الفصل الرابع عشر

طفولة خطرة: «الوعد» واحتمالية الفضيلة

مقدمة

في الفصلين السابقين، بحثنا الأخلاق بطريقتين مختلفتين. أولًا: طرحنا السؤال التالي: «ماذا يدفعنا لالتزام الأخلاق؟» ثم طرحنا هذا السؤال: «ما الذي يجعل الأفعال صائبة أو خاطئة؟» وقد تساءلنا على وجه التحديد عما إذا كانت الأفعال تصبح صائبة أو خاطئة، إذا أوفت بالمبادئ الأخلاقية التي تندرج تحتها أم إذا أدت إلى أفضل العواقب من الناحية الموضوعية. في هذا الفصل، سوف نُلقي نظرة أخرى على الأخلاق لكن من زاوية أخرى؛ فبدلًا من التركيز على أنواع الأفعال والخصائص التي تجعلها صائبة، سوف نركز على الناس، ونتساءل عما يجعل الأفراد صالحين أو فاسدين من المنظور الأخلاقي. وبينما نتولى ذلك، سنتحرى نظرية يُطلق الفلاسفة المعاصرون عليها اسم نظرية الفضيلة.

دليلنا في هذا الفصل هو فيلم «الوعد» (لا بروميس) من إخراج المخرجَيْن البلجيكيَيْن جان بيير داردين ولوك داردين عام ١٩٩٦. كالعادة، ننصحك بمشاهدة الفيلم قبل مواصلة القراءة (إذ سنُفسد عليك الكثير من أحداث الفيلم فيما يلي). جذب الأخَوان داردين الانتباه الدولي للمرة الأولى مع فيلم «الوعد»، ومنذ ذلك الحين قدَّما سلسلة من الأفلام المتميزة مثل: «روزيتا» (١٩٩٩)، و«الابن» (لو فيس) (٢٠٠٢)، و«الطفل» (لا أنفا) (٢٠٠٥)، و«صمت لورنا» (لو سيلانس دو لورنا) (٢٠٠٨) جميعها تركِّز على الحياة الأخلاقية لأناس يواجهون تحديات أخلاقية شديدة. إن أكثر ما يميز أعمال الأخوين داردين من وجهة نظرنا هو استكشافها لاحتمالية الصلاح والتطهر الأخلاقي، وما تعكسه من جمال، اسكتشافًا يراعي الدقة ويبتعد عن العاطفية. ربما يبدو «الوعد» فيلمًا بسيطًا ذا إيقاع بطيء عندما تشاهده للمرة الأولى، لكنه في الحقيقة مكتوب بحرفية لا تقل عن أي فيلم آخر قد تراه (على سبيل المثال، سيناريو فيلم «الوعد» مكتوب بحرفية ودقة تفوق سيناريو فيلم «فارس الظلام»). يتضمن الفيلم قدرًا كبيرًا من الأحداث، ويتصاعد التوتر به بلا توقُّف، ومشاهدته تجرِبة تستحوذ على المرء بمجرد أن يؤقلم نفسه مع أسلوبه البسيط البعيد عن البهرجة. يكشف الفيلم عن دفقات قوية من المشاعر لكنه لا يستخدم في ذلك سوى أكثر السبل مباشرة؛ أي عبر مشاهدة الشخصيات وهي تتصرف وتتحدث، وعبر ملاحظة التعبيرات على وجوههم وأجسامهم في أثناء ذلك. إن الغياب التام للموسيقى التصويرية، والمشاهد ذات الإطار الضيق، المصورة في معظم الأحيان بكاميرا محمولة، تضفي على الفيلم من الخارج طابعًا وثائقيًّا، لكن نظرة متفحِّصة له ستكشف عن أن كل مشهد قد أُعد بعناية. تكمن قوة أسلوب الأخوين داردين في قدرتهما على تركيز انتباه المشاهدين على طريقة حياة الشخصيات في بيئتها، لا على الكيفية التي يعيشون بها في محيط خيالي. بعبارة أخرى، ينصبُّ التركيز على الكيفية التي يعيشون بها في بيئة حقيقية (على ما يبدو). فتدور أحداث الفيلم في محيط فوضوي كريه ومزعج، يبدو طبيعيًّا لا معدًّا خصوصًا للتصوير. نراقب الشخصيات وهي تصعد السلالم، وتمر عبر الأبواب، وتستقل سيارات، وتسير في الشارع. أحيانًا نراها من الخلف أو من جانبها أو من الأمام. يبدو الأمر أشبه بمشاهدة الأحداث بوصفك متفرجًا عابرًا لا كمشاهِد لمشهد أُعد خصوصًا لأجله. وعلى العكس من الإعدادات السينمائية التقليدية (إعداد المَشَاهد)، حيث يكون الهدف هو تحسين عملية إيصال المعلومات السردية؛ ما الذي يحدث؟ من يتحدث إلى من؟ من يتحكم في الموقف؟ ما الذي يشعر به أولئك الناس؟ ما هي دوافعهم؟ ما أنواع شخصياتهم؟ يهدف أسلوب الأخوين داردين إلى إظهار تصرفات الأشخاص كما لو كانت طبيعية تمامًا، وكما لو كان صناع الأفلام قد صوروها مصادفةً. وهكذا تبرز المعلومات السردية على نحو غير متعمَّد فيما يبدو.1 يشبه أسلوب الفيلم أسلوبًا يُدعى «سينما فيرتيه» أو سينما الواقع، وهو أسلوب له تاريخ طويل وبارز في السينما. يستخدم الأخوان داردين هذا الأسلوب استخدامًا متميزًا لأن المهارة الكامنة خلفه مستترة على نحو بارع. يبدو تطور قصة الفيلم أمرًا تحكمه الصدفة تقريبًا، كما لو أن أحد المَشاهد يمكن الاستعاضة عنه بسهولة بمشاهد أخرى لا حصر لها؛ لذا يبدو من الوهلة الأولى أن قدرًا ضئيلًا من المعلومات الدقيقة هي التي تُنقل عبر المَشاهد. لكن في الحقيقة، كل مشهد مُصمم بحيث يبعث رسالة خاصة عن حياة ومتاعب الشخصية الرئيسية، إيجور، ولا يمكن الاستعاضة عنه بسهولة بمشاهد أخرى.2

يواجه إيجور مشكلات بالغة الجدية. هو صبي يبلغ من العمر ١٥ عامًا، ويعمل ميكانيكي سيارات تحت التمرين، لكن عمله الحقيقي هو مساعدة والده، روجر، في نشاطاته الإجرامية الكريهة والمتعددة. (ما يُسفر بالطبع عن فصل إيجور سريعًا من وظيفته كميكانيكي تحت التمرين.) في بداية الفيلم، نراه يسرق حافظة نقود من عميلة، لكنه سيرتكب أفعالًا أفظع مع توالي الأحداث؛ فهو يساعد والده على إدارة ما يشبه نُزلًا للوافدين غير الشرعيين إلى بلجيكا (وهم أُناس سيواجهون خطر الترحيل إذا اكتشفهم مسئولو الهجرة البلجيكيون). يأتي أولئك الأفراد من أماكن متنوعة مثل يوجوسلافيا وكوريا وأيضًا من دولة بوركينا فاسو غرب الأفريقية، التي تلعب دورًا محوريًّا في أحداث الفيلم. يستغل روجر هؤلاء المهاجرين كعمالة رخيصة ويبتز أموالهم. ويبدو أيضًا أنه يدير عمليات التهريب التي تجلب أولئك المهاجرين غير الشرعيين إلى بلجيكا أو ينتفع منها على الأقل. ولكي يتخلص من مضايقة مسئولي الهجرة، يختار بعضًا من ساكني النُّزُل الذي يملكه، ويسمح لشرطة الهجرة باعتقالهم وترحيلهم، ويستعين بإيجور في تنفيذ هذه العملية. يبني روجر منزلًا لأجل ابنه، كما يُخبر المشاهدين في المَشاهد الأخيرة من الفيلم. ويسود موقع البناء اضطراب وفوضى يُشكلان خطرًا على الأفراد؛ فأعمال البناء تنطوي على خطورة، ويتجاهل القائمون عليها تدابير الأمان. وفي أثناء سير العمل، تجتاح الموقعَ شرطةُ التفتيش على العمل، فيندفع العمال باحثين عن أماكن للاختباء، ويسقط أحدهم من على السقالة (إذ لم يكن يرتدي حمالة الأمان). يُدعى هذا الرجل حميدو، وهو من بوركينا فاسو، وقد أتت زوجته (أسيتا) وابنه لتوِّهما من هناك ليعيشا معه في بلجيكا. وبينما يستلقي حميدو على الأرض؛ إذ يعاني من إصابات خطيرة، يدفع إيجور إلى أن يعِدَه بالعناية بأسيتا والطفل. رغم ذلك يسارع إيجور بإخفاء الرجل المصاب، ويساعد أباه في الكذب على المفتشين. وبعد مغادرتهم يحاول نقل حميدو إلى المستشفى لكن أباه يرفض رفضًا قاطعًا. وعليه، يخضع لأوامر أبيه، ويساعده على إخفاء حميدو تحت قطعة من المشمع يعلوها لوح من الخشب (باب خشبي منفصل) ويغطون آثار الدماء بالرمل. يموت حميدو في وقت لاحق خلال اليوم، ويدفنه روجر وإيجور ليلًا في موقع البناء. يركض إيجور، ويترك أباه في خِضم عملية الدفن؛ فالموقف أقوى من قدرته على الاحتمال.

هذا هو الإطار العام الرئيسي للفيلم الذي يركز على رد فعل إيجور التدريجي على النكبة الأخلاقية، المتمثلة في موت حميدو، والذنب الذي يقع على عاتقه وعلى عاتق والده جرَّاء هذا الحادث (رغم أن الجزء الأكبر من هذا الذنب يتحمله الأب بالطبع). يبدو رد فعل إيجور بسيطًا جدًّا من إحدى النواحي؛ فهو يفي بالوعد الذي قطعه لحميدو. لكن وصف الموقف على هذا النحو لا يوفِّي التجسيد الفطن الذي يقدمه الفيلم لصحوة إيجور الأخلاقية حقَّه. وهذه الصحوة هي اللب الفلسفي للفيلم.3 يفي إيجور بوعد قطعه لرجل يُحتضَر. وفي النهاية، يفعل الصواب. لكن ما السبيل الأمثل لفهم هذه المسألة برمَّتها من وجهة نظر أخلاقية؟ هل صحوة إيجور الأخلاقية تنبع من وفائه بالتزامٍ قطَعه على نفسه فحسب؟ هل أصبح إيجور شخصًا جديرًا بالاحترام من المنظور الأخلاقي عندما أوفى بوعده (بدلًا من كونه سارقًا وكذَّابًا)؟ هل يوجد سبيل أفضل لوصف ما يحدث لإيجور على مدار أحداث الفيلم؟ يُؤسس إيجور هُوية أخلاقية واضحة في الفيلم، لكن كيف ينبغي لنا وصف هذه الهُوية؟ كيف لنا أن نصف شخصية إيجور الجديدة؟ يؤمن منظِّرو الفضيلة أن العنصر الأهم في هُويتنا الأخلاقية هو تمتُّعنا بفضائل (ورذائل)، ويميلون إلى رؤية الفضائل من وجهات نظر معقدة. فكونك شخصًا فاضلًا يختلف عن كونك شخصًا يميل إلى فعل الصواب؛ فالفضائل أعقد من مجرد فعل الصواب، إنها (لا سيما الفضائل الأخلاقية) سبل متميزة أخلاقيًّا للعيش. يطرح فيلم «الوعد» دعمًا قويًّا لنظرية الفضيلة، أو هكذا سنزعم في هذا الفصل. لكن دعونا أولًا نعرض خلفية عامة عن الفضائل ونظرية الفضيلة.

ما هي الفضيلة؟

منظِّر الفضيلة الأعظم تأثيرًا في تاريخ الفلسفة هو أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ قبل الميلاد)، الذي يرى أن الفضائل هي حالات تستحق تقديرًا استثنائيًّا من حالات الشخصية. إنها نوعيات من حالات الشخصية تضفي علينا نبلًا، وتُشكِّل أساس حياة صالحة تستحق العناء. تنطوي الفضائل على ميل نحو التصرف بطرق معينة مناسبة، لكنها لا تقتصر على ذلك؛ فهي تتضمن أيضًا ميلًا نحو الشعور بالمشاعر المناسبة وإدراك المواقف إدراكًا مستبصرًا ومراعاة الحكمة عند التفكر جليًّا في الأمور. الفضائل ليست مجرد عادات سلوكية أو مهارات، بل هي طرق معقدة للاستجابة لمواقف تتعرض لجوانب متعددة من شخصيتنا ومن مزاجنا العاطفي ومن ذكائنا. يقسم أرسطو الفضائل إلى فئتين: فضائل الشخصية (في بعض الأحيان يُطلق عليها «فضائل أخلاقية») وفضائل العقل (في بعض الأحيان يُطلق عليها «فضائل عقلية»). أهم ما تتضمنه فضائل الشخصية هو التحكم في مشاعرنا، في حين تتضمن فضائل العقل مزايا العقل. التفوق في العلوم على سبيل المثال يتطلب التمتع بفضائل عقلية، أما عيش حياة جيدة فيتطلب فضائل أخلاقية. في هذا الفصل، نهتم على وجه التحديد بالفضائل الأخلاقية (رغم أن الفضائل الأخلاقية تتضمن، كما سنعرض لاحقًا، فضيلة عقلية معينة، يُطلق عليها أرسطو «فرونيسيس» وغالبًا ما تُترجم إلى الحكمة العملية).

يرى أرسطو أن الفضائل الأخلاقية تشتمل على سمات مثل الشجاعة وضبط النفس (أي مراعاة الاتزان عند الاستجابة للألم واللذة) والكرم واعتدال المزاج والشهامة والعدل. وقد عرض أرسطو رؤيته الأساسية لتلك الفضائل في إطار ما أطلق عليه مبدأ خير الأمور أوسطها. حسب هذا المبدأ، تقع الفضيلة في المنتصف بين الزيادة والنقصان. يصوغ أرسطو رؤيته كالتالي:
أولًا: دعونا إذن نتأمل حقيقة أن هذه الأشكال تتعرض للفساد بتأثير الزيادة أو النقصان، كما نرى في حالات القوة والصحة (لا بد لنا من استخدام أمثلة واضحة كي نوضح ما يكتنفه الغموض)؛ على سبيل المثال الإفراط في التدريبات الرياضية أو إهمالها يدمر قوة المرء البدنية، وبالمثل الإفراط في تناول الطعام والشراب أو نقصه يدمر صحة المرء، في حين يؤدي تناول القدر المناسب إلى التمتع بالصحة وتحسينها والحفاظ عليها. ينطبق الأمر ذاته على ضبط النفس والشجاعة وغيرها من الفضائل؛ فالشخص الذي يهاب جميع الأشياء ويتجنبها ولا يثبُت أبدًا على موقفه، يصبح جبانًا. أما الشخص الذي لا يخشى شيئًا ويواجه الأخطار كافةً، يصبح متهورًا. وعلى المنوال نفسه من يستمتع بكل لذة ولا يكبح جماح نفسه أبدًا، يصبح شخصًا مسرفًا، أما من يتجنب جميع الملذات، مثلما يفعل الرجال الأفظاظ، يصبح متبلِّد الحس. إذن الشجاعة وضبط النفس يدمِّرهما الإفراط والنقصان ويحفظهما الاعتدال.4
من الهم ملاحظة أن مبدأ أرسطو لا يوصي بالاعتدال في الأشياء كافةً. فربما تتطلب الفضيلة إحساسًا عظيمًا مثل الغضب أو الكرم؛ فالاعتدال ليس مقياسًا حسابيًّا، لكنه يتنوع من ظرف لآخر. يصف أرسطو العلاقة بين الفضائل والمشاعر قائلًا:
أتحدَّث ها هنا عن فضائل الشخصية، بما إنها تختص بالمشاعر والأفعال، وهي المجال الذي نشهد فيه الزيادة والنقصان والاعتدال. على سبيل المثال قد نشعر بالخوف والثقة وشهوة الطعام والغضب والشفقة واللذة والألم عمومًا على نحو زائد أو ناقص، وكلا الوضعين وضع معتلٌّ. لكن الإحساس بتلك المشاعر في الوقت المناسب، تجاه الأشياء المناسبة والأشخاص المناسبين ومن أجل غرض مناسب وبطريقة مناسبة، هو السبيل المعتدل والأمثل، وهكذا تمارس الفضيلة.5
اعتقد أرسطو أيضًا أن التمتع حقًّا بفضيلةٍ ما يتطلب من الفرد أن يستمتع وهو يمارس الأفعال الفاضلة. وذلك شرط مهم لدى أرسطو لأنه يعتقد أن التمتع بالفضائل يمكِّننا من عيش حياة صالحة، وهي من وجهة نظره حياة ناجحة وممتعة ومحط تقدير. يُطلق أرسطو على نوعية الحياة هذه «يوديمونيا» (أي الازدهار أو الهناء)، ويرى أنها أعظم صور الخير للناس كافةً؛ فهي الهدف النهائي الذي ترمي إليه جميع جهودنا الحسية أو العقلية. فما الذي نريده من الحياة في نهاية المطاف؟ نحن نريد حياة هانئة كما نطمح في بلوغ مراتب التفوق في فن الحياة وشئونها، في أن نصير سعداء وناجحين، في أن نبلغ حالة اﻟ «يوديمونيا»، هكذا يجيب أرسطو.6 يتصرَّف المرء حقًّا بدافع الفضيلة عندما تصدر تصرفاته عن طِيب خاطر، وعندما يستمدُّ متعة منها؛ ومن ثَمَّ لا يُجسِّد المرء فضيلة الشجاعة تجسيدًا حقيقيًّا إذا تصرَّف بشجاعةٍ مُكرَهًا. ولا يُجسِّد المرء فضيلة الكرم إذا كان يَهَب أمواله ممتعِضًا.

كيف تُكتسب فضائل الشخصية؟ يجيب أرسطو على ذلك قائلًا إننا نبدأ في اكتسابها منذ الطفولة عبر التعود. على سبيل المثال الأطفال ليسوا كرماء بطبيعتهم، لكن عبر دفعهم إلى التصرف كما لو كانوا كرماء، حتى وإن كرهوا ذلك، سوف يعتادون على فعل الكرم. وفي النهاية قد يكتسب الطفل جوانب نفسية محورية من جوانب الفضيلة؛ أي الاستجابة للمواقف بالمشاعر المناسبة واستمداد المتعة من التصرفات السليمة. إذا رغبنا في أن ينمو الطفل ليصبح شخصًا ناضجًا فاضلًا حقًّا، لا بد أن يكتسب نوع الحكمة العملية أو الذكاء الذي يمكِّنه من الاستجابة للمواقف استجابةً سليمة. وكما ذكرنا بالأعلى، يُطلِق أرسطو على هذا النوع تحديدًا من الفضيلة الفكرية «فرونيسيس»، وامتلاكها أمر لا غنى لنا عنه كي نكتسب فضائل الشخصية كاملةً. على سبيل المثال، لا يهب الشخص الناضج الكريم أمواله ووقته عن طيب خاطر وبكل سرور فحسب، بل يراعي الحكمة في ذلك فيَهَبها عندما يدرك أنها ستُحدث فارقًا بالفعل.

هذه هي رؤية أرسطو لفضائل الشخصية أو الفضائل الأخلاقية. وهي رؤية عظيمة التأثير، لكنها كذلك رؤية خلافية.7 ضمت قائمة أرسطو للفضائل الشجاعة وضبط النفس واعتدال المزاج والعدل والشهامة (وهي أعظم فضائل الوجاهة، والرجل الشهم هو الرجل الكريم الأبيُّ ذو القلب الكبير والمكانة العالية في مجتمعه). حديثًا، تبدو القائمة متواضعة بعض الشيء؛ فهي محدودة ومتحيزة. بل إن فضيلة الشهامة التي يعرضها أرسطو تبدو مقززة إلى حدٍّ ما في أعين الكثيرين. لقد كانت آراء أرسطو في النساء متحيزة جنسيًّا تحيزًا يَتعذر تجاوزُه، وآراؤه في العبيد وغير الإغريقيين عنصرية. رغم ذلك، يأمل العديد من منظِّري الفضيلة المعاصرين في استخلاص جوهر رؤية أرسطو حول الفضيلة وتعديله بحيث يتكيف مع الرؤى الأخلاقية الحديثة، تاركين خلفهم تحيزاته الضيقة والمتعصبة جنسيًّا التي عفا عليها الزمن.
تنطوي نظرية أرسطو على جانب آخر مثير للجدل تُجسِّده رؤيته النظرية حول كيفية اكتساب الفضيلة؛ فهو يرى أن الفضائل تعتمد على سمات الشخصية (لكن من المهم تذكُّر أنها تتضمن ما هو أكثر من سمات الشخصية: التفاؤل والطبع الاجتماعي الودود سمتان شخصيتان معتادتان، لكن الشجاعة والكرم سمتان فاضلتان نموذجيتان). على سبيل المثال، الشخص المندفع الذي يفتقر إلى التبصُّر بالأمور ويعجِز عن كبح جماح نفسه، من المستبعَد أن يكتسب فضائل أرسطية مثل ضبط النفس والاعتدال. هل نكتسب سمات شخصية مثل الاندفاع عبر التعود في فترة الطفولة؟ تشير الأدلة إلى أن قدرًا لا بأس به من شخصيتنا موروث لا مكتسب.8 ربما أفرط أرسطو في تفاؤله حيال مدى قدرة الآباء والآخرين على تشكيل شخصيات الأطفال الذين هم في رعايتهم (وهي حقيقة سيتفق معها أي أب وأم). مع ذلك أفرط أرسطو في تشاؤمه من جهةٍ أخرى. قد تبدو القدرة على تبديل سمات شخصية جوهرية في سن النضوج أمرًا مستبعَدًا، رغم ذلك يبدو أننا قادرون على النمو أخلاقيًّا حتى في سن النضوج. وهو أمر نفعله جزئيًّا عندما نبذل محاولات واعية كي نصبح أشخاصًا أفضل عبر الممارسة وعبر مواءمة عاداتنا وفهمنا لذاتنا مع مواطن القوة في شخصيتنا. على سبيل المثال إذا كنت شخصًا اجتماعيًّا ذا طبع ودود منطلق فربما تستغل هذه السمة الشخصية كي تصبح شخصًا مستبدًّا، فتستخدم مواهبك الاجتماعية الفطرية في اكتساب مكانة وتطويع دعم الآخرين في تحقيق أهدافك الشخصية. على الجانب الآخر، نحن قادرون على التأقلم مع السمة الشخصية نفسها بطرق في غاية الاختلاف، عبر التحول مثلًا إلى قائد ناجح وحكيم يرشد الآخرين. من المستبعَد أن يتبنَّى شخص شديد الانطوائية دور القائد، ومن المشكوك فيه أن يتمكن من تحويل نفسه إلى شخصية انبساطية بقوة الإرادة أو الممارسة. لكن الفضائل تعتمد على ما نفعله بسماتنا الشخصية لا على نوع السمات الشخصية التي تَصادف أن وُهبنا إياها. واحتمالية أن نستطيع في بعض الأحيان تأسيس هوية أخلاقية لأنفسنا حتى في سن النضوج وفي مواجهة تنشئة كارثية، تبدو قائمة رغم تركيز أرسطو على التدريب في مرحلة الطفولة المبكرة.

تذكَّر مناقشتنا لشخصية ويسلر في «حياة الآخرين» (الفصل الثاني عشر)، لقد جسَّد صورة لشخص غيَّر من منهجه الأخلاقي الرئيسي في الحياة بينما هو في كامل نضجه. إنها قصة استثنائية، بل مستبعَدة الحدوث، لكنها ليست مستحيلة. وقد التقينا مجددًا بشخصية أخرى من هذا النوع في «أن تحيا» (الفصل العاشر)، شخصية السيد واتانابي. في فيلم «الوعد» نقابل إيجور المراهق، الذي تخطَّى بالفعل مرحلة الطفولة، ورغم ذلك نجده عازمًا على السير في الطريق الذي رسمه لنفسه. تبدأ الشخصيات الثلاث كلها عملية تحوُّل ذاتي أخلاقي نتيجة حدث عرَضي مثل تعرُّف ويسلر الحميمي والمتلصص على دريمان وزيلاند، وتشخيص حالة واتانابي بأنه يعاني سرطانًا لا شفاء منه، والوعد الذي قطعه إيجور لرجل يُحتضَر. والفكرة الباعثة على التأمل في حالة كل منهم هي مدى اعتماد تحوُّلهم على الصدفة. ماذا لو لم يُكلَّف ويسلر قطُّ بالتجسس على الحبيبَين المشتغلَين بالفن؟ ماذا لو لم يعرف واتانابي قطُّ حقيقة تشخيص حالته (لا تنسَ أن الأطباء بذلوا كل ما في وُسعهم لإخفاء الحقيقة عنه)؟ ماذا لو لم يتمكن من استخلاص وعد أخير من إيجور؟ ربما كانت كل شخصية منهم لتستمر في المسارات الموحشة التي اتخذتها حياتهم.

نظرية الفضيلة والفعل الصائب

في الفصل السابق، حيَّرتنا حالة ركاب العبَّارتين في فيلم «فارس الظلام»، وتساءلْنا عما يجعل فعلًا ما صائبًا أو خاطئًا، ما دفَعنا إلى التركيز على الأفعال وخصائصها وتحرِّي نوعين من الخصائص: العواقب والمبادئ. حسب النظريات العواقبية يصبح فعلًا ما صائبًا، تقريبًا، إذا تمخَّض عنه ما يُعد أفضل العواقب الممكنة من منظور غير متحيز. أما نظريات أخلاق الواجب، فتدفع بأن الفعل يصبح صائبًا إذا اندرج تحت مبدأ أو قاعدة أخلاقية مناسبة. ما العلاقة بين مناقشة الفصل السابق لمفهوم الفعل الصائب ومناقشتنا الحالية للفضيلة؟ توجد أربعة مواقف فلسفية رئيسية يمكننا تبنِّيها هنا.

أولًا قد نسعى إلى اختزال الحديث عن الفضيلة في الحديث عن الفعل الصائب. والطريقة الأبسط لتحقيق ذلك هي ربط الفضائل بميول وطيدة إلى فعل الصواب في مجموعة متنوعة من المواقف. فلتفترض على سبيل المثال أن الكذب على الآخرين فعل خاطئ من الناحية الأخلاقية في جميع الأحوال. قد نعرِّف بناءً على ذلك فضيلة الصدق بأنها ميل إلى تجنُّب الكذب. وعلى هذا النحو، يُحدَّد تعريف الفضائل في إطار الفعلِ الصائب، والفعلُ الصائب هو المفهوم الأخلاقي الرئيسي هنا. قد لا تتفق بالطبع مع تحليل لفضيلة الصدق يزعم أنها ميل إلى الامتناع عن الكذب. وعليه، ربما نحاول إبداء القليل من الفطنة أو المرونة على الأقل، في توصيفنا للصدق؛ فقد نزعم أن الكذب إثم أخلاقي إلا إذا كنا مجبرين عليه (وبهذا أصبح علينا تقديم عرض لحالات الإجبار على الكذب تُصنف في إطار المبادئ أو القواعد الأخلاقية الأخرى؛ على سبيل المثال القواعد التي تحدد لنا متى يقع على عاتقنا واجب سامٍ بمساعدة الآخرين). يمكننا كذلك إضفاء المزيد من الإثارة على المسألة عن طريق السماح بالحالات التي نُعفى فيها من التزام الصدق نظرًا لسوء تصرُّف الآخرين. فربما يخسر الناس أحيانًا حقهم في سماع الحقيقة (مثلًا، قد يَكذبون أنفسهم علينا أو قد يستخدمون الحقيقة استخدمًا جائرًا في حقنا). وفي ضوء ذلك، يمكننا تعريف فضيلة الصدق على أنها ميل وطيد لتجنُّب الكذب غير المبرر (وتحدَّد مبررات الكذب حسب أسمى الواجبات الملقاة على عاتقنا أو فقدان الآخرين لحق التعامل الصادق).

والآن إذا كان بوسعنا تطبيق العملية نفسها على جميع المصطلحات المتصلة بالفضيلة، فسنكون حينئذٍ قد تمكَّنَّا من اختزال خطاب الفضيلة اختزالًا نظريًّا. سيظل في وسعنا الحديث عن الفضيلة، لكن بوصفها تبسيطًا موجزًا للحديث عن الميل إلى فعل الصواب. في وسع كلٍّ من أتباع النظرية العواقبية ونظرية أخلاق الواجب الحديث عن الفضائل، لكنهم يميلون بشدة إلى تبنِّي الاستراتيجية الاختزالية التي وصفناها لتوِّنا؛ ومن ثم إلى اعتبار الحديث عن الفضيلة تبسيطًا موجزًا للحديث عن الميل إلى فعل الصواب. (لا يعني هذا أنهم مجبورون على تبنِّي هذا الموقف الاختزالي، بل يعني فحسبُ أنه موقفٌ يجده كثير من معتنقي العواقبية وأخلاق الفضيلة موقفًا مناسبًا.)9
يرفض منظِّرو الفضيلة هذا الرأي الاختزالي؛ فهم فلاسفة ينظرون إلى الفضيلة نظرة جدِّيَّة؛ ما يعني أنهم يعتقدون، على الأقل، أن الفضائل تلعب دورًا مستقلًّا ذا قيمة في حياتنا الأخلاقية، دورًا مستقلًّا من الناحية المفاهيمية عن فعل الصواب. هذا يقودنا إلى الطريقة الثانية لربط الفضائل بفعل الصواب، ومفادها أن الفضائل تُكمل وجهات النظر حول فعل الصواب، من خلال تقديم بُعد إضافي لنقاشاتنا عن الأخلاق. يتفق جميع منظِّري الفضيلة تقريبًا على أن الفضائل لا تقتصر على مجرد مَيل لفعل الصواب. ونتذكر من مناقشتنا لآراء أرسطو، وهو يتناول الفضائل، أن التمتُّع بفضيلة يتضمن أيضًا ميلًا إلى الاستجابة للمواقف على نحو سليم؛ أي الإحساس بالمشاعر المناسبة بالقدر المناسب وفي الوقت المناسب، وحيال الأشياء أو الأشخاص المناسبين؛ فضلًا عن تناول المواقف تناولًا حكيمًا ومستبصرًا. يرى منظِّرو الفضيلة أن التمتُّع بفضيلة يعكس الكثير من الأشياء عن هُويتنا الأخلاقية ما يتجاوز مجرد الميل إلى طاعة المبادئ الأخلاقية أو السعي خلف أفضل العواقب؛10 فالفضائل تساهم مساهمة مستقلة ولا غنًى عنها في هُويتنا الأخلاقية.11
الطريقة الثالثة لتأمل العلاقة بين فعل الصواب والفضيلة طريقة أكثر طموحًا. حسب هذه الرؤية، لا تكمِّل الفضائل مفاهيم الفعل الصائب فحسب، بل هي أساسية من الناحية المفاهيمية. والعلاقة بين الفضيلة وفعل الصواب علاقة عكسية؛ فبدلًا من تعريف الفضائل من وجهة نظر الميل إلى التصرُّف على نحو صائب، يُعرَّف التصرف الصائب من منظور التزام الفضائل. إليك الطريقة الأكثر مباشرةً ووضوحًا لصياغة تلك النظرية: التصرف على نحو صائب يعني التصرف على نحو يلتزم بالفضائل. سوف نستخدم مفهوم الفعل الفاضل لتفسير مفهوم الفعل الصائب. على سبيل المثال مساعدة غريبٍ واقعٍ في ورطة فعلٌ صائب لأنه فعل يدل على الطيبة والكرم. والفعل لا يتسم بالطيبة والكرم لأنه فعل صائب، بل هو فعل صائب لأنه فعل طيب وكريم. تتسم مصطلحات الفضيلة بالبساطة، وتُستخدم لتعريف الفعل الصائب. فيما يلي طريقة أخرى لتعريف الفعل الصائب من وجهة نظر الفضائل: التصرف على نحو صائب يعني التصرف مثلما كان سيتصرف عادةً شخص يلتزم كليًّا بالفضائل في هذه الظروف. تسمح لنا تلك المعادلة بالتمييز بين فعل الصواب وفعله على نحو يلتزم الفضيلة. قد يساعد شخص ما غريبًا في ورطة (وهو الفعل الصائب في هذه الظروف) دون أن يمتلك دوافع فاضلة؛ فربما كان هذا الفعل مدفوعًا برغبته في إثارة إعجاب أصدقائه، وفي هذه الحالة لا يمكن اعتباره تَصرفًا فاضلًا (بل هو يتظاهر بمراعاة الفضيلة، وذلك أمر مختلف دون شك). رغم ذلك، هو لا يزال يفعل الصواب، ويفعل ما كان شخص فاضل ليفعله في مثل هذه الظروف، حتى وإن كان هو نفسه شخصًا غير فاضل.12
يقدم هذا الخيار الثالث صورة معكوسة للخيار الأول؛ فهو محاولة لتفعيل الاختزال لكن في الاتجاه المعاكس، بحيث يُختزل مفهوم فعل الصواب ضمن الحديث عن الفضيلة. ويطالبنا بإيجاد طريقة لتمييز الفضائل على نحو مستقل عن الخصائص التي تجعل الأفعال صائبة؛ فلا بد أن نكون قادرين على تحديد معنى الاتصاف بالكرم أو الصدق دون التحدُّث عن المبادئ الأخلاقية أو وجوب السعي وراء أفضل العواقب. ووفقًا لهذا الخيار، لا يُعرَّف الفعل الكريم باعتباره فعلًا يلتزم بقاعدة أخلاقية كالتالية: «لتحرص دومًا على مساعدة الآخرين عندما تقدر على ذلك دون التضحية بأي شيء يحمل أهمية مماثلة لك.»13 ولا يمكن كذلك تعريفه بأنه فعل يؤدي إلى أفضل العواقب الموضوعية عندما يتطلب هذا من الفاعل التضحية بشيء يحمل قيمة بارزة لديه. لا بد من تعريف الكرم على نحو مختلف؛ فالكرم، بوصفه فضيلة، شأن معقد ومن الصعب تعريفه. هو ليس مجرد ميل إلى مساعدة الآخرين أو بذل الوقت والمال والممتلكات بسخاء، بل ينطوي على طريقة لتأمُّل المواقف التي نواجهها والاستجابة لها؛ بحيث تصبح اهتمامات ومشاغل الآخرين المتورطين في هذه المواقف جديرة بأن تكتسب أهمية في أعيننا؛ ويتضمن استجابة لهذا الإدراك تدفعنا إلى التفكير فيما نستطيع فعله للمساعدة، وفي ضوء هذا نتيح ما نملك من وقت وموارد للمساعدة … إلخ. ليس هذا مكانًا مناسبًا لتطوير نظرية حول فضيلة الكرم، بل غرضنا هو توضيح أنها مسألة معقدة. معظم الفضائل معقدة ومن الصعب تعريفها، لكنها، من وجهة نظر مناصري هذا الخيار الثالث، أولية من المنظور الفلسفي. يُميَّز الخيار الثالث أحيانًا عن الخيار الثاني عبر تسميته بأخلاقيات الفضيلة (بدلًا من كونه جزءًا من نظرية الفضيلة). وبِناءً على ذلك، يصبح منافسًا لنظريتَي العواقبية وأخلاق الواجب التي استعرضناها في الفصل السابق فيما يخص فعل الصواب.
الطريقة الرابعة لصياغة العلاقة بين الفضائل وفعل الصواب تقترح الاستعاضة عن نظرية الفضيلة بنظرية فعل الصواب.14 بالطبع نحن نميل إلى مناقشة المعضلات الأخلاقية من منظور تحديد الفعل الصائب، لكن المدافعين عن هذا النوع من نظرية الفضيلة يزعمون أنه من الأفضل لنا التركيز عوضًا عن ذلك على مناقشة المعضلات الأخلاقية من منظور كيف يتصرف الناس على نحو جيد (أي فاضل) في المواقف التي يواجهونها. على سبيل المثال، في موقف العبَّارتين، بدلًا من محاولة تحديد ما إذا كان الضغط على الزر أمرًا جائزًا أخلاقيًّا (ومن ثم تفجير العبَّارة الأخرى)، قد نحاول تحديد ما إذا كان الأفراد في كلتا العبَّارتين تصرَّفوا على نحو جيد. كيف كانوا سيتصرفون على نحو أفضل؟ هل السجين الذي ألقى بجهاز التفجير من على سطح العبَّارة تصرَّف تصرفًا جيدًا؟ هل كان تصرُّفه شجاعًا؟ هل كان تصرُّفه حكيمًا؟ هل تصرَّف على نحو مخادع؟ هل كان تصرفه تصرفًا بطوليًّا أم كان عنيدًا ومتعجرفًا؟ (لقد تصرَّف كما لو كان القرار قراره وحده في النهاية، وقد حكم على جميع من في العبَّارة بموت شبه حتمي، كما بدا وقتها.) بوسعنا دومًا طرح السؤال التالي: ما الفعل الذي من المرجح أن يُسفر عن أفضل نتيجة؟ لكن لا ينبغي أن يتألف حكمنا الأخلاقي على ركاب العبَّارتين من الإجابة عن هذا السؤال. قد نعتقد أن النتيجة الأفضل على الأرجح (إذا راعينا الموضوعية، وافترضنا أن باتمان لن ينقذنا) هي تفجير المدنيين لعبَّارة السجناء. هي ليست نتيجة مثالية بالطبع لكنها أفضل من موت الجميع، وأفضل (وإن كان بهامش ضئيل) من نجاة السجناء على حساب المدنيين. رغم ذلك قد نعتقد أيضًا أن تحقيق هذه النتيجة لم يكن ليتمَّ إلا إذا تصرف أحد ركاب عبَّارة المدنيين تصرفًا وحشيًّا نستهجنه بشدة. يرى منظِّرو الفضيلة أن الأخلاق لا تهدف إلى ضمان حصولنا على أشد ما نرغب به، بل تهدف إلى ضمان أن نحيا حياة جيدة. وفي بعض الأحيان من الأفضل أن نموت في سبيل الفضيلة بدلًا من أن نحيا حياة وحشية (فظيعة).

لقد أصبحت المعضلة الآن هي تحديد ما سيحدث عندما نفكر مليًّا فيما ينبغي لنا فعله في موقف معين. إذا تبنَّينا نظرية من نظريات فعل الصواب، فيمكننا على ما يبدو الاكتفاء بتحرِّي الخصائص التي تجعل من الأفعال المحتملة أفعالًا صائبة كي نحدد أيًّا منها ينبغي لنا تنفيذه. لكن هذه العملية تبدو منطقية فحسب إذا كان لدينا صيغ أو إجراءات جاهزة نستعين بها لتحديد الفعل الصائب. وحسب صورة نظرية الفضيلة التي نتناولها حاليًّا، تلك الصيغ أو العمليات غير موجودة. ماذا سيحدث إذا رفضنا وصف المواقف من منظور الصواب والخطأ (أي من منظور الأفعال الجائزة والواجبة والمحرَّمة أخلاقيًّا)؟ كيف يُفترض بنا تدبُّر ما يواجهنا من المنظور الأخلاقي؟ هل يُفترض بنا تدبُّر أيٍّ من الأفعال هو الأصلح في ظل الظروف التي نواجهها؟ قد يبدو ذلك تكتيكًا منطقيًّا من الوهلة الأولى، لكنه لا يُجدي. فغالبًا الانشغال بفضيلتنا هو عينه الطريقة الخطأ للاستجابة لموقف ما، أو بعبارة أخرى، طريقة رديئة من طرق الاستجابة؛ فالتفكير بهذه الطريقة سيُعدُّ تفكيرًا نرجسيًّا من جانبنا على السياق الأخلاقي، كما لو أن كلَّ ما يهم في الموقف هو أن نخرج منه ونحن نبدو صالحين (أو بالأحرى نكون صالحين). تخيَّل أن يقرر إيجور مساعدة أسيتا، لا لسبب سوى أن يكون صبيًّا صالحًا. ثمة أمر محبِط حيال هذا الدافع الأخلاقي، فما يتسم به من اهتمام نرجسي بالنفس يقوِّض احتمالية الفضيلة الحقيقية. النرجسية ليست من الفضيلة؛ ومن ثم لا يمكن أن نصبح صالحين من خلال التركيز على هدف واحد فقط وهو أن نكون صالحين. ربما لاحظت كذلك أننا إذا فكرنا وفقًا لهذا المنظور فسوف نقترب كثيرًا من قبول الخيار الثالث الاختزالي الذي وصفناه سابقًا. حسب هذا الاقتراح، نكتشف الفعل الصائب عن طريق البحث عن الفعل الفاضل. والطريقة المثلى لاستيعاب هذا هي ببساطة المساواة بين التصرف على نحو فاضل والتصرف على نحو صائب. إذا رغب أحد في الدفاع عن هذه الصيغة الرابعة غير الاختزالية من نظرية الفضيلة، عليه تقديم رؤية للتفكير الأخلاقي الفاضل لا تقتصر على التفكير فيما سيُعد فعلًا فاضلًا، لكنها لا تختزل نفسها كذلك في تطبيق صيغ أخرى للفعل الصائب. وكما قد نتوقع من منظِّري الفضيلة، ستتسم تلك الرؤية على الأرجح بالتعقيد.

خلاصة القول، يوجد أربع طرق لوصف العلاقة بين فعل الصواب والتصرف على نحو يلتزم الفضيلة. (١) التصرف على نحو فاضل هو نفسه فعل الصواب. (٢) التصرف على نحو فاضل ينطوي على ما هو أكثر من فعل الصواب. (٣) التصرف على نحو صائب هو نفسه التصرف على نحو فاضل (أو التصرف مثلما كان الأشخاص الصالحون سيتصرفون في نفس الظروف). (٤) التصرف على نحو فاضل يختلف عن التصرف على نحو صائب (ولا توجد نظرية فلسفية مرضية توضح ماهية التصرف على نحو صائب، ومن الأفضل لنا ألا نعتمد على مفهوم الفعل الصائب كي نطرح أفكارًا فلسفية مهمة). فحتى تصبح واحدًا من منظِّري الفضيلة لا بد أن تدافع عن الطريقة الثانية والثالثة والرابعة وترفض الأولى. لكل صورة من صور نظرية الفضيلة الثلاث مناصروها، ولكل منها ميزة خاصة بها. تبدو الصورة الثالثة الأكثر منطقية؛ إذ لا تتطلب منا سوى تخصيص مكان مميز لدور الفضيلة في النظريات الأخلاقية التي نطرحها، في حين تبدو الصورة الرابعة الأكثر جذرية؛ إذ تتطلب منا التخلص من انجذابنا التلقائي إلى نظريات فعل الصواب مثل تلك التي عرضناها في الفصل السابق. لن نتخذ موقفًا حاسمًا ها هنا؛ فالفيلم لا يساعدنا على التمييز بين تلك الخيارات أيضًا. لكن ما يفعله، رغم ذلك، هو أنه يُقدم دليلًا قويًّا على أن الصيغ الثانية والثالثة والرابعة صحيحة وأن الصورة الأولى خاطئة.

الوعد وتأثيره

فلنرجع إلى الفيلم، حيث يَعِد إيجور حميدو أنه سيعتني بأسيتا وطفلها. في البداية لا يفعل الكثير لأجلهما. هو يساعدها على دق وتد (عمل بطولي حقًّا!) ويُحضر لها موقدًا يعمل بالخشب. هذه ليست المرة الأولى التي يُبدي فيها إيجور اهتمامًا بأسيتا، فمنذ وصولها إلى النُّزُل كان يراقبها. هو مفتون بها وبأسنانها البيضاء الرائعة، ونراه يحاول تبييض أسنانه بطرقه الخاصة (التي تتضمن وضع سائل تصحيح الأخطاء الكتابية الأبيض على أسنانه الأمامية، ما يجعله بالطبع يبدو مثل الإوزة). يُجسِّد الفيلم تقاربًا متناميًا بين الصبي وأسيتا بعدما قطع الوعد لزوجها؛ فيحضر تضحيتها بدجاجة في طقوس روحانية (إذ تريد معرفة مكان زوجها)، ويعطيها مالًا ويلقى جزاء هذا ضربًا مبرحًا من أبيه. يقوى الرباط بين إيجور وأسيتا تدريجيًّا، لكنه كان أكثر منها سعيًا لذلك. صحيح أنها ترحِّب بمساعدته لكنها كذلك متحفظة وعازفة عن تشجيعه؛ هي لا تحمل عاطفه كبيرة تجاه هذا الصبي الأبيض الغريب الذي يُبدي اهتمامًا يتعذر تفسيره بمصلحتها. في الوقت نفسه تضعف العلاقة بين الأب وابنه. لقد هيمن روجر على الصبي؛ فيُلقي إليه بأوامر حادة، ولا يقبل أيَّ نوع من المناقشة أو المعارضة، ويعاقبه بوحشية عندما يتصرف خلافًا لمصالحه. يلجأ روجر إلى طرق متنوعة لمكافأة إيجور عندما يتعاون معه، ويحاول كذلك أن يعوضه عن نوبات غضبه العنيفة بشتى الطرق؛ فيهديه خاتمًا في إحدى المرات، ويساعده في رسم وشم أعلى ذراعه بالمنزل، ويشتركان معًا في الغناء بأحد البارات. لكن شيئًا ما في العلاقة بين الأب والابن انكسر بعدما ترك الأب حميدو يموت.

يتجلى ذلك في تعبيرات إيجور بقدر ما يتجلى في أفعاله. في بداية الفيلم، يستجيب إيجور لأوامر روجر بينما يعلو وجهه تعبير عن الرضا والإحساس بالأهمية. فعندما يتلقى أمرًا بمغادرة مكان عمله في ورشة إصلاح السيارات والعودة إلى المنزل (لمساعده أبيه في التعامل مع مفتشي العمل) لا يُظهر أي شيء يدل على أسفه للمغادرة. وعندما ينذره رئيسه في العمل، ويخيره بين تحدي أوامر أبيه أو خسارة وظيفته التدريبية، ينحاز إيجور إلى أبيه دون أدنى تردد أو قلق؛ فمساعدته مطلوبة في شئون أخرى أهم من إصلاح السيارات وضخ الوقود (الدقيقة ٢٢ في الفيلم). عندما يستعين روجر بمساعدة إيجور في مَهمة خداع أربعة من ساكني النُّزُل وإرشادهم إلى شرطة الهجرة، يؤدي إيجور مَهمته بينما تعلو وجهه مظاهر اللامبالاة والفتور (الدقيقة ١٦). مع توالي أحداث الفيلم، تلين تعبيرات إيجور، فيزداد عبوسه، ويبدو أكثر انشغالًا وهشاشةً واضطرابًا. على سبيل المثال، قارن التعبير على وجه إيجور في مشهد الخداع (الدقيقة ١٦) ورد فعله في مشهد الهجوم على أسيتا (الدقيقة ٤٥). في مشهد لاحق، يرتب روجر حادث اعتداء جنسي مفتعل على أسيتا في محاولة لإقناعها بالعودة إلى وطنها، بينما نتابع نحن التعبيرات على وجه إيجور؛ إذ يُنصت إلى الصخب الناتج عن الهجوم، ومن رد فعله ندرك أنه كان على علم بترتيبات أبيه (لكنه لا يُهرع لمساعدتها، ويستمر في تحميل حجارة الرصف). رغم ذلك يحكي وجه إيجور قصة مختلفة تمامًا عما بدا عليه في مشهد الخداع؛ فهو يبدو مكروبًا ومستاءً، كما لو كانت ألاعيب أبيه تثير اضطرابًا وسأمًا في نفسه. (لا يؤدي هذا إلى تأثير بالغ الوضوح؛ فنطاق التعبيرات الذي يستخدمه جيريمي رينييه في تجسيد دور إيجور محدود؛ والتبدلات التي تبدو عليه ضئيلة وتكاد لا تُلاحظ، لكنها رغم ذلك ظاهرة للجمهور. وبما أنها ردود فعل طبيعية فليس على الممثل سوى بذل جهد ضئيل للإشارة إلى هذا التغير في المواقف، وهو ما يقوم به جيريمي بالفعل.)

إن انتقال إيجور من الاستغلال الطائش للآخرين والطاعة العمياء لأوامر أبيه إلى تكوين هُوية أخلاقية قوية يُجسده الفيلم في صورة تطوُّر في رد فعله العاطفي تجاه الآخرين. وهو اختيار يبدو صائبًا حقًّا. فتوجد ثلاثة محفزات محتملة تدفع إيجور إلى العناية بأسيتا. أولًا: وعده لحميدو المحتضَر، والشعور بالالتزام الذي زرعه هذا الوعد في نفسه. ثانيًا: تأنيب الضمير — وهو إحساس بمسئوليته عما حدث، ممتزجًا بشعوره بالذنب والندم — الذي انتابه على الأرجح لدوره في مصرع حميدو. ثالثًا: التجاوب العاطفي العميق الذي يبديه إيجور ناحية أسيتا، والذي ذكرناه سابقًا. تلعب المحفزات الثلاث كلها على الأرجح دورًا في تحريك أفعال إيجور، لكن الفيلم ينطوي على أدلة واضحة تدعم المحفز الأخير دون باقي المحفزات. إن الوعد الذي يقطعه إيجور في الفيلم يقتصر دوره في المقام الأول على إشعال شرارة اهتمامه العميق بأسيتا، وتجاوبه العاطفي معها ومع احتياجاتها. وبينما يحاول إنقاذها من روجر، لا يبدو أن الوعد هو محور اهتمامه الرئيسي بل أسيتا وطفلها.

لا يبدو أن شعور إيجور بالذنب نتيجة مصرع حميدو هو السبب الرئيسي الذي يدفعه في النهاية إلى تحدي والده وإنقاذ أسيتا (ولا ينبغي لنا توقع ذلك)، بل يبدو أن ما يدفعه في المقام الأول هو خوفه من المصير الذي يخفيه أبوه في جَعبته لأسيتا. ما الذي يدفعنا إلى التفكير على هذا النحو؟ ففي نهاية المطاف، نحن نشاهد فيلمًا لا يكشف عن المشاعر الداخلية لشخصياته إلا من خلال أفعالهم والتعبيرات الانفعالية على وجوههم. إن روجر وإيجور كليهما لا يتمتعان بالقدرة على الإفصاح عن أفكارهما ومشاعرهما، والحالات التي يعبران فيها عما يدور بخَلَدهما نادرة، إن لم تكن منعدمة. وكلاهما يستخدم اللغة كأداة لإنجاز المهام، ونادرًا ما يستخدمانها كوسيلة للتعبير والتواصل.

إذن كيف يستطيع المشاهدون تحديد الحافز الأقوى والأكثر إلحاحًا لسلوك إيجور؟ العنصر الأول، والأهم، هو ما يعرضه الفيلم من أدلة لا تنقطع على نمو قدرة إيجور العاطفية وتجاوبه المتزايد تجاه أسيتا. وقد أفردنا بعضًا من هذه الأدلة فيما سبق. العنصر الثاني هو أن إيجور لا يُبدي تقريبًا أيًّا من التعبيرات العاطفية التي تدل على انشغاله بذاته؛ فهو لا يعتصر فؤاده ندمًا، مثل ليدي ماكبث. ولا يُبدي أيَّ سلوك تعبيري يُتوقع من شخص يشعر بالذنب، شخص مدفوع بانشغاله بمشكلاته الخاصة وموقفه الأخلاقي. ثالثًا: دعم الأخوان داردين هذا التفسير من خلال تجسيد موقف منذر بالخطر يدفع إيجور إلى قطع علاقته مع أبيه. لقد زيَّف روجر برقية زعم أنها من حميدو تدعو أسيتا إلى الذهاب إلى مدينة كولونيا؛ إذ يخطط لبيعها إلى تجار الاسترقاق الجنسي. في هذا الموقف، لا يُتاح لإيجور فرصة كبيرة للانشغال بنفسه وشعوره بالذنب، بل لا بد له من التركيز على أسيتا وكيفية إنقاذها. وهذا هو ما يفعله تحديدًا (الدقيقة ٥٧). ربما نظن أنه شخص مهووس بنفسه استجاب للموقف على نحو يحفظ في الأساس احترامه لذاته، أي أبدى ارتياعه لما سمح بحدوثه وانتابته كذلك مشاعر الرثاء للنفس والتقزز منها، لكن إيجور ليس كذلك.15 ربما نتخيل أنه شخص عازم على الوفاء بوعده، فيفعل ما فعله لكن دون أن يُبدي ما قد يدل على تجاوب عاطفي متزايد واهتمام عميق. لكن إيجور ليس كذلك أيضًا.

إذا كان تفسيرنا صحيحًا، تصبح شخصية إيجور أكثر ثراءً من شخصية تسعى فحسبُ إلى الوفاء بوعد على مدار الفيلم. لم يَفِ إيجور بوعده مدفوعًا فحسبُ بحقيقة أنه قطعه على نفسه، أو لأنه يرى أن الوفاء بالوعد هو الصواب، بل يكتسب في خِضَم ذلك فضائل قوية، وتتألف تلك الفضائل مما هو أعظم بكثير من الميل إلى التصرف كما ينبغي. تكمن الفضائل بقدر كبير في داخلنا مثلما توجد خارجنا. يوضح الفيلم هذا؛ وبذلك يطرح دعمًا قويًّا لصورة أو أخرى من صور نظرية الفضيلة الثلاث التي حددناها في الفقرات السابقة. تذكَّر أن أحد الخيارات المعارضة لنظرية الفضيلة (الخيار الأول) التي ناقشناها ساوت الفضائل بالميل إلى فعل الصواب. لا ينبع تحول إيجور الأخلاقي من دافع كهذا فحسب. وإذا كان ينبع منه، لم نكن لنستجيب له على النحو الإيجابي نفسه. وهكذا يوضح الفيلم أن الخيار الأول زائف، وأن الفضيلة تجمعها علاقة وثيقة بالقدرة على التجاوب العاطفي. تذكَّر أننا ذكرنا أثناء مناقشتنا لمفهوم الفضيلة عند أرسطو أن الفضائل هي حالات تستحق تقديرًا استثنائيًّا من حالات الشخصية؛ إنها أشكال تُضفي علينا نبلًا وتُجسِّد أساس حياة صالحة تستحق العناء. في فيلم «الوعد» نشهد تحوُّل إيجور من طفل يعيش حياة مهينة وبلا قيمة تقريبًا، إلى شخص ناضج يستحوذ على إعجابنا بشدة. إن التحول الذي تشهده شخصية إيجور تحوُّل جميل يحرك مشاعرنا. لكن من الواضح أيضًا أن هذا التحول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطريقة شعوره وتفكيره وإدراكه، وحكمه على ما حوله، وكيفية تصرفه في ضوء هذا كله. تخيَّل شخصًا يفي بوعد مثل الذي قطعه إيجور على نفسه لكن دون أيِّ تحوُّل مصاحب في شخصيته؛ من المستبعد أن يؤثر فينا هذا النموذج كثيرًا. نستنتج من هذا أمرًا ذا مغزًى فلسفي؛ وهو أن الهُوية الأخلاقية مسألة معقدة، ولا يمكن اختزالها في أداء الواجب الأخلاقي؛ فالفضائل مكونات لا غنًى عنها في حياتنا الأخلاقية، تتجاوز أداء الواجب الأخلاقي. لا يهتم الفيلم بالتفريق بين تنويعات نظرية الفضيلة الثلاثة التي ناقشناها في الفقرات السابقة — الخيارات (٢) و(٣) و(٤) — لكنه يفنِّد الخيار (١) بكل حسم.

قدرة الفيلم على الإقناع الفلسفي تكمن في الطريقة العفْوية غير العاطفية التي يُجسِّد بها الانتصار الأخلاقي الصغير الذي يحققه إيجور. ربما كان السبيل الأمثل لتناول هذه المسألة هو النظر إلى الفيلم باعتباره دليلًا فلسفيًّا على ما هو ممكن من منظور نظري يرتبط بالفضيلة. من الممكن تشكيل شخصية أخلاقية قوية حتى في ظل ظروف غاية في الصعوبة مثل هيمنة أب مستبد خسيس، وإحساس بالمسئولية والذنب، وهشاشة اجتماعية، وخوف من القانون. ربما لا تكون ردة فعل أبناء الخامسة عشرة في أغلب الأحيان إزاء التحديات التي يواجهها إيجور على النحو الذي كانت عليه ردة فعله إزاءها. لكنهم قادرون على ذلك. وعندما تصدر ردة الفعل هذه عنهم، يتضح دون شك أنهم حققوا أمرًا بالغ القيمة؛ ومن ثم يستدعي الفيلم أفكارًا بديهية حول قيمة الفضائل الأخلاقية المكتسبة، وهي أفكار في غاية القوة (إذ تفرض علينا تأثيرًا قويًّا) ومفعمة بالحيوية (من الصعب تخيُّل شخص عاقل لا يتأثر بالفيلم على النحو الذي تأثرنا به). يحقق الفيلم هذا دون أن يُسرف في استخدام سرد يتلاعب بالمشاهدين أو تقنيات سينمائية مؤثرة. إن التعاطف الذي نشعر به أثناء مشاهدة الفيلم واضح، ولم يفتعله صناع الفيلم بجعلهم شخصية إيجور شخصية ذات جاذبية أو سحر خاص، أو جعل شخصية أسيتا امرأة ودودة ومحبوبة إلى حدٍّ استثنائي. لا يركز الفيلم على المظاهر الخارجية لتحول إيجور باستخدام أي علامات مرئية أو موسيقية، وينجح في تحقيق غرضه لأنه يعرض عرضًا واضحًا وبسيطًا إلى حد كبير كيفية تحوُّل أحد الأشخاص. إن الاكتفاء بوصف الفضائل الأخلاقية وتأثيراتها الإيجابية في الدراسات الفلسفية لا يمكن أن يحقق ما حققه فيلم «الوعد»، فلا يمكن أن يقدم دفاعًا مقنعًا عن قيمة وجمال الانحياز للصواب بنفس التأثير البديهي الذي يحققه هذا الفيلم الفطن البعيد عن العاطفية.

فضائل إيجور

ينمو إيجور أخلاقيًّا على مدار الفيلم، لكن كيف تأتَّى له هذا؟ لقد أصبح شخصًا يتمتع بمزيد من الفضائل، لكن أي فضائل تحديدًا اكتسبها؟ لدينا ثلاث فضائل رئيسية: الشجاعة والكرم والنزاهة. من المهم ملاحظة أن المسار الذي سلكه إيجور مسار صعب. أولًا: كان عليه تحدي أبيه المتنمر. كان عليه التعامل مع تهديداته ومع توسلاته له على الهاتف فيما بعد (الدقيقة ٦ من الساعة الثانية). واضطُر إلى مواجهته جسديًّا، وكان ليتعرض لضرب مبَرِّح لولا تدخل أسيتا في الوقت المناسب. يتطلب هذا شجاعة ملحوظة من فتًى لا حول له ولا قوة، في الخامسة عشرة من عمره، يدرك مدى التهور الذي أضحى عليه أبوه، وما يقدر على فعله. الصعوبة الثانية التي واجهها إيجور هي تحديد علاقته مع أسيتا، فهي تُصعِّب الأمور عليه، ولا تستجيب استجابة ودية لما يبذله من محاولات لمساعدتها. فعندما يغادر ويصحبها معه في شاحنة أبيه، تهدده بشفرة (الدقيقة ٥٧)، وتزجره بحسم عندما يحاول فيما بعد عناقها بينما تنهمر الدموع من عينيه (الدقيقة ٤ من الساعة الثانية). (بالتأكيد تساءلتْ متعجبة عما اعترى هذا الطفل الغريب.) لقد أصبح طفلها مريضًا وتفاقم مرضه؛ ما يدفعها إلى مهاجمة إيجور وقذفه بالحجارة (حجارة صغيرة في الواقع، مجرد حصًى) واتهامه بأنه نقل إلى طفلها عدوى المرض متعمدًا (الدقيقة ٨ من الساعة الثانية). (يستمر تعاطف الجمهور مع أسيتا دون تراجع لأنه قائم على تفهُّم مدى خطورة وشدة موقفها، والهشاشة التي يفرضها عليها، وقائم كذلك على الإعجاب بسعة حيلتها وإصرارها ومرونتها (وهي سمات أقل ما توصف به أنها مذهلة). في بداية اليوم الذي يشهد هذه الأحداث يرى المشاهدون (في حدث لا يراه إيجور) بلطجيًّا بلجيكيًّا يتبول عليها من أعلى جسر (الدقيقة الأولى من الساعة الثانية)؛ لا بد أنها بلغت أقصى حدود التحمل.) لا يدع إيجور هجوم أسيتا عليه يَعُوق تركيزه على ضرورة مساعدتها ومساعدة طفلها؛ فالشخص الكريم هو من يركز انتباهه بحكمة على حاجات الآخرين. فاحتياجات الآخرين هي محور تركيزه، وهو قادر على الاحتفاظ بهذا التركيز رغمًا عما يواجه من الإلهاءات. ليس الشخص الكريم من يساعد الآخرين عندما تكون مساعدتهم سهلة ومجزية، بل هو من يساعد وقتما تصعبُ المساعدة، ويسهُل على المرء أن يتشوش ذهنيًّا، ويشعر بالاستياء، ويتهرب متحججًا بعذر.

الصعوبة الثالثة التي يواجهها إيجور تتعلق بالحقيقة، وهنا تلعب فضيلة النزاهة دورًا؛ لقد كذب إيجور على أسيتا حول مصير زوجها، وأخبرها مرارًا وتكرارًا أن حميدو هرب إلى مكان لا يعرفه. وحتى المشهد الأخير من الفيلم، كان إيجور يساعد أسيتا تحت ستار كذبته؛ فقد مكنته هذه الكذبة من مساعدتها. ولو قرر إخبارها بالحقيقة، فربما رفضت مساعدته، لكن من المستبعد أن يكون ذلك هو الدافع الوحيد وراء كذبته. على الأرجح ثمة دافع آخر وهو التهرب من ردة فعلها، أو بعبارة أخرى من غضبها وازدرائها واحتقارها المحتمل. تثير المواجهة الجسدية بين إيجور وأبيه هذا السؤال المتعلق بإخبار أسيتا بالحقيقة. في البداية يخبر أباه: «علينا إخبارها بالحقيقة. تعالَ معي، سوف أخبرها بنفسي» (الدقيقة ٢١ من الساعة الثانية). لكن ردة فعل روجر هي مطاردته وطرحه أرضًا والشروع في ضربه، وهي اللحظة التي تتدخل فيها أسيتا، وتضرب روجر على رأسه. يقيد إيجور أباه الذي فقد الوعي، وعندما يستعيد وعيه يحاول إغواء ابنه، فيعرض عليه أن يمنح أسيتا مالًا وحرية الذهاب لأي مكان ترغب فيه (ما دامت، كما نفهم ضمنًا، لم تُخبر بحقيقة ما حدث لحميدو). فيما يلي الحوار الذي دار بعد ذلك بين الأب وابنه:

روجر : لماذا تريد إخبارها؟ ما فائدة ذلك؟ سوف ترحل، ولن نتحدث في الأمر مجددًا أبدًا (أعطني نظارتي على الأقل.) البيت بَنيتُه لك. لقد فعلتُ كل ما فعلتُه لأجلك. لأجلك فقط. أنت ابني.
إيجور : اخرس! اخرس! اخرس!
حسنًا، ربما لم يصبح إيجور مدافعًا مفوَّهًا عن الصدق، لكنه دافع عنه. وقد أضحى إخبار أسيتا بالحقيقة أمرًا ذا أهمية محورية لديه.16 وهو ما يفعله في المشهد الأخير من الفيلم حيث يخبرها بالحقيقة حول موت زوجها بينما هي على وشك الصعود على متن قطار متجه إلى إيطاليا والخروج من حياته للأبد. يخبرها إيجور بما حدث في بضع جمل بليغة ودقيقة بعيدة عن التكلف (الدقيقة ٢٧ من الساعة الثانية). تزيح أسيتا وشاحًا تغطي به رأسها وتستدير ببطء مبتعدة عن رصيف المحطة، ناظرةً إلى إيجور نظرة طويلة متمعنة، ومفعمة بالحزن والقسوة. تغادر أسيتا محطة القطار، ويصاحبها أيجور. نشاهدهما وهما يسيران معًا بعيدًا إلى أن يختفيا عن أنظارنا. لا ندري ما الذي يحدث بعد ذلك، لكننا نعرف أن انتصار إيجور الأخلاقي قد تحقق.

أسئلة

  • واتانابي (الفصل العاشر)، ويسلر (الفصل الثاني عشر)، وإيجور (الفصل الرابع عشر) جميعهم يمرون بتحوُّل أخلاقي عميق. ما أوجه الاختلاف بينهم؟ من كانت مَهمته أصعب؟ ومن كان انتصاره الأبرز؟ (هل ثمة طريقة معقولة للإجابة عن هذه الأسئلة؟)

  • هل الأسلوب البسيط لفيلم «الوعد» يخدم الأغراض التي انصبَّ تركيزنا عليها في هذا الفصل؟

  • أشرنا في هذا الفصل إلى أن قائمة الفضائل التي وضعها أرسطو ناقصة حقًّا. هل لديك قائمة أفضل؟ ما هي؟ ما الذي يجعل بعض الفضائل في قائمتك أساسية أو محورية؟ لماذا تحمل تلك الفضائل أهمية؟

  • في هذا الفصل، حددنا أربع طرق مختلفة للتفاعل بين نظرية الفضيلة ونظريات فعل الصواب. وقد ركزنا على تفنيد واحدة من تلك الطرق، وهي الطريقة الأولى. ما الطريقة الأكثر معقولية من الطرق الثلاث الأخرى؟ وأي هذه الطرق يُعد الأقل معقولية؟

  • هل اختزال فعل الصواب في الفعل الفاضل يؤدي إلى نرجسية أخلاقية غير مقبولة؟ هل يوجد خطأ جذري في الاعتقاد بأن فعلًا ما يصبح صوابًا لا لسبب سوى كونه فعلًا يلتزم بالفضيلة؟

  • هل نحن على صواب في زعمنا أن الفيلم يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن التمتع بالفضيلة ينطوي على ما هو أكثر من مجرد فعل الصواب (وفعله لأنك ترى أنه الصواب)؟ كيف استطاع الفيلم إثبات ذلك؟ لقد تناولنا فيلمًا واحدًا فحسب، هل يجدر بنا التعميم بناءً على نموذج إيجور؟

  • هل كان يُفترض بإيجور الاستمرار في الكذب على أسيتا حول زوجها حتى اللحظة الأخيرة (قبل أن تستقل القطار المتجه إلى إيطاليا)؟ هل السبب وراء كذب إيجور (الذي لا يسعنا معرفته عن يقين) مهم لحكمنا على الوضع الذي يُجسِّده الفيلم؟

هوامش

(1) For example, consider an important scene in the first half of the film: the scene of Hamidu’s accident (0:24). We follow Igor as he warns Hamidu of the imminent arrival of labor inspectors; Hamidu is working on scaffolding outside the house; Igor rushes in and up the stairs—we follow him, as we do throughout almost the entire film—and he hears a noise. It is just a dull thud. This is all the “action” associated with Hamidu’s accident. The audience sees what Igor sees and hears what he hears. It’s as if the filmmakers have had the bad luck to be in the wrong spot to witness the spectacle of the fall. It makes perfect sense, of course. The accident is something that happens. It isn’t staged for Igor and it isn’t staged for an audience either.
(2) Compare this with horror films using the basic techniques of cinéma vérité to establish a pretended authenticity. Films such as The Blair Witch Project (1999), Paranormal Activity (2007), Rec (2007) and its remake Quarantine (2008), and Cloverfield (2008) rely on the pretence that they consist of recovered footage to sustain the illusion that what you are seeing on screen really happened and isn’t just another staged spectacle. The early periods of the films are full of trite, uninformative, and redundant scenes, the dullness of which is meant to lull audiences into a receptive state for the horrors to come.
(3) Igor’s moral awakening makes for an interesting comparison with that of Wiesler in The Lives of Others (see chapter 12). Igor is still a child and has few of Wiesler’s resources at hand. Like Wiesler, however, he has luck on his side.
(4) Aristotle, Nicomachean Ethics, 1104a.
(5) Aristotle, Nicomachean Ethics, 1106b.
(6) See our discussion of the character of Watanabe in the film Ikiru (chapter 10). Watanabe struggles with the idea of what it is to live well, what it is to really be alive. His answer has the key features of Aristotle’s conception of eudaimonia; in particular, it is important that Watanabe enjoy his struggle to build a children’s playground and that he succeed in it.
(7) One challenge to virtue theory, worth mentioning even if we haven’t the space to discuss it in detail, comes from philosophers responding to the results of experimental work in social psychology. Gilbert Harman and John Doris are the most prominent figures prosecuting this case against virtue theory. Harman and Doris argue that experimentation reveals that people lack stable dispositions to perform ethical actions. According to a wide range of experiments, whether or not a person acts ethically in experimental setups is better predicted by a host of situational variables, rather than their personality or character dispositions. There are no such things as virtues, Harman and Doris argue, because there are no stable dispositions to act ethically independently of situational variables. The argument has attracted considerable critical attention from virtue theorists and moral psychologists. See Doris (2002) and Harman (1999).
(8) See Pinker (2002, chapter 19) for a summary of this evidence.
(9) One of the best-known examples of a thinker taking this attitude to the virtues is Benjamin Franklin (1986 [1791]), whose 13 virtues (with the exception of his thirteenth rule: Imitate Jesus and Socrates) are dispositions to follow particular rules of behavior. These are dispositions Franklin purposely set about acquiring in adulthood.
(10) Julia Driver (2001) disagrees with this position. Driver develops a consequentialist theory of virtues, according to which virtues do not essentially involve admirable inner psychological states but involve dispositions to efficiently produce good outcomes.
(11) Adams (2006) defends the idea that virtues are independent of, and supplementary to, other aspects of morality.
(12) Slote (2001) develops the first way of effecting the reduction; Hursthouse (1999), the second.
(13) Singer (1972) advances this very moral principle.
(14) Anscombe (1958) and MacIntyre (2007) both defend a replacement view of this sort. (You might (might) recall from chapter 4 that this is an eliminativist strategy.)
(15) Two contrasts are worth pointing out here. First, contrast Igor’s emotional transformation to Judah’s displays of fear and self-pity in Crimes and Misdemeanors (chapter 11). A closer comparison is afforded by Gus van Sant’s film Paranoid Park (2007). In this film, a boy about Igor’s age is involved in the accidental though blameworthy death of a security guard. The boy, Alex, responds to the trauma by withdrawing into himself. The film displays the turmoil of his inner life by a variety of means: a vertiginous, heterogeneous soundtrack, a temporally disordered narrative sequence, and a highly aestheticized visual display corresponding to the intensity of the boy’s experience in the aftermath of the killing. Alex’s response is the mirror opposite of Igor’s; and Gus van Sant’s technique is the mirror opposite of the Dardenne brothers’ technique.
(16) This isn’t just about retrieving his integrity, of course. Igor has come to learn of the cultural significance of Hamidu’s whereabouts; about the importance to Assita of recovering his body if he is dead. (He learns this primarily at the faith-healing ceremony (1:12–1:14).) Acting well is rarely a matter of exemplifying a virtue in isolation from others. Courage, integrity, and generosity are each involved in Igor’s confession scene.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠