سعيد باشا

كانت تصرفات سعيد باشا ترمي في ظاهرها إلى إحياء المدنية التي نشرها محمد علي باشا، والتي حاول عباس باشا القضاء عليها، ولكنها كانت تعمل على عكس ذلك؛ فمثلًا فيما يختص بالتعليم والمدارس لم يوجه سعيد باشا عنايته إلى إحياء النهضة العلمية حتى «إنه قال ذات يوم لكونج بك مربيه السويسري الذي أصبح سريره الخاص بعد ما تولى العرش، وكان يحضه على فتح المدارس التي أقفلها عباس باشا، لِمَ نعلم الشعب؟ لكي يصبح الحكم عليه والتصرف فيه أعسر مما هو عليه؟ دعهم في جهلهم، فالأمة الجاهلة أسلس قيادًا في يدي حاكمها.»١

حقًّا إن عباس باشا أمر بإقفال جميع المدارس لكنه أبقى مدرسة واحدة هي مدرسة المفروزة، وفكر فيما بعد في إعادة فتح بعض المدارس العليا على أسسٍ جديدة إلا أنه احتفظ بديوان المدارس. أما سعيد باشا فإنه ألغى ديوان المدارس في السنة التي تولى الحكم فيها أي سنة ١٨٥٤، كما ألغى المهندسخانة، وأرسل مديرها علي باشا مبارك مع الحملة التي أرسلها لمساعدة تركيا في حرب القرم، وفي السنة التالية ألغى مدرسة المفروزة ومدرسة الطب بقصر العيني. ثم في سنة ١٨٥٦ قرر فتح مدرسة الطب والولادة فاستدعى الدكتور كلوت بك من فرنسا وأسند إليه إدارة هذه المدرسة، وفي سنة ١٨٥٨ أعاد فتح مدرسة المهندسخانة، ونقلها إلى القلعة السعيدية تحت إدارة موجيل بك الذي عهد إليه أيضًا في الأعمال الخاصة بالقناطر، وكذلك أنشأ مدرسة صغيرة للبحرية بالإسكندرية ومدرسة حربية بالقلعة.

وإذا استثنينا هاتين المدرستين الأخيرتين التي اهتم بهما سعيد باشا بعض الاهتمام نلاحظ أولًا: أنه لم يفكر مطلقًا في إعادة تنظيم ديوان المدارس مما يدل على إصراره على عدم تنشيط التعليم في البلاد، كما أنه لم ير ضرورة لإعادة إنشاء مدرسة الألسن، وهي التي كانت تمد المدارس بالمترجمين والكتب المترجمة اللازمة للتدريس، ونلاحظ ثانيًا: أن الوالي اكتفى بتفح مدرستي الهندسة والطب مما يدعونا إلى الاعتقاد بأن ميله الكثير إلى الغربيين هو الذي دفعه إلى إنصاف موظفين خدما البلاد بإخلاص في عصر محمد علي باشا، وأصيبا ببعض الأذى من جراء تطهير المصالح الحكومية من العنصر الأجنبي في العهد السابق، وهما كلوت بك وموجيل بك.

وبرغم جمود حركة التعليم إلى هذا الحد، فإنه لم يبخل على البعثات الأجنبية الدينية بمساعداته في فتح مدارسها، ومن متناقضاته: عنايته بنشر التعليم الأجنبي أكثر من عنايته بنشر التعليم الأهلي.

وماذا كان نصيب الترجمة في هذا العصر؟ أما فيما يختص بالتأليف: فقد رأينا سعيد باشا يمد بالمعونة المالية الأستاذ «بروكش» الذي شرع في الكتابة عن تاريخ مصر القديم والحديث. كما أنه أمر بطبع كتاب لعلي بك مبارك، ويتبين ذلك من الإرادة الصادرة لناظر المالية راغب باشا بتاريخ جمادى الأخرى سنة ١٢٧٧ وفحواها: «قد أطلعنا على المسمى تقريب الهندسة الذي ألفه وحرره علي بك مبارك المهندس العسكري بمعيتنا؛ لتسهيل وتقريب فن الهندسة لأذهان المبتدئين، وحيث إنه في الواقع مؤلف مختصر مفيد في فن الهندسة فبناء عليه قد اقتضت إرادتنا طبع خمسمائة نسخة منه في مطبعة الحجر التي بمطبعة بولاق، وحيث إن الكتاب المذكور سيرسل إليكم من طرف الأميرالاي المومى إليه، فبناء عليه يجب إجراء تصليح وتصحيح عباراته بمعرفة صالح مجدي أفندي مترجم الكتب العسكرية، ويجب أيضًا المبادرة بطبع النسخ المار ذكرها، وإرسالها إلى هذا الجانب؛ لتوزيعها على ضباط العساكر، وقد حررنا لكم هذا لاتباعه.٢

ولكنا لم نعثر على أي أمر لسعيد باشا يتضمن تشجيع ترجمة الكتب المدرسية أو المؤلفات القيمة، ولعله رأى أنه ليس من الضروري تزويد المدارس التي أعاد إنشاءها بالكتب الجديدة، والاكتفاء بما ترجم في عهد جده العظيم. ثم إنه استدعى من الخرطوم الشيخ رفاعة، فلم يشغله بأعمال الترجمة؛ بل عينه ناظرًا للمدرسة الحربية.

(١) إصلاح النظم القضائية وتنشيط حركة الترجمة

من الخطأ أن نظن أن حركة الترجمة توقفت توقفًا تامًّا في هذا العصر، فقد كان اعتزام سعيد إصلاح النظم القضائية من الدواعي التي جعلت للترجمة شأنًا عظيمًا، وهذه الإصلاحات كانت نوعين؛ الأول: يرمي إلى استعمال اللغة العربية في القضايا، والثاني: يرمي إلى إنشاء أقلام إفرنجية في الدواوين بالقاهرة والإسكندرية؛ لترجمة المكاتبات الواردة من قناصل الدول، والخاصة بشئون القضايا.

(١-١) استعمال اللغة العربية في القضايا

الغرض من ذلك يفسره الأمر العالي الصادر إلى مجلس الأحكام بتاريخ ٤ ذي القعدة سنة ١٢٧٤ ومنطوقه: «إن الجاري — والحالة هذه بالدواوين وسائر الجهات — في خصوص المخاطبات المتعلقة بالقضايا وإدارة المصالح البعض تركي والبعض عربي، ومن أجل ذلك حصل تداخل الأشغال في بعضها، ويمكن إذا كانت مادة فيما ذكر لا يتمكن صاحبها من نهوها بالعربي كما يرغب يتحايل على إجعالها تركي بالكيفية التي يتصور له بها نهوها، وربما يبقى على ذلك حكم مخالف للصادر أولًا، وإن كانت قضية تركي لا تمت حسب مرغوب صاحبها يبذل جهده في استمالتها إلى العربي، ويمكن أن يحصل فيها بعكس ما حصل أولًا بالتركي، ويترتب من هذا وهذا وقوع مخالفات ومغايرات، وإن سئل الكاتب العربي أو التركي عن السوابق يحيلون على بعض استنادًا على عدم المعلومية بما هو جار بالقلم الآخر، وبما أنه يجب تمشية المصالح على طريقة واحدة لمنع حصول ما يماثل ذلك؛ إذ إنه من المعلوم أن معظم أشغال هذه الديار ومصالحها إنما تنتهي بالعربي، فاقتضت إرادتنا أن كافة المخاطبات التي تجري فيما يتعلق بالحسابات أو القضايا أو إدارة المصالح تكون عربية سواء ما كان متبادلًا بين المديريات والدواوين أو ما يلزم عرضه (مما هو خارج عن اختصاص) للجهات. هذا والجهات المرتب لها كتبة تركي يبقى فيها كاتب واحد لتحرير بعض الأمور الضرورية التي لا بد من كتابتها بالتركي، وحيث لا بد من وجود أوراق قضايا تركي في اليد أو مواد موقوفة لورود ردها من جهات أو إفادات سبق تحريرها عن أشياء ومنتظر ورود أجوبتها، ومن مقتضى النظر في ذلك فقد تعلقت إرادتنا أنه من الآن تحصل المباشرة في الكتابة بالعربي كما ذكر، والمتأخر المنوه عنه آنفًا وأمثاله يجري اللازم لنهوه بوجود كتاب التركي المخصصين من الأول مع الاهتمام في نهوه سواء بالبت في القضايا اللازم رؤيتها، أو الإسراع في نهو الموقوف، وتسديد الدفاتر، وترجمة ما يلزم ترجمته إلى اللغة العربية، وقد تحدد ميعاد لذلك لغاية توتي سنة ١٢٧٤ أي أن الكتاب التركي لا يصير رفتهم الآن؛ بل يبقون في الخدمة لغاية التاريخ المذكور على أن لا يبقى مواد متأخرة من هذا الميعاد، ومن ابتدى توتى سنة ١٢٧٥ يصير إبقاء كاتب تركي واحد في كل جهة من الجهات، وقد صدرت الأوامر إلى المديريات والدواوين بالأجرى على هذا الوجه فيلزم الأجرى بموجبه وبطرفكم أيضًا، ولما أن المجلس جاري به رؤية القضايا، وبعد تحرير خلاصتها من العربي يصير ترجمتها تركي، وعند وصولها إلى الجهة يلتزم ترجمتها بالعربي ثانيًا، وفي هذا تكرار وزيادة عمل بلا اقتضى، فمن الآن كافة الخلاصات والمخاطبات التابعة لها تحرر بالعربي كما توضح، وإذا كان بالمجلس من لا يعرف اللغة العربية يعرض عنه لطرفنا لأجل استبداله، وبناء عليه أصدرنا أمرنا هذا إليكم للأجرى كما فيه حسب ما تعلقت به إرداتنا.»

(١-٢) إنشاء الأقلام الإفرنجية

بقيت محاكم التجارة التي أنشئت في عهد محمد علي قائمة إلى عهد سعيد، وهي المسماة: «مجالس التجار» في الإسكندرية والقاهرة، وكانت المحافظات والضبطيات تنظر في المشكلات الخاصة بالأجانب مما أدى إلى إنشاء «أقلام خاصة بالأمور الإفرنكية» في القاهرة والإسكندرية، وتبين لنا الإرادة الصادرة لمحافظة الإسكندرية في ١١ ذي الحجة سنة ١٢٧٣ الفائدة المرجوة من هذه الأقلام فيما يأتي: «حيث إنه غير موجود في ديوان محافظة الإسكندرية قلم خاص بالأمور الإفرنجية مثل الأقلام الموجودة في دواوين ضبطية مصر ومحافظتها، وحيث من مقتضى دواعي المخاطبات من جانب القناصل بشئون القضايا الجسيمة المتعلقة بالأوروبيين أن تمر في الأقلام العربية والتركية، وتختلط بالمصالح السائرة، وهذا يترتب عليه عدم رؤيتها وتسويتها على الأسلوب اللائق، فبناء عليه ولتنظيم رابطة المصالح ومتانتها وإحكامها كما ورد في كتابكم المؤرخ ٢٩ شعبان سنة ١٢٧٣ رقم ١١٣ يجب أن تبادروا بإنشاء قلم إفرنكي، وتعيين ناظرًا له من أرباب الاستقامة، ويكون واقفًا على اللغة الفرنسية والعربية، واثنين من الكتبة لهما إلمام باللغة العربية، وإفهامهما ضرورة السعي والإقدام إلى إتمام وإنهاء المصالح الواقفة في قلمهما بغاية الدقة والعناية. فلذلك حررنا لكم هذا لاتباعه.»٣

هوامش

(١) إلياس الأيوبي: عصر إسماعيل (جزأين).
(٢) أمين سامي باشا: تقويم النيل وعصر عباس وسعيد.
(٣) أمين سامي باشا: تقويم النيل وعصر عباس وسعيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠