هذه المرة

خرجت نفيسة من المستشفى تحمل حقيبة ملابس صغيرة في يدها، وعلى وجهها وعينيها علامات إجهاد وإرهاق، وسارت محنيةً إلى الأمام بعض الشيء، مطرقة رأسها تفكر في أشياء كثيرة حتى وقفت قدماها أمام محطة الأتوبيس.

ووضعت الحقيبة على الأرض بين ساقيها، وشبكت ذراعيها حول صدرها، ووقفت تنظر إلى شارع الهرم العريض، وترقب بنظرات فاترة سيل العربات وهي تنحدر بسرعة آخذة في الهبوط مع الطريق الأملس الذي يهبط تدريجًا إلى نفق قطار الصعيد.

وكان قرص الشمس يميل على مهل بعيدًا جدًّا عند رأس شارع الهرم ويصبغ باللون الأحمر كل الأشياء، السماء والأرض والبيوت وأعمدة النور، ومقدمات العربات الصاعدة نحو الهرم، ومؤخرات العربات الهابطة إلى النفق، كل شيء كان أحمر بلون الخدود!

وسقطت الأشعة الحمراء على وجه نفيسة وهي تقف وقفتها الحائرة: فزادت عيناها السوداوان حزنًا وعمقًا، وبدت شفتاها المطبقتان كأنهما قد انطوتا على جرح ينزف دمًا أحمر خفيفًا.

وفكت ذارعيها بسرعة من حول صدرها لتطرد «بعوضة» لدغت ساقها فلمست يدها الجورب الجديد الذي تلبسه، ومالت برأسها إلى الأمام قليلًا لتنظر كيف يبدو الجورب على ساقيها، فوجدت أن لونه لا يناسب بشرتها السمراء، ولكن ماذا تفعل؟ إن الدكتور رشيد هو الذي اختاره لها!

وصعد الدم إلى وجهها بمجرد أن تذكرت هذا الاسم، وأحست بانقباض شديد، وتمنت لو فقدت ذاكرتها، أو فقدت خيالها، حتى تنسى هذا الاسم.

الدكتور رشيد، الذي كانت له معها قصة حب لم تدم سوى ثلاثة أشهر، ابتدأت بنظرات طويلة منه إليها، فحديث طويل في حجرة العمليات، فحديث قصير في كشك الغيار، ثم نزهة طويلة في عربته الصغيرة في شارع الكورنيش، آه، ثم …

وصعد الدم مرة أخرى إلى وجهها، لكنه ما لبث أن هرب وترك عليه صفرة بائسة حزينة.

إنها لا تعرف ما الذي دفعها إلى كل ما حدث، كانت تسمع أحاديث زميلاتها الممرضات فيقشعر بدنها، وخصوصًا حينما تحكي فاطمة عن علاقتها بالدكتور فتحي، وكيف أنه يحبها ويطلبها كل ليلة في المستشفى ويظل يحدثها مدة طويلة. وكان التمورجي، في وقت معين من كل ليلة، يطرق باب بيت الممرضات ويقول بصوت عالٍ لا يخلو من الضجر والضيق: الست فاطمة، تليفون.

وتقفز فاطمة من على سريرها وهي تطرقع باللبان كعادتها، وتضع على قميص النوم الرخيص مريلتها البيضاء، وتسمع نفيسة صوت حذائها المفكوك وهو يطرقع على درجات السلم في سرعة هوجاء، وبعد ساعة أو أكثر يعود صوت الحذاء المفكوك وهو يرتقي السلم في تثاقل وبطء شديدين، ثم تدخل فاطمة بخدين محمرين وعينين براقتين، وتلقي جسمها على السرير وهي تتأوه في حنين وميوعة: «يا ختي عليه الدكتور فتحي، تصوري يا نفيسة بيقولي عنده مفاجأة لي بكرة!»

وتستلقي فاطمة على ظهرها وتبدأ تحكي في تراخٍ وصوت ناعس ما يفعله معها الدكتور فتحي حينما يركن العربة على جانب شارع النيل، ويقترب منها، ثم …

وتحس نفيسة، وهي تسمع، بقشعريرة عنيفة تسري سريعًا في بدنها، وتحس معها إحساسًا جديدًا بلذة جديدة، وتبيت تحلم أحلامًا غريبة منها أنها ترى شبحين في الظلام يتعانقان وتتبين في ملامحهما وجهَي الدكتور فتحي وفاطمة، وأحيانًا ترى نفسها مع رجل غريب لا تعرف ملامحه.

وكان يدور برأسها سؤال واحد كلما جلست إليها فاطمة، وراحت تحدثها عن حب الدكتور لها، ولكنها كانت تخجل من أن توجه إليها هذا السؤال، حتى انتهزت فرصة استخف فيها الفرح فاطمة، فأخذت تقفز حافية على قدميها ويديها، وقد كادت تطير من السعادة: «شوفي يا نفيسة الدكتور فتحي جاب لي إيه؟»

وتناولت نفيسة هدية الدكتور فتحي، كانت حقيبة لا يقل ثمنها عن جنيهين، ونفيسة لا تحمل حقيبة يد، وتكتفي بكيس النقود النايلون، وأحست نفيسة بالغيظ، إنها لا تحقد على فاطمة ولا يهمها أن تحمل حقيبة يد؛ لأن كيس النقود يكفيها، ولكنها لا تملك الجرأة لتسأل فاطمة السؤال الذي يلح عليها دائمًا. وأعادت الحقيبة إلى فاطمة وهي تمتدح ذوق الدكتور فتحي، ثم سألتها فجأة: «هو الدكتور فتحي بيحبك يا فاطمة؟»

وأدارت فاطمة رأسها بسرعة إليها ونظرت في عينيها نظرة غريبة بلهاء، ثم أطلقت ضحكة ساخرة متصلة: «أمال بيحبك انتي يا اختي؟!»

واحمر وجه نفيسة من الغيظ وسألتها دون خجل: «طيب ليه مش بيجوزك؟»

وتأودت فاطمة ولوت خصرها ورفعت حاجبها الأيمن، وخرج من فمها صوت يشبه الشهقة، وقالت وهي تتثنى: ليه مش بيجوزني يا روحي! دا انت لسه خام قوي، خام قوي!

وراحت تتثنى في طول الحجرة وعرضها وهي تردد بصوت مخمور قبيح: خام، خام قوي! خام قوي!

وبعد هذه الليلة بدأت نفيسة تفهم من فاطمة أشياء لم تكن تعرفها من قبل، فهمت أن الحب شيء والزواج شيء آخر، وأنها ما دامت تسكن في حارة «شق التعبان» وأبوها المعلم حنفي المنجد، وأمها أم إبراهيم بنت الفران، فلن يتزوجها سوى ابن عمها علي الجزماتي، أو جارهم متولي المكوجي الذي يغازلها من الشباك، ولكنها تستطيع أن تحب الدكتور رشيد طبيب القسم الذي تعمل فيه، وتستطيع أن تركب عربته، وترى الدنيا، وتحس لمسات يديه النظيفتين، وتكسب هداياه الثمينة، من حين إلى حين، كما تفعل فاطمة مع الدكتور فتحي.

ودخلت رأس نفيسة الصغير مفاهيم كثيرة لم تكن تعرفها، واتسعت مساحة الأرض في عينيها، وتعدت حارة شق التعبان وعنابر المستشفى.

وروضت أفكارها، وأصبحت المبادئ والفضيلة في تفكيرها الجديد شيئًا مطاطًا يمتد مسافات بعيدة.

وذات يوم، لاحظت نفيسة أن الدكتور رشيد يصوب لها نظراته الطويلة، فسألت نفسها هل كان ينظر إليها هكذا من قبل حين كانت لا تزال «خام قوي» كما قالت فاطمة، أم أنها بدأت تطبق مفاهيمها الجديدة بطريقة عملية!

وانتبهت نفيسة فجأة إلى نفسها، وتذكرت أنها تقف على محطة الأتوبيس، فضمت ساقيها قليلًا لتتأكد من أن حقيبة الملابس لا تزال موجودة، وكانت الظلمة قد أوغلت، فرفعت نفيسة ذراعها اليسرى إلى عينيها لترى الوقت في ساعتها الرجالي الكبيرة، وكانت هذه الساعة أيضًا هدية من الدكتور رشيد، وإنها لتذكر كلماته حين قدمها لها: «أنا جايبها كبيرة مخصوص علشان تشوفي بيها سرعة نبض القلوب!» ثم نظر إليها نظرته المتلهفة دائمًا.

واسترجعت نفيسة في ذاكرتها هذه الكلمات وهي تنظر إلى رأس الشارع كأنما تتلهف على قدوم الأتوبيس، وهي في الحقيقة لا تتعجل الأتوبيس، ولا تشعر برغبة في العودة إلى حارة شق التعبان لتقضي فيها إجازة الخميس والجمعة، ولا تريد أن تدخل بيتها المظلم وتصعد السلالم المتهدمة، وتقابل وجه أمها بعظامه البارزة وفمها المدبب كفم الفأر، وتشم الرائحة الكريهة المنبعثة من حجرة «الكرار» ممتزجة برائحة الطبيخ البايت وهو يغلي على وابور الجاز. إنها تحس بغليان في دمها كلما دخلت هذا البيت، وخصوصًا حجرة نومها المظلمة الرطبة، والسرير القذر والسقف «بعيدانه» الخشبية المتوارية التي عشش عليها العنكبوت، ثم اصطادت خيوطه الماهرة البعوض، والفراش، والصراصير، وحشرات أخرى لا تعرف أسماءها! فرق كبير بين حجرة نومها هذه وحجرة الدكتور رشيد، سرير نظيف وسقف أملس ناعم ليس فيه عنكبوت وهواء طلق ليس فيه أثر لرائحة الطبيخ.

وأحست أنها تشمئز من بيتها وبيئتها، وأنها تفضل البقاء في الشارع على أن تعود إليهما. ورفعت عينين فاترتين فيهما دموع كثيرة، وراحت تحملق في العربات المارة أمامها كالسهام، كل عربة فيها رجل وامرأة يضحكان في سعادة، لقد مرت هي مرة، بل مرات، مع الدكتور رشيد في عربته، وكانت تضحك في سعادة، لكنها الليلة حزينة باكية. لقد أحبها الدكتور رشيد ثلاثة أشهر فحسب، مارس وأبريل ومايو، ثم بدأ يتهرب منها، بعد أن منحته كل شيء لديها، وكانت تحس أنها لا تعطيه شيئًا، كانت تحس أنها ضئيلة فقيرة بالنسبة له، فكانت تبذل أحسن ما عندها في خزي، ونسيت نفسها في حرارة الحب، ونسيت أباها المعلم حنفي المنجد وأمها و… و… ونسيت كل المفاهيم التي تلقتها من زميلتها فاطمة، وانطلقت منها دون وعي طبيعتها الطيبة الساذجة شديدة الصدق والإخلاص.

أحبت نفيسة الدكتور رشيد، أحبته بقوة، وتغلغل حبه في أعماقها، واحتل أمكنة كثيرة من نفسها وحياتها حتى أحست أنه كل شيء في دنياها، وأنه لو غاب عنها لما ترددت في الانتحار دون تفكير، وصدقت في غمرة نسيان نفسها كل ما كان يقوله لها من كلمات الحب والهيام.

وتساقطت حبات العرق من جبهتها على أنفها وخديها وذقنها، وتساقطت معها دموع من عينيها وانحدرت إلى رقبتها، فأخرجت من جيب فستانها منديلًا وجففت أنفها، إنها لا تعرف لماذا تركها الدكتور رشيد دون أن يبدي لها أعذارًا مفهومة، وإنما ألقى بها فجأة بعيدًا عنه كما تلفظ مُصَاصة القصب بعد مصها في عرض الطريق.

وانتبهت وهي تُدخل منديلها في جيبها إلى صوت بالقرب منها، فرفعت رأسها لترى سيارة طويلة تقف أمامها، وبداخلها رجل يشير لها بيده أن تدخل، ونظرت إليه بقوة وجرأة تتأمله ثم رشقته بنظرة احتقار بالغة، أودعتها كل ما كانت تشعر به في تلك اللحظة من احتقار لنفسها وللدكتور رشيد ولأمها ولأبيها وكل سكان هذه الأرض. ونظرت بين ساقيها لتطمئن على الحقيبة ثم رفعت عينيها فلم تجد العربة، ورأت سيلًا من العربات ينثال في سكون الليل كرذاذ المطر، وفي كل عربة رجل وامرأة يضحكان في سعادة.

ولم يأتِ الأتوبيس الذي سيحملها كالذبيحة إلى حارة شق التعبان، ومدخل البيت المظلم، والسلالم المتهدمة، ورائحة حجرة الكرار والطبيخ البايت، والسقف والعنكبوت والصراصير، وابن عمها الجزماتي والأسطى متولي المكوجي، وأحست أن قلبها يخفق ويديها ترتعشان، لا يمكن أن تعيش في هذه البيئة يومًا واحدًا، لا تستطيع أن تنظر إلى أصابع ابن عمها الغليظة المشققة بعد أن أحسست لمسات الدكتور رشيد الرقيقة الحنون، ولن تطيق رائحة ملابس «الجزماتي» بعد أن خدرتها أنفاس الدكتور المعطرة، لا، لن تطيق شيئًا من هذا!

ورفعت رأسها إلى السماء في تحدٍّ، أحست أنها يجب أن تتحدى هذه الظروف السيئة التي تحيط بها، وأن تختار لنفسها حياة أخرى، فيها نظافة، وليس فيها حرمان ولا هموم، وهزت كتفيها مستخفة بحزنها ودموعها، وأطلقت ضحكة قصيرة ساخرة فيها شيء من الهستريا، وأخذت تدندن أغنية مرحة كان يغنيها الدكتور رشيد معها.

وأحست كأن كابوسًا ثقيلًا ينزاح عن صدرها فجأة، وأن السحابة القاتمة التي كانت تغشي عينيها اختفت تمامًا، وأحست براحة، راحة عجيبة تصحب دائمًا الشعور بفقدان الضمير.

وابتسمت لنفسها ابتسامة جديدة وقالت بصوت عالٍ: «يا سلام! ده أنا كنت عبيطة!»

•••

بعد أيام قليلة وعلى نفس محطة الأتوبيس كانت تقف ممرضة جديدة من نوع خام قوي! وبين ساقيها حقيبة ملابس صغيرة، يداها مضمومتان إلى صدرها، ونظراتها التائهة الدامعة تعلو وتهبط مع الطريق الأملس، الذي تنزلق عليه العربات الأنيقة مارقة كالسهام، وفي كل منها رجل وامرأة يضحكان في سعادة.

وداخل إحدى هذه العربات كانت «نفيسة» تجلس وبجوارها رجل تضحك له، وكانت ضحكتها طلقة مجلوة تخرج من بين أسنانها البيضاء رنانة كرنين صندوق فارغ، يبدو أنها لم تنسَ نفسها هذه المرة في غمار الحب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤