رجل الحروف

في يناير ٢٠٠٢، تلقَّيت خطابًا من هوارد إنجل، الكاتب الكندي المعروف بسلسلة روايات بيني كوبرمان البوليسية، وكان يصف فيه مشكلةً غريبة. فقد كتب أنه في صباح أحد الأيام قبل بضعة أشهُر استيقظ وهو يشعر بأنه على ما يُرام. ارتدى ملابسه وأعدَّ الفطور، ثم ذهب إلى الشُّرفة الأمامية ليأخذ جريدته. لكن الجريدة على عتبة بابه بدَت وكأنها قد طرأ عليها تحولٌ غريب:

في ٣١ يوليو ٢٠٠١، بدت جريدة «جلوب آند ميل» مثلما كانت دائمًا في شكلها، وصُوَرها، وعناوينها الرئيسية المتنوعة، والتعليقات المكتوبة أسفل الصور بخطٍّ أصغر. كان الاختلاف الوحيد أنني لم أعد أستطيعُ قراءة ما قالوه. يمكنني القولُ إن الحروف كانت هي الحروفَ الستة والعشرين المألوفةَ التي نشأتُ عليها. ولكن الآن فقط، عندما ركَّزت فيها، بدَت للحظةٍ وكأنها مكتوبةٌ بالكيريلية وبالكورية في اللحظة التالية. هل كانت هذه نسخةً صِربوكرواتيةً من جريدة «ذا جلوب» مُعدَّة للتصدير؟ … هل كنتُ ضحيةً لمقلبٍ فُكاهي؟ لديَّ أصدقاءُ قادرون على القيام بمثل هذه الأشياء … تساءلتُ عما يمكن أن أفعله كي أردَّ هذه الحماقة بأفضل منها. ثم فكَّرت في الاحتمال البديل. تفحَّصت الصفحاتِ الداخليةَ لجريدة «ذا جلوب» لأرى ما إذا كانت تبدو غريبةً كالصفحة الأمامية. وراجعت الإعلانات والقصصَ الهزلية المصوَّرة. ولم أتمكَّن من قراءتها أيضًا …

كان من المفترَض أن يُصيبني الذعر كما لو أن طنًّا من الطوب قد ارتطم بي. ولكن بدلًا من ذلك شعرتُ بهدوءٍ معقول كأنَّ الأمر مُعتاد. «بما أن هذه ليست مزحةً من شخصٍ ما، إذن، وبِناءً على ذلك، فقد أُصبتُ بسكتةٍ دماغية.»

إلى جانب هذا الإدراك، تذكَّر تاريخ حالة كان قد قرأ عنها قبل بضع سنوات، وكانت إحدى حالاتي «حالة الرسَّام المُصاب بعمى الألوان».١ وتذكَّر على وجه الخصوص كيف وجد مريضي، السيد آي، نفسَه بعد إصابة في الرأس، غيرَ قادر على قراءة تقرير الحادث الذي أعدَّته الشرطة؛ فقد رأى طباعةً بأحجام وأنماطٍ مختلفة، ولكن لم يتمكن من فَهم شيء منها، وقال إنها تبدو «كاليونانية أو العِبرية.» وتذكَّر أيضًا أن عدم قدرة السيد آي على القراءة، أو تعذُّر القراءة، استمرَّ مدة خمسة أيام ثم بَرأ منه.

استمرَّ هوارد في اختبار نفسه، مُقلبًا الصفحات ليرى ما إذا كان كلُّ شيء سيعود فجأةً إلى طبيعته. ثم ذهب إلى مكتبته؛ فقد خطر له أنه ربما «يكون الحال مع الكتب أفضلَ من الجريدة.» بدَت الغُرفة طبيعية، ولاحظ أنه لا يزال بإمكانه إدراك الساعة، ولكن كتبه — التي كان بعضها بالفرنسية والألمانية بالإضافة إلى الإنجليزية — كانت جميعُها غيرَ مفهومة، وكانت كلُّها مليئةً بكتابةٍ تبدو كأنها كتابةٌ «شرقية».

أيقظَ ابنه، واستقلَّا معًا سيارةَ أجرة إلى المستشفى. وطوال الطريق، كان هوارد يعتقد أنه رأى «معالمَ مألوفةً في أماكنَ غيرِ مألوفة»، ولم يتمكَّن من قراءة أسماء الشوارع عندما كانت تمرُّ به، أو كلمات عبارة «غرفة الطوارئ» عندما وصلا إلى المستشفى، وإن كان قد تعرَّف على الفور على صورة لسيارة إسعاف على الباب. خضع لمجموعةٍ من الاختبارات، التي أكَّدت شكوكه: لقد أُصيب بالفعل بسكتةٍ دماغية، وقيل له إنها أثَّرَت على منطقةٍ محدودة من الأجزاء البصَرية للدماغ في الجانب الأيسر. خلال مقابلة التسجيل في المستشفى، كما تذكَّر لاحقًا، كان مُرتبكًا بعضَ الشيء: «لم أستطع أن أُحدد بالضبط ماهيَّةَ علاقتي بابني … لقد نسيتُ اسمي، وعمري، وعُنواني، وعشرات الأشياء الأخرى.»

قضى هوارد الأسبوع التاليَ في جَناح الأمراض العصبية في مستشفى ماونت سيناي في تورونتو. وخلال هذه المدة بات واضحًا أنه كان يُعاني من مشاكل بصريةٍ أخرى إلى جانب عدم قدرته على القراءة؛ فقد كانت لديه بقعةٌ عمياءُ كبيرة في الربع الأيمن العُلوي من مجال إبصاره، وواجَه صعوباتٍ في التعرف على الألوان، والوجوه، والأغراض اليومية. وكانت هذه الصعوباتُ تأتي وتذهب، كما لاحظ:

بدَت الأشياء المألوفة كالتفاح والبرتقال فجأةً غريبةً وغيرَ مألوفة كما لو كانت قطعةً غريبة من فاكهةٍ آسيوية. فاكهة الرامبوتان. أنا نفسي كنتُ سأُدهَش من عدم علمي ما إذا كنتُ أمسك ببرتقالة أم بثمرة جريب فروت، بثمرة طماطم أم تفاحة. فعادةً ما كان يمكنني معرفتُها عن طريق شمِّها أو الضغط عليها.

كان كثيرًا ما ينسى الأشياءَ التي كان يعرفها تمامَ المعرفة في السابق، وأصبح يخجل من الحديث، كما كتب: «خشية أن أنسى اسمَ رئيس الوزراء أو مَن كتب هاملت.»

ومع ذلك، فقد فُوجئ، كما ذكَّرَته إحدى الممرِّضات، أنه لا يزال يستطيع الكتابة، رغم أنه لا يستطيع القراءة، وقالت إن المصطلح الطبيَّ لذلك هو «تعذُّر القراءة البَحت.» كان هوارد متشكِّكًا بشأن ذلك؛ إذ اعتقد أن القراءة والكتابة مُتلازمتان بالتأكيد، فكيف يفقد القدرة على إحداهما دون الأخرى؟٢ اقترحتْ عليه الممرِّضة أن يوقِّع بِاسمه؛ فتردَّد، ولكن ما إن بدأ حتى بدَت الكتابة تتدفَّق من تِلقاء نفسها، وأتبع توقيعَه بجُملتين أو ثلاث. بدا له فعلُ الكتابة طبيعيًّا للغاية؛ إذ تأتَّى تلقائيًّا وبلا جُهد، كالمشي أو الكلام. لم تُواجه الممرضةُ صعوبةً في قراءة ما كتبه، لكنه هو نفسه لم يستطع قراءةَ كلمةٍ واحدة. فقد كان ما كتبه، بالنسبة إلى عينَيه، لا يختلف تمامًا عن الكتابة «الصِّربوكرواتية» غيرِ المقروءة التي رآها في الجريدة.

•••

نحن ننظر إلى القراءة كفعلٍ سلِس ولا يتجزَّأ، وعندما نقرأ ننتبهُ إلى المعنى، وربما إلى جَمال اللغة المكتوبة، غيرَ واعين بالعمليات العديدة التي تجعل هذا ممكنًا. لا بد للمرء أن يُصادف حالةً كحالة هوارد إنجل كي يدركَ أن القراءة، في الواقع، تعتمدُ على تسلسلٍ هرمي كامل أو مجموعةٍ كاملة من العمليات، يمكن أن تتعطَّل في أي مرحلة.

في عام ١٨٩٠، استخدم طبيبُ الأعصاب الألمانيُّ هاينريش ليساور مصطلحَ «العمى النفسي» ليصفَ كيف أصبح بعضُ المرضى، بعد السكتة الدماغية، غيرَ قادرين على التعرف بصريًّا على الأشياء المألوفة.٣ قد يتمتَّع الأشخاص الذين يُعانون من هذه الحالة، أي العمَه البصري، بحدَّةٍ بصرية، وإدراكٍ لوني، ومجالات إبصار وغيرها من القدرات التي تكون طبيعيةً تمامًا لديهم، ومع ذلك يكونون غيرَ قادرين تمامًا على التعرف على ما يرَونه أو تحديده.
إن تعذُّر القراءة هو شكلٌ خاص من أشكال العمَه البصري، يتمثَّل في عدم القدرة على التعرف على اللغة المكتوبة. ومنذ حدَّد طبيب الأعصاب الفرنسيُّ بول بروكا في عام ١٨٦١ مركزًا ﻟ «الصور الحركية» للكلمات، كما أسماه، وحدَّد نظيره الألماني كارل فيرنيك، بعد بِضع سنوات، مركزًا ﻟ «الصور السمعية» للكلمات، بدا منطقيًّا لعلماء الأعصاب في القرن التاسع عشر أن يفترضوا أنه قد تكونُ هناك أيضًا منطقة في الدماغ مخصَّصة للصور «البصرية» للكلمات، وهي منطقة، إذا تلفت، تؤدِّي إلى تعذُّر القدرة، أو «عمى الكلمات».٤

في عام ١٨٨٧، طلب طبيبُ عيون زميلٌ من طبيب الأعصاب الفرنسي، جوزيف جول ديجيرين، أن يرى رجلًا شديدَ الذكاء ورفيع الثقافة فقدَ القدرة على القراءة فجأةً. وكتب إدموند لاندولت، طبيبُ العيون، وصفًا موجَزًا ولكنه معبِّر بقوة ووضوح للمريض، وأدرجَ ديجيرين في ورقته البحثية حول هذا الموضوع مقتطَفاتٍ طويلةً منه.

لقد وصفا كيف وجد أوسكار سي، وهو رجلُ أعمال مُتقاعد، نفسَه فجأةً غيرَ قادر على القراءة، وكان هذا في أكتوبر من ذلك العام. (كان قد شعر ببضع نوبات قصيرة من الخَدر في ساقه اليمنى في الأيام السابقة، ولكنه لم يُولِها اهتمامًا كبيرًا.) وعلى الرغم من استحالة القراءة لديه، لم يُواجه السيد سي صعوبةً في التعرف على الأشخاص والأشياء من حوله. ومع ذلك، عندما اعتقد أن عينَيه لا بد أن بهما خَطبًا ما، استشار لاندولت، الذي كتب:

عندما يُطلَب من سي أن يقرأ مخططَ قياس النظر، لا يتمكَّن من تسمية أيٍّ من حروفه. غير أنه يدَّعي أنه يراها جيدًا. إنه يرسم أشكالَ الحروف بيده على نحوٍ عفوي، لكنه مع ذلك غيرُ قادر على تسمية أيٍّ منها. وعندما يُطلَب منه أن يكتب ما يراه على ورقة، يستطيع، بصعوبةٍ كبيرة، إعادةَ نسخ الحروف، سطرًا بسطر، كما لو كان يصنع رسمًا تِقنيًّا؛ إذ يتفحص بعناية كلَّ خطوة ليُطمئنَ نفسه أن رسمه دقيق. وعلى الرغم من هذه الجهود، يظل غيرَ قادر على تسمية الحروف. فيُشبه حرف A بحامل لوحات، والحرف Z بحيَّة، والحرف P بإبزيم. إن عدم قدرته على التعبير عن نفسه يُخيفه. إنه يعتقد أنه «أُصيب بالجنون»؛ لأنه يُدرك جيدًا أن العلامات التي لا يُمكنه تسميتها هي عبارة عن حروف.٥

وعلى غِرار هوارد إنجل، لم يكُن السيد سي قادرًا حتى على قراءة عناوين جريدته الصباحية، رغم أنه عرَف من خلال شكلها أنها جريدتُه المعتادة، «لو ماتان». وعلى غِرار هوارد، كان يستطيع الكتابة بصورةٍ جيدة جدًّا:

بينما يجد المريضُ استحالةً في القراءة، فإنه يستطيع … الكتابة بسلاسة ودون أيِّ أخطاء مهما كانت المادة التي تُملى عليه. ولكن إذا قُوطع في وسط عبارة يكتبها … يُصبح مشوَّشًا ولا يستطيع استئنافَ الكتابة مجدَّدًا. وأيضًا إذا وقع في خطأ، فإنه لا يستطيع العثور عليه … فلا يمكنه إطلاقًا إعادةُ قراءةِ ما كتبه. وحتى الحروف المُنفردة لا تعني له شيئًا. فهو يستطيع التعرُّف عليها … فقط من خلال تتبُّع حدود الحرف بيده. ومن ثَم فإن الإحساس بالحركة العضلية هو ما يُطلق اسم الحرف …

إنه قادرٌ على وضع إضافةٍ بسيطة؛ لأنه يتعرف بسهولةٍ نِسبية على الأعداد. غير أنه شديدُ البطء. ويقرأ الأعداد على نحوٍ سيِّئ؛ لأنه لا يستطيع التعرفَ على قيمةِ عدَّة أعداد دفعةً واحدة. فعندما يُعرض عليه العدد ١١٢، يقول: «إنه ١، و١، و٢»، وفقط عندما يكتب العدد، يمكنه أن يقول: «مائة واثنا عشر.»٦

كان ثَمة بعضُ المشاكل البصرية الأخرى؛ إذ بدَت الأشياء أكثر خفوتًا وضبابيةً بعضَ الشيء على الجانب الأيمن وخاليةً تمامًا من الألوان. وهذه المشاكل، إلى جانب خصوصية حالة تعذُّر القراءة التي يُعاني منها أوسكار سي، دلَّت لاندولت على أن المشكلة الأساسية لم تكن في العينَين بل في الدماغ، وحدا به هذا إلى إحالة مريضه إلى ديجيرين.

كان ديجيرين مُنبهرًا بحالة السيد سي، ورتَّب لرؤيته مرَّتَين في الأسبوع في عيادته بباريس. وفي ورقةٍ بحثيةٍ مهمة صدرَت عام ١٨٩٢، لخَّص ديجيرين نتائجَه العصبية بإيجاز، ثم، بأسلوبٍ أكثرَ إسهابًا بكثير، قدَّم صورةً عامَّة عن حياة المريض:

يقضي سي أيامَه في المشي مسافاتٍ طويلةً مع زوجته. لا يُواجه صعوبةً في المشي، ويؤدي مهامَّه كل يوم سَيرًا على الأقدام من جادة بوليفار إلى قوس النصر والعكس. إنه واعٍ بما يدور حوله، ويتوقف أمام المتاجر، وينظر إلى اللوحات في نوافذ المعارض الفنية، وما إلى ذلك. فقط المُلصَقات واللافتات في المتاجر تظلُّ مجموعاتٍ لا معنى لها من الحروف بالنسبة إليه. كثيرًا ما يُصبح غاضبًا من هذا، وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على إصابته، لم يتقبَّل قط فكرةَ أنه لا يستطيع القراءة بينما هو ما زال محتفظًا بقدرته على الكتابة … وعلى الرغم من ممارسة التمارين الخاصة بالمرضى والجهد الكبير الذي يبذله، لم يتعلَّم من جديدٍ قط إدراكَ الحروف والكلمات المكتوبة، ولم يتعلَّم من جديدٍ قط كيفية قراءة النوتات الموسيقية.

على الرغم من ذلك، لا يزال بإمكان أوسكار سي، الذي كان مُطربًا مُمتازًا، تعلُّمُ موسيقى جديدةٍ عن طريق الأذن، واستمرَّ في التدرب على الموسيقى مع زوجته يوميًّا بعد الظهيرة. وواصَل الاستمتاعَ بلعب الورق والتفوق فيه: «إنه لاعبُ ورق جيدٌ جدًّا؛ يحسب جيدًا جدًّا، ويعدُّ لخطواته جيدًا مقدَّمًا، ويفوز معظمَ الوقت.» (لم يُعلق ديجيرين على كيف كان السيد سي قادرًا على «قراءة» الورق، ولكن يبدو من المحتمل أنه تعرَّف على الصور الأيقونية للقلب، والديناري، والبستوني، والسباتي، والولد، والملكة، والملك، تمامًا كما تعرَّف هوارد إنجل على أيقونة سيارة إسعاف عندما وصل إلى غرفة الطوارئ. بالطبع يمكن أيضًا التعرفُ على بطاقات الأعداد من خلال أنماطها.)

عندما تُوفي أوسكار سي إثرَ سكتةٍ دماغية ثانية، أجرى ديجيرين تشريحًا للجثة، ووجدَ جرحَين في الدماغ؛ الأقدم، الذي دمَّر جزءًا من الفص القذالي الأيسر، والذي افترض أنه كان مسئولًا عن إصابة السيد سي بتعذُّر القراءة، وآخر أكبرَ وحديثًا، وربما تسبَّب في وفاته.٧

من الصعب دائمًا التوصلُ إلى استنتاجاتٍ من مظهر الدماغ عند التشريح؛ فقد توجد مناطقُ مُتضررة، ولكن ليس من الممكن دائمًا رؤيةُ روابطها المتشعِّبة بمناطق أخرى من الدماغ أو تحديد أي منها يتحكَّم في الأخرى. وكان ديجيرين مُدركًا لهذا تمامًا، ولكنه شعر أنه بربط عرض عصبي معيَّن — تعذر القراءة — بتلف في منطقة معيَّنة من الدماغ، يكون بذلك قد أثبت، مبدئيًّا، وجود ما أسماه «مركزًا بصريًّا للحروف» في الدماغ.

سيتأكَّد اكتشاف ديجيرين لهذه المنطقة الضرورية للقراءة خلال المائة عام التالية عبر عشرات الحالات المُماثلة، وتقارير تشريح جُثث مرضى تعذر القراءة، بغضِّ النظر عن سبب المرض.

بحلول الثمانينيَّات من القرن العشرين، أتاح لنا التصويرُ المقطعي والتصوير بالرنين المِغناطيسي الحصولَ على تصورٍ لأدمغة الأحياء على نحوٍ آني ودقيقٍ يستحيل الوصولُ إليه في دراسات التشريح (حيث قد تؤدي كلُّ أنواع التغييرات الثانوية إلى تشويش الصورة). باستخدام هذه التقنية، استطاع كلٌّ من أنطونيو وحنَّا داماسيو، وباحثون آخرون من بعدهما، مرةً أخرى تأكيدَ اكتشافات ديجيرين، والربط بين أعراض مرضاهم المُصابين بتعذُّر القراءة وإصاباتٍ دماغية محدَّدة للغاية.

ومع تطوُّر تصوير الدماغ الوظيفي بعد بِضع سنوات، بات مُمكنًا تصورُ نشاط الدماغ في الوقت الفعلي، أثناء تأدية الأشخاص لمختلِف المهام. فقد أظهرت دراسةٌ رائدة بالتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني في عام ١٩٨٨ أجراها ستيفن بيترسن، وماركوس ريشل، وزملاؤهما، المناطقَ المختلفة من الدماغ التي تنشط من خلال قراءة الكلمات، والاستماع إلى الكلمات، والتلفُّظ بالكلمات، وربط الكلمات. و«لأول مرة في التاريخ»، كما كتب ستانيسلاس ديهاين في كتابه «القراءة في الدماغ»، «صُورت المناطق المسئولة عن اللغة فوتوغرافيًّا في دماغ الإنسان الحي.»

تخصَّص ديهاين، وهو عالم نفس وأعصاب، في دراسة العمليات التي ينطوي عليها الإدراكُ البصري، وخاصةً التعرف على الكلمات، والحروف، والأعداد وتمثيلها. وباستخدام تقنية التصوير بالرنين المِغناطيسي الوظيفي، التي تفوق التصويرَ المقطعيَّ بالإصدار البوزيتروني سرعةً ودقة بكثير، تمكَّن هو وزملاؤه من التركيز عن كثبٍ أكبرَ على ما يُسميه منطقةَ الأشكال البصرية للكلمات، أو بمصطلحٍ أبسط وأقل تكلفًا «صندوق بريد الدماغ».

أظهرَت دراسات ديهاين (مع لوران كوهين وآخرين) كيف يمكن تنشيطُ منطقة الأشكال البصرية للكلمات في جزءٍ من الثانية بواسطة كلمة واحدة مكتوبة، وكيف ينتشر هذا التنشيطُ الأوَّلي، الذي يتميز بكونه بصَريًّا بحتًا، بعد ذلك إلى مناطق أخرى من الدماغ، وخاصةً الفصوص الصُّدغية والفصوص الجبهية.

لا تنتهي عملية القراءة بالطبع بالتعرف على الأشكال البصرية للكلمات، بل سيكون من الأدقِّ أن نقول إنها تبدأ بهذا. فاللغة المكتوبة لا تُعنى بنقل صوت كلماتها فحَسْب، ولكن بنقل معناها أيضًا، ولمنطقة الأشكال البصرية للكلمات روابطُ وثيقة مع مناطق السمع والكلام في الدماغ، وكذلك المناطق المسئولة عن التفكير والتنفيذ، والمناطق المُساعدة للذاكرة والعاطفة.٨ وتُشكِّل منطقة الأشكال البصرية للكلمات نقطةَ تقاطعٍ مركزيةً بالغةَ الأهمية في شبكةٍ دماغية معقَّدة من الروابط المتبادلة، وهي شبكةٌ مميَّزة، على ما يبدو، للدماغ البشري.

•••

ككاتبٍ غزير الإنتاج وقارئٍ نهمٍ اعتاد قراءةَ الصحف كل صباح والعديد من الكتب كل أسبوع، تساءل هوارد إنجل عن كيفية تدبر حياته مع تعذر القراءة، الذي لم يُظهر أيَّ أمارات للشفاء. وفي عالمٍ مليء باللافتات المرورية، والملصقات المطبوعة، والتعليمات على كلِّ شيء، بدءًا من زجاجة الدواء إلى التلفاز، فإن الحياة العادية تُعتبر نضالًا يوميًّا مستمرًّا لمرضى تعذُّر القراءة. لكن بالنسبة إلى هوارد كان هذا الوضع أكثرَ إحباطًا ويأسًا؛ لأن حياته بأكملها وهُويَّته (فضلًا عن مصدر رزقه) تعتمدان على قدرته على القراءة والكتابة.

قد تسير الأمور على ما يُرام مع وجود القدرة على الكتابة دون القراءة، في حال كتابة رسالةٍ قصيرة أو مذكِّرة، من صفحة أو صفحتَين. ولكن الأمر في الأغلب، في اعتقاده، «كان أشبهَ بإخباري بأنه لا بد من بتر ساقي اليمنى مع إمكانية الاحتفاظ بحذائها وجوربها.» كيف كان يمكن أن يأمُل في العودة إلى عمله السابق — من كتابة سردٍ مفصَّل لجريمة وتحرِّياتها، مليء بالحبكات والحبكات المضادَّة، وما يجب أن يُجريَه الكاتب من تصحيحات ومراجعات وإعادة صياغة — دون القدرة على القراءة؟ كان عليه أن يستعينَ بآخرين ليقرَءوا له، أو ربما الحصول على أحد برامج الكمبيوتر الجديدة البارعة التي من شأنها أن تُمكِّنه من إجراء مسح على ما كتب وسماعه مرةً أخرى بواسطة الكمبيوتر. كان كِلا الأمرَين سينطوي على تحولٍ جذري من بصَريةِ القراءة، أي النظر إلى الكلمات في الصفحة، إلى نظام إدراكٍ سمعي في الأساس؛ ما يعني الانتقال، في الواقع، من القراءة إلى الاستماع، وربما من الكتابة إلى الكلام. هل سيكون هذا مرغوبًا، أو حتى ممكنًا؟

فرض هذا السؤالُ بالتحديد نفسَه على كاتب آخر كان قد استشارني قبل عشر سنوات. كان تشارلز سكريبنر جونيور أيضًا رجلَ أدب وثقافة؛ فقد ترأَّس دارَ النشر التي أنشأها جَدُّه الأكبرُ في أربعينيَّات القرن التاسع عشر. وفي الستينيَّات من عمره، أُصيب بتعذر قراءة بصري، ربما نتيجة لعمليةٍ تنكُّسية في الأجزاء البصرية في الدماغ. كان الأمر بمثابة مشكلة مدمِّرة لرجلٍ نشر أعمال همنجواي وغيره، رجل تمركزتْ حياته حول القراءة والكتابة.

كان سكريبنر، بصفته ناشرًا، يرفض بعضَ الشيء الكتبَ الصوتية، التي قُدِّمت مؤخرًا لعامة الناس. لكنه قرَّر إعادة هيكلة حياته الأدبية بأكملها في إطار نمطٍ سمعي. وفُوجئ أن هذا لم يكُن صعبًا كما توقَّع. حتى إنه بدأ في الاستمتاع بالاستماع إلى الكتب الصوتية:

لم يخطر ببالي قطُّ أن هذه الكتب المنطوقة ستُصبح جزءًا رئيسًا من حياتي الفكرية وقراءتي الترفيهية. لا بد أنني حتى الآن قد «قرأت» مئات الكتب بهذه الطريقة. لم أكُن أبدًا قارئًا سريعًا في صِباي، على الرغم من أن قدرتي على الحفظ كانت كبيرة. والمفارق أنني الآن، وقد أصبحتُ أقرأ الكتب على الأشرطة، أصبحتْ سرعتي في القراءة أفضلَ من أيِّ وقت مضى، وظلَّت قدرتي على الحفظ بجودتها. يمكنني القولُ بإنصاف إنه بالنسبة إليَّ كان اكتشافُ هذا النمط من القراءة أشبهَ باكتشاف مغارة سِرية لاستمتاعي المستمر بالأدب.٩

على غِرار هوارد، احتفظ سكريبنر بالقدرة على الكتابة، لكنه كان في أشد الحزن والكدر بسبب عدم قدرته على قراءة ما كتبه، فقرَّر التحول إلى الإملاء، وهو شيء لم يُجربه من قبل قط. ولحسن الحظ، أثبت هذا نجاحًا أيضًا؛ فقد أتى الإملاءُ بنفعٍ كبير لدرجة أنه أتاح له إكمال أكثر من ثمانين عمودًا صحفيًّا ودفترَي يوميات بطول كتاب عن حياته في النشر. كتب قائلًا: «ربما يكون هذا مثالًا آخر لإعاقةٍ تَصقُل مهارة.» وبخلاف أصدقائه المقرَّبين وعائلته، لم يبدُ أن أحدًا قد أدرك أنه أنجز كلَّ هذا بالتحول إلى نمطٍ جديد تمامًا.

ربما كان من المتوقَّع أن يتحول هوارد أيضًا إلى طريقة «القراءة» والكتابة السماعية، لكنَّ مساره كان مختلفًا للغاية.

بعد أسبوعه الذي قضاه في مستشفى ماونت سيناي، نُقل إلى مستشفى لإعادة التأهيل، حيث أمضى ما يقرب من ثلاثةِ أشهُر في دراسة نفسه، وما استطاع وما لم يستطع فِعله. وفي الأوقات التي لم يكن يُحاول فيها قراءةَ جريدة أو بطاقة تتمنَّى له الشفاء، وجد أنه استطاع أن ينسى مسألةَ تعذُّر القراءة:

بدَت السماء زرقاء، وأشرقَت الشمس على نوافذ المستشفى، ولم يُصبح العالم فجأةً غيرَ مألوف. كان تعذُّر القراءة موجودًا فقط عندما كنتُ أدفن رأسي في كتاب. كانت الطباعة تستدعيه وتُذكرني بأن ثَمة مشكلة. وهكذا وُلِد إغراءُ تجنُّب القراءة ببساطة.

لكن سُرعان ما أدركَ أن هذا غيرُ مقبول بالنسبة إليه كقارئ وكاتب. قد تكون الكتب المسموعة مُفيدةً للبعض، لكن ليس له. كان لا يزال لا يستطيع حتى التعرفَ على الحروف مُنفردةً، لكنه كان عاقدَ العزم على الرجوع للقراءة.

•••

بعد شهرَين من إصابته بالسكتة الدماغية، حيث كان لا يزال يُقيم في مستشفى التأهيل، كان هوارد يُعاني من صعوباتٍ مستمرَّة في التعرف على الأماكن؛ فكان يضلُّ الطريق داخل المستشفى ثلاث أو أربع مرَّات في اليوم، ولم يكن يستطيع العثورَ على غرفته الخاصة حتى تعلَّم أخيرًا التعرفَ على الطابق الذي تقع فيه «من خلال الطريقة التي يملأ بها الضوءُ القاعةَ المقابلة للمِصعد مباشرةً.» وظل يُعاني من عمَهِ الأشياء أيضًا بعضَ الشيء، وحتى عندما عاد إلى المنزل بعد ثلاثة أشهُر، أشار قائلًا: «ظللتُ أجد عُلب التونة في غسَّالة الصحون وحاويات أقلام الرصاص في المجمِّد.»

لكن مع القراءة، لاحَظ هوارد بعضَ علامات التحسُّن: «لم تعُد الكلمات تبدو وكأنها مكتوبةٌ بأبجديةٍ غيرِ مألوفة. بدَت الحروف نفسُها كالحروف الإنجليزية العادية، وليس كالحروف الصِّربوكرواتية التي تخيَّلتُها [بعد] سكتتي الدماغية.»

ثَمة شكلان من تعذُّر القراءة؛ شكلٌ حادٌّ يحول دون حتى التعرفِ على الحروف المنفردة، وشكلٌ أكثرُ اعتدالًا يمكن معه التعرفُ على الحروف، ولكنْ واحدًا تِلو الآخر فقط، وليس معًا في صورة كلمات. ويبدو أن هوارد قد انتقل، في هذه المرحلة، إلى الشكل الأخف؛ ربما بسبب تعافٍ جزئي للأنسجة التي تأثَّرت بسكتته الدماغية، أو استخدام الدماغ (أو ربما حتى بنائه) لمساراتٍ بديلة.١٠

في ظل هذا التحسُّن العصبي، استطاع مع مُعالجيه استكشافَ طُرقٍ جديدة لمحاولة القراءة. كان يفهم الكلماتِ ببُطء ومشقَّة، حرفًا بحرف، مُجبرًا نفسه على فكِّ رموز أسماء الشوارع والمتاجر أو عناوين الصحف. وعن ذلك قال: «إن الكلمات المألوفة:

بما في ذلك اسمي، هي كُتلٌ غير مألوفة من حروف الطباعة، ويجب تهجئتها ببطء. وفي كل مرة يتكرر اسمٌ ما في مقال أو دورية، يبدو لي غير مألوف في آخر ظهور له، كما هو الحال في أول ظهور له.»

ولكنه مع ذلك ثابَر.

على الرغم من أن القراءة كانت بطيئةً وصعبة — ومحبطة للغاية في بعض الأحيان — كنتُ لا أزال قارئًا. فإصابة دماغي لم تستطع أن تجعلَني شيئًا آخر. كانت القراءة مغروسةً في ذهني. لم أستطع التوقف عن القراءة مثلما لا أستطيع أن أوقف نبضاتِ قلبي … فكرة أن أنقطع عن قراءة شكسبير وعن الشركة جعلتني ضعيفًا. لقد بُنيتْ حياتي على قراءة كل شيء على مرمى البصر.

أصبحت قراءة هوارد أسهلَ إلى حدٍّ ما مع الممارسة، على الرغم من أن الأمر قد يستغرق منه عدةَ ثوانٍ لقراءة كلمةٍ واحدة. وقد أشار إلى أن «الكلمات ذات الأطوال المختلفة، مثل قِط ومائدة وفرَس النهر، تُعالَج في رأسي بمعدَّلٍ مختلف. فكلُّ حرفٍ مُضافٍ يُضيف مزيدًا من الثقل للحمولة التي أحاول رفعها.» كان المرور سريعًا على إحدى الصفحات، مع القراءة بالطريقة المعتادة، لا يزال مُستحيلًا، و«العملية برُمَّتها»، كما كتب، «كانت مُرهقةً إلى حدٍّ لا يُصدَّق.» غير أنه في بعض الأحيان إذا نظر إلى كلمة، كانت بعض الحروف تقفز فجأةً في وجهه ويتعرف عليها، مثل الحرفَين الأوسطين في اسم محرِّره، على الرغم من أن الحروف قبلهما وبعدهما ظلَّت غيرَ مفهومة. تساءل عما إذا كان مثل هذا «التجميع» كان هو الطريقةَ التي تعلَّم بها القراءة في الأصل عندما كان طفلًا، وربما كانت الطريقةَ التي نتعلم بها جميعًا القراءة، قبل أن نمضيَ نحو إدراك الكلمات، وحتى الجُمل، كوحدةٍ واحدة. (إن أزواج الحروف وربما مجموعاتها ذاتُ أهميةٍ خاصة في بناء الكلمات وقراءتها، وسواءٌ كانت القراءة يجري تعلُّمها للمرة الأولى أو يُعاد تعلمها بعد سكتةٍ دماغية، فعلى ما يبدو أن هناك تقدمًا طبيعيًّا من رؤية الحروف المنفردة إلى رؤية أزواج الحروف أو مجموعة متتالية منها. ويُشير ديهاين وزملاؤه أنه ربما تكون هناك عصبونات «للكلمات الثنائية» مخصَّصة لهذا في الدماغ.)

كتب لي هوارد قائلًا: «يُمكنني أن أجعل نفسي أرى أنَّ مجموعاتِ حروف بعينها هي في الواقع كلماتٌ مألوفة، ولكن هذا لا يتحقَّق إلا عندما أُحدق في الصفحة.»

أن تُصبح قارئًا طليقًا هي مهمةٌ صعبة ومتعددة المستويات؛ إذ يحتاج معظمُ الأطفال إلى سنوات من الممارسة والتوجيه لتحقيق هذا (على الرغم من أن بعضًا من الأطفال الذين يُدركون مبكرًا قد يتعلمون القراءةَ قبل الأوان بأنفسهم وفي سنٍّ مُبكرة). وقد انحدر هوارد إلى مستوى طفل يتعلم حروف الهجاء لأول مرة من نواحٍ عدة. ولكن مع خبرته الممتدَّة طوال حياته كقارئ، تمكَّن كذلك من تجاوز إعاقاته إلى حدٍّ ما؛ إذ ساعَدَته حصيلةُ مفرداته الكبيرة، وحِسُّه النحوي، وإتقانُه للغة الإنجليزية على المستوى الأدبي والاصطلاحي على تخمين أو استنتاج الكلمات وحتى الجُمل من أقلِّ إشارة.

•••

بغضِّ النظر عن اللغة التي يقرؤها الشخص، تنشط المنطقة نفسُها من القشرة السُّفلية الصُّدغية، أو منطقة الأشكال البصرية للكلمات. قد يحدث اختلافٌ ضئيل نسبيًّا إذا كانت اللغة تستخدم الأبجدية، مثل اليونانية أو الإنجليزية، أو الرموز التعبيرية، مثل الصينية.١١ وتأكَّد هذا عن طريق دراسات الإصابات والجروح مثل دراسات ديجيرين، ودراسات التصوير الإشعاعي. وهذه الفكرة مدعومةٌ أيضًا بالاضطرابات «الإيجابية»، كحالات الإفراط أو التشوُّهات الوظيفية التي تنتج عن طريق فَرْط النشاط في المنطقة نفسِها. ونقيضُ تعذُّر القراءة، بهذا المعنى، هو الهلوسة المعجميَّة أو النصية، أو الحروف الشبحية. فقد يكون الأشخاصُ المُصابون باضطرابات المسار البصري (في أي مكانٍ من شبَكيَّة العين إلى القشرة البصرية) عُرضةً للهلاوس البصرية، ويُقدِّر دومينيك فيتش وزملاؤه أن نحو ربع هؤلاء المرضى المُصابين بالهلوسة يرَون «هلاوسَ من نصوص، أو كلماتٍ منفردة، أو أحرُفٍ منفردة، أو أعداد، أو نوتاتٍ موسيقية.» ومثل هذه الهلاوس المعجميَّة، كما اكتشف فيتش وزملاؤه، مرتبطةٌ بتنشيطٍ واضح للمنطقة الصُّدغية القذالية اليُسرى، وخاصةً منطقة الأشكال البصرية للكلمات، وهي المنطقة نفسُها التي تُسبب تعذُّر القراءة في حالة تلفها.

ومن ثَم، فسواءٌ كنا نفحص مرضى تعذرِ القراءة، أو مرضى الهلاوس المعجمية، أو أشخاصًا عاديِّين يقرَءون، بأيِّ لغة، فنحن مُجبَرون على الاستنتاج نفسِه؛ أن لدى كلِّ إنسان مُتعلم منطقةً في النصف المُسيطر من الدماغ — نصف الدماغ الخاص باللغة — نظامًا عصبيًّا قد يكون متاحًا للتعرف على الحروف والكلمات (وربما أشكال أخرى من الترميز البصري؛ الرياضي أو الموسيقي، على سبيل المثال).

يُثير هذا مشكلةً عميقة: لماذا يملك كلُّ البشر هذه البراعةَ الفطرية في القراءة، في حين أن الكتابة هي اختراعٌ ثقافي حديث نِسبيًّا؟

إن التواصل بالكلمة المنطوقة — ومن ثَم بأساسها العصبي — به جميع السِّمات الدالة على تطوُّره عبر العمليات التدريجية للانتقاء الطبيعي. فقد تبيَّن التشريح المُتغير للدماغ في إنسانِ ما قبلَ التاريخ ببعض التفصيل من القوالب الدماغية الداخلية وغيرها من الأدلة الأحفورية، كما حدث في التغييرات في المجرى الصوتي. من الواضح أن بدايات الكلام ترجع إلى مئاتِ الآلاف من السنين. ولكن لا يمكن ادعاء هذا فيما يتعلق بالقراءة؛ لأن الكتابة ظهرَت منذ أكثرَ من خمسة آلاف سنة بقليل، أي في عصرٍ حديث للغاية يستحيلُ معه أن تكون قد ظهرَت خلال التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. وعلى الرغم من أن منطقة الأشكال البصرية للكلمات في الدماغ البشري تبدو متوافقةً بإتقانٍ مع فعل القراءة، فلم تتمكَّن من التطور خصوصًا لهذا الغرض.

يمكن أن نُطلق على هذا معضلةَ والاس؛ لأن ألفريد راسل والاس (الذي اكتشفَ الانتقاء الطبيعيَّ على نحوٍ مستقل عن داروين) أصبح مُنشغلًا بشدة بالتناقض الذي تنطوي عليه القدراتُ المحتملة العديدة للدماغ البشري — المعجمية، والرياضية، وما إلى ذلك — تلك القدرات التي ما كانت لتُصبح ذاتَ فائدة تُذكَر في مجتمع بُدائي أو مجتمعٍ في عصرِ ما قبل التاريخ. وشعر أنه بينما يمكن للانتقاء الطبيعيِّ أن يُفسر ظهور قدراتٍ مفيدةً بشكل مباشر، فلا يمكنه أن يُفسر وجود القدرات المحتملة التي قد لا تتجلَّى إلا مع تطور ثقافةٍ متقدمة بمئات الآلاف من السنين في المستقبل.

ونظرًا إلى عدم قدرته على عزوِ أيٍّ من هذه الإمكانات البشرية إلى أي عملية طبيعيَّة، وجد والاس نفسه مُجبَرًا على الاعتماد على عالم ما وراء الطبيعة؛ فاعتقدَ أن الإله لا بد أنه قد غرَسَها في النفس الإنسانية. ومن وجهة نظر والاس، لا يمكن أن يكون هناك مثالٌ أفضلُ على العطيَّة الإلهية؛ قوة جديدة فريدة، تتحيَّن الفرصة، ومحتشدة انتظارًا لظهور ثقافة متقدِّمة بالقدر الكافي.١٢
ولأسبابٍ مفهومة، ارتعب داروين من هذه الفكرة، وكتب إلى والاس قائلًا: «أتمنى ألَّا تكون قد أجهزتَ على طفلك وطفلي تمامًا.» بدوره، كان لداروين تصورٌ أكثرُ انفتاحًا بكثير لعملية الانتقاء الطبيعي والتكيُّف؛ إذ توقَّع أن الهياكل البيولوجية قد تجد استخداماتٍ مختلفةً للغاية عن تلك التي نشأتْ من أجلها في الأصل. (وقد أطلق ستيفن جاي جولد وإليزابيث فربا على هذا النوع من إعادة التوزيع «التكيُّف المسبق» بدلًا من التكيف المباشر.)١٣

إذن، كيف نشأتْ منطقة الأشكال البصرية للكلمات في دماغ الإنسان؟ وهل توجد في أدمغة الأشخاص الأميِّين؟ وهل لها نذيرٌ أو مؤشر في أدمغة الرئيسيَّات الأخرى؟

نُواجه جميعًا عالَمًا من المشاهد والأصوات والمحفِّزات الأخرى، ويعتمد بقاؤنا على التقييم السريع والدقيق لهذه المحفزات. يجب أن يكون إدراكُنا للعالم من حولنا قائمًا على نظام من نوعٍ ما، طريقة سريعة ومضمونة لتحليل البيئة من حولنا. وعلى الرغم من أن رؤية الأشياء والتعرُّف عليها بصريًّا يبدو أمرًا لحظيًّا وفِطريًّا، فإنه يُمثل إنجازًا إدراكيًّا عظيمًا، إنجازًا يتطلب تسلسلًا هرميًّا كاملًا من الوظائف. نحن لا نرى الأشياء في حد ذاتها؛ بل نرى الأشكال، والأسطح، والخطوط المحيطية والحدود، التي تُظهر نفسها في إضاءة أو سياقاتٍ مختلفة، مغيِّرةً منظورنا لها مع حركتها أو حركتنا. ومن وسط هذه الفوضى البصرية المركَّبة والمُتغيرة، علينا أن نستخلص الثوابتَ التي تُتيح لنا الاستدلال على الشيئانية أو افتراضها. سيكون من الإسراف افتراضُ وجود تمثيلات فردية أو إنجرامات لكلِّ شيء من مليارات الأشياء من حولنا. فلا بد من الاستفادة من قوة الدمج؛ إذ يحتاج المرء إلى مجموعة أو مفرداتٍ محدَّدة من الأشكال، يمكن دمجُها بعددٍ لا حصر له من الطُّرق، مِثلما يمكن تجميعُ الحروف الأبجدية الإنجليزية الستة والعشرين (وفق قواعدَ وقيودٍ معيَّنة) في كلمات أو جُمل بالعدد الذي تحتاج إليه كلُّ لغة.

قد تكون هناك بعضُ الأشياء يتعرف عليها المرء عند الولادة، أو بعدها بمدة وجيزة، كالوجوه. ولكن بخلاف هذا، لا بد من تعلم عالم الأشياء من خلال التجرِبة والنشاط؛ النظر، واللمس، والتحسس، وربط ملمس الأشياء بمظهرها. يعتمد التعرفُ البصري على الأشياء على الملايين من الخلايا العصبية في القشرة السفلية الصدغية، وتكون الوظيفة العصبية هنا طائعةً للغاية، ومنفتحة، وعالية الاستجابة للتجرِبة والتدريب؛ أي للتعليم. وقد تطوَّرَت الخلايا العصبية في القشرة السفلية الصدغية للتعرف البصري العامِّ على الأشياء، ولكن قد تُوظَّف لأغراضٍ أخرى، أبرزها القراءة.

وتتيسَّر إعادة نشر الخلايا العصبية هذه من خلال حقيقة أن جميع أنظمة الكتابة (الطبيعية) تبدو أنها تتشاركُ بعضَ السمات الطوبولوجية مع البيئة، وهي السِّمات التي تطورت أدمغتنا لفكِّ شفرتها. فحص مارك تشانجيزي وشينسكي شيموزو، وزملاؤهما في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتيك) أكثر من مائة نظام كتابة قديم وحديث، بما في ذلك الأنظمة الأبجديَّة والأيدوجرامات الصينية، من منظور حسابي. وقد أظهروا أنها جميعًا تتشاركُ في بعض أوجُه التشابه الطوبولوجية الأساسية، على الرغم من اختلافها الشديد هندسيًّا. (هذا التوقيع البصري ليس واضحًا في أنظمة الكتابة الصورية، كالاختزال، المصمَّمة لضمان السرعة أكثرَ من التعرف البصري.) وقد وجد تشانجيزي وغيرُه ثوابتَ طوبولوجية مماثلة في مجموعة من البيئات الطبيعية، وقادهم هذا إلى افتراضِ أن أشكال الحروف «تم اختيارها لتُشبه مجموعات الخطوط المحيطية الموجودة في المشاهد الطبيعية؛ وبذلك استُغلَّت آليات التعرف على الأشياء الموجودة بالفعل.»

تطوَّرت الكتابة، كأداةٍ ثقافية، للاستفادة من تفضيل الخلايا العصبية في القشرة السفلية الصُّدغية لأشكال معيَّنة. وفي ذلك كتب ديهاين يقول: «إن شكل الحرف ليس اختيارًا ثقافيًّا عشوائيًّا. فالدماغ يُقيد تصميم نظام كتابة فعَّال بصرامةٍ شديدة بحيث لا توجد سوى مساحةٍ صغيرة للنسبية الثقافية. فدماغنا الرئيسي لا يقبل سوى مجموعةٍ محدودة من الأشكال المكتوبة.»١٤

هذا حلٌّ ممتاز ﻟ «معضلة والاس»؛ بل إنه في الواقع، يُبين «عدم» وجود مشكلة. لا يمكن فهمُ أصل الكتابة والقراءة كتكيُّفٍ تطوُّري مباشر. فهو يعتمد على مرونة الدماغ، وحقيقة أن التجربة — أو الانتقاء التجريبي — حتى خلال مدة حياة الإنسان المحدودة هي عامل تغيُّر يُعادل في قوته قوةَ الانتقاء الطبيعي. إن الانتقاء الطبيعي، من وجهة نظر داروين، لم يمنع التطوراتِ الثقافيةَ والفردية على مقياسٍ زمني امتدَّ لمئات الآلاف من الأزمنة أسرعَ من النماء التطوري، بل على العكس مهَّد الطريق لها. نحن نستطيع القراءة والكتابة لا بفضل تدخلٍ إلهي، ولكن من خلال ابتكارٍ ثقافي وانتقاء ثقافي يخلق استخدامًا جديدًا رائعًا ومبدعًا لنزعةٍ عصبية موجودة مسبقًا.

•••

بينما تتَّسم منطقةُ الأشكال البصرية للكلمات بأهميةٍ بالغة في التعرف على الكلمات والحروف؛ فإنَّ العديد من مناطق الدماغ الأخرى يُسهِم في مستوياتٍ «أعلى» من القراءة. وقد مكَّن هذا هوارد، على سبيل المثال، من استنتاجِ الكلمات من سِياقها. وحتى الآن، بعد مرور تسع سنوات من إصابته بالسكتة الدماغية، ما زال غيرَ قادر على التعرف على العديد من الكلمات البسيطة بمجرد النظر، لكن مخيلته ككاتبٍ لا تعتمد فقط على القراءة.

عندما كان لا يزال في مستشفى إعادةِ التأهيل، اقترح أحدُ مُعالجيه أن يحتفظ ﺑ «دفتر ذاكرة» ليُذكِّر نفسه بالمواعيد ويُسجل أفكاره. وبصفته مدوِّنًا طوال حياته ليومياته، كان هوارد مسرورًا بهذه الفكرة. وأثبت دفترَ ذاكرته الجديدَ نفسَه كوسيلةٍ مساعدة لا تُقدَّر بثمن، ليس فقط في استقرار ذاكرته التي لا تزال مُتذبذبةً، ولكن أيضًا في تعزيز هُويَّته ككاتب:

كنت أعلم أنه لم يعُد بإمكاني الاعتمادُ على الذاكرة «لاصقة الجروح». فقد أنسى كلمةً في الجزء الثاني مما كنتُ أقوله، حتى ولو كنتُ قد استخدمت الكلمة بالفعل في وقتٍ سابق … تعلَّمت أن أدوِّن الأشياء في «دفتر الذاكرة» [في لحظة تفكيري بها] … لقد أعطى دفترُ الذاكرة دفعةً رافعة لشعوري بالوجود في مقعد القيادة في حياتي. [لقد] أصبح رفيقي الدائم؛ فكان دفترَ يوميات، ودفترًا للمواعيد، ودفترًا للملاحظات العادية. إن المستشفيات، إلى حدٍّ ما … تولِّد روحًا سلبية، ولكن دفتر الذاكرة أعاد قطعةً مني إليَّ.

شجَّعه الاحتفاظ بدفتر الذاكرة، بل وأجبره، على الكتابة كلَّ يوم، ليس فقط على مستوى تشكيل الكلمات والجُمَل المقروءة، ولكن على مستوًى إبداعي أعمقَ بكثير. فقد بدأتْ يومياته عن الحياة في المستشفى، بأنشطتها الروتينية اليومية وشخصياتها المتنوعة، في إثاره خياله ككاتب.

من حينٍ لآخر، في حالة الكلمات غير المألوفة أو أسماء الأعلام، قد يكون هوارد غيرَ مُتأكد من تهجئتها؛ فلم يكُن يستطيع «رؤيتها» في عين عقله، أي تخيُّلَها، مثلما لم يكن بإمكانه إدراكُها عندما كانت مطبوعة أمامَه. ومع افتقاره إلى هذه الصور الداخلية، كان عليه أن يوظِّف استراتيجياتٍ أخرى للتهجئة. ووجد أن أبسطَها كان كتابةَ كلمة في الهواء بإصبعه، جاعلًا فِعلًا حركيًّا يحل محلَّ فِعل حِسي.

وصف طبيبُ الأعصاب الفرنسي الكبير جان-مارتن شاركو، في محاضرة عام ١٨٨٣ حول حالةٍ من حالات عمى الكلمات، مريضًا، مثل هوارد، مُصابًا بتعذُّر القراءة البحت. دوَّن شاركو اسم المستشفى (الذي كان المريض نفسُه قد كتبه في وقتٍ سابق)، وطلب منه أن يقرأه: «[المريض] لا يستطيع فِعل ذلك في البداية، لكنه بذل المزيدَ من الجهود ليفعله، وأثناء إنجازه المهمة نُلاحظ أنه يتتبع، بطرَف سبَّابته اليمنى، أحد الحروف التي تُشكل الكلمة، وبكثيرٍ من المشقَّة قال «لا سالبيتريير».» وعندما يُعطيه شاركو اسمَ أحد الشوارع ليقرأه، يتتبع المريض بإصبعه في الفراغ الحروفَ التي تتكون منها الكلمة، وبعد لحظةٍ أو لحظتين يقول: «إنه شارع دابوكيه، عُنوان صديقي.»

تحسَّن مريض شاركو بسرعة في «القراءة» بتتبُّع الحروف في الهواء، وفي غضون ثلاثة أسابيع، زادت سرعتُه في القراءة نحو ستة أضعاف. قال: «يمكنني قراءةُ الطباعة بكفاءةٍ أقلَّ من الكتابة؛ لأن في الكتابة يكون من الأسهل إعادةُ إنتاج الحروف ذهنيًّا باستخدام يدي اليمنى، في حين أجد صعوبةً أكبر في إعادة إنتاج الحروف المطبوعة.» (أشار شاركو قائلًا: «عند قراءة مادةٍ مطبوعة، يكون من المُريح له أن يُمسك بقلمٍ في يده.») وفي ختام محاضرته، قال شاركو مؤكدًا: «باختصار، يمكن للمرء أن يقول عنه إنه «يقرأ فقط أثناء عملية الكتابة.»»

بدأ هوارد على نحوٍ مُتزايد، ودون وعي في الغالب، حينئذٍ في تحريك يدَيه وهو يقرأ، مُتتبعًا حدودَ الكلمات والجُمل التي لا تزال غيرَ مفهومة لعينَيه. والأروع من ذلك أنَّ لسانه أيضًا بدأ يتحرَّك وهو يقرأ، ويتتبَّع أشكال الحروف على أسنانه أو سقف فمه. وقد مكَّنه ذلك من القراءة على نحوٍ أسرعَ كثيرًا (على الرغم من أن الأمر لا يزال يستغرقُ منه ربما شهرًا أو أكثرَ لقراءة كتابٍ كان يُمكنه في السابق قراءتُه في أمسية واحدة). وهكذا، من خلال عملية تحولٍ حسِّي حرَكي مجردةٍ استثنائية، استبدل هوارد بالقراءة شكلًا من أشكال الكتابة. لقد كان في الواقع يقرأ بلسانه.١٥

•••

بعد أكثرَ من ثلاثة أشهُر من إصابة هوارد بالسكتة الدماغية، عاد من مستشفى إعادة التأهيل إلى منزل لم يتعرَّف عليه تمامًا:

بدا المنزل غريبًا ومألوفًا في الوقت نفسِه … كان كأنه موقعُ تصوير سينمائي تم تجميعُه من رسومات لمنزلٍ حقيقي وغُرَفه. والأغرب كان مكتبي. نظرتُ إلى الكمبيوتر الخاصِّ بي بشعورٍ غريب. كان مكتبي بأكمله، حيث كتبتُ العديدَ من كتبي، يُشبه ديوراما في أحد المتاحف … وعلى ورق الملاحظات اللاصق الذي كُتب عليه بخطٍّ مخربش، بدا خطُّ يدي غريبًا، وغيرَ مألوف.

هل سيتمكَّنُ من استخدام هذا الكمبيوتر الغريب — الذي كان في يومٍ من الأيام الأداةَ الأساسية لعمله — مرةً أخرى؟ بمساعدة ابنه، ولدهشته الشخصية، بدأ في اختبار مهاراته القديمة في الكمبيوتر، وسرعان ما شعر بعودتها. لكن كتابة شيء إبداعي كانت مسألةً أخرى. وكانت القراءة، وحتى قراءة خط يده الغريب، لا تزال بطيئةً وصعبة. علاوةً على ذلك، وكما كتب لاحقًا:

لقد كنتُ خارج العالم لشهور. لم يَعُد بإمكاني وضعُ الأمور في نِصابها في رأسي. ما العمل الذي كنت أتخيلُ أنني قد أعود إلى مكتبي القديم وأبدَؤه من جديد؟ من الواضح أنني كنتُ غيرَ مؤهل للخيال. فأغلقتُ جهاز الكمبيوتر، وخرجت في تمشيةٍ طويلة.

ومع ذلك، كان هوارد، إلى حدٍّ ما، عاكفًا على التدرب على الكتابة كلَّ يوم ولو فقط في دفتر ذاكرته. كتب في البداية يقول:

لم يكن لديَّ أيُّ أفكار لتأليف كتاب. فلم يكن ذلك أبعدَ ما يكون عن قدراتي فحسب، بل كان بعيدًا كذلك عن مخيلتي. لكن من دون أن أعيَ، كان جزءٌ آخرُ من دماغي يبدأ في وضع حبكة قصة. بدأت الصورُ تنبثق في رأسي. وبدأت الحبكات وتحولاتها تُطارد مخيلتي. وبينما [كنتُ] مستلقيًا في سريري بالمستشفى … كنت أجتهد في العمل على ابتكار القصة والشخصيات والمواقف للكتاب الذي كنتُ ما زلت لا أعرف أنني أكتبه.

وقرَّر كتابة رواية جديدة، إذا استطاع، متَّبعًا نصيحة والدته القديمة:

اكتب عمَّا تعرف … وما كنت أعرفه الآن هو مرضي. كنت أعرفُ روتين المستشفى والأشخاص من حولي. كان بإمكاني أن أؤلِّف كتابًا يصفُ ما يعنيه أن تكون خارجَ نطاق الأشياء، مسطحًا على ظهري لبعض الوقت مع ممرضات وأطباء يُرتبون أيامي ويُعيدون ترتيبها.

سيُعيد تعريف أناهُ البديلة، المحقق بيني كوبرمان، لكنه سيكون كوبرمان مُتحولًا؛ المحقِّق العظيم، الذي يستيقظ في سرير بالمستشفى ليجد نفسَه مُصابًا بتعذر القراءة وفاقدًا للذاكرة أيضًا. ومع ذلك، فإن قدراته على الاستدلال سليمة، وتُمكِّنه من الربط بين الأدلة المتباينة لمعرفة كيف انتهى به الحال في المستشفى، وما حدث في الأيام القليلة الغامضة التي لم يَعُد بإمكانه تذكرُها.

عمل هوارد بسرعةٍ عالية، فكان يكتب ساعاتٍ كلَّ يوم على جهاز الكمبيوتر الخاص به. وفي غضون أسابيعَ قليلة، مكَّنه خيالُه وتدفُّقه الإبداعيُّ من إنتاج مسوَّدة أوَّلية. كانت المشكلة آنذاك هي كيفيةَ تصحيحها ومراجعتها في ظلِّ مشاكله مع ذاكرة المدى القصير وعدم قدرته على القراءة بالطريقة العادية. فوظَّف العديد من الأدوات التي تستخدم معالجَ الكلمات الخاصَّ به — من وضع مسافةٍ بادئة لفقراتٍ معيَّنة، وتمييز الفقرات بأحجام خطوطٍ مختلفة — وبعد أن فعل كلَّ ما استطاع فِعله بمفرده، طلب من مُحرره أن يقرأ له الكتابَ بالكامل بصوتٍ عالٍ؛ حتى يتمكَّن من نقش بِنيته إجمالًا في ذاكرته وإعادة تنظيمها في ذهنه. استغرقَت هذه العملية الدَّءوبة الجادَّة عدة أشهُر من العمل الشاق، ولكن قدراته على التذكر والمراجعة الذهنية، كقدرة ليليان كالير على إعداد نوتات البيانو الموسيقية في ذِهنها، ازدادت باطِّراد مع الممارسة.

نُشرت روايته الجديدة (التي أسماها «دفتر الذاكرة») في عام ٢٠٠٥، أعقبها بسرعةٍ كبيرة روايةً أخرى لشخصية بيني كوبرمان، ومذكرات في عام ٢٠٠٧ بعنوان «الرجل الذي نسي كيف يقرأ». لا يزال هوارد إنجل يُعاني من تعذُّر القراءة، لكنه وجد طريقة لِيَبقى كاتبًا. وكانت قدرتُه على القيام بذلك شهادةً على أشياء كثيرة؛ تَفاني مُعالجيه ومهارتهم في إعادة تأهيله، وإصراره على القراءة مرةً أخرى، وقدرة الدماغ البشري على التكيُّف.

وقد كتب هوارد يقول: «لم تختفِ المشاكل أبدًا، لكنني أصبحتُ أكثرَ ذكاءً في حلِّها.»

هوامش

(١) نُشرت كأحد فصول كتاب «عالم أنثروبولوجيا على المريخ».
(٢) كانت ليليان كالير أيضًا مُصابةً بتعذُّر القراءة البحت، واستمرَّت في كتابة الرسائل لأصدقائها حول العالم. ولكن نظرًا إلى أن تعذُّر قراءة الكلمات لديها قد تطوَّر ببطء، على مدار السنين، بدا أنها تكيَّفَت دون وعي مع حقيقة أن القراءة والكتابة يمكن أن ينفصلا على هذا النحو.
(٣) المصطلح الحاليُّ، «العمَهُ البصري»، قدَّمه سيجموند فرويد في العام التالي.
(٤) تعرَّف أطبَّاء الأعصاب على «عمى الكلمات» الخِلقي (الذي نُسميه الآن عُسْر القراءة) في ثمانينيَّات القرن التاسع عشر، تقريبًا في الوقت نفسِه الذي كان شاركو وديجيرين وآخرون يصفون فيه تعذُّر القراءة المكتسَب. كان الأطفال الذين يُعانون من صعوباتٍ شديدة في القراءة (وأحيانًا في الكتابة، أو قراءة الموسيقى، أو الحساب أيضًا) غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم مُتأخرون، على الرغم من الأدلة الواضحة على عكس ذلك. وقد تناول دبليو برينجل مورجان، الذي كان يكتب في دورية «ذا بريتيش ميديكال جورنال» في عام ١٨٩٦، بالتفصيل دراسةً دقيقة عن فتًى يتمتع بالذكاء وفصاحة اللسان في الرابعةَ عشرة من عمره، عانى من صعوباتٍ شديدة في القراءة والتهجئة:

أثناء كتابته لِاسمه ارتكب خطأً؛ إذ كتب «بريسي» بدلًا من «بيرسي»، ولم يُلاحظ الخطأ حتى لُفِت انتباهه إليه أكثرَ من مرة … يبدو أن الكلمات المكتوبة أو المطبوعة لا تنقل أي انطباع إلى ذهنه، ولا يستطيع اكتشاف معانيها إلا بعد تهجئتها بمشقَّة، من خلال أصوات الحروف … يُمكنه فقط التعرف على الكلمات البسيطة مثل «و»، «أل»، «من» … إلخ. أما الكلمات الأخرى، فلا يبدو قطُّ أنه يتذكرها، مهما كان عدد المرَّات التي ربما تكون قد صادَفته فيها … يقول مُعلم المدرسة الذي تولَّى التدريسَ له لبضع سنوات إنه كان سيصبح أذكى فتًى في المدرسة لو كانت الدروس شفاهيةً بالكامل.

ومن المعروف الآن أن نحو خمسة إلى عشرة بالمائة من السُّكان يُعانون من عُسر القراءة، وأن العديد ممن يُعانون من عسر القراءة لديهم مواهب استثنائية في مجالاتٍ أخرى، سواء بطريق «التعويض» أو ببساطة بسبب تكوينهم العصبي المختلِف. وتطرح هذه الأمور والعديد من الجوانب الأخرى لعُسر القراءة بتعمُّق ماريان وولف في كتاب «بروست والحبار: قصة وعلم الدماغ القارئ»، وكذلك توماس جي ويست في كتاب «في عين العقل».
(٥) أقتبس هنا وفي مواضع أخرى من الترجمة التي قدَّمها إسرائيل روزنفيلد في كتابه الرائع «اختراع الذاكرة».
(٦) يُشير إسرائيل روزنفيلد أيضًا إلى أن مشكلة أوسكار سي الأساسية لم تكُن فقط في التعرُّف على الحروف، ولكن في إدراك تسلسُلها، وأنه كان يُواجه مشاكلَ مُماثلة مع التدوين الرقمي. يقول روزنفيلد إن الأعداد «تُقرأ دائمًا بالطريقة نفسِها في كل سياق. فالعدد ٣ هو «ثلاثة» سواءٌ ظهر في عبارة «٣ تفاحات» أو «خصم ٣ في المائة». لكن … معنى رَقْم ما في عددٍ مُتعدد الحدود يعتمدُ على موضعه.» يُشبه ذلك النوتات الموسيقية، التي يعتمد معناها على السياق والمكان.
يُتابع روزنفيلد قائلًا إن الكلمات مُتشابهة:

يمكن أن يؤديَ تغييرُ حرفٍ واحد في كلمة إلى تغيير كلٍّ من نطقها ومعناها. وتستند دلالته إلى ما يسبقه وما يليه … والفشل في استيعاب هذا التنظيم العام — حيث تتغير المُحفزاتُ المُتشابهة، أي الحروف، باستمرار في مدلولها — هو ما يُميز مرضى العمى اللفظي. فلا يمكنهم تنظيم المحفزات بطريقةٍ تجعل للرموز معنًى.

(٧) في الأيام القليلة التي عاشها أوسكار سي بعد إصابته بالسكتة الدماغية الثانية، أُصيب بالحبسة أيضًا. كان يقول كلمةً بدلًا من أخرى، أو يُصدر أصواتًا مبتورةً، واضطُرَّ إلى الاعتماد على الحركات الإيمائية والإشارات في التواصل. لاحظتْ زوجته («بفزع») أنه لم يعُد يستطيع الكتابة. يُشير إسرائيل روزنفيلد، مُحللًا حالةَ ديجيرين في كتاب «اختراع الذاكرة»، إلى أن المرء قد يكون مُصابًا بتعذُّر القراءة من دون أن يكون مُصابًا بالعجز عن الكتابة — وهذا شائع نسبيًّا — ولكنه لا يكون مُصابًا بالعجز عن الكتابة من دون أن يكون مُصابًا بتعذُّر القراءة. وفي ذلك كتبَ روزنفيلد يقول إن «العجز عن الكتابة دائمًا ما يكون مرتبطًا بعدم القدرة على القراءة.» ومع ذلك لم ترد تقارير إلا عن حالاتٍ نادرة للغاية من عجز الكتابة المُنفرد، ولم يُحسَم الجدل بعد.
(٨) كذلك أظهرت كريستين بامر وزملاؤها، باستخدام تخطيط الدماغ المغناطيسي، أن منطقة الأشكال البصرية للكلمات لا تعمل مُنعزلة؛ فهي جزءٌ من شبكةٍ دماغية مُنتشرة على نطاقٍ واسع. بل إن بعض المناطق في الفصوص الجبهيَّة والصُّدغية تنشط بواسطة الكلمات «أمام» منطقة الأشكال البصرية للكلمات. ويؤكدون على أن انتشار التنشيط يتدفق في كِلا الاتجاهَين؛ من منطقة الأشكال البصرية للكلمات وإليها.
ومع ذلك، من الممكن فصلُ فعل القراءة عن المعنى مِثلما أفعل، على سبيل المثال، عندما أقرأ نصًّا دينيًّا بالعبرية. فقد تعلَّمت وقع الكلمات، ولكن لديَّ فكرة محدودة عن معناها. ويحدث شيءٌ مُشابه مع الأطفال المُصابين بفرط القراءة في مرحلةِ ما قبل المدرسة، وعادةً ما يكونون مُصابين بالتوحُّد، الذين قد يتمكَّنون من قراءة مقال في «نيويورك تايمز» بطلاقة وعلى نحوٍ صحيح، ولكن دون فهم.
(٩) عندما التقينا، أعطاني سكريبنر دفترَ مذكراتٍ موجَزًا كان قد أملاه لتوِّه، يصف فيه إصابته بتعذر القراءة وكيف تكيَّف معه، وقد نشر هذه المذكرات في وقتٍ لاحق كخاتمة في كتابه الأخير، «في شبكة الأفكار»، الذي أقتبس منه هنا.
(١٠) قد يتسبَّب تلفُ الدماغ الناتجُ عن سكتةٍ دماغية، أو ورم، أو مرض تنكُّسي في تعذُّر قراءةٍ دائم، ولكن يمكن أن يكون هناك أيضًا تعذرُ قراءة عابر، نتيجةَ اضطراب مؤقَّت في نُظم الإدراك البصري للدماغ كما يمكن أن يحدث، على سبيل المثال، مع الصداع النصفي. (وقد وصف هذا فليشمان وآخَرون، وبيجلي وشارب، وغيرهم.) لقد مررتُ بتجربة كهذه أثناء قيادتي لسيَّارتي في طريقي إلى مَوعد في صباح أحد الأيام، حين وجدت نفسي فجأةً غيرَ قادر على قراءة أسماء الشوارع؛ فقد بدَت وكأنها مكتوبة بخطٍّ غريب قديم — ربما فينيقي — لم أستطع التعرف عليه. كان أول ما خطر لي أن ثَمة تغييرًا خارجيًّا قد حدث. فمدينة نيويورك هي موقعٌ رائج لتصوير الأفلام، وافترضت أن لافتات الشوارع «المعدلة» كانت جزءًا من بعض التجهيزات السينمائية المتقنة. ثم أعطاني شيءٌ أقربُ إلى وميض أو شرارة حول الحروف خيطًا؛ فأدركتُ أن تعذُّر القراءة الذي أعاني منه كان جزءًا من هالةِ صداع نصفي.
يمكن أن يحدث تعذرُ القراءة أيضًا بالتزامن مع الصرع. فقد رأيتُ مؤخرًا مريضةً وصفَت كيف تُثير القراءة (والقراءة فقط) نوباتِها، ولكن أول مظهر لها هو تعذر القراءة. فالكلمات والحروف تصبح أمامها فجأةً غيرَ مفهومة، وتُدرك أن ذلك أعراضٌ أولية لنوبة صرَع، ستتبعها في غضون ثوانٍ. إذا كانت بمفردها، تستلقي وتتلو الأبجديةَ لنفسها. وعند استعادة وعيها بعد النوبة، تُعاني من حُبسةٍ تعبيرية واستقبالية — عدم القدرة على الكلام أو فهم الكلام — لمدة عشرين دقيقة أو نحو ذلك.
(١١) غير أن ثَمة بعضَ الاختلافات. فكما تُشير ماريان وولف، على سبيل المثال، «تَنشط مناطقُ الذاكرة الحركية عند قراءة اللغة الصينية أكثرَ بكثير من قراءة اللغات الأخرى؛ لأن هذه هي الطريقةُ التي يتعلم بها القُراءُ الصغار الرموزَ الصينية؛ عن طريق الكتابة، مِرارًا وتَكرارًا.» وقد يستخدم القارئ نفسُه دوائرَ عصبيةً مختلفةً بعضَ الشيء لقراءة اللغات المختلفة.
قد يجد المرء أحيانًا أشخاصًا ثُنائيِّي اللغة يفقدون القدرة على قراءة لغةٍ دون أخرى، عقب الإصابة بسكتةٍ دماغية. وقد خضع هذا للدراسة على نحوٍ خاص في اليابان، حيث يوجد شكلان من اللغة المكتوبة يَشيع استخدامهما (غالبًا ما يُستخدم كِلا الشكلَين في الجملة نفسِها). وقد اشتُقت رموز الكانجي، التي تضمُّ مجموعةً من أكثر من ثلاثة آلاف حرف، من الأيدوجرامات الصينية. أما القانا، وهو نظامٌ مقطعي يمكنه، شأنه شأن الأبجدية، أن يُمثل أي صوت كلامي، فيضمُّ ستة وأربعين رمزًا فقط. وعلى الرغم من الاختلاف الشديد بين الكانجي والقانا، فإن كِلَيهما يوظِّف منطقة الأشكال البصرية للكلمات. ومع ذلك، تُظهر دراساتُ التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لناكاياما وديهاين اختلافاتٍ دقيقةً، ولكنها مهمة في تمثيلهما داخل هذه المنطقة، وقد وردت تقاريرُ عن حالاتٍ نادرة لتعذُّر قراءة الكانجي ولكن ليس القانا، والعكس بالعكس.
(١٢) عبَّر والاس عن ذلك كما يلي:

لم يكن بإمكان الانتقاء الطبيعي إلا أن يهبَ الإنسان البدائيَّ دماغًا أرقى ببضع درجات من دماغ قرد، في حين أنه يملك فعليًّا دماغًا أدنى بقدرٍ ضئيل للغاية من دماغ فيلسوف … يبدو الأمر كما لو أن العضو قد جرى إعداده ترقبًا للتطور المستقبلي لدى الإنسان؛ نظرًا إلى احتوائه على قدراتٍ كامنة لا نفع له بها في حالته التي كان عليها فيما مضى.

(١٣) قدَّم جولد تحليلًا رائعًا لتفكير والاس في مقاله «الانتقاء الطبيعي والدماغ»، الذي أُعيدت طباعته في كتاب «إبهام الباندا».
(١٤) استخدمت أقدم اللغات المكتوبة الرموز التصويرية أو الأيقونية، التي أصبحت مجردةً ومبسَّطة على نحوٍ مُتزايد. كانت هناك الآلافُ من الحروف الهيروغليفية المميَّزة في مصر، وعشرات الآلاف من الأيدوجرامات في اللغة الصينية الكلاسيكية؛ فكانت قراءة (وكتابة) لغة كهذه يتطلب قدرًا كبيرًا من التدريب، وربما تكريس جزءٍ أكبر من القشرة البصرية. وقد يكون هذا، كما يشير ديهاين، السبب في أن معظم اللغات البشرية قد مالت إلى تفضيلِ النُّظم الأبجدية.
ومع ذلك، قد تكون هناك قدرات وصفات معيَّنة مميزة للأيدوجرامات. فقد تحدَّث خورخي لويس بورخيس، الذي كان ضليعًا في الشعر الياباني، عن مُنبهاتٍ مُتعددة من أيدوجرامات الكانجي في إحدى المقابلات قائلًا:

لقد حقَّق اليابانيون غموضًا حكيمًا في شعرهم. وهذا، في اعتقادي، بسبب الشكل الخاص المميز لكتابتهم نفسِها، وبسبب الاحتمالات التي تُقدمها الأيدوجرامات. فكلٌّ منها، حسَب سماته، يمكن أن يكون له عدةُ منبهات. خذ على سبيل المثال كلمة «ذهب». هذه الكلمة تُمثل أو تُشير إلى الخريف، أو لون أوراق الشجر، أو غروب الشمس بسبب لونه الأصفر.

(١٥) مؤخرًا، وبينما كان هوارد يأكل ويتحدث، عضَّ طرَف لسانه بالخطأ، وظلَّ بضعة أيام مُتورمًا، وكان تحريكُه أمرًا مؤلمًا. قال: «لقد جعلني، ليوم أو نحوِ ذلك، أعود أمِّيًّا مرةً أخرى.»
إن للِّسان، بحسَّاسيته الشديدة، تمثيلًا حركيًّا وحسيًّا كبيرًا على نحوٍ خاص في الدماغ. ولهذا السبب يُمكن استخدامه لنوع من أنواع القراءة، كما يفعل هوارد. وعلى نحوٍ رائع، يمكن استخدامه أيضًا للأجهزة التعويضية الحسية التي قد تُمكِّن المكفوفين من «الرؤية» (انظر فصل «عين العقل»).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢