الماضي

حجرة النوم الأنيقة مضاءة بنور خافت من شمعة صغيرة تداعبها نسمة الليل الحار، والنافذة المفتوحة عليها ستائر شفافة بلون السماء تهتز مع الهواء في خفة بالغة، وعلى الحائط صورة مكبرة لوجه طفل لا يزيد عمره عن العام، وبجوار السرير في جوف كرسي كبير يغطس جسم مصطفى الطويل الذي كانوا يسمونه منذ دقائق بالعريس، ينظر أمامه في مرآة الدولاب حيث يرى جزءًا من وجه «إلهام» وهي جالسة على طرف السرير، ويتأمل أنفها من جانب وهو ثابت في المرآة لا يتحرك كأنه خط مستقيم في وجه تمثال.

وابتسم مصطفى لنفسه وهو ينظر إليها، لأول مرة يرى على ملامحها علامات خجل وارتباك، كانت دائمًا جريئة وكان يحب جرأتها.

وضغط بيده على يد الكرسي ليهم بالوقوف، لكنه تراجع وأسند ظهره إلى الكرسي.

لماذا يتردد؟ ألم يقبِّل في حياته العريضة الواسعة مئات الفتيات؟

ألم يدبر الحيل، وهو طالب بالجامعة ليقنع أباه بأن جو البيت لا يشجعه على المذاكرة، وأنه — كي ينجح — يجب أن يؤجر شقة مستقلة ليذاكر فيها مع صديقه فتحي؟ وفعلًا ظل يسعى حتى تحققت أمانيه، وأصبحت له شقة خاصة، وأصبحت له صديقات وعشيقات، وشهدت الشقة الصغيرة بطولته معهن جميعًا بلا استثناء!

ولكنه الليلة يتردد كأنه يخاف، هذه إلهام حبيبته منذ عشرة أعوام أصبحت زوجته وحلالًا له كما قال الشرع، فما باله متردد خائف؟ أم أن حماسه لا يثيره إلا الحرام؟ لا، ليست هذه شخصيته، إنه يكره الحرام وما حوله من تلصص وكذب واختفاء، لكنه الآن وبالنسبة لإلهام لا يعتبرها مثل أي امرأة أخرى، إنه يحبها، هي حب حياته الضخم الكبير، ولكن هل كونه يحبها يجعله مترددًا خائفًا كما هو الآن؟

والتفت إليها وأخذ يتأملها، عينيها، أنفها، شفتيها، ذراعيها، ساقيها، إنها مثل سائر النساء لا تختلف عنهن في شيء.

وضغط بيده على يد الكرسي ليقف لكنه تردد وبقي مكانه، لماذا فارقته شجاعته التي اشتهر بها؟ لماذا هو جبان الآن؟ هي مثل سائر النساء، ولكن عينيها تختلفان عن كل النساء، فيهما أشياء تجعله يتردد ويخاف، كانت عيناها كذلك بالنسبة له دائمًا، وفي الكلية كان يرفع الكلفة سريعًا بينه وبين زميلاته، ويتحدث معهن بطلاقة وفصاحة إلا هي، بمجرد أن يرى عينيها كانت الكلمات تقف في حلقه كأن كلامه لم يعجبها أو كأنها ستصدر عليه حكمًا قاسيًا، وماذا كان يهمه منها أو من رأيها، لم يكن يدري.

كانت نظرتها قوية ثابتة، والطالبات بجوارها كالأفراخ الصغيرة يذعرها أي شيء فتجري وتتجمع وتختفي بعضها في بعض كأنما ستخطف الحدأة إحداها.

أما هي فكانت دائمًا نافرة، تمشي وحدها رافعة رأسها في كبرياء طبيعي، ملابسها بسيطة لا تفترق كثيرًا عن ملابس الرجال، وشعرها قصير يشبه شعر الطلبة، ومشيتها الخالية من التكلف ومن الرشاقة أيضًا تجعل لها شخصية متميزة جذابة، ورغم قوة مظهرها وهيبته، إلا أنها حينما تبتسم — ودائمًا ما تفعل — تحس كأنما خُلقت شفتاها لتبتسم فحسب، والغمازتان في خديها، تظهران بسرعة، وتختفيان بسرعة، حتى حينما لا تبتسم تظن أنها تبتسم، من فرط البريق اللامع في عينيها كأنهما يدمعان من الضحك أو السعادة.

والتفت نحوها، وأحس بشيء في أعماقه يخفق ويرتعد، ورآها تجلس وسط فستانها الأبيض المنفوش تنظر أمامها كأنها نائمة تحلم، وشعر بأنه يريد أن يندفع نحوها، ويأخذها بين ذراعيه، وينظر في عينيها بجرأة ويضغط على شفتيها بجرأة، إنها زوجته ولن تصفعه إذا فعل ذلك.

ولكنه لم يتحرك من داخل الكرسي.

ماذا فيها يجعله مترددًا ضعيفًا، كما هو الآن؟!

ماذا فيها؟ وضغط بأسنانه على شفته وهو يقول لنفسه في غيظ: ماذا فيها؟

وأفلتت أسنانُه شفته، وجفف جبهته، إنها مثل كل الفتيات، ليس فيها شيء زائد عنهن، بل ربما يكون فيها شيء ناقص عنهن، كما قالت له أمه: إلهام؟ لا يا ابني إلا إلهام، دي اتجوزت مرة ولها ولد وإنت لا اتجوزت ولا خلفت عيال، دي البنات كتير يا ابني، يا خبر اسود تاخد واحدة اتجوزت قبل كده، ليه؟ ده جوازها يبقى زي أكل الطبيخ البايت!

إلهام إذن في نظر أمه أقل من البنات، وأقل أيضًا من النساء اللائي بلا أطفال، إنها أقل في نظرها من أن تتزوج ابنها الشاب الناجح الوسيم الذي لم يتزوج أبدًا، وتغازله كل بنات الجيران!

وابتسم مصطفى لنفسه، كل أم تظن أن ابنها لم تنجبه امرأة من قبل، والحقيقة قد تكون عكس ذلك؛ لأن مصطفى لم يظن في نفسه يومًا أنه ناجح أو وسيم أو مستقيم، لقد تخرج معه في الجامعة آلاف مثله، وسبقه في الترتيب آلاف، وسبقه في الوظيفة آلاف، وهو ليس وسيمًا كما تقول أمه لأنه يرى وجهه في المرآة طويلًا نحيفًا، وأنفه كبيرًا جدًّا، والدنيا فيها ملايين من الرجال أكثر منه وسامة ورشاقة، وهو ليس مستقيمًا كما تؤمن أمه لأنه تمرن على الزواج، وتزوج مئات المرات بلا عقود!

لكنه الليلة، ليلة زواجه الرسمي المسجل في دفتر مأذون الحي، يخيل إليه أن كلام أمه صحيح، وأنه لم يقرب النساء!

هل لأنه يحبها؟ لقد أحبها منذ عشرة أعوام حينما رآها لأول مرة ذات ليلة تمشي مشيتها الخالية من التكلف والرشاقة! تلبس ملابسها التي تشبه ملابس الرجال وتقص شعرها مثل الطلبة، وتبتسم دائمًا كأنما خُلقت شفتاها للابتسام، والغمازتان في خديها تظهران بسرعة وتختفيان بسرعة، وعيناها بنظرتهما اللامعة كأنما تضحكان من فرط السعادة.

أحبها في كل وقت، وكل ظرف، حتى حينما خُطبت كان يحبها، وحينما تزوجت كان يحبها، وحينما طُلقت كان يحبها، ظل يحبها من قريب ومن بعيد، وهي تكاد لا تعرفه، وكل ما تذكره أنه كان يومًا زميلًا لها بالكلية، إلهام التي أحبها كل هذا الحب تجلس بجواره الآن لا يفصلها عنه سوى عرض ذلك السرير! ما أغباه أن يضيع كل هذا الوقت بعيدًا عنها، ألم يكفِهِ ما ضاع من أعوام وأيام؟

ووقف على قدميه، وتحرك نحوها في خطوات بطيئة يحاول ألا تلتقيَ عيناه بعينيها، واقترب منها، وجلس إلى جوارها على طرف السرير، ومد يده على رأسها يتحسس شعرها الأسود الناعم، وانتقلت يده من شعرها إلى جبهتها، إلى خديها، إلى ذقنها، ورفع وجهها إليه ليرى عينيها، وأحس بقوة جارفة تجتاح كيانه حينما رأى لأول مرة جفنيها مسدلين على عينيها تخفيانهما تمامًا.

•••

وفي الصباح فتح مصطفى عينيه وهو يتمطى ويتثاءب كأنه يفيق من حلم سعيد، ونظر حوله في دهشة، كانت الشمس تدخل من النافذة، وكل ما في الحجرة يتألق بضوء مشرق جميل، ونظر إلى جواره فرأى «إلهام» نائمة، ومد يده بسرعة ولمس يدها ليتأكد أنها هي بلحمها ودمها، وأن ليلة أمس لم تكن حلمًا، وإنما كانت واقعًا حيًّا يعيش فيه.

وتثاءب وتمطى في سعادة ولذة، آه، كم هي رائعة، هذا ما أحسه نحوها منذ رآها لأول مرة، حتى في أشد ملابسها شبهًا بالرجال، وفي أشد مواقفها الجدية التي تماثل جد الرجال كان يحس أنها امرأة، امرأة تفيض بالأنوثة.

ووضع يده على جبهته وانقبضت ملامح وجهه، تذكر زوجها الأول، الرجل الذي قالوا إنها أحبته، ماذا فعل معها؟ وماذا فعلت معه؟ وقد عاشت معه عشرين شهرًا لم تنقص ليلة واحدة.

وجلس في السرير وهو يمسك جبهته بيديه، ألم يقل إنه لا يغار وإن ما مضى قد انتهى؟ ما باله الآن يكاد يُجَن كلما تصور أنها أخذته الليلة الماضية بين أحضانها الدافئة الحانية كما فعلت مع زوجها السابق، أجل فعلت ذلك عشرين شهرًا لم تنقص ليلة واحدة؟ وأنجبت، آه، أنجبت هذا الطفل.

ورفع عينين محمرتين زائغتين إلى الحائط، فرأى وجه الطفل المكبر يبتسم له، وخيل إليه أنه يبتسم له في سخرية، كأنه يسخر منه ومن سذاجته ويقول له في تهكم: ألا تراني؟ ألا تحس بوجودي؟ أنا حبها الأكبر، أنا قطعة منها، بل أنا نفسها التي تعيش بها.

وأحس بالدم يصعد إلى رأسه ويغلي فيه، فقذف الغطاء بقدميه، وانتقلت ارتجاجته العصبية إلى السرير فأخذ يهتز.

ونظر إلى ناحية إلهام دون أن يشعر، فرآها تهتز على السرير وتحرك ذراعيها ثم تفتح عينيها.

وحينما رأته ابتسمت شفتاها التي كأنما خُلقتا للابتسام فحسب، وظهرت الغمازتان في خديها بسرعة، ولمعت عيناها بالبريق كأنهما يدمعان من فرط السعادة.

إنها هي، إلهام نفسها، ذاتها، لم تتغير، لم تفقد شيئًا، هي التي أحبها منذ عشرة أعوام.

أخيرًا أصبحت له؟ إنه لا يصدق.

وزحف إليها، واحتواها بين ذراعيه، وحينما أحس بدفئها وحرارتها أمسك وجهها بيديه وابتعد عنها قليلًا وهو ينظر في عينيها بجرأة لأول مرة في حياته ويقول لها: «إلهام، أحبك.»

والتفت — بغير إرادته — ناحية الوجه المكبر على الحائط، ورآه وهو يبتسم في براءة الملاك، وضعف الطفل، واحتياج الوليد، والتفت إليها وهو يقول: «وأحبه أيضًا لأنه قطعة منك.»

وضمها إليه، ثم نظر إلى عينيها المليئتين بالبريق الدامع، نفس البريق، لكن الدموع كانت حقيقية هذه المرة، ولم يعرف هل هي تبكي أو تبتسم؛ لأن كل ملامحها — رغم دموعها — كانت تبتسم في سعادة وفي صدق، لقد خُلقت لتكون سعيدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤