الفصل الرابع

لصة القطار

كان ما تبقى من الملاءة الثانية وورنيش برونزويك الأسود كافيًا تمامًا لصنع لافتة مكتوبٍ عليها:

لقد أوشكَت على التعافي شكرًا لك.

بُسِطتْ هذه اللافتة أمام التنين الأخضر بعد حوالي أسبوعَين من وصول الزنبيل الرائع. وعندما رآها السيد العجوز ردَّ عليهم ملوحًا بيده في ابتهاج من القطار. وعندما انتهى الأطفال من هذا رأوا أن الوقت قد حان لإخبار والدتهم بما فعلوه أثناء مرضها. لمْ يبدُ الأمرُ على الإطلاق بتلك السهولة التي كانوا يتصورونها. لكنْ لم يكن من فِعله بُد. وقد فعلوه. غضبتْ أمهم غضبًا شديدًا. نادرًا ما كانت تغضب من قبل، لكنها في تلك اللحظة غضبتْ غضبًا لم يرَوه منها قبل ذلك قطُّ. كان ذلك مروعًا. لكنه ازداد سوءًا عندما بدأتْ فجأةً في البكاء. إن البكاء مُعدٍ، على ما أعتقد، مثل الحصبة والسعال الديكي. فقد وجد الجميع أنفسهم وقد انخرطوا في بكاءٍ جماعي.

توقفتْ أمهم عن البكاء أولًا. وجففتْ عينَيها ثم قالت:

«أعتذر لأنني غضبتُ هكذا يا أحبتي، لأنني أعرف أنكم لمْ تفهموا.»

قالت بوبي وهي تنشج بالبكاء: «لم نقصد أن نسيء التصرف يا أمي.» وأخذ بيتر وفيليس يشهقان طويلًا.

قالت أمهم: «والآن، أنصتوا إليَّ، صحيحٌ أننا فقراء، لكنَّ عندنا من المال ما يكفي لسد احتياجاتنا الضرورية. يجب ألَّا تُخبروا الجميع بشئوننا الخاصة؛ هذا خطأ. وإياكم أبدًا، أبدًا، أبدًا أن تطلبوا ممن لا تعرفونهم أن يعطوكم شيئًا. تذكَّروا هذا دائمًا؛ سمعتم؟»

عانقوها جميعًا وراحوا يدعكون وجناتهم المبللة في وجنتَيها ووعدوها بطاعتها فيما أمرت به.

«وسوف أكتب رسالةً لصاحبكم العجوز، وسأخبره أنني لم أرضَ؛ أوه، بالطبع سأشكره أيضًا على معروفه. أنا غير راضيةٍ عمَّا فعلتموه أنتم يا أحبتي، وليس عمَّا فعله السيد العجوز. لقد كان طيبًا للغاية. ويمكنكم إعطاء الرسالة لناظر المحطة ليعطيها له؛ ولن نتكلم في هذا الأمر بعد ذلك إطلاقًا.»

بعد ذلك، عندما أصبح الأطفال بمفردهم، قالت بوبي:

«أليست أمنا عظيمة؟ هل رأيتم أيَّ أحدٍ من الكبار غيرها يعتذر لأنه كان غاضبًا.»

قال بيتر: «نعم، إنها عظيمةٌ حقًّا؛ لكنَّ الأمر يصبح مخيفًا بعض الشيء عندما تكون غاضبة.»

قالت فيليس: «إنها تشبه ذلك المُنتقِم المُشرق الذي تتحدث عنه أغنيةُ «أفينجينج آند برايت». لو لم يكن الأمر مخيفًا جدًّا لأحببتُ أن أنظر إليها. إنها تبدو جميلةً للغاية عندما تستشيط غضبًا.»

أخذ الأطفال الرسالةَ إلى ناظر المحطة.

فقال: «أعتقد أنكم قلتم إنه ليس لديكم أي أصدقاء إلا في لندن.»

قال بيتر: «لقد تعرفنا عليه بعدما أخبرناك بهذا.»

«لكنه لا يعيش بالقرب من هنا، أليس كذلك؟»

«لا؛ إنما عرَفناه من السكة الحديدية.»

بعد ذلك عاد ناظر المحطة إلى ذلك المعبد الداخلي المقدس وراء النافذة الصغيرة التي تُباع منها التذاكر، وذهب الأطفال إلى غرفة الحمَّالين وراحوا يتكلمون مع الحمَّال. لقد عرَفوا منه العديد من الأشياء المشوقة؛ كان من بينها أن اسمه بيركس، وأنه متزوجٌ ولديه ثلاثة أطفال، وأن الأضواء التي في مقدمة القاطرة تُسمَّى أضواء الرأس والتي في الخلف تُسمَّى أضواء الذيل.

همست فيليس قائلةً: «وهذا إنما يدل على أن القطارات تنانينُ متنكرة بالفعل، ولها رءوس وذيول تليق بها.»

في ذلك اليوم لاحظ الأطفال للمرة الأولى أن القاطرات ليست كلها متشابهة.

قال الحمَّال الذي يُدْعى بيركس: «متشابهة؟ يا إلهي، أَحبَّكِ الرب، لا يا آنسة. ليستْ متشابهةً إلا بقدر ما تُشبهينني وأُشْبهك. تلك القاطرة الصغيرة، التي مرتْ من أمامنا منذ قليل بمفردها تمامًا، إنها تحتوي على خزانات الوقود والماء داخلها؛ لقد غادرتْ لتحويل مسار قطارٍ ما في الجانب الآخر من مدينة ميدبريدج. ربما تُشبِهك هذه القاطرة أيتها الآنسة. بعد ذلك توجد قاطرات البضائع، إنها ضخمة وكبيرة ولها ثلاث عجلات على كل جانب من جانبَيها، وهذه العجلات متصلة ببعضها بقضبان حديدية لتقويتها، وهذه ربما تُشبهني أنا. ثم هناك قاطرات الخطوط الرئيسية والتي ربما تُشبِه هذا الفتى المهذب عندما يكبُر ويفوز في كل السباقات في مدرسته؛ كما أتوقع له أن يفعل. لقد صُمِّمَت قاطرات الخطوط الرئيسية لتكون سريعةً وقويةً أيضًا. هذه القاطرة تجر قطار التاسعة والربع المتجهَ إلى العاصمة.»

قالت فيليس: «التنين الأخضر.»

قال الحمَّال: «نحن هنا نسميه الحلزون يا آنستي. إنه يتأخر دائمًا أكثر من أي قطارٍ آخر على الخط.»

قالت فيليس: «لكنَّ القاطرةَ خضراء.»

قال بيركس: «نعم يا آنستي، وهكذا الحلزونات في بعض فصول السنة.»

اتفق الأطفال وهم في طريقهم إلى المنزل لتناول الغداء أنَّ الجلوس مع الحمَّال كان مبهجًا للغاية.

كان اليوم التالي يوافق عيد ميلاد روبيرتا. بعد الظهر طلبوا منها بأدبٍ وحسمٍ أيضًا أن تترك لهم المكان وأن تبقى بعيدًا حتى وقت احتساء الشاي.

قالت فيليس: «لن ترَي ما سنفعله قبل أن ننتهي من فعله؛ إنها مفاجأةٌ رائعة.»

وهكذا خرجت روبيرتا إلى الحديقة بمفردها تمامًا. حاولَت أنْ تُبدي امتنانها لهم، لكنها أحست أنه كان من الأفضل لها كثيرًا أن تُساعدهم فيما كانوا سيفعلونه أيًّا كان، ولا تقضي نهار عيد ميلادها بمفردها، بغضِّ النظر عن مدى روعة المفاجأة.

لكن أما وأنها أصبحت الآن بمفردها، فقد أصبح لديها وقتٌ للتفكير، وكان أكثر ما فكرتْ فيه ما قالته أمها في إحدى تلك الليالي المحمومة عندما كانت يداها ساخِنتَين للغاية وعيناها شديدتَي اللمعان.

كانت أمها تقول: «يا إلهي، كم سيكون أجر الطبيب مكلفًا!»

أخذت روبيرتا تسير حول الحديقة مرارًا بين شجيرات الورد التي لم يكن بها أي ورودٍ بعد، بل براعم فقط، وبين شجيرات أزهار الليلك والكشمش الأسود الأمريكي، وكانت كلما تذكرت أجر الطبيب، ازدادت كرهًا للتفكير بشأنه.

وبعد قليلٍ اتخذتْ قرارًا. خرجتْ من باب الحديقة الجانبي وتسلقتِ المرجةَ الشديدةَ الانحدار حتى وصلتْ إلى المكان الذي يمتد فيه الطريق بمحاذاة قناة الماء. ظلت روبيرتا تمشي حتى وصلتْ إلى الجسر الممتد فوق القناة والمؤدي إلى القرية، وتوقفتْ هناك. كان ممتعًا جدًّا أن تُسنِد مرفقَيها على حجارة الجسر الدافئة تحت أشعة الشمس وتنظر إلى مياه القناة الزرقاء تحتَها. لم يسبق لبوبي أن رأتْ أية قناة مائية أخرى، باستثناء قناة ريجينت، ولون مياه تلك القناة ليس جميلًا على الإطلاق. لم يسبق لها كذلك أن رأتْ أي نهرٍ على الإطلاق غير نهر التيمز، والذي ربما يصبح أفضل مما هو عليه لو نُظِّفَت صفحتُه.

كان من الممكن أن يُحِبَّ الأطفال قناة الماء بقدر ما أحبوا السكة الحديدية، لكن لم يحدث هذا لسببين؛ السبب الأول أنهم اكتشفوا السكة الحديدية أولًا؛ في ذلك الصباح الأول الرائع عندما كان المنزل والريف والمستنقعات والصخور والتلال الكبيرة جديدةً تمامًا بالنسبة إليهم. ولم يكتشفوا قناة الماء إلا بعد ذلك ببضعة أيام. السبب الثاني أن كل من في السكة الحديدية كانوا ودودين معهم؛ ناظر المحطة، والحمَّال، والسيد العجوز الذي يُلوِّح لهم بيده. لكنَّ أولئك الموجودين عند قناة الماء كانوا يتصفون بكل الصفات ما عدا الطِّيبة.

كان الموجودون عند قناة الماء هم الملاحين، بالطبع، أولئك الذين يقودون القوارب البطيئة جيئة وذُهوبًا بين طرَفَي القناة، أو يسيرون إلى جوار الخيول المسنة التي تخوض في طين ذلك الممر الضيق المجاور للقناة وتجر القوارب بحبال الجر الطويلة.

ذات مرةٍ سأل بيتر أحدَ الملاحين عن الساعة، فقال له الرجل: «ابتعد من هنا» بنبرةٍ عنيفةٍ للغاية لدرجة أن بيتر لم يقف ليقول أيَّ شيءٍ حول أنَّ له الحقَّ نفسه الذي للرجل في استخدام الممر. في الواقع، لم يخطر حتى ببال بيتر أن يقول ذلك إلا بعد مدة.

ثم في يومٍ آخر عندما أَحبَّ الأطفال أن يصطادوا من قناة الماء، رماهم صبيٌّ كان على متن أحد القوارب بقِطَع الفحم، فأصابت إحدى هذه القطع قفا فيليس. كانت قد انحنَت لتوِّها لتعقد رِباط حذائها؛ ورغم أن قطعة الفحم لمْ تكد تؤلمها على الإطلاق فقد زهَّدتْها في الخروج للصيد.

رغم هذا، أحستْ روبيرتا وهي على الجسر بأمانٍ كبير؛ لأنها كانت تستطيع النظر إلى قناة الماء من أعلى، ولو بدا على أي صبيٍّ أنه ينوي رميها بالفحم، لأمكنها حينئذٍ أن تخفض رأسها خلف حاجز الجسر.

بعد قليلٍ سمعتْ صوتَ عجلات إحدى العربات، وكانتْ كما توقعَتْها تمامًا.

كانت تلك هي عجلات عربة الطبيب، وكان الطبيب، بالطبع، يَركب العربة.

أوقف الطبيب العربة، ونادى قائلًا:

«مرحبًا، رئيسة الممرضات! أتريدين أن أوصلك؟»

قالت بوبي: «كنتُ أرغب في رؤيتك.»

قال الطبيب: «آمُل ألا تكون حالةُ والدتكِ قد ازدادتْ سوءًا، هل حدث هذا؟»

«لا … لكن …»

«حسنٌ، اقفزي إلى العربة إذن، وسننطلق في نزهة.»

صعدت روبيرتا إلى العربة وحوَّل الطبيب اتجاه الحصان البني؛ وهو ما لمْ يُحبَّه الحصانُ مطلقًا؛ لأنه كان يتطلع لنصيبه من الشاي — أقصد نصيبه من حبوب الشوفان.

قالت بوبي، والعربة تنطلق بسرعةٍ كبيرةٍ على الطريق إلى جوار قناة الماء: «هذا ممتع.»

قال الطبيب عندما مرا أمام المنزل: «يمكننا أن نَرمي حجرًا داخل أي واحدةٍ من مداخنكم الثلاثة.»

قالت بوبي: «نعم، لكن عليك أن تكون راميًا ممتازًا لتفعل هذا.»

قال الطبيب: «كيف عرَفتِ أنني لستُ كذلك؟ والآن، ما المشكلة؟»

أخذت بوبي تعبث بمشبك مريلة القيادة.

قال الطبيب: «هيا، أفصحي عما في نفسك.»

قالت بوبي: «الأمر صعبٌ نوعًا ما، أتعرف، أقصد أن أَقول ما في نفسي؛ بسبب ما قالتْه أمي.»

«وما الذي قالتْه أُمك؟»

«قالتْ إنه عليَّ ألا أُخبر كل أحد أننا فقراء. لكنك لستَ كل أحد، أليس كذلك؟»

قال الطبيب بابتهاج: «على الإطلاق. ما الأمر إذن؟»

«حسنٌ، أعلم أن الأطباء مغالون جدًّا؛ أقصد مُكلِّفين، وقد أخبرتني السيدة فايني أن علاجها لا يُكلِّفها سوى بنسَين في الأسبوع لأنها تابعة لجمعية تأمين.»

«حسنٌ؟»

«لقد أخبرتْني كم أنكَ طبيبٌ جيد، وسألتُها كيف تستطيع دفع أجرك؛ لأنها أفقر منَّا بكثير. لقد زرتُ بيتها وأعلم هذا. وحينئذٍ أخبرتْني عن جمعية التأمين، وظننتُ أنني ربما أطلب منك … و… يا إلهي، لا أريد أن تَقلق أمي! ألا يمكننا الانضمام للجمعية نحن أيضًا، مثل السيدة فايني؟»

لم يتكلم الطبيب. لقد كان فقيرًا نوعًا ما هو الآخر، وكان مسرورًا بحصوله على عائلةٍ جديدةٍ يعالجها؛ لذا أظن أن مشاعره في هذه اللحظة كانت متضاربةً بعض الشيء.

قالت بوبي، بصوتٍ شديد الخفوت: «لستَ غاضبًا مني، أليس كذلك؟»

نهض الطبيب من مكانه.

«غاضب؟ كيف لي أن أغضب؟ إنكِ فتاةٌ حساسة للغاية. والآن أنصتي إليَّ، لا تقلقي. سأُسوي الأمر مع والدتك، حتى لو اضطُرِرتُ لعمل جمعية تأمينٍ خاصةٍ وجديدةٍ تمامًا من أجلها. انظُري، هذه هي بداية قنطرة الماء.»

سألتْ بوبي: «ما هي اﻟ… ما اسمُها؟»

قال الطبيب: «إنها جسر لنقل الماء، انظري!»

امتد الطريق على جسرٍ فوق القناة. كان إلى جهة اليسار منحدر صخريٌّ شديد الانحدار تنمو الأشجار والشجيرات بين شقوق صخوره. وفي هذا المكان توقف امتداد القناة فوق قمة التلة وبدأتْ تمتد فوق جسرٍ قائمٍ بذاته؛ جسرٍ عظيمٍ ذي أقواس شاهقة الارتفاع يمتد بين ضفَّتَي الوادي.

أخذت بوبي نفسًا عميقًا.

وقالت: «إنه مهيب، أليس كذلك؟ إنه يشبه الصور التي في كتاب «تاريخ روما».»

قال الطبيب: «نعم! إنه يشبه ما تقولين تمامًا. لقد كان الرومان في غاية الدقة في بناء القناطر. إنه تحفة هندسية رائعة.»

«كنتُ أظن أن الهندسة هي صناعة المحركات.»

«ثمة أنواع مختلفة من الهندسة؛ فبناء الطرق والجسور والأنفاق نوع. وبناء التحصينات نوعٌ آخر. حسنٌ، يجب أن نعود. وتذكري، عليكِ ألا تقلقي بشأن فواتير أجور الأطباء وإلا فستمرضين أنتِ نفسك، وساعتَها سأرسل لكِ فاتورةً بطول القناطر.»

عندما تركت بوبي الطبيبَ عند قمة المرجة الممتدة من الطريق نزولًا إلى المنزل ذي الثلاث المداخن، لم تشعرْ أنها ارتكبتْ خطأً. كانت تعلم أن أمها ربما سترى الأمر بطريقةٍ مختلفة. لكنَّ بوبي أحسَّت هذه المرةَ أنها هي المُحقة، وأخذتْ تنزل على المنحدر الصخري وهي تشعر بسعادة حقيقية.

قابلها بيتر وفيليس عند الباب الخلفي. كانا نظيفَين ومهندمَين على نحو غير معتاد، وكانت فيليس تُزيِّن شعرها بعقدة حمراء. بالكاد اتسع الوقتُ لبوبي كي تصلح هندامها وتربط شعرها بعقدة زرقاء قبل أن يدق جرسٌ صغير.

قالت فيليس: «تمهلي! كان هذا لكي نعرف أن المفاجأة أصبحت جاهزة. والآن انتظري حتى يدق الجرس مرةً أخرى وعندها يمكنكِ الدخول إلى غرفة المائدة.»

وهكذا انتظرتْ بوبي.

دق الجرس الصغير، فذهبَت بوبي إلى غرفة المائدة وهي تشعر بشيءٍ من الخجل. وما إن فتحت الباب حتى رأت نفسها، كما بدا الأمر، في عالمٍ جديدٍ من النور والزهور والغناء. كانت أمها وبيتر وفيليس يقفون في صفٍّ عند طرف المائدة. كانت النوافذ مغلقةً وكان على المائدة اثنتا عشرة شمعة، بعدد سنوات عمر روبيرتا. كانت المائدة مغطاة بمفرش عليه نقشٌ من الزهور، وكان عند مقعد روبيرتا إكليلٌ كثيفٌ من زهور أذن الفأر والعديد من العُلب الجذابة للغاية. كانت أمها وفيليس وبيتر يغنون على الجزء الأول من لحن إحدى أغاني الاحتفالات. كانت روبيرتا تعلم أن أمها كتبَت الكلمات من أجل عيد ميلادها. كانت هذه عادة أمها في أعياد الميلاد. وقد بدأتْ في عيد ميلاد بوبي الرابع عندما كانت فيليس لا تزال رضيعة. تذكرَتْ بوبي كيف حفظت الكلمات كي «تفاجئ» والدها بغنائها. وراحتْ تتساءل في نفسها إن كانت أمها قد تذكرتْ هي الأخرى. كانت القصيدة التي كُتِبَت وهي ابنة أربع سنوات:
أبي! عُمري يُتمُّ اليومَ أربعةً
من الأعوامِ، لا أدنى ولا أكثرْ.
أبي، عمري! وعمري لا أُريدُ لهُ
تَخطِّيَها، فأربعةٌ هي الأنضرْ.

•••

وأربعةٌ هي الأحلى من العُمرِ؛
ثلاثٌ ثم واحدةٌ، على الوَتْرِ!
وإمَّا أنْ تشاءَ الشَّفعَ فانْظِمْهُ
من السنتَين والسنتَين كالدُّرِ!

•••

أُحبُّ اثنَينِ ثم اثنَيـ
ـنِ كالنبضاتِ من قلبي:
هُمُ أُمي وَفِلْ أُختي،
وبيترُ ثُم خيرُ أبِ.

•••

وتهوى أنتَ واحدةً، ويتلوها
ثلاثٌ، هم بَنوكَ الغُرُّ وبنوها.
فذي أُمي، وبيترُ ثم فِلْ وأنا؛
كجوهرةٍ فصوصُ التاجِ تعلوها!

•••

تعالَ الآن قبِّلْ بِنتكَ الحُلوةْ
فقد حفظتْ، وغنَّتْ يا أبي غنوةْ!
أما الأغنية التي كانوا يغنونها لها فكانت:
حبيبتنا روبيرتا،
لا حزن سيؤذيها
ما دمنا نستطيع منعه
طوال عمرها.
عيد ميلادها هو عيدنا،
سنجعله يومنا العظيم،
ونعطيها هدايانا
ونغني لها أغانينا.
نرجو أن ترافقها الأفراح،
وأن يختار لها القدَر
أسعد رحلةٍ
في مسيرة حياتها.
لتشرق السماواتُ فوقها،
وليبادلها أحبابها الحب!
حبيبتَنا بوب! عسى يعود يوم ميلادك
مراتٍ عديدةً سعيدة!

عندما انتهوا من الغناء صاحوا قائلين: «ثلاث تَحايا لحبيبتنا بوبي!» ورفعوا أصواتهم بالهتاف عاليًا جدًّا. أحستْ بوبي تمامًا وكأنها توشك على البكاء؛ أتعلمون ذلك الإحساس الغريب الذي يسري في قصبات أنوفكم، وذلك الوخز الذي يعتري أجفانكم؟ لكن قبل أن يتسنى لها الانخراطُ في البكاء راحوا جميعًا يُقبِّلونها ويُعانقونها.

قالت أمها: «والآن، ألقي نظرةً على هداياكِ.»

كانت هدايا جميلةً جدًّا. كان هناك حافظة قماشية من اللونَين الأخضر والأحمر لحفظ أدوات الخياطة، كانت فيليس قد صنعَتْها بنفسها سرًّا. وكان هناك كذلك بروش فِضي صغير أنيق على شكل زهرة الحَوْذان وهو بروش أمهم، كانت بوبي قد رأته وأعجبها منذ سنوات، لكنها لمْ تتخيل قط أنه سيصبح لها. كان هناك أيضًا مزهريتان من زجاجٍ أزرقٍ أحضرتهما السيدة فايني. كانت بوبي قد رأتهما في محل القرية وأُعجِبَتْ بهما. وكان هناك ثلاثُ بطاقاتِ تهنئةٍ بعيد الميلاد بها صورٌ وتمنيات رائعة.

وضعت الأم إكليل زهور أذن الفأر حول جبهة بوبي البِنْية.

وقالت: «والآن انظري إلى المنضدة.»

كان على المنضدة كعكةٌ كبيرةٌ مغطاةٌ بالسكر الأبيض، وكان مكتوبًا عليها بقطع الحلوى الوردية «حبيبتنا بوبي»، كما كان هناك المزيد من الكعك الصغير المُحلى والمربى؛ لكن كان أجمل ما في الأمر أن المنضدة الكبيرة كانت مغطاةً كلها تقريبًا بالورود — كانت زهور المنثور الأصفر تحيط صينية الشاي من كل جانب — وكانت تحيط بكل طبقٍ حلقةٌ من زهور أذن الفأر. أما الكعكة الكبيرةُ فكان حولها إكليلٌ من زهور اللَّيْلك الأبيض، وكان في المنتصف شيءٌ أشبه بنقش مصنوع كله من زهورٍ مفردةٍ من الليلك أو المنثور أو القوطيسوس.

صاح بيتر قائلًا: «إنها خريطة؛ خريطةٌ للسكة الحديدية! انظري؛ هذان الخطان من زهور الليلك هما قضبان السكة الحديدية؛ وها هي المحطة مصنوعة من زهور المنثور البُنية. زهور القوطيسوس هي القطار، وها هي أكشاك الإشارات، وهذا هو الطريق حتى هنا؛ وهذه الأقاحيُّ الحُمْر الكبيرة الثلاث هي نحن نلوح للسيد العجوز؛ ها هو ذا، زهرة البنفسج التي في قطار القوطيسوس.»

قالت فيليس: «وها هو «منزلنا ذو الثلاث المداخن» من زهور الربيع البنفسجية. وتلك الوردة ذات البرعم هي أمي تنتظرنا حين نتأخر عن موعد تناول الشاي. كان كل ذلك من ابتكار بيتر، وقد حصلنا على الورد كله من المحطة. ارتأينا أنه قد يعجبك أكثر.»

قال بيتر: «هذه هي هديتي.» وفجأةً ألقى بقطاره البخاري الأثير لديه على المنضدة أمامها. كانت مقطورة الوقود والماء في محركه البخاري مبطنةً بورق أبيض جديد، ومملوءة بقطع الحلوى.

صاحتْ بوبي، وقد غمرها هذا السخاء: «يا إلهي، بيتر! أستُعطيني قطارك الصغير الذي تعشقه؟»

بادرها بيتر في الحال: «أوه، لا، ليس القطار. الحلوى فقط.»

لم تستطع بوبي منع وجهها من التغير قليلًا؛ وما كان هذا لخيبة أملها لعدم حصولها على القطار اللعبة بقدر ما كان لظنها الكرمَ البالغ في بيتر، وقد أحسَّتْ في تلك اللحظة أنها كانت حمقاء عندما جال ذلك بخاطرها. أحستْ كذلك أنه لا بد أنها بدَتْ جشعةً عندما توقعَت الحصول على القطار والحلوى معًا؛ لهذا تغير وجهها. لاحظ بيتر ذلك، فأخذه الترددُ قليلًا؛ ثم تغير وجهه هو الآخر، وقال: «لا أقصد القطار كله. سأسمح لكِ بأن تُقاسميني إياه إن أحببتِ.»

صاحت بوبي: «كم أنت طيب. إنها هديةٌ رائعة.» ولم تجهر بشيءٍ أكثر من هذا، لكنها قالت بينها وبين نفسها:

«كان هذا لُطفًا كبيرًا جدًّا من بيتر؛ فأنا أعرف أنه لم يكن يقصد ذلك. حسنٌ، سآخذُ أنا النصف المكسور من القطار، وسأصلحه وأُعيده إليه في عيد ميلاده.» ثم قالت: «نعم يا أمي الحبيبة، سأقطع الكعكة.» وبدأ حفل الشاي.

كان عيد ميلادٍ مبهجًا. بعد حفل الشاي راحت أمهم تلعب معهم — أي لعبةٍ أرادوا — وبالطبع كان اختيارهم الأول لعبة الغميضة، التي مال خلالها إكليلُ بوبي باعوجاجٍ فوق إحدى أذنَيها وبقي كذلك. بعد ذلك، عندما اقترب وقتُ النوم والهدوء، راحتْ أمهم تقص عليهم قصةً جديدةً جميلة.

سألت بوبي بعدما تمنى كلٌّ منهم للآخر ليلةً سعيدةً: «لن تُطيلي السهر في العمل، أليس كذلك يا أمي؟»

وأجابتها أمها بأنها لن تفعل؛ وأنها فقط ستكتب رسالةً لأبيها ثم ستذهب إلى النوم.

لكن عندما تسللت بوبي فيما بعد إلى الأسفل لتُحضر هداياها — لأنها أحستْ أنها لا تقوى بالفعل على الابتعاد عنها طوال الليل — لم تكن أمها تكتب، وإنما كانت تُسنِد رأسها على ذراعَيها وذراعاها على المنضدة. أظن أن بوبي أحسنتْ صنعًا عندما انسلَّتْ بعيدًا في هدوء، وهي تُردد مرةً بعد مرة: «إنها لا تُريدني أن أعلم بحزنها، لذا فلن أعلم؛ لن أعلم.» لكنَّ هذا جعل عيد الميلاد ينتهي نهايةً حزينة.

•••

في صباح اليوم التالي مباشرةً بدأت بوبي تتحين الفرصة لإصلاح قطار بيتر سِرًّا. وقد أُتيحت لها الفرصة بعد ظهر ذلك اليوم نفسه.

توجهت أمها بالقطار إلى المدينة الأقرب إليهم لتتسوق. وقد كانت دائمًا ما تمر بمكتب البريد عند ذهابها إلى هناك؛ ربما لتُرسل خطاباتها التي تكتبها لأبيهم؛ لأنها لم تُعطِها قط للأطفال ولا للسيدة فايني لإرسالها، كما أنها لم تذهب قط إلى القرية بنفسها. ذهب بيتر وفيليس معها. كانت بوبي تريد عذرًا لكيلا تذهب معهم، لكن برغم محاولاتها لمْ تهتدِ إلى عُذرٍ مناسب. وفي اللحظة التي أحستْ فيها أنه لا جدوى من المحاولة، عَلِق معطفها في مسمارٍ كبيرٍ بجوار باب المطبخ وانقطعت تنورتها قطعًا كبيرًا متصالبًا بطول جهتها الأمامية. أؤكد لكم أن هذا حدث مصادفةً فعلًا. وهكذا رثى الآخرون لما أصابها وذهبوا بدونها؛ إذ لم يكن أمامها متسعٌ من الوقت لتُغيِّر ملابسها، لأنهم كانوا متأخرين نسبيًّا بالفعل وكان عليهم أن يُسرعوا إلى المحطة ليلحقوا بالقطار.

عندما غادروا، ارتدتْ بوبي معطفها المعتاد، وتوجهت إلى المحطة. لكنها لم تدخل المحطة، وإنما سارت بمحاذاة خط السكة الحديدية حتى وصلت إلى طرف الرصيف الذي تقف عنده القاطرةُ عندما يكون القطار القادم من المدينة الأقرب إليهم محاذيًا للرصيف؛ ذلك المكان الذي يوجد فيه خزانٌ للمياه وخرطومٌ جلديٌّ طويلٌ رخوٌ شبيهٌ بخرطوم الفيل. اختبأتْ بوبي خلف شُجيرةٍ على الجانب الآخر من السكة الحديدية. كان القطار اللعبة معها ملفوفًا في ورق بني، ومكثتْ تنتظر في صبرٍ وهو تحت ذراعها.

بعد ذلك عندما دخل القطار التالي إلى المحطة وتوقف، سارت بوبي عبر قضبان خط القطار المتجه إلى المدينة ووقفتْ إلى جوار القاطرة. لم يَسبق لها قبل ذلك قطُّ أن كانت قريبةً جدًّا من أي قاطرة هكذا. لقد بدت القاطرة أضخم وأصلب بكثيرٍ مما توقعَتْ، وجعلَتها تشعر أنها ضئيلةٌ جدًّا في الحقيقة، كما جعلتها بطريقة ما تشعر أنها شديدة الضعف؛ وكأنما من اليسير جدًّا أن يُصيبها ضررٌ بالغ.

قالت بوبي بينها وبين نفسها: «لقد عرَفتُ الآن ما تشعر به دودة الحرير.»

لم يرَها سائق القطار ولا الوقَّاد. كانا مُنحنِيَين خارج القاطرة من الجهة الأخرى يحكيان للحمَّال قصةً حول أحد الكلاب وقطعةٍ من لحم الضأن.

قالت روبيرتا: «لو سمحت.» لكنَّ القاطرةَ كانت تنفث البخار فلمْ يسمعها أحد.

رفعتْ روبيرتا صوتها بعض الشيء: «لو سمحت، يا سيدي سائق القطار.» لكنْ تصادف أن تحدَّثت القاطرةُ في اللحظة نفسها، وبالطبع لم يكن صوتُ روبيرتا الخفيض الرقيق ليُسمِع السائق.

بدا لها أن الطريقة الفعالة الوحيدة هي أن تصعد إلى القاطرة وتجذبهما من معطفَيهما. كانت المِرقاة عاليةً عليها، لكنها وضعتْ ركبتها عليها، وصعدت بصعوبةٍ إلى غرفة السائق؛ وهنا تعثرتْ روبيرتا وسقطتْ على يدَيها وركبتَيها عند أسفل كومة الفحم الكبيرة المؤدية إلى الفتحة المربعة الموجودة في مقطورة الوقود. لم تكن هذه القاطرة أحسنَ حالًا من مثيلاتها؛ فقد كانت تُحدِث ضجيجًا أكبر بكثيرٍ مما قد تدعو إليه الحاجة. وما إنْ سقطت روبيرتا على الفحم حتى شغَّل سائقُ القطار — الذي التفتَ دون أن يراها — القاطرةَ، وعندما نهضتْ بوبي من جديد، كان القطار يتحرك؛ ليس سريعًا، ولكن أسرع بكثيرٍ من أن تتمكن هي من مغادرته.

هاجمتها جميعُ أنواع الأفكار المخيفة معًا في لمحة بصرٍ مرعبةٍ. كان من بين هذه الأفكار تلك القطارات السريعة التي تنطلق، كما تخيَّلتْ، لمئات الأميال دون توقُّف. هل تخيلتم احتمالية أن يكون هذا أحدَ تلك القطارات؟ كيف ستتمكن من العودة إلى البيت مرةً أخرى؟ إنها لا تملك ثمن رحلة العودة.

راحت بوبي تُحدِّث نفسها: «كما أنه لا مبرر لوجودي هنا. إنني لصة قطارات؛ هذه هي حقيقتي. ينبغي ألا أندهش إذا سجنوني لأجل هذا.» وكانت سرعة القطار تزداد أكثر وأكثر.

كان في حلقها شيءٌ ما منعها من الكلام. حاولت الكلام مرتين. كان الرجلان يقفان وظهراهما إليها. كانا يفعلان شيئًا ما في أشياء بدتْ كصنابير المياه.

فجأةً مدَّتْ بوبي يدها وأمسكتْ بكُمِّ الرجل الأقرب إليها. الْتفَت الرجل منتفضًا، ووقف هو وروبيرتا مدةَ دقيقةٍ ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر في صمت. ثم قطعا ذلك الصمتَ كلاهما في وقت واحد.

قال الرجل: «يا إلهي، ما العملُ معكِ؟» وانفجرتْ روبيرتا في البكاء.

قال الرجل الآخر إنه متفاجئٌ للغاية، أو شيئًا من هذا القبيل، لكنْ على الرغم من دهشتهما المتوقَّعة في موقفٍ كهذا لمْ يكونا قاسيَين في الحقيقة.

قال الوقَّاد: «إنكِ فتاةٌ مشاغبةٌ، لا بد أنكِ هكذا»، أما سائق القطار فقال:

«أما أنا فسأُسمِّيها الناحلة الجريئة.» لكنهما أجلساها على مقعدٍ حديديٍّ داخل غرفة السائق وطلبا منها أن تتوقف عن البكاء وتخبرهما ماذا أرادت من وراء فِعلتها.

توقفت روبيرتا عن البكاء حالما استطاعت. ومما ساعدها على ذلك أنها تذكرتْ أن الأمر ربما يصل ببيتر إلى أن يُضحي بأذنَيه مثلًا من أجل أن يكون في مكانها؛ في قاطرةٍ حقيقيةٍ مسافرةٍ فعلًا. فقد كان الأطفال كثيرًا ما يتساءلون إنْ كان ثمة أيُّ سائقِ قطارٍ يتحلى بما يكفي من الشهامة ليصطحبهم على متن قاطرة؛ وها هي الآن على متن قاطرة. جففت روبيرتا عينَيها وشهقتْ بقوة.

قال الوقَّاد: «والآن، تكلمي. ماذا أردتِ من وراء فعلتك؟»

شهقت بوبي وقالت: «أوه، أرجوك.»

قال سائق القطار بلهجةٍ مُشجعة: «حاولي من جديد.»

حاولت بوبي مرةً أخرى.

وقالت: «أرجوك يا سيدي السائق، لقد ناديتُكَ بالفعل وأنا واقفةٌ على خط السكة الحديدية، لكنك لم تسمعني، ولم أصعد إلى القاطرة إلا لأجذب ذراعك، وكنتُ سأفعل ذلك برفقٍ شديد، لكنني بعد ذلك سقطتُ على الفحم، وأنا آسفةٌ لو كنتُ أفزعتكما. يا إلهي، لا تغضب، آه، أرجوك لا تغضب!» وشهقتْ من جديد.

قال الوقَّاد: «لسنا غاضبَين بقدر ما نحن متحمسَين لمعرفة أمرك. فلا يحدث كل يومٍ أن تسقط علينا طفلةٌ من السماء وتتعثر في مخزن الفحم، أليس كذلك يا بيل؟ لماذا فعلتِ ما فعلتِه؟ تكلمي.»

قال سائق القطار مؤيدًا كلامَ زميله: «هذا هو المهم، لمَ فعلتِ ذلك؟»

اكتشفَت بوبي أنها لم تتوقف عن البكاء تمامًا. وهنا ربَّت سائق القطار على ظهرها وقال: «كفى، هوِّني عليكِ يا صديقتي. لن يكون الأمر أسوأ من كل ما مضى، أعدكِ بهذا.»

قالت بوبي، وقد أحستْ بارتياحٍ أكثر عندما وجدَتْ نفسها تُنادى بكلمة «صديقتي»: «كنتُ أريد، كنتُ أريد فقط أن أطلب منك أن تتكرم وتُصلِح لي هذا.»

الْتقطَت بوبي العلبة المغلفة بالورق البنِّي من بين قطع الفحم وفكَّت الخيط بأصابع حمراء ملتهبة مرتعشة.

كانت بوبي تشعر بلفح نار القاطرة في قدمَيها ورِجلَيها، لكنَّها كانت تشعر في كتفَيها ببرودة تيار الهواء المندفع في عنف. كانت القاطرة تترنح وترتجُّ وتُقرقع، وعندما انطلقوا تحتَ أحد الجسور بدا صوتها وكأنه صرخةٌ في أذنَي بوبي.

راح الوقَّاد يجرف الفحم.

فتحَت بوبي الورق البنيَّ وأظهرت القطار اللعبة.

وقالت في حزن: «كنتُ أظن أنك ربما تُصلح لي هذا القطار؛ لأنكَ سائق قطار.»

قال سائق القطار إنه كان سيندهشُ لو لم يُفاجَأ بما قالت.

قال الوقَّاد: «وأنا كنتُ سأتفاجأ إذا لم يُدهِشني قولُها.»

لكنَّ سائق القطار أمسك القطار الصغير وراح ينظر إليه؛ وتوقف الوقَّاد لحظةً عن جرف الفحم، وراح ينظر هو الآخر.

قال سائق القطار مصطنِعًا الجدية: «يا لوقاحتكِ اللعينة! ما الذي جعلكِ تظنين أننا قد نكترث لإصلاح مثل هذه اللعب الرخيصة؟»

قالت بوبي: «لم تدفعني لما فعلتُ وقاحةٌ لعينة.» ثم لما رأتْ كلًّا منهما يغمز بعينه للآخر غمزةً لا تنم عن قسوةٍ، أضافت: «لكن فقط كلُّ مَن له علاقةٌ بالسكة الحديدية شديد الطيبة والكرم، لم أظن أنك قد تمانع. إنك لا تمانع في الحقيقة، أليس كذلك؟»

قال بيل: «إنني أقود القاطرات، لا أُصلِحها، خاصةً مثل هذه القاطرات الصغيرة. والآن هل سنُعيدكِ إلى أصدقائكِ وأقاربكِ الذين يتملكهم الأسى عليكِ، ويُغتفَرُ كل شيءٍ ويُنسى؟»

قالت بوبي بثباتٍ، رغم أن قلبها كان يدق بعنفٍ بجوار ذراعها وهي تشبك أصابع يديها: «لو أنزلتني عندما توقف القطار في المرة القادمة، وأقرضتني ثمن تذكرةٍ من تذاكر الدرجة الثالثة، فسأعيد لك المال، أقسم بشرفي. أنا لا أتحايل لسرقة المال كهؤلاء الذين تتحدث عنهم الصحف؛ صدقًا، لستُ كذلك.»

قال بيل، وقد لانَ تمامًا وبطريقةٍ مفاجئة: «إنكِ فتاةٌ مهذبةٌ جدًّا. سنوصلكِ إلى بيتكِ آمنةً. أما بخصوص هذا القطار؛ جيم، أليس لديك أيُّ صديقٍ على الإطلاق يستطيع استخدام كاوية اللحام؟ يبدو لي أن هذا هو كل ما يحتاج إليه هذا الوغد الصغير.»

قالت بوبي موضحة بحماس: «هذا ما قاله أبي. ماذا تفعلون بهذا الشيء؟»

وأشارتْ إلى عجلةٍ نُحاسيةٍ صغيرة كان قد أدارها وهو يتكلم.

«هذه هي المحقنة.»

«ﻣﺤ… ماذا؟»

«محقنةٌ لملء مرجل توليد البخار.»

قالت بوبي وهي تسجل المعلومةَ في ذاكرتها لتُخبِر بها الآخرين: «أوه، هذا مثيرٌ حقًّا.»

واصل بيل كلامه، وقد أشعره حماسُها بالزهو: «هذه هي المكابح الآلية. ليس عليكِ سوى تحريكِ هذا المقبض الصغير — بإصبع واحدةٍ يمكنكِ فعل هذا — ليتوقف القطار في الحال. هذا هو ما تسميه الجرائد «قوة العلم».»

بعد ذلك أراها قرصَين مُدرَّجَين صغيرَين، يُشبهان وجوه الساعات، وأخبرها كيف أن أحدهما يبين كمية البخار المولد، والآخر يبين مدى كفاءة المكابح.

عندما رأته بوبي يُغلق مرجل البخار بواسطة مقبضٍ صلب لامع كبير، أصبح لديها من المعلومات عن آلية عمل القاطرات من الداخل أكثر مما تخيلَتْ أن تعرفه يومًا، ووعدها جيم أنْ يلحم شقيق زوجة ابن ابن عم والده القطارَ اللعبة، وإلا فسيُحاسبه. أحسَّتْ بوبي — بالإضافة إلى كل ما تعلمتْه — أنها هي وبيل وجيم قد أصبحوا أصدقاء إلى الأبد، وأنهما قد سامحاها تمامًا وإلى الأبد على تعثُّرها من دون إذنٍ وسط فحم مقطورتهما المبجل.

عند محطة ستاكلبول جانكشن الفرعية تركتهما بوبي بعد أن تبادلَت معهما عبارات الاحترام الودودة. سلَّماها إلى حارس أحد القطارات العائدة — وكان صديقًا لهما — وحظيَتْ بمعرفة ما يفعله الحراس في معاقلهم السرية، وأدركتْ كيف تدور عجلةٌ معينةٌ أمام الحارس مباشرةً وكيف يُدوِّي أحد الأجراس عاليًا في أذنَيه عندما تجذبون سلسلة الطوارئ وأنتم في عربات القطارات. سألت بوبي الحارسَ عن السبب وراء رائحة السمك التي تنبعث بقوةٍ من عربة البضائع خاصته، وعلمتْ أنه يُضطَر إلى حمل الكثير من الأسماك فيها كل يوم، وأن البلل الموجود في تجاويف الأرضية المموجة كان قد تسرب كله من صناديق مليئةٍ بأسماك الابْلايْس والقُدِّ والإِسْقمريِّ وسمك موسى وأسماك الهِفِّ.

وصلَت بوبي إلى المنزل في الوقت المناسب تزامنًا مع وقت تناول الشاي، كانت تشعر وكأنَّ عقلها سينفجر من كثرةِ ما وُضِع فيه منذ تركَت أمها وإخوتها. ولكَم دعت بالبركة لذلك المسمار الذي مزق معطفها!

سألوها قائلين: «أين كنتِ؟»

قالت روبيرتا: «كنتُ في المحطة من دون شك.» لكنها لم تُرِد أن تَنبِس ببِنت شَفةٍ عن مغامراتها قبل اليوم الموعود، يومَ قادتهما بطريقةٍ غامضةٍ إلى المحطة وقتَ مرور قطار ركاب الساعة الثالثة وتسع عشرة دقيقة، وعرفتهما بفخرٍ على صديقَيها؛ بيل وجيم. كان أخو زوجة ابن ابن عم والد جيم جديرًا بالثقة الغالية التي وُضِعت فيه. فقد أصبح القطار اللعبة، حرفيًّا ودون مبالغةٍ، في مثل جودة الجديد.

قالت بوبي، قبل لحظاتٍ من إطلاق القطار صيحةَ الوداع: «مع السلامة؛ أوه، مع السلامة. سأظل دائمًا، دائمًا أحبكما؛ أنتما وأخو زوجة ابن ابن عم والد جيم!»

وبينما كان الأطفال الثلاثة يصعدون التل عائدين إلى المنزل، وبيتر يحتضن القطار اللعبة، الذي عاد الآن إلى حالته الأولى تمامًا، راحت بوبي، وقلبها يتواثب فرحًا، تقص على أخوَيها كيف تحولت إلى لصة قطار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠