أقدام غريبة

إذا ما التقيتَ عضوًا من أعضاء نادي النخبة هذا، المسمَّى «صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر»، وهو يدخل فندق فيرنون من أجل عَشاء النادي السنوي، فسوف تلاحظ، وهو يخلع عنه معطفه، أن سترة المساء الخاصة به خضراء اللون وليست سوداء. ولو سألته (على فرض أن لديك الجرأةَ الفائقة على مخاطبة شخص كهذا) عن السبب، فالأرجح أنه سيُجيبك قائلًا إنه يفعل هذا ليتجنَّب أن يظنَّه الناس، بالخطأ، نادلًا. عندئذٍ سوف تنسحب منكسرًا. بيْد أنك سوف تُخَلِّف وراءك لغزًا لم يُحَل بعد وحكايةً تستحقُّ أن تُروى.

لو كان قد قُدِّر لك (من قبيل متابعة المنوال نفسِه من التخمين البعيد الاحتمال) أن تلتقيَ بقَسٍّ صغير الحجم، دءوب، رقيق الحاشية، يُسمَّى الأب براون، وسألته عما يعتقد أنه أغرب ضربة حظ صادفَتْه في حياته، فمن المرجَّح أنه سيُجيبك بأن أفضل ضربة حظ حدثت له في العموم كانت في فندق فيرنون، حيث كان قد أحبط جريمة، وربما أنقذ شخصًا من الموت، بمجرد سماعه بضع خطوات في أحد الممرات. لعله فخورٌ بعض الشيء بتخمينه الجزافي والرائع، وربما قد يشير إليه، ولكن بما أنه من المستبعد تمامًا أن يكون من الممكن يومًا ما أن ترتقيَ بما يكفي في المجتمع فتصادف صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر، أو أن ينحدرَ بك الحال لتُخالط الحثالة والمجرمين فتُصادف الأب براون، فإنني أعتقد أنك لن تستمع مطلقًا إلى القصة إلا إذا سمعتَها مني.

كان فندق فيرنون الذي كان صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر يُقيمون فيه مآدب عَشائهم السنوية؛ عبارةً عن منشأةٍ من تلك المنشآت التي لا يمكن أن يكون لها وجودٌ إلا في مجتمعٍ تحكمه أقليةٌ كاد يخرج عن السيطرة فيما يتعلق بآداب السلوك الحميد. كان مُنتَجًا مقلوبًا رأسًا على عقِب فيما يتعلَّق باستراتيجيته؛ إذ كان منشأة تجارية «حصرية». هذا يعني أنه لم يكن مكانًا يتحصَّل على عوائده باجتذاب الناس، وإنما بإبعادهم. وفي ظل المجتمع الذي يحكمه الأثرياء، يُصبح التجار من الدَّهاء بحيث يكونون أكثر تدقيقًا من زبائنهم؛ فهم، بلا ريب، يضعون صعوباتٍ حتى يبذل عملاؤهم الأثرياء الضجِرون المال ويستخدموا علاقاتهم في سبيل التغلب عليها. لو أن ثمة فندقًا أنيقًا عصريًّا في لندن لا يُسمح بدخوله للرجال ممن يقل طولهم عن ست أقدام، لشَكَّل المجتمع بخنوعٍ تجمعاتٍ للرجال من أصحاب القامات ذات الأقدام الست ليتناولوا الطعام فيه. ولو أن ثمة مطعمًا باهظ الثمن لا يفتح أبوابه، بمحض نزوة من مالكه، إلا بعد ظهر يوم الخميس، لكان سيصبح مزدحمًا بعد ظهيرة يوم الخميس. كان فندق فيرنون يقع، وكأن ذلك من قبيل المصادفة، عند ناصية أحد الميادين في حي بلجرافيا. كان فندقًا صغيرًا، وغير مريح للغاية. ولكن كان غياب عوامل الراحة فيه بمنزلة أسوار تحمي طبقة معينة. وكان أحد الأمور غير المريحة فيه، على وجه الخصوص، يُعتبر ذا أهمية حيوية، وهو أن المكان لا يتسع إلا لأربعة وعشرين شخصًا فقط يتناولون الطعام فيه في الوقت نفسه. كانت مائدة العشاء الكبيرة الوحيدة الموجودة هي مائدة الشُّرفة الشهيرة، التي وُضِعت في الهواء الطلق في مكانٍ يُشبه الشرفة يطل على واحدة من أروع الحدائق القديمة في لندن. وهكذا، ودونما تخطيط متعمَّد، لم يكن حتى ممكنًا الانتفاع بالكراسي الأربعة والعشرين إلا في طقس دافئ؛ وهذا الوضع الذي جعل الانتفاع بالمكان أكثر صعوبة جعله مرغوبًا أكثر. كان المالك الحالي للمكان يهوديًّا يُدعى ليفر؛ وقد جنى ما يقارب مليون جنيه إسترليني من ورائه، بأن جعل دخوله أمرًا صعبًا. بالطبع مزج الرجل مع هذا القيد المفروض في نطاق منشأته تأنقًا معتنًى به أبلغ عناية فيما يتعلق بأداء المكان. كانت جودة الخمور والطهي تُضاهي حقًّا مثيلتها في أي مكان في أوروبا، ويتطابق سلوك الخدم تمامًا مع المزاج المعروف للطبقة العليا الإنجليزية. كان المالك يعرف كل النُّدُل الذين كانوا يعملون لديه كأصابع يده؛ إذ لم يكن عددهم يتجاوز خمسة عشر نادلًا. لقد كان من الأيسر كثيرًا أن تصبح عضوًا بالبرلمان من أن تصبح نادلًا في ذلك الفندق. كان كل نادل منهم مدربًا على الصمت والسلاسة الفائقَين، كما لو كان خادمًا لأحد الوجهاء. وبالفعل كان يوجد في العموم نادل واحد على الأقل لكل وجيه من الوجهاء الذين كانوا يتناولون طعامهم هناك.

لم يكن نادي صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر ليرضى بتناول الطعام في أي مكان إلا في مكان هكذا؛ إذ كان أفراد النادي مُصرِّين على الحفاظ على خصوصية مترفة؛ وكان مجرد التفكير في أن أي نادٍ آخر كان يتناول الطعام في المكان نفسه من شأنه أن يصيبهم باستياء شديد. وبمناسبة عشائهم السنوي، كان صيادو السمك معتادين على عرض كل كنوزهم، كما لو كانوا في منزل خاص، وخاصة المجموعة الشهيرة من السكاكين والشوكات المخصصة لتناول الأسماك التي كانت، إذا جاز القول، العلامة المميزة لهذا المجتمع الراقي؛ إذ كانت كل واحدة مصنوعةً بإتقان من الفضة على هيئة سمكة، وكانت كل واحدة منها مزينةً عند المَقْبَض بلؤلؤة ضخمة. دائمًا ما كانت تلك المجموعة توضع من أجل طبق الأسماك، ودائمًا ما كان طبق الأسماك هو الأروع في تلك الوجبة الرائعة. حفلَ هذا المجتمع بعدد كبير من الاحتفالات والطقوس، ولكن لم يكن له تاريخ ولا هدف؛ وكان هذا هو منبع أرستقراطيته الشديدة. فلم يكن يتعيَّن عليك أن تكون ذا شأن لتكون واحدًا من صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر؛ ولو لم تكن بالفعل شخصًا من نوع خاص، لَمَا كنت حتى لتسمع بهم. كان قد مر على تأسيس النادي اثنا عشر عامًا. وكان رئيسه هو السيد أودلي، وكان نائب الرئيس هو دوق تشيستر.

لو أنني نقلت على أي نحو جو هذا الفندق المريع، لربما شعر القارئ بتعجُّب طبيعي إزاء الكيفية التي نما بها إلى علمي أي شيء حوله، وقد ينصرف إلى التكهنات بشأن الكيفية التي آل بها أمر شخص عادي مثل صديقي الأب براون ليجد نفسه في ذلك المكان الذهبي. وفيما يتعلق بذلك الأمر، فإن قصتي بسيطة، أو بالأحرى شائعة. يوجد في العالم مشاغب وغوغائي قديم جدًّا يقتحم أرقى الخلوات، هو الموت، ليُذكِّرنا بمعلومة مروِّعة مفادها أن كل البشر إخوة، وأينما ذهب هذا الذي يساوي بين الناس جميعًا ممتطيًا ظهر حصانه الشاحب، كان من عمل الأب براون أن يتبعه. كان أحد النُّدُل، وهو رجل إيطالي، قد داهمته سكتةٌ دماغيةٌ أصابته بالشلل وقضَتْ عليه في عصر ذلك اليوم؛ وكان رب العمل اليهودي قد وافق على أن يرسلوا في طلب أقرب قَسٍّ كاثوليكي، متعجبًا قليلًا من هذه الخرافات. لسنا نبالي بما اعترف به النادل للأب براون، لسبب وجيه للغاية وهو أن القَس قد احتفظ باعتراف الرجل لنفسه؛ ولكن يبدو أن الأمر استدعى منه أن يكتب ملاحظة أو إفادة من أجل نقل رسالة ما أو تصحيح خطأ ما؛ لذلك، طلب الأب براون، بتجاسر وديع كان سيُبدي مثيله في قصر باكنجهام، أن يوفِّروا له غرفةً وأدوات كتابة. كان يتنازع داخل السيد ليفر أمران؛ لقد كان رجلًا طيب القلب، وكان لديه أيضًا تلك النسخة السيئة من الطيبة، المتمثلة في كراهية أي أمر صعب أو إظهار العواطف. وفي الوقت ذاته كان وجود شخص غريب غير مألوف في فندقه ذلك المساء يشبه ذرة تراب على شيء نُظِّف للتو. لم يكن ثمة وجود قطُّ لمنطقة بينية أو غرفة انتظار في فندق فيرنون؛ فلم يكن ثمة أشخاص ينتظرون في البهو، ولا زبائن يدلفون داخلين مصادفةً. كان يوجد خمسة عشر نادلًا، واثنا عشر ضيفًا. وكان وجود ضيف جديد في الفندق في تلك الليلة شيئًا مباغتًا كمن وجد له أخًا جديدًا يتناول الإفطار أو الشاي وسط عائلته. علاوة على ذلك، كان مظهر القَس دون المستوى وملابسه ملطخة بالطين؛ وكان مجرد نظرة خاطفة له من بعيد يمكن أن تؤدي إلى اندلاع أزمة في النادي. أخيرًا توصَّل السيد ليفر إلى خطة للتغطية على الفضيحة، ما دام ليس بوسعه أن يطمسها. عندما تدخل فندق فيرنون (ولن تفعل أبدًا)، تعبر ممرًّا قصيرًا مزينًا ببضع صور قديمة ولكنها مهمة، وتصل إلى البهو الرئيسي والردهة التي تؤدي يمينًا إلى ممرات تقود إلى الغرف العامة، ويسارًا إلى ممر مشابه يؤدي إلى المطابخ والمكاتب. وإلى اليسار مباشرة يوجد ركن به مكتب زجاجي، ملاصق للبهو؛ كان بمثابة منزل داخل منزل، إن جاز التعبير، مثل مشرب الفندق القديم الذي ربما كان في السابق يشغل مكانه.

في هذا المكتب جلس ممثل المالك (لم يكن أي أحد يظهر بشخصه أبدًا في هذا المكان ما دام بمقدوره ألا يفعل) وخلف المكتب مباشرة، في الطريق إلى مقر إقامة الخدم، كانت توجد غرفة معاطف السادة الوجهاء، التي كانت بمثابة آخر حدٍّ من حدود عالم السادة الوجهاء، ولكن بين المكتب وغرفة المعاطف كانت ثمة غرفة خاصة صغيرة ليس لها مخرجٌ آخر، كان المالك يستخدمها بين الحين والآخر للأمور الحساسة والمهمة، مثل إقراض دوق ألفَ جنيه أو رفض إقراضه نصفَ شلن. كان من علامات التسامح الرائع الذي اتسم به السيد ليفر أنه سمح لقَسٍّ بسيط بأن يدنس هذا المكان المقدس لنحو نصف ساعة، وهو يشخبط على ورقة. على الأرجح أن القصة التي كان الأب براون يكتبها كانت أفضلَ كثيرًا من هذه القصة، إلا أن أحدًا لن يعرف بها قط. يمكنني فقط القول إنها كانت مقاربة لها جدًّا في الطول، وأن الفقرتين أو ثلاث الفقرات الأخيرة منها كانت الأقل تشويقًا وجاذبية.

في اللحظة التي بلغ فيها القَس هذه الفقرات، كان قد بدأ يسمح بعض الشيء لأفكاره بأن تهيم ولحواسه الحيوانية، التي كانت حادة في الغالب، بأن تستيقظ. كان وقت الظلمة والعشاء يقترب؛ وكانت غرفته الصغيرة المنسية بدون إضاءة، وربما تكون تلك الكآبة المحتشدة قد شحذت حاسة السمع لديه، كما يحدث في بعض الأحيان. بينما كان الأب براون يكتب الجزء الأخير والأقل أهمية من وثيقته، وجد نفسه يكتب على إيقاع ضوضاء متكررة بالخارج، مثلما يفكر المرء على نغمة صوت قطار يسير على القضبان. عندما أدرك أبعاد هذا الشيء، عرف كُنهه: لم يكن سوى وقع أقدام عادية تمرُّ أمام الباب، الأمر الذي لم يكن مستبعدًا في فندق. ومع ذلك، أخذ يحدِّق في السقف المظلم، وأنصت إلى الصوت. وبعد أن ظل يستمع وهو شارد الذهن لبضع ثوانٍ، هب واقفًا وأصغى باهتمام، ورأسه مائل جانبًا قليلًا، ثم جلس مجددًا ووضع يديه على جبينه، ولم يكن عندئذٍ يستمع فقط، بل يستمع ويفكر أيضًا.

كان صوت وقع الأقدام بالخارج في أي وقت مماثلًا لما قد يسمعه المرء في أي فندق؛ ولكن، في المجمل، كان ثمة أمرٌ غريب جدًّا بشأنه. لم يكن ثمة وقعٌ لأقدام أخرى سوى ذاك. فقد كان الفندق دارًا يُطبق عليها الصمت على الدوام؛ إذ كان الضيوف المعتادون القليلون قد مضَوْا من فورهم إلى غرفهم، وكان النُّدُل المدربون تدريبًا جيدًا قد تلقَّوا أمرًا بأن يتوارَوْا عن الأنظار إلى حين طلبهم. كان بمقدور المرء أن يتصور أي مكان به من الأسباب الوجيهة ما يدعو إلى تمييز أي شيء غير عادي عدا ذلك المكان، لكن هذه الخطوات كانت بالغة الغرابة حتى إنه لم يكن بوسع المرء أن يقرِّر أن يدعوَها عاديةً أو غير عادية. وأخذ الأب براون يحاكيها بأصابعه على حافة الطاولة، مثل رجل يحاول أن يتعلم عزف نغمة على بيانو.

في البداية، كانت ثمة خطوات صغيرة سريعة أخذت تتدافع تباعًا لفترة طويلة، مثل الخطوات التي قد يؤديها رجل خفيف الوزن للفوز بسباق للمشي. وعند مرحلة ما توقَّفت وتحوَّلت إلى خطوات بطيئة، ثابتة ومتأرجحة، ولم يكن عددها يصل إلى ربع عدد الخطوات السريعة السابقة، ولكنها تشغل نفس الفترة من الوقت. في اللحظة التي توقَّفتْ فيها الخطوات الثابتة البطيئة بدأَتْ مجددًا الهرولةُ أو تلاحُق الأقدام الخفيفة المتعجلة، ثم من جديد يعود الصوت المكتوم للأقدام ذات الوقع الأثقل. كان بالتأكيد نفس الحذاء؛ وذلك أنه (كما ذكرنا في السابق) لم يكن ثمة أصواتٌ لأحذية أخرى في الجوار، إلى جانب أن هذا الحذاء كان له صريرٌ خافتٌ ولكن لا يمكن للأذن أن تُخطئه. كان رأس الأب براون من النوع الذي لا يمكنه التوقف عن طرح التساؤلات؛ وفيما يتعلَّق بهذا السؤال الذي يبدو تافهًا، كاد رأسه ينفلق من كثرة التفكير. كان قد رأى رجالًا يَجرون لكي يقفزوا، ورأى رجالًا يجرون لكي ينزلقوا، ولكن بحق الرب ما الذي يدفع رجلًا إلى الجري لكي يمشي؟ أو، مجددًا، ما الذي يدفع رجلًا إلى المشي لكي يجري؟ ومع ذلك لم يكن ثمة وصف آخر من شأنه أن يغطي هذا المسلك الغريب لهاتين الرجلين الخفيتين. كان الرجل إمَّا يمشي بسرعة شديدة لنصف الرواق لكي يمشي ببطء شديد في النصف الآخر؛ وإما كان يمشي ببطء شديد من إحدى نهايتَي الرواق لينخرط من فوره في المشي السريع حتى يصل إلى النهاية الأخرى. لم يكن أي من الاقتراحين يبدو مقنعًا بالمرة. كان عقله يزداد قتامةً أكثر فأكثر، مثل الغرفة التي كان فيها.

غير أنه ما إن بدأ يفكر بهدوء واتساق، بدا أن قتامة زنزانته نفسها تجعل أفكاره أكثر وضوحًا؛ فبدأ يرى، كما في رؤيا من نوعٍ ما، الأقدام الغريبة تَثِب مارةً في الرواق آتية بحركات غير طبيعية أو رمزية. أكانت رقصة دينية وثنية؟ أم نوعًا جديدًا تمامًا من التدريبات العلمية؟ بدأ الأب براون يسأل نفسه بمزيدٍ من الدقة والتحديد عمَّا توحي به الخطوات. فتناول الخطوة البطيئة أولًا: من المؤكد أنها لم تكن خطوة مالك الفندق. فالرجال من هذا النوع يسيرون بمشيةٍ متهاديةٍ سريعة، أو يجلسون ساكنين بلا حراك. لم يكن من الممكن أن يكون أيًّا من الخدم أو مرسالًا منتظرًا للتعليمات. لم تبدُ الخطوات كشيء من هذا القبيل. أحيانًا ما يترنَّح أفراد الفئات الأقل ثراءً (في أقلية حاكمة) هنا وهناك عندما يكونون ثملين قليلًا، ولكنهم عمومًا، وبخاصة في هذه المناسبات المهيبة، يقفون أو يجلسون في وضعيات مقيدة محدودة. لا؛ هذه الخطوة الثقيلة والمرنة في الوقت ذاته، التي يصاحبها نوع من المبالغة اللامبالية، التي لا تصنع صخبًا دومًا، ومع ذلك لا تهتم بالصخب الذي كانت تصنعه، كانت تخص نوعًا واحدًا فقط من البشر. كان سيدًا وجيهًا من غرب أوروبا، وربما كان شخصًا لم يعمل يومًا لكسب قوته.

ما إن توصل إلى هذا اليقين الثابت، تغيَّرت الخطوة متحولةً إلى الخطوة الأسرع، وجرت مارةً بالباب بإيقاع محموم كإيقاع خطوات جُرَذ. لاحظ القسُّ المُنصت أن هذه الخطوة مع كونها أسرع كثيرًا، فإنها كانت أقلَّ ضوضاءً بكثير، وكأن الرجل كان يسير على أطراف أصابعه تقريبًا. ومع ذلك لم ترتبط في ذهنه بالسرية، وإنما بشيء آخر؛ شيء لم يستطع تذكره. كاد يُجنُّ جنونُه جرَّاء واحدة من تلك الذكريات المنقوصة التي تجعل الرجل يشعر بأنه أبله. لقد سمع قطعًا هذا الخطو الغريب الرشيق في مكان ما. فجأة هبَّ واقفًا؛ إذ لمعت فكرة جديدة في رأسه، وسار نحو الباب. لم يكن لغرفته مخرجٌ مباشر على الممر، وإنما كانت تؤدي من جانب إلى المكتب الزجاجي، وتؤدي من الجانب الآخر إلى غرفة المعاطف في الخلف. حاول فتح الباب المؤديَ إلى المكتب، ووجده موصدًا، ثم نظر إلى النافذة، التي كانت حينئذٍ عبارةً عن لوح زجاجي مربع تملؤه سحابة أرجوانية يتخلَّلها غروب شاحب، وللحظة اشتمَّ رائحة الشر كما يشَمُّ الكلب رائحة الجِرْذان.

استعاد الجانب العقلاني منه (سواء أكان هو الجانب الأكثر حكمة أم لا) سيادته. وتذكَّر أن المالك كان قد أخبره أنه سوف يوصد الباب، وأنه سوف يعود لاحقًا ليُخرجه. قال لنفسه إن عشرين شيئًا لم يكن قد فكر فيها قد تُفسر الأصوات الغريبة بالخارج؛ وذكَّر نفسه بأنه كان يوجد بقيةٌ من ضوء تكفي بالكاد لينهي عمله الحقيقي. جلب ورقته إلى النافذة للحاق بآخر ضوء في الأمسية العاصفة، وانهمك بعزم مرة أخرى في الوثيقة التي كادت تكتمل. وظل يكتب لحوالي عشرين دقيقة، منحنيًا أكثر فأكثر ليقترب من ورقته في الضوء الآخذ في الانحسار؛ ثم فجأة اعتدل في جِلسته، إثر سماعه صوت الأقدام الغريبة ثانيةً.

هذه المرة أتتْ بأمرٍ غريب ثالث. في السابق كان الرجل المجهول يمشي، برعونة حقًّا وبسرعة خاطفة، ولكنه كان يمشي. هذه المرة كان يجري. كان بالإمكان سماع صوت الخطوات السريعة، الخفيفة، الواثبة وهي آتية تعبر الرواق، مثل أقدام فهد يجري فرارًا ووثبًا. كان القادم رجلًا نشيطًا شديد القوة، في إثارة عنيفة ولكنها هادئة في الوقت ذاته. ومع ذلك، عندما اندفع الصوت مارًّا بالمكتب مثل زوبعة هامسة، تحول فجأة مجددًا إلى وقع الأقدام الثابت البطيء المتبختر السابق.

ألقى الأب براون ورقته أرضًا، وإذ كان يعلم أن باب المكتب موصد، مضى من فوره نحو غرفة المعاطف في الجهة الأخرى. كان الخادم القائم على هذا المكان غائبًا مؤقتًا؛ ربما لأن الضيوف كانوا يتناولون العَشاء ولم يكن ثمة عملٌ يؤديه. وبعد أن تلمَّس طريقه وعبر غابة رمادية من المعاطف، إذ به يجد أن غرفة المعاطف المُعتِمة تنفتح على الرُّوَاق المُضاء عبر ما يشبه نضدًا أو بابًا نصفيًّا هولنديًّا، مثل أغلب الأنضاد التي اعتدنا جميعًا أن نُسَلِّم عبرها المظلات والتذاكر. كان يُوجَد مصباح مباشرة فوق القوس نصف الدائري لهذه الفتحة. ألقى المصباح بقليل من الإضاءة على الأب براون نفسه، الذي بدا مجرد هيئةٍ قاتمة قبالة النافذة التي يغشاها الغروب من خلفه. ولكن المصباح ألقى بضوء شبه مسرحي على الرجل الذي كان يقف خارج غرفة المعاطف في الرواق.

كان رجلًا أنيقًا يرتدي لِباس مساء بسيط جدًّا؛ وكان طويلًا، ولكن على نحو لا يشغل حيزًا كبيرًا؛ حتى إن المرء لَيشعر أنه كان يمكن أن ينزلق سابحًا في الهواء كطَيْفٍ في حين أن الكثير من الرجال الأصغر حجمًا كانوا سيبدون ظاهرين ولا يمكن للعين أن تتجاوزهم. كان وجهه، الذي ارتمى الآن إلى الوراء في ضوء المصباح، داكن البَشَرة ومفعمًا بالحيوية، ما يوحي بأنه وجه لرجل أجنبي. كانت بنيته جيدة، وكان أسلوبه حسنًا وخفيف الظل وواثقًا؛ كان الشيء الوحيد الذي كان يمكن انتقاده فيه هو أن هندام سترته السوداء كان أدنى قليلًا من بنيته وسلوكه، بل إنها كانت منبعجة ومنتفخة على نحو غريب. وما إن وقعت عيناه على هيئة براون التي كانت تبدو كصورة ظلية قبالة الغروب، حتى ألقى بقصاصة من الورق مكتوب عليها رقم وهتف بصوت فيه أمارات نفوذ لطيف: «من فضلك، أريد قبعتي ومعطفي؛ ثمة أمر يستدعي أن أغادر على الفور.»

أخذ الأب براون الورقة من دون أن يتفوَّه بكلمة، وذهب بإذعان ليبحث عن المعطف؛ فلم يكن أول عمل مهين قام به في حياته. جلب المعطف ووضعه على النضد؛ وفي أثناء ذلك، قال السيد الغريب الذي كان آخذًا في تحسس داخل جيب صدريته، ضاحكًا: «ليس معي أي عملات فضية؛ يمكنك الاحتفاظ بهذه.» وألقى نصف جنيه ذهبيًّا، والتقط معطفه.

ظلت هيئة الأب براون مظلمة تمامًا وساكنة؛ ولكن في تلك اللحظة كان قد فقد عقلانيته. دائمًا ما كانت عقلانيته قيمةً إلى أبعد حدٍّ عندما كان يفقدها. ففي مثل هذه اللحظات كان يجمع اثنين واثنين على أنهما أربعة ملايين. عادةً لم تكن الكنيسة الكاثوليكية (المتمسكة بالمنطق السليم) تقبل بهذا. وعادةً لم يكن هو نفسه يقبل بهذا، ولكنه كان مصدر إلهام حقيقي — وأمر مهم في أزمات نادرة — أن يكون مَن يفقد عقلانيته هو نفسه من يحفظها.

قال بتهذيب: «أعتقد، يا سيدي، أن لديك بعض العملات الفضية في جيبك.»

نظر إليه السيد الطويل محدقًا. وصاح قائلًا: «تبًّا! إذا ما أعطيتك مختارًا ذهبًا، فلماذا تشتكي؟»

قال القَسُّ بلطفٍ: «لأن الفضَّة في بعض الأحيان تكون أكثرَ قيمة من الذهب؛ أي، عندما تكون بكميات كبيرة.»

تطلَّع الغريب إليه بفضول، ثم تطلع بمزيد من الفضول عبر الممر نحو المدخل الرئيسي، ثم عاد يتطلع مجددًا إلى براون، ثم نظر باهتمام شديد إلى النافذة خلف رأس براون، وكانت النافذة لا تزال تصطبغ بألوان شفق العاصفة. ثم بدا عليه أنه يقرر شيئًا. وضع إحدى يديه على النضد، ووثب عابرًا النضد بسهولة وكأنه لاعب أكروبات وجثم على القَس، واضعًا يدًا ضخمة على ياقته.

قال، في همس أجش: «لا تتحرك. لا أريد أن أهدِّدك، ولكن …»

قال الأب براون، بصوت مثل قرع الطبول: «أنا أريد أن أهدِّدك. أريد أن أهدِّدك بالدودة التي لا تموت، والنار التي لا تنطفئ.»

قال الرجل الآخر: «إنك عامل غرفة معاطف من نوع غريب.»

قال براون: «أنا قَس، يا سَيِّد فلامبو، وأنا مستعدٌّ لسماع اعترافك.»

وقف الآخر يلهث للحظات قليلة، ثم ترنح إلى الوراء جالسًا على مقعد.

كان أول طبقين من عَشاء صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر قد قُدِّما بنجاح وعلى نحو هادئ. ليس بحوزتي نسخة من قائمة الطعام؛ ولو كانت بحوزتي ما كانَت ستُفيد في أي شيء لأي أحد. فقد كانت مكتوبة بلغة فرنسية فائقة يفهمها الطهاة، ولكنها مبهمة تمامًا للفرنسيين. كان يُوجَد تقليد في النادي بأن المقبِّلات ينبغي أن تكون متنوعة ومتعددة بلا حد. وكان القائمون على الأمر يأخذونها على محمل الجد؛ لأنها كانت بصراحة إضافاتٍ عديمة الجدوى، مثل العشاء كله والنادي بكامله. كان يوجد أيضًا تقليد يقضي بأن طبق الحَساء ينبغي أن يكون خفيفًا ومتواضعًا؛ ليكون بمثابة نوعٍ من الترقُّب البسيط والمتقشِّف لوليمة السمك القادمة في الطريق. كان الحديث الدائر عبارةً عن ذلك الحديث الغريب التافه الذي يسود الإمبراطورية البريطانية، يسودها سرًّا، والذي مع ذلك لم يكن سيضيف لمواطن إنجليزي عادي أي شيء حتى لو استطاع أن يسترق السمع إليه. كان يُشار إلى الوزراء من كلا الحزبين بأسمائهم المسيحية بنوعٍ من اللطف السَّئِم. كان وزير الخزانة الراديكالي، الذي من المفترض أن حزب المحافظين بأكمله يصب عليه اللعنات على عمليات الابتزاز التي كان يقوم بها، يُمتَدَح على شِعره التافه، أو على السرج الذي يضعه على حصانه في ساحة الصيد. أما زعيم حزب المحافظين، الذي من المفترض أن كل الليبراليين كانوا يكرهونه باعتباره طاغية، فكانوا يتحاورون بشأنه وكان، في المجمل، يُمْتَدَح؛ باعتباره ليبراليًّا. بدا بطريقة أو بأخرى أن للسياسيين أهميةً كبيرة، ومع ذلك، بدا أن أي شيء له عَلاقة بهم كان مهمًّا فيما عدا سياساتهم. كان السيد أودلي، رئيس النادي، رجلًا مسنًّا لطيفًا وكان لا يزال يرتدي ياقات جلادستون؛ كان نوعًا ما يمثِّل رمزًا لكل ذلك المجتمع البعيد عن الواقع والذي يتَّصف مع ذلك بأنه مجتمع ثابت. لم يفعل الرجل أي شيء؛ ولو كان شيئًا خاطئًا. لم يكن صارمًا؛ ولم يكن حتى ثريًّا ثراءً مميزًا. كان ببساطة منخرطًا في الأمر؛ وكان وراء ذلك غاية. لم يكن بمقدور أي حزب أن يتجاهله، ولو كان قد رغب في أن يكون عضوًا في مجلس الوزراء، لضموه إليه. أما دوق تشيستر، نائب الرئيس، فكان سياسيًّا شابًّا نجمه في صعود. بعبارة أخرى، كان شابًّا لطيفًا، ذا شعر أشقر أملس ووجه يغطيه النمش، وكان يملك ذكاء متوسطًا وضَيْعات ضخمة. في المناسبات العامة كان ظهوره ناجحًا دائمًا وكان مبدؤه بسيطًا بما يكفي. عندما كان تخطر له دعابة كان يطلقها، وكان الناس يدعونه بارعًا. وعندما لا يكون في مقدوره التفكير في دعابة ما، كان يقول إنه لا وقت للعبث، وكان الناس يدعونه كُفْئًا. وفي المناسبات الخاصة، في نادٍ لأعضاء طبقته، كان ببساطة شخصًا صريحًا وساذجًا بطريقة لطيفة ومرحة للغاية، مثل تلميذ في مدرسة. كان السيد أودلي، الذي لم يكن منخرطًا في الحياة السياسية أبدًا، يعاملهم بشيء من الجدية، حتى إنه أحيانًا كان يُحرِج الجمع بعبارات توحي بأن ثمة بعض الاختلاف بين الليبرالي والمحافظ. كان هو نفسه محافظًا، حتى في حياته الخاصة. وكان يكسو ياقته من الخلف شعر رمادي ملتف، مثل بعض رجال الدولة التقليديين، وكان يبدو للناظر له من الخلف بالهيئة التي تريد الإمبراطورية أن يكون عليها رجالها، وللناظر من الأمام كان يبدو مثل أعزب وديع منغمس في الملذات، يمتلك شقة في مجمع ألباني السكني؛ وهكذا كان حاله.

كما أُشير من قبل، كان يوجَد أربعة وعشرون كرسيًّا حول مائدة الشرفة، وكان النادي يضم اثني عشر عضوًا فقط. وهكذا كان في مقدورهم أن يشغلوا الشرفة بأكثر نمط مترف على الإطلاق، بحيث ينتظمون جلوسًا على امتداد الجانب الداخلي من المائدة، مع عدم جلوس أحد في الناحية المقابلة، فيحظون بإطلالة لا يعوقها شيء على الحديقة، التي كانت لا تزال ألوانها نابضة بالحياة، رغم أن المساء كان يحلُّ على نحوٍ مُجفلٍ بعض الشيء مقارنة بهذا الوقت من العام. جلس الرئيس في وسط الصف، وجلس نائب الرئيس في نهايته من الناحية اليمنى. وعندما جلس كل الضيوف الاثنا عشر على مقاعدهم، وقف النُّدُل الخمسة عشر كلهم، كما هي عادتهم (لسببٍ غير مفهوم) مصطفين وظهورهم للحائط مثل قوات تُقدِّم تحية السلاح للملك، بينما وقف المالك البدين وأخذ ينحني لأعضاء النادي وعلامات الاستغراب بادية على وجهه، كما لو كان لم يسمع بهم من قبل. غير أنه قبل رنين أول سكين وشوكة، كان هذا الجيش من الخدم قد اختفى، ولم يكن يبقى إلا الخادم أو الخادمان اللازمان لجمع وتوزيع الأطباق واللذان كانا ينطلقان هنا وهناك في صمت مميت. كان السيد ليفر، المالك، بالطبع قد اختفى، وهو يأتي بحركات مجاملة متشنجة، قبل ذلك بوقت طويل. سيكون من المبالغة، بل من قبيل عدم الاحترام، القول إنه كان يظهر مجددًا. بيد أنه عندما كان يُجلَب الطبق المهم، وهو طبق السمك، كان يوجد — كيف أعبر عن هذا؟ — كان يوجد طيف واضح، أو انعكاس لشخصيته، يدل على أنه كان يحوم في الجوار. كان طبق السمك المهيب يتمثَّل (حسبما يتراءى لأعين السوقة) فيما يشبه قطعة بُودِنْج هائلة ضخمة، تضاهي تقريبًا حجم وشكل كعكة زفاف، بداخلها كان عدد كبير من السمكات المدهشة قد فقد أخيرًا الشكل الذي خلقه الرب عليه. أمسك صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر بسكاكين وشوكات السمك الشهيرة، وأقبلوا على قطعة البودنج بجدية كما لو كانت تكلفة كل بوصة منها تعادل تكلفة الشوكة الفضية التي كانت تؤكل بها. وقد كان هذا صحيحًا، على قدر علمي. وقد تعاملوا مع هذا الطبق في صمت متسم بلهفة ونهم؛ وعندما صار طبق الدوق الشاب شبه خاو، عندئذٍ فقط أدلى بالملاحظة المعتادة: «لا يمكنهم صنعه في أي مكان آخر إلا هنا.»

قال السيد أودلي، بصوت خفيض عميق: «لا يمكنهم إنجازه في أي مكان.» ملتفتًا إلى المتحدث وأومأَ برأسه الوقور عددًا من المرات. وأضاف: «لا يمكنهم إنجازه في أي مكان، بِالتَّأكِيد، إلا هنا. قيل لي إن مطعم كافيه أنجليه …»

عندئذٍ قاطعه بل وأغضبه للحظةٍ إبعادُ طبقه من أمامه، ولكنه استعاد خيط أفكاره الثمين، وقال وهو يهز رأسه بقوة، مثل قاضٍ يُصدر حكمًا صارمًا: «قيل لي إنه يمكن إنجاز نفس الطبق في مطعم كافيه أنجليه. ولكن لا يُقارَن به على الإطلاق، يا سيدي. لا يُقارَن به على الإطلاق.»

قال الكولونيل باوند في ثقة: «مكان مبالغ في تقديره.» وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدَّث فيها منذ بضعة شهور (حسبما يدل عليه مظهره).

قال دوق تشيستر، الذي كان متفائلًا بطبيعته: «أوه، لا أعلم. إنه جيد في بعض الأشياء. إنه الأفضل في …»

جاء نادل مسرعًا عبر الغرفة، ثم توقف في مكانه بلا حراك. كان توقفه بلا صوت مثل خطوته؛ لكن كل أولئك السادة الغامضين واللطفاء كانوا معتادين على النعومة المطلقة للآلات الخفية التي أحاطت بحياتهم ودعمتها، حتى إن قيام نادلٍ بشيءٍ غير متوقَّعٍ كان حدثًا مفاجئًا وصادمًا. كانوا يشعرون بما كنا أنا وأنت سنشعر به لو رفض عالم الجماد أن يطيعنا؛ بما كنا سنشعر به لو لاذ كرسي بالفرار منا.

وقف النادل يحدِّق لبضع ثوانٍ، بينما تعمَّق شعورٌ بخزيٍ غريبٍ على وجوه كل من كانوا على المائدة، وهذا الخزي برمته هو نتاج زمننا، إنه مزيج من الإنسانية الحديثة والهوة الحديثة الرهيبة بين نفوس الأغنياء والفقراء. كان من شأن أرستقراطيٍّ أصيلٍ في مثل هذا الموقف أن يقذف النادل بأشياء، بدايةً من الزجاجات الفارغة، وانتهاءً على الأرجح بالنقود. وكان الديمقراطي الأصيل سيسأله، بكلام ودي واضح، عما يفعل بحق الشيطان، لكن هؤلاء البلوتوقراطيين العصريين لم يكونوا ليحتملوا وجود فقيرٍ بالقرب منهم، سواء كان عبدًا أو صديقًا. لم يكن إلمام خطب سيئ بالخدم يمثِّل سوى مجرد إحراج مضجر قوي. لم يرغبوا في أن يكونوا قاسين، وكانت الحاجة إلى امتلاك نزعة للخير تثير ذعرهم. لقد أرادوا للأمر، أيما كان، أن ينتهي. وقد انتهى. فبعد وقوفه جامدًا، كمن أصابه التخشُّب، لثوانٍ قليلة، استدار النادل وجرى بسرعة محمومةٍ خارجًا من الغرفة.

عندما عاود الظهور في الغرفة، أو بالأحرى عند بابها، كان بصحبة نادل آخر، وهمس إليه وأومأ بحركات انطوَتْ على ذلك العنف المميز للجنوبيين. ثم انصرف النادل الأول، تاركًا النادل الثاني، وعاود الظهور ومعه نادل ثالث. وبعدما انضم نادل رابع إلى هذا المجلس الذي تشكَّل على عجل، شعر السيد أودلي بضرورة كسر الصمت من باب الذوق والدبلوماسية. واستعان بسَعْلةٍ عاليةٍ للغاية، بدلًا من مطرقة رئاسية، وقال: «ما يقوم به موتشر الشاب في شركة بورما هو عمل رائع. الآن، ليس في مقدور أي أمة أخرى أن …»

كان نادل خامس قد جاء مسرعًا نحوه كالسهم، وكان يهمس في أذنه قائلًا: «آسف بشدة. أمر مهم! هل يمكن لصاحب الفندق أن يتحدَّث إليك؟»

التفت رئيس النادي في اضطراب، وبنظرة محملقة ذاهلة، رأى السيد ليفر آتيًا نحوهم بتعجُّله المتثاقل. كانت مشية المالك الطيب القلب هي في الواقع مشيته المعتادة، لكن وجهه لم يكن معتادًا البتة؛ فعادةً ما كان لونه بنيًّا نحاسيًّا لطيفًا، أما الآن فهو مصفر كوجوه المرضى.

قال، بلُهاثٍ كالمَرْبُوِّ: «أستميحك عذرًا، يا سيد أودلي. لدي تخوفات عظيمة. أطباق السمك الخاصة بكم رُفِعَت من فوق المائدة ومعها السكاكين والشوكات!»

قال الرئيس، ببعض الحماس: «حسنًا، آمل ذلك.»

تقطَّعت أنفاس مالك الفندق من فرط الانفعال، وقال: «هل تراه؟ هل ترى النادل الذي رفعها من فوق المائدة؟ أتعرفه؟»

أجاب السيد أودلي بسخط قائلًا: «أعرف النادل؟ بالتأكيد لا!»

بسط السيد أودلي يديه بحركة تنم عن الأسى، وقال: «إنني لم أرسله قطُّ، ولا أعرف متى أو لماذا أتى. لقد أرسلت نادلي ليرفع الأطباق، فوجدها قد رُفِعَت بالفعل.»

كان السيد أودلي لا يزال يبدو متحيرًا على نحو لا يمكن معه في الواقع أن يكون بالهيئة التي تريد الإمبراطورية أن يكون عليها رجالها؛ لم يستطع أي أحد من المجموعة أن يقول أي شيء عدا الرجل الصامت — الكولونيل باوند — الذي بدا متحفزًا للدخول في نمط حياة غير طبيعي بالنسبة إليه. نهض من مقعده متصلبًا، تاركًا الباقين جالسين، وثبت نظارته المفردة على عينه، وتحدث بصوت خفيض مبحوح كما لو كان قد نسي كيف يتكلم وقال: «هل تعني أن أحدًا سرق طقم السمك الفضي خاصتنا؟»

كرر المالك حركة اليد المنبسطة بمزيد من قلة الحيلة وفي لمح البصر كان كل الرجال الجالسين على المائدة واقفين على أقدامهم.

سأله الكولونيل بنبرته المنخفضة الخشنة: «هل كل نُدُلك هنا؟»

صاح الدوق الشاب وهو يدفع وجهه الصبياني وسط دائرة الرجال المتجمهرين: «نعم؛ جميعهم هنا. لاحظت ذلك بنفسي. دائمًا ما أعدهم عند دخولي؛ إذ يبدو منظرهم شديد الغرابة وهم يقفون مصطفين على الحائط.»

ابتدأ السيد أودلي في الحديث بتردُّدٍ شديدٍ وقال: «ولكن بالتأكيد لا يمكن للمرء أن يتذكَّر بدقة.»

صاح الدوق بانفعال: «أؤكد لك أنني أتذكر بدقة. لم يوجد قطُّ أكثر من خمسة عشر نادلًا في هذا المكان، ولم يكن موجودًا الليلة أكثر من خمسة عشر، وأقسم على ذلك؛ لا أكثر ولا أقل.»

استدار المالك نحوه، وهو يهتز في نوع من الشلل الناجم عن المفاجأة، وقال بتلعثم: «أتقول … أتقول إنك رأيت كل نُدُلي الخمسة عشر؟»

صادق الدوق على كلامه قائلًا: «كالمعتاد. وماذا في ذلك؟!»

قال ليفر، بنبرة تزداد عمقًا: «لا شيء. كل ما في الأمر أنك لم تفعل؛ إذ إن واحدًا منهم ميت في الطابق العلوي.»

ساد الغرفة سكون مروع لوهلة. ربما كان السبب في ذلك (يا لها من كلمة خارقة للطبيعة، كلمة الموت!) أن كل واحد من أولئك الرجال الخاملين نظر لثانية إلى روحه، ورآها كحبة بازلاء صغيرة مجففة. بل إن أحدهم — أظنه الدوق — قال بلطف الثراء الأحمق: «هل يوجد أي شيء يمكننا فعله؟»

قال اليهودي، ببعض التأثُّر: «لقد أحضرنا له قَسًّا.»

ثم، وعلى وقع ذكر الموت، أدركوا وضعهم. لبضع ثوان غريبة شعروا حقًّا كما لو أنه من المحتمل أن يكون النُّدُل الخمسة عشر هم شبح الرجل الميت في الطابق العلوي. أُلجِمت ألسنتهم تحت وطأة ذلك الضغط؛ إذ كانت الأشباح تمثل لهم مصدر إحراج، مثل الشحاذين، ولكن تذكُّر أدوات المائدة الفضية أبطل تأثير هذا الأمر الإعجازي الفائق للطبيعة؛ أبطله فجأة وبردة فعل عنيفة. اندفع الكولونيل من مقعده ومشى نحو الباب بخطوات واسعة، وقال: «لو كان يوجد خمسة عشر رجلًا هنا، يا أصدقائي، فالشخص الخامس عشر لص. امضوا فورًا إلى الأبواب الأمامية والخلفية وأمِّنوا كل شيء؛ وبعد ذلك سنتكلَّم. فاللآلئ الأربع والعشرون الخاصة بالنادي تستحق أن نستردها.»

بدا على السيد أودلي للوهلة الأولى التردُّد فيما يتعلق بما إذا كان من نبل المَحْتِد أن يكون المرء متعجلًا بشأن أي شيء؛ ولكنه، إذ رأى الدوق يهرع على الدرج إلى الطابق السفلي بعنفوان الشباب، تبعه بحركة أكثر نضجًا.

في اللحظة نفسها ركض نادل سادس دالفًا إلى الغرفة، وأعلن أنه وجد كومة أطباق السمك على منضدة جانبية، دونما أثر لأدوات المائدة الفضية.

انقسم حشد ضيوف العشاء والخدم الذين اندفعوا عبر الممرَّات في فوضى، إلى مجموعتين. تبع أغلب صيادي السمك المالك إلى الغرفة الأمامية ليلتمسوا خبر أي مخرج، بينما انطلق الكولونيل باوند، مع الرئيس، ونائب الرئيس، وواحد أو اثنين آخرين عبر الرواق المؤدي إلى سكن الخدم، باعتباره طريق الهرب الأرجح. وبينما هم ماضون في طريقهم، مروا بالقبة المعتمة أو مغارة غرفة المعاطف، ورأوا شخصًا قصيرًا يغلفه السواد، ربما كان أحد الخدم، واقفًا إلى الخلف قليلًا في ظلها.

صاح الدوق قائلًا: «مرحبًا، يا من هناك! هل رأيت أي أحد يمر؟»

لم يُجِب الشخص القصير على السؤال مباشرة، وإنما فقط قال: «لعل بحوزتي ما تبحثون عنه، أيها السادة.»

توقفوا، في ارتباك وتساؤل، بينما مضى هو بهدوء إلى مؤخرة غرفة المعاطف، وعاد ويداه الاثنتان مملوءتان بأدواتٍ فضية لامعة، ووضعها على النضد بهدوءٍ موظف مبيعات. كانت على هيئة دزينة من الشوك والسكاكين الجذابة الشكل.

بدأ الكولونيل الحديث، وقد خرج تمامًا عن اتزانه أخيرًا: «أنت … أنت …» ثم أمعن النظر في الغرفة الصغيرة المعتمة ورأى أمرين: الأول، أن الرجل القصير المتشح بالسواد كان يرتدي ملابس رجل دين؛ والثاني، أن نافذة الغرفة خلفه كانت منفلقة، كما لو كان شخص قد مر عبرها بعنف. علق رجل الدين، قائلًا برَصَانةٍ مرحة: «يجب أن تودع الأشياء الثمينة في غرفة المعاطف، أليس كذلك؟»

تلعثم السيد أودلي وهو يحدِّق بعينيه: «هل … هل سرقت تلك الأشياء؟»

قال رجل الدين بلطف: «لو كنتُ قد فعلت، فها أنا على الأقل أُعيدها.»

قال الكولونيل باوند، وهو لا يزال يحدق في النافذة المكسورة: «لكنك لم تفعل.»

قال الآخر، بلهجة تكتسي ببعض الدعابة: «كي أكون صادقًا، لم أفعل.» وجلس بجدية شديدة على مقعد. قال الكولونيل: «ولكنك تعرف من فعلها.»

قال القس بهدوء: «لا أعرف اسمه الحقيقي، ولكني أعرف شيئًا عن وزنه في النزال، وأعرف قدرًا كبيرًا عن الصعوبات الروحية الخاصة به. لقد شكلت في ذهني التقدير لبنيته الجسدية عندما كان يحاول خنقي، وتقييمه الأخلاقي عندما تاب.»

صاح دوق تشيستر الشاب، صيحة ضاحكة نوعًا قائلًا: «أوه، يا إلهي … تاب!»

وقف الأب براون، واضعًا يديه خلف ظهره. وقال: «أليس من الغريب أن يتوب لص ومتشرد، بينما يظل كثيرون جدًّا ممن هم أغنياء ويتمتعون بحياةٍ آمنةٍ قساةَ القلوب وتافهين، وبلا ثمرةٍ يجنيها منهم الرب أو البشر؟ ولكن ها أنت، معذرة، تتعدَّى قليلًا على نطاق اختصاصي. إن كنتَ تُشكِّك في الندم باعتباره حقيقة عملية، فها هي سكاكينكم وشوكاتكم. أنتم صيادو السمك الحقيقيون، وها هي أدواتكم الفضية كلها. ولكنه جعلني صيادًا للبشر.»

قال الكولونيل، عابسًا: «هل أمسكت بهذا الرجل؟»

نظر الأب براون إليه متفحصًا وجهه العابس، وقال: «نعم أمسكتُ به، بصنارة صيد لا تُرى وبخيط خفي طويل طولًا يسمح له بأن يجول حتى أقصى العالم، ولا يزال في مقدوري أن أعيده بشدة قوية للخيط.»

ساد صمت طويل. انصرف كل الرجال الآخرين الحاضرين ليحملوا الأدوات الفضية المستعادة إلى رفقائهم، أو ليستشيروا المالك بشأن الحالة الغريبة للأمور. غير أن الكولونيل العبوس ظل جالسًا على أحد جانبي النضد، وهو يُؤرجِح ساقيه الطويلتين النحيفتين ويعض شاربه الداكن.

أخيرًا قال بهدوء للقس: «لا بد أنه كان رجلًا ماهرًا، ولكني أظن أنني أعرف شخصًا آخر أكثر مهارة.»

أجاب الآخر: «كان رجلًا ماهرًا، ولكني لست متأكدًا تمامًا مما تعنيه بالشخص الآخر.»

قال الكولونيل: «أعنيك أنت. لا أريد الزجَّ بذلك الرجل في السجن؛ هوِّن على نفسك فيما يتعلَّق بذلك الأمر. ولكني على استعداد لأن أمنح الكثير من الشوكات الفضية لأعرف بالضبط الكيفية التي وقعت بها على هذه القضية، وكيف حصلت منه على الأشياء. أعتقد أنك أحدث شياطين المجموعة الحاضرة.»

بدا على الأب براون أنه أُعجِب إلى حد ما بالصراحة العابسة للرجل العسكري، وقال مبتسمًا: «حسنًا، لا ينبغي أن أخبرك أي شيء عن هوية الرجل، ولا عن قصته، بالطبع؛ ولكن لا يوجد سبب معين يمنعني من أن أخبرك بالحقائق السطحية المجردة التي اكتشفتها بنفسي.»

قفز فوق الحاجز بنشاط غير متوقع، وجلس إلى جانب الكولونيل باوند، وهو يضرب بساقيه القصيرتين مثل صبي صغير جالس على بوابة. وبدأ يحكي القصة ببساطة وأريحية كما لو كان يحكيها لصديق قديم بجوار نار المدفأة عشية عيد الميلاد.

قال: «كما ترى، أيها الكولونيل، لقد أُوصِد عليَّ باب تلك الغرفة الصغيرة هناك حيث كنتُ أدوِّن بعض الأشياء، وفي أثناء ذلك سمعت صوت قدمين في هذا الممر تؤديان رقصة غريبة كرقصة الموت. في البداية كانت خطوات صغيرة سريعة غريبة، مثل خطوات رجل يمشي على أطراف أصابعه من أجل رِهَان؛ ثم أصبحت خطوات بطيئة، غير مبالية، تُصدر صريرًا، كخطوات رجل ضخم يتمشَّى وفي يده سيجار. غير أنها كانت صادرةً من القدمين أنفسهما، وأُقسِم على ذلك، وكانت تحدث بالتناوب؛ ففي البداية يحدث الركض وبعد ذلك المشي، ثم الركض مجددًا. في البداية تساءلت بفتور ثم بانفعال عن السبب الذي يجعل رجلًا يؤدي هذين الدورين في وقت واحد. عرفت مشية منهما؛ كانت مثل مشيتك تمامًا، أيها الكولونيل. كانت مشية سيد نبيل بصحة جيدة ينتظر شيئًا ما، ويتمشَّى جَيْئة وذَهابًا؛ لأن جسده في حالة تأهُّب وليس لأنه نافد الصبر من الناحية الذهنية. كنت على يقين من أنني أعرف المشية الأخرى، أيضًا، ولكنني لم أستطع أن أتذكر مشية من كانت. من هو المخلوق الجامح الذي التقيته في أسفاري وكان يمضي قُدُمًا بسرعة كبيرة على أطراف أصابعه بهذا الأسلوب غير العادي؟ ثم سمعت قعقعة أطباق في مكان ما؛ وتجلَّت الإجابة واضحة ككاتدرائية القديس بطرس. كانت مشية نادل؛ تلك المشية التي يكون فيها الجسد مائلًا إلى الأمام، والعينان تنظران لأسفل، ومقدم القدم خلف الإصبع الكبير يرفس الأرض، وذيل السترة والمحرمة يتطايران. ثم فكرت لدقيقة ونصف. وأعتقد أنني رأيت طريقة ارتكاب الجريمة بوضوح كما لو كنتُ أنا من سيرتكبها.»

أخذ الكولونيل باوند يتأمَّله بشدة، ولكن عيني المتحدث الرماديتين الرقيقتين كانتا شاخصتين في السقف وبهما تعبير عن حزن حالم شبه أجوف.

أضاف القس ببطء: «الجريمة تشبه أي عمل فني آخر. لا تنظر إليَّ مندهشًا هكذا؛ فالجرائم بالقطع ليست هي الأعمال الفنية الوحيدة التي تنبع من مصدر شيطاني. وإنما كل عمل فني، خيِّرًا كان أو شيطانيًّا، له سمة جوهرية لا غنى عنها؛ أعني أن محوره بسيط، مهما يكن إنجازه معقدًا. وهكذا، في مسرحية «هاملت»، مثلًا، نجد أن غرابة وبشاعة حفار القبور، وزهور الفتاة المجنونة، والبهرجة الغريبة لثياب أوزريك، وشحوب الشبح وابتسامة الجمجمة هي كلها أمور غريبة متضافرة في إكليل متشابك نوعًا ما حول شخصية مأساوية عادية لرجل متشح بالسواد.» وأردف قائلًا، وهو ينزل ببطء من فوق مقعده والابتسامة تعلو وجهه: «حسنًا، هذه أيضًا هي المأساة البسيطة لرجل متشح بالسواد.» وتابع قائلًا، وهو يرى الكولونيل ينظر إلى أعلى وملامح وجهه تكتسي ببعض التساؤل: «نعم، هذه الحكاية كلها تدور حول السترة السوداء. وفي هذه الحكاية، كما في مسرحية «هاملت»، نجد الزوائد المبهرجة؛ أنتم، مثلًا. هناك النادل الميت، الذي وُجد في وقت لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا فيه. وهناك اليد الخفية التي أخذت كل الشوك والملاعق الفضية من فوق مائدتكم وتبخرت في الهواء. غير أن كل جريمة بارعة تقوم في نهاية الأمر على حقيقة واحدة بسيطة للغاية؛ حقيقة هي في حد ذاتها ليست غامضة. فالغموض يأتي من إخفائها، من إبعاد أفكار الناس عنها. هذه الجريمة الكبيرة والبارعة و(في السياق العادي) المربحة للغاية، بُنيت على حقيقة بسيطة وهي أن سترة أي من السادة النبلاء هي نفس سترة النادل. كل الأمور الأخرى كانت عبارة عن تمثيل، بل تمثيل بارع للغاية.»

قال الكولونيل، وهو ينتصب واقفًا ويقف أمامه عابسًا: «ما زلتُ غير متأكد من أنني أفهم.»

قال الأب براون: «أيها الكولونيل، ما أقوله لك هو أن هذا الشخص الذي لا مثيل له في الوقاحة الذي سرق شوكاتكم سار في هذا الممر جَيْئة وذَهابًا عشرين مرة تحت وهج كل المصابيح، وأمام أعين الجميع. لم يمض ويختبئ في زوايا معتمة كان من الممكن أن يؤدي الشك إلى البحث عنه فيها. وواصل الحركة باستمرار في الأروقة المضاءة، وفي كل مكان ذهب إليه كان يبدو أنه يحق له الوجود فيه. لا تسألني عن الهيئة التي كان عليها؛ فقد رأيته بنفسك ست أو سبع مرات الليلة. كنتَ تنتظر مع كل الرجال العظام الآخرين في غرفة الاستقبال في نهاية الممر هناك، والشرفة وراءكم تمامًا. وفي كل مرة يكون فيها في وسطكم يا سادة، كان يأتي سريعًا بمظهر نادل، برأس مطأطئ، ومحرمة متطايرة وقدمين تتحركان بخفة. لقد انطلق بسرعة متجهًا نحو الشرفة، وفعل شيئًا ما في مفرش المائدة، وانطلق بسرعة عائدًا نحو المكتب وسكن النُّدُل. وما إن أصبح تحت مرأى موظف المكتب والنُّدُل حتى تحول إلى رجل آخر من رأسه إلى أخمص قدميه، وفي كل لفتة غريزية من لفتات جسده. تمشى وسط الخدم بالعجرفة الشاردة التي كانوا كلهم يرون سادتهم عليها. لم يكن أمرًا جديدًا عليهم أن يتمشى أحد المتأنقين من مأدبة العشاء في كل أرجاء الفندق كحيوان في حديقة للحيوانات؛ فهم يعرفون أن أكثر ما يميز تلك المجموعة المتأنقة هو عادة التجول أينما يشاء أحدهم. وعندما كان يبدي ضجرًا مهيبًا كهيئته من المشي عبر ذلك الممر تحديدًا، كان يستدير عائدًا ويتمشى راجعًا مرورًا بالمكتب؛ وفي ظل القوس الكائن وراءك مباشرة كان يتبدَّل وكأنه يقوم بذلك بنفخة سحرية، ويمضي مسرعًا متقدمًا وسط صيادي السمك الاثني عشر، كخادم خانع. ما الذي يدعو السادة إلى تأمل نادل يمر أمامهم عرضًا؟ وما الذي يدعو النُّدُل إلى الشك في وجيه من الطراز الأول وهو يتمشى؟ لقد مارس الرجل مرة أو مرتين أروع الخدع. في الجناح الخاص بالمالك صاح يطلب بمرح زجاجة ماء صودا، قائلًا إنه ظمآن. وقال بلطف إن بمقدوره أن يحملها بنفسه، وقد فعل؛ إذ حملها بسرعة وعلى نحو صحيح مارًّا وسطكم، باعتباره نادلًا له مهمة واضحة. بالطبع، لم يكن من الممكن لهذا الأمر أن يستمر طويلًا، ولكن كان يجب فقط أن يستمر حتى نهاية طبق السمك.

كانت أسوأ لحظة مر بها هي عندما وقف النُّدُل في صف؛ ولكن حتى حينئذ خطط بدهاء لأن يستند على الحائط عند الزاوية تمامًا بطريقة جعلت النُّدُل يعتقدون في تلك اللحظة المهمة أنه أحد السادة، بينما اعتقد السادة أنه نادل. أما باقي الوقت فمر بسهولة شديدة؛ إذ لو كان أي نادل قد لمحه بعيدًا عن المائدة، لما كان يدور في خلده أنه لمح أحد الأرستقراطيين الكسالى. كان عليه فقط أن يضبط وقته على دقيقتين قبل رفع أطباق السمك، ليتحول إلى خادم سريع الحركة، ويرفعها بنفسه. وضع الأطباق على منضدة جانبية وحشر الأدوات الفضية في جيب الصدرية الخاص، فأعطاه مظهرًا منتفخًا، وهرول مثل أرنب (سمعته آتيًا) حتى وصل إلى غرفة المعاطف. وهناك كان عليه فقط أن يتحول من جديد إلى بلوتوقراطي استُدعي فجأة في عمل. كان عليه فقط أن يعطي تذكرته لعامل غرفة المعاطف، ويخرج مجددًا بلطف كما أتى. فقط … فقط تصادف أن أكون أنا عامل غرفة المعاطف.»

صاح الكولونيل، بحدة غير معتادة: «ماذا فعلتَ به؟ ماذا قال لك؟»

قال القَس بثبات: «اعذرني، فهنا تنتهي القصة.»

تمتم الكولونيل: «وتبدأ القصة المثيرة. أعتقد أنني أفهم حيلته الاحترافية، ولكن لا يبدو أنني قد أدركت حيلتك.»

قال الأب براون: «لا بد أن أذهب.»

سارا معًا عبر الممر إلى بهو المدخل، حيث شاهدا الوجه النضر المنمش لدوق تشيستر، الذي كان يثب منشرحًا متجهًا نحوهما.

وصاح بتلهُّف: «تعال، يا باوند. لقد كنت أبحث عنك في كل مكان. العشاء سينطلق مجددًا على نحو فريد، وكان على أودلي العجوز أن يُلقي خطبة على شرف الشوكات التي استُعيدت. نريد أن نبدأ طقسًا جديدًا، لإحياء ذكرى هذه المناسبة. لقد استعدت الأدوات الفضية بالفعل، فماذا تقترح؟»

قال الكولونيل، رامقًا إياه بنظرة تنطوي على موافقة تهكمية معينة: «حقًّا؟! أقترح أن نرتدي من الآن فصاعدًا سترات خضراء، بدلًا من السوداء. فلا أحد يعرف ما الأخطاء التي قد تنجم عندما يبدو المرء في مظهر نادل.»

قال الشاب: «أوه، اللعنة! لا يمكن أبدًا لسيد أن يبدو مثل نادل.»

قال الكولونيل باوند، بنفس الضحكة المتجهمة على وجهه: «ولا لنادل أن يبدو مثل سيد، على ما أعتقد. سيدي القس الموقر، لا بد أن صديقك كان ذكيًّا جدًّا حتى يلعب دور السيد النبيل.»

أغلق الأب براون أزرار معطفه الطويل العادي حتى عنقه؛ إذ كانت الليلة عاصفة، وأخذ مظلته العادية من فوق الحامل.

وقال: «نعم، لا بد أنه عمل شاق جدًّا أن يكون المرء سيدًا نبيلًا؛ ولكن، أتعرف، اعتقدتُ أحيانًا أنه قد يوازيه مشقةً أن يكون المرء نادلًا.»

وبينما كان يلقي عليهم تحية المساء، دفع الباب الثقيل لقصر المُتَع ذاك فاتحًا إياه. وانغلقَت البوابات الذهبية من ورائه، ومضى يمشي بسرعةٍ عبر الشوارع الرطبة المظلمة بحثًا عن حافلة من تلك الحافلات ذات البنس الواحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠