الفصل السادس

الواقعة الأولى

(أبو عامر)
أبو عامر :
طال انتظاري للرسول وأدمعي
تَهمِي ولا تطفي حرارةَ أضلعي
فمتى توافي أمُّ رحمة بالمنى
ممن أبتْ رُحمَى فؤُادٍ موجعِ
هل أنعمتْ ولادة بإجابتي
فأرى لشمس الأنس أسعد مطلع
أو ردَّتِ الآمال خائبة كما
فعلتْ ولم تسمعْ لشكوى المُولَعِ
فإذن يكون الحَيْن فاجأَ مهجتي
ووردتُ بالقَدَر المحتَّم مصرعي
يا ويح حب لا يُجاب نداؤه
بسوى الصدى عاني الفواد مروَّعِ
قادتْه لمحةُ طرفه لهوانه
بهوى فتاة لا ترِقُّ لمدمعي

(عروض باسه يا باهي الشيم):

أجرتْ دموعي كالدِّيَم
نقيض طوفان
وما وفتْ حسب الكرم
بالوصل وَلْهان
أضحى بها عاني ألم
من حر وجْد قد ألم
ولم يكن منها نَعَم
جواب من يرجو النعم

الواقعة الثانية

(أبو عامر – حسان)
حسان (من اللحن) :
كفاك تشكو والصدى
جواب ظمآن
قد مال عن نهج الهدى
ذلًّا وخسران
إياك أن ترجو الندى
ممن لها تبدي الندى
وثغرها لن يوردا
إلَّا إذا ذُقتَ الردى
أبو عامر (عروض سقى زمان البان) :
أسرفتَ يا حسان
بعَذْلِك الولهان
أقصِر ملامي، واسمع كلامي
وقصة الأشجان
حسان :
هيهات يا مسكين
أن تجني النِّسرِين
في روض أُنس، من خدِّ شمس
فاقتْ على التحسين
أبو عامر : ما هذا الخبر الذي يُشتِّت الفكر، ويُوهِي الجَلَد، ويفطر الكبد.
حسان : ما علينا أن نستعمل التمويه، وننتقل من الفن الذي كنا فيه، هاتِ حدثني حديث تلك المعشوقة التي لا تزال نفسك إليها مشوقة، كيف تناجي حركات الضمير بتخيلات محاسنها أيها الوزير؟ وكيف كان صبرك على ظمأ كبدك الحرَّى دون وِرْد حُلْو لَمَاها مع أنك لم تستطع صبرًا.
أبو عامر : كفاك يا حسان أن تُعيد لي حديث ما كان، لا تسل عما أنت به أعرف، ولا تزد كَلَف قلب لا يُدرك المُنَى ولو تكلَّف، وساعدني على إدراك المرام وأرحني من حمل أعباء الغرام.
حسان : بلغني أن ولادة في شغل شاغل أن تخطر لها في بال، بما ينازعها في هوى ابن زيدون من البلبال، وليس لها أرب في سواه، ولا يهوي بأعطافها إلا نسيم هواه، فإذا لا يكن لك أمل أن تُعَلَّ من وِرْد وَصْلها وإن كنتَ ذا علل، وقد نهيتك أن تطرق هذا الباب، فما استعذبتَ قولي حتى وقعتَ في العذاب.
أبو عامر : كم أنت تروِّع بي وتمزق قلبي، فإما أن تمدَّ نحوي ساعد المساعدة باللين، أو تدعني أعاني بتخيلات معانيها لوعة الأنين، فلم يبقَ لي اصطبار على احتمال ما تُبديه وأنت خليُّ البال، لم يشعُر قلبك بالخفقان إذا تصور الجمع بين القرط والخلخال، فيا ذلَّ الفقير من الغنيِّ، ويا ويل الشجيِّ من الخليِّ.
حسان : كيف رأيتَ أيها الوزير حركاتِ أعطافها إذ خامرها سُكْر الدلال، وسرعة انعطافها إذا هبَّتْ بشمائلها نسمة الشمال، وكيف تتلوَّن وجنتُها إذ ضرَّجها الحَيَا، وكلَّلها بإشراق محياها البَهَا، أفدني ما نسيتُه لطول العهد، ولا تخرج بتصوُّر رسمِه عن الحد.
أبو عامر (عروض أما ومن بالجمال أنعم) :
كفاك تُشجي قلبًا تألَّم
وهو بنار الأسَى تضرَّم
وارحم فؤادًا قد ذاب شوقًا
لمَن قَلَاني وليس يَرْحَم
حسان (منه) :
يا حسنَ ولادة إذا ما
رنَتْ بجفن للسِّحْر علَّم
أبو عامر :
بالله كفَّ الكلامَ عني
وارفق بمَن بالأسى تكلَّم
حسان :
نعمْ وأبدتْ وَرْدِيَّ خدٍّ
من لَمْسِ خَزٍّ نَراه أنْعَم
أبو عامر : أواه أواه أواه! لا حول ولا قوة إلا بالله!

(عروض نسمة الخزامة):

حسان، اعزُبْ عني
لقد توالي حزني
حسان :
دعني أُتمِّم لَحْني
وافهم معانيَ فني

(عروض قم واسقني ترل.)

أبو عامر (منه) :
قد علاني الهم
من ذا الثقيل
وبراني الغم
ويلي يا ويلي

(حسان أيضًا ترل منه.)

أبو عامر : قد ضاق صدري يا حسان، وما بقي لي جَلَد على مخاطبة إنسان، فاكفف عني غَرْب لسانك، وامضِ بالله لشانك.
حسان (عروض صيح بي خلى صيحًا) :
يا هنا صبٍّ تهنَّا بمعانيها الحسان
وعليه قد تثنَّى بلقاها غصنُ بان
أبو عامر (منه) :
يا عنائي وشقائي بك إن طال الكلام
خلني عانٍ بدائي، وامضِ عني بسلام
حسان (عروض ساعد الغزال المخضوب) :
هائم الفؤاد المسلوب يشتري اللقا
بعد ما زاده المحبوب بالجفا شقا
والهوى طالب مطلوب بالفنا بقا
أبو عامر :
قد كفى تَسحَر المكروب هذه الرقى
زدت ذا الغرام وسواس، في هوى قوام ميَّاس، ردَّ ما أُرجِّي بالياس.

الواقعة الثالثة

(أبو عامر – حسان – العجوز أم رحمة)
عجوز (من اللحن) : والشقا عليك مكتوب، حيث لا لقا؛ فابكِ لا تدرك المرغوب منه مطلقًا.
حسان (لحن حجاز) : نلتَ التهاني بلا تواني من الأماني، فاطرَبْ وعربدْ على المثاني بين الغواني، فالهوى وافاك ما اقتضى رجاك في حما الأمان.
أبو عامر (منه) : أضرمتِ ناري، كيف احتيالي، والقلب صالي، ضاع اصطباري، قلَّ احتمالي، فارثي لحالي، كيف كان الحال؟ أوضحي المقال واشرحي المعاني.
العجوز : أخفقَ سعيِي على كل حال، مع أني فُهتُ لنجاح أمرك بالمحال، وألبستُك حُلَى أوصاف أنت منها عار، وتردَّيْتُ لأجلك بما لاقيتُ منها رداء العار، وبالجملة إن ولادة لا تريد لقاءك، ولا تفي عن كراهتك بما يقتضي وفاءك، وقد راجعتُها بإطالة الكلام، واستعملتُ التورية بإشارة الإبهام، وتدرجتُ بتشديد عزائم سحري حتى صرحتُ لها باسمك، وأعربتُ بانتحال أجمل وسامة لها عن وسمك؛ فنفرتْ مني والظبية شديدة النِّفار، وصرحتْ بأنه لا ينال الشمس فار، وتركتْني لإخفاق السعي باكية العين، وردَّتْني على قَدَم اليأس بخفَّيْ حُنَيْن، وخلاصة الأمر أنك لا تفوز منها بإسعاف ولا إسعاد، ودون مَجنَى وَرْدِ خَدَّيْها خَرْطُ القَتَاد.
حسان (أكرك أصبهان) :
لك التهاني بالأسى مع الغراب
قد آن بُعدي عنك من دون ارتياب
عجوز (منه) :
كذا أنا مشغولة أرجو الذهاب
وشرح حالي مُعرِب متنَ الجواب
أبو عامر :
أوَّاه قد أضرمْتُما نارَ الجَوَى بي
سيرا فيا ذلي ويا طول انتحابي
حسان، عجوز :
سرنا فدُمْ عاني الأسى دون اقتراب
أبو عامر :
سيرا إلى مسعرة ذات التهاب

الواقعة الرابعة

(أبو عامر)
أبو عامر : حال بالقَدَر القضا دون إسعاف الآمال، ولم أستفد إلا العنا وإشماتَ العُذَّال، وقد نصحني حسان قبل تزايُد الأشجان، لكنه استعمل بشرح محاسنها الإطناب، وعذَّب قلبي بوصف ثناياها العِذاب، وتلك العجوز التي ضمنتْ لي نجاح الأمل، لم أستفد من عِلْمها إلا سوءَ العمل، فإذن؛ لم يبقَ لي إلا تجرُّع الصبر وإن كان مر المذاق، وقطعُ الأمل من سماع رنة خلخالها إذا دنى من قرطها الخفاق.
إني أضعتُ نَفيسَ العُمْر مشتغلًا
بمَن غَدَتْ عن وفاءِ الصَّبِّ في شُغُلِ
وقد أحالتْ رجائي بعدما نَفِدَتْ
لنَيْل حَالِي لَمَاها بالصفا حِيَلي
فلا مساعيَّ فازتْ بالنجاح ولا
أصالةُ الرأي صانتْني عن الخطل
فالآن أفزع للصبر الجميل على
ذاك الجمال إلى أن ينقضي أجلي

الواقعة الخامسة

(ولادة – جواريها – مهجة)
ولادة :
متى بأُنس اللِّقا تدنو لنا الدار
وتنجلي في سماء البِشْر أقمار
والبدر بالشمس يحظى في حما أسد
ولم يفز بالأماني عندها الفار
ومنية النفس تُقضى بالعيون إذا
وفتْ بوحيٍ عن الأفكار أسرار
إني أشمُّ لطيب الوصل رائحة
جادت لها نَفَسٌ للأُنس معطار
على الوزير وفي وعْد النديم بأن
يزور مَن حبُّها ما فيه أوزار
هنالك الوصل يغدو كاملًا ولنا
تُقضى بنادي الصفا للنفس أوطار
فنُبْنَ عني بإنشاد يكون به
للصدر شرح إذا ناجتْه أفكار
جواري (عروض بالله يا باهي الجمال) :
قلبي مريد للوصال، ينشي التمني
حيث بأعطاف الدلال، أبدى التثني
أبو الوليد ذو المعال لقياه يدني
لنا الأماني والنوال في كل أين
متى يوافينا الوزير بالأنس زائر
وينجلي البدر المنير للشمس باهر
يا صاحب الفضل الشهير عنك الأزاهر
تروي أحاديث العبير من غير مين
ولادة : آهِ يا مهجتي! هل يفي النديم بوعده؟ فيُدني لزيارتي مَن أعاني هولَ بُعده، أو نَسِي ذاك الوعدَ لبُعد الشُّقَّة، أو رأى أن القيام به يشق عليه بتحمل المشقة.
مهجة : هيهات أن يتخلف أبو المحاسن عن عوائد الإحسان فيخلف ذلك الوعد الذي عقدته يمينه بأوثق الإيمان! فلا بد من القيام بوفائه وإن تجشَّم الأخطار وصافح أكفَّ الصِّفَاح وخطر على القنا الخَطَّار، فلا يخطر لك ذكر بتخلُّف ذلك، فسوف يسفر الصبح بنجاح آمالك، وتقر العين بطلعة العين، ويجمل في أفق المسرة اقتران النيرين.
ولادة : يا حبذا ذاك القران في حرم الصفا! إذا رمينا جمرات الهمِّ بعدَ عرفات الوفا، وتمتَّعنا بلذة النظر بلا فسوق وعصيان، وجنينا ثمار الأدب في رَوْض اللطائف من أفنان الافتنان، غير أن الأفكار تُنازعني بأن يكون نَمَى إلى أبي الوليد، حديثُ خِطبة العجوز لأبي عامر الكنود المريد، ويكون الراوي حرَّف الكلم عن مواضعه فوضع في سمعه خلاف ما حمل إلى مسامعه، فإن كان ذاك فقد ذهب العمر سُدى، ورجعتُ بدون أن أجِدَ على النار هُدى.
مهجة : لا أظن أن اعتقاد أبي الوليد بحسن طَويَّتك، وصفا سريرتك في حبه وخلوص نيتك، يخامر أقل ريب بوهم شيطان يرجم بالغيب، وهذا أبو المحاسن يخطر في مشيته، ويباعد بالتقريب عند نقل خطوته، فلعله يريد القرب ورسول الحب.

الواقعة السادسة

(الحاضرات – نديم)
نديم :
لكِ الهنا قد دنا غرسُ المنى ووفا
لكِ الزمان بإسعاف وإسعادِ
أبو الوليد ابن زيدون على أثر
آتٍ ليحظَى بمَجْلَى وَجْهِك النادي
ولادة :
دامتْ مساعيك بالبشرى ولا برِحتْ
آثارُ سعيك تُحيِي مهجة الصادي
وفيتَ كلَّ الوفا فاسعد بطيب ثنًا
مني يجود بريَّا طيبه الجادي
نديم : إني بعدما نقلتُ خطاي من حضرتك الكريمة، وقد وعدتُك أن أصنع يدًا عندك بجميل الوفا وسيمه، ووافيتُ حضرة الوزير أبي الوليد، وأبديتُ لديه حديث الوعد دون الوعيد؛ فوجدتُه حريصًا على زيارتك ومصغيًا بالتدبير لمعاني عبارتك، وقد تهيأ للحضور إلى هذا المكان، وقريبًا إن شاء الله يفرح الجَنان، وقد نَمَى إليه خبر العجوز التي أرسلها أبو عامر لخِطبة وِصالك، واستثمار غرس آماله من رياض جمالك، وعَلِم إخفاقَ سَعْيِها بردِّك الشديد، وسدِّ باب مطالبها بسور من حديد؛ فاشتغلَ بإنشاءِ رسالة صكَّتْ وجهَه وصفعتْ قفاه ومنعتْه أن يخطر له بخاطر ما كان به فاه، وبهذا السبب تأخَّر بعضَ التأخير، وهو الآن لأجل الحضور إلى هنا على قَدَم المسير.
ولادة : شكرًا لله أيها النديم صنعك، ولا فرَّق من وصل الأحبة جمْعَك، والحمد لله على نقل حديثي مع العجوز كما هو مسطور، ولم يحدث بحمله ما يحُول موضوعُه بيني وبين السرور، وقد أحسن أبو الوليد صُنعَه مع ذلك الفاجر الذي لبس برد الصَّغار من خِطبتي، وما زال باستعمال الحِيَل يُكابر، فالآن قُطعتْ آماله وساءت أقواله وأفعاله، ولا تصنُّع عندي بشدة كراهته بدون مراء؛ لأن الحب في القلب والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وقد خاطبتُه بذلك من أول الأمر، فلم يرعوي وبقي يتجرَّع دون حلو القُرْب مُرَّ الصبر، حتى كان ما كان وذاق الهوان.
نديم : ذاك قَدَر بأمر القضا سجَّل عليه الذلَّ والشقا، فما عليك أيتها السيدة بذلك عار، وإن قيل تجرَّأ على خطبة الشمس الفار، وهذا أبو الوليد قد حضر، وقد أسعفك بقُرْبِه القَدَر.

الواقعة السابعة

(الحاضرون – ابن زيدون – غلام ٣)
ابن زيدون :
أُقدِّم إخلاصَ الضراعة والثنا
لمَن مَنَّ إسعافًا ولطفًا بقربنا
وجاد على طرفي بمرآك بعدما
عدا كيدُ خطب بالأسى راع سِرْبَنا
ولادة :
وإني أُجيد الشكرَ للمالك الذي
علينا قضى بعد المساءة بالهنا
وأهلًا وسهلًا بالحبيب الذي خطا
لوصلي على هامِ الأسنَّة والقَنَا
هاتِ أيها السيد الكريم حديثَ الأشواق، وما جرتْ به عند صلة القرب عوائد العشاق، فقد طالتْ بيننا شُقَّة البين، وقرَّح أثرُ البكا بماجرى محاجرَ العين، فكيف عهدك بإنشاد بيتَيِ المعالي والقُبلة؛ ذينك الذين غرسا في فؤاد كلٍّ منا حَبَّ الحُبِّ وأنبتا سنبله، فالآن نجني بيَدِ السرور ذلك الغرس، وينجلي محيا القمر بإشراق عين الشمس.
وزير : حديث الأشواق أيتها السيدة طويل الشرح، وهو بقدح الزناد العفاف بريٌّ من القدح، وبعد رؤُيتي هذا المحيا الحسن، لا يحسن إلا ذكرُ المِنَح دون المِحَن وإن راعتْنا بالأهواءِ أهوال ووقعنا من الأحوال في أوحال، وعهدي بإنشاد ذينك البيتين حديث وإن أدرتُ بهما القديم، ولا يزال بسمعي عذب نعيمهما وإن حدث بعد ذلك عذاب أليم، وفؤاد كل منا بما في ضمير الآخر أعرف، وشرط العارف بعد تعريف ذاك النشر لا يُعرَّف.
نديم : أرى أن وجودي هنا جملة معترضة لغير فائدة، ولا يليق بالذي خفَّ طبعه أن يَثقُل على المحبين عند صلة عائده، فألتمس الإذن بالذهاب، وإن كان ليس دوني في حضرة سيدي حجاب.
مهجة : وأنا كذلك لا حاجة إلى وجودي هنا، وربما كان عائقًا عن إدراك المنى، ولا يحسن وجود ثالث عند اجتماع المحبَّيْن، وهذا المعنى بديهي التصديق برأي العين، فعينٌ واحدة تمنع لذَّة الاجتماع فكيف بنظر عيون وإصغاء أسماع؟ فسِرْ أمامي يا أبا المحاسن ليبقى مَعِينُ اللقا بينهما غيرَ آسن.
وزير : لا يبرح منكما أحدٌ من مكانه، ولا يتصوَّر شيئًا غير ما رأتْه العين في جَنانه، فلا يكون مني في مقابلة هذا الوجه الجميل إلا ما كان عند اجتماع بثينة وجميل، وإني أُجِلُّ هذا الجمال أن يُوصَف بشَيْن وهو لأوجَه المحاسن برأي العين أجمل زَيْن، ووجودُكما شاهدين على ما يكون، يمنع حُسن لقائنا أن تُسيء به الظنون، فإذن كُونا براحة أفكار، أن يكون لنا وراء ما رأَيتُماه وسمعتُماه أوطار.
ولادة : ما كان ظني بكِ يا مهجة أن يقع في فكرك ما ظنه أبو المحاسن أو تتخيلي ما يدع ماء جمالي بدَنَس الشَّيْن شَراسِن، وقد علمتِ حقيقةَ حالي ومنتهَى قصدي وآمالي، وأن ما يُجِنُّه جَناني من العفاف بدون مين، لا يُزيله ما فاه به لسان الإنشاد ذينك البيتين، ولا أجتمع دون ثالث مع أحد، ولا يُمَدُّ إليَّ بريبة ضمير يد، وأمر ما يكون بين النسا والرجال قد قطعتُ منه جميع الآمال، وأرى الحب به يُدرِكه الفساد كما يُشوِّه بقبحه محاسن الوداد، خلافًا لما قاله أبو العبر، وكان فيه لمتأمليه العبر، وغاية ما في الباب من محاضرت الرجال مطارحة نوادر الأدب بما لا يحول بيني وبين الحلال، وشكوى أيام النوى، وبثِّ أخبار الوجْد والجوى، وإدارة راحة الأُنس بأحاديث العشاق، وهيهات أن يطمع أحد — وإن قامت الحرب — بكشف الساق، فابقَيَا علينا في هذا المكان شاهدين وإن كان ثَمَّ أعظمُ شاهدٍ لا تراه العين.
نديم : اقبَلي أيتها السيدة عثرةَ لساني، وإن كان لم يُذعِن لتصديقها جَناني، وإن ضميري صحيح الاعتقاد أن لا يُدرك هذا الجمالَ انتقاصٌ ولا انتقاد، وإني قصدتُ بذهابي التخفيف وليس لنحو أفكاري فيما وراء ذلك تصريف.
مهجة : وهكذا أنا يا راحة الأرواح، لا يخطر في خاطري أن تكتسبي ما فيه جُناح، وها نحن في هذه الحضرة نُمتِّع النواظر والأسماع بما يُحلِّي أَجْيَاد اللطائف بعقود الإبداع، فخُذا في حديثكما الأول، فلا ألطف منه ولا أحلى ولا أجمل! ولا تُهمِلا في موضوعه حديث أبي عامر، ذاك الذي خرَّب بيتَ أنسه فهو غامر.
وزير : ذكرتِني يا مهجة ما شغل أفكاري زمانًا، وجرَّعني معاناة القلق ألوانًا، لكن صفا خاطر ولادة من كدر الخيانة، وانعقاد ضميرها على حفظ الأمانة أراحني من عَنا الأفكار، وأزال ما كان يخطر في فكري من تسلط الفار، وقد بلغني أيتها السيدة حديثُه معك من المطلع إلى المقطع، وسمعتُ خبرَ ردِّك له بما حلا وقعُه في كل مسمع، وأدركتُ ما فاهتْ به تلك العجوز مما لا يدخل في سمع ولا يجوز، وقد أنشأتُ بسبب ذلك رسالةً بديعة المقاصد، حللتُ بها بدائع أبيات من الشعر حَلَّت أجياد القصائد، وجعلتُها على لسانك جوابًا لخطبته، ولما تجرأ عليه مما هو فوق رتبته، وقد بلغني أنها أخرستْه بنطقها أن يفوه لك بذكر، أو يخلد أن يناجي خلده لوصلك بفكر، والنعلُ حاضرة إن عادتِ العقرب إلى الدبيب، وهيهات أن يكون لمثله في غرض هذه المحاسن سهم مصيب!
ولادة : لا فضَّ الله فاك أيها الوزير على إنشاء تلك الرسالة! وما أظهرتَه في كفاح ذلك المعتدي من البسالة، والحمد لله على تصديق برائتي لديك من الميل إليه، أو تعويلي بمقدار ذرة من المحبة التي خَطْبُها عليه، فلا عاش مَن يصل حبل رجائه، ويفي إلى ظل وفائه.
وزير : قد كفى ما أوردناه من ذكر ذلك الخاسئ الخاسر، فهاتي ما ترتاح إليه الأرواح وتستريح الخواطر؛ فإني لحديثك الحلو مشتاق، لا تنقضي مني إليه — وإن طال — أشواق، وعباراتك الشهية راحة آداب المحاضرة، وألفاظك الدرية زينة الدنيا وبهجة الآخرة.
ولادة : سحرتَ لُبِّي بنُكَتِ هذه المعاني الحِسان، وأسكرتَ عقلي بما أدَرْتَه من نفثات اللسان، فما أحلى حديثك في الأذواق والأسماع! وما أخفَّ معانيَه وإن ثقل مقدارها على الطباع! هذا هو السحر الذي حلَّ وإن عقد عليه الضمير، ولأسرار حروفه في العقول تأثير، فلا فُلَّ في هامِ البدائع غربُ لسانك، ولا بلغ شانيك الأبتر أقلَّ درجة من شأنك، وأرى إن شئتَ أن نطرب الأسماع ونُجمِّل هذا المجلس بالألحان والسماع.
وزير :
أمرَك ذات المعالي
بغيةَ القلب السليب
شنِّفوا السمع وغنوا
حيث قد غاب الرقيب
زالت الأتراح عنا
بلقانا للحبيب

نوبة

زالت الأتراح عنا
بلقانا للحبيب
أيضًا:

دور

نشأة الأرواح أغيد
ذو الهيف سبى الرجال
بدر الكمال
يا مليحا قد تفرد
بالمحاسن والجمال
جد بالوصال
أيضًا:
أشرقتْ شمس الجمال
في حان التهاني
وجلا راح الوصال
مخضوب البنان

دور

شاقني لما تبدَّى
حياة الجنان
ينثني كالغصن قَدَّا
ما بين الجنان
لنُهود أم قُدود
أم أغصان بان
سلبتْني أم خدود
تحكي الأرجوان

دور

جذبتْ قلبي ولُبِّي
خصورُ الحسان
واضطراب الرِّدْف يَسبي
تحت الخَيْزُران

دور

أهيف بالراح حيا
يوم المهرجان
وبلثم الثغر أحيا
فاني الافتنان

دور

هزَّ خطيُّ القوام
للحرب العَوَان
فعلى الدنيا سلامي
من هذا الطعان
أيضًا:

لازمه

حسن توريد وجْنة الوسنان
أصل سلبي حينما قد بان
فاضح الشهب شاغل اللب
فرقه يسبي بالسنا الوِلْدان

دور

طاف بالراح مالك الأرواح
فيه قلبي قد غدا ولهان
قم بنا يا صاح نحتسي الأقداح
بدر أنسي لاح في سما الحان

دور

خلي مرآك تيَّم النسَّاك
جد بقربي واترك الهجران
كل من يهواك ظل في أشراك
جلَّ من أنشاك للورى فتان
أيضًا:
بدر حسن لاح لي ينجلي
فوق غصن بالحلي
ينثني والحُلَلِ
يحمي ورد الخجلِ
بظباء الكحل

دور

يا حياتي قد تَوَى من الجوى
مدنَف وَاهِي القُوى
في تباريح النوى
فأزِلْ عنه الجوى
بتوالي القُبَلِ

دور

وا عنائي في الغرام من غلام
لي لا يراعي زمام
لمشوق مستهام
فعلى روحي السلام
حان حِين الأجل

دور

ما احتيالي في غزال كالهلال
ماس تِيهًا ودلال
بين أرباب الجمال
ريقه العذب الزلال
سلسبيل العسل
وزير (إنشاد) :
لقد قضينا بحجِّ الأُنس فرضَ لِقا
نلنا بسعْيِ الأماني فيه كل صفا
كما التزمنا بإحرام العفاف به
تعريف طيب ضمير للمحب كفى
الجميع (عروض) :
العيون الكواسر سبوني
قد وفاني مرامي زماني
وانجلى بابتهاج جَناني
فاجتلينا سرور التهاني زاهر
وانتشينا بالحميا
من جنى ورد المحيا
ورتعنا بهنا وأمان
واحتسينا راح أرواح التداني

دور

يا إلهي أنلنا رضاكا
وأرحمن من يُرجِّي عطاكا
وهو لا يبتغي من سواكا ناصر
كلما أصبح حيًّا
لك بالتوحيد حيَّا
ذا يقين أنه يلقى هداكا
فاسبل الستر على عبدٍ رجاكا

تذييل

وقد رأينا أن نذيل هذه الرواية البديعة المثال برسالة الوزير أبي الوليد بن زيدون الطائر الصيت لمكان المناسبة بينها وبين الرواية، ولما مر من الإشارة إليها إتماما للفائدة.

هذه الرسالة التي كتبها الوزير أبو الوليد بن زيدون عن لسان ولادة يذم ابن عبدوس

أما بعدُ؛ أيها المصاب بعقله، المورَّط بجهله، البيِّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب، فإن العجب أكذب ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهديًا من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديًا من خلتي لما قرعت دونه أنوف أشكالك، مرسلًا خليلتك مرتادة مستعملًا عشيقتك قَوَّادة، كاذبًا نفسك أنك ستنزل عنها إليَّ وتخلف بعدها عليَّ.

ولستَ بأول ذي هِمَّةٍ
دعتْه لما ليس بالنائل

ولا شك أنها قَلَتْك؛ إذ لم تَضِنَّ بك، وملَّتْك؛ إذ لم تَغِرْ عليك، فإنها أعذرتْ في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظٌ أنت معناه، والإنسانية اسمٌ أنت جسمه وهَيُولاه، قاطعة أنك انفردتَ بالجمال واستأثرت بالكمال، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال حتى خيَّلتْ أن يوسف حَاسَنَك فغضضتَ منه، وأن امرأة العزيز رأتْك فسَلَتْ عنه، وأن قارون أصاب بعضَ ما كنزتَ، والنطف عثر على فضلِ ما ركزتَ، وكسرى حَمَل غاشيتَك، وقيصر رعى ماشيتَك، والإسكندر قَتَل دارا في طاعتك، وأزدشير جاهد الطوائف بخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الأبرش تمنَّى منادمتك، وشيرين قد نافستْ بوران فيك، وبلقيس غايرتِ الزبَّاء عليك، وأن مالك بن نُوَيرة إنما أردف لك، وعروة بن جعفر إنما رحل إليك، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك، وجسَّاسًا إنما قتَله بأنَفَتِك، ومُهلْهِلًا إنما طلب ثأره بهمتك، والسمؤال إنما وفى عن عهدك، والأحنف إنما احتبى في بُرْدِك، وحاتمًا إنما جاد بوَفْرِك ولَقِي الأضياف ببِشْرك، وزيد بن مهلهل إنما ركب بفخذيك، والسُّلَيْك بن السُّلَكة إنما عدا على رِجْلَيْك، وعامر بن مالك إنما لاعَبَ الأسِنَّة بيديك، وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك، وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، وسَحْبَان إنما تكلَّم بلسانك، وعمرو بن الأهتم إنما سَحَرَ ببيانك.

وإن الصلح بين بكر وتغلب تمَّ برسالتك، والحِمَالات بين عبْس وذُبْيان أُسنِدتْ إلى كفالتك، وأن احتيال هَرِم لعلقمة وعامر حتى رضيا كان ذلك عن إشارتك، وجوابه لعمر وقد سأله عن أيهما كان ينفر وقع عن إرادتك، وأن الحجاج تقلَّد ولاية العراق بجدك، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلَّب أوْهَى شوكةَ الأزارقة بيدك وفرَّق ذاتَ بينِهم بكيدك، وأن هرمس أعطى بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على أرسطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوَّى الإصطرلاب بتدبيرك وصوَّر الكرة على تقديرك، وبقراط علِم العلل والأمراض بلطف حِسِّك، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة حدسك، وكلاهما قلَّدك في العلاج، وسألك عن المزاج، واستوصفك تركيب الأعضاء، واستشارك في الداء والدواء، وأنك نَهَجْتَ لأبي معشر طريق القضاءِ، وأظهرتَ جابرَ بن حيَّان على سر الكيمياء، وأعطيت النظَّام أصلًا أدرك به الحقائق، وجعلت للكِنْدي رسمًا استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار والأنقار توليدك وابتداعك، وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك، وسهل بن هارون مدوِّن كلامك، وعمرو بن بحر مُستَمْلِيك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الذي أقام البراهين ووضع القوانين وحدَّ الماهية وبيَّن الكيفية والكمية وناظر في الجوهر والعرض وميَّز الصحة من المرض، وفكَّ المعمَّى وفصل بين الاسم والمسمَّى، وصرَّف وقسَّم وعدَّل وقوَّم وصنَّف الأسماء والأفعال، وبوَّب الظرف والحال، وبَنَى وأعرب، ونفى وتعجَّب، ووصل وقطع، وثنَّى وجمع، وأظهر وأضمر، واستفهم وأخبر، وأهمل وقيَّد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفَّح الأديان، ورجَّح بين مذهبَيْ ماني وغيلان، وأشار بذبح الجَعْد وقتل بشَّار بن بُرْد، وأنك لو شئتَ خرقتَ العادات، وخالفتَ المعهودات، فأحلْتَ البحار عذْبة، وأعدْتَ السِّلام رَطْبة، ونقلتَ غدًا فصار أمسا، وزدتَ في العناصر فكانت خمسًا، وأنك المقول فيه: كلُّ الصيد في جَوْف الفَرَا.

وليس على الله بمُستَنْكَر
أن يجمع العالَم في واحدِ

والمَعْنِيُّ بقول أبي تمام:

فلو صوَّرْتَ نفسَك لم تزِدْها
على ما فيك من شَرَف الطباع

والمراد بقول أبي الطيب:

ذكر الأنام لنا فكان قصيدة
كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها

فكدمت في غير مكدم، واستسمنتَ ذا وَرَم، ونفختَ في غير ضرم، ولم تجد لريح مهزًّا ولا لشفرة محزًّا، بل رضيتَ من الغنيمة بالإياب وتمنيتَ الرجوع بخفَّيْ حنين؛ لأني قلت: لقد هانَ مَن بالتْ عليه الثعالب، وأنشدتُ:

على أنها الأيام قد صِرْنَ كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب

ونخرتُ وبسرتُ وعبستُ فكفرتُ، وابتدأتُ وأعدتُ وأبرقتُ وأرعدتُ، وهممتُ ولم أفعل، وكدتُ وليتَني، ولولا أن للجِوار ذمَّة وللضيافة حُرمة لكان الجواب في قذال الدمستق، والنعل حاضرةٌ إنْ عادتِ العقرب، والعقوبة ممكنة إنْ أصرَّ المذنب، وهبْها لم تُلاحظك بعين كليلة عن عيوبك، ملؤها حبيبُها، حَسَنٌ فيها مَن تَوَدُّ، وكانت إنما حَلَتْك بحلاك ووسمتْك بسيماك ولم تُعِرْك شهادة، ولا تكلفَّتْ لك زيادة بل صدقتْ سنَّ بَكْرِها فيما ذكرتْه عنك، ووضعتِ الهَناء مواضع النقْب بما نسبته إليك، ولم تكن كاذبة فيما أثنتْ به عليك، فالمُعَيْدِيُّ تسمعُ به خيرٌ من أن تراه، هجين القذال أرعن السبال، طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع سيئ الجابة والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة، ظاهر الوسواس منتن الأنفاس، كثير المعايب مشهور المثالب، كلامك تمتمة وحديثك غمغمة، وبيانك فهفهة وضحكك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة، ودينك زندقة، وعلمك مخرقة.

مَساوٍ لو قُسِمْنَ على الغواني
لما أُمْهِرْنَ إلا بالطلاق

حتى إن باقلًا موصوف بالبلاغة إذا قُرن بك، وهَبَنَّقة مستوجب لاسم العقل إذا أُضيف إليك، وطويسًا مأثور عنه يُمن الطائر إذا قِيس عليك، فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر، كيف رأيتَ لؤمك لكرمي كفاء، وضَعتَك لشرفي وفاء؟ وأنَّى جهلتَ أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنما تقع على آلافها؟ وهلَّا علمتَ أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرتَ أن المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلتُ: الخبيث والطيب لا يستويان، وتمثلتُ:

أيها المُنكِح الثريا سهيلًا
عَمْرَكَ اللهَ كيف يلتقيان؟!

وذكرتُ أني علق لا يباع ممن زاد، وطائر لا يصيده من أراد، وغرض لا يصيبه إلا مَن أجاد، ما أحسبك إلا كنتَ قد تهيئتَ للتهنية، وترشحت للترفية، لولا أن جرح العجماء جُبَار للقيت من الكواعب ما لاقى يسار، فما همَّ إلا ببعضِ ما به هممتَ، ولا تعرَّض إلا لأَيْسَرَ ما له تعرضت، أما ثاب إليك قول الشاعر:

بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع
وتنكح في أكفائها الحبطات

وهلا عشيت ولم تغتر وما أشك أنك تكون وافد البراجم، أو ترجع بصحيفة المتلمس أو أفعل بك ما فعل عقيل بن علفة بالجهني إذ جاءه خاطبًا فدهنَ استَه بزيت وقرَّبه من قرية النمل، ومتى كثُر تلاقينا واتصل ترائينا، فيدعوني إليك ما دعا ابنة الخس إلى عبدها من طول السواد وقرب الوساد؟ وهل فقدتُ الأراقم فأنكح في جنب؟ أو عضلني همام بن مرة فأقول: زوج من عُود خيرٌ من قُعود؟ ولعمري، لو بلغتُ هذا المبلغ لارتفعتُ عن هذه الحِطَّة، ولا رضيتُ بهذه الخطة؛ فالنار ولا العار، والمنية ولا الدنية، والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.

فكيف وفي أبناءِ قومي مُنكِح
وفتيان هزان الطوال الغرانقة؟

ما كنتُ لأتَخطَّى المسك إلى الرماد، ولا أمتطي الثور بعد الجواد، فإنما يتيمَّم مَن لم يجد ماء، ويرعى الهشيم مَن عدم الجميم، ويركب الصعبَ مَن لا ذلول له، ولعلك إنما غرك مَن علمتَ صَبْوَتي إليه، وشهدتَ مساعفتي له من أقمار العصر وريحان المصر الذين هم الكواكب عُلُوَّ هِمَم والرياض طيب شِيَم.

مَن تَلقَ منهم تَقُل: لاقَيْتُ سيِّدَهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري

حنَّ قِدْح ليس منها، ما أنت وهم؟ وأنَّى تقع منهم؟ وهل أنت إلا واو عمرو فيهم؟ وكالوشيظة في العظم بينهم؟ وإن كنتَ إنما بلغتَ قَعْر تابوتك، وتجافيتَ عن بعض قُوتِك، وعطرتَ أردانك، وجررتَ هميانك، واختلت في مشيتك، وحذفت فضول لحيتك، وأصلحت شاربك، ومططت حاجبك، ورققت خط عذارك، واستأنفت عقد إزارك؛ رجاء الاكتنان فيهم وطمعًا في الاعتداد منهم، فظننتَ عجزًا وأخطأتِ استُك الحفرة، والله، لو كساك محرق البردين، وحلَّتْك ماريةُ بالقرطين وقلَّدك عمرٌو الصمصامة، وحملك الحارث على النعامة ما شككتُ فيك ولا سترتُ أباك ولا كنتَ إلا ذاك، وهبْك سامَيْتَهم في ذروة المجد والحسب، وجارَيْتَهم في غاية الظرف والأدب، ألستَ تأوي إلى بيتٍ قعيدتُه لَكَاعِ؛ إذ كلهم عَزَب خالي الذراع، وأين مَن انفرد به ممن لا غلب إلا على الأقل الأخس منه، وكم بين مَن يعتمدني بالقوة الظاهرة والشهوة الوافرة والنفس المصروفة إليَّ واللذة الموقوفة عليَّ، وبين آخر قد نضَب غديره ونُزِحَت بِيرُه، وذهب نشاطه ولم يبقَ إلا ضِراطه، وهل يجتمع لي فيك إلا الحَشَف وسُوء الكيلة، ويقترن عليَّ بك إلا الغدة والموت في بيت سلولية.

تعالى الله يا سلم بن عمرو
أذلَّ الحرصُ أعناقَ الرجال

ما كان أخلَقَك بأن تقدر بذَرْعك، وتربع بذلك على ظَلعك، ولا تكن براقش الدالَّة على أهلها، وعنز السوء المستثيرة لحتفها، فما أراك إلا سقط بك العَشاء على سرحان، وبك لا بظبيٍ أعفرَ أعذرت أن أغنيت شيًّا، وأسمعت لو ناديت حيًّا «إن العصا قُرِعتْ لذي الحلم، والشيء تحقره وقد ينمي» وإن بادرتَ بالندامة ورجعتَ على نفسك بالملامة؛ كنتَ قد اشتريتَ العافية لك بالعافية منك، وإن قلتَ: جعجعة ولا طِحن، ورب صلف تحت الراعدة، وأنشدتَ:

لا يُؤْيِسَنَّك من مُخَدَّرة
قولٌ تُغلِّظُه وإن جَرَحا

فعدتَ لما نُهيتَ عنه، وراجعتَ ما استُعفِيتَ منه، بعثتُ مَن يُزعِجك إلى الخضراء دفعًا ويستحِثُّك نحوَها وَكْزًا وصفعًا، فإذا صرتَ إليها عَبَثَ أَكَّاروها بك، وتسلَّط نواطيرها عليك، فمِن قَرْعة معوَجَّة تقوم في قفاك، ومن فجلة مُنتنة يُرمى بها تحت خصاك؛ ذلك بما قدمتْ يداك لتذوق وَبَال أمرك وترى ميزان قدرك.

فمَن جَهِلَتْ نفسُه قَدْرَه
رأى غيرَه منه ما لا يَرَى

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤