعمارية، والإمبريالية، والحروب العالمية، والحروب المحلية، والحروب الباردة، وتصفية الاستعمار، والتمدن، والنضال من أجل الحرية، والعولمة، والثورات التي لا تنتهي في مجال الاتصال والنقل؛ تكفل على نحوٍ كبيرٍ عملياتِ إعادةِ التشكيل الإقليمي المتواصلة على جميع مستويات الخبرة والتحليل. ويبدو أن هذه التحولات تتطلَّب تدبُّرًا وإعادةَ تفكيرٍ على نحوٍ مستمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢