الفصل الثالث

السيد العجوز

بعد مغامرة بيتر مع منجم الفحم، بدا من الأفضل للأطفال أن يبتعدوا عن المحطة؛ لكنهم لم يفعلوا؛ فلم يستطيعوا الابتعاد عن السكة الحديدية. لقد عاشوا من قبل حياتهم كلها في شارعٍ تُقعقِع فيه عربات الأجرة وعربات الركاب الكبيرة طوال الوقت، وكانت عربات الجزارين والخبَّازين وصانعي الشمعدانات (أنا لم أرَ في حياتي قطُّ عربة صانع شمعدانات؛ هل رأيتموها أنتم؟) تمر في أي لحظة. لكن هنا في صمت القرية النائمة العميق لم يكن يمر بهم سوى القطارات. بدا أن تلك القطارات هي كل ما تبقى للأطفال ليربطهم بالحياة القديمة التي كانت يومًا ما حياتهم. بدأ المرور اليومي لأرجلهم الست نزولًا على التل من أمام المنزل ذي المداخن الثلاث يحفر طريقًا وسط العشب القصير النضر. بدءوا يعرفون أوقات مرور قطاراتٍ بعينها، وأطلقوا عليها أسماءً؛ فأسمَوْا قطار التاسعة والربع المتجهَ إلى الأمام بالتنين الأخضر، وقطار العاشرة وسبع دقائق المتجه إلى الخلف دودة وانتلي، أما قطار المدينة السريع الذي كان يمر في منتصف الليل، والذي كانوا يستيقظون من أحلامهم أحيانًا على صوت اندفاعه الصارخ، فأسموه الفرار الليلي المرعب. ذات مرةٍ استيقظ بيتر من نومه، وكان ضوء النجوم باهتًا، وعندما اختلس النظر إليه عبر ستائر غرفته، أطلق عليه هذا الاسم في الحال.

كان السيد العجوز يسافر بالتنين الأخضر. كان رجلًا عجوزًا حسنَ المظهر للغاية، وبدا وكأنه حسنُ الأخلاق أيضًا، وهما أمران مختلفان تمامًا. كان وجهه نضرًا حليق الذقن وكان شعره أبيض اللون، وكان منظر ياقات ملابسه غريبًا بعض الشيء كما لم يكن نوعُ قبعة رأسه مشابهًا تمامًا لما يرتديه الآخرون. بالطبع لمْ يرَ الأطفال هذا كله في البداية. في الحقيقة كان أول ما لاحظوه في السيد العجوز هو يده.

كان ذلك في صباح أحد الأيام وهم جالسون على السور في انتظار التنين الأخضر، الذي تأخر ثلاث دقائق وربعًا بحسب ساعة بيتر ماركة ووتربيري التي أُهدِيتْ له في عيد ميلاده الماضي.

قالت فيليس: «إن التنين الأخضر ذاهبٌ إلى حيث يوجد أبي. لو كان تنينًا حقيقيًّا بالفعل، لأمكننا أن نوقفه ونطلب منه أن ينقل تحايانا الودودة لأبي.»

قال بيتر: «إن التنانين لا تنقل تحايا الناس؛ إنها أعظم من أن تفعل ذلك.»

قالت فيليس: «بل تفعل، لو روَّضتَها ترويضًا كاملًا أولًا. إنها تؤدي الخِدمات كما يحمل كلب الصيد الإسباني الطرائدَ ويُحضِرها لصاحبه، وتأكل من يدكِ كذلك. أتساءل لمَ لا يراسلنا أبي مطلقًا.»

قالت بوبي: «تقول أمي إنه مشغولٌ جدًّا، لكنه سيراسلنا قريبًا، هكذا تقول.»

أبدت فيليس اقتراحًا: «ما رأيكما، لنلوح جميعًا للتنين الأخضر عندما يمر من أمامنا. لو كان تنينًا مسحورًا، فسيفهم ما نعنيه ويحمل تحايانا لأبي. ولو لم يكن كذلك، فإن ثلاث تلويحات ليست بالشيء الكثير. لن نخسر شيئًا.»

وهكذا عندما اندفع التنين الأخضر بسرعةٍ من مدخل وِجاره المعتم وهو يصيح، وكان وجاره هو النفق، وقفَ الأطفال الثلاثة على السور وراحوا يلوحون بمناديل جيوبهم دون أن يتوقفوا ليروا إن كانت مناديل نظيفة أم العكس. كانت المناديل، في الحقيقة، عكس ذلك تمامًا.

ومن إحدى عربات الدرجة الأولى راحتْ يدٌ تلوح لهم كما فعلوا. كانت يدًا نظيفة جدًّا، وتحمل جريدةً. كانت يدَ السيد العجوز.

بعد ذلك تعوَّد الأطفال على تبادل التلويحات مع قطار الساعة التاسعة والربع.

لقد أحب الأطفال، وخاصةً البنتين، فكرةَ أنه ربما يكون السيد العجوز يعرف والدهم، وأنه سيقابله «في العمل»، أينما كان موضعُ ذلك الملجأ الخفي، وسيخبره كيف يقف أطفاله الثلاثة على أحد قضبان السكة الحديدية البعيدة جدًّا في الريف الأخضر وكيف يلوحون بأيديهم باعثين له تحاياهم كل صباح، سواءٌ في أيام المطر أو الصحو.

لقد أصبحوا الآن قادرين على الخروج في جميع أنواع الطقس التي لم يكن يُسمَح لهم بالخروج في مثلها مطلقًا عندما كانوا يعيشون في دارتهم القديمة. كان الفضل في هذا يرجع للخالة إيما، وبدأ الأطفال يشعرون على نحوٍ متزايدٍ أنهم لم يكونوا مُنصِفين بالقدر الكافي مع هذه الخالة المنفِّرة، وذلك عندما اكتشفوا مدى نفع الأحذية الواقية الطويلة التي تُلبَس فوق الأحذية العادية والسترات المضادة للماء التي سخروا منها عندما اشترتْها لهم.

كانت أمهم طوال ذلك الوقت مشغولةً للغاية بكتاباتها. كانت ترسل الكثير من الأظرف الزرقاء الطويلة المحتوية على القصص؛ وكان يأتي إليها أظرفٌ كبيرةٌ ذات أحجام وألوان مختلفة. كانت أحيانًا تتنهد عندما تفتحها وتقول:

«قصةٌ أخرى تعود إلى عُشها. يا للأسى، يا للأسى!» وكان الأطفال عندئذٍ يشعرون بكثير من الحزن.

لكنها كانت أحيانًا تلوح بالمظروف في الهواء وتقول: «مرحى، مرحى! ها هو ذا محررٌ حكيم. لقد قبل قصتي وهذا هو الدليل.»

كان الأطفال يظنون في بداية الأمر أنَّ «الدليل» هو الخطاب الذي كتبه المحرر الحكيم، لكنهم أدركوا بعد قليلٍ أن الدليل إنما هو قصاصات طويلة من الورق طُبِعَت القصة عليها.

وكان كلما وُصِف أحد المحررين بالحكمة، يكون هناك كعكٌ صغيرٌ مُحلًّى من أجل الشاي.

ذات يومٍ كان بيتر في طريقه إلى القرية لإحضار بعض الكعك من أجل الاحتفال بحكمة محرر مجلة «دنيا الأطفال»، فقابل ناظر المحطة.

شعر بيتر بقلقٍ شديد؛ لأنه كان عندئذٍ قد قضى وقتًا كافيًا في التفكير في أمر منجم الفحم. لم يرغب في إلقاء تحية الصباح على ناظر المحطة، كما تفعلون عادةً مع أي أحدٍ تقابلونه في طريقٍ خالٍ؛ لأنَّ شعورًا مُحرِجًا غمره، حتى احمرَّت منه أذناه، وجعله يظنُّ أن ناظر المحطة ربما لا يكترث للحديث مع شخصٍ كان يسرق قطع الفحم. «يسرق» كلمة بغيضة، لكنَّ بيتر أحس أنها الكلمة المناسبة؛ لهذا نظر في الأرض ولم يقل شيئًا.

كان ناظر المحطة هو مَن بادر بإلقاء تحية الصباح أثناء مروره، فأجابه بيتر: «صباح الخير.» ثم راح يحدث نفسه قائلًا:

«ربما لا يعرف من أنا ونحن في ضوء النهار، وإلا لما كان أظهر هذا الأدب الجم.»

لم يرتَح بيتر للشعور الذي بثته هذه الفكرةُ في نفسه. وقبل أن يعرف ما الذي سيفعله، جرى وراء ناظر المحطة، فتوقف الرجل عندما سمع حذاء بيتر الطويل وهو يتحرك مسرعًا على الطريق محدثًا صوتًا كأنه الجرش، ووجده قد لحق به لاهثًا للغاية وأذناه مصطبِغتان باللون الأرجواني، وهو يقول:

«لا أريدك أن تكون مهذبًا معي إذا كنتَ لمْ تعرفني عندما رأيتني.»

قال ناظر المحطة: «ماذا؟»

تابع بيتر حديثه قائلًا: «ظننتُ أنك ربما لمْ تعرف أنني أنا الذي أخذتُ الفحم، عندما قلتَ «صباح الخير.» لكنني أنا مَن أخذه، وأنا آسف. هذا كل شيء.»

قال ناظر المحطة: «يا إلهي. لم أكن أفكر تمامًا في أمر قِطَع الفحم الزهيدة على الإطلاق. فلندع ما مضى الآن. وإلى أين كنتَ ذاهبًا بهذه السرعة؟»

قال بيتر: «سوف أشتري بعض الكعك من أجل الشاي.»

قال ناظر المحطة: «كنتُ أحسبكم فقراء للغاية.»

أسرَّ بيتر كلامه إلى ناظر المحطة قائلًا: «إننا كذلك بالفعل. لكننا دائمًا ما نحصل على ثلاث قطع من فئة نصف البنس من أجل الشاي كلما باعتْ أمي قصةً أو قصيدةً أو أي شيء.»

قال ناظر المحطة: «يا إلهي، إن والدتك تكتب القصص إذن، أليس كذلك؟»

قال بيتر: «أجمل قصص قد تقرؤها يومًا.»

«يجدر بك أن تفتخر للغاية لأن لك أمًّا بهذه البراعة.»

قال بيتر: «نعم. لكنها كانت تلعب معنا أكثر من هذا قبل أن يتوجب عليها أن تكون بهذه البراعة.»

قال ناظر المحطة: «حسنٌ. لا بد أن أنصرف. ولتزُرنا في المحطة كلما رغبت في الزيارة. أما عن قطع الفحم، فإنني أعدك … حسنٌ … أوه، لا، لن نتكلم في هذا الأمر أبدًا، أليس كذلك؟»

قال بيتر: «شكرًا لك. إنني سعيدٌ جدًّا لأننا حلَلْنا الأمر كله فيما بيننا.» ومضى حتى عَبَرَ الجسرَ الممتد فوق قناة الماء وتوجَّه إلى القرية كي يُحضر الكعك، وهو يشعر براحةِ بالٍ أكبر مما ظل يشعر به مُذ شُدَّت يدُ ناظر المحطة على ياقته في تلك الليلة وسط قطع الفحم.

في اليوم التالي بعدما أرسلوا موجة تحياتهم ذات القمم الثلاث إلى أبيهم مع التنين الأخضر، ورد عليهم السيد العجوز ملوحًا بيده كالمعتاد، قادهم بيتر بفخرٍ إلى المحطة.

قالت بوبي: «لكن، أيجدر بنا أن نذهب إلى هناك؟»

قالت فيليس موضحةً: «تقصد بعد واقعة الفحم.»

قال بيتر في غير اكتراث، وتظاهر بأنه لم يسمع ما قالته فيليس: «لقد قابلتُ ناظر المحطة أمس، لقد وجه لنا دعوةً خاصةً لزيارة المحطة وقتما نحب.»

ردَّدَت فيليس ما قالته من قبل: «بعد واقعة الفحم؟» ثم قالت: «توقفا لحظةً؛ لقد انفك رباط حذائي من جديد.»

قال بيتر: «إنه دائمًا ينفك من جديد، وقد كان ناظر المحطة سيدًا أنبل مما ستكونين في أي يومٍ يا فِل؛ وأنتِ ترجمين رأس فتًى بالفحم هكذا.»

ربطتْ فيليس رباط حذائها ومضت في صمت، لكنَّ كتفَيها انتفضَتا، وعلى الفور انحدرتْ دمعةٌ كبيرةٌ على أنفها وتناثرت على حديد خط السكة الحديدية. رأت بوبي دمعتها.

فتوقفتْ فجأةً، وطوَّقَت الكتفَين المختلجتَين بذراعها، وقالت: «يا إلهي، ما الأمر يا حبيبتي؟»

قالت فيليس وهي تنشج بالبكاء: «لقد قال إنني لستُ … لستُ من النبيلات. إنني لمْ أنعَتْه قطُّ بأنه ليس من النبلاء، ولا حتى عندما ربط دُمْيتي كلوريندا في حُزمة الحطب وأحرقها على الخازوق ليجعلها شهيدةً في لعبته.»

كان بيتر بالفعل قد ارتكب هذه الفعلة الشنعاء قبل سنة أو سنتَين.

قالت بوبي بأمانة: «في الحقيقة، أنتِ التي بدأتِ بالكلام عن الفحم وكل هذا. ألا تظنان أنه من الأفضل أن تتراجعا عن كل ما قلتماه منذ أن لوحنا للسيد العجوز، وأن نعتبر أنَّ كِلَيكما قد دافع عن كرامته بما يكفي لكي تتصالحا الآن.»

قالت فيليس شاهقةً: «سأفعل لو فعل بيتر.»

قال بيتر: «حسنٌ، لقد رُدَّت إليَّ كرامتي. تفضلي، استعملي منديلي يا فِل، أرجوكِ، إذا كنتِ قد أضعتِ منديلك كالعادة. أتساءل ماذا تفعلين بهذه المناديل.»

قالت فيليس في غضب: «لقد أخذتَ آخر منديلٍ كان معي لتربط به باب حظيرة الأرانب. لكنكَ لا تحفظ المعروف أبدًا. صحيحٌ ما يقوله كُتَّاب الشعر إنَّ فم الولد الأدرد أحدُّ من فم الأفعى؛ لكنَّه يقصد بالأدرد ناكر الجميل. هكذا أخبرَتني الآنسة لُو.»

قال بيتر بضجر: «حسنٌ، أنا آسف. انتهينا! والآن هلا أسرعتِ؟»

وصل الأطفال إلى المحطة وقضَوا مع الحمَّال ساعتَين مليئتَين بالبهجة. كان رجلًا فاضلًا ولمْ يَبدُ عليه أي انزعاجٍ من الإجابة على الأسئلة الاستفسارية التي عادةً ما يتبرم منها كثيرٌ من الناس ممن هم في طبقة اجتماعية أعلى منه.

أخبرهم بكثير من الأشياء لم يكونوا يعلمونها من قبل؛ ومما أخبرهم به، على سبيل المثال، أنَّ تلك الأشياء التي تربط عربات القطار كالخطاف بعضها ببعض تُسمى الوصلات، وأنَّ وظيفة الأنابيب الشبيهة بالأفاعي الضخمة والتي تتدلى فوق الوُصلات هي إيقاف القطار.

قال الحمال: «لو أن أحدكم تمكن من الإمساك بواحدةٍ منها أثناء سير القطار وفصلها، فسيتوقف مُحدِثًا رجةً في الحال.»

قالت فيليس: «من الذي سيتوقف؟»

قال الحمَّال: «القطار بالتأكيد.» ومنذ ذلك الحين لم يعد الأطفال يتحدثون عن القطار على أنه جمادٌ أبدًا.

«وتعرفون ذلك الشيء الموجود في العربات والمكتوب عليه «تُحصَّل غرامة بقيمة خمسة جنيهات في حالة الاستخدام الخاطئ.» لو أنكم أخطأتم في استخدامه، فسيتوقف القطار.»

قالت روبيرتا: «ولو استخدمتَه بطريقة صحيحة؟»

قال الحمَّال: «سوف يتوقف أيضًا، في ظني. لكنَّ استخدامه لا يكون صحيحًا إلا عندما تكونون عرضة للقتل. كان هناك امرأةٌ مسنة ذات مرة؛ خدعها أحدهم مازحًا وأخبرها أنه جرس مقصف القطار، واستخدمتْه بطريقةٍ خاطئة؛ إذ لم تكن حياتُها معرضةً لخطر، وإنما كانت جائعةً، وعندما توقف القطار وجاء الحارس وهو يتوقع أن يجد شخصًا ما غارقًا في دمائه يلفظ أنفاسه الأخيرة، قالت: «أوه، من فضلك يا سيدي، أريد كأسًا من الجعة وكعكةً محلاة.» هكذا قالت. وكانت النتيجة أن تأخر القطار عن موعده سبع دقائق.»

«ماذا قال الحارس للسيدة العجوز؟»

أجاب الحمَّال: «لا أعرف. لكنني أراهن أنها لمْ تنسَ ما قاله لها سريعًا، أيًّا كان ما قاله.»

ومع هذا الحديث الممتع مرَّ الوقتُ سريعًا جدًّا.

خرج ناظر المحطة مرةً أو مرتَين من ذلك المعبد الداخلي المقدس القابع خلف المكان الذي به تلك الفتحةُ التي يبيعون لك التذاكر منها، وكان مرِحًا للغاية معهم جميعًا.

همست فيليس لأختها قائلةً: «وكأنه لم يُكتشَف أمر الفحم قطُّ.»

أعطى ناظر المحطة كلًّا منهم برتقالة، ووعدهم أن يصحبهم إلى كشك الإشارات يومًا ما، عندما لا يكون شديد الانشغال.

مرَّ عديدٌ من القطارات من المحطة، ولاحظ بيتر للمرة الأولى أن القاطرات عليها أرقامٌ، مثل عربات الأجرة.

قال الحمَّال: «نعم، أعرف فتًى مهذبًا كان يُدوِّن أرقام كل قاطرةٍ يراها؛ كان يُدونها في مفكرةٍ خضراء ذات أركان فضية، لأن والده كان من أغنى تجار الأدوات المكتبية بالجملة.»

أحس بيتر أنه يستطيع أن يدون أرقام القاطرات هو الآخر، حتى ولو لمْ يكن ابنَ تاجر أدواتٍ مكتبية. ولأنه لم يكن لديه مفكرةٌ ذات جلدٍ أخضر وأركان فضية، أعطاه الحمَّال مظروفًا أصفر فدوَّن عليه:

٣٧٩

٦٦٣

وأحس أن هذه ستكون بدايةً لِما سيكون مجموعة ممتعة للغاية.

في تلك الليلة أثناء احتساء الشاي سأل بيتر والدته إنْ كان لديها مفكرة ذات جلد أخضر وأركان فضية. لم يكن عندها شيءٌ كهذا؛ لكن عندما علمتْ لماذا يريدها أعطتْه واحدةً سوداء صغيرة.

وقالت: «لقد نُزِع منها بعض صفحاتها، لكنها ستستوعب الكثير جدًّا من الأرقام، وعندما تمتلئ سأعطيك واحدةً أخرى. أنا سعيدةٌ جدًّا لأنك تحب السكة الحديدية. أرجوك فقط ألا تسير أبدًا على خط السكة الحديدية.»

سأل بيتر بعد فترة صمتٍ قصيرةٍ كئيبة، تبادل هو وأمه فيها نظراتٍ خاطفة يائسة: «حتى وإن لم نَسِر في مواجهة القطار وهو قادم؟»

قالت الأم: «لا، أرجوك لا تفعل.»

عندئذٍ قالت فيليس: «أمي، أما سرتِ على خطوط السكة الحديدية وأنتِ صغيرةٌ أبدًا؟»

كانت أمهم أمًّا أمينةً وصادقةً، لذا لم تجد بدًّا من قولها: «بلى، سرتُ عليها.»

قالت فيليس: «حسنٌ، إذن.»

«لكن، يا أحبتي، أنتم لا تعلمون كم أحبكم. ماذا سأفعل لو تعرضتم للأذى؟»

سألت فيليس: «هل تحبيننا أكثر مما كانت جدتي تُحبكِ وأنتِ صغيرة؟» أشارت لها بوبي كي تكف عن الكلام، لكنَّ فيليس لمْ تعِ الإشارات قط، مهما بلغ وضوحها.

امتنعت أمها عن الإجابة للحظة. وقامت تصب مزيدًا من الماء في إبريق الشاي.

ثم قالت أخيرًا: «لم يحب أحدٌ أحدًا قط مثلما أحبَّتني أمي.»

ثم سكتت من جديد، وركلت بوبي فيليس بشدةٍ من تحت المنضدة؛ لأن بوبي نوعًا ما أدركت الخواطر التي جعلت أمها صامتة للغاية هكذا؛ لقد كانت أمها تتذكر أيامَ كانت طفلةً صغيرةً وكانتْ هي كل شيءٍ بالنسبة إلى والدتها. يبدو أن مبادرة المرء إلى اللجوء لأمه عند وقوعه في ورطة أمرٌ يسيرٌ وطبيعيٌّ للغاية. وكانت بوبي متفهمة بعض الشيء أن الناس لا يكفون عن اللجوء إلى أمهاتهم في مشاكلهم حتى عندما يكبرون، وكانت تعتقد كذلك أنها نوعًا ما تعرف معنى أن يكون المرء حزينًا، ولا يعود لديه أمٌّ يلجأ إليها.

لهذا ركلتْ فيليس، التي قالت:

«لماذا تركلينني هكذا يا بوب؟»

ضحكتْ أمها قليلًا ثم تنهدتْ وقالت:

«حسنٌ إذن. فقط طمئنوني أنكم تعرفون الاتجاه الذي تأتي القطارات منه؛ ولا تمشوا على خط السكة الحديدية القريب من النفق ولا قُرب المنعطفات.»

قال بيتر: «إن القطارات تلتزم بالسير ناحية اليسار مثل العربات. لذا لو التزمنا نحن بالسير جهةَ اليمين، فلا بد أننا سنراها وهي قادمة.»

قالت الأم: «حسنٌ إذن.» وأزعم أنكم تظنون أنه ما كان ينبغي لها أن تقول هذا. لكنها تذكرتْ عندما كانت هي نفسها طفلةً صغيرة، وقالت ذلك؛ لكن لا أطفالها ولا أنتم ولا أي أطفال آخرين على الإطلاق يمكنهم أن يفهموا على وجه التحديد ماذا كلَّفها فِعلُ هذا. فقط قلةٌ قليلةٌ منكم، مثل بوبي، ربما يفهمون عن الأمر شيئًا قليلًا جدًّا.

في اليوم التالي مباشرةً لازمت الأم الفراش لأن رأسها كان يؤلمها بشدة. كانت يداها ساخنتَين للغاية، ولم ترغب في تناول أي طعام، وكان حلقها ملتهبًا بشدة.

قالت السيدة فايني: «لو كنتُ مكانكِ يا سيدتي لأرسلتُ في طلب الطبيب. إن كثيرًا من الأمراض المُعدية منتشر هذه الأيام. لقد أصاب البردُ كبرى بنات أختي، وقد نفذَ إلى عظامها، وبحلول عيد الميلاد تكون قد أتمت عامَين منذ إصابتها، لكنها لم تعد مثلما كانت منذ ذلك الحين.»

لم ترغب الأم في البداية في طلب الطبيب، لكنها شعرتْ عند حلول المساء أن حالتها قد ساءت للغاية لذا أرسلت بيتر إلى القرية، إلى ذلك المنزل الذي تنتصب أمام بوابته ثلاث شجيرات من شجر القوطيسوس، وعلى البوابة لوحة نحاسية مستطيلة مكتوب عليها دبليو. دبليو. فوريست، طبيب.

جاء الطبيب دبليو. دبليو. فوريست في الحال. تحدث مع بيتر في طريقه إلى البيت. وقد بدا رجلًا لطيفًا وحكيمًا للغاية، وكان شغوفًا بالسكك الحديدية، والأرانب، وأشياء مهمة جدًّا.

عندما انتهى من فحص الأم قال إنها مصابة بالنزلة الوافدة.

قال الطبيب لبوبي في الردهة: «والآن يا آنسة جريف إيرز، أعتقد أنكِ ترغبين في أن تكوني رئيسة الممرضات.»

قالت: «بالتأكيد.»

«حسنٌ إذن، سوف أرسل لكم بعض الأدوية. أشعلي نارًا جيدةً وأبقيها مشتعلةً. جهزي كمية من حساء لحم البقر الدسِم لكي تَسقيها إياه حالما تنخفض حرارتها. يمكنها أن تأكل العنب الآن، وحساء لحم البقر المركز؛ وماء الصودا، واللبن، ويُفضَّل أن تشتري زجاجة من شراب البراندي. أفضل نوعٍ من البراندي. إن البراندي الرخيص أسوأ من السم.»

طلبت منه بوبي أن يدون كل هذا في ورقة، ففعل.

عندما عرضت بوبي القائمة التي كتبها على أمها أخذت تضحك. لقد كانتْ ضحكةً، كما ارتأتها بوبي، لكنها كانت ضحكةً غريبةً وواهنة.

قالت أمها وهي راقدة في الفراش وعيناها تلمعان مثل خرزات العقد: «هذا هراء. لا أستطيع شراء كل هذا الكلام الفارغ. اطلبي من السيدة فايني أن تسلق رطلَين من عظام رقبة الشاة من أجل غدائكم غدًا، ويمكنني تناول بعض المرق. أريد مزيدًا من الماء الآن يا حبيبتي. ولتحضري طستًا من فضلك واغسلي يدَيَّ بالإسفنجة.»

امتثلت روبيرتا للأمر. وعندما فعلت كل ما بوسعها لتخفيف معاناة أمها، نزلت إلى الآخرين. كانت وجنتاها شديدتَي الحمرة، وظلت شفتاها مزمومتَين، وكانت عيناها لامعتَين كعينَي أمها تقريبًا.

ثم حدثَتْهما بما قاله الطبيب، وما قالته أمها.

وبعدما قصتْ عليهما كل شيءٍ قالت: «والآن، ليس هناك أحد غيرنا ليفعل أي شيء، وعلينا أن نفعل. أنا معي شلنٌ لشراء اللحم.»

قال بيتر: «يمكننا أن نتدبر أمرنا من دون اللحم البغيض، سوف يسد الخبز والزبد رمَقنا. لقد عاش الناس على أقلَّ من هذا في الجزر المهجورة مراتٍ عديدة.»

قالت أخته: «بالطبع.» وأرسلوا السيدة فايني إلى القرية لتشتري أقصى ما يمكنها شراؤه بالشلن من شراب البراندي وماء الصودا وحساء لحم البقر الدسم.

قالت فيليس: «لكننا حتى ولو لم نحصل على أي شيءٍ لنأكله على الإطلاق، فلا يمكنكما شراءُ كل هذه الأشياء الأخرى بمال غدائنا.»

قالت بوبي في عبوس: «لا. يجب أن نجد حلًّا آخر. والآن ليعتصر الجميع ذهنه لأقصى ما يستطيع.»

فكر الأطفال بالفعل. وبعد قليلٍ تكلموا. ثم بعد ذلك، عندما صعدت بوبي للجلوس إلى جوار أمها في حال احتاجت لأي شيء، انشغل الاثنان الآخران للغاية بمقصٍّ وملاءة بيضاء، وفرشاة طلاء، وعلبة الورنيش الأسود الذي كانت السيدة فايني تستخدمه لتلميع حوامل نيران المدفأة وحواجزها. لم ينجحا في فعل ما أرادا فعله على وجه التحديد بواسطة الملاءة الأولى، لذا أخرجا واحدةً أخرى من خزانة المُلاءات. لم يخطر ببالهما أنهما كانا يُتلِفان ملاءات جيدة ذات سعر لا يُستهان به. لم يعرفا سوى أنهما كانا يفعلان خيرًا؛ لكنَّ ما كانا يفعلانه سيظهر لاحقًا.

نقلت بوبي سريرها إلى غرفة أمها، واستيقظت عدةَ مراتٍ أثناء الليل لتُذْكِي النار، وتَسقي أمها اللبن وماء الصودا. كانت أمها تُحدِّث نفسها كثيرًا، لكن لم يبدُ أن لكلامها أيَّ معنًى. وفي مرةٍ من المرات استيقظت فجأةً وأخذت تنادي: «أمي، أمي!» وعلمتْ بوبي أنها كانت تنادي جدتها، وأنها نسيَتْ أنه لم يكن لندائها أي فائدة؛ لأن جدتها قد تُوفِّيت.

في الصباح الباكر سمعتْ بوبي اسمها فقفزت من الفراش وأسرعت إلى جوار سرير أمها.

قالت الأم: «يا إلهي، آه، نعم؛ أظن أنني كنتُ نائمة. حبيبتي الصغيرة المسكينة، كم سيصيبك من الإرهاق؛ إني لأكره أن أُسبِّب لكِ كل هذا العناء.»

قالت بوبي: «عناء!»

قالت أمها: «آه، لا تبكي يا حبيبتي، سأكون على ما يُرام خلال يومٍ أو يومَين.»

وأجابتها بوبي قائلةً: «نعم.» وحاولت أن تبتسم.

عندما تكون معتادًا على قضاء عشر ساعات من النوم المتواصل، فإن الاستيقاظ ثلاث أو أربع مراتٍ أثناء نومك يجعلك تشعر وكأنك كنتَ مستيقظًا طوال الليل. أحستْ بوبي ببلادةٍ شديدة وكانت عيناها متقرِّحتَين وجافتَين، لكنها رتبت الغرفة، وأعدت كل شيءٍ بعناية قبل مجيء الطبيب.

كان هذا في الساعة الثامنة والنصف.

قال الطبيب وهو عند الباب الأمامي: «أيسير كل شيءٍ على ما يُرام، أيتها الممرضة الصغيرة؟ هل أحضرتِ شراب البراندي؟»

قالت بوبي: «لقد أحضرتُ البراندي، في زجاجةٍ مسطحة صغيرة.»

قال: «لكنني برغم هذا لمْ أرَ العنب ولا حساء لحم البقر الدسِم.»

قالت بوبي بلهجةٍ حاسمة: «لا. لكنك ستراهما غدًا. وثمة بعضٌ من لحم البقر يُطهى على نارٍ هادئةٍ في الفرن من أجل الحساء الدسم.»

سألها: «مَن علَّمكِ صنع هذا؟»

«لاحظتُ ما فعلتْه أمي عندما أُصيبتْ فِل بمرض النكاف.»

قال الطبيب: «حسنٌ، والآن أحضري خادمتكم العجوز لتجلس مع أمك، ثم تناولي إفطارًا جيدًا، واذهبي إلى فراشك مباشرةً ونامي إلى وقت الغداء. فلا نُطيق أنْ تَمرض رئيسة الممرضات.»

كان طبيبًا لطيفًا للغاية بحق.

عندما خرج قطار التاسعة والربع من النفق في صباح ذلك اليوم أنزل السيد العجوز الذي يركب في عربة الدرجة الأولى صحيفتَه، واستعدَّ كي يلوح بيده للأطفال الثلاثة الجالسين على السور. لكن في هذا الصباح لم يكن ثمة ثلاثة أطفال. لم يكن هناك سوى واحد؛ هو بيتر.

لم يكن بيتر واقفًا على القضبان أيضًا، كالمعتاد. وإنما كان واقفًا أمامها وكانت هيئته تشبه هيئةَ رجل الاستعراضات وهو يستعرض الحيوانات في معرض للحيوانات، أو هيئةَ الكاهن الطيب عندما يشير بعصًا سحريةٍ إلى «مشاهد من أرض فلسطين»، عندما يكون لديه فانوسٌ سحريٌّ (جهاز بصريٌّ استخدمه القدماءُ لتكبير الصور وعرضها) وهو يشرح للناس ما فيه من صور.

كان بيتر يشير هو الآخر. وكان ما يشير إليه ملاءة بيضاء كبيرة مثبتة على السور. كان على الملاءة حروف سوداء سميكة يجاوز طولها القدم.

كان بعضها قد سال حبره قليلًا؛ لأن فيليس كانت متحمسةً على نحو مبالغ فيه وهي تضع الورنيش الأسود، لكن الكلمات كانت تُقرَأ بسهولةٍ كبيرة.

وهذا ما رآه السيد العجوز وآخرون غيرُه من ركاب القطار مكتوبًا بالأحرف السوداء الكبيرة على الملاءة البيضاء:

انظُر إلى المحطة.

نظر كثيرٌ من الناس إلى المحطة فأصابهم الإحباط؛ لأنهم لم يروا شيئًا غير مألوف. وكذلك نظر السيد العجوز، وفي البداية لمْ يرَ هو الآخر أكثر مما ألِفه من رصيف المحطة الذي يكسوه الحصى وأشعة الشمس ونباتات المنثور الأصفر وزهور أذن الفأر على أطراف المحطة. لكنْ ما إن بدأ القطار ينفث الدخان ويستعد للانطلاق من جديدٍ حتى رأى السيد العجوزُ فيليس. كانت تلهث بشدة من الجري.

قالت: «أوه، ظننتُ أني لن أدركك. لم تكف أربطة حذائي عن السقوط وقد تعثرتُ فيها مرتَين. تفضل، خذ هذه.»

ودسَّتْ في يده رسالةً دافئةً رطبةً والقطار يتحرك.

أسند الرجل ظهره إلى الركن الذي كان جالسًا فيه وفتح الرسالة. وها هو ذا ما قرأه:

سيدي العزيز، نحن لا نعرف اسمك

أمنا مريضة والطبيب أمرنا أن نُعطيَها الأشياء المكتوبة في آخر الرسالة، لكنها تقول إنها لا تملك ثمنها، وتأمرنا أن نشتري اللحم لأنفسنا وتقول إنها ستشرب من مرقه. نحن لا نعرف أحدًا هنا غيرك، لأن والدنا مسافرٌ ولا نعرف عنوانه. والدنا سيدفع لك ثمن هذه الأشياء، أو إذا فقد ماله كله، أو أي شيء، فسيدفع لك بيتر ثمنها عندما يكبر. هذا وعد شرف. أنا مدينٌ لك بثمن كل الأشياء التي تحتاجها أمُّنا.

توقيع بيتر

هل تسمح بإعطاء الطرد لناظر المحطة، لأننا لا نعرف في أي قطارٍ ستأتي؟ قل له إن هذا من أجل بيتر الذي اعتذر من أجل الفحم. وسيفهم.

روبيرتا
فيليس
بيتر

ثم جاءت في نهاية الرسالة قائمةُ الأشياء التي أمر بها الطبيب.

قرأ السيد العجوز القائمة كاملة مرةً، فانتصب حاجباه. ثم قرأها ثانيةً وابتسم قليلًا. وعندما قرأها للمرة الثالثة، وضعها في جيبه وواصل قراءة جريدة التايمز.

في حوالي السادسة من مساء ذلك اليوم سمع الأطفال طرقًا على الباب الخلفي. أسرع الثلاثة لفتحه، فوجدوا الحمَّال الودود، الذي كان قد أخبرهم بالكثير جدًّا من الأشياء المثيرة عن السكك الحديدية، واقفًا أمامه. أنزل الحمَّال زَنْبيلًا كبيرًا على بلاط المطبخ.

وقال: «سيدٌ عجوز طلب مني أن أحضره إلى هنا في الحال.»

قال بيتر: «شكرًا جزيلًا.» ثم، لما تلكَّأ الحمَّالُ، أضاف بيتر:

«أنا في غاية الأسف لأنه ليس معي بنسان أعطيهما لك كما يفعل أبي، لكن …»

قال الحمَّال باستياء: «دعك من هذا الحديث لو سمحت. ما كنتُ أفكر في أي بِنسَين. إنما أردتُ أن أواسيكم لأن صحةَ والدتكم ليستْ على ما يُرام، وأن أسأل كيف حالُها الليلة؛ وقد أحضرتُ لها بعض زهور النسرين؛ إن رائحتها جميلة للغاية. بنسان حقًّا!» وأخرج باقةً من زهور النسرين من تحت قبعته، وهو ما علقت عليه فيليس بعد ذلك بقولها: «تمامًا مثلما يفعل الساحر.»

قال بيتر: «أشكرك شكرًا جزيلًا، وأعتذر بشأن البنسَين.»

قال الحمَّال، ولم يُخرِج الكلام من قلبه، ولكنه قاله بأدب: «لا عليك.» ثم انصرَف.

بعد ذلك أخذ الأطفال يفكون الزنبيل. كان يكسوه القش أولًا، ثم كان هناك ألواحٌ خشبيةٌ رقيقةٌ جدًّا، ثم ظهرتْ كل الأشياء التي طلبوها، وكان يوجد الكثير منها، ثم أشياءٌ كثيرةٌ جدًّا لم يطلبوها؛ كان من هذه الأشياء الأخرى الدُّرَّاق ونبيذ بورت واين البرتغالي ودجاجتان، وصندوق من الورق المُقوَّى به ورودٌ حمراءُ كبيرةٌ طويلةُ السيقان، وزجاجةٌ خضراء طويلةٌ ورفيعة من عطر الخُزامى، وثلاث زجاجاتٍ أصغر وأبدن منها من ماء الكولونيا. وكانت هناك رسالة كذلك.

كانت الرسالة تقول: «أعزائي روبيرتا وفيليس وبيتر، ها هي ذي الأشياء التي تريدونها. ستسألكم أمكم من أين أتيتم بها. أخبروها أنَّ مَن أرسلها صديقٌ علم بأمر مرضها. عليكم أن تُخبروها كل شيءٍ عن الأمر بالتأكيد عندما تتعافى. وإذا قالت إنه ما كان يجدر بكم أن تطلبوا هذه الأشياء، فأخبروها أنني أرى أنكم كنتم مُحِقين تمامًا، وإنني أرجو منها أن تسامحني لأنني سمحتُ لنفسي بهذا العمل الذي أسعدني كثيرًا.»

كانت الرسالةُ موقعةً باسم جي. بي. ثم لقب لم يستطع الأطفال قراءته.

قالت فيليس: «أظن أننا أحسنَّا التصرف.»

قالت بوبي: «أحسنَّا؟ بالتأكيد أحسنَّا.»

قال بيتر ويداه في جيوبه: «مع ذلك، فأنا لا أتطلع تمامًا لإخبار أمي بحقيقة الأمر كاملةً.»

قالت بوبي: «يجب ألا نفعل قبل أن تتعافى، وعندما تتعافى سنكون سعداء جدًّا ولن نُباليَ بمسألةٍ تافهةٍ كهذه. أوه، انظروا فقط إلى الورود! لا بد أن أصعد بها إليها.»

قالت فيليس وهي تشم الزهور بصوت عالٍ: «وزهور النسرين، لا تنسَي زهور النسرين.»

قالت روبيرتا: «بالطبع لن أنسى! لقد أخبرتني أمي قبل أيام قليلةٍ أنه كان في منزل أمها وشيعٌ كثيفٌ من هذه الزهور عندما كانت طفلةً صغيرة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠