التاريخ والأدب القومي

بين مصر الحديثة ومصر القديمة اتصال نفسي وثيق ينساه كثيرون فيحسبون أن ما طرأ على مصر منذ عصور الفراعنة من تطورات في نظم الحكم وفي العقائد الدينية وفي اللغة وفي غير ذلك من مقومات حياة الأمم، قد فصل بين هذه الأمة الحاضرة وبين الأمة المصرية القديمة فصلًا حاسمًا جعلنا إلى العرب أو الرومان أقرب منا إلى أولئك الذين عمروا وادي النيل في ألوف السنين التي سبقت المسيحية، وهم يعللون ما يحسبونه من ذلك بعظم هذه التطورات. فكيف ترى المصريين الذين يتكلمون العربية المصرية اليوم، والذين يتصورون الأشياء على ما تريدهم لغة العرب أن يتصوروها، تتصل حياتهم النفسية فيما يتعلق بالتصوير والخيال بحياة الذين كانوا يتكلمون الهيروغليفية بما كانت تحمله ألفاظها وعباراتها المتوارثة إلى القلوب والعقول من صور؟ وكيف ترى المصريين الذين يدين أكثرهم بالإسلام وأقلهم بالمسيحية، والذين تكونت عقائدهم على ما في كتب الإسلام والنصرانية المقدسة — وبين هذه الكتب المقدسة صلة متينة قوية — كيف تراهم يعتقدون ما كان يعتقد عباد آمون ورع وآلهة مصر القديمة المتعددين؟! بل كيف تراهم ترتبط عقائدهم بتلك العقائد القديمة أيّ ارتباط؟ ثم كيف ترى المصريين الذين خضعوا لنظم الرومان، ثم لنظم المسلمين، ثم لنظم الديمقراطية الحاضرة في صورة الحكم، يفهمون من الحكم ما كان يفهمه أولئك الذين خضعوا في سكينة واستسلام لبناة الأهرام والكرنك وهذه المعابد الضخمة العظيمة الخالد على التاريخ مجدها، والتي ما كانت مع ذلك لتشاد لولا استسلام الشعب لألوان الاستبداد التي فرضت عليه؟! أوليس القول — وهذه هي الحال — بوجود الصلة النفسية بين مصر الحديثة ومصر القديمة، أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة التاريخية؟ … ولئن أرضى هذا الخيال فكرة قومية تريد أن تصل مجد مصر الحاضرة بمجدها القديم فإنه لن يرضى الواقع الذي يجب الاعتراف به، والذي يفصل بين المصرين القديمة والحديثة فصلًا حاسمًا.

كذلك يقول الكثيرون، ولقولهم ظاهر من الحقيقة لكنهم لا يعدون ظاهر الحقيقة في قولهم بانقطاع الاتصال النفسي بينك وبين أجدادك؛ لأنك تعلمت غير تعلمهم، وفهمت الحياة غير فهمهم إياها، وخضعت لنظام من الحكم غير الذي خضعوا له، وصرت تتكلم بلغات غير اللغة التي كانوا يتكلمون، وتنظر إلى العقيدة بغير العين التي كانوا بها ينظرون. أنت في الظاهر تختلف عن هؤلاء الأجداد جد الاختلاف، وقد يحسب من رآهم ويراك أنك لست منهم وأنهم ليسوا منك. لكن ذلك لا يزيد على أنه الظاهر. أما الحقيقة العميقة التي تشعر بها أنت ويثبتها العلم فهي أن بينك وبين أجدادك اتصالًا وثيقًا لا سبيل إلى إنكاره وإن جهله الناس، وإن جهلته أنت. فهذا الدم الذي كان يجري في عروقهم يجري في عروقك، وهذه الانفعالات النفسانية التي كانت تدفعهم في حياتهم هي التي تدفعك في حياتك، وأنت محكوم عليك طائعًا أو كارهًا أن تخضع بحكم قانون الوراثة لما أورثوك إياه.

فإذا أنت دخلت يومًا إلى نفسك تحاسبها على أعمالها، وإذا أنت امتحنت يومًا خُلقك، وحللت فطرتك، وتعرفت سجيتك، إذن لرأيت جوهر أجدادك قد انتقل إليك. فإذا خضعت بحكم الحياة المحيطة بك لصورة غير صورتهم وظاهر غير ظاهرهم، فسكُّ الذهب عملة مختلفة الأشكال لا يغير من أنه ذهب، وأن المعدن الأصيل باقٍ فيه بقاء معدن أجدادك فيك.

وبعد، فهل تحسب هذه المظاهر التي يظنونها كافية لقطع الاتصال النفساني بين مصر القديمة ومصر الحديثة من الجسامة بما يكفي لقطع هذه الصلة بل لإضعافها؟ أليست هذه الأديان التي تتابعت على مصر، وهذه النظم التي خضعت لها، وهذه اللغات التي تعاورتها، هي الأديان والنظم واللغات التي تداولت على مصر وعلى البلاد المجاورة؟! أليس الإسلام والنصرانية واليهودية هي الأديان التي يعرف كل واحد منها الدين الذي سبقه ويعترف به؟ أليست جميعًا قد نزل الوحي بها في مصر وفلسطين وبلاد العرب، وكلها متجاورة أقرب التجاور؟ أليست اليهودية، وهي أقدمها جميعًا، تتصل بالفراعنة وبمصر القديمة اتصالًا متينًا، والنصرانية تتصل باليهودية وتعترف بها، والإسلام يتصل بالنصرانية وباليهودية ويعترف بهما؟ … ثم أليست لغات الفراعنة والعرب والشام تصور حياة هذه البلاد المتجاورة، وهي حياة متشابهة في التاريخ القديم قريبة التشابه في التاريخ الحديث؟ وأما نظم الحكم فلا تغير من الحقائق التاريخية شيئًا؛ لأن نظم الحكم تتأثر بالزمان الذي تكون فيه في مختلف أنحاء العالم، فهي أضعف من أن تترك في نفسية الأمم أثرًا عميقًا.

فإذا ذكرت كذلك أن الوسط الطبيعي لم يتغير في وادي النيل منذ آلاف السنين، وأن هذا الوسط الطبيعي هو الذي يصقل اللغات والعقائد والنفوس، وأن الذين أغاروا على مصر ثم استوطنوها أجيالًا فقدوا كل صفات أجناسهم القديمة، وخضعوا لحكم الوسط الطبيعي، وأصبحوا كأنما آباؤهم وأجدادهم في مصر منذ عهد الفراعنة — إذا ذكرت هذا أيقنت إذن أن بين مصر الحديثة ومصر القديمة اتصالًا نفسيًّا وثيقًا، وأنه من الواجب على المصريين أن يبحثوا عن مواضع هذا الاتصال، وأن خير ميادين البحث العلمي هي الأدب وكتبه والعقائد وطقوس العبادة.

ولقد يدهشك أن تعلم أن كثيرًا من طقوس العبادة في مصر هو اليوم كما كان منذ ستة آلاف سنة، وكما كان من قبل التاريخ لم يتغير بتعاقب الأديان المختلفة على مصر، وأنت ترى أن كثيرًا من الحفلات التي تعتبر دينية عند الأقباط وعند المسلمين كحفلات الزواج وحفلات الجنازة تتشابه أشد التشابه، وبخاصة في بلاد الأرياف حيث الوراثة سليمة لم تعصف بمظاهرها أعاصير الحضارة، هذا مع أن هذه الحفلات تختلف عند مسلمي الدول الأخرى كالمغرب وتركيا، وتختلف عند أقباط مصر عنها عند نصارى الدول الأخرى. فهل تستطيع أن تجد لذلك تفسيرًا إلا أن هذه الحفلات سابقة في مصر على المسلمين وعلى الأقباط وعلى الإسلام وعلى المسيحية، وأنها ترجع إلى تواريخ ربما كانت سابقة على كل ما كشفت عنه التواريخ.

أشار بعضهم إلى أن تلقين الميت عند مسلمي مصر عادة ليست شائعة عند أكثر المسلمين، وأشار إلى أن عبارة هذا التلقين، وما جاء فيها عن منكر ونكير وسؤالهما وتحديد الأسئلة، والتحدث إلى الروح والنصح لها بالجواب على صورة معينة، كل ذلك يعيد إلى النفس صورة طقوس الدفن والحساب عند قدماء المصريين، وما كانوا يتحدثون به إلى الروح لتنجو، ولست واقفًا على تفاصيل هذه الطقوس القديمة لأؤكد ما يؤكدون من مشابهة بينها وبين التلقين. لكن هذه المسالة تدل على كل حال على أننا ورثنا حتى في العبادة طقوسًا تسللت إلينا من الأزمان القديمة، وأننا اقتبسنا من الدين الإسلامي ما أسبغناه على هذه الطقوس وصبغناها به، ومن يدري! لعل عند إخواننا الأقباط مثل ما عندنا من ذلك أو أكثر منه.

ومظاهر الحزن على الميت عند المصريين المسلمين تختلف اختلافًا عظيمًا عنها عند أهل الأمم الأخرى، ولكنها تتفق والمظاهر التي عند سائر المصريين، كما تتفق وما كانت عليه الحال عند قدماء المصريين. فكما ترى النسوة من أهل الميت وخدمه وتابعاته قد انتقلن مع جنازته في الأزمان القديمة نادبات مولولات لاطمات خدودهن مجللات بالسواد وجوههن وأيديهن، إذا بك ترى مثل هذا تمامًا عند المسلمين من المصريين، وبخاصة في الأرياف التي ما تزال خاضعة لأحكام العادات القديمة، ولعلك إن بحثت عن سبب الإفراط في الحزن، وعدم النظر إلى انتهاء الحياة بشيء من السلوى وجدته فيما كان يعتقده الأقدمون من بقاء الروح، أو بعبارة أدق الشخص الباقي (الكا) يرقب ما سيحل بالجسد من ألوان الألم ساعات الحساب، وكأنما تجسدت هذه الصورة أمام المصريين القدماء، فكانوا يرون بعين تصورهم هذا العزيز الذاهب خاضعًا لآلهة الحساب وقسوتهم، فيولولون ويندبون ويتألمون مع الميت لعل في ذلك ما يلين قلوب الآلهة، كما يلين ألم النظارة والحاضرين قلب الحاكم الذي يحاسب رجلًا أمامه على سيئة اجترحها، ومع تداول الأديان بعد ذلك بقيت هذه الفكرة أشد حياة في النفس المصرية، فكانت لذلك أشد فزعًا مما بعد الموت من سائر الأمم الإسلامية، ولم ينهض من كتابها وأدبائها من تعشقوا الحياة ولذائذها على نحو ما تعشقها عمر الخيام وغيره من المسلمين في الفرس وفي بلاد إسلامية أخرى.

بل لقد ترى من مظاهر وراثة المصريين اليوم لتراث أجدادهم الأقدمين ما هو أبلغ في الدلالة على متانة الصلة النفسية بينهما. ذكر غير واحد من المشتغلين بدراسة الطقوس المصرية القديمة أن ما يخلعه المسلمون المصريون اليوم على بعض أوليائهم المحليين من مقدرة وسلطان، وما يقومون به لهذا الولي أو ذاك من طقوس وفرائض في «مولده» هو بعينه ما كان يقوم به المصريون الأقدمون في هذه المنطقة لإله محلي من آلهتهم من طقوسٍ وفرائض، وما كانوا يخلعونه عليه من مقدرة وسلطان.

ولا أريد أن أقرن إلى ذلك ما يوجد من شبه عظيم بين قصة موسى عليه السلام من حيث وضعه في التابوت وإلقاء أمه به في اليم والتقاط فرعون له، وقصة أوزوريس وخيانة سخت له بوضعه في تابوت وإلقائه في اليم وعثور إيزيس عليه عند جبيل من أعمال الفينيقيين؛ فقد لا يكون الشبه هنا دليلًا على أن القصة واحدة اختلفت عليها أيدي الراة، وقد تكون عادة الإلقاء في اليم بعض عادات ذلك العصر، فأصابت أوزوريس إله المصريين القدماء الأعظم، كما أصابت موسى عليه السلام بعد ذلك على النحو المبيَّن في الكتب المقدسة.

•••

لا سبيل إذن إلى إنكار ذلك الاتصال النفسي الوثيق الذي يربط تاريخ مصر منذ بداءته إلى عصرنا الحاضر، وإلى العصور المستقبلة التي يمكن أن يعرفها التاريخ، ولئن تبدلت أسباب العيش ما تبدلت، ولئن قربت السكك الحديدية والبواخر والطيارات وكل ما يمكن أن يتمخض عنه خيال العلم من وسائل المواصلات بين أجزاء العالم ما قربت، بل لئن تهدمت الحدود الدولية وفنيت العاطفة الوطنية، فسيبقى أبدًا هذا الاتصال النفسي الوثيق الذي يجعل مصر وحدة تاريخية أزلية خالدة فيما يصل إليه عقلنا من تصور الأزل والخلد، بما أورث أجداد هذا الوادي الحفدة، وما سكبته طبيعة الوادي في وجودهم من حياة نفسية إن تأثرت بمظاهر العيش وألوان التفكير وصور الحكم فستظل أبدًا طبيعتهم التي لم تتغير منذ خلق الإنسان إلى يومنا هذا، ولا شيء يدل على أنها ستتغير ما دام الإنسان إنسانًا.

وإذا كان الإنسان أقوى سلطانًا على الحياة وحكمًا لها كلما تمثل ماضيه في شخصه، وكلما تمثلت الأمة تراث آبائها وأجدادها جميعًا بالغًا ما بعدوا في غيب الماضي أي مبلغ، فمن حق المصريين ومن الواجب عليهم أن يستثيروا دفائن أجدادهم جميعًا، وأن يربطوا بين حاضرهم وماضيهم ربطًا ظاهرًا لكل عين، وإنهم إذن ليضيفون إلى قوتهم قوة، وليضاعفون مجدهم أضعافًا، وليزدادون لذلك بالحياة استمتاعًا ولها ذوقًا، ولقد رأينا نحن أبناء مصر اليوم من ذلك ما لا يدع مجالًا للشك فيه. فكلنا صفق طربًا لاستكشاف آثار توت عنخ آمون، وكلنا ملأ ماضيه فخرًا بمدنية هذه الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية على ما بيننا وبينها من آلاف السنين، وكلنا حدثته نفسه: إذا كان أجدادنا قد تسنموا هذه الذروة السامية من ذرى المدنية فلم لا نتسنمها نحن كما تسنموها؟ ولم يك منشأ هذا الطرب والفخر والأمل ما لهذه الآثار النفيسة من قيمة لذاتها ومن قيمة على التاريخ وكفى، بل كان منشؤها في غور النفس وأبعد أعماقها: كان منشؤها اعتزاز النفس بذاتها، واعتقادها القدرة على ملك الحياة بعد يأس من بعد هذه القدرة. أرأيت إلى الفقير البائس الذي لا يعتز من آبائه بجاه ولا بمال كيف يجاهد الحياة وتجاهده ولا أمل له إلا في الحظ الحسن وهو من غدر القدر دائمًا على حذر. ثم أرايت إلى المعتز بجاه بيته وماله كيف ينظر إلى غدر القدر باسمًا وهو دائمًا يؤمن بأن له آخر الأمر الغلب. هذه العواطف هي التي تحرك الأمم بقوة مضاعفة ملايين المرات أكثر مما تحرك الأفراد، ولذلك يعمد المستعمرون الذين يريدون أن تذل لهم أمة إلى أن يلقوا في روعها أنها كانت على التاريخ عبدة ذليلة، فحتم عليها أن تظل عبدة ذليلة.

فإذا جاز لنا أن نأمل ما يأمل المعتز بجاه بيته وماله، وكان لنا من آثار الأقدمين المتصلين بنا هذه الصلة النفسية الوثيقة ما يطوع لنا أن نجدد مصر القديمة، كما جدد الغربيون اليونان والرومان، وكان لنا من وراء ذلك مطمع في أن نقر في مصر حضارة قوية فتية كالحضارة التي أقرها الغربيون في أوربا، فمن الجريمة على أنفسنا وعلى الوطن أن نني في ذلك أو نقصر فيه أي تقصير.

والسبيل إلى ذلك كله هو البحث عن موضع الاتصال بين مصر القديمة ومصر الحديثة في ميادين الأدب وكتبه والعقائد وطقوس العبادة، ولقد فتح الغربيون أمامنا الباب واسعًا في هذا المضمار. فمنذ كشف شامبوليون عن سر الهيروغليفية حين حل طلاسم رموز حجر رشيد، لم تن البعثات الغربية من أوربا وأمريكا في البحث والتنقيب عن الآثار المصرية، وبعث ما تنطق به أحجارها الصامتة، وما تنطوي عليه أوراق البردي القديمة، وهذا الفضل لهم يجب الاعتراف به وشكرهم عليه، لكنه يحمِّلنا نحن وزرًا كبيرًا، وزر الإهمال في تمثل هذا التراث المجيد الذي يضم حضارات باهرة زاهرة يمكن أن تكون لنا اليوم نبراسًا لإقامة حضارة لا تقل عن تلك بهرًا، ولا تقل عنها ازدهارًا.

وإني ليخيل إليَّ أن المصريين الذين يتقدمون إلى ميدان البحث في الشؤون المصرية القديمة أدنى إلى التوفيق فيه من أبناء أية أمةٍ أخرى يتقدمون إليه؛ ذلك بأن غير المصريين إنما يترجمون ما لا يتصل بحياتهم، وما لا تسري روحه في قلوبهم وأفئدتهم، فلهم إن أخطئوا عذر المترجم الذي ينقل من لغة إلى لغة. أما المصريون الذين يوفقون لمثل ما وفق له أولئك الغربيون العظماء من براعة في الوقوف على أسرار المصريين القدماء، فإنهم حين يترجمون آثار هذه العصور القديمة يشعرون في غور وجودهم بما يتفق وهذه الصور والأخيلة والمعاني فيؤدونها الأداء الأوفى.

ولقد وقفت في مطالعاتي لمراجعة بعض كتب مما خطه بعض الأقدمين من اليونان عن المصريين المعاصرين لهم وعن عقائدهم، فألفيت فيها روحًا وحياة أكثر مما ألفيته في كتب أخرى وضعت حديثًا، ولا عجب فاليونان ومصر متجاورتان، وروح العصر كانت تربط الفريقين جميعًا بأوثقَ رباط.

ولست أقصد من ذلك إلى قصر التجديد في قوميتنا الأدبية على آثار الحضارة الفرعونية، فذلك محال لأنه مخالف لخلد حياة الأمم، وإنك لترى هذه العصور الوسطى في أوربا، والتي يسمونها العصور المظلمة، ذات أثر في تاريخ الأدب الغربي غير منكر، والذين يزعمون أن مصر خضعت من بعد الفراعنة لحكم الأجانب فتاريخها لذلك ليس تاريخها، يزيفون التاريخ. إنما خضعت مصر لناموس ما تزال أكثر الأمم الملكية خاضعة له بجلوس أسرة أجنبية عنها على العرش الذي يعتبر تاجها وعنوان مجدها. ثم إن مصر أيام اليونان والرومان والعرب وإلى عصر قريب جدًّا كانت ذات أثر كبير في سياسة العالم وفي توجيه دفة حضارته، وكل هذا الماضي المجيد تراث يحق لنا أن نفخر به، وأن نعيد إلى حياتنا وحياة أبنائنا ذكره؛ لنزداد به على الحياة قوة وعزة، وليزيدنا بالحياة متاعًا وفيها سعادة، وإنما أريد ألا يقل النشاط في الكشف عن حضارة الفراعنة وتمثلها وإحيائها عن نشاطنا في الكشف عن كل عصر آخر من عصور تاريخ مصر، وأن يعمل مؤرخونا وكتابنا وأدباؤنا؛ ليتمثل ابن اليوم هذا الميراث المجيد، فيجمع ذهنه وعقله وقلبه وفؤاده وتصوره وخياله ما كان لمصر في ميادين العقل والعلم والخيال من مجد وعظمة تنقلت في تاريخ مصر على كاهل القرون من الفراعنة إلى البطالسة، إلى مقاومة مصر استعمار روما، إلى الحضارة الإسلامية التي ازدهرت على شاطئ النيل، وأضاءت العالم بنورها قرونًا متوالية، إلى عصور التدهور أيام الحكم العثماني ومقاومة ما كان من ظلم تلك العصور، إلى هذه النهضة الحديثة التي تنهض مصر كما تنهض الأمم الشرقية جميعًا، ولا ريب في جلال هذا التاريخ كله جلالًا يوحي للطالب ويلهمه أقوى إلهام في ميادين الأدب القومي بما يجعله يقيم من صروح هذا الأدب آثارًا شامخة باقية على التاريخ بقاء آثار مصر منذ الفراعنة إلى عهدنا الحاضر.

ولست أغلو في تقدير قوة هذا الإلهام القومي الذي ينبعث من تاريخ مصر لكل من عني بدراسة هذا التاريخ وأطواره ومواضع الاتصال بين مختلف عصوره، ولقد أشرنا في الفصل السابق إلى قوة إلهام الطبيعة المصرية وجلال وحي النهر الإله، وأحسب ما تقدم في هذا الفصل يزيد في قوة هذا الإلهام بما يصور من تاريخ من أقاموا إلى جانبي النهر يتعاقبون على ألوف السنين، ويضاعف في قوة هذا الإلهام كذلك خلد هذه الآثار الباقية منذ الفراعنة إلى عهدنا وإلى من بعدنا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذه الآثار التي ترك الأقدمون منذ بناء الأهرام الأولى إلى أن أقام الرومان مقابرهم بعد أن مهد لهم الفن اليوناني حين دخل إلى مصر مع البطالسة، وما أقامت المسيحية بعد ذلك من كنائس وبيع، ثم ما كان بعد ذلك من آثار الفن الإسلامي الدقيقة البديعة التي ما تزال تشهد بها المساجد والتكايا وسبل الماء وما إليها. هذه الآثار وحدها قد ألهمت كثيرين من الأجانب عن مصر ممن زاروها، فهي جديرة أن تلهمنا أبناء مصر أضعاف ما ألهمت أولئك، وهي ليست إلا مظهرًا لحياة آبائنا وأجدادنا من فجر التاريخ. فنحن وحدنا الذين يستطيعون أن يكشفوا عن صلتها بهذه الحياة، وأن يجتلوا من خلال هذا الكشف حياة الروح المصري الذي بعث إلى نواحي العلم في غير فترة من حياته حضارات سعد بها العالم قرونًا وقرونًا، وأيُّنا لا يقف، بوصفه مصريًّا صادق الإخلاص لوطنه وتاريخه، أمام أي من الأهرامات أو من آثار طيبة أو من الآثار الأخرى الكثيرة التي تعمر الشاطئين، أو أمام أثر من الآثار الرومانية أو المسيحية، أو في مسجد من المساجد الإسلامية المملوءة هيبة وقداسة ورهبة — أيُّنا لا يقف بوصه مصريًّا صادق الإخلاص لوطنه وتاريخه عند أي من هذه الآثار أو عند أكثر من واحد منها يستلهمه صورة أهلنا الذي شادوه، وصور عباداتهم ومعيشتهم، ثم لا يخرج بعد وقفته هذه وقد تجسد الوطن بمعناه الكامل في نفسه، فدفع إلى فؤاده وروحه من صور الإلهام أرقاها وأسماهها! وأينا يقف هذه الوقفة ثم لا يحس بنفسه جزءًا من هذا الوطن باقيًا بقاءه، خالدًا خلده، ولا يدفعه ذلك إلى أن يتغنى بأناشيد بقاء الوطن وخلده في رعاية الله وعنايته! وهل أدب قومي يصدر عن هذا الإلهام كله يمكن أن يعدله أدب قومي لأمة من الأمم مما عرف العالم أو عرف التاريخ؟! وقصص هذه الآثار، وقصص آبائنا الذين شادوها، وقصص حياتهم المادية والنفسية والروحية، كل ذلك حاضر تحت أيدينا لمن أراد أن يكلف نفسه مشقة التنقيب فيه. فإذا تمثلنا هذا التاريخ، واستنطقنا هذه الآثار، وقدّسنا كما يجب أن تقدس هذه الطبيعة المصرية الخصبة المحسنة، وهذا النهر الذي أنشأ الله به مصر وأنشأنا بفضله عليها فألهمنا ذلك الأدب الذي نرجو، فلن يقف هذا الأدب عند تحقيق رسالة الأدب من تجلية الخير والحق والجمال؛ بل إني لأعتقد أنه يصل إلى أكثر من هذا، وأن قبسًا من نور هذه الأديان التي شهدت مصر وتوجت بالإسلام، سيضيء ظلمات هذا العصر المادي التي غمرتنا حضارة الغرب بآثاره، وسيقدم للعالم بذلك غذاء روحيًّا يلتمسه العالم اليوم في مختلف أنحائه في الشرق والغرب فيضل سعيه ولا يجد إليه سبيلًا.

ولا يحسبن أحد أن هذا النشاط المادي العظيم في الاختراع مما هو بادٍ اليوم في كل أنحاء العالم يجني على فكرتنا هذه شيئًا؛ فإن هذا النشاط سيصل يومًا إلى فترة يستقر فيها، ويومئذ يشعر العالم بظمأٍ، أي ظمأ، إلى الحياة النفسية الفتية الممتعة، ولعله واجدها في هذا البعث الذي نطلب إلى مصر أن تقوم اليوم به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤