الفصل الثاني

مَنجم بيتر

قالت الأم، في الظلام، وهي تتحسس مكان أعواد الثقاب على المنضدة: «هذا مثير! ما أشدَّ ما أصاب الفئران المسكينة من رعب؛ لا أصدق على الإطلاق أنها كانت جرذانًا.»

أشعلتْ عود ثقابٍ وأضاءت الشمعة من جديد وأخذ الجميع ينظر بعضهم إلى بعض على ضوئها المتذبذب المرتعش.

وقالت: «حسنٌ، لطالما أردتم حدوث شيءٍ ما، وها هو ذا قد حدث. إنها مغامرةٌ مثيرةٌ بحق، أليس كذلك؟ لقد طلبتُ من السيدة فايني أن تأتينا ببعض الخبز والزبد، واللحم وهذه الأشياء، وأن تُجهِّزَ لنا العَشاء. أظن أنها أعدَّتْه في غرفة المائدة. فلنلقِ نظرةً هناك إذن.»

كان لغرفةِ المائدة مدخلٌ من المطبخ. بدَت الغرفةُ أكثرَ ظلمةً بكثيرٍ من المطبخ عندما دخلوها بالشمعة الوحيدة التي معهم؛ لأن المطبخ كان مطليًّا باللون الأبيض، أما غرفة المائدة فكانت مكسوةً بالخشب القاتم اللون من الأرضية حتى السقف، كما كانت تقطع السقفَ عوارضُ خشبيةٌ سوداء. كان ثمة متاهةٌ مربكةٌ من الأثاث المغبَرِّ؛ أثاث غرفة الإفطار الذي أتوا به من المنزل القديم الذي قضَوا به سنوات حياتهم كلها. بدا لهم أنه قد مر على ذلك وقتٌ طويلٌ جدًّا، وأنه قد صار بعيدًا جدًّا.

كانت المنضدةُ هناك من دون شك، وكان ثَمة مقاعد، لكنْ لم يكن ثمة عَشاء.

قالت الأم: «لننظر في الغرف الأخرى.» وأخذوا ينظرون فيها. في كل غرفة كان الأثاث مرتبًا بالطريقة العشوائية المنقوصة نفسها، وكانت أدوات الموقد والآنية الفخارية، وجميع أنواع النثريات ملقاةً على الأرضية، لكنْ لم يكن ثمة ما يأكلونه؛ حتى في غرفة تخزين الطعام ولوازم البيت لم يكن هناك سوى قِدرٍ صدئٍ من قدور خَبز الكعك وطبقٍ مكسورٍ استُخدِم لمزج طِلاء جيري أبيض.

قالت الأم: «يا لها من عجوزٍ شنعاء! لقد سرقتِ المال وحسب، ولمْ تُعِدَّ لنا أيَّ شيءٍ نأكله على الإطلاق.»

سألت فيليس، في خيبة أملٍ، وهي تخطو إلى الخلف وتطأ بقدمها حاملَ صابونٍ تشقَّقَ في الحال: «إذن ألن نتناول أيَّ عشاءٍ على الإطلاق؟»

قالت أمها: «أوه، بلى. لكنَّ هذا سيتطلبُ فقط أن نفتح واحدًا من تلك الصناديق الكبيرة التي وضعناها في القبو. فِل، انتبهي لموضع قدمكِ، لو تكرمتِ. بيتر، أمسِك الشمعة.»

كان للقبو بابٌ في المطبخ. كان ثمة خمس درجاتٍ خشبيةٍ تؤدي إلى الأسفل. لم يكن قبوًا جيدًا على الإطلاق، هكذا رأى الأطفال؛ لأن ارتفاع سقفه كان مساويًا لارتفاع سقف المطبخ. كان يتدلى تحت سقفه رفٌّ لتجفيف اللحم. كان به خشبٌ، وفحم. كما كانت الصناديقُ الكبيرةُ هناك.

أمسك بيتر الشمعة، ووقف الجميع في جانبٍ واحد، بينما حاولت الأم فتح صندوق التعبئة الكبير؛ لكنه كان محكَم الإغلاق بالمسامير.

سأل بيتر: «أين المطرقة؟»

قالت الأم: «هذه تحديدًا هي المشكلة. أخشى أنها داخل الصندوق. لكن ها هنا جاروفَ فحم؛ ويوجد كذلك قضيبُ تحريك النار المستخدم في المطبخ.»

وراحتْ تحاول باستخدام هذَين أن تفتح الصندوق.

«دعيني أفتحه أنا.» هكذا قال بيتر، معتقدًا أن بإمكانه أن يفعلها هو بطريقةٍ أفضل. كل واحدٍ يظنُّ ذلك عندما يرى شخصًا آخر يوقد نارًا، أو يفتح صندوقًا، أو يحل عقدةً في حبل.

قالت روبيرتا: «ستجرحين يدَيكِ يا أمي. دعيني أنا أفتحه.»

قالت فيليس: «ليتَ أبي كان هنا. كان سيفتحه بهزَّتَين. لماذا تركلينني يا بوبي؟»

قالت روبيرتا: «لم أفعل.»

في هذه اللحظة تحديدًا بدأ أول المسامير الطويلة المثبَّتة في صندوق التعبئة يخرج منه مُحدِثًا صوت قرقعة. ثم بعد ذلك رُفِعتْ إحدى شرائحه الخشبية تلتها شريحةٌ أخرى، إلى أن انتصبت الشرائح الخشبية الأربع كلها والمسامير الطويلة المثبتة فيها تلمع بشدةٍ كأسنان حديدية في ضوء الشمعة.

قالت الأم: «مرحى! ها هي ذي بعض الشموع؛ أول شيءٍ على الإطلاق! اذهبا أيتها البنتان وأشعلاها. ستجدان بعض أطباق الفناجين وما شابهها. فقط اسكبا قليلًا من زيت الشمعة على الطبق وثبِّتا الشمعة فوقه.»

«كم شمعةً نُشعِل؟»

قالت الأم في ابتهاجٍ: «بقدر ما تُحبان. المهم هو الشعور بالبهجة. ما من مخلوق يمكن أن يشعر بالبهجة في الظلام سوى البوم والزُّغْبات.»

وهكذا أشعلَت الفتاتان الشموع. طار رأس عود الثقاب الأول والْتصق بإصبع فيليس؛ لكنه، كما قالت روبيرتا، لم يُسبِّب إلا حرقًا يسيرًا، وقالت لها أيضًا إنها ربما كانت ستُصبح شهيدةً رومانية ويُحرَق جسمُها كله لو تصادف وعاشت في الأيام التي كانت تلك الأشياءُ شائعةً فيها.

بعد ذلك، وعندما أُضيئتْ غرفةُ المائدة بأربع عشرة شمعةً، أحضرتْ روبيرتا فحمًا وخشبًا وأشعلتْ نارًا.

قالت، وهي تشعر بمدى نُضج كلامها: «إن الجو أبردُ مما ينبغي أن يكون في شهر مايو.»

جعل كلٌّ من ضوء النار وضوء الشموع غرفةَ المائدة تبدو مختلفةً تمامًا؛ إذ أصبح في إمكان الناظر حينها إدراكُ أن الحوائط المعتمةَ كانت مكسوةً بالخشب، وأن أجزاء متفرقة منها منقوشة بأطواقٍ وأكاليل زهور صغيرة.

أسرعت الفتاتان بترتيب الغرفة، وكان هذا بالنسبة إليهما يعني وضع المقاعد في مقابل الحائط، وتكديس جميع النثريات في أحد أركان الغرفة وتوريتها جزئيًّا بالمقعد الجلدي الكبير ذي الذراعَين الذي اعتاد والِدهم أن يجلس عليه بعد الغداء.

صاحت الأم، وهي داخلةٌ إلى الحجرة ومعها صينيةٌ مليئةٌ ببعض الأشياء: «أحسنتما! هذا قريبٌ من المراد! سأُحْضر فقط مِفرشًا للمائدة ثم …»

كان مفرش المائدة داخل صندوقٍ ذي قُفلٍ جيدٍ يُفتَح بمِفتاحٍ وليس بجاروف، وعندما بُسِط المفرش على المائدة، وُضِعتْ فوقه وليمةٌ حقيقية.

كانوا جميعًا مُنهَكين لأقصى حد، لكنَّهم ابتهجوا جميعًا لرؤية العَشاء الممتع المُبهِج. كان يوجد بسكويت عادي، من نوع ماري، وسمك سردين، وزنجبيلٌ معلَّب، وزبيب الطهو، وقشر البرتقال المسكر، ومربى المرملاد.

قالت أمهم: «إنه لأمرٌ جيدٌ للغاية أنْ وضعَت لنا الخالةُ إيما داخلَ الصناديق كلَّ النثريات التي كانت في خِزانة المؤن. انتبهي يا فِل، لا تضَعي ملعقة مربى المرملاد داخل علبة السردين.»

قالت فيليس: «لا، لن أفعل يا أمي.» ثم وضعَتْها بين قطع البسكويت.

قالت روبيرتا فجأةً: «فلنشرب نخب الخالة إيما. ماذا كنا سنفعل لو لمْ تُعبِّئ لنا هذه الأشياء في الصناديق؟ في صحة الخالة إيما!»

كان نخب الخالة إيما عبارة عن شراب الزنجبيل والماء، وقد وُضِع في فناجين شايٍ منقوشة بأشجار الصفصاف؛ لأنهم لم يستطيعوا العثور على الكئوس.

أحسُّوا جميعًا أنهم كانوا قُساةً بعض الشيء مع الخالة إيما. لمْ تكن شخصًا لطيفًا وَدودًا تشعر فيها بحنان الأم، لكنها برغم كل شيء هي التي فكرتْ في أن تُعبئ لهم تلك الأطعمة المتنوعة ليتناولوها.

كانت الخالة إيما أيضًا هي التي هوَّتْ جميع ملاءات الأَسِرَّة وجهَّزَتْها للاستخدام؛ وكان الرجال الذين نقلوا الأثاثَ قد وضعوا هياكل الأَسِرَّة في مكانٍ واحد؛ لذا أصبحت الفُرُش جاهزةً للنوم خلال وقتٍ قصير.

قالت الأم: «طابتْ ليلتكم يا أحبتي. أنا واثقةٌ أنه لا توجد أي جرذان. لكنني سأتركُ باب حجرتي مفتوحًا، فإذا ما جاء فأرٌ، فليس عليكم سوى أن تَصرخوا، وسآتي لأُلقِّنه درسًا قاسيًا لن ينساه.»

بعد ذلك ذهبَتْ إلى غرفتها. استيقظَتْ روبيرتا فسمعت الساعة الصغيرة التي تُستخدَم عند الأسفار وهي تدق معلنةً الثانية. كان صوتُها أشبهَ بصوت ساعة كنيسة قادمٍ من بعيدٍ جدًّا، هكذا كانت تتخيله دائمًا. وسمعتْ كذلك أمها، وكانت لا تزال تتجول في غرفتها.

في صباح اليوم التالي شدَّتْ روبيرتا شعر فيليس برفقٍ لتوقظها، لكنها شدتْه جيدًا بما يكفي لأداء غرضها.

سألت فيليس، وهي لا تزال في غمرة النوم تقريبًا: «ما الأمر؟»

قالت روبيرتا: «استيقظي! استيقظي! نحن في المنزل الجديد؛ ألا تذكرين؟ لا يوجد خدمٌ أو أي شيء. هيا لننهض ولتكن لنا فائدة. سوف نزحف إلى الأسفل في هدوء الفئران، ونجعل كل شيءٍ يبدو جميلًا قبل أن تستيقظ أمُّنا. لقد أيقظتُ بيتر. سوف يرتدي ملابسه حالما نفعل نحن.»

وهكذا ارتدَتا ملابسهما بسرعةٍ وهدوء. بالطبع لم يكن يوجد ماء في حجرتهما؛ لذلك عندما نزلتا إلى الأسفل راحتا تتنظفان تحت فُوَّهة مِضخة الماء اليدوية الموجودة في الفناء بالقدر الذي رأَتا أنه ضروري. كانت واحدة تضخ الماء والأخرى تتنظف. كان رذاذ الماء يغمرهما لكنهما كانتا مستمتعتَين.

قالت روبيرتا: «هذا أكثر متعةً بكثيرٍ من الاغتسال على الحوض. كم هي زاهية الأعشاب التي بين الأحجار، والطحالب التي على السطح؛ أوه، والأزهار!»

كان سطح المطبخ الخلفيِّ منحدرًا بشدة إلى الأسفل. كان مصنوعًا من القصب وكانت الطحالب تكسوه، وكان يوجد في الركن البعيد نباتاتُ حرشف السطح وحي العالم والمنثور الأصفر، حتى إنه كان فيه لفيفٌ من أزهار السوسن البنفسَجية.

قالت فيليس: «إن هذا أجمل بكثير جدًّا جدًّا جدًّا من دارةِ إيدجكومب. تُرى كيف ستكون نباتات الحديقة!»

قالت روبيرتا بحماس جاد: «يجب ألا نفكر في الحديقة الآن. هيا لندخل إلى المنزل ولنبدأ العمل.»

أوقدت البنتان النار ووضعَتا غلاية الشاي عليها، وأعدَّتا الآنية الخزَفية من أجل الإفطار؛ لم تَعثرا على الأشياء المناسبة كلها، لكنَّ مرمدةً زجاجيةً قامت بوظيفة مملحة المائدة بطريقةٍ ممتازة، وبدا قالب خَبزٍ جديد نسبيًّا صالحًا لوضع الخُبز عليه، إذا كان هناك أيُّ خُبز.

عندما بدا لهما أنه ليس ثَمَّ مزيدٌ ما يمكنهما عمله، خرجتا من جديدٍ إلى الصباح النقي المشرق.

قال بيتر: «سندخل الحديقة الآن.» لكنهم بطريقةٍ ما لم يستطيعوا العثور على الحديقة. راحوا يدورون حول البيت مرةً بعد مرة. كان الفناء يحتل الجهة الخلفية من المنزل، وكان فيه إصطبلاتٌ ومبانٍ إضافية. أما على الجهات الثلاث الأخرى، فقد كان المنزل يقع ببساطة داخل حقل، دون حديقةٍ تفصله عن العُشب القصير الناعم. ولكن ما من شك أنهم قد رأوا سور الحديقة في الليلة السابقة.

لقد كانت ضاحيةً ريفيةً كثيرة التلال. كان بإمكانهم رؤية خط السكة الحديدية تحتهم، وكذا المدخل المُظلم الواسع لأحد الأنفاق. كانت المحطةُ بعيدةً عن مجال الرؤية. كان هناك جسرٌ عظيمٌ ذو قناطر شاهقة الارتفاع يمتد على طول أحد طرَفَي الوادي.

قال بيتر: «لا تكترثوا للحديقة؛ لننزلْ ونرَ السكة الحديدية. ربما تمر بعض القطارات.»

قالت روبيرتا ببطء: «يمكننا رؤيتها من هنا؛ لنقعد قليلًا.»

وهكذا جلسوا جميعًا فوق صخرة كبيرة مسطحة رمادية اللون ارتفعتْ بعيدًا عن الحشائش؛ كانت واحدةً من صخور عديدة تناثرتْ على جانب التل، وعندما خرجتْ أمهم للبحث عنهم في الساعة الثامنة، وجدتْهم مستغرقين في النوم وكأنهم باقة زهور سعيدةٌ تنعم بدفء الشمس.

كانوا قد أوقدوا نارًا ممتازةً، ووضعوا غلاية الشاي فوقها في حوالي الخامسة والنصف. لذا بحلول الساعة الثامنة كانت النار قد انطفأت منذ فترة، كما تبخر الماء كله، واحترق قاع الغلاية. علاوة على ذلك، لم يخطر ببالهم أن يغسلوا الآنية الخزفية قبل أن يجهزوا المائدة.

قالت أمهم: «لكن لا يهم؛ أقصد الفناجين وصحونها. فقد وجدتُ غرفةً أخرى؛ لقد نسيتُ أمرها تمامًا. إنها غرفةٌ ساحرة! وقد غليتُ الماء من أجل الشاي في قِدرٍ صغيرة.»

كان للغرفة المنسية باب في المطبخ. لكنهم ظنوه خطأً بابَ إحدى الخِزانات بسبب الارتباك وشِبه الظُّلمةِ في الليلة السابقة. كانت غرفةً صغيرةً مربعة، وكان على مائدتها، قطعة كبيرة باردة من لحم البقر المشوي، وخبز، وزبد، وجبن، وفطيرة، وكان كل شيء موضوعًا بطريقة جميلة.

صاح بيتر قائلًا: «فطيرةٌ للإفطار! يا للروعة الغامرة!»

قالت الأم: «إنها ليست فطيرةَ حمام، إنما هي فطيرة تفاح فحسب. حسنٌ، هذا هو العشاء الذي كان ينبغي أن نتناوله ليلة أمس. وكانت هناك رسالة من السيدة فايني. لقد انكسرت ذراع زوج ابنتها، وكان عليها أن تعود لبيتها مبكرًا. ستأتي في العاشرة من صباح اليوم.»

كان هذا إفطارًا رائعًا. ليس من المألوف أن يُبدَأ اليوم بتناول فطيرة تفاحٍ باردة، لكنَّ الأطفال جميعًا قالوا إنهم يُفضِّلون تناولها على تناول اللحم.

قال بيتر وهو يُمرِّر طبقه ليحصل على المزيد: «أتعرفون، إن هذا أشبهُ بغَداءٍ منه بإفطارٍ بالنسبة إلينا؛ لأننا استيقظنا مبكرًا جدًّا.»

انقضى اليوم في مساعدة الأم في إفراغ محتويات الصناديق وترتيبها. ستُّ أرجلٍ صغيرةٍ كانت تتألم بشدةٍ من الجري في أرجاء المنزل بينما أصحابها يحملون الملابس والآنية الخزفية وجميع أنواع الأشياء إلى أماكنها المناسبة. لم يكن قد انقضى وقتٌ طويلٌ بعد الظهيرة عندما قالت الأم:

«هذا جيد! يكفي هذا اليوم. سأرتاح ساعةً في فراشي، لأكون نشيطةً كالطيرِ عند حلول وقت العَشاء.»

عندئذٍ نظروا جميعًا بعضهم إلى بعض. كانت الفكرةُ نفسها مرسومةً على كل وجهٍ من الوجوه المُعبِّرة الثلاثة. كانت تلك الفكرةُ من جزأَين، وكانت، كالمعلومات المبثوثة في كتاب «دليل الطفل إلى المعرفة»، تتكون من سؤالٍ وجواب.

س: أين سنذهب؟

ج: إلى السكة الحديدية.

وهكذا ذهبوا إلى السكة الحديدية، وما إن بدَءوا رحلتهم إلى السكة الحديدية حتى رأوا أين كانت الحديقةُ تختبئ؛ لقد كانت خلف الإصطبلات مباشرةً، وكان لها سورٌ عالٍ يحيط بها من كل جانب.

صاح بيتر قائلًا: «أوه، لا تنشغلوا بالحديقة الآن! لقد أخبرتني أمي في هذا الصباح عن مكانها. وستظل هناك إلى الغد. هيا بنا إلى السكة الحديدية.»

كان الطريق إلى السكة الحديدية يمتد كله أسفل التل، وكان مغطًّى بعشب قصير ناعم، تتناثر في أماكن متفرقة منه شجيراتُ الجولق وصخورٌ رماديةٌ وصفراء بارزةٌ، مثلما تبرز قشور البرتقال المسكَّرة من فوق كعكة.

انتهى الطريق عند منحدرٍ شديد وسورٍ خشبي؛ وهناك كانت تقع السكة الحديدية بقضبانها المعدنية اللامعة وأسلاك التلغراف وأعمدته وإشاراته.

تسلقوا جميعًا إلى قمة السور، ثم فجأةً انطلق صوتٌ راعدٌ جعلهم ينظرون على امتداد خط السكة الحديدية ناحية اليمين، حيث كان المدخلُ المظلمُ لأحد الأنفاق مفتوحًا في مواجهة جُرْفٍ صخري؛ وبعد لحظةٍ اندفع من النفق قطارٌ له صوتُ صراخٍ ونخير، وانسل محدِثًا ضجيجًا من أمامهم. أحس الأطفال بقوة اندفاعه وهو يمر، وراح الحصى الذي على الخط يتقافز ويُقعقِع تحته أثناء مروره.

قالت روبيرتا وهي تأخذ نفَسًا طويلًا: «يا للعجب! لقد كان أشبه بتنينٍ عظيمٍ يندفع بسرعةٍ هائلة بجوارنا. هل شعرتما به وهو ينفخ الهواء علينا بأجنحته الملتهبة؟»

قالت فيليس: «أظن أن وِجار التنين من الخارج ربما يشبه هذا النفق إلى حد كبير.»

لكنَّ بيتر قال:

«لم أتخيل قطُّ أنْ نتمكن من الاقتراب من قطارٍ كهذا. هذه أروع تسليةٍ على الإطلاق!»

قالت روبيرتا: «أفضل من القطارات اللعبة، أليس كذلك؟»

(لقد مللتُ من تسمية روبيرتا باسمها. لا أدري لمَ عليَّ فعلُ هذا. لم يفعل شخصٌ آخرُ ذلك. لقد كان الآخرون جميعًا ينادونها بوبي، ولا أدري لمَ لا أفعل.)

قال بيتر: «لا أدري؛ إن الأمر مختلف. يبدو غريبًا جدًّا أن أرى قطارًا بأكمله. إنه طويلٌ جدًّا، أليس كذلك؟»

قالت فيليس: «لقد كنا دائمًا نرى القطارات وهي مقسومةٌ إلى نصفَين بسبب أرصفة المحطات.»

قالت بوبي: «أتساءل إن كان هذا القطار ذاهبًا إلى لندن. إن والدنا في لندن.»

قال بيتر: «فلننزلْ إلى المحطة ونستكشف هذا.»

وهكذا ذهبوا إلى المحطة.

ساروا بمحاذاة طرَف خط السكة الحديدية، وكانوا يسمعون أسلاك التلغراف وهي تطن فوق رءوسهم. عندما تكون داخل القطار تبدو المسافةُ قصيرةً جدًّا بين كل عمودٍ والآخر، وتبدو لك الأعمدةُ المتعاقبة واحدًا تلو الآخر، وكأنها تقبض على الأسلاك بأسرعَ من أن تتمكن من عدِّها. لكنْ عندما تُضطَر إلى السير على قدمَيك، تبدو الأعمدةُ قليلةً، والمسافةُ بينها بعيدة.

لكنَّ الأطفال وصلوا إلى المحطة في نهاية المطاف.

لم يسبق قطُّ لأيٍّ منهم أنْ زار أيَّ محطةٍ إلَّا بهدف اللحاق بالقطارات، أو ربما من أجل انتظارها، ودائمًا ما كان هذا في حضور الكبار، الذين لم يكونوا هم أنفسهم يكترثون إلى محطات القطار إلا باعتبارها أماكنَ يرغبون في مغادرتها.

لم يسبق لهم قطُّ أنْ مروا قريبًا من أحد أكشاك الإشارات بحيث يتمكنون من رؤية الأسلاك، وسماع الأصوات الغامضة التي تتردَّد «بينج، بينج»، يعقبها تلك الطقطقة القوية المستمرة المنبعثة من الماكينات.

كانت المسارات التي تمتد فوقها القضبانُ طريقًا ممتعًا للسير عليه؛ إذ كانت متباعدة بعضها عن بعض بما يكفي تمامًا لتكون بمنزلة أحجار خطوٍ يَخْطون فوقها في لعبةٍ تتضمن الهروب من سيولٍ مُزْبدةٍ مُتخيَّلةٍ اخترعَتْها بوبي على عجل.

بعد ذلك كان الوصول إلى المحطة، ليس من خلال مكتب الحجز، ولكنْ عن طريق نوعٍ من القرصنة عبْر الطرف المنحدر للرصيف. كان ذلك نفسه مصدرًا للبهجة.

وكان من المبهج كذلك اختلاسُ النظر داخل حجرة الحمَّالين، حيث كانت توجد المصابيح، وروزنامة السكة الحديدية معلقةً على الحائط، وحمَّالٌ شبهُ نائمٍ خلف إحدى الجرائد.

كان في المحطة عدد كبيرٌ من الخطوط المتقاطعة؛ كان بعضها لا يَزيد على أنْ يمتد إلى مسافة ياردة ويتوقف فجأةً، وكأنها أُرهِقتْ من العمل واعتزمت التقاعد إلى الأبد. كانت العربات تقف على القضبان في هذا المكان، وكانت كومة كبيرة من الفحم قد وُضعتْ جانبًا؛ لم تكن كومةً مُبعثرةً، كالتي تراها في قبو الفحم لديك، وإنما كانتْ نوعًا من بناءٍ مصمَت من قطع الفحم له قوالبُ كبيرة مربعةٌ من الفحم من جهة الخارج تُستخدَم وكأنها قراميد بناء، تراصت فوق بعضها حتى أصبحَت الكومة شبيهةً بصورة «مدن الدائرة» في كتاب «قصص الكتاب المقدس للأطفال». كان هناك خطٌّ مرسومٌ بالجير قرب قمة الحائط الفحمي.

بعد قليلٍ، عندما خرج الحمَّال من حجرته متكاسلًا على إثر رنينٍ مزعجٍ تكرر مرتَين من جرسٍ مسطح معلقٍ فوق باب المحطة، قال بيتر بأحسنِ أسلوبٍ لديه: «تشرفتُ بلقائك»، وأسرع إلى سؤاله عن الغرض من العلامة البيضاء التي رأوها على الفحم.

قال الحمال: «لتعيين مقدار الفحم الموجود، بحيث نعرف إن سرَق أيُّ شخصٍ منه؛ لذا لا تضع أيَّ قدرٍ منه في جيوبك عند رحيلك، أيها السيد الصغير!»

لم يبدُ هذا في تلك اللحظة أكثرَ من مداعبة مرحة، وشعَر بيتر في الحال أن الحمَّال كان من الرجال الودودين وأن كلامه لم يكن به أي هذر أو هراء. لكنَّ الكلمات عاودت بيتر فيما بعد بمعنًى جديد.

هل سبق لكم قبل ذلك أنْ دخلتم مطبخَ أحد بيوت المَزارع في يوم الخَبز، ورأيتم قِدر العجين العظيمة وهي موضوعة إلى جوار النار كي تختمر؟ إن كان قد سبق لكم هذا، ولو كنتم في ذلك الوقت لا تزالون صغارًا بما يكفي لكي تهتموا بكل شيءٍ ترونه، فستذكرون أنكم كنتم تجدون أنفسكم غيرَ قادرين تمامًا على مقاومة الرغبة في غرز أصابعكم داخل كرة العجين الطرية التي كانت تتقوس داخل الوعاء وتصبح شبيهةً بفُطرٍ عملاق. وستذكرون أن أصابعكم كانت تصنع نقرةً في العجين، وأن تلك النقرة كانت تأخذ في التلاشي رويدًا رويدًا، لكنها كانت تتلاشى تمامًا، وكان العجين يعود مرةً أخرى إلى ما كان عليه قبل أن تمسوه. وذلك بالطبع إذا لم تكن أيديكم شديدةَ الاتساخ؛ لأنه من الطبيعي في تلك الحال أن يتبقى على العجين علامة سوداء صغيرة.

حسنٌ، لقد كانت الحال شبيهةً بهذا تمامًا بالنسبة إلى الحزن الذي شعر به الأطفال بسبب رحيل والدهم، وبسبب التعاسة الشديدة التي أُصيبت بها أمُّهم. لقد ترك هذا الحزن أثرًا عميقًا، لكنَّ الأثر لمْ يدُم طويلًا.

لقد تعودوا خلال وقت قصيرٍ على أن يكونوا بلا أب، وإن كانوا لمْ ينسَوه؛ وتعودوا على عدم الذهاب إلى المدرسة، وعلى القليل جدًّا من رؤية والدتهم، التي أصبحت تحبس نفسها طوال اليوم تقريبًا في غرفتها الواقعة بالدور العلوي وتظل تكتب وتكتب، وتكتب. كانت تنزل إليهم وقت تناول الشاي وتقرأ القصص التي كتبتها بصوتٍ عالٍ. وكانت قصصًا جميلة.

كانت الصخور والتلال والوديان والأشجار، وقناة الماء، وفوق كل شيءٍ السكة الحديدية، أشياء جدية تمامًا وممتعة للغاية؛ لدرجة أن ذكرى الحياة السابقة في الدارة راحت تبدو أقرب إلى حُلمٍ.

قالت لهم الأم أكثر من مرةٍ إنهم أصبحوا «فقراء جدًّا الآن»، لكنْ لم يبدُ أن هذا كان يعدو كونَه مجرد تعبيرٍ مجازي. إن الكبار، وحتى الأمهات، كثيرًا ما يقولون أشياء لا يبدو أنها تعني أيَّ شيءٍ بعينه، وإنما يقولونها، فيما يبدو، بغرض قوْلِ شيءٍ ما. فقد كان يوجد دائمًا ما يكفي من الطعام، وكانوا يلبسون النوع نفسه من الثياب الجميلة التي اعتادوا ارتداءها دائمًا.

لكنْ أتت في شهر يونيو ثلاثة أيامٍ مطيرة؛ كانت الأمطار تتساقط عموديةً وكأنها رماح، وكان الجو قارسَ البرودة. لم يستطع أحدٌ الخروج من بيته، وكان الجميع يرتعشون. صعد الأطفال كلهم إلى باب حجرة أمهم وراحوا يطرقونه.

سألت الأم من الداخل: «نعم، ما الأمر؟»

قالت بوبي: «أمي، هل لي أن أشعل نارًا؟ إنني لا أعرف كيف أشعلها.»

قالت الأم: «لا يا حبيبتي. ينبغي ألا نشعل نيرانًا في يونيو؛ إن الفحم غالٍ جدًّا. إذا كنتم تشعرون بالبرد، فاذهبوا وامرحوا في العُلِّية؛ هذا سيُدفِئكم.»

«لكن، يا أمي، إن إشعال النار لا يتطلب سوى القليل جدًّا من الفحم.»

قالت أمها بنبرة مرحة: «إنها نفقة فوق طاقتنا يا حبيبتي. والآن اذهبوا، من فضلكم؛ إنني مشغولةٌ للغاية!»

همست فيليس في أذن بيتر قائلةً: «إن أمي مشغولةٌ دائمًا هذه الأيام.» لكن بيتر لم يرد. وإنما هزَّ كتفَيه في عدم اكتراث. كان مستغرقًا في التفكير.

لكن تفكيره لم يستطع أن يَكْبح نفسه طويلًا عن أن يُمِدَّه — الإمدادَ المناسب — بمَخبأٍ لقاطع طريقٍ في العلية. لعب بيتر دور قاطع الطريق بالطبع. أما بوبي فكانت مساعدتَه، وعُصبةَ سراقه الجديرين بثقته، وفي اللحظة المناسبة والدةَ فيليس؛ التي لعبتْ دور الفتاة المخطوفة التي دُفع لأجلها فِديةٌ عظيمةٌ من فول الخيل دونما تردد.

نزلوا جميعهم لشرب الشاي فرِحين متوهجي الوجنات كأيِّ قاطعي طريقٍ في الجبال.

لكن عندما أوشكت فيليس على وضع المربى على خبزها وزبدتها قالت أمها:

«المربى أو الزبد يا عزيزتي؛ وليس المربى والزبد. إننا لا نقوى على تحمل نفقة هذا النوع من الترف المتهور هذه الأيام.»

أنهتْ فيليس شريحة الخبز والزبد في صمت، ثم تناولت بعدها الخبز والمربى. أما بيتر فكان يمزج التفكير بالشاي المُخفف.

بعد شرب الشاي عادوا إلى العلية وقال لأختَيه:

«عندي فكرة.»

سألتا في أدب: «ما هي؟»

«لن أخبركما.» كانت هذه إجابة بيتر السريعة غير المتوقعة.

قالت بوبي: «أوه، حسنٌ إذن.» وقالت فِل: «لا تقلها إذن.»

قال بيتر: «البنات سريعات الغضب دائمًا.»

قالت بوبي بأنَفةٍ محببة: «وماذا عن الصبيان إذن؟ لا أريد معرفة شيءٍ عن أفكارك السخيفة.»

قال بيتر محتفظًا بهدوئهٍ بما بدا أشبهَ بمعجزة: «ستعرفين يومًا ما أنكِ لو لمْ تكوني مولعةً هكذا بالشِّجار، لربما أخبرتك أنه لمْ يمنعني من إخبارك بفكرتي إلَّا نُبلُ أخلاقي. لكنني الآن لن أقول لكِ عنها أيَّ شيءٍ على الإطلاق؛ وليكن ما يكون!»

ومرَّ بعضُ الوقت بالفعل قبل أن يقتنع بقول أيِّ شيء، وعندما تكلم لم يقُل الكثير؛ لقد قال:

«إن السبب الوحيد الذي يمنعني من إخباركما بفكرتي التي سأنفذها هو أنها ربما تكون خطأً، وأنا لا أريد أن أجرَّكما إليه.»

قالت بوبي: «لا تفعلها إذا كانت خطأً، يا بيتر. دعني أنا أفعلها.» لكنَّ فيليس قالت:

«أنا من تود أن تفعل الخطأ إن كنتما ستفعلانه!»

قال بيتر، وقد تأثر بعض الشيء بهذا الحب الشديد: «لا، إنها مهمةٌ شديدة الصعوبة، وأنا من سيتصدى لها بنفسي. كل ما أطلبه هو ألا تُفشيا سري إذا سألتْ أمي عن مكاني.»

قالت بوبي في غضب: «ليس لدينا أي شيء لنُفشِيَه.»

قال بيتر، وهو يُسقِط فول الخيل من بين أصابعه: «أوه، بل لديكما! إنني أثق بكما ثقةً عمياء. إنكما تعرفان أنني سأخوض مغامرةً وحدي — وقد يظن بعض الناس أنها خطأ — لكنني لا أظنها كذلك. ولو سألت أمي عن مكاني، فأخبِراها أنني ألعب في المناجم.»

«أي مناجم؟»

«قولا لها إنني في المناجم وحسب.»

«يمكنك أن تخبرنا يا بِيت.»

«حسنٌ إذن، مناجم الفحم الحجري. لكنْ إياكما أن تنطقا بالسر ولو تعرضتما للتهديد.»

قالت بوبي: «لستَ بحاجة لتحذيرنا. وأظن أنك ربما تسمح لنا بمساعدتك.»

تعطَّف بيتر عليهما ووعدهما قائلًا: «لو عثرتُ على منجم فحمٍ حجري، فسيكون بإمكانكما أن تساعداني في نقل الفحم بالعربة.»

قالت فيليس: «احتفظ بسرك لو أردت.»

قالت بوبي: «احتفظ به لو استطعت.»

قال بيتر: «سأحتفظ به بالتأكيد.»

ثمة فترة فاصلة بين شرب الشاي وتناول العشاء حتى في أكثر العائلات حرصًا على الانضباط. كانت الأم تجلس للكتابة في هذا الوقت عادةً، وتكون السيدة فايني قد عادت إلى بيتها.

بعد مرور ليلتَين على بزوغ فكرة بيتر استدعى البنتَين بطريقة غامضة عند حلول الشفق.

وقال: «تعالَيا هنا معي، وأحضرا المَركبة الحربية الرومانية.»

كانت المركبة الحربية الرومانية عربةَ أطفال عتيقة ظلتْ معطلةً على مدى سنواتٍ، وكانت في مخزن التبن الواقع فوق مخزن العربات. قام الأطفال بتشحيم أجزائها المتحركة حتى أصبحت تتحرك بسلاسةٍ ودون أن تُحدِث ضجيجًا وكأنها دراجةٌ هوائية، وربما عادت استجابتها لذراع الدفة كما كانت في أفضل أيامها.

قال بيتر: «اتبعا قائدكما الجَسور.» وتقدم أمامهما نزولًا على التل باتجاه المحطة.

كان كثير من الصخْرات قد دفعتْ برءوسها من بين العشب فوق المحطة مباشرةً وكأنها كانت، كالأطفال، مولَعةً بالمحطة.

في فجوةٍ صغيرةٍ بين ثلاث صخراتٍ كانت هناك كومةٌ من العُلَّيق والخلَنْج الجافَّين.

أوقف بيتر عربته، وبحذاءٍ عالي الساق به قطعٌ كبيرٌ راح يُقلِّب كومة الأغصان المقطوعة، وقال:

«ها هي ذي أول قطعة فحمٍ في منجم فحم القديس بيتر. سنأخذها إلى البيت في المركبة الحربية. فلتلتزما الدقة والسرعة. لتُنفَّذ كل الأوامر بعناية. ولتُسوَّى أي كتلة غير منتظمة حتى تُناسب المستهلكين العاديين.»

مُلِئَت العربة الحربية عن آخرها بالفحم. وبعدما مُلِئت اضطُروا إلى إفراغها مرةً أخرى؛ لأنها كانت ثقيلةً جدًّا لدرجة أن الأطفال الثلاثة لم يستطيعوا أن يسحبوها لأعلى التل، ولا حتى بعدما ربط بيتر نفسه من حمالة بنطاله في مقبض العربة، وراح يسحبها وهو مُحكِمٌ قبضةَ إحدى يدَيه على حزامِ خصره بينما البنتان تدفعانها من الخلف.

تعين عليهم قطع تلك المسافة ثلاث مراتٍ كي يتمكنوا من إضافة الفحم الذي حصلوا عليه من منجم بيتر إلى كومة فحم أمهم في القبو.

فيما بعد خرج بيتر بمفرده، وعاد يغشاه سوادٌ كثيرٌ وغموض.

وقال: «لقد كنتُ في منجمي. غدًا عند المساء سنحضر الماسات السود إلى البيت في العربة الحربية.»

بعد مرور أسبوع أخبرت السيدةُ فايني الأم عن صمود هذه الكمية الأخيرة من الفحم.

أخذ الأطفال يعانق الواحد منهم نفسه ويعانق بعضهم بعضًا وهم يكتمون ضحكاتهم بتمعجات مرتبكة بينما كانوا يسترقون السمع لكلام السيدة فايني على الدرج. لقد نسوا جميعًا في تلك اللحظة أنه كان هناك أيُّ شكٍ على الإطلاق يخامر بيتر بشأن إذا ما كان التنقيب عن الفحم خطأً.

لكن أتت ليلةٌ مروعةٌ ارتدى فيها ناظر المحطة حذاءً خفيفًا قديمًا كان يلبسه على الشاطئ أثناء إجازته الصيفية، وخرج متسللًا بهدوءٍ شديدٍ إلى الفناء الذي به كومة فحم سدوم وعمورية «مدن الدائرة»، والتي يحيط بها ذلك الخط المرسوم بالجير. خرج متسللًا إلى هناك، وراح ينتظر مثل قط رابض عند جحر أحد الفئران. كان فوق الكومة شيءٌ صغيرٌ قاتمٌ يزحفُ ويخشخشُ خِلسةً وسط الفحم.

اختبأ ناظر المحطة في ظل عربة سبنسة لها مدخنة صغيرةٌ مصنوعة من القصدير ومكتوب عليها:

«ج. ن.» و«س. ر.»

٣٤٥٧٦

عُد في الحال إلى

تحويلات وايت هيذار.

وظل كامنًا في هذا المخبأ إلى أن توقف الشيءُ الصغير الذي فوق الكومة عن الزحف والخشخشة، ووصل إلى حافة الكومة، ثم بحذرٍ تركَ نفسه لينزل على الأرض، ثم رفع شيئًا ما. في ذلك الحين رفع ناظر المحطة ذراعه، ثم وقعت يده على ياقةٍ، فأصبح بيتر معتقلًا بإحكامٍ من سترته، وكان في قبضته المرتعشة حقيبةُ نجارٍ قديمةٌ مملوءة بالفحم.

قال ناظر المحطة: «ها قد أمسكتُك أخيرًا، أليس كذلك أيها اللص الصغير؟»

قال بيتر بنبرةٍ بحزم قدر وسعه: «أنا لستُ لصًّا، أنا أعمل في منجم فحم.»

قال ناظر المحطة: «هذا الكلام لا ينطلي عليَّ؛ فلتُخبِر به الحمقى.»

قال بيتر: «لكنه صحيحٌ، أيًّا كان من سأخبره به.»

قال الرجل الذي أَمسك به: «أنتَ مُحق. فلتغلق فمك أيها المتهتك الصغير، ولتمضِ معي إلى المحطة.»

صاح في الظلمة صوتٌ مكروب لم يكن صوتَ بيتر: «أوه، لا.»

وجاء من الظلمة صوتٌ آخر: «لا تأخذه إلى مركز الشرطة!»

قال ناظر المحطة: «ليس بعد، بل إلى محطة القطار أولًا. يا إلهي، إنها عصابة كاملة. هل هناك المزيد منكم؟»

قالت بوبي وفيلبس: «نحن فقط»، بينما كانتا تغادران ظلَّ عربة أخرى مكتوبٍ عليها ستيفلي كوليري، ومنقوش عليها بالطباشير الأبيض: «مطلوبة في الطريق رقم ١.»

قال بيتر في غضب: «ماذا تقصدان بالتجسس عليَّ بهذه الطريقة؟»

قال ناظر المحطة: «كان يجب أن يتجسس عليك شخصٌ ما منذ زمنٍ على ما أظن. هيا إلى المحطة.»

قالت بوبي: «أوه، لا تفعل! ألا يمكنك أن تقرر الآن ما ستفعله معنا؟ إنها غلطتنا بقدر ما هي غلطة بيتر تمامًا. لقد ساعدناه في نقل الفحم؛ وكنا نعلم من أين كان يأتي به.»

قال بيتر: «لا، لم تعلما.»

قالت بوبي: «بل كنا نعلم. كنا نعلم كل شيء من البداية. لكننا تظاهرنا بأننا لا نعلم مسايرةً لك لا أكثر.»

ضاق بيتر ذرعًا بالأمر. لقد نقَّبَ عن الفحم، ووجدَ الفحم، ثم قُبِض عليه، وها هو الآن يكتشف أن أختَيه كانتا «تُجارِيانه».

قال بيتر: «لا تمسكني! لن أهرب.»

أطلق ناظر المحطة ياقةَ بيتر، ثم أشعل عود ثقابٍ وراح ينظر إليهم على ضوئه المرتعش.

وقال: «يا إلهي، أنتم الأطفال الذين تسكنون ذلك البيت ذا المداخن الثلاث هناك. إن ملابسكم جميلةٌ للغاية أيضًا. أخبروني الآن، ما الذي جعلكم تفعلون شيئًا كهذا؟ ألم تذهبوا إلى الكنيسة قبل ذلك قطُّ أو تدرسوا كتاب المبادئ الدينية أو أي شيءٍ، ألا تعرفون أن السرقة عملٌ آثم؟» بدأ ناظر المحطة يتكلم بمزيد من الرفق الآن، وقال بيتر:

«لم أظن أنها سرقة. لقد كنتُ شبه متأكد أنها ليست كذلك. ظننت أنها ربما ستكون سرقةً لو أنني أخذتُ الفحم من خارج الكومة. لكنني ظننتُ أني لو أخذته من وسطها فسيمكنني وأنا مطمئنٌّ أن أعتبر ذلك تنقيبًا عن الفحم. إنكم ستستغرقون آلاف السنين كي تحرقوا كل هذا الفحم وتصلوا إلى الأجزاء الوسطى.»

«ليس تمامًا. لكن هل فعلتم هذا من أجل التسلية أم ماذا؟»

قال بيتر باستياء: «ليس ثَمَّ كثيرُ تسليةٍ في حمل هذه الأشياء الفظيعة الثقل لأعلى التل.»

«لِمَ فعلتم ذلك إذن؟» كان صوت ناظر المحطة أكثر لطفًا وهو يسألهم هذا السؤال مما حدا ببيتر إلى أن يرد قائلًا:

«أتذكُر ذلك اليوم الماطر؟ في الواقع، لقد قالت أمي إننا أفقر كثيرًا من أن نوقد نارًا. لقد كنا قبل ذلك نشعل النار دائمًا عندما يكون الجو باردًا في بيتنا، و…»

قاطعته بوبي هامسةً: «إياك!»

قال ناظر المحطة وهو يفرك ذقنه متأمِّلًا: «حسنٌ، سأخبركم بما سأفعله. سأتغاضى عن فعلتكم هذه المرة. لكن تذكر أيها الفتى الصغير، السرقة سرقة، وما أملكه أنا ليس ملكًا لك، سواءٌ أسمَّيتَه تنقيبًا أم لا. عودوا إلى البيت حالًا.»

قال بيتر بحماسة: «أتعني أنك لن تفعل لنا أي شيء؟ في الحقيقة، أنت شخصٌ طيب القلب.»

قالت بوبي: «أنت رجلٌ طيب.»

قالت فيليس: «أنت ودودٌ للغاية.»

قال ناظر المحطة: «لا عليكم.»

وهكذا انصرف الأطفال الثلاثة.

قال بيتر وهم يصعدون التل: «لا تتكلما معي. إنكما جاسوستان وخائنتان؛ هذه حقيقتكما.»

لكنَّ البنتَين كانتا مسرورتَين للغاية لأن بيتر بينهما آمنٌ وطليق، ولأنه في طريقه إلى البيت ذي المداخن الثلاث وليس إلى مركز الشرطة، فلم تكترثا كثيرًا بما قاله.

قالت بوبي في رفق: «لقد قلنا إننا أخطأنا بقدر ما أخطأت أنت.»

«حسنٌ؛ وليست هذه الحقيقة.»

قالت فيليس: «كان القضاة في المحكمة سيصلون إلى النتيجة نفسها. لا تكن متغضبًا يا بيتر. ليس ذنبنا أن اكتشاف أسرارك في غاية السهولة.» وأمسكت ذراعه، لكنه أبعدها عنها.

وواصل كلامه قائلًا: «هناك كمية هائلة من الفحم في القبو على أي حال.»

قالت بوبي: «أوه، إياك! لا أظن أنه يجدر بنا أن نكون مسرورين بذلك.»

قال بيتر مستجمعًا شجاعته: «لا أعرف. لستُ متأكدًا على الإطلاق، ولا حتى الآن، أن التنقيب جريمة.»

لكنَّ البنتَين كانتا متأكدتَين تمامًا. وكانتا أيضًا متأكدتَين تمامًا أنه كان متأكدًا تمامًا، بغض النظر عن قلة اهتمامه بأن يعترف بذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠