معنى الحب

هذه قصة رجل كان أول أمره كأكثر معاشر الرجال، جنوحًا إلى القسوة في أحكامه، لا يعرف قيمة الحب الصادق إلا بعد الحرمان من نعمته، رجل كان يرى أن زلة قدم واحدة من أية امرأة، كافية مهما يكن الباعث لطردها من حظيرة الإنسانية، ووصمها بميسم العار إلى الأبد، فلا تصلح زوجًا، ولا ينبغي أن تكون أمًّا …

ولستُ أدري ما الذي بعثني على أن أكتب قصتي هذه، إلا أن يكون دافعي عليها الأمل في أن تروح نذيرًا لغيري من الشباب حتى لا يقع في الخطأ الذي وقعت فيه، أولئك الشباب الذين يجنحون إلى القسوة في الحكم، والذين لا تواتيهم الفرصة بعد ذلك لتعديل أحكامهم الماضية. ولعلي أريد بسرد قصتي للملأ اليوم أن يعلم الناس كذلك مبلغ السعادة العجيبة التي نعمتُ بها منذ أدركت غلطتي الأولى، ومضيت ألتمس إصلاحها، وأُكفر عما كان مني في عهدها.

كنت في الرابعة والعشرين عندما لقيت الفتاة التي حسبتها متحلية بكل الصفات والمفاتن والمزايا التي كنت أتطلع إلى اجتماعها في الفتاة التي أرتضي مثلها لي زوجًا، وكانت قد مضت علي أربعة أعوام وأنا أشتغل بصناعة النقوش والزخارف، وقد وجدت توفيقًا في عملي، وكنت وحيدًا من الأهل، خليًّا من النزوع إلى اللهو، مقتصدًا غير متلاف. فاجتمع لي على الأيام مبلغٌ طيب من المال ادَّخرته لأيام الحاجة، فكان الذين لا يعرفون دخيلة أمري يحسبونني غنيًّا في نعمة حال، ولما كنت أحاول أن أحدث هذا التأثير في نفوس الناس، تركتهم إلى هذا الظن فلم أشأ أن أغير رأيهم في أمري. وكانت الفتاة «د» من هؤلاء، وإن لم أدرك ذلك في أول العهد بمعرفتنا … بل كنت أحسبها تعرف حقيقتي وتعلم أنني لست إلا عاملًا يكدح لرزقه، وكنت أعتقد أن ميلها لي عن حب محض، لا صلة له بالمادة ولا دخل للمال فيه، فبعثني هذا الاعتقاد على حبها، وذهبت أعطيها من ذات نفسي ما تشاء.

وكان هناك شيء آخر أدناني منها وأسر فؤادي من ناحيتها، وهو جمالها الهادئ الساكن المهيب، أشبه شيء بجمال الهياكل ورهبة التماثيل … جمال كنت مؤمنًا بأنه — ولا ريب طاهر — لم يلوَّث، نقي لم تشب نقاءه شائبة ولا مجرد خطرة عارضة، ولا فكرة دنسة، مما يجول في أحلام العذارى عند اكتمال نموهن.

وكنت من أولئك الرجال الذين — وإن لم يرتفعوا هم أنفسهم إلى مصاف الملائكة — لا يزالون ينتظرون من الفتاة التي تحبهم أو المرأة التي يبنون بها، أن تكون ملَكًا من السماء، وأن تكون أنقى من النقاء.

وكذلك كان مذهبي في الزواج وديني، وكنت مُجمعًا نيتي على أن لا أرتضي لنفسي في شركة هذه الحياة إلا الفتاة الطاهرة النقية العذراء.

فلما أحببت «د» حسبتها مجتمع ذلك كله، وكانت أيامنا الأولى حافلة بالهناءة، ثم ما لبث أفق عيشنا أن غام واكفهر، والآن، وأنا أعود بالذاكرة إلى ذلك العهد، أحسبني كنت يومئذ من «الدقَة» القديمة، ولم أكن في عرفاني بواجبات الزواج «ابن العصر» وفتى الجيل.

لست أدري … وإنما كل ما أدريه أنني لم أك أحمقًا في ذلك الحين؛ إذ كنت أنتظر في عودتي إلى البيت من عملي على مطالع المساء أن أجد زوجي في الدار ترتقب عودتي من كدح نهاري، وكنت أرتقب منها أن تقوم على رعاية شؤون المنزل وتعهده، ولكنها كانت تذهب في الزواج غير هذا المذهب، وترى في عيش الأسرة غير هذا الرأي، وكان حسبي ما عانيت من ألم الوحدة وعيش العزلة في أيام عزوبتي، أنعم بحياة الزواج ورفقة الزوج والمقام بدار حسنة نظيفة مكفولة الرعاية في ظل المرأة التي اخترتها من بين نساء هذه الأرض لشركة الحياة. وكنت قد جمعت ما ادخرتُ من المال من قبل، فابتعتُ دارًا صغيرة غناء ذات حائط آنف، فجملتها بما شاء الذوق الرفيع من نفيس الرياش، وظننتني بذلك قد ابتنيت عشًّا حلوًا بديعًا لمقامي بجانب امرأتي الحسناء.

وكنت أحسبها ستحسن القيام على تلك الدار وتتعهدها بالعناية الواجبة، ولكن وا أسفي … لقد أخطأتُ الظن، فقد كانت «د» لا تعرف من فن الطهي كثيرًا أو قليلًا، ولا تحفل بأن تتعلم منه شيئًا، وكانت أجهل امرأة كربَّة بيت، وأعلم امرأة كغادة برزة تغشى المجامع وتلتمس أماكن القصف واللهو، وتبيَّن لي أن مطالب البيت لن تكون يومًا من واجبها، وإنما أنا الكفيل بغناي الذي تعرفه عني أن أملأ البيت خدمًا لها ووصيفات. وألفيتها تشرب الخمر في مجالس الصواحب والخلطاء، وتدخن التبغ، ولا ريب في أن أكثر السيدات يعاقرنها اليوم ولا يمتنعن عن اللفافة أو اللفافتين، ولكن لعلي كنت يومئذ من «الدقة القديمة» كما قلت، فكرهت ذلك منها ونكرته، وزادني استنكارًا له أنها جعلتني أعتقد قبل الزفاف أنها لا تعاقر الخمر، ولا تدخن، ورأيتها حوامة هوامة على مجالس اللهو، فتبعتها بادئ الرأي وسايرتها في هواها حتى تبين لي أنها لا تبغي عن اللهو حولًا ولا تجد منه شبعًا، وأن البيت عندها هو آخر مكان تلجأ إليه إذا أعوزها اللهو أو لم تجد قصفًا. وكاشفتها في أمر الخلفة والرغب في الذراري والبنين، فصارحتني أنها لا تريد من ذلك شيئًا، فأخذت أدرك رويدًا أن كل غرضها من الزواج بي لم يكن سوى الركض في ميدان اللهو كيف شاءت وشاء لها الهوى. ولم تكن تشعر لي بشيء من الحب، وهو ما ينتظر من أيَّة امرأة سواها ما دامت ترى زوجها ذا مال تنفق منه وتجده هينًا لينًا معها، يأذن لها أن تسلك في العيش المسلك الذي تحب، فبدأت أرفض الذهاب معها إلى مغاشي السمر واللهو، إلا على فترات معقولة وفينات متناسبة، فراحتْ تغشاها وحدها أو مع رجل آخر. ولم أكن أعرف مع من كانت تذهب، ولا حفلتُ بأن أعرف؛ إذ لم تكن حركاتها وسكناتها في تلك الفترة عندي ذات بال. وعدت إلى نفسي في آخر الأمر فقلت لها: إن هذا الأسلوب من العيش لا ينبغي أن يمضي على سننه، وما دمنا في فهم الحياة الزوجية على خلاف، فعلام نبدد أيامنا هكذا خلية من الهناءة المتبادلة والنعمة المشتركة، وحاولت أن أقنعها بوجوب الطلاق والسماح لي بتسريحها، ولكنها غضبت وتمادت … فاستحوذت علي من ناحيتها سآمة ممضة، ودفعني الاشمئزاز من عبثها وخطتها إلى تركها، فخرجت في ذات يوم هائمًا على وجهي تاركًا كلَّ شيء ورائي، متحملًا إلى بلد بعيد لم أكاشفها به، واعتزلت النساء كارهًا لهن واجدًا عليهن الدهر كله، ووجدت لي عملًا في ذلك البلد النائي فسلكتني فيه، ولكني لم أُقبل عليه إقبالي فيما فرط من أيام الشباب، وعهد النشاط وامتلاء الفؤاد بالأماني والآمال، ورحت أتلهى وأتناسى مرير الخسة في زواجي بغشيان المشارب وإقامة الليل، وبدأت أعاقر الشراب قليلًا، ثم ما لبثت من إيلافي له أن رحت ألح عليه لحاحًا …

وكذلك مضى بي العيش رحيًّا حتى التقيت بالحسناء «ر» … وفي الحق لم تكن هذه بالمرأة الأولى التي عرفتها منذ رحيلي عن تلك الزوج الناشز الحوامة المتلاف، بل لقد لقيت قبلها كثيرات، جعلت أتناولهن كما جئن، وأعاملهن المعاملة التي يستأهلن، فمنهن من أصابت مني الاحترام، وأخريات لم يجدن عندي غير الاحتقار والعبث، ولكنهن جميعًا لم يكن يظفرن مني بعاطفة صادقة. فلما جاءت هذه، وجدتني لأول مرة قد وقفت لأتروى وأفكر ماذا ينبغي لها في فؤادي، فكانت بادئ الرأي امرأة متعة أتلهى بها حينًا لكي أنبذها إذا أنا بشمت بها، ولكن ما عتمتُ بعد عرفاني قدرها، وامتحاني خلقها وعاطفتها، أن وجدتني أحس لها احترامًا عميقًا في أطواء النفس، ولم أكن يومئذ أدري ما الذي بعثني على احترامها، وما عرفت ذلك إلا على ختام هذه القصة كما سترى …

كانت في بادئ الأمر لغزًا دق على حله، بل في الحق لقد سقطت عليَّ بغتة، فدهتني بسحرها فجأة؛ إذ رأيت فعالها وكلماتها على نقيض ما كنت أشهد من النساء اللاتي عرفتهن. وكانت مليحة محببة، حلوة التركيب، ذات عينين نحلاوتين سوداوتين طاهرتين عفَّتين، وفروع سوداء فاحمة كالليل، وإنها لتأتي عليها لحظات تبدو فيها عيناها رانيتين رنوة مسكينة شاكية يائسة مستضعفة، حتى ليخيل للمرء أن ينثني إليها فيتناولها في أحضانه ويحميها بجناحيه، ويقيها بحبه ورثائه، فإذا تكلمت أدرك السامع من لهجة حديثها وروعة منطقها أنها قوية فلا تحتاج إلى ناصر، ولا تسأل عون معين.

ولاح لي أنها لم تكن تميل إلى رجل بعينه، أو تلتمس الحب عند فتى بذاته، بل كنت يومًا أراها مع واحد ثم لا ألبث أن أجدها عند سواه، وقلما تتراءى مع رجل أكثر من مرة أو مرتين، وتضافر رأي الجميع بلا مُعارض على أنها مثال الفتاة الأنيسة المفراح لا غبار عليها، ولكنهم كذلك اتفقوا على أنهم لا يجدون عندها ما هم واجدوه من الفتيات الأخريات؛ إذ لم تكن تبيح لهم من عبث الغزل وألعاب الشباب ما تبسم له وتستطيبه غيرها من الأتراب والصاحبات، فلم يكن أحد منهم يلتمس اصطحابها إلى النزهة واللهو أكثر من مرة واحدة ثم يكف.

•••

وكذلك رأيتني بعد قليل أسألها الخروج معي إلى النزهات، وما كان مثلي بمن يقنع بالمرة والمرتين، فإن ما رأيته منها أكد عندي ما سمعته عنها، فزادني هذا تعلقًا بها واستكثارًا من الجلوس إليها ومعاودة النزهة معها، فلم تكن ترفض لي سؤالًا، وما عتمت أن قامت بيننا الرفقة الثابتة المكينة، ووجدتها من تلقاء نفسها قد امتنعت عن الفتيان وكفت عن الخروج مع أحد منهم، ولم أكن سألتها أن تمتنع، ولا أوحيت إليها أن تكف، فسرني ذلك منها وحببني إليها. وعلى الأيام ألفيتُ تغيرًا عظيمًا قد أخذ يظهر عليها، فقد بدأت ترفض اللفائف وتستعفي من الشراب كلما عرض ذلك في المجلس، أو أغريتها به قائلة إنها لم تعد تحفل بشراب ولا «تبغي» تدخينًا، وكنت أعلم أنها من قبل كانت تشرب وتدخن، ووجدتها كذلك قد أخذت رويدًا تخلع عنها شملة ذلك المظهر القوي المستقل الثابت الذي كانت تتراءى للناس به، وراحت تبدي جانب المرأة الضعيفة منها، وتتكشف لي عن إنسانة تحتاج إلى الحامي والراعي والنصير.

ومن ذلك الحين أخذت أحلم ثانية بالزواج وعيش الأسرة ونعمة الذراري والبنين، ففي ذات مساء صائف اتفق رأينا على ألا نذهب إلى المراقص ولا نطلب في تلك الليلة الملهى، بل نخرج للنزهة في الحدائق والرياض.

وفي الحديقة الكبرى ألفينا مقعدًا منعزلًا تحت شجرة، فقعدنا، وطوقت كتفها بذراعي تطويقة حب وحنان، وسادنا سكون طويل ثم أنشأت تتكلم، قالت: أرى الأمور تجري مندفعة، فقبل أن نتمادى مع تيارها ينبغي أن أكاشفك بما في نفسي … إنني أحبك … فما لي لا أجهر لك به، وأحسبك تحاول حبي أنت كذلك، ولكن لعلي قد غلوت في التصور وحملت عاطفتك لي على أكثر مما ينبغي أن تحمل، فإذا لم تكن تحبني، فلا حاجة بي إلى مكاشفتك به لأنه لا يخصك، أفأنت راغب في سماعه؟ …

وانزوت عني قليلًا وهي تتحدث، وكان صوتها خافتًا مغمغمًا، حتى لا يكاد يقع في المسمع، وإن كانت قد صبت تلك الكلمات صبًّا، وتدفقت بها تدفقًا، كأنها من لهفة على الجهر بها تريد إراحة صدرها من عبئها.

قلت: أريد أن أسمع أي شيء تقولين يا حلوة.

وساد سكون ثم غمغمت تقول: إن لي طفلة!

فنظرت إليها مبهوتًا ولم أستطع قولًا.

ولكني عدت أقول: إذن لقد كنت إذن ذات بعل؟

فأجابت في صراحة رهيبة جليلة: كلا!

فبدهني هذا الجواب وصعقت له، ولم أستطع أن أصدق أن هذه الفتاة البريئة النظرات العفة السمات التي أصابت منا جميعًا مكان الإعجاب، هي … يا لعنة السموات!

قلت: حدثيني كيف كان ذلك …

فمضت في رفق وعلى فترات صمت كأن كل كلمة تفتح في النفس جرحًا وتستثير عذابًا أليمًا، تحدثني بقصتها الأليمة وكيف أن لها طفلة أتمت الحول الأول أو قرابته.

وجلستُ بعد أن فرغت من حديثها شارد النظر سابح المخيلة في أودية التفكير.

قلت أخيرًا: أتقولين إنه كان متزوجًا بك لو أنه عاش وأنسأ الله في أجله.

قالت: ذلك كان قوله، وكنت أحسبه على الأيام فاعلًا لو لم تعجله المنون فتخترمه.

وأمسكتْ فلم تزد، ولم تدفع عنها تهمة، ولا حاولت أن تعتذر بنزق الشباب، أو تتشفع بظروف مخففة.

ولكني أدركت فيما تلا من الأيام شيئًا كثيرًا عن حياتها الماضية، وعرفت أنها كانت صادقة فيما حدثتني به، وكانت ترقب الزواج بذلك الرجل لولا أن القدر خدعها في أمنية فؤادها.

وأنا اليوم قادر كل تلك الظروف التي اجتازتها تلك الفتاة المسكينة حق قدرها، ولكني في تلك الأيام كان كل رأيي فيها أنها امرأة ملوثة دنسة لا تصلح لمثلي زوجًا، أما امتلاكها فذلك أمر آخر، وأما الاستحواذ عليها فلا بأس منه ولا ضير.

figure
فإذا هي تخيط ثوبًا صغيرًا لوليد.

ومضيت أتشفع لهذه الفكرة بيني وبين نفسي بأنها قد ظلمتني بعض الظلم وأساءت إلي ناحية من الإساءة؛ إذ غررت بي وأوهمتني أنها الفتاة العفة الجديدة لم تمس، وأنه ينبغي لي أن أدفع الظلم بظلم مثله، وحسبتني في ذلك الحين قد كرهتها، وأنني واجد اللذة والمتعة في إيذائها، وأن ما كنت أظنه حبًّا في النفس لها لم يكن في الحق شيئًا غير النزوة والشهوة، ولكن لعلك قائل لعمرك كيف تجتمع الكراهية والشهوة، ولكن كذلك كان يومئذ رأيي في مشاعري من ناحية تلك المرأة. وكذلك مضيت أغريها بأنني لا أزال على حبي لها وأقنعها بقوة ذلك الحب أن لا بأس ولا ضير من أن نعيش معًا فترة من الدهر حتى يتواتى لنا أمر الزواج … ولم أكتم عنها نبأ زواجي الأول، ولكن نبأتها أنني عما قليل سأطلق زوجتي ولم أحفل بشيء في سبيل التغرير بها كما غررت بي، فاستأجرت طبقة وسط في المدينة ففرشتها برياش بسيط وانتقلنا إليها، وكانت النية في ذلك ألا أهبها شيئًا صالحًا ولا أدعها تنعم بعيش مونق جميل، اعتقادًا مني أنها لا تستأهل ذلك، واعتزامًا من ناحيتي أن لا أطيل معها مكثًا. ولاح لي أنها لم تلحظ حقارة الرياش، بل فرحت بالبيت وما فيه، وأكببت على عملي النهار كله ولم ألق بالًا إلى شؤون البيت ومطالبه، ولكني ما لبثت أن دهشت لذلك التغيير العجيب الذي بدا لعيني؛ إذ جعلت كلما عدت إلى الدار بالعشي أرى الرعاية تامة والبيت نظيفًا والأفق فرحًا يملأ النفس رضى ومسرة … ولم أكن أعطيها من المال غير النزر اليسير، ولكنها بذلك القليل قنعت، وحشدت في البيت من كل طيب وبديع وبهيج … وكان سرورها الأكبر أن تتحفني كل عشاء بلون جديد من الطعام ومبتكر طريف من المأكل والألوان.

وكذلك كانت ربة بيت صناع ماهرة، وسيدة في الدار أريبة حذقة، وأذكرتني حالها بحال طفلة تتخذ من لعبتها الجميلة بيتًا، وتجد في تنسيقه نهاية الفرح والجذل.

واهًا للمسكينة! لقد كان ذلك أمنية فؤادها الأولى التي حرمتها ولم تتهيأ لها، ولعل ذلك سر ابتهاجها بتوفير أسباب الهناءة في جوه وتجميله بما في مكنتها أن تجمله. ومضت الحال كذلك ردحًا، ولا زال في نفسي الرغب في الثأر منها، بل لقد كنت أقسى من ذلك شعورًا. فحدثتني النفس أن أستطيل في إمساكها حتى تطمئن إلى أن العيش قد استتب والدار قد استقامت، ثم أنثني فأحطم كل ذلك بكلمة واحدة إغراقًا في التشفي، ومبالغة في الأذى، وإن لم يكن ذلك بمانعي إذا عدت في المساء من تناولها في أحضاني وطبع قبلاتي على صفحة محياها … والتمتع بما أعدت لي من جديد ومبتكر.

ففي ذات مساء راحت تسألني متى إذن يكون زواج.

فاستضحكت وقلت: لا تكوني بلهاء، وأنت تعرفين أنني ما فكرت قط في الزواج بك.

فأمسكت عن الكلام ولم تعمد إلى توسل ولا فزعت إلى شكاة أو عتب أو رجاء.

ولكني لن أنسى ما حييت تلك النظرة المسكينة التي أطلت علي من عينيها في ذلك المساء، وا أسفاه! لم تكن تلك النظرة حدجة مسمومة ولا جحظة غاضبة، ولم تلح على عينها سريعًا، ولم تخطف كالتماعة البرق، وإنما كانت رنوة ألم ساكن ونظرة إنكار حائر، لاحت رويدًا رويدًا منبثقة انبثاق الفجر، يبدو بياضه في سواد الليل خيطًا بعد خيط، وكأنما كان المسيء إنسانًا غيري، فجاءت تلتمس بنظرتها تلك عندي المؤاساة والعطف والرثاء.

ولست أدري كيف رحت وحشًا أعمى! فاسترسلت بعد ذلك في مسلكي القاسي الأليم.

ولقد كنت ولا ريب أرتقب من وراء هذه القسوة أن أحملها على النفور من هذا العيش، والتمرد على تلك الحياة، وكنت أنتظر أن أعود ليلة فلا أجدها في البيت.

ولكنها لم تتبرم ولم تحاول فرارًا، بل مضت تعنى بالدار أكثر مما فعلت من قبل، وتحشد فيها ألوان الهناءة ما استطاعت، وتلتمس إرضائي بكل حيلة وسبيل، فظللت دهرًا حائرًا بين محاولة النجاة من فتون حبها، وبين إطلاق النفس على سجيتها لتحبها وتحسن إليها.

ففي أصيل بديع بكَّرتُ فيه إلى البيت فدخلت عليها الخدر على غرة، فإذا هي تخيط ثوبًا صغيرًا لوليد وتغمغم بأغنية حلوة، فلما انتبهت إلى مواقع قدمي وقفت أنغام الأغنية على شفتيها واضطربت تحاول إخفاء الثوب الذي تحيكه، ولكنها لما أدركت أن لا جدوى من الإخفاء بعد أن أخذ عيني طول ذلك الثوب ودقته، راحت تهز كتفيها الجميلتين وتعاود العمل بإبرتها. قلت: لمن هذا الثوب؟ وأنا أعرف أو أحسبني أعرف أنه لطفلتها، ولم أكن رأيت طفلتها إلى ذلك العهد، وإنما كنت من قبل قد قلت لها: إننا بعد الزواج سنجيء بالطفلة من البيت الذي هي فيه لتعيش معنا وتترعرع في أكنافنا.

قالت في تؤدة: إنه لوليدك!

فبهتُّ ووقفت مكاني جامد الحركة.

قلت عابثًا ساخرًا: وليدي! ما شاء الله! ومتى كان ذلك؟

وكنت من قبل قد نبأت أن سبب نفاري من «د» أنها بجانب مسلكها الطائش لم تكن تريد أن أنعم منها بفرحة البنين، فلما أنكرت عليها ذلك في لهجة السخرية التي فُهت بها، لم تزد على أن قالت: لقد كنت أظنك متلهفًا على الوليد، وقد كنت أنا كذلك للذرية راغبة، فتركت للطبيعة شرعتها المقدسة، مؤمنة بأنك ستتزوجني قبل أن تحين ولادة.

ولكني في أعماق النفس كنت ثائرًا غاضبًا، إذ كنت على ما ألفت من عقائد الناس ونظراتهم في الحياة لا أزال أرى أن امرأة مثلها لا تروح خليقة بأن تكون لذريتي أمًّا، فانثنيت أقول: إنني أعرف طبيبًا يستطيع أن …

ولكني أمسكت فلم أتم كلمتي، إذ رأيت في عينيها نظرة أبلغ من الكلم، وأفعل في النفس أثرًا من الشكاة والضراعة!

وجاء يوم الوضع، وحضر الطبيب ووافت الممرضة، فخلتني رجلًا احتواه بيت غريب ليس له به عهد، وخرج الطبيب من حجرتها، فنبأني بأن زوجتي تريد أن أدخل عليها، فدخلت مستجمعًا جأشي، فجلست بجانب سريرها وأنا حائر لا أدري ماذا أفعل وماذا أقول!

ولكن وجهها الشاحب وعينها المتوسلة أوحيَا إلى نفسي أنها تريد أن أكون منها قريبًا، وابتسمت لي قائلة: أود لو أنك تبقى بجانبي هكذا وتتحدث إلي وتمسك بيدي قليلًا، أفترى في ذلك بأسًا؟

قلت بحنان: لست أرى فيه بأسًا مطلقًا إذا كنت ترين أنه ينبغي أن أكون بجانبك، ولكن أتحسبين في الحق أن مكاني الساعة هنا …

وترددت ولم أزد.

وكأنما أدركت غرضي، فقالت: أريد أن تبقى، ولكن إذن … واختنق صوتها بانتحابة مجهشة وشدت من فرط تشنجها على يدي شدة لم أكن أستطيع أن أجتذب منها لو أنني أردت الانصراف.

وجاء الطبيب والممرضة إلى سريرها، لها الله من مسكينة! لقد كانت تعرف أي عذاب هي معانيته بعد قليل، فقد أحسَّت وقعه من قبل وجربت ألمه، ولكن ذلك لم يمنعها من معاودته بدافع الحب لي والعمل لإرضائي.

ومضى أسبوع لم يأذن لي الطبيب في رؤيتها قائلًا إنها تتعلق من الحياة بخيط واهٍ، وإن من الخطر عليها أن ترى أحدًا وأن تراني أنا خاصة، فمضى علي ذلك الأسبوع في عذاب لم أكن أتوقعه، وما أحسب أنني واجد مثله فيما بقي من الأجل.

وقد عرفت أثر الصلاة في النفس فرحت أصلي لله من أجل نجاتها ودعوتُه أن يقدرني على أن أكون خليقًا بذلك الحب، جديرًا بتلك المرأة؛ لأنني وجدتني أحبها، وأدركت أنها هي عندي العالم بأسره، وأنها إذا ماتت كنت أنا الملوم ولن أعيش بعدها أبدًا، وعجبت لنفسي كيف كنت أعمى البصيرة من قبل أحاول إقناع ضميري بأنني لم أشعر يومًا من نحوها بحب، وأتجاهل ذلك الحب الرائع العجيب الذي وهبتنيه من ذات نفسها.

وكأنما استجاب الله لدعائي، فأخذت تبل من علتها، وجاءني الطبيب ذات يوم يقول: اليوم لك أن تدخل عليها، فطفر قلبي فرحًا عندما مشيت إلى سريرها على أطراف القدمين، وجثوت بجانب فراشها وطوقتها بذراعي هي والوليد، وكان يصرخ غير حافل بشيء، ورحت أبكي وأنتحب وهي لا تشعر بقربي، ثم ما لبثت أن التفتت إلي فقالت في عجب: ما لك تبكي يا عزيزي؟ وأخذت تلاعب شعري بيدها الخلية.

فانثنيت أقول: إنني لسعيد بك أيتها الأم الصغيرة، وراغد الحياة بشفائك وعودك إلي أنعم بك آخر الدهر، وأنا فرح جذلان بهذا الوليد الذي جاءني ليدلني على أني كنت بالأمس أحمق! أواه يا غالية، أيتاح لي أن أجعلك سعيدة مثلي اليوم! ويحي! هل لي أن أسألك صفحًا عني وعودًا إلى حبي؟ وماذا أستطيع أن أفعل تكفيرًا عما أسأت إليك من قبل؟

قالت بصوت مغمغم وعين وسنانة: ما كففت عن حبك قط، وما كنت مستطيعة أن أكف عنه، فإذا أردت أن تسعدني فقليلًا من حب …

وأمسكت فلم تتم كأنما من خوف.

قلت: نعم سنتزوج يوم أكون طليقًا وسأكون ولا ريب.

وكأنما كان القدر مسعفي، فقد وجدت «د» الرجل الذي سكنت إلى حبه واطمأنت إلى نعمة العيش في كنفه فودت طلاقًا.

وكذلك كان زواجي الثاني منذ عشر سنوات، ونحن على محض الحب والوفاء والهناءة باقيان …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠