عباس باشا

لم يتعد اهتمام المؤرخين حتى الآن عصري محمد علي باشا والخديو إسماعيل. أما فيما يختص بعصري عباس باشا وسعيد: فقد اقتصروا على تسجيل الآراء التي اتفق عليها جل الكتاب، وهي أن عصر عباس باشا كان عصر الرجعية والاضمحلال على حين كان عصر سعيد باشا ممهد الطريق لإصلاحات إسماعيل، وبشيرًا جديدًا بالنهضة المصرية.

ولكنا إذا قصرنا اهتمامنا على موضوع التعليم والترجمة يظهر لنا أن من الصعب أن نحدد لعباس باشا سياسة مستقرة، فإن سياسته كانت تتطور على حسب الظروف، وعلى حسب هواه الشخصي، ولما تبوأ هذا الوالي عرش مصر كان جده المعظم مريضًا فخشي إجراء أي تعديل جوهري في نظم الدولة وأسسها إلى أن توفي محمد علي باشا الكبير، وعندئذ قام بتعديلات واسعة النطاق في بناء الدولة شملت جميع نواحي النشاط، ومن بين الإجراءات التي اتخذها: إلغاء بعض المدارس كمدرسة الطب والهندسة والألسن وإعادة البعوث تدريجيًّا من باريس. «ففي ختام سنة ١٢٦٤ أي منذ توليته مباشرة استحسن عودة سبعة وثلاثين منهم من بين الأمراء عبد الحليم وأحمد بك وإسماعيل بك، ثم تبع ذلك طلب عودة ثمانية من البعوث في غضون سنة ١٢٦٥ ومن بينهم علي مبارك (باشا)،١ وفي ختام سنة ١٢٦٦ أبطل المكتب الذي خصصه العزيز ساكن الجنان محمد علي باشا للتلامذة في بلاد أوروبا، وأبطلت الرسالة المصرية، ومن بقي هناك في المدارس الفرنسية تحت نظاراتهم بمصروفات على الميري.»٢

وظلت مدرسة الألسن تؤدي رسالتها حتى سنة ١٢٦٧، وفي هذا التاريخ ألغاها الوالي، وكان رفاعة بك قد تولى نظارتها نحو ٢٥ سنة، وربما يرجع سبب إلغاء هذه المدرسة إلى حقد الوالي على ناظرها إذ نفاه إلى الخرطوم؛ ليتولى نظارة مدرسة ابتدائية لم تؤسس إلا بعد قدومه إلى عاصمة السودان.

أما قلم الترجمة الذي أنشأه محمد علي باشا، وألحقه بمدرسة الألسن: فقد أدخل عباس عليه بعض التعديلات، وقد صدرت إرادة إلى ديوان مصر الملكي بتاريخ ١٨ ذي القعدة سنة ١٢٦٤٣ فحواها: «اطلعت على القرار الصادر في ١٤ من ذي القعدة سنة ١٢٦٤ الخاص بقلم الترجمة المزمع تأسيسه من أجل الكتب المراد ترجتمها من اللغة الفرنسية إلى اللغة التركية تمهيدًا لطبعها ونشرها، ووافقت رغبتي تنفيذه، فينبغي أن تصرفوا همتكم في إجراء الأمور التي جاءت في ذلك القرار طبق ما بسط فيه، وأن ترسلوا صورة منه إلى كلٍّ من أدهم بك مدير ديوان المدارس، وكاني بك؛ ليكونا على بصيرة، ويتخذا الإجراءات اللازمة في الأمور التي يجب تنفيذها.»
وهذا نص قرار المجلس: «بما أن ترجمة الكتب التي تشتمل على القوانين والمشروعات والتواريخ والآداب وسائر العلوم والفنون النافعة، ونقلها من اللغة الفرنسية إلى اللغة التركية، ثم طبعها ونشرها تؤدي إلى وفرة المعلومات اللازمة وزيادتها، كان من الواجب أن تنظم هذه المهمة (مهمة الترجمة) تنظيمًا حسنًا، ورؤي أن يؤسس قلم ترجمة تحت إدارة وإشراف حضرة كاني بك لما له من الألفة والخبرة بأمر الترجمة منذ أمد بعيد، فتقرر إلحاق الأفندية المترجمين الموجودين بمدرسة الترجمة الواقعة بالقلعة بمعية سعادته، ونقل المعاون زكي أفندي القائم بتفتيشها إلى القلم المذكور وقيد المترجم ميناس أفندي الذي بات خالي عمل في ذلك القلم برتبته القديمة، ونقل آلتون أفندي إليه أيضًا لمناسبة مهمة الوقائع الذي بعهدته بهذا القلم؛ إذ إنها ليست إلا الترجمة، وتعيين مبيض واحد لكي لا يشغل التبييض المترجمين، ويضيع عليهم أوقاتهم، واختيار نفر من بين مترجمي قلم الترجمة التابع لديوان المدارس من القادرين على الترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية ممن هم جديرون بالالتحاق إلى القلم الجديد على أن يكون تحت إشراف رفاعة بك، وينقلون معه جميعًا إلى القلم الجديد؛ إذ إن الغرض من تأسيسه هو حصر مهمة الترجمة في مكان واحد يمكن إدارتها والإشراف عليها على الوجه اللائق، ولما كانت الكتب المراد ترجمتها لا تترجم كيف ما اتفق؛ بل يتعين بعد ذلك ما كان منها جديرًا بالطبع بتصويب من الخبراء الذين يجتمعون لهذا الغرض فيقدم إليهم حضرة كاني بك قائمة الكتب المراد ترجمتها، فيفحصونها، ثم يشرع في ترجمة وطبع ما يختارون منها، ومن أجل ذلك، اتخذ المجلس قرارًا بأن يكتب إلى البك المشار إليه (كاني بك) فيبلغ وظيفته الجديدة، ويوصي ببذل جهد طاقته في تنشئة الأفندية الذين سيلحقون بمعيته في أمر الترجمة، ويقوم بهذه المهمة أحسن القيام، وإلى ديوان المدارس ينقل قلم الترجمة العربية التي يديرها رفاعة بك، وكذلك مهمة الوقائع إلى قلم الترجمة الذي سيؤسس حديثًا كما تقدم، وإلى ديوان الخديوي بقيد ميناس أفندي وتسوية لوازم القلم المذكور وتنظيمه؛ إذ إن مقره سيكون في القلعة كما كان في الأول، وأن على البك المشار إليه أن يخبر المجلس كلما عثر بعد ذلك على أشخاص مقتدرين على الترجمة في الأطراف والأكتاف عدا الأفندية الذين سلف ذكرهم.»٤
وفي ١٤ محرم سنة ١٢٦٥.٥ صدرت الموافقة السنية على قرار جديدٍ لمجلس المدارس خاص بقلم الترجمة ومنطوقه — «لما كان المقصود أصليًّا من جمع المترجمين الأتراك في محل واحد هو ترجمة الكتب من اللغة الفرنسية إلى اللغة التركية مثلما تترجم من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، وكذلك نقل الكتب التي ترجمت إلى اللغة العربية في مدرسة رفاعة بك وترجمتها إلى اللغة التركية بمعرفة مترجمي اللغة التركية؛ ليزيد عدد الكتب المترجمة إلى اللغة التركية فيقرؤها كل واحد وينتفع بها، فقد سبق أن شرع في تأسيس غرفة ترجمة حديثة بهذه المناسبة، وإلحاق مترجمي اللغتين العربية والتركية بمعية حضرة كاني بك لتحقيق هذا الغرض على الوجه اللائق، ثم اقترح إلحاق غرفة الترجمة العربية التي تحت إشراف رفاعة بك بتلك الغرفة مع البك المشار إليه، ونقل ملازم الوقائع مع المطبعة، وإلحاقه بغرفة الترجمة؛ إذ إنها لا تخرج غالبًا عن الترجمتين التركية والعربية، وذلك لتسهيل الطبع والتصحيح. إلا أن المجلس رأى لما تدعو إليه الضرورة إبقاء رفاعة بك في مدرسته يتولى شيئًا من الترجمة، ولما كان قلم الترجمة فرعًا من فروع المدارس فقد تقرر نقل قلم الترجمة الحديث إلى ديوان المدارس.»

ومما يلاحظ في هذين الأمرين: أن مجلس المدارس كان يغفل وجود مدرسة الألسن، ولا يلقي بالًا للمتخرجين الجدد فيها، كما أنه لم يذكر اسم رفاعة بك بوصفه مدير مدرسة الألسن، وقد ألغى عباس باشا قلم الترجمة الجديد مع مدرسة الألسن.

وقال أمين سامي باشا: «إنه بالرغم من إلغاء مدرسة الألسن استمرت ترجمة الكتب وطبعها ملحوظة بالعناية التي كانت ملحوظة في السابق»، ولسنا ندري ما هو العامل الذي دفع المترجمين إلى الاستمرار في ترجمة الكتب — وهم محتاجون إلى التشجيع الأدبي والعون المادي — في الوقت الذي أغلقت فيه المدارس وقلم الترجمة توفيرًا لمال الدولة.

حقًّا إن عباس باشا في السنة نفسها التي ألغى فيها مدرسة الألسن أوفد إلى حواضر أوروبا ١٩ طالبًا ليتلقوا الفنون المختلفة، وربما كان يقصد من ذلك التخلص من منشئات محمد علي باشا بسبب تكاليفها الثقيلة، على أن يعاد بعضها بعد فترة مراعاة للاقتصاد. هذا فيما يختص بالتعليم. أما الترجمة: فبعد أن أغلق عباس المدارس وقلم الترجمة وزع المترجمين على مختلف الوزارات، وكلفهم الأعمال الإدارية.

لذلك يمكننا القول: إنه لم يكن لترجمة الكتب المدرسية في هذا العهد أثر حتى إن رئيس المترجمين الشيخ رفاعة بك لم يترجم في عصر عباس إلا كتابًا واحدًا على حين ترجم في العصر السابق عشرات الكتب وصحح عشرات أخرى.

ولما كانت علاقات عباس باشا بالأجانب محدودة جدًّا، وكانت سياسته العامة ترمي إلى الاقتصاد بجهد الإمكان، أخذ يستغني عن عدد كبير من موظفيه الأجانب، إلا أن اعتزازه بصداقة الإنجليز حملته على تكريم السياح بصفة عامة والإنجليز بصفة خاصة، والسهر على سلامتهم ورفاهيتهم، وقد عين لهم في بندر السويس محافظًا له دراية باللغات الأجنبية، كما يتضح ذلك من الإرادة المرسلة إلى الأميرالاي حمدي بك ومنطوقها: «إنه بالنسبة لجسامة بندر السويس واتساعه يومًا فيومًا، وبالنسبة أيضًا لمرور السياح الإفرنج عليه وخصوصًا الإنجليز، فلهذا السبب صار من المحتم وجود أحد الذوات من الملمين باللغة بهذا البندر لمقابلة السياح الأجانب، والترحيب بهم، وتحيتهم بما يليق بهم أثناء مرورهم على تلك المدينة، وبالنسبة لمعرفتكم اللغة ولما هو مشهود فيكم من حسن الأداء في إنفاذ كل ما عهد إليكم فقد عيناكم محافظًا للبندر المذكور.»٦

هوامش

(١) أمين سامي باشا: تقويم النيل وعصر عباس وسعيد.
(٢) علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية (الجزء التاسع).
(٣) وثيقة ٤ صفحة ٤٧ من الدفتر رقم ٤٤٩ معية تركي.
(٤) دفتر ٤٤٩ معية تركي صفحة ٤.
(٥) دفتر رقم ٤٤٩ معية تركي صفحة ٢٠٧ رقم ٢٨.
(٦) أمين سامي باشا: تقويم النيل وعصر عباس وسعيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠