ما الذي يقتل الحب؟

تسامع الناس بأنني اختطفت ابنتي، بل أسوأ من ذلك وأدهى أن القضاء حكم بأنني كنت خائنة عهد زوجي، وقضى بطلاقه من هذه المرأة التي لا تعرف للشرف حقًّا، ولا ترعى حفاظًا، وحكم له بأخذ الطفلة …

جرى ذلك كله باسم العدالة! فيا للنكر ويا للسوء! …

أيتها العدالة، كم من مظالم تُرتكب باسمك …!

نعم، لقد كانت تلك كلها ظلمًا فوق ظلم، وأكاذيب إثر أكاذيب.

وقد حدث الحادث الأكبر في ذات صبح فقد فيه زوجي صوابه، ومضت نزعة الغيرة التي طالما استبدت به، فاحتملته إلى نوبة عارضة من نوبات الجنون، وكنت قد استيقظت في ذلك الصباح كمن يصحو من حلم أليم يملأ صدره تطيرًا وشر النذر، فإذا به لا يزال في نصف ثيابه واقفًا حيال المرآة يتهيأ للبسة الخروج.

واستدار نحوي وفي عينه بريق الكراهية والحنق.

قال: أفهمت إذن، ينبغي أن لا تعرفيه بعد اليوم، لا أريد أن أكرر أمري هذا مرة أخرى.

وكذلك قذفني بهذه الكلمات في اللحظة التي فتحت فيها عيني مستيقظة.

قلت بصوت راعش: ماذا جرى؟

وأمسكت لحظة ثم استأنفت القول: أنت تعرف أننا التقينا به ليلة أمس في دار أخيك محض اتفاق، وكان الدهر قد ضرب بيني وبينه عدة السنوات إذ كنت أعرفه في بلدنا يوم كنت في المهد صبية، وجاء من البلد منذ عهد قريب وأنشأ يقص على سمعي أنباء أهلي وأقاربي، فكان أقل ما ينبغي أن نفعله من أجله أن ندعوه الليلة إلى العشاء عندنا قبل أن يغادر المدينة.

ذلك ما قلته له.

ولم يكن شجارنا في الغداة إلا بقية من شجارنا في الليلة البارحة، فبرقت عيناه عندما سمع كلماتي تلك، وقال: لا يهمني أن يكون ما تقترحينه أقل ما ينبغي أن نفعل، اعتذري له بأنك اليوم مريضة، تشفَّعي بأي عذر، كل غرضي أن لا أرى ذلك الرجل في بيتي.

فاستويتُ جالسة في فراشي.

قلت: علام هذا التشنج والانفعال؟ إن ذلك الرجل — كما تقول عنه — صديق قديم، وأنا أصر على أن نعامله كذلك.

وتولاني الغضب فاسترسلت أقول: لقد أزهقتَ روحي كل هذه السنوات الثلاث الماضية باعتراضاتك كلما رأيتني أتحدث إلى رجل، بلا أدنى سبب معقول أو عذر وجيه، وأنت تعلم أنني ظللت أبدًا على الوفاء لك والحرص على عهدك، وأنا باقية عليه ما حييت …

ولكنه عاجلني بقوله وهو يهجم عليَّ وقد احمر وجهه غيظًا، وانتفخت أوداجه وهز أنملته في وجهي هزًّا: «أتتحدثين عن الوفاء لي … ما شاء الله … أنت وفية؟ … أنت …!».

فانزويت منه رعبًا إذ أدركت أنه قد استطار صوابه.

وإذا به يندفع في ثورة مجنونة صائحًا بي: أنت وفية.؟ إذا كنت قد أقمت لي على الوفاء فما ذلك إلا لأنني حفظتك كذلك وصنتك. نعم، أنت زوجي ولن أدعك تنسين ذلك، فهذا نذيري! إن ذلك المخلوق لن يراك ما بقيتْ لي في هذه الدنيا حياة، أفاهمة ما أقول؟

وتولى عني معرضًا، فأخذتني نوبة حنق لكرامتي، فتلفعت بلفاعتي ونهضت له، فقلت: لمن تحسبك تتكلم؟ لقد كنت مضحكًا في غيرتك قبل اليوم، ولكني لم أكن أظنك ستنسى أدبك في حقي إلى هذا الحد.؟ أنت ترى أن الدعوة قد تمت وهو قادم الليلة إلى هذا البيت، وقد أنبأني أن لديه أمرًا يريد أن يتحدث إليك في شأنه.

فدار على عقبيه وصاح بي: تقولين أمرًا! أي أمر له معي؟ سأريه أمري معه.

وانطلق في ثورة الجنون، فدفع الباب خلفه وأدار المفتاح في قفله، فلم أكد أصدق سمعي … يا لله.! لقد حبسني زوجي في حجرتي.!

وعدوتُ إلى الباب مشدوهة، فعالجت أكرتَه وسمعت الباب الخارجي يُغلق بعنف، فكدت من الهمِّ تغشاني الغاشية، ولكني تذكرت أن طفلتنا نائمة في سريرها في الحجرة المقابلة للشرفة، ولا بد لي من الخروج من حجرتي في الحال لأعد لها فطورها وإلا خنقت الوليدة من فرط النحيب إذا أنا لم أسارع إليها.

وكأنما قد أيقظها صياح أبيها فسمعتُها من خلف الباب تصرخ قائلة: ماما … ماما … طاب الصباح …

يا إلهي كيف العمل … لقد جُنَّ جنون زوجي من أثر غيرته، وما أحسبه سيعود فيفتح الباب، فتلفتُّ حولي في الحجرة يائسة، فتذكرت أن النافذة، وكانت الوحيدة في الغرفة، تطل على فناء البيت، فإذا صحت وناديت فلعل أحد السكان سيسمع صيحتي وندائي فيهيب بالبواب فيجيء هذا لإخراجي، فأستطيع الذهاب إلى طفلتي في الحجرة الأخرى.

ولكني ترددتُ لحظة أسائل خاطري: أينبغي الصياح بالجيران ليعلموا أن زوجي قد حبسني في مخدعي وانطلق في سبيله؟ كلا! آخر الحياة. يجب أن أحتال للخروج من هذا المازق بوسيلة أخرى.

وكان ألمي الدفين في أعماق نفسي أن يكون زواجي به قد بدا غلطة شنعاء وغصة أليمة لنا، والناس لا يعرفون عن ذلك قليلًا ولا كثيرًا، أو الجيران يعتقدون أننا من خير الأزواج وأصلحهم حالًا وأسعدهم عيشًا، أفكان ظهور ذلك الرجل في أفق حياتنا سبب هذه المأساة التي وقعت لي اليوم.

وفاض فيض عاطفتي، وثارت ثائرتي، وهمت عبراتي، فتهالكت على الفراش ساخطة حانقة، لم آتِ منكرًا، ولم أُحدث في الحياة سوءًا ولا ضرًّا، فعلام هذا العذاب؟! ولِمَ هذا العسف الذي أُسامُه؟ لقد كان لقاؤنا بذلك الصديق على غير ميعاد في بيت شقيق زوجي الليلة البارحة، وقد سرني أن أراه بعد غيبة الأعوام الطوال، فقد كنا منذ عشر سنين في البلد الصغير الوادع الذي فيه نشأت صديقين على ولاء، ثم انحدر هو إلى المدينة ليشتغل بصناعة المحاماة، ولعل ذلك هو السبب الذي منعني الزواج حتى أدركت السادسة والعشرين على الرغم من إلحاح فتى آخر عليَّ بغَزَله وتودده واستدراجي إلى الرضاء به زوجًا …

كان ذلك منذ خمسة أعوام، مضت أربعة منها وأنا أغالب الندامة وأناضل الأسى حتى لا أعترف لنفسي بأن زواجي عاد خيبة مريرة ولم يعد هناءة ولا رغدًا!

ولكني أمسكت فيض خواطري وعدت إلى نفسي أردها إلى موقفي المحرج الأليم، وأُذكرها بمحبسي هذا في مخدعي.

ووثبت من فراشي لأحتال على الخروج، فمشيت إلى الباب أتفحصه، فإذا هو ثقيل متين القفل، فقد جئنا بالنجار منذ أسبوع فأصلحه وكان من قبل لا ينغلق تمامًا إذا أغلقناه.

وتذكرت أن النجار انتزع الباب من مفصلاته ثم رده إلى موضعه، فصعدت كرسيًّا ونظرت إلى المفصلة العليا وقلت لنفسي لعلي مستطيعة أن أنزع مسامير المفصلة كما فعل النجار، فمضيت أحاول ذلك طويلًا بمقصي، وذهني مفعم بذكريات الماضي، وأحداثه تعود إلى خاطري، بينما يداي الضعيفتان تعالجان المسامير.

ولم أستطع أن أحل ذلك المعمى، معمى زواجي، ولم أجد له سببًا إلا بعض تصاريف الأقدار ومجتمع الظروف.

كنت كبرى إخواتي، وكنا ست فتيات، تزوجت قبلي إحداهن، وخُطبت أخرى، وبلغتُ أنا من الشباب مرحلة بدأ فيها أهلي يستشعرون خوفًا أحمق من بقائي عذراء، ويشفقون من أن أروح عانسًا العمر كله. ولعل خوف أختي المتزوجة من هذه الناحية ومكاشفتها لي بمخاوفها وإقناعي بوجوب انتهاز أول سانحة للإقبال على عيش الزواج، هي كلها السبب الذي حملني على الرضى به عاجلة غير متروية.

وكنت يومئذ أعرف ذلك الفتى الآخر، وكان لا يفتأ يسألني رأيي في قبول الزواج به، ولكني تركته بين نَعَم ولا حائرًا مترددًا. فقد عرفته من عهد الطفولة وكان طيبًا ساذجًا، ولكني كنت أضيق به ذرعًا، ولا أجد في نفسي له ميلًا ولا هوى. وأنا لَكذلك إذ نزل زوجي بالبلدة لزيارة أقارب له فيها ولعمل متصِّل بشؤونهم، وكان ينوي الرجوع بعد بضعة أسابيع، وكان لقائي به في فرح أقيم في القرية عقب قدومه، فما لبث أن افتتن بي من بين سائر الفتيات اللائي رحن يتلطفن إليه ويتحببن … وتسامع الناس بأنه في خير حال وبسطة من الرزق، وكان ذلك كله كافيًا في قرية صغيرة كقريتنا لتهافت القوم عليه. وكنتُ من قبل ألتهف على زيارة الحاضرة، فجعلتُ كلما جلست إليه في خلوة أسأله أن يحدثني عن مشاهدها، وكان ذلك يثير في النفس خيالًا وفتنة، ويبعثني على تخيل الفرار من هذا العيش الرتيب وحياة القرية الغبية المتبلدة، فلم ألبث أن آنست إلى حديثه وآثرته على سذاجة الفتى الآخر، فتزوجنا بعد بضعة أسابيع وتحملت معه إلى الحاضرة، وكان قد قال لي قبيل الرحيل: إنك ستحبين المدينة ولست أشك في أن أمي ستحبك … فأنت مليحة محببة أيتها الزوج الصغيرة الغالية.

يا لله.! ما كان أهنأ عيشي في الأيام الأولى لزواجنا؛ فقد كانت الحياة حلمًا في الكرى أو خلسة المختلس، ولكني من أول الأمر وجدت أهله على غير ما كنت أنتظر، فقد ألفيتهم قومًا أغبياء ضيقي الأذهان، فلم أشأ أن أجاريهم في حوار أو أبسط لهم في أمر رأيًا، بل رضت نفسي على السكوت والاستماع إليهم: وكانت له أم هي على غرار سواد الأمهات تغار عليه من زوجه، ولا ترضى أن تشاركها في حبه إنسانة سواها، فلما التقينا أول لقائنا مضت تتأملني بنظرة المتفحص وكأنما استكثرت علي أن أكون لولدها زوجًا، وقد سمعتها بعد ذلك بأيام تنصح له بتشديد الرقابة على حركاتي وسكناتي، وهي في معزل تتحدث إليه خفية، نعم لقد طرق سمعي يومئذ قولها: لا تنسَ يا بني، إن في النساء مليحات متناهيات الملاحة والفتنة، وهذا والله على الزوج الشر كله وفيه الضر؛ لأنهن لا يسلمن من غزل الرجال ومعاكستهم لهن والجري أبدًا في أذيالهن، فكن على زوجك الحسناء يا بني بصيرًا.

figure
لعلي مستطيعة أن أنزل مسامير بالمفصلة كما فعل النجار.

وأحسبها كانت الملوم على نزعة الغيرة الجنونية التي تمكنت من نفس زوجي، فلقد كانت كبيرة السلطان على نفسه، تسيطر على جميع فعاله، وكان هو ضعيفًا أمامها لا يجرؤ على عصيان أمرها.

وأدركتُ بعد قليل أنه لم يكن الرجل المدقق في عمله الذي سمعنا عنه في القرية، وإنما كانت لديه فضلة من المال أودعها مصنعًا صغيرًا لصناعة الثياب، ولكنها لم تُدر عليه خيرًا، فما لبثت حياتنا أن ساءت، وعجزنا عن الوفاء بأكثر المطالب، فمضيت أبحث عن عمل أعين بمرتبي زوجي على أمره، فأصبت عملًا لقاء راتب طيب، وكان يشاطر أمه اعتقادها أن المرأة المتزوجة ينبغي أن تلزم بيتها، فلا تسعى على رزق، شحَّ في العيش المال أم كثر؟ فضاق بخروجي إلى العمل ذرعًا، وكم من حوار جرى بيننا ونضال نشب، فكان فيه أبدًا يحتج على أن أعمل في محل يعمل فيه الرجال.

ووقع يومًا حادث أليم؛ إذ أذنت لرجل من زملائي في المكتب أن يماشيني إلى باب البيت، وكنت لا أرى في ذلك سوءًا ولا ضررًا، فقد كان شيخًا أشيب الفودين محبوبًا من كل عامل في المكتب، وجرى بنا الحديث في الطريق حتى ألممنا بباب بيتنا وقد آذنت السادسة، ولقينا زوجي لدى الباب فلم يدع الرجل إلى الدخول معنا ولم يحيه، بل راح يغلق الباب بعنف في وجهه.

ولما احتوتنا قاعة الجلوس انفجر يقول: ها قد بدأت تماشين الرجال، وتسايرين الزملاء، يا لها من فكرة بديعة.

قلت: لست أفهم موقفك هذا، إنه رجل مهذب ويأنس إلى حديثي، وهو شيخ حطمته السنون، فلا أرى سببًا يمنعني مسايرته إلى بيتنا، ثم هو يعيش في هذا الحي بالذات، وطريقي طريقه.

وحاولت بالتلطف في الحديث أن أتحاشى الشجار معه، ولكنه انطلق يقول وهو منصرف إلى مخدعه: لقد قلت لك لا تسايري أحدًا ولا تماشي مخلوقًا، ولست أريد أن أكرر ذلك ثانية.

وفي ذلك العهد ونحن على أشد الخلاف، في الرأي والنظر إلى الحياة، قضى القضاء العجيب أن أُرزق منه طفلة، فتركت عملي، وحاولت علاج مطالب البيت قاصدة في النفقة ما استطعت. وكانت الأشهر التي تلت ذلك عهدًا موحشًا في الحياة أليمًا، فرُحت أتعزى فيه بقراءة الكتب وخياطة الأثواب، وكانت الطفلة جميلة موفورة الصحة، وراح أبوها بها مفتونًا وجعل ينفق الكثير في سبيل إتحافها باللعب والدمى، ولم نكن في ميسرة حتى يتواتى لنا استخدام مرضعة في البيت ترعى الطفلة عني، وتقوم على حوائج الدار، فاضطررت إلى الإضراب في البيت لا أبرحه.

وفي العام التالي لمولدها جاءت أختي «س» من البلد لزيارتي فأقامت ردحًا، وكأنما كانت رسولًا من السماء لمعونتي وطرد الهم عني، فكانت تجلس إلى الوليدة تلاعبها على مطالع الأصيل تاركة لي الفرص للخروج إلى الأسواق أو التماس النزهة، وكانت «س» فتاة محببة، فما لبثت أن عرفت صاحبًا في المدينة وصواحب، فجعل هؤلاء وأولئك يجيئون لزيارتنا، والسمر عندنا، وكان من بينهم غلامان مليحان ذكيان، امتلأت جعبتهما بطرائف الأدب والعلم، وكنتُ في لهفة عليها لأن زوجي كان أكره الناس للقراءة لا يفتح في حياته كتابًا، ولا يجد في نفسه استرواحًا إليها، فطاب لي الحديث مع هذين الغلامين، فجعلنا نتجاذبه في كثير من الموضوعات ونتطارح الآراء ونتساجلها.

وفي ذات ليلة جاء الغلامان لزيارتنا ولم تكن أختي في البيت، فقلت لهما إنها ستتأخر كثيرًا، ولكنهما مضيا يستأذنان! هل من بأس في البقاء معي للحديث والسمر، وخشيت أن يكون المساء موحشًا إذ كان زوجي قد نبأني بأنه قد يتأخر في الحضور عن الموعد الذي اعتاد أن يجيء فيه، فسرتني زيارة الشابين وطردت عن صدري ألم الوحشة.

وأنت تعلم أن الشباب مولعون بالكلام عن النساء وخاصة مع سيدة أكبر منهم، لكي يصيبوا من العلم بالمرأة ما لا يعرفون، فلا عجب إذا انطلق بنا الحديث في تلك الليلة عن أقيسة الجمال وحدوده وتعريفه. وسرى الحديث بيننا خلال الساعات وأنا منه مسرورة جذلة، وراح أحدهما يقول بسبيل ما كنا نتحدث عنه: إن «أختك» جميلة بل قد تكون أجمل منك، وإن لم تكن لها فتنتك، ولم تصب حسن قدك وجلال مظهرك، ولا شيئًا من ذكائك وأدبك.

فتلفت فجأة صوب الباب، فما كان أشد دهشتي إذ رأيت زوجي واقفًا لديه، ولم نكن سمعنا حركته ولا وَقْعَ قدميه وهو قادم، ولم أدر كم لبث في موقفه.

واضطرب الغلامان من مباغتته هذه والغضبة الظاهرة على محياه … فاستأذنا وانصرفا فجأة.

وما كاد الباب يغلق وراءهما حتى انطلق في فيض من الشتائم والسخرية المسمومة القاسية.

قال: إذن أنت ناوية أن تدنسي فراش الزوجية وتلوثي شرف الطفلة. وكانت تلك أخف سبابه وأهون شتائمه.

وحاولت الاحتجاج ولكن احتجاجاتي لم توقف تيار سبابه بل مضى يقول: لقد استطعتُ أن أبقي عليك شريفة عفة كل هذه السنين، فإذا بك اليوم تشاغلين الفتيان لأنهم من السذاجة والغفلة بحيث لا يعرفون أية شيطانة تكونين.

وكذلك طفق يرتع في عرضي كما شاءت له غيرته الحمقاء العمياء الحانقة.

وكانت أختي قد اعتزمت العودة إلى البلد في الأسبوع التالي، فأجمعت أمري على السفر معها لأقيم فترة من الدهر بجانب أهلي، وأستريح ردحًا من غيرته وريبه، فلما نبأته بنيتي، قام بيننا شجار عنيف وأنذرني بأنه مغلق البيت وحابسي فيه إذا لم أنصع لحكمه.

ولم تكن هذه أول تهديدة من نوعها سمعتها من فمه، ولم أكاشفه بموعد سفري وتركته يمضي في ذات صبح إلى عمله فارتحلت في سكون وخلسة.

وفرح أهلي بمقدمي والطفلة، وكانت تلك أيامًا طيبة، نعمت فيها بمجالس وأصحاب وصواحب أعرفهم من زمان ويعرفونني، وفي دار إحدى الصواحب لقيت طبيبًا أخصائيًّا في أمراض الأطفال، فلما رأى طفلتي ووفرة عافيتها، وامتلاء بدنها، أعجب بها الإعجاب كله، فراح يقول: لقد دلتني التجارب في صناعتي على أن الأطفال الأصحاء هم في الأغلب نتاج القران السعيد الذي يمسكه الحب وتغذية هناءة الزوجين، وقلما يرى المرء زيجات تعسة تثمر من الذراري ثمرات طيبة ناضجة.

ولم أكن إلى ذلك العهد أفضيت إلى أحد من خلق الله ببأساء عيشي وخيبة زواجي، فلما قامت الصداقة بيني وبين ذلك الطبيب الوديع، الكريم القلب، انتهزت فرصة زياراته لنا في ذات مساء فمضيت أقص عليه خافية عيشي، فلما انتهيت قال: أريد أن أعلم، ألا تزالين تحبين زوجك؟ قلت: أتسألني هل أحبه؟ لقد مضى علي زمان طويل أسائل نفسي فيه أبدًا: أتراني أحببته يومًا، ولا ريب في أنني لم أكن أشعر له بهذه العاطفة في ذلك الحين؛ إذ لو كنت أشعر بشيء من ذلك له لآلمني ذلك المسلك منه في حقي، ولكني لم أكن أحس من ذلك ألمًا، بل كنت مستخفة غير آبهة، وفي بعض الأحايين أروح أنظر إليه وهو ثائر متمرد حانق كأنما أنظر إلى ممثل يلعب دورًا على المسرح.

قال: حقًّا، إن حالة زوجك من الحالات النفسية الغريبة، ولقد كان لتعليم أمه وإيحائها أسوأ الأثر، وأحسبها لا تزال شديدة السلطان عليه، فلم لا تتركينه وتأخذين معك طفلتك؟ إن من نكد الدنيا على المرأة العاقلة الأريبة مثلك أن تصبر على عيش كدر مُنغص مع زوج ضعيف الإرادة مجنون الغيرة كزوجك! ومن أسوأ الأثر في نفس طفلتك أن تدرج وتنمو في جو عاصف كهذا، وأفق تهبُّ عليه الزعازع العاتية …

ولكني لم أجد في النفس قوة على مواجهة هذه الفكرة، وخفت القالة وأشفقت من أن تلوك الألسنة سيرتنا وتمتضغها الأفواه …

وعدت بعد بضعة أسابيع إلى بيتي ولم أر ذلك الطبيب بعد ذلك، وما أشد حسرتي اليوم على أني لم أعمل بنصيحته وتركت عيشي يسوء عما كان من قبل وتطم اليوم طامته.

•••

رباه.! ألا ينفتح هذا الباب؟ ها هو ذا المسمار الأخير قد بدأ يتفكك، ها أنا قد دفعت الباب من موضعه أخيرًا، وتعثرت عادية أطلب سرير طفلتي فتلقيتها في ذراعي الممتدتين لها وهي مغرورقة العين بالعبرات، وضممتها مليًّا إلى صدري، ثم انثنيت ألبسها ثيابها، وأقدم لها طعام فطورها، بينما راحت فكرة خاطفة كالوميض تلتمع في خاطري، وهي الخروج من هذا السجن الأليم، والالتجاء إلى أي مكان آخر قبل أن يعود زوجي؛ إذ ما يدريني لعله قاتلي إذا وجدني قد فتحت باب محبسي.

ولكن إلى أين المسير، وإلى مَن المفزع …

خطرت لي صديقة تقيم غير بعيد عن حينَا، فاحتملت الطفلة وهرعت إلى دارها فلم أجد غير وصيفة لها عجوز، فتركت طفلتي في ذمتها ريثما أعود بعد ساعتين لآخذها، وكانت نيتي أن أذهب إلى الطبيب ألتمس عنده النصيحة وأستعين ببعض الأصدقاء على توكيل محام عني ليطلب طلاقي من هذا الزوج الذي رنق صفو حياتي بجنون غيرته، وخشيت أن آخذ الطفلة معي، فقد كنت في حال من الرعب والاضطراب لا توصف، وخفت أن أفقدها في زحام المركبات والسابلة.

والتقيت بالطبيب فحدثته بجلية الخبر، فذعر لقصتي وحار في أمري، فلم يدر كيف الخلاص من موقفي، غير أن يستعين بأحد المحامين، فاتفقنا على أن نرفع الأمر إلى القضاء فأطلب طلاقي منه وإبقاء الطفلة في حضانتي.

وهدأت ثائرتي، ورأيت في ذلك الحل السريع بارقة الأمل، فعدت أدراجي مسرعة إلى بيت صديقتي فلقيت حارس المصعد، فإذا هو مضطرب يحاول الكلام معي ولكنه لا يفعل، فلم أفهم ماذا جرى.

وجاءت الوصيفة العجوز تفتح الباب فإذا هي في دموع تقول: إن الطفلة قد ذهبت …!

وعندئذ أدركت فحوى الأمر قبل أن أسمع ما يقال لي، فقد جاء زوجي في غيبتي فاختطفها عنوة واقتدارًا …

وا حزناه.! لقد كانت الأسابيع التالية أسوأ ما مر بي من عهود الحياة، ولم أكن أدري علام تنتهي هذه الملمة التي وقعت بي، وحاولت مرة أن أتملى من وجه الطفلة، فأذن لي المحامي الموكل عن زوجي برؤيتها في محضره ومع بعض رجال الشرطة، وكانت تحملها مربية، فما كادت الطفلة تراني حتى اضطربت وبكت وجعلت تصيح: أماه.! أماه، خذيني إليك …

لقد كان ذلك مشهدًا فتت كبدي على مرأى فلذته تبكي، وأعقب ذلك موقفنا في ساحة القضاء، وكان المحامي عن زوجي رجلًا مدرهًا مفوهًا، فراح يدلل أمام القضاء على أنني اختطفت الطفلة، وأنني أخون زوجي مع رجل آخر، وجاء بأشهاد شهدوا على خيانتي، فلما طلب إليهم أن يعينوا عشيقي، كدت أخر مغشيًّا علي، إذ سمعتهم يذكرون الطبيب.

أواه.! كيف يحدث ذلك أيها الناس، باسم العدالة.! لقد كانت تلك كلها أكاذيب وفريات مصطنعة.

وانتهت المحاكمة، وقضى القضاء له بأخذ ابنتي …

وكانت هذه الملمة سببًا في التقريب بيني وبين ذلك الطبيب الرحيم، وهو اليوم يعلم أنني أحببته فيما مضى من زماني، ولم يكن يومئذ بحبي عليمًا …

وكان زواجنا بعد أشهر معدودات …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠