الحملة الفرنسية

لما اعتزمت الحكومة الفرنسية فتح البلاد المصرية؛ لعرقلة طريق الهند أمام الإنجليز حتى يضطروا إلى قبول الصلح، وعهدت إلى الجنرال بونابارت في تنفيذ هذه الخطة الجريئة، رأى هذا القائد البارع والسياسي المحنك أن السيف لا يكفي وحده لسلامة جيوشه والمحافظة على فتوحه فعقد النية على بث روح التعاون بين الحاكم والمحكوم، وتوثيق عرا الصداقة بينهما، وقرر تأليف حكومة أهلية تتفق مبادئها مع مبادئ الثورة الفرنسية، فتقوم بإدارة مصالح الشعب وتوفير طمأنينته، إلا أن اضطراب الأحوال السياسية والحربية، ولا سيما بعد إغراق الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير، وجهل الأعيان والشيوخ في مصر يومئذ بأساليب الحكم الجديد، حمل نابليون على وضع هذه الحكومة الناشئة تحت إشرافه ورقابته.

وكان يجب على الرجل الذي نبتت في ذهنه هذه الخطة الجريئة أن يفكر في السعي إلى تحقيقها على الوجه الأكمل حتى إذا ما اعترضته بعض المصاعب تمكن من تذليلها، وكانت مسألة اللغة من أهم المصاعب التي قد تعوق علاقات الحاكم بالمحكوم. فكان لا بد للجنرال بونابارت أن يستدعي معه من لهم إلمام باللغات الشرقية حتى ييسروا عليه مهمته كلما أراد التحدث إلى الأعيان أو استطلاع رأيهم أو مفاوضتهم أو إرشادهم، فأدت هذه الحركة إلى ترويج صناعة الترجمة في مصر.

وكان في فرنسا وقتئذ بعض المستشرقين والمتخرجين في مدرسة اللغات الشرقية التي أنشأها الملك لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر؛ لتخريج المترجمين الصالحين لإلحاقهم بالسفارات والقنصليات في الشرق، وكان بعضهم قد اكتسبوا شهرة عظيمة بسبب إقامتهم عهودًا طويلة في البلاد الخاضعة للدولة العثمانية أو المجاورة لها، واختلاطهم بأعيانها وحكامها حتى إنهم أتقنوا لغاتها. فانتفع بونابارت بمعلوماتهم وخبرتهم، ولكن بالرغم من الأعباء الثقيلة التي فرضها عليهم، ظل عددهم قليلًا إلى انتهاء الحملة، وكان معظمهم يتقنون اللغتين الفارسية والتركية أكثر من اللغة العربية التي لم يجيدوها إلا بعد تمرينٍ طويل ومشقة بالغة.

أما الأعمال التي أنجزوها أثناء الحملة فهي:
  • (١)
    القيام بمهمة المترجم Intérprete: احتاج الجنرال بونابارت وكبار قواده إلى من ييسر لهم الاتصال بالشعب، وكان هؤلاء التراجمة في بادئ الأمر من الفرنسيين، حتى إذا اتسع نطاق العمل استعانوا ببعض الشرقيين، ولا سيما السوريين.
  • (٢)

    ترجمة الوثائق الرسمية والإدارية: قبل أن ينزل الجنرال بونابارت إلى البر، وزع منشورًا على أهالي الإسكندرية يكفل لهم حرية العقيدة، واحترامه الدين الإسلامي، ويحثهم على مناصرة الفرنسيين، ومحاربة المماليك الطغاة، وقد تولى «فانتور» ترجمة هذه الوثيقة، وطبعها المستشرق «حنا يوسف مارسيل» مدير مطبعة الحملة فوق الباخرة «لوريان» ووزع منها أكثر من أربعة آلاف نسخة على رجال الدين والأعيان، وتعتبر هذه الوثيقة أول عمل أخرجته مطبعة عربية في الشرق، واستمر المترجمون بعد ذلك في ترجمة المنشورات الرسمية، والأوامر الإدارية كما أخذوا يترجمون إلى الفرنسية الشكاوى الكثيرة التي كان يرفعها الأهالي إلى الديوان.

  • (٣)

    ترجمة الكتب العلمية: وبالرغم من الأعمال الإدارية الكثيرة التي أثقلت كاهل المترجمين استغل بعضهم أوقات فراغه القصيرة؛ لتحسين الكتابة العربية، أو مناقشة رجال الدين والعلم، أو ترجمة دواوين الشعراء، أو بعض المؤلفات العربية والعلمية والأدبية والدينية التي سيأتي ذكرها فيما بعد.

(١) مترجمو الحملة وأهم أعمالهم

(١-١) المستشرق فانتور Jean Michel Venture De Paradis

كان فانتور أكبر علماء الحملة سنًّا، ولد في مرسيليا سنة ١٧٣٩، وتعلم اللغات الشرقية في مدرسة اللغات بكلية لويس الأكبر، وطاف بالبلاد الشرقية نحو أربعين سنة قام خلالها بمهمات دبلوماسية دقيقة إلى جهات متعددة منها القاهرة ومراكش وتونس والجزائر؛ ففي سنة ١٧٨٨ أرسل إلى الجزائر لتسوية الخلاف القائم بين فرنسا وتلك البلاد، وتمكن بعد مفاوضات مكثت ستة عشر شهرًا أن يجدد الاتفاقات السابقة، ولما رفض الباب العالي في سنة ١٧٩٣ الاعتراف بالسفير الفرنسي De Sémonville تولى فانتور مهمة السفارة حتى سنة ١٧٩٥ حتى إذا عين سفير جديد ساعده فانتور على أداء مهمته.
وقد أدى فانتور إلى بلاده خدمات جليلة، وكانت شهرته العظيمة هي السبب في تعيينه قبيل نشوب الثورة الفرنسية بمدةٍ وجيزة «سكرتيرًا ومترجمًا للملك في اللغات الشرقية» Secrétaire-Interprete du Roi Pour les Langues Orientales وهي أعلى رتبة تعطى لمن ينتسب إلى سلك المترجمين، وكانت آخر رحلة له في سنة ١٧٩٧. فلما عاد إلى فرنسا مالت نفسه إلى الراحة، فاعتزل السياسة، وقصر نشاطه على تدريس اللغة التركية في مدرسة اللغات الشرقية، ولكنه لم يتمكن من الراحة إذ وقع اختيار الجنرال بونابارت عليه؛ ليكون كبير مترجمي الحملة الفرنسية، ومستشاره الخاص، ومرجعه الأول في المسائل الخاصة بالشرق والشرقيين. فلما وصل إلى مصر عين عضوًا في المجمع العلمي المصري، وقد ذكره الجبرتي في كتابه فقال فيه «إن فانتور هذا ترجمان ساري عسكر الجيوش الفرنسية، وكان لبيبًا متبحرًا يعرف اللغات التركية والعربية والرومية والطلياني والفرنساوي.» ومما هو جدير بالذكر أنه قام في مصر ثماني سنوات في أواخر القرن الثامن عشر وقبل الحملة. فلما عاد إليها مع الحملة، التقى بكثيرٍ من أصدقائه وعارفيه من المشايخ وأعيان القبط. فساعدوه في كثير من الشئون، وقد رافق الجيش في سيره إلى الشام؛ إذ قلما كان قائده يستغني عن خدماته وإرشاداته. ثم أصيب أثناء حصار عكا بالديسنطاريا، وتوفي أمام هذه المدينة في مايو سنة ١٧٩٩. ١

أعماله

وعلى الرغم من الشهرة التي تمتع بها فانتور، توفي دون أن تنشر مؤلفاته، وإن يكن قد ترك عدة مخطوطات؛ منها وثيقتان عثر عليهما في مصر، وهما تحويان تفصيلات وافية مهمة عن تاريخ المماليك، ونشر المسيو دي شارل جالياردو ترجمةً لهاتين الوثيقتين في «مجلة مصر» La Revue d’Egypte في العددَين الصادرين في أول أغسطس وأول سبتمبر سنة ١٨٩٤، وكان «ڨولني» Volney قد ادعى في كتابه «رحلة إلى مصر والشام»٢ أن فانتور قابله في مصر وقال له: إنه على وشك الفراغ من ترجمة هاتين الوثيقتين.
وترجم أيضًا كتابًا للشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي سماه: Passe-Temps Chronologique et Historique, ou Coup d’Eil récréatif sur le régne des Khalifes, des Rois et des Sultans d’Egypte (نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين).

وهو مخطوط عربي مودع مكتبة باريس تحت رقم ٢٢٠٤٩٣.

ولم نعرف من سائر تراجمه إلا بعض مقتطفات أدبية نشرها في مجلة «الماجازين بتوريسك» Magasin Pittoresque وقاموس لغة البربر الذي نشره «لانجليس» Langlés في ذيل كتاب رحلة «هورنمان» Hornemann.٣

(١-٢) المستشرق جوبير Lours-Amedee Jaubert

اختاره بونابارت للسفر معه إلى مصر بتوصية فانتور، وذلك بعد أن رفض العلامة لانجليس الانضمام إلى رجال الحملة (ويقال: إن هذا العلامة كان يجيد جميع اللغات الشرقية) وكانت معلومات جوبير في اللغة العربية مقصورة على قواعدها التي تعلمها على يد المستشرق الكبير «سيلفستر دي ساسي» ولكنه أتقنها فيما بعد بفضل اجتهاده، وساعده على ذلك مناقشاته المتوالية للعلماء والشيوخ وأعضاء الديوان، ولما توفي فانتور حل محله كبيرًا لمترجمي الحملة فازدادت مخصصاته وتبعاته.

وكتب جوبير عن نفسه فقال: «كنت مشغولًا من الصباح إلى المساء أتلقى أوامر بونابارت، وأبلغها الجهات المختصة، ثم أستمع إلى آراء الأعيان وشكواهم، وأناقشهم في شتى الموضوعات. فكنت مضطرًا إلى السهر ليالي طويلة أمضيها في مطالعة الوثائق الإدارية التي يصعب قراءتها حتى للمترجم الذي يجيد لغته. ثم أتولى مراجعة قوائم الحساب التي يقدمها محصلو الضرائب؛ إذ كان هؤلاء يكتبونها بخط رديء لتضليل المراقب، وتعجيزه عن التثبت من صحتها.٤

ولما غادر جوبير البلاد المصرية مع سائر رجال الحملة عين مدرسًا للغة التركية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، ثم مدرسًا للغة الفارسية في الكوليج دي فرانس فناظرًا لمدرسة اللغات الشرقية، ومما يثير الدهشة أنه لم يعين قط مدرسًا للغة العربية، وهذا دليل واضح يثبت ما ذكرناه قبل ذلك وهو أن أهم مترجمي الحملة كانوا يجيدون اللغتين التركية والفارسية أكثر من إجادتهم اللغة العربية.

أعماله

ليست أعمال جويير كثيرة، وهي لاحقة للحملة الفرنسية. فهو الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية بعض النقوش Inscriptions المذكورة في كتاب «باشو» Pacho،٥ وأخذ بعد ذلك يترجم «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي من النص المودع المكتبة الملكية بباريس، وعلق عليه، وطبع ترجمته في جزأين صدر الجزء الأول في سنة ١٨٣٦ والجزء الآخر سنة ١٨٤٠ تحت عنوان Géographie d’Edresi وكان يعلل هذا البطء في العمل باشتغاله بأداء بعض المهمات الدبلوماسية في الخارج.

(١-٣) المستشرق مارسيل Jean Joseph Marcel

ولد في سنة ١٧٧٦، ودرس بإشراف المستشرق دي ساسي، فأظهر أثناء دراسته مقدرةً عظيمة على تعلم اللغة العربية، واشتغل بعد ذلك في الصحافة، واكتسب خبرة في فن الطباعة، فرشحه بونابارت مديرًا لمطبعة الحملة، وكان مارسيل لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، وأظهر في عمله نشاطًا ومهارة فائقين. فتولى طبع جميع منشورات القيادة العليا كما تولى طبع ألف وستمائة نسخة من مجلة «كورييه ديجبت» Le Courrier d’Egypte وثلاثة أجزاء من «لاديكاد إيجيبسيان» La Décade Egyptienne وتقويم الثورة الفرنسية لسنتي ٧ و٨، كذلك طبع عدة كتب ألَّفها أو ترجمها نذكر منها «وصايا لقمان الحكيم» وهو كتاب صغير صدر سنة ١٧٩٩، وعلق عليه مارسيل نفسه في مجلة «لاديكاد»، وكتاب «القواعد للغات العامية في مصر وسورية» (لم يتم طبعه)، وكتاب «فتح الآستانة» باللغة العربية، وكتاب مطالعة باللغة الفصحى، وطبع أيضًا «مجموعة المستندات الخاصة بإجراء محاكمة سليمان الحلبي قاتل القائد العام كليبر» باللغات الفرنسية والعربية والتركية، وقد ذكرها الجبرتي في تاريخه «عجائب الآثار»، وكان يستعين مارسيل في أعمال الطباعة ببعض المختصين الفرنسيين والإيطاليين الذين استدعاهم من مطبعة الفاتيكان بروما.

ويقول مارسيل: إنه جمع أكثر من ألفي مخطوط باللغة العربية والفارسية والتركية والقبطية، وإنه لم يندم على ما بذله من المال، وما عانى من مشقة البحث للحصول على هذه المجموعة، ويروى عنه أنه بينما كانت مدافع الفرنسيين تضرب ساحة الأزهر حيث كان الثوار قد لجئوا إليها، قفز مارسيل وسط اللهيب؛ لينقذ من النار بعض المخطوطات الثمينة التي كانت في المسجد.

وبعد عودته إلى فرنسا اشترك في تأليف كتاب «تخطيط مصر» وأشرف على طباعته بوصفه مديرًا للمطبعة الأميرية، وألف القسم الخاص بتاريخ مصر الإسلامية في مجموعة «لونيفر بيتورسك» L’Univers Pittoresque الذائعة، وترجم أقاصيص الشيخ المهدي كما ترك لنا «متنوعات من الأدب الشرقي» Mélanges de littérature Orientale، وتوفي سنة ١٨٥٤ وقد كف بصره أو كاد، وفقد سمعه.
ولا شك أن أنفس ما دونه هو «متنوعات Mélanges» وروايات الشيخ المهدي، والمعجم الفرنسي العربي، وسنتناولها ببعض التفصيل.
  • متنوعات الأدب الشرقي Mélanges de Litterature Orientale: جمع مارسيل مقتطفات من آثار أشهر شعراء العرب وكتابهم، وترجمها إلى اللغة الفرنسية، فنالت استحسان الجمهور.
  • القاموس الفرنسي العربي للغة العربية العامية: وهي طبعة منقحة للقاموس الصغير الذي نشره في القاهرة سنة ١٨٩٨، ويضم هذا القاموس٦ أكثر من أربعين ألف كلمة، ولا شك أن لهذا المجهود فائدة عظيمة، قال مارسيل في مقدمة قاموسه: «شوهت البلاد العربية اللغة الأصلية التي كان ينطق بها عرب الجاهلية. فلما وصلت إلى الإسكندرية منذ أربعين سنة (مع الحملة الفرنسية) لاحظت مع الأسف أن خادمي الخاص لا يفهم كلامي كما أنني لا أفهم كلامه بالرغم من أنني تلقيت دروس اللغة العربية على يد أساتذة مهرة. فتعلمت اللغة العامية، وتمكنت بعد جهد عظيم أن أنشر في مصر قاموسًا موجزًا للغة العربية العامية.٧
  • تحفة المستيقظ العانس في نزهة المستنيم والناعس: وهي ترجمة مخطوط عربي إلى اللغة الفرنسية، طبعها مارسيل سنة ١٨٣٥ في ثلاثة أجزاء، وذكر في المقدمة كيف أمكنه العثور على هذه الوثيقة. فقال: «تعرفت على كثير من أعيان القاهرة، ولكني عاشرت على الأخص الشيخ المهدي، فكانت علاقاتنا مستمرة ومصطبغة بصبغة الصداقة، وبينما كنا نتحدث في أحد الأيام عن الأدب العربي كلمته عن كتاب ألف ليلة وليلة. فقال لي: هذا كتاب يرجع إلى زمن قديم جدًّا، وعلى كل حال فقد اقتدى به كثير من الكتاب في تأليف ما يشابهه، وإني شخصيًّا أملك مخطوطًا من هذا النوع. فأظهرت له رغبتي في قراءة هذا المخطوط فأتى به في اليوم التالي وأهداه إليَّ راجيًا مني قبوله، وهذا المخطوط كتبه بيده وإني أعتقد أن الشيخ المهدي هو مؤلفه على رغم عدم اعترافه هو بذلك.»٨

وهؤلاء المستشرقون الثلاثة يعدون أهم مترجمي الحملة، ولا شك أنهم قاموا بأكبر قسط من العمل الملقى على عاتق المترجمين، وتركوا فوق ذلك أبحاثًا قيِّمة في التأليف والترجمة، وكان يساعدهم على أداء هذه المهمة الشاقة بعض المتخرجين في مدرسة اللغات الشرقية بباريس ومن بينهم:

(١-٤) ديلابورت Jacques-Dgnis Delaporte

ولد في سنة ١٧٧١ وتوفي في سنة ١٨٦١، وكان العالم دي ساسي أستاذه في اللغة العربية، واشتهر بعد ذلك بإجادة هذه اللغة، وجاء إلى مصر مع الحملة، وألحق بإدارة مدير الشئون المالية، وكتب تاريخًا موجزًا لعصر المماليك نشره باللغة الفرنسية في الجزء السادس عشر من كتاب «تخطيط مصر».

(١-٥) بيلتيت Belletete ou Belleteste

ولد في أورليانس سنة ١٧٨٨، وكان يميل منذ طفولته إلى تعلم اللغات الشرقية، ولكنه لم يدرسها إلا بعد خروجه من المدرسة، ثم انضم إلى الحملة الفرنسية سكرتيرًا ومترجمًا في القيادة العليا، ولكنه لم يقم في مصر فترة طويلة؛ إذ أصيب في معركة هليوبوليس إصابة بالغة ألجأته إلى العودة إلى بلاده حيث عينته الحكومة سكرتيرًا ومترجمًا في وزارة الخارجية، وكلفته الوزارة ترجمة بلاغات الجيش الفرنسي لمعارك سنة ١٨٠٥ و٦ و٧ إلى اللغة التركية بالاشتراك مع Kieffer واشترك أيضًا في تأليف كتاب «تخطيط مصر» وكان يشغل أوقات فراغه بترجمة مخطوط عربي في علم المعادن، وقد جمع قصصًا باللغة التركية وجعل عنوانها «الوزراء الأربعون» Les Quarante Vizirs.٩

(١-٦) براسيفيش Damien Bracevich

كان يشغل قبل الحملة بزمنٍ قليل وظيفة «مترجم أول» بطرابلس الشام، ولما جاء الفرنسيون إلى مصر كان يقيم بالإسكندرية سكرتيرًا للقنصلية. فالحق بمعية الجنرال Poussielgue مدير الشئون المالية، ثم عين كبيرًا لمترجمي الجنرال كليبر، وقد ترجم أقوال سليمان الحلبي، كما ترجم أقوال سائر المتآمرين في قضية مصرع هذا القائد.

(١-٧) بانهوسن Panhusen

عين في بدء الحملة مترجمًا خاصًّا للجنرال كليبر، ثم اختفى عن زملائه يوم نزول القوات الفرنسية، وانقطعت أخباره حتى الآن.

(١-٨) لوماكا Jean-Baptiste Santi L’homaga

احترف الترجمة، وشغل منصب الترجمان في بلاد مختلفة منها سلانيك وجزيرة كريت، ثم رقي سكرتيرًا في القنصليات الفرنسية في الشرق، وألحق أثناء الحملة بقيادة الجنرال كليبر حيث اشترك مع Bracevich في استجواب المتهمين في قضية مقتل الجنرال كليبر، وألحق بعد ذلك بقيادة الجنرال مينو.

(١-٩) رينو Jean Renno

مترجم ملحق بالجيش.

•••

أما المترجمون الشرقيون: فكان عددهم قليلًا أيضًا وهم جبران سكروج وإلياس فخر وبترو سافرلو وإبراهيم صباغ ومسابكي وإليوس (إلياس) بقطر والأب روفائيل زخورة، ولم يشتهر منهم إلا اثنان هما إليوس بقطر والأب روفائيل.

(١-١٠) إليوس بقطر

ولد في أسيوط سنة ١٧٨٤ من أب قبطي، ولما بلغ الخامسة عشر من عمره ألحق بقيادة الجيش الفرنسي مترجمًا، وسافر إلى فرنسا مع سائر رجال الحملة، وعين سنة ١٨١٢ لترجمة الكتب المودعة محفوظات وزارة الحربية. ثم ألحق بالجيش مترجمًا، وألغيت وظيفته سنة ١٨١٤، وفي سنة ١٨١٧ أجيز له تدريس اللغة العربية العامية بمدرسة اللغات بباريس، وتوفي سنة ١٨٢١.

وألف معجمًا عربيًّا فرنسيًّا طبع سنة ١٨٦٤ بباريس، وراجعه وأضاف إليه زيادات الأستاذ «دي بيرسيال» Caussin de Perceval في سنة ١٨٦٩ ثم راجعه ثانيًا، وأضاف إليه زيادات عبيد جلاب، ونشره في جزأين.

(١-١١) الأب روفائيل دي موناكيس Dom Raphael De Monachis

واسمه الأصلي أنطون زخورة، وهو من أصل شرقي، وينتمي إلى طائفة الروم الكاثوليك الملكيين، ولد سنة ١٧٥٨، وتوفي سنة ١٨٣١، وقد خدم رجال الحملة الفرنسية ومحمد علي باشا، وسافر إلى روما في السادس عشر من عمره؛ ليتلقى العلوم الدينية، وبينما كان هناك مر بهذه المدينة العالم «مونج» Monge موفدًا من قبل الجنرال بونابارت؛ لجمع المترجمين وبعض الفنيين في أعمال الطباعة العربية، وشراء بعض الحروف العربية والإفرنجية. فطلب الأب روفائيل انضمامه إلى رجال الحملة. فاشتهر في مصر، وعين مترجمًا للجنرال مينو، وفي الوقت نفسه عين عضوًا في المجمع العلمي المصري، وكان هو العضو الشرقي الوحيد؛ إذ كان ينص الأمر الصادر في ٢٢ أغسطس سنة ١٧٩٨ الخاص بإنشاء المجمع العلمي بأنه «سيلحق بالمجمع مترجم عربي يتقاضى مرتبًا خاصًّا، ويمكن تعيينه عضوًا فيه»١٠ فكان الأب روفائيل يحضر جلسات المجمع، ويشتغل بترجمة المنشورات والقوانين، وفوق ذلك شرع في ترجمة بعض الكتب، وينسب إليه ترجمة الكتيب الذي وضعه الطبيب «ديجينيت» Desgenettes في مرض الجدري (ونسب جيمار خطأ هذه الترجمة إلى المستشرق مارسيل)، وبعد ارتداد الفرنسيين أوفده الألفي بك إلى باريس بتعليمات سرية خاصة بالسياسة المصرية. فالتقى الأب روفائيل ثانية برجال الحملة، وظل في فرنسا إلى ما بعد سقوط نابليون، ثم عاد إلى مصر، واستأنف أعمال الترجمة، واشتغل في الطباعة كما سنبينه في الفصل الخاص بعهد محمد علي باشا.

•••

وقصارى القول: إنه كان للحملة الفرنسية شأن عظيم في إحياء الترجمة في مصر، ولكن قوادها لم يهتموا بترجمة الكتب والمقالات العلمية؛ لتوزيعها على الشعب كما فعل فيما بعدُ محمد علي باشا، بل اقتصر اهتمامهم على ترجمة ما يتصل بالأعمال الإدارية والعسكرية وحدها. أما مؤلفات المستشرقين: فإنهم لم ينتهوا منها أثناء الحملة، على أنها كانت فوق مستوى شعب أهمل تعليمه فلا يستطع أن يجني أية ثمرة منها.

هوامش

(١) تاريخ الحركة القومية (الحملة الفرنسية) لعبد الرحمن الرافعي G. Hanotaux, Historie de la Nation Egyptienne (Tome V).
G. Guémard, les Orientalistes de L’Armée d’Orient.
(٢) C. F. Volney, Voyage en Syrie et en Egypte pendant les années 1783, 1784 et 1785. paris, 1786. 2 Vol. in-8.
(٣) J. Hornemann, Journal of Travels from Cairo to Morzouk in 1797-1798. London.
(٤) Hanotaux, Historie de la Nation Egyptienne (Tome V).
(٥) Pacho, Relation d’un voyage dans la Marmarique, la Cyrenaiquo et les Oasis d’Audjelah et de Maradeh. Paris, 1827–1829. in-4.
(٦) Vocabulaire Francais-arabe des Dialectes vulgaires africains d’Alger, de Tunis, de Marok et d’Egypte. Paris 1837 in-8.
(٧) ذكر تلك التفصيلات باللغة الفرنسية في مقدمة القاموس.
وينبغي لنا أن نذكر أن التباين بين اللغة العربية الفصحى واللغة العامية لفت نظر كثيرين من الأدباء ففكروا هم أيضًا في وضع معجم يشابه معجم مارسيل، وكتب في هذا الموضوع السيد عيسى إسكندر المعلوف في الجزء الأول من مجلة مجمع اللغة العربية تحت عنوان «اللهجة العربية العامية» (صفحة ٣٥٠–٣٦٨) وذيل مقاله بأسماء بعض المعجمات للغة العامية، نكتفي بذكر ما طبع منها بمصر، وهي:
  • (أ) معجم إلياس بقطر القبطي: وفيه لغة مصر والشام والمغرب وتونس العامية، طبع بباريس سنة ١٨٦٤ وفي مصر سنة ١٢٨٩ﻫ (١٨٧٢).
  • (ب) الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية: وهو معجم للمصطلحات العامية، تأليف محمد عمر التونسي، المتوفي سنة ١٢٧٤ﻫ (١٨٥٧) مخطوط في ٦٠٠ صفحة في باريس، ونقل للخزانة السلطانية في القاهرة بالتصوير الشمسي.
  • (جـ) منظومة عمر إسماعيل الزجلية: أظهر فيها تمازج العربية بغيرها من اللغات والعبارات الركيكة، طبعت في القاهرة سنة ١٨٨٣م.
  • (د) اللغة العربية العامية في مصر والشام، لميخائيل الصباغ السوري، المتوفي سنة ١٨١٦م، طبع هذا الكتاب في ستراسبورج سنة ١٨٨٦.
  • (هـ) الرسالة التامة في كلام العامة، لميخائيل الصباغ المذكور.
  • (و) المناهج في أحوال الكلام الدارج، لميخائيل الصباغ أيضًا، ولا نعلم عن الرسالتين الأخريين شيئًا.
  • (ز) مميزات لغات العرب وتخريج اللغات العامية منها. لحفني بك ناصف، طبعت سنة ١٨٨٦ في ٤٨ صفحة.
  • (ﺣ) الترجمة والتعريب، لحمزة فتح الله المصري، خطاب ألقاه في المجمع العلمي في فيينا سنة ١٨٨٦، وطبع بالمطبعة الحجرية في مصر في ٣٠ صفحة بقطع الربع العريض، وفيه بحوث في اللغة العامية.
  • (ط) التحف الوفائية في اللغة العامية المصرية، للسيد وفاء محمد، طبعت بالقاهرة سنة ١٣١٠ﻫ (١٨٩٢) في ١١٩ صفحة.
(٨) Contes du Cheikh El Mohdi (sic)—Traduits de l’arabe d’aprés el mannsrit original—Paris, 1835. 3 vol. in-8.
(٩) عن المستشرق مارسيل.
(١٠) Chárlés Bachatly: Dom Raphael (Bulletin de l’Institut d’Egypte, Tome XVII).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠