الفصل الأول

بداية الأمر

لم يكونوا أطفالَ سكة حديدية في البداية. لا أظنُّ أنهم نظروا إلى السكك الحديدية قطُّ إلَّا باعتبارها وسيلةً تنقُلهم إلى مسرح ماسكلين آند كوك للألعاب السحرية، وعروض البانتومايم، وحدائق الحيوانات، ومتحف مدام توسو. لم يكونوا سوى أطفال عاديين من سكان الضواحي، وكانوا يعيشون مع أبيهم وأمهم في دارةٍ عاديةٍ يكسو واجِهتَها الطوبُ الأحمر، وفي بابها الأماميِّ زجاجٌ ملون، ولها ممرٌّ مكسوٌّ بالقرميد اسمُه الرُّواق، وبداخلها حمامٌ به ماءٌ ساخنٌ وبارد، كما كان فيها أجراسٌ كهربائية، ونوافذ فرنسية، وكثيرٌ من الطلاء الأبيض، و«جميع وسائل الراحة الحديثة» كما يقول سماسرةُ البيوت.

كانوا ثلاثة أطفال، وكانت روبيرتا أكبرهم. إن الأمهات بالطبع لا يُفضِّلن أحدَ أبنائهنَّ على غيره، لكنْ لو أنَّ أمهم فضلَتْ واحدًا منهم على البقية فربما كانت ستُفضل روبيرتا. بعد ذلك يأتي بيتر، الذي كان يتمنى أن يصبح مهندسًا عندما يكبر، وكانت أصغرهم فيليس، وكانت حسَنةَ النوايا إلى أبعد الحدود.

لمْ تكن أمهم تُنفِق وقتها كله في زياراتٍ مملَّةٍ لسيداتٍ مملَّات، ولا في الجلوس ببلادةٍ في منزلها تنتظر زيارات من سيداتٍ مملَّات. كانتْ حاضرةً طوال الوقت تقريبًا، على استعداد للعب مع الأطفال، والقراءة لهم، ومساعدتهم في عمل واجباتهم المنزلية. وكانت بالإضافة إلى ذلك تؤلِّف لهم قصصًا أثناء وجودهم في المدرسة، ثم تقرؤها عليهم بصوتٍ عالٍ بعد شرب الشاي، ودائمًا ما كانت تَنظم أبياتَ شعرٍ مسليةً من أجل أعياد ميلادهم ومناسباتٍ عظيمةٍ أخرى، مثل تعميد القطيطات الجديدة، أو إعادةِ تجهيز بيت الدمية بالأثاث، أو من أجل ذلك الوقت الذي كانوا يتعافَون فيه من مرض النُّكاف.

كان هؤلاء الأطفال الثلاثة المحظوظون دائمًا يحصلون على كل شيءٍ يحتاجونه؛ ملابس أنيقة، تدفئة جيدة، حجرة أطفال جميلة بها أكوامٌ من اللُّعب، ورق حائط يزدان برسومٍ من قصص الأطفال. كان لديهم مربيةُ أطفالٍ طيبةٌ مرِحة، وكلبٌ يُدعى جيمس، لمْ يشاركهم فيه أحد. كان لديهم كذلك أبٌ مثاليٌّ تمامًا، فلمْ يكن فظًّا ولا ظالمًا البتة، وكان مستعدًّا دائمًا للَّعب معهم. وعلى أقل تقديرٍ، إذا حدثَ في أيِّ وقتٍ من الأوقات أنْ لمْ يكن مستعدًّا، فإنه دائمًا ما يكون لديه مبررٌ قويٌّ لهذا، وكان يشرح مُبررَه للأطفال بطريقةٍ شائقةٍ ومُضحكةٍ جدًّا لدرجةٍ تجعلهم يتأكدون أنه لا يملك من أمره شيئًا.

سوف تظنون أنَّه من المفترض أنهم كانوا في غاية السعادة، وقد كانوا كذلك بالفعل، لكنهم لمْ يعلموا كَمْ كانوا سعداء حتى انتهتِ الحياةُ الجميلةُ في الدارة الحمراء إلى الأبد، واضطُروا إلى أن يعيشوا عيشةً شديدةَ الاختلاف فعلًا.

جاء التغييرُ المُفزِع مُفاجئًا تمامًا.

كان بيتر يحتفل بعيد ميلاده العاشر. كان بين هداياه الأُخرى قطارٌ لعبةٌ أروعُ من أيِّ شيءٍ ربما حلمتم به يومًا. كانت الهدايا الأخرى أخَّاذة الجمال، لكنَّ القطار كان أجمل من أي هديةٍ أخرى.

استمرَّ جمالُه كما هو لم يُفسِده شيءٌ مدةَ ثلاثة أيامٍ بالضبط. ثم، إما بسبب قلة خبرة بيتر أو بسبب نوايا فيليس الحسنة، والتي كانت مُلِحَّةً نوعًا ما، أو نتيجةً لسببٍ آخر؛ انفجر القطارُ فجأةً وأحدث دويًّا حادًّا. أُصيب جيمس بحالةٍ شديدةٍ من الذعر حتى إنه خرج من المنزل ولم يعد إليه طيلةَ النهار. تهشَّم كلُّ راكبي سفينة نوحٍ من الدُّمى التي كانت في عربة الماء والوقود من القطار، لكنْ لمْ يتضرر أيُّ شيءٍ آخر سوى القطار الصغير المسكين ومشاعر بيتر. قالت أختاه إنه بكى عليه؛ لكنَّ الأولاد في سن العاشرة لا يبكون بالتأكيد، مهما بلغَتْ فظاعةُ الأحداث المأساوية المتسببة في تجهُّمِ أقدارهم. لقد قال إن عينيه كانتا حمراوَين لأنه أُصيب بالبرد. واتضح أنَّ هذا كان صحيحًا، رغم أن بيتر لمْ يكن يعلم أنه كذلك عندما قاله، وفي اليوم التالي اضطُر إلى الذَّهاب إلى فراشه وملازمته. بدأت الأم تخشى من احتمال أن يكون قد أصابتْه الحصبة، لكنه جلس فجأةً في السرير وقال:

«إنني أكره الحساء، أكره ماء الشعير، وأكره الخبز واللبن. أريد أن أنهض وأن آكل طعامًا حقيقيًّا.»

سألته أمه: «ماذا تحب أن تأكل؟»

قال بيتر بتلهفٍ: «فطيرةَ حمام، فطيرةَ حمامٍ كبيرة؛ كبيرة جدًّا.»

وهكذا طلبتْ أمه من الطاهي أن يصنع فطيرةَ حمامٍ كبيرة. أُعِدتِ الفطيرةُ. وعندما أُعِدتِ الفطيرةُ، خُبِزتْ. وعندما خُبزت، تناول بيتر جزءًا منها. وبعد ذلك شُفي من البرد. نظَمتْ أمُّه أبياتًا من الشعر لتسليته بينما كانت الفطيرةُ تُصنَع. بدأتِ الأبياتُ بالتحدث عن بيتر وكم كان ولدًا تعيس الحظ لكنه كان جديرًا بالإعجاب، ثم جاء فيها:
كان القِطارُ لُعْبَةً
خَلَّابَةً في حُجْرَتِهْ
صِدْقًا لَكَمْ أَحبَّها
من رُوحِهِ ومُهجَتِهْ
وما تمنى قلبُهُ
إلَّا بَقَاءَ لُعبتِهْ
تجري على قُضبانِها
ما جارَ في أُمنيَّتِهْ

•••

وفي يومٍ أَيَا صَحْبِي
أعيروني مسامِعَكُمْ
فسوفَ أَقُصُّ أسوأَ ما
جرى وأَمَضَّ صاحبَكُمْ
نوى مِسمَارُ قاطرةٍ
على شيءٍ من الغدْرِ
وطار كطلقةٍ قُذفتْ
مسارعةً إلى الضُّرِّ
ففجَّرَ قلبَ مِرجَلِها
مُباغتةً بلا عُذْرِ

•••

بوجهٍ مُفْعَمٍ أَلَمًا
يَزيدُ الحُزنُ في غَمِّهْ
أتى وأقامَ لُعبتَهُ
وسارَ بها إلى أُمِّهْ
ولم يَرَ أنها حتى
ستعرفُ كيف تُصلحُهَا
ولكنْ قد أتى بالرغـ
ـمِ من هذا يُفاتِحُهَا

•••

ولم يعبأْ بمن هلكوا
على قُضبان لُعْبَتِهِ
فقد كان القطارُ حبيـ
ـبَهُ ورفيقَ بسمتِهِ
وما بلغوا جميعُهُمُ
نصيبًا من مكانتِهِ

•••

ترونَ الآنَ يا صحبي
لِمَ مرضَ الفتى بيترْ
وكيف يُزيلُ لوعَتَهُ
بصدرِ حمامةٍ فاخِرْ
ونصفِ فطيرةٍ نضجتْ
يعيشُ الخابِزُ الماهِرْ

•••

يلُفُّ جراحَ مُهجتِهِ
بأغطيةٍ هنا كُثْرِ
ويُدفِئُ نفسَهُ وينا
مُ حتى ساعةِ العصرِ
على عزمٍ يُبيِّتُهُ
بأنْ سيَجوزُ مِحنتَهُ
وسوف يُفيقُ منتصرًا
وسوف يُعيدُ بسمتَهُ

•••

ولو تحمرُّ عيناهُ
لَلَامَ عليهما البَرْدَا
هلمُّوا بالفطيرِ فلنْ
يَرُدَّ فطيرةً أبَدَا

كان والده في زيارةٍ للريف منذ ثلاثة أو أربعة أيام. كانت جميعُ آمال بيتر في مداواة قطاره المنكوب مُعلَّقةً في تلك اللحظة على والده؛ إذ كان ماهرًا بصورةٍ رائعةٍ في استخدام أصابعه. كان يستطيع إصلاح جميع الأشياء؛ فكثيرًا ما قام بدور الجراح البيطري للحصان الخشبي الهزاز؛ فقد أنقذ حياتَه ذات مرةٍ عندما باتتْ جميعُ إسعافات البشر ميئوسًا منها، ولمْ يَعُد ثَمة أملٌ في شفاء المخلوق البائس؛ حتى إن النجار قال إنه لا سبيل أمامه لفعلِ أي شيء. كما أن والده هو الذي أصلح مهدَ الدُّمية عندما عجز الآخرون؛ واستطاع بقليلٍ من الغِراء وبعض قطع الخشب الصغيرة وسكين جيبٍ أن يُثبِّتَ جميع حيوانات سفينة نوحٍ في دبابيسها بقوةٍ كما كانت من قبل تمامًا، إن لمْ يكن أقوى.

بإيثارٍ بطوليٍّ، لمْ يقُلْ بيتر أيَّ شيءٍ عن قطاره حتى انتهى والده من تناول غدائه وتدخين سيجاره الذي يدخنه بعد الغداء. كان الإيثارُ فكرةَ والدته؛ لكنَّ بيتر هو من نفَّذها. وقد احتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من الصبرِ أيضًا.

في النهاية قالت أمه لأبيه: «والآن يا عزيزي، إذا كنتَ قد أخذتَ كفايتك من الاسترخاء والراحة، فإننا نود أن نخبرك عن حادثة السكة الحديدية المروعة، وأن نطلب منك النصيحة.»

قال الأب: «حسنٌ، هاتا ما عندكما!»

وهكذا حكى بيتر الحكايةَ الحزينة، وأحضر ما تبقَّى من القطار.

فحص والدُه القطار فحصًا دقيقًا جدًّا، ثم راح يهمهم بصوتٍ خافتٍ دون أن يفتح شفَتَيه.

حبس الأطفالُ أنفاسهم وهم ينتظرون في قلق.

قال بيتر بصوتٍ خفيضٍ متهدج: «أمَا ثمة أمل؟»

قال الأبُ بابتهاج: «أمل؟ بالتأكيد! الكثيرُ منه، لكنَّ الأمرَ سيحتاج إلى شيءٍ ما بجانب الأمل؛ فلنقُل مثلًا: سيحتاج إلى شيءٍ من اللحام بواسطة النُّحاس أو بواسطة سبائك اللحام، وصمامٍ جديد. أظن أنه يجدر بنا أن نؤجله إلى أحد الأيام الماطرة. أو بعبارةٍ أخرى، سأُخصص له فترة العصر من يوم السبت القادم، وسوف تساعدونني جميعًا.»

سأل بيتر متشكِّكًا: «هل تستطيع البناتُ المساعدةَ في إصلاح القطار؟»

«بالتأكيد يستطعن. إن البنات في مثل ذكاء الأولاد تمامًا، وإياك أن تنسى هذا! إلى أيِّ مدًى تُحبين أن تصبحي سائقةَ قطارٍ يا فِل؟»

قالت فيليس بنبرةٍ خاليةٍ من الحماسة: «سيكون وجهي مُتَّسخًا طوال الوقت، أليس كذلك؟ وأعتقد أنني سأكسر أحد الأشياء.»

قالتْ روبيرتا: «أما أنا فسأحب هذا العمل. أتظن أنني سأستطيع ممارستَه عندما أكبر يا أبتِ؟ أو أن أُصبح مُذْكِيَةً حتى؟»

قال الأب وهو يشد القطار ويَلْويه: «تقصدين وقَّادة؟ حسنٌ، إذا ظلَّتْ هذه هي أمنيتَكِ عندما تكبرين، فسننظر في أمر جعْلِكِ وقَّادة. أذكر عندما كنتُ صغيرًا …»

في تلك اللحظة سُمِع طرقٌ على الباب الأمامي.

قال الأب: «من عساه يكون هذا؟! إن بيت الرجل الإنجليزي هو قلعتُه، لا شك في ذلك، لكنني أتمنى أن يبنوا داراتٍ شِبهَ منفصلةٍ عما حولها، تُحيطها خنادقُ الماء ويكون الدخول إليها عبر جسور متحركة.»

جاءت روث — وهي خادمةٌ حمراء الشعر كانت تُعْنى بأمر المائدة — وقالتْ إن ثمة سيدَين يريدان رؤية سيدها.

ثم قالت: «لقد أدخلتُهما غرفةَ المكتبة يا سيدي.»

قالت الأم: «أظن أنهما جاءا لأخذ مساهمتنا في هدية الشكر التي ستُقدَّم لراعي الأبرشية، أو من أجل المبلغ المخصص لإجازة جوقة المرنِّمين. تخلَّصْ منهما سريعًا يا عزيزي. لقد قاطعا ليلتنا، واقترب موعدُ نوم الأطفال.»

لكنْ لمْ يبدُ أنَّ الأب كان قادرًا على التخلص من السيدَين سريعًا على الإطلاق.

قالت روبيرتا: «ليت بيتنا كان محاطًا بخندقٍ مائيٍّ وله جسرٌ متحرك، كنَّا فقط سنسحب الجسر المتحرك عندما لا نرغب في استقبال أحد، وما كان أحدٌ سيستطيع الدخول حينئذٍ. أتوقع أن ينسى أبي ما كان سيقوله عن طفولته لو مكثا أكثر من هذا.»

حاولت الأم تزجيةَ الوقت بحكاية خرافية جديدة عن أميرةٍ خضراء العينَين، لكنَّ هذا لم يكن سهلًا؛ لأنهم كانوا يستطيعون سماع أصوات والدهم والسيدَين في المكتبة؛ فقد كان صوت والدهم مرتفعًا ومختلفًا عن الصوت الذي كان يتكلم به عادةً مع مَن يأتون من أجل هدايا الشكر أو أموال الإجازات.

حينئذٍ دُقَّ جرسُ المكتبة، وتنفس الجميعُ الصُّعَداء.

قالت فيليس: «سيُغادران الآن، لقد دق الجرس ليوصلهما أحدٌ إلى الخارج.»

لكن بدلًا من توصيل أيِّ أحدٍ إلى الخارج، دخلتْ روث عليهم، وبدتْ تصرفاتُها غريبةً، كما اعتقد الأطفال.

قالت روث: «من فضلكِ يا سيدتي، سيدي يريدكِ في حجرة المكتب. إنه شاحب كالموتى يا سيدتي؛ أظن أنه تلقَّى أخبارًا سيئة. يجدر بكِ أن تُهيِّئي نفسكِ لسماع الأسوأ يا سيدتي، ربما تُوفِّي أحد أفراد العائلة أو أفلس أحد البنوك أو …»

قالت الأم برفق: «يكفي هذا يا روث، يمكنكِ الانصراف.»

بعد ذلك دخلَت الأم حجرة المكتبة. وتواصل الكلام مرةً أخرى، ثم دُقَّ الجرس من جديدٍ، وأحضرتْ روث عربة أجرة. سمع الأطفال وقْعَ أحذيةٍ تخرج من البيت وتنزل على الدَّرَج الخارجي. انطلقتْ عربةُ الأجرة بعيدًا، وأُغلِق البابُ الأمامي، ثم دخلت الأم. كان وجهها الحبيب إلى قلوبهم في بياض ياقة فستانها البيضاء المصنوعة من الدانتيل، وبدَتْ عيناها شديدتَي الاتساع ولامِعتَين. بدا فمُها وكأنه مجرد خطٍّ أحمر باهت اللون؛ كانت شفتاها نحيلتَين ولمْ تكونا في هيئتهما الجميلةِ على الإطلاق.

قالت: «حان وقتُ النوم. ستأخذكم روث إلى مضاجعكم.»

قالت فيليس: «لكنكِ وعَدتِنا أن نسهر الليلةَ لأنَّ أبي عاد إلى المنزل.»

قالت الأم: «لقد استُدعي والدكم إلى مهمة عمل. هيا يا أحبتي، اذهبوا في الحال.»

قبَّلها الطفلان وانصرَفا. أما روبيرتا فتباطأت كي تُعانق أمها وتَهمس في أُذنها قائلةً:

«لمْ تكن أخبارًا سيئةً يا أمي، أليس كذلك؟ هل مات أحدٌ ما … أو …»

قالت الأمُّ وهي تكاد تدفع روبيرتا بعيدًا: «لمْ يمتْ أحدٌ … لا. لا يمكنني إخبارُكِ بأيِّ شيءٍ الليلةَ يا حبيبتي. اذهبي يا عزيزتي، اذهبي الآن.»

وهكذا انصرفتْ روبيرتا.

سرَّحتْ روث شعر البنتَين بالفرشاة وساعدتهما في تغيير ملابسهما. (كانت أمهما تفعل هذا بنفسها دائمًا تقريبًا.) وعندما خفضتْ ضوءَ المصباح الغازيِّ وتركتْهما وجدتْ بيتر منتظرًا على الدَّرج وهو لا يزال مرتديًا ملابسه.

سألها قائلًا: «أخبريني يا روث، ما الأمر؟»

أجابت روث ذاتُ الشعر الأحمر: «لا تسألني أي أسئلةٍ ولن أكذب عليك مطلقًا. سوف تعرف قريبًا جدًّا.»

في وقتٍ متأخرٍ من تلك الليلة صعدت الأم إلى أبنائها الثلاثة وقبَّلتهم جميعًا أثناء نومهم. لم توقظ القُبلةُ أحدًا سوى روبيرتا، لكنَّها ظلتْ ساكنةً، ولمْ تنطق بأي شيء.

حدَّثَت روبيرتا نفسها وهي تسمع ارتعاش أنفاس أمها في الظلام: «إذا كانت أمي لا تريدنا أن نعلم أنها كانت تبكي، فلن نعلم ذلك. انتهى الأمر.»

عندما نزلوا لتناول الإفطار في صباح اليوم التالي، كانت أمهم قد غادرتْ بالفعل.

قالت روث: «لقد ذهبتْ إلى لندن»، ثم تركتْهم لتناوُل إفطارهم.

قال بيتر وهو يكسر بيضته: «ثمة أمر فظيع. لقد قالت لي روث في الليلة الماضية إننا سنعرف كل شيء قريبًا جدًّا.»

قالت روبيرتا بازدراء: «هل سألتَها؟»

قال بيتر بغضب: «نعم، سألتُها! إذا كنتِ تستطيعين النوم دون اكتراثٍ لِما إنْ كانت أُمنا مهمومةً أم لا، فأنا لا أستطيع. وليكُن ما يكون!»

قالت روبيرتا: «لا أعتقد أنه يجدر بنا سؤالُ الخدم عن أشياء لمْ تخبرنا بها أمنا.»

قال بيتر: «هذا صحيحٌ يا داعية الفضيلة، وفِّري مواعظك.»

قالت فيليس: «أنا لستُ داعيةَ فضيلة، لكنْ أظن أن بوبي مُحقَّةٌ هذه المرة.»

قال بيتر: «بالتأكيد. إنها محقةٌ دائمًا؛ من وجهة نظرها.»

صاحت روبيرتا وهي تضع ملعقة كسر البيض من يدها: «أوه، كُفَّا عن هذا! فلنترفَّع عن الإساءة إلى بعضنا. أنا موقنةٌ أنَّ ثمة مصيبةً فظيعةً تحدث. فلا نَزِدْها نحن فظاعةً!»

قال بيتر: «من الذي بدأ، أخبريني؟»

تحاملتْ روبيرتا على نفسها، وأجابتْ:

«أنا من بدأتُ، على ما أعتقد، لكنْ …»

قال بيتر في زهو: «حسنٌ إذن.» لكن قبل أن يذهب إلى المدرسة لَكَمَ أختَه برفقٍ بين كتفَيها وطيَّبَ خاطرها.

عاد الأطفال إلى البيت لتناول وجبة غداء الساعة الواحدة، لكنَّ أمهم لمْ تكن هناك. ولمْ تأتِ كذلك وقتَ تناول الشاي.

كانت الساعةُ تقتربُ من السابعة عندما أتتْ إلى المنزل، وكانتْ تبدو مريضةً ومُتعَبةً للغاية لدرجة أن الأطفال شعروا أنه ليس بإمكانهم أن يسألوها أي أسئلة. ألقَت الأمُّ بنفسها على كرسيٍّ ذي ذراعَين. أخذت فيليس تُخرج الدبابيس الطويلةَ من قُبعتها، بينما نزعَتْ روبيرتا قُفازَيها، وحلَّ بيتر أربطةَ حذائها وأحضر لها خُفَّيها المخمليَّين الناعمَين.

بعدما تناولتْ أمهم فنجانًا من الشاي، ووضعتْ لها روبيرتا ماء الكولونيا على رأسها المسكين المصاب بالصداع، قالتْ:

«والآن يا أحبتي، أريد أن أخبركم بأمرٍ ما. إن هذَين الرجلَين جاءا بأخبارٍ شديدة السوء في الليلة الماضية، وسيغيب والدكم عن المنزل لبعض الوقت. إنني قلقةٌ جدًّا لهذا الأمر، وأريدكم جميعًا أنْ تساعدوني، وألَّا تُصعِّبوا الأمور عليَّ.»

قالت روبيرتا وهي تضع يدَ أمها على وجهها: «وهل يُعقَل أن نُصعب الأمور عليكِ!»

قالت الأم: «يمكنكم أن تساعدوني مساعدةً كبيرةً جدًّا إذا أحسنتم التصرف وتحلَّيتم بالرضا وامتنعتم عن الشجار أثناء غيابي» — تبادل كلٌّ من روبيرتا وبيتر نظراتٍ مِلؤها الإحساس بالذنب — «لأنني سأُضطَر إلى التغيب عنكم مدةً طويلة.»

قال الجميع: «لن نتشاجر. بالتأكيد لن نفعل.» وقد عزموا بالفعل على ألَّا يتشاجروا.

تابعت الأم حديثها قائلةً: «ما دام الأمر كذلك، فإنني أطلب منكم ألَّا تسألوني أي أسئلةٍ عن هذه المشكلة؛ وألَّا تسألوا أيَّ أحدٍ آخر كذلك.»

انكمش بيتر خوفًا وأخذ يجر حذاءه على السجادة.

قالت الأم: «سوف تَعِدني بذلك أنت أيضًا، أليس كذلك؟»

قال بيتر فجأةً: «لقد سألتُ روث، أنا آسفٌ جدًّا، لكنني فعلت.»

«وماذا قالتْ؟»

«قالت إنني سأعرف قريبًا جدًّا.»

قالت الأم: «لا يلزمُكم أن تعرفوا أيَّ شيءٍ عن الأمر، إنه متعلِّقٌ بالعمل، وأنتم لا تفهمون أمور العمل على الإطلاق، أليس كذلك؟»

قالت روبيرتا: «بلى. هل هو أمر متعلقٌ بالحكومة؟» لأن أباهم كان يَشغل منصبًا حكوميًّا.

قالت الأم: «نعم. والآن حان وقت النوم يا أحبتي. ولا تقلقوا. سيُصبح كلُّ شيءٍ على ما يُرام في نهاية الأمر.»

قالت فيليس: «إذن، لا تقلقي أنتِ أيضًا يا أمي. وسنكون أطوعَ لكِ من خاتمك.»

تنهَّدتْ أمهم ثم قبَّلتْهم جميعًا.

قال بيتر وهم يصعدون إلى الطابق العلوي: «سيكون تحسينُ سلوكنا أوَّلَ شيءٍ نبدأ بفعله في صباح الغد.»

قالت روبيرتا: «ولِمَ لا يكون ذلك الآن؟»

قال بيتر: «ليس ثمة ما نُحسِّن سلوكنا فيه الآن أيتها الحمقاء.»

قالت فيليس: «يمكننا أن نبدأ بالسعي إلى اكتساب مشاعر طيبة، وعدم ترديد الشتائم.»

قال بيتر: «من هذا الذي يردد الشتائم؟ إن بوبي تعلم تمامًا أنني عندما أقول «حمقاء»، فكأنني أقول بوبي.»

قالت روبيرتا: «حسنٌ.»

«لا، أنا لا أقصد ما تقصدين. إنما أقصد أنها فقط — ماذا يُسميها أبي؟ — فاتحةٌ للتودد! طابت ليلتُك.»

بالَغتِ البنتان في إتقانِ طيِّ ملابسهما؛ وكانت هذه الطريقة الوحيدة التي رأَتا أنه يمكنهما من خلالها أن تُحسِّنا سلوكهما.

قالت فيليس وهي تُسوي مريلتها: «أخبريني، لقد كنتِ من قبل تقولين إنَّ حياتنا مملة جدًّا؛ وإنه ما من شيءٍ يحدث، كالذي نقرؤه في الكتب. والآن لقد حدث شيءٌ ما بالفعل.»

قالت روبيرتا: «ما تمنيتُ قطُّ أن يحدث ما يُحزنُ أمي. لقد أصبح كلُّ شيءٍ سيئًا للغاية.»

ظلَّ كلُّ شيءٍ في غاية السوء لبضعة أسابيع.

كانت الأم تخرج طوال الوقت تقريبًا. كانت الوجباتُ مملةً وبغيضة. فُصِلت الخادمةُ المساعدةُ من العمل، وجاءت الخالة إيما في زيارة لهم. كانت الخالةُ إيما تَكْبر أمَّهم بكثيرٍ. كانتْ مسافرةً إلى الخارج للعمل مربية. وكانت مشغولةً للغاية بتجهيز ملابسها، وكانت ملابسها هذه قبيحةً ورثَّةً جدًّا، ودائمًا ما كانت تُبعثِرها في كل مكان، وكانت آلة الخياطة لا تكاد تكف عن الأزيز طوال النهار ومعظم الليل. كانت الخالةُ إيما تعتقد بوجوب إبقاء الأطفال في أماكنهم المناسبة. أما الأطفال فقد قابلوا معروفها هذا بأكثرَ منه. كانوا يرون أن أنسب مكانٍ للخالة إيما هو أي مكانٍ لا يكونون هم فيه؛ لذا فنادرًا ما كانوا يرونها. كانوا يُفضِّلون صحبة الخدم، الذين كانوا أكثر إبهاجًا من خالتهم. فإذا ما كان الطاهي في مزاجٍ جيدٍ، فربما يُغنِّي أغانيَ مُضحكةً، وإذا كانت الخادمة غيرَ منزعجةٍ منكَ فربما تُقلد الدجاجة حينما تضع بيضةً، أو تقلد صوت فتح زجاجة النبيذ، أو تَموء مثل قِطَّتَين تتشاجران. لم يتحدث الخدم إلى الأطفال قطُّ بحقيقة الأخبار السيئة التي جاء بها السيدان إلى أبيهم. لكنَّهم ظلوا يُلمِّحون إلى أنه يمكنهم قولُ الكثير إذا أرادوا ذلك؛ ولم يكن هذا مُطَمْئِنًا.

ذات يومٍ عندما نَصَبَ بيتر شَرَكًا عابثًا من دلوِ ماءٍ فوق باب الحمام، وانسكبَ الدلو فوق رأس روث مباشرةً أثناء مرورها من الباب، أمسكتْ به تلك الخادمةُ ذات الشعر الأحمر ولطَمتْ أُذنَيه.

وقالتْ بحَنَق: «ستكونُ نهايتك سيئةً، أيها اللعين المؤذي! إذا لمْ تُحسن سلوكك فستذهب إلى حيث ذهب أبوك الغالي، هكذا أُخبِرك بصراحة!»

أعادت روبيرتا هذا الكلام على والدتها، وفي اليوم التالي طُرِدتْ روث من المنزل.

ثم جاء يومٌ عادتْ فيه الأم إلى المنزل وذهبتْ إلى فراشها ومكثتْ فيه يومَين حتى زارها الطبيب، وراح الأطفالُ يمشون متثاقلين بائسين في أرجاء المنزل، ويتساءلون إنْ كانت الدنيا قد أوشكت على الزوال.

وفي صباح أحد الأيام نزلتْ أمهم لتناول الإفطار، وكانت شاحبةً للغاية وفي وجهها خطوطٌ لمْ تكن فيه من قبل. وابتسمتْ أفضل ابتسامةٍ قدرتْ عليها، ثم قالت:

«والآن يا أحبائي، لقد حُسِم كلُّ شيء. سوف نترك هذا المنزل، وسنعيش في الريف. إنه بيت صغير لطيف أبيض اللون ورائع للغاية. أنا متأكدة أنكم ستُحبونه.»

مرَّ بعد ذلك أسبوع سريع من حزْمِ الأمتعة؛ ليس فقط حزم الملابس، مثلما تفعلون عند ذهابكم إلى الشاطئ، لكنْ أيضًا حزم المقاعد والمناضد، التي كانت أسطُحُها تُغطَّى بالخيش وأرجلها تُكسَى بالقش.

كانوا يحزمون جميع الأشياء التي لا تحزمونها عند ذهابكم إلى الشاطئ؛ الأواني الفخارية، والبطانيات، والشمعدانات، والسجاجيد، وهياكل الأسِرَّة، والقُدُور، وحتى حواجز المِدْفأة، وأدوات الموقد الحديدية.

كان البيتُ أشبه بمخزنٍ للأثاث. أعتقد أن الأطفال استمتعوا بالأمر للغاية. كانت الأم من قبل مشغولةً جدًّا، لكنها لم تعد في ذلك الوقت بتلك الدرجة من الانشغال التي تمنعها من الحديث إليهم، والقراءة لهم، وحتى تأليف قليلٍ من الشعر من أجل فيليس لإبهاجها؛ بعدما سقطتْ وهي تُمسِك مِفكًّا وغرزتْه في يدها.

سألت روبيرتا، مُشيرةً إلى الخِزانة الجميلة المُطعَّمةِ بالنحاس الأصفر وأشكال باللون الأحمر تشبه قوقعة السلحفاة الحمراء: «ألنْ تحْزمي هذه يا أمي؟»

قالت الأم: «لا يمكننا أخذُ كل شيء.»

قالت روبيرتا: «لكننا نكاد نأخذ كل الأشياء القبيحة.»

قالت الأم: «نحن نأخذ الأشياء النافعة. علينا أن نتظاهر أننا فقراء قليلًا من الوقت يا صغيرتي.»

عندما حُزمتِ الأغراضُ القبيحة النافعةُ كلُّها، ووضعها رجالٌ يرتدون مرايل من جوخٍ أخضرَ في عربةٍ من عربات نقلِ الأمتعة وأخذوها بعيدًا، نامتِ البنتان وأمهما والخالةُ إيما في الغرفتَين الاحتياطيتَين المجهَّزتَين بأثاثٍ كلُّه جميل. كانت أسِرَّتُهم جميعها قد رحلتْ. وصنعوا لبيتر فِراشًا فوق أريكة غرفة الاستقبال.

قال بيتر وهو يتلوى في ابتهاجٍ، بعدما وضعتْه أمه في فراشه الوثير: «أرى هذا مُمتعًا. إنني أُحب الانتقال! ليتنا ننتقلُ إلى سكنٍ جديدٍ في كل شهرٍ مرة.»

ضحكت الأم.

وقالت: «لكنني لا أُحبه! طابتْ ليلتُك يا عزيزي بيتر.»

وبينما كانت تهم بالانصراف رأتْ روبيرتا وجهها؛ لمْ تُمحَ هيئتُه من ذاكرتها مطلقًا.

همستْ روبيرتا لنفسها وهي تتخذ مضجعها: «ما أعظمكِ يا أمي! كمْ أنتِ شجاعة! كمْ أُحبكِ يا أمي! كم هو عجيبٌ تحلِّيكِ بالشجاعة كي تضحكي وأنتِ في هذه الحالة!»

في اليوم التالي ملَئوا بعض الصناديق بأمتعتهم، ثم ملَئوا غيرها وغيرها؛ ثم في آخر النهار جاءت عربةُ أجرةٍ لتأخذهم إلى المحطة.

وقفتِ الخالةُ إيما تُودِّعهم؛ لكنهم شعروا أنهم هم الذين كانوا يُودِّعونها، وكانوا سعداء بهذا.

همستْ فيليس قائلةً: «لكن، يا لأولئك الأطفال الأجانب المساكين الذين ستصبح حاضنتهم! لم أكن لأصبح في مكانهم بأي حالٍ من الأحوال!»

كانوا مستمتعين في البداية بالنظر من النافذة، لكن عندما بدأ الغسقُ ينشر ظلمته أخذ النعاسُ يتملَّكهم أكثر فأكثر، ولا أحد يدري كم مكثوا في القطار قبل أن يستيقظوا على يدِ أمهم وهي تهزهم برفقٍ، وتقول:

«استيقظوا يا أحبتي. لقد وصلنا.»

استيقظ الأطفال من نومهم فأحسوا ببردٍ وانقباض، ووقفوا يرتجفون على رصيف المحطة المُعرَّض لتيارات الهواء بينما راح الحمالون يُنزِلون حقائبهم من القطار. ثم بدأ المُحرك يعمل من جديدٍ، مطلِقًا نفثاتٍ من الدخان وأصوات صفير، وسُحب القطار بعيدًا. وقف الأطفال يشاهدون الأضواء الخلفية للعربة الأخيرة وهي تختفي في الظلام.

كان هذا أول قطارٍ يراه الأطفال في خط السكة الحديدية ذاك، والذي سيصبح بمرور الوقت عزيزًا جدًّا على قلوبهم. لم يخطر ببالهم في ذلك الوقت كيف سيحبُّون السكة الحديدية، وكيف ستصبح خلال وقتٍ قصيرٍ محورَ حياتهم الجديدة، ولا خطر ببالهم كذلك ما ستتسبَّب لهم فيه من التغييرات والأعاجيب. كانوا فقط يرتجفون ويعطسون ويأملون ألَّا يطول بهم المسيرُ إلى المنزل الجديد. كان أنف بيتر أبرد من أي وقتٍ مضى. الْتَوتْ قبعةُ روبيرتا، وبدا شريطُها المطاطيُّ أضيق من المعتاد. أما فيليس فقد انحلَّ رباطُ حذائها.

قالت أمُّهم: «هيا، علينا أن نسير. لا توجد أي عربات أجرة هنا.»

كان الطريق مظلمًا وموحلًا. تعثَّر الأطفالُ قليلًا في الطريق غير الممهد، وسقطتْ فيليس مرةً دون أن تنتبه في بركة ماءٍ صغيرةٍ موحلة، وأخرجتها أمها مبللةً مستاءة. لم يكن ثمة مصابيح غاز في الطريق، وكان الطريق متجهًا إلى أعلى. كانت عربةُ الحمالين تمضي بسرعة السير على الأقدام، وكانوا يسيرون خلف خشخشة عجلاتها الشبيهة بصوت انسحاق الرمال الخشنة. عندما اعتادتْ أعينهم على الظلام، تمكَّنوا من رؤية كومة الصناديق تتأرجح في العتمة أمامهم.

اضطُرَّ الحمَّالون إلى فتح بوابةٍ عريضةٍ كي تمرَّ خلالها عربتُهم، ثم أخذ الطريق بعد ذلك يمتد عبر الحقول؛ وهُنا راح مسارُه يتجه إلى الأسفل. بعد قليلٍ ظهر شيءٌ ضخمٌ متكتلٌ جهة اليمين.

قالت الأم: «ها هو ذا المنزل. تُرى لِمَ أغلَقتْ مصاريع النوافذ؟»

سألتْ روبيرتا: «مَن هي؟»

«المرأةُ التي استأجرتُها لتنظف المكان وتنظم الأثاث وتُعِد العَشاء.»

كان ثمةَ سورٌ منخفضٌ، وأشجارٌ بالداخل.

قالت الأم: «هذه هي الحديقة.»

قال بيتر: «إنها تبدو أشبه بمقلاةٍ مليئةٍ بقطع الكرنب السوداء.»

سارت العربةُ بمحاذاة سور الحديقة، واستدارت إلى الجهة الخلفية من المنزل، وهناك أخذت تقرقع فوق فناءٍ مرصوفٍ بالحصى حتى توقفتْ أمام الباب الخلفي.

لم يكن ثمة ضوءٌ يُشِع من النوافذ.

راحوا جميعًا يطرقون الباب مرةً بعد أخرى، لكنْ لمْ يظهر أحد.

قال سائق العربة إنه يتوقع أن تكون السيدة فايني قد عادتْ إلى بيتها.

وأضاف: «لقد كان قطاركم متأخرًا للغاية.»

قالت الأم: «لكنَّ المفتاح معها. كيف نتصرف الآن؟»

قال سائق العربة: «أوه، لا بد أنها ترَكتْه تحت عتبة الباب، هكذا يفعل الناس في هذه الأنحاء.» ثم أخذ المصباح من عربته وانحنى به.

وقال: «نعم، ها هو ذا، بالتأكيد.»

فتح السائق الباب ودخل إلى المنزل ووضع مصباحه على الطاولة.

وقال: «أما من شمعةٍ هنا؟»

قالت الأم في نبرة أقلَّ ابتهاجًا؛ على خلاف عادتها: «لا أعرف مكانَ أي شيء.»

أشعل الرجل عود ثقاب. كانت ثمة شمعةٌ على المنضدة، فأشعلها. على ضوئها الواهن المرتجف رأى الأطفال مطبخًا كبيرًا فارغًا ذا أرضيةٍ حجرية. لم يكن ثمة ستائرُ، ولا بساطٌ أمام الموقد. كانت منضدة المطبخ التي جلبوها من المنزل شاخصةً في منتصف الغرفة. كانت المقاعدُ في أحد الأركان، وكانت الأوعية، والقُدور، والمكانس، والأواني الفَخَّارية في ركنٍ آخر. لم يكن ثمة نار، وكان حاملُ وقودِ المدفأة الأسودُ يحمل بقايا رمادٍ باردٍ ميِّت.‎

عندما أدار سائق العربة ظهره ليخرج من المنزل بعدما أدخل الصناديق، سمعوا صوت خشخشة يتنقل بخفَّةٍ وقد بدا أنه قادمٌ من داخل حوائط المنزل.

صرخت الفتاتان: «أوه، ما هذا؟»

قال سائق العربة: «إنما هي الجرذان.» ثم غادر وأغلق الباب، لكنَّ تيار الهواء المفاجئ الذي أحدثه إغلاق الباب أطفأ الشمعة.

قالت فيليس: «يا إلهي، ليتنا لمْ نأتِ!» ثم ارتطمتْ بأحد المقاعد وأسقطتْه على الأرض.

قال بيتر في الظُّلْمة: «إنما هي الجرذان!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠