هتاف الأمومة

ألم تنظر يومًا إلى مشهد ما كان لك أن تشهده، وتلقي العين على شيء ما كان يدور بخلدك أنك يومًا عليه ملقيها، كابتسامة طفل نائم يخيل إليك أنها ابتسام السكون وضحكة العالم المجهول الذي لا حد له؟ أو كانبثاق أول خيوط الفجر على صفحة البحيرة وأمواهها الساكنية الصافية … نعم، ألم تأخذ يومًا عينك مشاهد تستدر الشؤون وترسل الدمع من العين صيبًا منهمرًا، وتثير في فؤادك إحساسًا غامضًا جليلًا، نصفه دهشة، ونصفه ألم؟ …

إذا وقع لك في الحياة شيء من ذلك، فأنت إذن مستطيع أن تتصور مبلغ ما خالجني من الإحساس، يوم رأيت حنان الأمومة الملهوف البليغ في صمته، الرائع في صورته ومقتبله، على وجه السيدة «ب»، فقد رحت أتمثل في الخاطر مشهدًا جرى على السنين، وتمادى مع الأعوام، سنين سادت خلالها في فؤاد الأم لهفة الأمومة، وأعوام نما فيها مع الوليد حنان الوالدة، أعوام مضت فيها تلك الأرملة الشابة التي مات عنها بعلها في الأشهر الأولى من مولد طفلها، تمسك بذلك الوجه الدقيق الندي الجميل، وشعره الفاحم المنتثر تفاريق في جلدة رأسه، فتضمه إلى صدرها، وترضعه أفاويق لبانها، ثم أعوام أخرى ذهبت خلالها تداور خيباتها، وتتناسى مناكد عيشها، وتتعلل بعذب الأمل، واعدة نفسها، أن الأرض وما حوت من خير ووفر وهناءة ورغد، ستكون غدًا لوليدها يتقلب فيها حيث يشاء.

وأكبر ظني أنها كانت عن طواعية تخوض الجحيم، وعن رضى تصطبر لأشد العذاب في تلك السنوات الأولى من عهد الطفولة، إذا كان في خوض الجحيم والاصطبار لعذاب الحريق ما يعينها على أن تاتي بما لا تستطيع أم أن تأتي به لإرضاء طفلها، وما يسعفها على أن تقرب من يديه المتطاولتين ما يلتهف عليه، ويبكي لطلبه، فوالله لقد كانت في كل ذلك أشبه شيء بكلب مخلص أمين حيال سيده المتغير المتقلب، تفرح لفرحه، وتبكي لبكاه، وتأسى على أساه، وتأخذ من نفسها لنفسه، وهي معه أبدًا في حالتي بؤسه ونعماه.

وكذلك هي الأمومة عند بعض الأمهات، تأتي مستحوذة غالية، فتتلاشى الأم في الولد، وتتفانى الروح كلها في فلذة الكبد، ومشهد أمومة كهذه والله أليم، ومرأى حنان كهذا الحنان يستثير الرحمة ويروع الخاطر والوجدان.

•••

وكان مجلسهما أبدًا قبالتي على مائدة الطعام في البيت الذي نزلنا به لمسكن وطعام، هو في ممتشق قده، وفينان عوده، كأنه صورة «أبو للون»، رب الشمس عند اليونان، وهي في مسحة من جمال دائل، وإثارة من حسن ذابل، وزرقة عينين نسطع فيهما حينًا نظرة الأمومة المدهشة المبهوتة إذ تشهد أن ولدها قد عاد الفتى المديد العود، الملفوح الوجه، المفعم البدن صحة وقوة وبأسًا، وقد أراه وهو يروح ويغدو، ويجيء وينصرف، خفيف الحركة، بادي النشاط، منفرج الخطو، منسرح المشية، وأمه تتبعه النظر، وترسل العين في إثره، وتلم به قبل أن يلم بها، وتدانيه وهو قادم من بعيد عليها.

لقد جاهدت لأجله أعوام الحاجة، وغالبت أيام الفاقة، وناضلت عهد طفولته البأساء، وكانت يومذاك تكدح لرزقها ورزقه، خياطة مأجورة في متجر للأزياء، حتى أضحت كبيرة الحائكات فيه.

وأخذت نفسها بالقصد في النفقة، حتى اجتمع لها من المال ما استعانته لتكفل لولدها من العلم والتربية والتحصيل ما يصيب الشباب في أهل طبقتها من المجتمع. ولما أراد ولدها أن يسلك نفسه في أحد الأندية الخاصة خلال أيام دراسته، راحت تدأب وتواصل العمل ليل نهار حتى استجابت لأمنيته، وذللت له مطلبه.

ولا تحسبن الفتى مؤثرًا ذاته، متناسيًا حق أمه عليه، أنانيًّا لا يحفل بغير مناعم عيشه وأطايب الحياة يؤتاها غير مسؤول ولا طالب …

كلا، بل لقد كانت أمه تتكتم عليه دأبها، وتذهب ترتهن بقية ما أبقى الدهر من غاليها ونفيسها، لتوافيه بكل بهيج، وتحبوه بكل حباء طيب جميل، وما أحسبه كان راضيًا عن خطتها لو أنه كان بها عليمًا، ولكنه كان فيما يرى من استخفاف الشباب لا يكرثه السؤال عن الوسيلة، ولا البحث عن شيء يطلبه فيجده، من أين جاء وكيف تحقق. وكان يفزع أبدًا إلى أمه كلما خاب أمل، ويركن إليها كلما استبطأ رجاء، وهو عليم أنها لو استطاعت أن تحرك الجبال الرواسي من مستقرها، وتبلغ يدها السماء وأفقها في سبيل التوفية بحاجته والرجوع بطلبته لما ترددت ولا تأخرت. وبفضل سعيها المحمود، ونفوذها المسموع، ما لبث أصحاب الحانوت أن رضوا عنه وأرضوه لجمال وجهه وشدة فتونه، ومظهره الحسن الرائع الأخاذ، وتبديه في الحانوت خير عنوان لحسن الأدب، وخدمة المشترين. وكان أبدًا مسرة العين وفرحة الناظر، فإذا خرج من المتجر ساعة الظهيرة للغداء خفقت قلوب كثيرات من النساء لمشهده ودارت نحوه الأعين والأبصار مأخوذة بجمال مطلعه، وكانت عيناه ترنوان أبدًا بنظرة استخفاف بالحياة ومنزع إلى الهوى والعبث، ولكنهما لا تخلوان من نظرة الصدق والطهر والنقاء، وذلك أثر أدب أمه وعنايتها بتهذيبه من حداثته. وكانت أمه في تلك الأعوام الأولى من عهد نموه واقتبال شبابه، قد بعثته إلي لأمتحن فهمه لأسرار الحياة وأخبر إدراكه للحقائق.

وكنت رجلًا عرك الدهر، وذاق في الحياة الحلو والمر، فرحت أبصره بها وأفتح عينه لوهادها السحيقة، فكان يفزع إلي بطلب النصيحة، ويقبل علي بدافع الغريزة، يلتمس عندي الرأي وحسن المشورة.

وفي تلك الأحاديث والخلوات إليه جعلت أتبين فعل مغناطيسية نفسه، وأشعر بمبلغ امتلاكه للقلوب، وصنع سحره في الأفئدة.

وكان السخط على هذا العمل الهين الذي أصابه في الحياة، يتسلل حينًا إلى حديثه، ويغلب حينًا على أنغام صوته ونبرات لهجته، وكنت وأنا جالس في حجرتي، أسمع نتفًا من حديث الأم وولدها، يحملها الهواء إلى مسمعي من باب البهو أو النوافذ المفتحة؛ إذ كانت حجرتي لصق حجرتهما، فكنت أتبين من سقاط ذلك الحديث ولثيثه، أن الفتى غير راض بقسمته، ملتهف على إتيان الفعال الجسام، متبرم بالعيش، متململ من أن الحياة لم تبشر له ناهزة، ولم تلق بفرصها المؤاتية في طريقه.

ولكن أكبر ظني أن ذلك الشاب على رغم سخطاته العارضة على الحياة وشكاته كان على الدهر سيرتضي الحياة كما هي، وينزل على حكم المقادير وما قدرتْ، لو لم تعرض له في ذلك الصيف فتاة كان أبوها الجراح الكبير الطائر الذكر بجانب يساره الموروث، ولشبه الطائل، وكانت دارهما قصرًا بديعًا يأخذ العين جماله، وهو مرتاد الصفوة المختارة من أهل المدينة ومختلف وجوهها وعيونها الظاهرة.

وبتلك الحرية التي تسود نفوس أهل هذا الجيل، وتقرب بين شباب هذا العصر كان هو وهي من أفراد ندوة واحدة، وأعضاء رفقة مشتركة، وما لبث الناس أن رأوهما أكثر وقتهما مختلطين، يمشيان إلى نزهة، أو يعودان من طوفة، أو يجلسان معًا إلى حفل، أو يرقصان في المجمع، هي بمرهف قدها وبهي جمالها، وهو الفارع الأغيد الوسيم.

ولم يكن يخفى على أحد فعل الحب، فقد كان يبدو للعين الصب المستهام، ولكم شهدت الحب والألم يعتركان في نظرات عينيه السوداوين.

وكانت الفتاة كذلك تغالب عاطفتها وهي تعلم أنه ليس من طبقتها، وتجاهد الحب عن فؤادها وهي مدركة أن لا أمل من وراء حبه وحبها، أما هو فكان يناضل ويغالب في سبيل سعادته، وهناءة عيشه، كدأب الشباب في النضال، وديدنهم في المجاهدة والغلاب، بتلك الفلسفة التي آمنوا بها ولما يؤمن بها المجتمع، وهي أن الحب لا يعرف طبقات، بل يسوي بين الدرجات ويتخطى الحواحز العقبات.

ولست أشك في أن أبويها سيدللان لها على حماقة الزواج بفتى رقيق الحال، يشغل مكانًا مهينًا في متجر.

وأضنى الجهاد العاشق والعاشقة، وجعل الحب والهيام والتوق واللهف تتدفق وتفيض على محيا الفتى كلما نظر إلى الحسناء الهيفاء البديعة «ل …» بعينيها النجلاوين، وفمها العقيق الدقيق المرتسم، تلك الفتاة الغواءة المشغوفة باللهو والمراح، المستخفة بتقاليد طبقتها، بل ذلك النوع من النساء اللاتي يدفعن الرجال إلى الجنون بهن غير عامدات ولا متجانفات لغواية مدبرة، وخطة مرسومة.

ويخيل لي أنه كان يجاهد في سبيل امتلاكها بذلك السلاح المرهف الذي ما إن يزال الشباب يجاهد به ويناضل من أول الدهر، وبداية الخليقة، بل هو ذلك الحب الطاغية الجبار المستميت المستبسل يبدو حينًا رهيبًا في مشهده، جليلًا في مبتداه ومطالعه.

وساقني الاتفاق الغريب في ذات ليلة إلى مطعم فخم أنيق في المدينة، هو مغشى الشباب ومختلف السروات، لأتناول طعام العشاء فيه، فإذا المكان غاص بالناس، والعذارى الحسان في أنضر الثياب، رائحات غاديات بين الموائد والصفوف، وقد ارتفعت الأصوات، وتعالت الأحاديث، واستطال التهامس بين العاشقين والعاشقات.

وبين طنين الهمس والحديث، طرق سمعي فجأة صوت رقيق حلو النغم مفعم نشدانًا وتوسلًا وعتبًا، ولقد راح يقول: لسنا نستطيع أن نمضي أيها العزيز على ما نحن فيه ماضيان، فنحن أكثر ليلنا ونهارنا مجتمعان، وأهلي وغير أهلي قد أخذوا يتحدثون أحاديث غريبة شاذة عنا.

وسمعت صوت رجل يجيب، فإذا هو الفتى المتكلم المتحدث، وقد اندفع يتكلم بلهجة المستهتر الساخر، وقد أفلتت منه ضحكة قصيرة عجلى خاطفة، وكنت أعرف تلك الضحكة والنظرة التي تصحبها، ضحكة مستخفة ساخرة تخالطها قسوة.

قال: وهل تحفلين بما يقولون؟ وماذا يقولون؟ هلا نبئتني بأقاويلهم.

فمضت الفتاة عاثرة في منطقها تقول: إنهم يشيعون أنني تخليت عن الطبيب «ف»، وأننا خطيبان قد تمت بيننا الخطبة، وأنت تعلم يا عزيزي أنني سأتزوج به، وقد نبأتك بذلك من قبل، فهو صديق لأبي حميم، وقد تعاقدا على الخطبة في العام المنصرم، فأولى بنا أن نكف وأخلق بنا أن نزدجر، فإننا والله ظالمان لنفسينا، بل كلٌّ لصاحبه ظالم!

figure
وبدت على وجهه الناحل أثر الشهوة المسرفة.

فراح الفتى يناديها قائلًا: لو كنت حقًّا تحبينني ما جلست الساعة تنبئينني بأنك غدًا متزوجة برجل آخر … أواه! أنت تحبينني، وقد كاشفتني بالحب، والآن تريدين هجري ظلمًا وغدرًا!

فسمعتها تتوسل إليه قائلة: دعنا ننهي الأمر اليوم ونقطع فيه برأي فاصل، نعم، لنكف عما نحن فيه من الساعة وإن كان ذلك موحشًا أليمًا قاسيًا! ولكنه والله خير من إيلام نفسينا وأهون ألمًا …

فلم أستطع أن أسمع إذ ذاك ما غمغم به صوته واضطرب به منطقه، وأنا منصرف من المطعم في عجلة وقد اختلست نظرة إلى وجهه المكفهر، وعينيه المنكستين المفعمتين كمدًا وألمًا.

حقًّا لقد كان كلٌّ يحب صاحبه بكل قوى حياته، وكل وجدان نفسه، ولو أن فتاة أضعف منها كانت في مكانها لما استطاعت أن تقاوم حبه الطاغية الأخاذ المتغلب.

ولكنها بيديها القويتين، يديها اللتين جعلتا بعض الأحايين ترعشان على قوتهما وترتجفان، كانت ممسكة بأعنة العاطفة تحاول كبح جماحها، اتقاء الاسترسال مع الحب، والذهاب أبعد المذاهب في الهوى، حيث النسيان والنزق وحماقة الصبا. ولا عجب فإن فتاة مثلها، أوتيت تهذيبها وأدبها ورعاية أبويها، وأحيطت بالحب والنصيحة والإخلاص من جميع جهاتها، وأدركت جنة صاحبها بها، لا يعقل منها أن تثب الوثبة الخطرة، غير مقدرة مواقع خطوها، ولا حافلة بما يكلفها ذلك من ثمن.

وأكبر ظني أنه صحبها في ذلك المساء إلى دارها فكان وداعًا، لا لقاء بعده ولا اجتماع؛ لأنني سمعت صوته في حجرته وقد آذنت التاسعة وهو يتحدث إلى أمه حديث فؤاده، فقد مضى يتسخط على الحياة عامة، وعلى أغاليظ المجتمع وأكاذيب الدنيا واحتفال أهلها بالمال والحسب والنسب، وذهب في منتحب وسخط يقول لها: إنها والله لدنيا كاذبة، وعالم سافل منكر، يريد من الفتى أن يهب الفتاة التي ملكت عليه لبه في بداية أمرهما، ومهد حبهما، ما لم يستطعه أبوها إلا على فترة من السنين وحقبة طويلة من الأعوام.

وسكت لحظة وهو مطلق للدمع فيضه، ثم عاد يقول: ألا اعلمي يا أماه أنني لا أطيق صبرًا، ولن أحتمل عنها تخليًا ولها تركًا، إنها ملك فؤادي وهي بذلك عليمة خبيرة، يا عجبًا لها كيف تسول لها النفس تركي؟ وأي قلب قد من صخر قلبها! إنها تحبني ولا تجد للرجل الآخر حبًّا، ثم تأبى إلا أن تدعني للحب يحطمني! فخير والله أن أراها في الهالكين، ثم لا أراها لذلك الرجل زوجًا، بل لخير أن نموت معًا، فما نفع العيش إلى الثلاثين أو مرد التعمير إلى الخمسين، وقد تحطم الأمل، وتفتح في شغاف القلب جرح غير مندمل!

وسمعته ينشج وينتحب نشيج رجل ونحيبه، وإنه والله لنشيج مخيف! ونحيب كأنه زمجرة الوحش المعذب.

وطرق أذني صوت أمه وهي تؤاسيه وتحاول تخفيف الهم عنه، ثم ساد سكون … ولكني لم ألبث أن عدت أسمع وقع قدميه وهو من الحجرة منصرف، وطرقت أذني بعد ذلك حركة أمه وهي تخطو في الحجرة ذهابًا وجيئة، فبدأت خطى مترددات خفاف الوقع، ثم أخذت تسرع وتشتد، ثم تلاها سكون طويل وصمت مطلق …

وفي صبيحة اليوم التالي، وافانا الفتى وحده إلى مائدة الفطور لم تحضر والدته، وكان وجهه ممتقعًا، وعيناه متكسرتين متعبتين واتخذ إلى الخوان مجلسه صامتًا، وأقبل على طعامه واجمًا، ولكنه ما عتم أن التفت إلي قائلًا — وقد اجتذب ساعته من جيبه فتطلع إليها — عجبي لغيبة أمي! فقد ظننتها قبل مجيئي قد وافتكم إلى المائدة، فخير لي إذن أن أناديها.

ونهض عن المائدة فمشى إلى حجراتهما ولكنه لم يطل الغياب، بل عاد يقول: إنني من أمرها لفي عجب! إن باب مخدعها موصد، وعهدي بها لا تغير نظام عيشها قبل أن تخبرني بما تنتوي، وتنبئني بما عليه نجمع الرأي.

فمضيت معه إلى الباب فعالجناه، فإذا هو لا يزال موصدًا، فرُحت أقول في سكينة مجاهدة مصطنعة وإن كان فؤادي خافقًا واجمًا: أخشى أن تكون مريضة، فيحسن أن نقتحم عليها الباب.

وأنت أيها القارئ فلتسم إحساسي في تلك اللحظة نبوءة الوجدان، أو فلتدعه هاتفًا من هواتف النفس: أيًّا ما تدعوه؟ فقد شعرت بما نحن عما قليل واجداه خلف الباب الموصد.

كانت عيناها مغمضتين كأنها في نوم هادئ، وكان وجهها ساكنًا وإن لم يخل من أثر الضنى والجهد الأليم، فكأنه نوم النائم الحزين يلتمس في الغمض بلسم النسيان.

وبهت الفتى مما رأى وغشي الخطب القادح على لبه، فلم يصدق عينيه.

وقضيت طيلة هذا النهار بجانبه أواسيه وهو ينتحب ويرسل حشاشة نفسه دمعًا سخينًا على هذه الكارثة المباغتة الداهمة.

وفي أصيل ذلك اليوم جاءته الفتاة تشاطره الأسى، ولكن عناقاتها وكلمات الرثاء اللينة العذبة من فمها لم تذهب بحزنه، ولا وقعت في ذلك المجلس موقعها الماضي من حبة فؤاده، وقضى اليوم يلهج بذكر فضل أمه الراحلة، ويرسل في مديحها كلمات حارة لطالما كانت في الحياة تتوق لسماع طرف منها، وقد أدهشني من الفتى إدراكه فضل تلك الأم الرؤوم عليه، وعرفانه تضحياتها وحبها العميم المكين له … ولكنه راح يسأل نفسه ويسألني سحابة ذلك اليوم المحزن الأليم: ليت شعري لماذا فعلت ذلك؟ لماذا فعلته؟ لماذا ختمت الحياة على هذا النحو؟

وكان الجواب يحترق في حنايا فؤادي، ويزدحم في خاطري يريد خروجًا، ولكني أمسكت فلم أقل شيئًا …

وبذلك الحنان الذي أبدته تلك الأم في الحياة قد القت في يد ابنها بموتها تعويضًا عن خسارته … خمسة الآف من الجنيهات، فذلك هو القدر الذي كانت مؤمنة به على حياتها، فقضت لكي يكون هذا المال من بعدها حقه ينعم به.

وضرب الدهر بيننا، فرأيته بعد بضعة أعوام فإذا هو لا يزال في ريع الشباب، ولكن عينيه السوداوين قد أنطفأ منهما ذلك البريق السني، الذي كان يشع منهما قديمًا في نظرات بريئة صراح، وبدت على وجهه الناحل أثر الشهوة المسرفة على نفسها المتحاربة من ميادينها الفسيحة المترامية، فقد بدد ذلك المال كله ومضى يختلط بأهل الشر، ويركب للشهوات كل مركب …

إن أمه بتلك التضحية المجنونة الجسور قد أبعدت إلى الأبد من منال يده أمله الأكبر، ذلك الأمل الذي بذلت من أجله حياتها وعصارة نفسها؛ إذ لم تكد توسد الثرى حتى أخذت ألسنة السوء تشيع في المدينة أنها قد ضحت بنفسها ليصيب ابنها بموتها مبلغ التأمين على حياتها، ويصيب مع التأمين الهناءة والرغد. وسمعت الفتاة تلك بالقالة، فكأنما نهض بينها وبينه منذ ذلك اليوم جدار شاهق، وسد منيع لن يزول إلى الأبد.

وتزوجت «ب» الطبيب الذي خطبها، وكان آخر عهدي بها في المدينة منذ أعوام، فإذا في عينيها نظرة أليمة، ورنوة متكسرة هي أثر من أسى قديم هيهات أن يزول من الفؤاد، أو تمحو الأيام منه ذلك الأثر …!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠