الفصل الثالث عشر

«فارس الظلام»: باتمان وأخلاق الواجب والنظرية العواقبية

مقدمة

عندما يكون تصرف ما صائبًا من الناحية الأخلاقية، ما الذي يجعله كذلك؟ فلتفرض على سبيل المثال أنك وجدت حافظة نقود ضائعة في جزء منعزل من شاطئ البحر. لم يرك أحد بينما تقترب من حافظة النقود، ولا أحد يعلم حتى أنك ذهبت إلى الشاطئ. بداخل حافظة النقود أوراق نقدية قديمة قيمتها ١٠٠٠ دولار، وورقة تحوي عنوان صاحبة حافظة النقود: السيدة أجاثا والاس. ما التصرف الصائب في هذه الحالة؟ (التصرف الصائب حقًّا، لا التصرف المناسب لك.) قطعًا التصرف الصائب هو إرجاع حافظة النقود كما هي إلى السيدة والاس، لا لأن إعادة حافظة النقود تصرُّف لطيف وكيِّس من جانبك — مثلما تعتبر التبرع بألف دولار من أموالك إلى جمعية خيرية تصرفًا لطيفًا من جانبك — بل لأنه «لزامٌ عليك»، من وجهة نظر أخلاقية، إرجاع حافظة النقود وكل ما بداخلها من أموال. إعادة حافظة النقود إذن أمر إلزامي من الناحية الأخلاقية. لكن لماذا نعتبره إلزاميًّا؟ بعبارة أخرى، ما الذي يجعل فعل إعادة حافظة النقود، في هذه الظروف، فعلًا إجباريًّا؟ إذا كنت متديِّنًا، ربما تجيب عن سؤال كهذا بأن الله يأمرنا ألا نسرق، والاحتفاظ بحافظة النقود يعتبر سرقة. فتحريم السرقة متضمن في الوصايا العشر. لكن إجابة كهذه ليست إجابة شافية، فما الذي يؤهل السرقة كي تصبح ضمن الوصايا العشر؟ لا بد أن الله قد أقام حكمه بناءً على سمة ما تخص السرقة، ما لم يكن يختلق فحسب قواعد اعتباطية لحياتنا.1 إذن سواء كنا متدينين أم لا نواجه هنا سؤالًا فلسفيًّا عسيرًا. ما الذي يجعل أفعالًا بعينها صائبة، ويجعل غيرها خاطئة؟ ما الذي تنطوي عليه «الأفعال» في حد ذاتها، ويحدد تلك السمات الأخلاقية؟ أو كما يطرح الفلاسفة السؤال في بعض الأحيان، ما السمات التي تجعل الأفعال صائبة؟ وما السمات التي تجعل الأفعال خاطئة؟

كالعادة، تفتَّقت أذهان الفلاسفة عن إجابات لا حصر لها لهذين السؤالين. (في أغلب الأحيان، لا تنبع صعوبة الفلسفة من طرح الفلاسفة لأسئلة لا يمكن الإجابة عنها، بل تنبع من طرح الفلاسفة لأسئلة لها العديد من الإجابات المتناقضة، وتبدو كل منها إجابة مناسبة من بعض النواحي.) في الفلسفة المعاصرة توجد ثلاثة مناهج سائدة للإجابة عن الأسئلة التي نطرحها. ويُطلق على هذه المناهج نظرية العواقبية، وأخلاق الواجب، وأخلاق الفضيلة. في هذا الفصل سنستكشف الصراع بين العواقبية وأخلاق الواجب مستعينين بفيلمٍ من سلسة أفلام باتمان وهو «فارس الظلام» (ذا دارك نايت) (٢٠٠٨). أما أخلاق الفضيلة فسوف نتناولها في الفصل الرابع عشر. يصور فيلم «فارس الظلام» عددًا من المعضلات الأخلاقية البارعة التي تتيح لنا بلوغ قلب الاشتباك بين التفكير الأخلاقي العواقبي والتفكير القائم على أخلاق الواجب. وعلاوة على ذلك يهدف الفيلم إلى إيصال نقطة محددة؛ فهو منحاز بحزم إلى جانب أخلاق الواجب (وهو انحياز يستمر حتى النهاية، في اللحظة التي يبدو فيها أنه بدَّل انحيازاته؛ سنتناول المزيد في هذا السياق لاحقًا). دعونا نبدأ بالمشهد الدرامي الرئيسي الذي يقع في ذروة أحداث الفيلم.

تجرِبة الجوكر

باتمان مشغول للغاية. في الوقت نفسه تطفو عبَّارتان عاجزتان عن التحرك في النهر؛ تحمل إحداهما مجموعة من السجناء بينما تحمل الأخرى ركابًا عاديين، وكلتاهما مفخختان بقنابل جاهزة للانفجار. يرغب الجوكر في إجراء تجرِبة معينة، يُملي تفاصليها التالية على الركاب (الدقيقة ٥٧ من الساعة الثانية):

أنتم اليوم ستشاركون جميعًا في تجرِبة اجتماعية. أنا على أتم الاستعداد الآن لتفجيركم على بَكْرة أبيكم حتى تبلغ أشلاؤكم عَنان السماء، وإذا حاول أيٌّ منكم مغادرة العبَّارة فسأفجِّر الجميع. لدى كل منكم جهاز تحكُّم عن بعد يمكِّنه من تفجير العبَّارة الأخرى. عند منتصف الليل سأفجِّر الجميع، لكن إذا ضغطت إحدى العبَّارتين على زر تفجير العبَّارة الأخرى فسوف أُعفيها من الهلاك. مَن سيضغط على الزر إذن؟ حثالة أخطر المجرمين ممن أمر هارفي دنيت بإلقاء القبض عليهم، أم المجموعة اللطيفة من الركاب المدنيين الأبرياء؟ الخيار لكم. ولا تنسَوا، عليكم الإسراع في اتخاذ القرار لأن مَن على العبَّارة الأخرى قد لا يتمتعون بهذا القدر من النُّبل.

بالطبع سينقذ باتمان الجميع في النهاية، وسيمنع الجوكر من تفجير كلتا العبَّارتين. لكن من هم على متن العبَّارة لا علم لديهم بأنه في طريقه لإنقاذهم. ماذا عليهم فعله؟ ماذا عليهم فعله من المنظور الأخلاقي؟

إليكم الاقتراح التالي: من أجل معرفة ما ينبغي فعله، عليهم تحديد أفضل النتائج — لا فيما يخص فردًا واحدًا فحسب من المتورطين بل فيما يخص الجميع — وبناءً على ذلك تزكية الفعل الذي سيؤدي في الأغلب إلى هذه النتيجة. تلك تقريبًا هي طريقة معالجة أتباع النظرية العواقبية للمسألة. من الوهلة الأولى، يبدو ذلك خيارًا منطقيًّا. لكن أهو كذلك حقًّا؟ لاحظ أولًا أننا بالغنا في تبسيط الموقف تبسيطًا جذريًّا. قد تتذكر من الفصل الحادي عشر أن عملية اتخاذ القرار أعقَد من تحديد الوضع الأفضل ومحاولة الوصول إليه. في ذلك الفصل عرضنا فكرة تعظيم الجدوى المتوقعة. تنتج الجدوى المتوقعة عن ترتيب النتائج من الأفضل إلى الأسوأ (ما يحدد لنا «جدوى» النتيجة) واحتمالية حدوث كل نتيجة. كي نحدد الجدوى المتوقعة لفعل ما، علينا معرفة جدوى النتائج المحتملة للفعل واحتمالية أو أرجحية تلك النتائج. وكما أوضحنا في الفصل الحادي عشر، تحديد ذلك أمر في غاية الصعوبة من الناحية العملية.

إذا التزمنا بمنهج تعظيم الجدوى المتوقعة، فيجب إذن على ركاب العبَّارتين تحديد قرارهم لا حسب الفعل الذي سيؤدي إلى تعظيم فرصة تحقيقهم لأفضل نتيجة ممكنة بل حسب الفعل الذي يتمتع بأعظم جدوى متوقعة. (يبدو الخياران متماثلين، لكنْ ثمة اختلاف بينهما. فتعظيم فرصة الحصول على أفضل نتيجة يدفع المرء إلى تجاهل فرص الحصول على ثاني أفضل أو ثالث أفضل نتيجة، بينما حسابات الجدوى المتوقعة تضع جميع النتائج المحتملة في الاعتبار.) في الفصل الحادي عشر، ناقشنا مفهوم الجدوى المتوقعة في سياق مشكلة جودا روزينثال مع عشيقته السابقة (فيلم «جرائم وجنح»، ١٩٨٩). كان تفكير روزينثال منحصرًا كليًّا في ذاته، وهو نموذج لما أطلقنا عليه التفكير المتعقِّل. يكمن الاختلاف بين التفكير المتعقِّل والتفكير العواقبي الذي نستعرضه الآن في كيفية وصف الجدوى. في التفكير المتعقل، يحدد الفرد صانع القرار الجدوى بناءً على مصلحته الشخصية. أما في نوع التفكير الأخلاقي الذي نعرضه هنا، فيحدد صانع القرار الجدوى بناءً على إجماليِّ مصلحة الجميع، بحيث لا تطغى مصلحة أيِّ فرد على مصلحة الآخر. من المهم أخذ هذه التعقيدات في الحسبان بينما نواصل مناقشتنا لتجرِبة الجوكر الاجتماعية على الرغم من أن موقف الاختيار الذي يواجه جميع ركاب العبَّارة لا يتطلب منهم تأمُّل احتمالية أو جدوى أفضل ثاني أو ثالث نتيجة. (فليس بوسعهم فعل أي شيء لتضمين تلك النتائج؛ فالسعي وراء أفضل النتائج المتاحة وتعظيم الجدوى المتوقعة يتضح أنهما الشيء نفسه في هذا السيناريو.)

ما مدى نجاح التفكير العواقبي في التعامل مع تجرِبة الجوكر الاجتماعية؟ ما النتيجة الأفضل عند أخذ مصلحة جميع من ستمسُّهم التجرِبة في الاعتبار، على نحو متكافئ؟ أفضل نتيجة هي أن يظل الجميع على قيد الحياة، لكن يبدو أن الجوكر قد رتب الأمر بحيث يضمن عدم حدوث ذلك. أو هذا ما يُفترض بالجميع على متن العبَّارتين تصديقه. حَريٌّ بركاب العبارتين تصديق الجوكر؛ فقد حقق كل ما وعد به على مدار الفيلم؛ قال الجوكر إنه سيفجِّر أحد المستشفيات إذا لم يُقتل محامٍ معين، وعندما لم يُقتل المحامي (لا عن تقصير في المحاولة) فجَّر المستشفى؛ قال الجوكر أنه سيغتال العمدة ولم يمنعه من ذلك سوى فعل بطولي قام به قائد الشرطة جوردن في اللحظة الأخيرة. وعلاوة على ذلك عجز باتمان عن إيقاف الجوكر حتى الآن، فلماذا الاعتقاد بأنه سيقدر على إيقافه هذه المرة؟ (كما نعلم جميعًا نجح باتمان في إيقاف الجوكر لكنه لم يفعل ذلك إلا بعدما اتخذ ركاب العبَّارتين قرارهم.) إذن إذا كان حل الاعتماد على باتمان يبدو غير متاح بالفعل، فما أفضل الخيارات المتاحة الآن أمام الركاب؟ الخيار الأفضل في هذه الحالة هو نجاة الركاب المدنيين. لماذا؟ لأنهم قادرون على تقديم مساهمات في المجتمع تفوق بمراحل أقرانهم من السجناء؛ فضلًا عن أن لديهم الكثير مما يقدمونه للآخرين، فلديهم عائلات وحياة مهنية وضرائب يجب دفعها. إذا أخذنا مصلحة الجميع في الاعتبار، من هم على متن العبَّارتين ومن ليسوا على متنهما كذلك، فستصبح أفضل النتائج المتاحة هي إنقاذ المدنيين بدلًا من السجناء. (يوجد تعقيد آخر هنا ينبع من محدودية معرفة صنَّاع القرار، فما أدرانا، ربما كان أحد السجناء (سجين أُدين ظلمًا بالمناسبة) في سبيله إلى اكتشاف علاج للغباء؛ ومن ثم يصبح تفجيره أسوأ النتائج المتاحة بكثير. إن تحديد أفضل النتائج غالبًا ما يعتمد على معرفة ناقصة.) دعونا نركز على هذا الاستنتاج البغيض بعض الشيء وهو وجوب قبول جميع الركاب (بما فيهم السجناء أنفسهم) أن أفضل النتائج المتاحة هي الحفاظ على سلامة عبَّارة المدنيين. وعندئذٍ، ما الذي ينبغي فعله لتحقيق هذه النتيجة؟ لا بد أن يفجر ركاب عبَّارة المدنيين القنبلة على عبَّارة السجناء. (وعليهم الإسراع في ذلك، فكلما تأخروا في اتخاذ قرارهم، تزايدت احتمالية ضغط السجناء على زر التفجير أولًا.)

كما تعلمون، بما أنكم قد شاهدتم الفيلم، لا يضغط أيٌّ من المجموعتين على الزر. يُجري المدنيون تصويتًا، وتأتي النتيجة بفارق كبير لصالح تفجير عبَّارة السجناء (٣٩٦ موافقون، ١٤٠ معارضون). رغم ذلك، عند مجيء اللحظة الحاسمة، يفقدون أعصابهم. يبدو أحد ركاب عبَّارة المدنيين مقتنعًا بأن الضغط على زر التفجير هو الحل الصائب، ويحاول التقدم والاضطلاع بالمَهمة (الدقيقة ٦ من الساعة الثالثة):

لا أحد يريد تلويث يديه. حسنًا، سأفعلها أنا. أولئك الرجال على تلك العبَّارة قد اختاروا بالفعل، اختاروا القتل والسرقة. من غير المعقول أن نموت نحن أيضًا.

لكن هذا الرجل يفقد أعصابه ويعود ليجلس في مقعده دون أن يضغط على زر التفجير. لم يستطع فحسب حمل نفسه على تفجير عبَّارة مليئة بالناس. من الصعب معرفة ما كان يفكر فيه تحديدًا. لقد اختار أولئك السجناء بالتأكيد، ولم تكن جميع خياراتهم جيدة. هم اختاروا القتل والسرقة (أو بيع المخدرات أو التهرب من الضرائب أو التهرب من دفع غرامات ركن سياراتهم في الأماكن الممنوعة؛ لا يمكننا التأكد بدقة مما اختاروه). لكن ما لم يختاروه هو أن يوجدوا على متن عبَّارة محمَّلة بالمتفجرات. ويبدو أن هذا القرار هو القرار ذو الأهمية هنا. ربما اعتقد الرجل أن حق السجناء في الحياة لا يعدل حق المدنيين الأبرياء، وإذا كان متاحًا لطرف أن ينجو من تجرِبة الجوكر، فمن المفترض أن يكون هو الطرَف الذي يستحق أفراده النجاة. هذه الطريقة في التفكير تختلف عن طريقة التفكير العواقبي، على الأقل في أكثر سماتها وضوحًا. الاستحقاق سمة ترتبط بالماضي: ما يستحقه المرء يعتمد على ما فعله بالفعل. أما العواقبية فتتطلع إلى المستقبل: ما ينبغي فعله يعتمد على العواقب المستقبلية، لا على ما حدث بالفعل.

في عبَّارة السجناء، يُقنع سجين، ترتسم على ملامحه شراسة غير عادية، الحراس بترك مَهمة الضغط على الزر له، فيخاطب رئيس الحراس قائلًا (الدقيقة ٦ من الساعة الثالثة):

أنت لا ترغب في الموت، لكنك لا تستطيع القتل. أعطني الجهاز … يمكنك إخبارهم فيما بعدُ بأنني أخذته منك عَنْوة. أعطني إياه وسأفعل ما كان عليك فعله منذ عشر دقائق مضت.

يأخذ السجين جهاز التفجير، وعلى الفور يلقيه في النهر. يمكن تفسير سلوك السجين بثلاث طرق على الأقل: باعتباره رفضًا للتعاون مع الشر، أو رفضًا لارتكاب الشر (قتل ركاب آخرين)، أو محاولة لضمان تحقيق النتيجة الأفضل (وهي نجاة المدنيين لا السجناء). يبدو فعله صائبًا وبطوليًّا من منظور التفسيرات الثلاثة كافةً.

يلخص باتمان الأداء الأخلاقي لكلتا المجموعتين، بما يشمل المدنيين. فبينما يتحدث مع الجوكر يسأله:

ماذا الذي كنت تحاول إثباته؟ إن الجميع في قرارة أنفسهم مثلك بالضبط؟ أنت وحدك (الدقيقة ٧ من الساعة الثالثة) … لقد أثبتت لك هذه المدنية لتوِّها أنها تعجُّ بأناس على استعداد للإيمان بالخير. (الدقيقة ٨ من الساعة الثالثة)

هل باتمان على حق؟ هل يفكر بوضوح؟ (لقد كان الجوكر يحاول خنقه بينما يتحدث؛ ومن ثم لا لوم عليه إذا لم يكن يفكر بوضوح كبير.) لقد أظهر مواطنو جوثام سيتي المحاصرون على عبَّارة المدنيين أنهم غير مستعدين لفعل ما يلزم لتحقيق أفضل نتيجة متاحة، مع أخذ مصلحة الجميع في الاعتبار. (لقد كانوا على استعداد للتصويت بالموافقة على تفجير العبَّارة الأخرى، لكنهم لم يكونوا مستعدين للتنفيذ.) كيف يمكن اعتبار ذلك انتصارًا أخلاقيًّا؟ وإذا فجَّر ركاب إحدى العبَّارتين ركاب العبَّارة الأخرى، كيف سيعكس ذلك فكرة أنهم لا يختلفون في شيء عن الجوكر؟ الجوكر هو عميل محرِّض بمعنى الكلمة، شخص لا يرغب إلا في رؤية العالم يحترق. في هذا الموقف ستحاول كل مجموعة من ركاب العبَّارتين إنقاذ نفسها. في حالة المدنيين، ربما يوجد مبرر ما لمحاولتهم إنقاذ أنفسهم. كيف نعتبرهم مثل الجوكر إذن؟ ربما كانوا سيصبحون مثله من المنظور التالي: إذا فجروا عبَّارة مليئة بالركاب، فسوف يثبتون بفعلتهم هذه أنهم مستعدون لخرق المبادئ الأخلاقية من أجل الحصول على ما يريدونه. تخبرنا مبادئنا الأخلاقية بألا نقتل. وما يرغب الجوكر في إثباته تحديدًا هو مدى سطحية التزامنا بهذا المبدأ، وأن أيَّ شخص يمكن دفعه للقتل إذا تعرَّض للقدر الكافي من الضغط. يرغب الجوكر في إثبات ضعف قبضة الأخلاق، لكن مواطني جوثام يُثبتون له خطأه. لقد كانت قبضة الأخلاق أقوى كثيرًا مما أدرك الجوكر. وعلى الرغم من رغبة الركاب المدنيين في تفجير عبَّارة السجناء، فإنهم لم يتمكنوا ببساطة من تنفيذ ذلك فعليًّا. وعندما أوشك الخوف والإغراء على السيطرة على الحراس في عبَّارة السجناء، تقدَّم رجل ذو شجاعة استثنائية وفعل الصواب. لقد انتصرت المبادئ الأخلاقية. السؤال حول ما إذا كان الفيلم يقدِّم رؤية واقعية لما كان سيحدث في تجرِبة الجوكر الاجتماعية سؤال جيد. لكن السؤال المحوري من وجهة نظرنا لا يتعلق بما كان سيفعله الناس في تلك المواقف، بل يتعلق بما ينبغي لهم فعله. لو ضغط المدنيون على الزر هل يُعتبر تصرُّفهم خاطئًا في هذه الحالة؟ لماذا؟

يبدو تفكير باتمان نموذجًا تقليديًّا للتفكير بمقتضى أخلاق الواجب. هو نموذج على التفكير العواقبي. أما وجهة النظر البديلة — التي تدفع بأنه ينبغي على الركاب بذل كل ما بوسعهم لضمان تحقيق أفضل نتيجة ممكنة أو أن عليهم تعظيم الجدوى المتوقعة — فهي نموذج للتفكير العواقبي. دعونا نوضح ذلك من خلال تسليط الضوء على الفلسفات ذات الصلة.

النفعية وتجرِبة الجوكر

حسب وجهة النظر العواقبية، الخواص الأخلاقية تعتمد على العواقب، أو العواقب المحتملة. يوجد الكثير من التنويعات على المدرسة العواقبية؛ نظرًا لوجود طرق عديدة لوصف هذه العلاقة الاعتمادية. أي عواقب تدخل في الحسبان؟ العواقب المترتبة على الأفعال، أم المؤسسات أم القواعد أم العادات؟ كيف نحسب حساب العواقب؟ المثال الأشهر على النظرية العواقبية هو النفعية، والمناصر الأشهر للنفعية هو الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل. يرى أنصار النفعية أن علينا قياس جدوى العواقب عن طريق تحديد مدى النفع الذي سيعود على حياة كل فرد. يتمخض الكثير من الأفعال عن عواقب تؤثر على جودة حياة الأفراد؛ فقد تؤدي تلك العواقب إلى تحسين حياتهم (كأن يمتلك أحد الأفراد فجأة ألف دولار، دون أي شروط) أو التأثير سلبًا على حياة آخرين (كأن يفقد أحد الأفراد فجأة ألف دولار ويصبح عاجزًا عن دفع الإيجار). حسب رؤية النفعيين، جودة حياة الناس هي العامل الوحيد المهم حقًّا، وهدف الأخلاق هو تعظيم هذه الجودة.

كيف نقيس مدى جودة أو سوء حياة الأفراد؟ اعتقد ميل أنه في وسعنا قياس هذا على المستوى النفسي، من منظور السعادة. تسير حياة الأفراد على ما يرام إذا كانوا سعداء، وسوف يشعرون بالسعادة إذا كانوا مستمتعين بالحياة؛ أي سيكونون سعداء إذا تذوقوا متع الحياة. كذلك اعتقد ميل أن المتعة مسألة معقدة، وأن بعض أنوع المتعة هي بطبيعتها مرغوبة أكثر من غيرها. وأطلق على هذه المتع «المتع العليا». لا يقتنع النفعيون المعاصرون عادةً بمذهب المتعة الذي صاغة ميل، ويفضلون رؤية أخرى حول العوامل التي تجعل الحياة جيدة. أحد الاتجاهات الشائعة بين النفعيين المعاصرين يتمثل في قياس جودة حياة الأفراد من منظور إشباع التفضيلات.2 حياة «أ» تسير على نحو أفضل من حياة «ب» إذا كان «أ» قد أشبع عددًا من تفضيلات يزيد عما أشبعه «ب». وبما أن الفرد قد يتبنى تفضيلات معينة دون أن يعيَ الحقائق المتصلة بها — على سبيل المثال قد يفضل أحدهم تناول الدجاج المقليِّ كلَّ ليلة دون أن يدرك أن هذا يزيد بدرجة كبيرة احتمالات إصابته بداء البول السكري — غالبًا ما يتحدث النفعيون عن التفضيلات التي يدرك صاحبها جميع ما يتصل بها من معلومات لا التفضيلات الفعلية. مثلًا تسير حياة «أ» على نحو أفضل من حياة «ب» إذا كان «أ» قد أشبع عددًا من التفضيلات القائمة على معلومات كاملة يزيد عن العدد الذي أشبعه «ب». يشبع «أ» تفضيلاته القائمة على معلومات كاملة إذا حصل على ما كان سيفضله حال كونه مطلعًا تمامًا على جميع الحقائق المرتبطة بهذه التفضيلات المحتملة. بالطبع لا يمكننا قياس تلك الأمور بدقة متناهية؛ لذا غالبًا ما يفضل النفعيون استراتيجية غير مباشرة. فمن أجل تحسين احتمالات «أ» المستقبلية، عليه أن يتزود بالمصادر المطلوبة، التي من بينها المعرفة والتعليم؛ كي يُشبع قاسمًا كبيرًا من تفضيلاته المطلعة. تنجح هذه الاستراتيجية غير المباشرة في بعض الأحيان، لكننا ما زلنا نواجه العديد من المواقف حيث يصبح لزامًا علينا اتخاذ خيار أخلاقي يحدد أيًّا من الأفراد سوف تُلبَّى تفضيلاته. بافتراض أن كل شخص تقريبًا يفضل تفضيلًا مستنيرًا الحياة على الموت، فسوف نُضطر في بعض الأحيان إلى تحديد أيِّ حياة ينبغي إنقاذها. هذا هو القرار الذي واجهه ركاب العبَّارة.

إن النفعية نظرية موضوعية حول تحديد الفعل الصائب، فهي تأخذ صالح الجميع في الاعتبار، ولا تفرِّق بين مصلحة فرد ومصلحة آخر. يعامل النفعيون التفضيلات المطلعة لدى جميع الأفراد على قدم المساواة، ويحاولون ضمان إشباع أكبر عدد ممكن من التفضيلات. الأمر أشبه بالنظم الديمقراطية التي يحصل في ظلها تفضيل كل شخص على صوت واحد بالضبط. بالطبع تواجه النفعية عددًا من المشكلات. فماذا لو كانت تفضيلات بعض الأشخاص صعبة الإرضاء أو مكلفة؟ (في بعض الأحيان يُطلق على الأفراد ذوي التفضيلات المكلفة والأنانية إلى حدٍّ كبير أصحاب «الجشع النفعي») وماذا لو نجح مجتمع قمعي في تهيئة أفراده كي تصبح تفضيلاتهم محدودة للغاية ورخيصة؟ هل يُفترض إذن بأصحاب التفضيلات المكلفة الحصول على موارد تتفوق على أصحاب التفضيلات الرخيصة؟ أهذا من العدل؟ وإذا حصل أصحاب التفضيلات الرخيصة على تفضيلاتهم لا لشيء سوى كونهم مهيئين اجتماعيًّا لتوقُّع أقل القليل من الحياة، ألا يُعد ذلك ظلمًا فادحًا؟ والآن دعونا نتأمل التفضيلات التي تركز على الآخرين. على سبيل المثال، ماذا لو أن «ﺟ» لا يرغب في التمتع بالثراء في حد ذاته، بل يرغب فحسب في أن يصبح أكثر ثراءً من جاره «د»؟ هل من المفترض أخذ هذا التفضيل في الاعتبار؟ يرغب النفعيون غالبًا في استبعاد تلك التفضيلات الخارجية بحجة أنها لا تعكس جودة الحياة كما ينبغي. إذا حصل «ﺟ» على ما يرغب، بحيث أصبح «د» أفقر منه، كيف ستتحسن حياة «ﺟ» تحسنًا حقيقيًّا نتيجة لذلك الوضع في حد ذاته؟ قد يشعر «ﺟ» برضًا أكبر عن حياته إذا أُشبعت تفضيلاته الخارجية، لكن هذا لن يجعل حياته أفضل بالضرورة. ربما كان النفعيون على حق في استبعادهم للتفضيلات الخارجية من حساباتهم وأخذ التفضيلات الداخلية فحسب في اعتبارهم؛ أي تفضيلات الأفراد حول كيفية سير حياتهم الخاصة. رغم ذلك، يظل أمامنا مشكلة احتساب التفضيلات الأنانية أو المُضطَهدة وغيرها من أنواع التفضيلات غير المشروعة ضمن حسابات المنفعة أم استبعادها. لا بد للنفعيين من حل تلك المشكلات، وقد يلجئون في سبيل ذلك إلى الدفاع عن وجود تفضيلات إشكالية في حسابات النفعية. لكننا لن نتناول وجهة النظر النفعية فيما يتعلق بتلك المشكلة، بل سنركز عوضًا عن ذلك على جانب آخر من النفعية؛ ألا وهو تركيزها على العواقب واستبعاد كل ما دونها.

حسب المنظور النفعي، جودة حياة الأفراد هي العامل الوحيد المهم حقًّا، والهدف من الأخلاق هو تعظيم جودة تلك الحياة. تخضع أشياء لا حصر لها للحكم الأخلاقي، مثل الأفعال والعادات والقوانين والقواعد والسياسات والمؤسسات وغيرها. فلنركز على الأفعال أولًا. لا يصبح فعلٌ ما صائبًا إلا إذا كان يعظِّم المنفعة. لا يمكن لأي فعل تغيير منفعة ماضية. على سبيل المثال، لا يسعك فعل شيء لجعل طفولتك أسعد حالًا (بافتراض أنك تجاوزت بالفعل مرحلة الطفولة). إذا فعل أحدهم شيئًا يجعل طفولتك تبدو أسعد حالًا مما اعتدت تصوُّره (كأن يذكِّرك بأوقاتٍ مرحة قضيتها)، فلن يؤثر ذلك إلا على تقديرك المستقبلي لطفولتك، ولن يسعك تغيير طفولتك في حد ذاتها. (لن تستطيع تغييرها حتى لو كنت تمتلك آلة الزمن، كما اكتشفنا في الفصل السادس.) إذن تُعنى النفعية في المقام الأول بالمستقبل. وتكمن جميع السمات التي تجعل الفعل صائبًا في العواقب المستقبلية للفعل. وتنطبق هذه القاعدة بصرف النظر عن نوع الشيء الذي نُخضعه للحكم الأخلاقي؛ فلا يصبح قانون ما صائبًا من الناحية الأخلاقية إلا إذا أسفر عن أفضل أنواع النتائج. ولا تصبح سياسة اجتماعية ما صائبة إلا إذا أسفرت عن أفضل أنواع النتائج. وبينما لا يوجد ما يعيب أخذ العواقب المستقبلية في الاعتبار، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل العواقب النافعة هي العامل الوحيد المهم فيما يتعلق بتحديد صواب الفعل من عدمه؟

أخلاق الواجب وتجرِبة الجوكر

أخلاق الواجب هي نظرية أخلاقية تركز على المبادئ بدلًا من العواقب. وغالبًا ما يُشار لكانط بوصفه المناصر النموذجي لهذه النظرية، على الرغم من أن بعض دارسي فلسفة كانط يعتبرون هذا الوصف تبسيطًا مفرطًا لرؤيته.3 يرى معتنقو أخلاق الواجب أن فعلًا ما يصبح صحيحًا إذا أمكن تصنيفه تحت مبدأ أخلاقي مناسب. على سبيل المثال، إرجاع حافظة النقود التي وجدتها على الشاطئ إلى مالكتها فِعلٌ صائب لأنه يُصنَّف تحت مبدأ «احترم ممتلكات الآخرين». ورفض تفجير عبَّارة محملة بالركاب يُصنَّف تحت مبدأ «احترم حياة الآخرين» … إلخ. كيف نميز المبادئ الأخلاقية الأصيلة من المبادئ الزائفة؟4 تخيَّل أن السجناء قرروا تفجير عبَّارة المدنيين، تخيَّل أنهم تغلَّبوا على الحراس بعددهم وضغطوا على الزر، ثم برَّروا فعلتهم تلك بأنها تقع تحت مبدأ «إذا كان باستطاعتك منع شخص ما من قتلك، فعليك فعل هذا.» أيُعتبر هذا مبدأً أخلاقيًّا؟ إنه، على ما يبدو، مبدأ يمنحنا بداهةً الإجابة الصائبة معظم الوقت، لكن هل في وسعنا استخدامه لتبرير تفجير السجناء للمدنيين في تجرِبة الجوكر؟ يجب على أتباع نظرية أخلاق الواجب ألا يكتفوا بمجرد إخبارنا أي المبادئ تصلح مبادئ أخلاقية فحسب بل إخبارنا متى يمكن تطبيق تلك المبادئ وكيف نحل التضارب المحتمل بينها.

كيف يتعامل أتباع نظرية أخلاق الواجب مع المعضلة الأخلاقية التي تطرحها تجرِبة الجوكر؟ قد نقبل بوجهٍ عام مبدأ حماية الذات — لا ينبغي لنا الوقوف موقف المتفرج وترك الآخرين يقتلوننا — لكننا نعتقد أيضًا أنه من الممكن تجاوز هذا المبدأ؛ فقد تصبح لمبادئ أخرى أسبقية عليه. ماذا لو كانت فرصتك الوحيدة لمنع أحدهم من قتلك تستلزم منك قتل مجموعة من الغرباء الأبرياء؟ أليس لمبدأ «احترم حياة الآخرين» أسبقية على أي مبدأ يهدف إلى الذات؟ ما نحتاجه هو مبدأ يحدد الشروط التي تجعل القتل في سبيل حماية الذات أمرًا مسموحًا به أخلاقيًّا. إليك الاقتراح التالي: في حالة دفاع عن النفس يُفضي إلى القتل، أقدم «أ» على قتل «ب» كي يمنع «ب» من قتله. إذا كان قتل «ب» هو سبيل الدفاع عن النفس الوحيد المتاح ﻟ «أ»، وإذا كان «ب» يحاول قتل «أ» عمدًا «فهو ليس على سبيل المثال أداة يستخدمها غيره في خطته لقتل «أ»» ودون وجه حق؛ ففي هذه الحالة يصبح الدفاع عن النفس المُفضي إلى القتل أمرًا مسموحًا به من الناحية الأخلاقية. يبدو هذا الوضع مقبولًا من الناحية النظرية. كيف يمكن تطبيقه في مواقف واقعية؟

لا يقع نموذجنا المستقى من سلسلة أفلام باتمان تحت مبدأ الدفاع المبرر عن النفس، بشروطه التي أوضحناها. فإذا قتل المدنيون، على سبيل المثال، السجناء على العبَّارة الأخرى، فإنهم لا يقتلون في هذه الحالة أفرادًا يحاولون قتلهم عن عمد ودون وجه حق. وفعل القتل الذي سيرتكبونه لن يعتبر دفاعًا مبررًا عن النفس، بل سيقتلون في هذه الحالة أفرادًا لا يُضمرون لهم، على حد علمهم، أيَّ شر على الإطلاق. وسيكون الهدف من فعلتهم هو منع شخص آخر (الجوكر) من قتلهم. إنه موقف بشع، لكنه لا يمنح أيًّا من الطرفين رخصة للقتل بحجة الدفاع عن النفس؛ فلا يُفترض بنا قتل أناس لا ينتوون إيذاءنا لا لسبب سوى منع موتنا نحن على يد شخص آخر. ولا يُفترض بنا قتل أناس لا لسبب سوى احتمال أن يحاولوا قتلنا عما قريب. لا بد لنا من التحقق من أنهم يحاولون قتلنا عن عمد ودون وجه حق، أو نكون على الأقل واثقين دون أدنى شك أنهم كذلك. تخيَّل أن الجوكر ركَّب شاشة تليفزيونية في كل عبَّارة تبُثُّ ما يحدث في العبَّارة الأخرى. في هذه الحالة سيشاهد ركاب إحدى العبارات ركاب العبَّارة الأخرى بينما يتوجَّهون نحو زر التفجير عاقدين العزم على الضغط عليه. هل يكفي هذا لتبرير قيامهم بالضغط على الزر أولًا قبل خصومهم؟ ربما. قد يفكرون على النحو التالي: نحن متأكدون من أن خصومنا في تجرِبة الجوكر يحاولون في هذه اللحظة قتلنا عن عمد ودون وجه حق، وأملنا الوحيد في منعهم هو قتلهم أولًا؛ ومن ثَمَّ يمكننا الضغط على الزر في دفاع مبرر عن النفس. في لعبة الجوكر، من يتحركون أولًا يصبحون أهدافًا للقتل المبرَّر على يد منافسيهم. على الصعيد الآخر، من يتحركون أولًا فرصة نجاتهم أكبر بكثير (مع استبعاد تدخُّل باتمان). وليس بوسع المدنيين أو السجناء التأكد من ذلك.

كيف يضع منظِّرو أخلاق الواجب المعاصرون المبادئ الأخلاقية؟ الطريقة التي نتبعها هي ابتكار مبدأ ما يبدو صائبًا على نحو بديهي ثم تطبيقه على موقف واقعي لمعرفة ما إذا كانت معقولية المبدأ البديهية ستظل صامدة. بالتأكيد ينبغي لنا دراسة مجموعة متنوعة من الحالات. وإذا واجهتنا مشكلة، يجب علينا الرجوع إلى المبدأ وتحديد ما إذا كان يمكن تعديله لأجل التعامل مع المشكلة المطروحة. نسعى لتحقيق توازن بين المزايا النظرية للمبادئ العامة والدعم البديهي الذي تكتسبه عند تطبيقها على حالات بعينها. فنطرح أسئلة من قبيل: هل المبدأ عام بما يكفي؟ هل يتوافق مع المبادئ الأخرى؟ هل توجد طريقة فعالة ومقنعة بديهيًّا لترتيب المبادئ المتعارضة؟ هل يتمخض المبدأ عن نتائج مقنعة بديهيًّا في الحالات الواضحة؟ هل يمكن الاعتماد على هذه البديهيات أم هي قابلة للتلاعب والتشويه؟ هل من المفيد محاولة فهم الحالات غير الواضحة؟ وغيرها من الأسئلة. يصف الفلاسفة هذه المنهجية بأنها بحث عن «توازن تأملي».5 ولدى أتباع نظرية أخلاق الواجب مناهج بديلة. على سبيل المثال، يستمد أتباع كانط المبادئ الأخلاقية من افتراضات مسبقة حول المنطق العملي. عندما نفكر على نحو يوظف المبادئ، فإننا نُلزم أنفسنا ضمنيًّا بنوع من الصرامة المنطقية. لا ينبغي لنا على سبيل المثال تطبيق مبدأ ما على أنفسنا وتطبيق مبدأ مختلف على الآخرين، بل علينا اتباع المبادئ التي يمكن للجميع استخدامها، لا المبادئ المصممة خصوصًا لخدمة أغراضنا الذاتية. على حد قول كانط، يجب علينا تطبيق المبادئ التي يمكننا دفعها كي تصبح قانونًا من قوانين الطبيعة الكونية (أي مبادئ يلتزم بها الجميع في الأوقات كافةً). يؤدي هذا إلى محاولة استقاء المبادئ الأخلاقية من حالات الفاعلية العقلانية ذاتها. ويدور حاليًّا جدال مفعم بالحيوية، ولم يُحسم بعد، بين أتباع نظرية أخلاق الواجب حول تحديد المنهجية المثلى؛ ويشبه هذا الجدال في حيويته وعدم قابليته للحسم الجدل الذي يَسْتعر بين العواقبيين حول الشكل الأفضل من العواقبية.

النفعية مقابل أخلاق الواجب: هزيمة بالضربة القاضية الفنية أم فوز بقرار الأغلبية؟

إذا كان تحليلنا لتجرِبة الجوكر من منظور أخلاق الواجب صحيحًا، فإنه سيُسفر حينئذٍ عن استنتاج مناقض تمامًا للذي تمخض عنه تحليلنا النفعي السابق. إن تجرِبة الجوكر لا تكتفي باختبار جَلَد ركاب العبَّارتين من أهل جوثام سيتي، بل تختبر كذلك صدق الاستدلال النفعي وذلك القائم على أخلاق الواجب، وهي تختبر هذا النوع من الاستدلال في مواجهة الحدْس. إن التجرِبة التي أعدها الجوكر من أجلنا تجرِبة اجتماعية بسيطة نوعًا ما. وحدْسنا على الأرجح هو ما سيدلنا على رد الفعل الصائب إزاءها. يسير باتمان، كما نعلم، على درب نظرية أخلاق الواجب، أو يقبل على الأقل تحليل الموقف من منظور هذه النظرية. ينحاز الحدْس على ما يبدو إلى جانبه؛ فنحن لا نعترض على رد فعله، ويبدو لنا جميعًا أنه رد الفعل الطبيعي والمناسب. لقد كشف أهل جوثام لتوِّهم عن معدِنهم الحقيقي للجوكر، فهم أثبتوا له أنهم يتمتعون بشجاعة وحس أخلاقي أعظم مما افترض؛ إنهم أناس على استعداد للإيمان بالخير، على حد قول باتمان. بالطبع لا يمكن إنكار وجود تفسير يتسم بقدر أكبر من سوء الظن، على الأقل في حالة الركاب المدنيين. فرغم كل شيء، كان الركاب المدنيون على استعداد للتصويت لصالح تفجير السجناء. كيف يُفترض بنا تفسير فشلهم في تنفيذ القرار الناتج عن التصويت؟ هل استيقظ الحس الأخلاقي داخلهم أم هو نوع من الجبن الأخلاقي؟ ربما لا يعكس موقفهم سوى عزوف عن تلويث أيديهم بالدماء. (بعبارة أخرى، ربما يعكس مجرد عزوفٍ عن ارتكاب فعل يبدو سيئًا، وسوف يُعد فعلًا سيئًا حتى لو كان هذا الفعل هو الفعل الصائب في ظل الظروف الراهنة. ذلك هو جوهر ما يُطلق عليه الفلاسفة «سيناريوهات الأيدي الملوثة». سوف نتناول هذا الموضوع تناولًا أكثر تفصيلًا في الفقرات التالية.) على الرغم من التفسير سيئ الظن لدوافع الركاب المدنيين، يظل رد فعلنا تجاه قرارهم بالامتناع عن تفجير عبَّارة السجناء إيجابيًّا. لو كان المدنيون فجَّروا السجناء، لبدا قرارهم سيئًا؛ قرار مفهوم لكنه خاطئ ومخيف بعض الشيء.

إذن هل يُثبت هذا أن العواقبية ليست إطارًا مناسبًا لطرح نظرية أخلاقية؟ ليس بالضرورة. لا يزال في وسع معتنقي العواقبية العديد من الخيارات الأخرى؛ فقد يعترضون على تفسيرنا وما يطرحه من أحكام حدْسية على الموقف. وقد يرفضون القيمة الإثباتية لاستخدامنا للحدْس، وقد يزعمون أن الحدْس لا يُعتمد عليه في حالات كتلك، وأنه في هذه الحالة تحديدًا تلاعب صناع الفيلم بحدْسنا (الجوكر مسخ، وبالطبع ستغدو المشاركة في لعبته قرارًا سيئًا)، أو ربما يدفعون بأن حدْسنا لا يُعتمد عليه بوجهٍ عام.

النفعية القواعدية: حل وسط

قد يلجأ العواقبيون إلى سبيلٍ آخر للرد، وهو اختيار صورة مختلفة من العواقبية آملين أن تسفر عن النتيجة الصحيحة في الحالات الشبيهة بتجرِبة الجوكر الاجتماعية. في تحليلنا النفعي لهذه الحالة، استخدمنا شكلًا من النفعية يحدد أخلاقية الأفعال الفردية وفقًا لعواقب الأفعال عند الحكم عليها كلٍّ على حدة. يُطلق على هذا الشكل من النفعية نفعية الفعل. لكنه ليس سوى شكل محدد للغاية من أشكال العواقبية، ولا يمكننا الحكم على جميع السبل التي تستخدمها العواقبية لصياغة النظريات الأخلاقية بناءً على الطبيعة غير الحدْسية لنفعية الفعل وحدها. ربما كان الاستنتاج الصحيح الذي نستخلصه من تجرِبة الجوكر هو أن الاستدلال النفعي لا ينبغي تطبيقه على كل حالة على حدة. صحيح أن أفضل النتائج الموضوعية المتاحة في هذه التجرِبة — بافتراض أن باتمان لن يتدخل لإيقافها — تتضمن تفجير السجناء على أيدي المدنيين. لكن ماذا لو صُغنا النظرية النفعية في إطار عواقب تبنِّينا لقواعد أو مبادئ معينة، وليس في إطار عواقب أفعال الأفراد؟ هذا بمثابة حل وسط بين العواقبية وأخلاق الواجب، يُطلق عليه النفعية القواعدية. تحكُم النفعية القواعدية على الأفعال في إطار المبادئ أو القواعد، مثل أخلاق الواجب، لكنها تستمد تلك القواعد من العواقب، كما هو متوقع من النظرية العواقبية. قد يوافق معتنقو النفعية القواعدية على أنه لا ينبغي للسجناء أو المدنيين الضغط على الزر. لكن ما هو المبدأ أو القاعدة التي تجعل من الضغط على الزر فعلًا خاطئًا؟ ما الذي يجعل قاعدة أخلاقية محتملة أفضل من قاعدة أخرى؟ يعتمد أحد مبادئ الدفاع عن النفس المبرر والمفضي إلى القتل على مناشدة الحدْس، أو — كما قد نأمل — على مناشدة التوازن الانعكاسي في نهاية المطاف. يرفض النفعيون القواعديون هذه المنهجية، ويزعمون أن سبيلًا أفضل للوصول إلى مبدأ أخلاقي مقبول هو فهم عواقب تبنِّي المبدأ.

ما مبدأ الدفاع عن النفس الذي سيعظِّم النفع على المدى الطويل إذا امتثلنا له بوجهٍ عام؟ إذا اتبعنا مبدأً مفرطًا في مرونته، فسيصبح قتل أحدهم بحُجة الدفاع عن النفس أمرًا في غاية السهولة، ستُقتل أعداد كبيرة من الناس وستشعر بقيَّتنا بانعدام الأمان. وإذا اتَّبعنا مبدأً متشددًا، فسيلقى القتلة المحتمَلون تشجيعًا، وستنتهي الحال مجددًا بتعرُّض أعداد كبيرة للقتل بينما ستشعر بقيَّتنا بالعجز في وجه الهجمات المحتملة على حياتنا. نرغب إذن في مبدأ من شأنه أن يقلل من القتل إلى الحد الأدنى ويعظِّم من إحساسنا بالأمان ومن سيطرتنا على حياتنا. إن مبدأ الدفاع عن النفس المبرَّر الذي سنصوغه قد يحقق ما نريده بالضبط وقد لا يحققه. فمن منظور النفعيين القواعديين، الشيطان يكمن في التفاصيل، وحقيقة أن مبدأً ما يروق لنا بداهةً لا تعني شيئًا تقريبًا، ما يهم هو مدى فاعلية المبدأ، وما إذا كان يُراعى بوجهٍ عام.

هل النفعية القواعدية نظرية أخلاقية مُرضية؟ نحتاج إلى بذل جهد كبير لأجل تنقيحها والدفاع عنها، ومَهمتنا الرئيسية هي الدفاع عن فكرة وجوب اتباع قواعد تعظيم المنفعة حتى وإن لم يتبعها أناس آخرون؛ أي حتى إن كان اتِّباعنا إياها يبدو جهدًا سقيمًا من وجهة النظر النفعية. أحد أكثر سمات النفعية جاذبية هو تركيزها على التوصل إلى نتائج. يمكننا أن نرى ها هنا فائدة اتباع النفعية؛ النفعيون يجعلون العالم مكانًا أفضل، وجعْل العالم مكانًا أفضل مسعًى حصيف. لكن من الصعب تحفيز الأفراد على اتباع قواعد لن تجعل العالم مكانًا أفضل إلا إذا اتبعها الباقون (الذين لا يتبعون العديد من القواعد). ومن المنظور العواقبي، أصبحت النفعية القواعدية تبدو أشبه بنوع من عبادة القواعد. يحتكم معتنقو أخلاق الواجب إلى الحدْس لدعم مبادئهم أو يلجئون إلى الالتزامات المعيارية المتضمَّنة في الفاعلية البشرية العقلانية، أو أيٍّ مما يشبه ذلك. إلى ماذا يحتكم النفعيون القواعديون؟ لا يوجد دعم حدْسي واضح لميلهم نحو اتباع القواعد. تلك هي أوضح مشكلة تواجهها النفعية القواعدية: كيفية إيجاد محفزات لاتباع موقفها. قد تتمخض النفعية القواعدية عن إجابات بديهية مُرضية للمعضلات الأخلاقية، مثل الإجابة التي يعرضها فيلم «فارس الظلام»، لكنها معرَّضة لخطر التوصل إلى نتائج صحيحة بطريقة خاطئة، أو على الأقل بطريقة غير مقنعة. وكما هي الحال غالبًا مع الفلسفة، تظل المسائل معلقة.

خاتمة: من النزاهة إلى الكذبة النبيلة

يبدو فيلم «فارس الظلام» في معظم أجزائه أنه يوضح ويولِّد في أذهان المشاهدين، بديهيات تنحاز دون شك ناحية أخلاق الواجب؛ فالامتناع عن المساومة مع الشر، حتى ولو أسفر ذلك عن فوائد لا يُستهان بها، هو علامة على الصلاح الأخلاقي والنزاهة. لكن مع نهاية الفيلم، تَتخذ الأحداث منحًى مختلفًا. فينجح الجوكر في إفساد هارفي دينت، البطل محطُّ إعجاب الجميع، وحامي حمى القانون في مواجهة الجريمة، والذي يرتدي ملابسه الداخلية، على العكس من باتمان، تحت بنطاله. وبعدما يفرغ الجوكر منه، يتحول دينت إلى قاتل تحركه غريزة الانتقام، ويُلقَّب بهارفي ذي الوجهين. يسري اليأس في نفس جوردون؛ فها قد تبدد الأمل الذي كان يعقده على مستقبل جوثام، وانتصر الجوكر رغم كل شيء؛ إذ سيفقد سكان جوثام الأمل في أشكال السلطة الاجتماعية القانونية والمشروعة دستوريًّا عندما يَرَون كيف تمكَّن الجوكر بسهولة من تقويض تجسُّد هذه القيم في شخص هارفي دينت. لكن باتمان يهبُّ لنجدتنا مرة أخرى، إلا أن النجدة تتخذ هذه المرة شكل كذبة يخترعها، فيتواطأ مع جوردن كي يتظاهر بأن باتمان هو من تحوَّل على يد الجوكر إلى هذا الكيان القاتل والمدمر المدفوع بشهوات الانتقام، وليس هارفي دينت. يعمل باتمان بالفعل خارج إطار القانون، وتشوُّه صورته لا يعادل تشوُّه صورة القانون والممارسة المشروعة للسلطة. وهكذا يصبح باتمان فارس الظلام، ويظل النظام والأمل في المجتمع محفوظَين بسبب كذبة؛ كذبة نبيلة.6
لا تأتي هذه الخطوة من باب التعاون مع الشر؛ فقد أتم الجوكر مَهمته بالفعل، بل هي من باب التخلص من آثاره. رغم ذلك، ينطوي الموقف على تضحية بالمبادئ الأخلاقية في سبيل غايات سياسية. وتتراجع أهمية انتهاج الصراحة مع أهل جوثام لصالح الحاجة الملحة للحفاظ على روحهم المعنوية وإيمانهم بقوة الإجراءات القانونية العادية. إلا أن الفيلم يضع هذه القضية الأخلاقية، على نحو يثير الاهتمام، في إطار عام قوامه أخلاق الواجب؛ فلا يصوغ باتمان اختياره من المنظور الذرائعي المناقض للبطولة؛ أي فعل ما يلزم للحصول على أفضل نتيجة، بل من منظور الاستحقاق:
أحيانًا لا تكون الحقيقة جيدةً بما يكفي. أحيانًا يستحق الناس أكثر.
أحيانًا يستحق الناس أن يُكافَئوا على إيمانهم. (الدقيقة ١٧ من الساعة الثالثة)
يتبع ذلك بقليل تلخيص جوردون للموقف كله مستخدمًا تعبيرات مخيفة بلا شك؛ إذ يسأله ابنه الصغير عن سبب مطاردة الشرطة لباتمان رغم أنه لم يرتكب إثمًا، فيجيبه:

لأنه ليس بطلنا. إنه حارس صامت. حامٍ متيقظ. إنه فارس الظلام. (الدقيقة  ١٨ من الساعة الثالثة)

كيف بدَّل الفيلم منظوره الأخلاقي القائم على المبادئ إلى هذا النوع البليد من التفكير الاستبدادي؟ أهو تغيير من منظور قائم في جوهره على أخلاق الواجب إلى منظور عواقبي في الأساس؟ أم أهو تبدُّل من منظور ما لأخلاق الواجب، منظور قائم على أفضلية النزاهة الأخلاقية، إلى منظور آخر قائم على واجب الرعاية مفروض على المرء تجاه مواطنين يكاد لا يثق فيهم؟ هل تقل غرابة هذا التغير من المنظور الأخلاقي بسبب التضحية البطولية التي قدمها باتمان؟ تلك أسئلة تصعب الإجابة عنها، ولا يقدم الفيلم على الأرجح معلومات كافية للإجابة عنها. رغم ذلك، من بين التفسيرات الواضحة لهذه الكذبة، يوجد تفسير عواقبي واحد على الأقل؛ لا بد من اللجوء إلى الكذب لأن الحقيقة ستتسبب في أذًى لا يُحتمل.

متى إذن يُسمح بالكذب لأجل تحقيق غرض اجتماعي ما؟ وكيف نجيب عن هذا السؤال: عبر الاحتكام إلى المبررات العواقبية أم إلى تلك المستندة إلى أخلاق الواجب؟ ذلك لغز ما زال عالقًا. وسؤالنا المبدئي، حول ما يجعل فعلًا ما صائبًا وما يجعله خاطئًا، لا يزال في عقولنا بلا إجابة نهائية، كما قد تتوقع.

أسئلة

  • في بداية هذا الفصل، استبعدنا على الفور الرأي القائل بأن الأفعال تصبح صائبة إذا كان الله قد أمر بها. هل تُشكِّل معضلة يوثيفرو عائقًا لا يمكن تخطيه أمام هذا الرأي؟ (يُعرف الزعم القائل بأن الأفعال تصبح صائبة إذا أمر الله بها بنظرية الأمر الإلهي. وقد طُرحت المسألة في حوار يوثيفرو، أحد حوارات أفلاطون. هل تصبح الأفعال مُلزمة أخلاقيًّا أو محرمة لأن الله أمر بها أو حرَّمها، أم هل يأمر الله أو يحرِّم الأفعال لأنها مُلزمة أخلاقيًّا أو محرَّمة؟ هل أمر الله بها هو ما يجعل الأفعال مُلزمة أو محرمة أم هل بعض الأفعال مُلزمة أو محرمة بصرف النظر عن أوامر الله؟ تنص نظرية الأمر الإلهي على أن الإثم الأخلاقي هو معارضة أوامر الله أو أن كلمة «إثم» في السياقات الأخلاقية تعني «مخالفة أوامر الله». راجع نيلسن (١٩٩٠).)

  • فلتفترض أن ركاب إحدى العبَّارات قرروا الضغط على زر التفجير، وبرروا قرارهم على النحو التالي:

    إذا لم نضغط على زر التفجير، سنترك الخيار للركاب على متن العبَّارة الأخرى: إما سيضغطون على الزر وإما لا. إذا ضغطوا على الزر، فسوف يفجروننا. وإذا كان ذلك ما يخططون لفعله، فليس علينا إثم إذا ضغطنا نحن الزر أولًا. وإذا لم يضغطوا على الزر، فسوف يموتون على أي حال (حسب تهديد الجوكر)، إذن لن يلقَوْا مصيرًا أسوأ إذا ضغطنا على الزر. في كلتا الحالتين، لن نتسبب في ضرر جسيم وجائر لركاب العبَّارة الأخرى إذا ضغطنا على الزر. كيف إذن يصبح إنقاذنا لحياتنا من خلال فعل أمر لا يؤذي شخصًا آخر إيذاءً جائرًا أمرًا خاطئًا؟

    ما مدى منطقية تلك الحُجة؟ أهي مجرد تسويغ للفعل أم تنطوي على وجهة نظر مهمة؟ هل تعبِّر عن منهج استدلال عواقبي أم قائم على أخلاق الواجب؟

  • هل من المنطقي القول بأن الضغط على زر التفجير هو الفعل الصائب في حالة المدنيين لا في حالة السجناء؟ وهل من المفترض وجود تكافؤية في فرصة الضغط على الزر في هذا الموقف؟

  • هل من المنطقي القول بأن الضغط على الزر هو الفعل الصائب في حالة المدنيين، لكن إذا ضغط أيٌّ منهم بالفعل على الزر فسوف نعتبره — ولنا الحق في ذلك — شخصًا شريرًا؟ (بعبارة أخرى، هل من الممكن الفصل بين الحكم بصواب الفعل والحكم بصلاح السلوك على هذا النحو؟ سوف نستعرض القضايا ذات الصلة بهذا السؤال في الفصل الرابع عشر.)

  • هل الرجل المدني الذي لم يستطع حمل نفسه على الضغط على الزر جبان؟ (هل تكون جبانًا إذا فعلت الصواب؟)

  • هل إشباع التفضيلات مقياس فلسفي كافٍ للسعادة؟ أهو الجانب الذي ينبغي على أتباع النفعية محاولة تعظيمه؟

  • حسب نظرية أخلاق الواجب، يصبح فعلٌ ما مبررًا من الناحية الأخلاقية إذا اندرج تحت مبدأ أخلاقي مناسب. تحت أي مبدأ أخلاقي قد يندرج قرار تفجير العبَّارة؟ لقد اقترحنا واحدًا في هذا الفصل، لكننا أثبتنا بسهولة نسبية أنه لا يصلح كمبدأ مقبول بديهيًّا أو منطقيًّا. هل يوجد مبدأ أفضل يمكن لركاب العبَّارة توظيفه لتبرير تفجير العبَّارة الأخرى؟

  • ينحاز باتمان إلى المبدأ لا إلى العواقب، ويُعتبر ذلك مكافئًا للصلاح الأخلاقي. يميل مشاهدو الفيلم إلى القبول؛ فبنية الموقف تجعل هذا مقنعًا كرد فعل على مستوى الحدْس. لكن هل أَعد الفيلم هذا الموقف إعدادًا غير منطقي من الناحية الفلسفية؟ هل أدت أفعال باتمان البطولية أو ما أبداه الجوكر من حقد جامح (وإن كان يتمتع بجاذبية شخصية) إلى تضليل حدْسنا؟ هل تمكَّن المخرج كريستوفر نولان بطريقة أخرى من تدبير الأمور على نحو يدفع حدْسنا في اتجاه معين؟

  • يبدو أن النفعية القواعدية قد تتفق مع مبدأ أخلاق الواجب الذي اعتبرناه ذا صلة بتجرِبة الجوكر الاجتماعية. هل هذا صحيح؟

  • ما نوع القيود التي تنطبق على أفضل القواعد من المنظور العواقبي؟ هل لا بد من أن تكون قواعد لا يقدر أحد على اتباعها سوى الملائكة؟ أم هل ينبغي أن تكون قواعد يسهُل اتباعها؟

  • هل القاعدة الفضلى، من المنظور النفعي، هي القاعدة التي تنص على تعظيم المنفعة في كل ما تفعله؟ ولِمَ لا؟

  • هل كان باتمان محقًّا عندما تحمَّل أوزار هارفي دينت؟ وهل كان جوردون، قائد الشرطة، على حق عندما زعم كذبًا أن باتمان قاتل؟

هوامش

(1) The claim that actions are made right by God’s commands is known as divine command theory. The core issue was raised in Plato’s Euthyphro, 9e. Are actions morally obligatory or forbidden because God commands or forbids them; or does God command or forbid them because they are morally obligatory or forbidden? Does God’s commanding them make them obligatory or forbidden; or are some actions obligatory or forbidden apart from God’s commanding them? Divine command theory states either that ethical wrongness consists in being contrary to God’s commands or that the word “wrong” in ethical contexts means “contrary to God’s commands.” See Nielsen (1990).
(2) Other options, apart from hedonism as championed by Mill, include experientialism (one life is better than another if it contains more valuable experiences including pleasure, but not only pleasure), and objective lists (one life is better than another if it achieves or contains more good things, as specified on a probably open-ended) list of good things. Good experiences are on the list, but they are not enough. It is not enough (at least not on most accounts) to experience the feeling that another loves you, for example; it is better that they actually do love you.
(3) See Wood (2008). Also see our discussion of Kant in chapter 11.
(4) We briefly examined Kant’s answer to this question in chapter 11. Here we concentrate on contemporary, non-Kantian ways of coming to grips with it.
(5) The methodology we describe here is called “narrow reflective equilibrium.” The contrasting term is “wide reflective equilibrium.” Narrow reflective equilibrium represents a balance between intuitions about cases and theoretical merit. Wide reflective equilibrium incorporates supporting and contextual information; for example, information about sociology, psychology, or economics. If a moral theory achieves a wide reflective equilibrium, it furnishes a set of moral principles that cohere with our best understanding of how the world works, not just our intuitions about cases.
(6) The idea of a noble lie has a long history in philosophy, beginning with Plato’s advocacy of a noble lie in The Republic. At the other end of the philosophical spectrum lies Kant, who argued that one never, under any circumstances, has a moral right to lie to another.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠