الفصل الرابع

علم الوجود و«المصفوفة»

دراسة علم الوجود

يتناول نيو حبة دواء فيستيقظ. يدرك أن لديه جسدًا ثانيًا، جسدًا يرقد عاريًا، خاليًا من الشعر، مغمورًا في سائل لزج داخل حُجَيْرة تُشبه قرن البازلاء. لقد قضى حياته كلها بينما هذا الجسد الثاني قابعٌ في حُجَيْرته، ومتصلٌ بجهاز كمبيوتر عملاق عبر قضيب معدِني مدبب مغروس في مؤخرة رأسه. يحاكي الكمبيوتر الجهاز الحسي لدى الجسد الراقد في الحُجَيْرة. وبذلك يَغمسُ نيو في عالم افتراضي يشاركه فيه ملايين البشر الآخرين. هذا العالم هو المصفوفة.1 لقد كان نيو يستخدم دماغ جسده القابع في الحُجَيْرة — دماغ الحُجَيْرة — في التفكير، واتخاذ القرارات، والوعي بما حوله، والشعور بالحب أو الكره أو الخوف نحو جميع الأشياء التي أحبَّها أو كرِهها أو تخوَّف منها، في حين يَستخدم الكمبيوتر في كل شيء آخر؛ فهو يوفر البيئة التي يعيش بها، وقناة الاتصال التي تمكِّنه من التواصل مع أدمغة البشر الآخرين القابعين في الحُجيرات، وصورة جسده داخل المصفوفة (التي تماثل، لدواعي الغرابة، جسد الحُجَيْرة في كل شيء باستثناء الشَّعر). يفعل الكمبيوتر ذلك كله عبر تنظيم دفقات من المعلومات وتحديثها والتحكم بها. لقد كان نيو في الوضع الذي يُطلق عليه الفلاسفة «دماغ في وعاء».

يصور فيلم «المصفوفة» (١٩٩٩) اكتشاف نيو للحياة خارج المصفوفة، والحرب المشتعلة بين البشر الذين تحرروا من الحُجَيْرات، والآلات التي خَلقت المصفوفة وتتحكم بها. لكن كيف ننظر إلى الحياة داخل المصفوفة: العالَم الافتراضي الذي قضى نيو داخله حياته كلها؟ كيف نفهم العلاقة بين العالَمين؟ هل عالَم منهما حقيقي، بينما الآخر مجرد قشرة فارغة أو وهم؟ هل نيو خارج المصفوفة أكثر اتصالًا بالواقع عما كان داخل المصفوفة (قبل أن يتناول حبة الدواء، وقبل أن يُتقن التنقل ذهابًا وإيابًا بين العالَمين)؟ عندما نطرح تلك الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الواقع فنحن نطرح مسألة أساسية في الميتافيزيقا، ألا وهي مسألة علم الوجود (الأنطولوجيا). وهو فرع من الميتافيزيقا يسعى للإجابة عن أسئلة من قبيل «ما الموجود؟» و«ما الحقيقي؟» وينشغل بالأسئلة التي تتناول أنواع الأشياء الموجودة وطبيعتها.

سوف نعرض الدراسة الفلسفية لعلم الوجود عبر طرح مثال. هل العقل موجود؟ ربما يبدو وجوده أمرًا جليًّا؛ لذا دعونا نطرح سؤالًا مختلفًا قليلًا. إذا وضعنا قائمةً تضم جميع الموجودات، ولم نذكر على الإطلاق العقل والحالات العقلية؛ مثل القصد والاعتقاد والأمل والحب والخوف والبهجة، هل ستصبح هذه القائمة غير مكتملة؟ قد تتضمن القائمة الدماغ وكل ما يدور داخله وكل ما يتفاعل معه، لكنها لن تتضمن فحسب أي ذِكر محدد للعقل. فلتفترض على سبيل المثال أنك رأيت شخصين يتجادلان في الشارع؛ قد تتضمن قائمتنا: الشخصين وما يُحدثانه من ضجيج، والأسباب المباشرة لهذا الضجيج؛ ألا وهي المسارات العصبية التي تُرسل تعليمات إلى الأحبال الصوتية … إلخ. لكنها لن تذكر حقيقة أن الشخص الأول قد نسيَ موعدًا مع الشخص الثاني، والشخص الثاني يعتقد بأن هذا النسيان علامة واضحة على أن الشخص الأول لا يحبه، أو لا يحبه بالقدر الكافي. إذا كنت تعتقد أن هذا النوع من التفسيرات النفسية المنطقية يمكن مبدئيًّا الاستعاضة عنه بكلام أكثر تحديدًا أو أكثر التزامًا بالمعايير العلمية — لا لأسباب عملية بل لأسباب توضيحية — فإنك ترفض فكرة العقل كموجود أولي من منظور علم الوجود. ربما تعتقد أن العالم يتكون من جزيئات في الزَّمكان، وأن كل ما يحدث في العالم يمكن تفسيره، مبدئيًّا، من منظور ما يحدث لتلك الجزيئات. وفي هذه الحالة، قد تصبح شخصًا يعتنق وجهة نظر اختزالية عن العقل، أو ربما تكون شخصًا يعتنق وجهة نظر إقصائية حول العقل. تلك مصطلحات فلسفية متخصصة، سنعرضها فيما يلي عرضًا أبسط.

يعتقد صاحب وجهة النظر الاختزالية أننا عندما نتحدث عن العقول والحالات العقلية، فإن اللغة التي نستخدمها تلتقط في الواقع حقائق حول شيء آخر؛ قد تلتقط حقائق حول الدماغ وأنشطته، وربما تلتقط حقائق حول الدماغ وتفاعلاته مع بيئته (التي تتضمن الجسد الذي يحوي الدماغ وما يحيط بهذا الجسد والأجساد الأخرى والأدمغة الأخرى). ربما تلتقط أيضًا أنواعًا أخرى من الحقائق. إذا كان الاختزاليون على حق، فيمكن، لأغراض توضيحية، الاستعاضة عن الحديث عن العقل بالحديث عن أشياء أخرى. يعني هذا أننا لا نعتقد من منظور علم الوجود بوجود العقل كفئةٍ خاصة منفصلة؛ فالعقول، من المنظور الاختزالي، ليست موجودًا أوليًّا. وبما أن الحديث عن العقل يمكن اختزاله في الحديث عن أشياء أخرى، فإن العقول لا توجد إلا كجانب من طبيعة الأشياء الأخرى.

على صعيد آخر، يرى أصحاب وجهة النظر الإقصائية أننا عندما نتحدث عن العقل نطرح نظرية زائفة في الأساس عن العالم. هم يعتقدون أنه يجب علينا الاستعاضة عن الحديث عن العقل بحديث أكثر التزامًا بالمعايير العلمية، كحديث عن تنشيط المسارات العصبية مثلًا. إذا كان الإقصائيون على حق، فإن الحديث عن العقل وخصائصه المميزة لا يشير إلى أي شيء حقيقي أكثر مما يشير الحديث عن الساحرات وخصائصهن المميزة. لا يوجد شيء بهذا العالم يتمتع بالخصائص الأساسية التي ننسبها إلى الساحرات؛ لذا لا وجود للساحرات. حسب المنظور الإقصائي، لا يوجد شيء في هذا العالم يتمتع بالخصائص الأساسية التي نعزوها إلى العقل؛ لذا فالعقل غير موجود. يؤمن الاختزاليون بوجود العقل، لكنهم لا يعتقدون أنه موجود أوليٌّ وفقًا لعلم الوجود. أما الإقصائيون فلا يعتقدون (كما يتبدَّى من كلامهم) بوجود ما يُدعى عقلًا من الأساس.

يُعرف الفلاسفة الذين يعتقدون أن العقل موجود أوليٌّ باسم الثنائيين.2 ويؤمنون بعلم وجود أوليٍّ يتكون من نوعين من الأشياء على الأقل: العقول والأجسام المادية.3 كما قد تتوقع، تنحو المسائل المتعلقة بعلم الوجود منحًى مُعقَّدًا نسبيًّا بسرعة إلى حدٍّ ما؛ فالعقول ومكانها في علم الوجود ليست سوى بعضٍ من المسائل التي تشغلنا، فهناك أيضًا الأجسام المادية (الأشجار والسُّحب والجبال، والدراجات النارية … إلخ) والأجسام الرياضية (الأرقام والمجموعات والأشكال الهندسية؛ أي الأشياء التي لا تبدو مادية أو عقلية كذلك). وعلاوةً على ذلك توجد أنواع أو فئات من الأشياء ذات وضع غير واضح أو محل خلاف من منظور علم الوجود؛ أشياء مثل العوالم المحتمَلة والمكان والزمان والآلهة وغيرها. ستجد أيضًا فلاسفة يتجادلون حول فئات ميتافيزيقية أولية. هل العموميات (الصفات العامة المشتركة) موجودة؟ (كأن تصف شيئًا مثلًا بأن «كتلته تزن جرامًا واحدًا بالضبط» أي صفات ملازمة للأشياء وحاضرة كليًّا في الشيء الذي تلازمه؛ ومن ثم توجد وجودًا كليًّا في عدة أماكن في الوقت نفسه.) هل العموميات المجردة موجودة؟ (وهي عموميات سيئة الحظ، لم تتمكن من ملازمة أي شيء في عالم الواقع.) هل علم الوجود الأوَّلي للعالم يتضمن الأشياء؟ أم يتضمن الأوضاع أو الأحداث فحسب؟ أم هل يتكون من شيء آخر تمامًا؟ (الأشياء تكون ببساطة على النحو الذي تتوقعه، الأوضاع هي الحال التي عليها الأشياء، والأحداث هي ما يقع لها. على سبيل المثال، السيارة شيء، وكون السيارة حمراء، ذلك وضعها. كون السيارة تمتص الآن جميع ترددات الضوء المرئية باستثناء الأحمر هو ما يحدث لها.)

انشغل الفلاسفة بمحاولة فهم علم الوجود الأولي للعالم. كيف تستطيع ثلاثية «المصفوفة» إنارة أذهاننا فيما يخص هذا الفرع من الفلسفة؟ إنها تقدِّم لنا ما يشبه مختبرًا لفحص مسائل علم الوجود، أو بعبارة أخرى نموذج اختبار خياليًّا يمكِّننا من بحث مسألة تحديد المفهوم الأكثر عقلانية لعلم الوجود، وطرح أسئلة عن طبيعة الواقع والعلاقة بين الفكر والواقع. سوف نشرع في تناول هذه القضية عبر تحديد ثلاثة تفسيرات مختلفة لسيناريو «المصفوفة»: التفسير الديكارتي، والتفسير الواقعي، والتفسير الأفلاطوني.

التفسير الديكارتي

ربما تظن أن نيو لديه كل الحق في الغضب من الآلات، فهي في النهاية ظلت تخدعه طيلة الوقت كي يظن أنه يعيش في مدينة آمنة ونظيفة وجميلة عام ١٩٩٩، ويعمل بوظيفة في مجال التطوير البرمجي. أما في الواقع، فهو لا يعيش في عام ١٩٩٩، والعالم الحقيقي ليس جميلًا ولا نظيفًا، وهو لا يعمل مطور برمجيات، بل يعمل بطارية. يبدو أن نيو كان يحيا في وهم. هذا هو التفسير التشككي الرئيسي لفيلم «المصفوفة» — راجع مناقشتنا للشكوكية في الفصل الثالث — لكن له نتائج مهمة فيما يتعلق بعلم الوجود. وسوف نُطلق عليه التفسير الديكارتي لسيناريو المصفوفة.

نُطلق عليه هذا الاسم نسبةً إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي عاش في القرن السابع عشر. تخيَّل ديكارت في كتابه «تأملات في الفلسفة الأولى» مأزقًا يذكِّرنا على نحو مخيف بسيناريو المصفوفة. إنه كان يبحث عن أساس مضمون على نحو مطلق لمعرفتنا بالعالم. أمن الممكن إيجاد مجموعة من المعتقدات تتجلَّى صحتها إلى حدٍّ لا يمكن معه لأي شخص عاقل وعقلاني إنكارها؟ وهل يمكننا استخدام هذه المجموعة من المعتقدات كأساس لفهمنا العلمي الأفضل للعالم؟ اعتقد ديكارت أن في وسعنا إيجاد تلك المجموعة من المعتقدات، ووضع منهجًا لإيجادها، أطلق عليه «منهج الشك»، الذي يتبع آلية العمل التالية: إذا كان من المحتمل بأي حال من الأحوال أن يكون معتقَدٌ ما خاطئًا، فلا يمكن أن يصبح أساسًا مضمونًا على نحو مطلق للمعرفة (لأنه غير مضمون كليًّا)؛ ومن ثَمَّ، علينا التحقق من معتقداتنا بانتظامٍ قدرَ استطاعتنا، ورفض أيِّ معتقَد يُحتمل خطؤه. وما دام يوجد احتمال ضئيل لخطأ معتقدٍ ما، فسوف نتخلى عنه، ونرى بعد ذلك ما إذا كان ممكنًا ممارسة الفلسفة بما تبقى لنا.

لا فائدة من التحقق من جميع معتقداتنا واحدًا تلو الآخر (فذلك سيستغرق وقتًا لا نهائيًّا). لذا استخدم ديكارت بعض الطرق المختصرة، وكان أقواها هو ما يُطلق عليه «فرضية الشيطان الشرير». فيما يلي الكيفية التي وصف بها ديكارت (التأمل الأول، ١٩٩٦) هذه الفرضية:

سوف أفترض … أن شيطانًا خبيثًا ذا بأس ومكر عظيم قد كرَّس جُلَّ طاقته من أجل خداعي. وسأفترض أن السماء والهواء والأرض، والألوان والأشكال والأصوات، وسائر الأشياء الخارجية، ليست سوى أوهامٍ وخيالات، تفتَّق عنها ذهنُه لإعاقة قدرتي على الحكم. سأعتبر أني لا أملك يدَين أو عينَين أو جسدًا أو دماء أو حواسَّ، بل أعتقد — زَيفًا — أنني أمتلك هذه الأشياء جميعًا.

تتيح لنا فرضية الشيطان الشرير استبعاد أي معتقَد يَحتمل ترسُّخه داخلَنا على يد شيطان مخادع. وهو ما ينطبق على الكثير جدًّا من المعتقدات. رغم ذلك، عند تطبيق هذه الفرضية للمرة الأولى سيظل المعتقد الذي سأعجِز عن استبعاده هو اعتقادي بأني موجود. إذا كنت أفكر في أني موجود، فأنا إذن موجود؛ فلا بد من وجود شخص ما يخوض عملية التفكير، وهذا الشخص هو أنا. أنا شيء مفكر. إذن اعتقادي بوجودي وبأني أفكر، يبقى بعد تطبيق منهج الشك (ما دمت أفكر بالطبع؛ إذا توقفت عن التفكير، سيصعُب حينئذٍ التكهن بالنتيجة). هذا هو الأساس اليقيني المطلَق لمعرفتنا بالعالم لدى ديكارت، لكنه بالطبع كان يأمُل في تحقيق ما هو أكثر بكثير من مجرد إثبات وجوده؛ ففي النهاية كان ديكارت يأمل في دحض فرضية الشيطان الشرير ذاتها، وقد ظن أن في وسعه تحقيق ذلك عبر إثبات وجود إلهٍ خيِّر غير مخادع، إله لن يتركنا حتمًا تحت رحمة الشيطان الشرير. (للاطلاع على رحلة ديكارت من «أنا أفكر إذن أنا موجود» إلى إثبات وجود الله، نوصي بقراءة متمعنة لكتاب «التأملات».)

يبدو سيناريو «المصفوفة» نسخةً محدَّثة من فرضية الشيطان الشرير التي اقترحها ديكارت؛ فكما جاء على لسان مورفيس، أحد شخصيات الفيلم، المصفوفة: «هي عالم أُسدل أمام عينيك ليعميك عن الحقيقة» (الدقيقة ٢٨، الثانية ١٧). لكن بدلًا من الشيطان الشرير، يقدم الفيلم ذاتًا شريرة وشخصية «المعماري» المبهمة في دور صنَّاع المصفوفة. وفي حين لا يقدم ديكارت تفسيرًا لكيفية تمكُّن الشيطان الشرير من غرس الأفكار الخاطئة داخلنا، يُجسِّد لنا الفيلم طريقة عمل «المعماري»؛ ألا وهي البرمجة الحاسوبية. حسب التفسير الديكارتي لسيناريو المصفوفة، لا تختلف النتيجة النهائية عن نتيجة فرضية الشيطان الشرير. المصفوفة هي عالم من الوهم يغرس معتقدات خاطئة في أذهان ضحاياه، وإذا كان التفسير الديكارتي صحيحًا، يصبح الموقف السليم الذي ينبغي اتخاذه حِيال الأشياء التي نختبرها داخل المصفوفة موقفًا إقصائيًّا. قد يعتقد الناس داخل المصفوفة أنهم يعملون في ناطحة سحاب، ويعتقدون أنهم يستطيعون رؤيتها، في حين أنها غير موجودة. في عالم الواقع لا يوجد ذلك الشيء المصنوع من الصلب والخرسانة الذي يعلو ثمانين دورًا ويُطلق عليه ناطحة سحاب. والاعتقاد بوجود شيء كهذا ليس سوى اعتقاد خاطئٍ. ينطبق هذا عمومًا على معظم معتقدات الأفراد داخل المصفوفة حول بيئتهم؛ هي معتقدات خاطئة تمامًا، وما يصفونه بأنه موجود، غير موجود ببساطة. إن حكمًا يلتزم — عن حق — بقواعد علم الوجود سوف يستبعد سائر الحديث عن ناطحات السحاب وما شابه ذلك من حديث. (الإشكالية الفلسفية لدى سكان المصفوفة بالطبع هي أن لا سبيل أمامهم للوصول إلى حكم يلتزم عن حق بقواعد علم الوجود، إلا إذا غادروا المصفوفة ورجعوا إلى صحراء الواقع.)

التفسير الواقعي

هل التفسير الديكارتي صحيح؟ يغازل صنَّاع الفيلم التفسير الديكارتي في عدة أجزاء. على سبيل المثال نجد نيو يقول (الدقيقة ٨ من الساعة الثانية): «لديَّ ذكريات عن حياتي (يقصد حياته داخل المصفوفة). لم يحدث أيٌّ منها.» رغم ذلك يعجِز الفيلم ذاته عن حسم السؤال الذي نطرحه. نحن نبحث عن تفسير فلسفي لما يُجسِّده الفيلم، وليس تفسيرًا لما قصد صنَّاع الفيلم أن يُجسِّده. لذا دعونا نتأمل تجرِبة نيو ومعتقداته عبر تسليط مزيد من الضوء الفلسفي عليها. قبل أن يتناول نيو الحبة الحمراء ويغادر المصفوفة، ما المعتقدات العادية التي كان يعتنقها واتضح خطؤها؟ قبل أن يتناول الحبة، كان يعتقد أنه واقع في مشكلة مع رئيسه في العمل. وكان لديه بالفعل مشكلة مع رئيسه في العمل؛ يواجه نيو مشكلات في المصفوفة مع رئيسه في العمل داخل المصفوفة. وهي ليست بمشكلة هينة؛ فإذا فُصل من وظيفته ولم يعد قادرًا على سدِّ رَمَقه، فلن يهم حينَها كثيرًا ما إذا كان تعرَّض للفصل من عمله داخل المصفوفة فحسب أو أنه لا يشعر إلا بالجوع داخلها؛ فالجوع داخل المصفوفة شعور جدِّي. إن مفتاح فهم التفكير داخل المصفوفة هو تأمُّل مضمون المعتقدات. ما الذي تتمركز حوله معتقدات المرء؟ كيف تكتسب المعتقدات مضمونها؟ من أين يأتي هذا المضمون؟ الإجابة الأكثر منطقية عن هذا السؤال الأخير هي أن المعتقدات تكتسب مضمونها من البيئة التي يتفاعل معها أصحاب المعتقدات. إذا قال نيو قبل تناول الحبة بحسن نية: «هذه ملعقة»، فهو يتحدث عن الملاعق التي تفاعل معها في بيئته. هو لا يحاول الإشارة إلى الملاعق خارج المصفوفة، كالأدوات البدائية التي قد تجدها في مدينة زيون.4 ملاعق زيون تختلف اختلافًا جذريًّا عن ملاعق المصفوفة. ملاعق المصفوفة هي نتاج معالجة معلوماتية أجرتها الآلات، هي مصنوعة من شفرة المصفوفة؛ ملاعق زيون مختلفة، فهي مصنوعة من المعدِن أو الخشب. لم يتفاعل نيو قطُّ قبل أن يتناول الحبة مع ملاعق زيون، لم يرَ واحدة قطُّ أو أمسكها بيده، أو تحدَّث مع أحد أمسكها بيده. (على الأقل لم يتحدث إلى أولئك الأشخاص عن الملاعق.) ملاعق زيون ليست جزءًا من بيئته؛ لذا فحديثه عن الملاعق لا يشير إليها. عندما تحدَّث نيو قبل أن يتناول الحبة عن الملاعق (ليس في معظم الوقت كما نتوقع) كان يتحدث عما يتفاعل معه، وهي في هذه الحالة ملاعق المصفوفة. وما يقوله عنها هو في الأغلب يكاد يكون صحيحًا تمامًا.5

معظم المعتقدات داخل المصفوفة يمكن تبريرها عبر هذه الاستراتيجية، التي تتضمن تفسير الأفكار والكلام داخل المصفوفة في إطار عناصر بيئة المصفوفة ذاتها. فما إن نفهم دلالات الألفاظ داخل المصفوفة فهمًا سليمًا، سرعان ما يتضح أن المعتقدات داخل المصفوفة صحيحة عمومًا؛ ومن ثَمَّ يصبح التفسير الديكارتي خاطئًا؛ عالم المصفوفة ليس وهمًا؛ أي إنه لا يجعل ساكنيه يعتقدون أنهم يرَوْن شيئًا هم لا يرَوْنه أو يجعلهم يَنسبون إلى شيءٍ ما خاصيةً ليست من خواصه. والتفكير داخل المصفوفة يكون حول أشياءَ موجودة، موجودة داخل المصفوفة، وتتمتع بوجهٍ عام بالخصائص المنسوبة لها. إذا قال نيو قبل تناول الحبة إن الملعقة مصنوعة من فولاذ لا يصدأ، فهي على الأرجح مصنوعة من فولاذ لا يصدأ؛ فولاذ المصفوفة الذي لا يصدأ (هل يوجد غيره؟!) إن المصفوفة عالم افتراضي له نظامه الزَّمكاني، وعلم وجود خاص به ينطبع على ما فيه من أشياء وخواص وأحداث وعمليات. لا ينبغي لنا اتباع وجهة النظر الإقصائية فيما يتعلق بالمعتقدات داخل المصفوفة، بل ينبغي اتباع وجهة النظر الاختزالية في التعامل معها. فلنسرد أسبابنا لذلك.

داخل المصفوفة يتحدث نيو عن ملعقة. هو يعتقد إذن بوجود الملاعق (أو بوجود ملعقة واحدة على الأقل). لكن ما هذا الشيء الذي يعتقد وجوده؟ يمكن القول مبدئيًّا، إن ملعقة المصفوفة هي نسق منظم من المعلومات المخزنة على جهاز الكومبيوتر الخاص بالآلات بجانب مجموعة من العمليات المحددة التي تُجرى على هذه المعلومة. ملاعق المصفوفة هي باختصار حزم من المعلومات. ويسري هذا على جميع الأشياء المادية داخل المصفوفة. هي أشياءُ ليست أولية وفقًا لعلم الوجود، بل توجد فحسبُ كجوانب لشيء أكثر أولية؛ ألا وهو حزم المعلومات. ينبغي لنا اتباع هذا المنهج نفسه في التعامل مع المكان داخل المصفوفة. الأشياء المادية داخل المصفوفة توجد في فضاء المصفوفة ثلاثي الأبعاد، لكن فضاء المصفوفة ليس أوليًّا من منظور علم الوجود، بل يوجد كهيكل معلوماتي، عنصر ينسِّق طريقة تفاعل حزم المعلومات مع بعضها. فضاء المصفوفة حقيقي، لكنه مجرد جانب آخر من جوانب عمل كمبيوتر الآلات.

والآن ربما ترغب في الاعتراض زاعمًا أن فضاء المصفوفة ليس «فضاءً» حقيقيًّا. والسبب في ذلك أنه لا يشغل حيزًا مكانيًّا، فهو ليس ممتدًّا؛ لذا أليس من المفترض أن نتبع وجهة النظر الإقصائية فيما يتعلق بالأشياء المفترض وجودها داخل المصفوفة؟ ردُّنا على هذا هو أنه ربما كان صحيحًا أن فضاء المصفوفة لا يشبه الفضاء العادي من نواحٍ معينة، لكنه يتمتع في الواقع ببعض من الخصائص الأساسية للفضاء دون أن يشبهه كليًّا. رغم ذلك فضاء المصفوفة لا يزال حقيقيًّا، والهيكل المعلوماتي وراءه حقيقي. والمزاعم حول الأشياء داخل المصفوفة في فضاء المصفوفة هي في الأغلب مزاعم حقيقية. لهذا السبب ينبغي لنا اتباع وجهة النظر الاختزالية لا الإقصائية فيما يتعلق بالأشياء داخل فضاء المصفوفة.

وماذا عن الأفراد؟ يبدو أنهم موجودون داخل المصفوفة. هل يمكن اختزالهم إلى معلومات، وما يتصل بها من معالجات داخل كمبيوتر الآلات؟ بالطبع الإجابة بالنفي. داخل المصفوفة، يتألَّف الأفراد من أجساد وعقول. أجسادهم تُنتجها الآلات، لكنها لا تنتج عقولهم. عقول المصفوفة تعتمد على ما يحدث داخل الدماغ الموجود في الحُجَيْرة لا الدماغ الموجودة في المصفوفة.6 لا تستطيع الآلات التحكم فيما سيختاره الناس، وفيما سيشعرون به، وفيما سيقولونه، وفي كيفية تصرُّفهم … إلخ.7 ربما كانت وجهة النظر الثنائية حول العقل والجسد هي النظرية المناسبة لتفسير حال سكان المصفوفة. إن عقول سكان المصفوفة لا توجد في النظام المكاني نفسه الذي توجد به أجسادهم؛ هي منفصلة وجوديًّا عن الأجساد. ورغم ذلك يتفاعل العقل والجسد داخل المصفوفة. أولًا يرسل الجسد إلى العقل إشارات حول البيئة التي تحيط به؛ يُطلَق على هذا إحساس جسدي، ويتضمن انتقال الإشارات من المصفوفة إلى دماغ الحُجَيْرة عبر القضيب المعدِني المدبَّب المنغرس في مؤخرة رأس جسد الحُجَيْرة. ثانيًا يُفسِّر العقل هذه الإشارات، ويستجيب لها عبر إرسال إشارات خاصة به من خلال القضيب المدبب. على سبيل المثال يتلقى العقل من الجسد إشارة مفادها «توجد ملعقة في يدي» فيرد بإشارة مفادها «حسنًا، فلتُقلِّب القهوة إذن!» ذلك وصف تقريبي للنموذج الأشهَر من الثنائية، الذي يُطلق عليه «الثنائية الديكارتية»؛ تكريمًا آخر لرينيه ديكارت، أشهر مناصريه. وفقًا للثنائية الديكارتية، يتألف الفرد من عقل وجسد. العقول منفصلة عن الأجساد، لكن العقول والأجساد يتفاعلان مع بعضهما بعضًا في كلا الاتجاهين. فتؤثِّر العقول على الأجساد، وتؤثر الأجساد على العقول. لذا، حتى في حالة خطأ التفسير الديكارتي للمصفوفة — الذي يفسر الأشياء والأحداث داخل المصفوفة على أنها أوهام — يبدو أن الثنائية الديكارتية على الأقل تنطبق على الأفراد داخل المصفوفة.8

ما أوردناه بالأعلى هو التفسير الواقعي لسيناريو المصفوفة. حسب هذا التفسير، قد تكون معتقدات المصفوفة حقيقية، وهي بالتأكيد حقيقية في معظم الوقت. ولا يمكن إنكار أن هذه المعتقدات تتبع ما يحدث داخل كمبيوتر الآلات والأدمغة المتصلة به فقط. لكن الكثير جدًّا من الأشياء يحدث هناك. المصفوفة حقيقية، وعندما يضع الناس داخل المصفوفة نظريات حول وضعهم، ويطورون رؤيةً لعلم الوجود في هذا العالم، فإن ذلك العلم ليس مخطئًا خطأً جذريًّا. بل هو رؤية دقيقة على الأقل لجزء صغير من العالم؛ عالم المصفوفة.

التفسير الأفلاطوني

يخبر مورفيس نيو أن المصفوفة عالم أُسدل أمام عينيه ليُعميه عن الحقيقة (الدقيقة ٢٨). هل هو على خطأ؟ ليس بالضبط. ربما لا تُعمي المصفوفة عينَي نيو عن الحقائق العادية، لكنها تُعميه عن حقائقَ مهمة حقًّا مثل وجود جسد ثانٍ له، وكون عالمه قد صُمَّم على يد معماري برمجي بهدف إخضاع البشر بينما تستغل الآلات أجسادهم الثانية كمصدر للطاقة، وكون الآلات انتصرت في حربها مع البشر، وكون البشر دمروا الغِلاف الجوي لكوكب الأرض بهدف منع الآلات من الوصول إلى الطاقة الشمسية، وغير ذلك من حقائق. عندما كان نيو عالقًا داخل المصفوفة، لم يفهم الطبيعة الحقيقية للأشياء. لكنه على مدار الفيلم يتحرر من المصفوفة، ويتأتَّى له استيعاب مجموعة من الحقائق المعقدة.

هذه المجموعة من الأفكار لها أصل قديم جدًّا في الفلسفة؛ فقد روى أفلاطون جزءًا كبيرًا من هذه القصة ذاتها في كتابه «الجمهورية». تخيَّل أفلاطون كهفًا يحوي مجموعة من المساجين المقيدين والمجبورين على النظر إلى الحائط. (رءوسهم مثبتة بحيث لا يقدرون على رؤية شيء إلا الحائط.) خلف المساجين تشتعل نار ساطعة، وأمام هذه النار يروح ويجيء مجموعة من الحراس، يخفيهم عن عين المساجين خندق. يرفع الحراس أشياءَ من فوق الخندق، وتُلقي تلك الأشياء ظلالًا على الحائط. لا يشاهد المساجين دائمًا وأبدًا إلا تلك الظلال على الحائط. أما الأشياء الحقيقية فهي خلفهم، مخفية للأبد عنهم. (لاحظْ ها هنا أن أفلاطون اخترع السينما أيضًا في رؤيته تلك.) وبما أن المساجين لم يختبروا تلك الأشياء بأنفسهم بل رأَوا ظلالها فحسبُ، فإنهم يعتقدون خطأً أن الظلال هي الواقع. بعد ذلك تخيَّل أفلاطون أن سجينًا واحدًا قد تحرر، والتفت خلفه، ورأى النار وشاهد أصل الظلال؛ ومن ثم أدرك أنه حتى هذه اللحظة كان مخطئًا تمامًا في فهم طبيعة عالمه. تحسس السجين طريقه خارج الكهف حيث ضوء النهار، واكتشف عظَمة الشمس الحارقة؛ مصدر الضوء كله؛ فيعود للكهف محاولًا إخبار رفاقه من المساجين عن مغامرته في العالم الحقيقي، لكن نظره لم يَعُد متكيفًا مع عالم الكهف وظلاله، ولم يعُد قادرًا على متابعة تراقص الظلال على الحائط؛ فيبدو كلامه هُراء مطلقًا، يدفع بقية المساجين إلى نبذه باعتباره أحمق.

ابتدع أفلاطون استعارة الكهف كي يشرح رحلة الفيلسوف من الجهل بالطبيعة الحقة للأشياء إلى معرفة الواقع المطلق. وهو واحد من أعظم المتفائلين في الفلسفة الغربية؛ فهو يعتقد أن التطبيق الفلسفي للمنطق في وسعه تحريرنا من قيود جهلنا، وإرشادنا نحو فهم عميق لما هو حقيقي حقيقةً مطلقةً. اعتقد أفلاطون أن ما هو حقيقي على نحو مطلق يُدعى «أشكالًا»، وهي أجسام مثالية لا تتغير، وتُمثل النماذج الأصلية للأجسام العادية. الأجسام العادية ناقصة، ودائمًا في تغير، وهي لا تنفكُّ تنمو أو تتضاءل أو تتلاشى. هي نسخ أدنى مرتبةً لما هو حقيقي. أما عالم التجارِب العادية فهو لا يختلف كثيرًا عن عالم الظلال على حائط الكهف. لا ينكر أفلاطون أن الظلال موجودة، لكنه يُبدي ملاحظة فحسبُ حولَ كونها مجرد نُسخ من شيء آخر، وأن المرء لن يفهم طبيعتها على الإطلاق حتى يدرك هذه الحقيقة. من منظور أفلاطون، فإن فهمنا المعتاد للعالم ناقص بالمثل ونحن عاجزون عن تجاوز هذا الفهم حتى ندرك أن موضوعات أفكارنا اليومية ليست سوى نسخ للأشكال.

من السهل اكتشاف التناظر بين طرح أفلاطون وسيناريو المصفوفة. داخل المصفوفة، الفرد سجين (في حُجَيْرة) يتابع ظلالًا فوق حائط (قصص افتراضية من ابتكار الكمبيوتر). نيو هو السجين المتحرر، الذي توصَّل في النهاية إلى فهم الحقائق الأكثر خصوصيةً عن عالم الآلات. بالطبع يوجد بعض الاختلافات. على العكس من عالم الأشكال الأفلاطوني، عالم الآلات ليس مثاليًّا، بل هو عالم قذر يُرثى له. يُطلق عليه مورفيس «صحراء الواقع» (الدقيقة ٤١). وعلى العكس من السجين العائد إلى الكهف في قصة أفلاطون والذي يتعثَّر هنا وهناك في الظلمة شبه التامة، يعود نيو إلى المصفوفة بقدرات خارقة، وهو على أي حال لديه مشكلات أكثر إلحاحًا من التحدث إلى مجموعة من الأفراد الغافلين عن الحياة خارج المصفوفة. على الرغم من هذه الاختلافات، يُجسِّد التفسير الأفلاطوني للمصفوفة البِنْيَة الأساسية «للثلاثية المصفوفة» تجسيدًا جيدًا للغاية. فعالم المصفوفة موجود حقًّا، لكنه مجرد نسخة للعالم الحقيقي. هذا هو التفسير الأفلاطوني للمصفوفة، وهو لا يتعارض مع الزعم الأساسي للتفسير الواقعي، بل في الحقيقة يضيف إليه. يؤكد التفسير الواقعي على وجود أشياء داخل المصفوفة، وعلى حقيقة المزاعم حولها. يكمن الفخ ها هنا في المساواة بين الوجود والواقع؛ أي الزعم بأن عالم المصفوفة واقعي مثله مثل عالم زيون؛ كلا العالمَين موجودان في النهاية، ونحن لا نصف شيئًا بأنه واقع إلا إذا كان موجودًا. التفسير الأفلاطوني يقاوم الوقوع في هذا الفخ؛ إذ يربط مفهوم الواقع بما هو أكثر من مجرد الوجود.

إحدى طرق التعبير عن النقطة الأساسية التي يطرحها التفسير الأفلاطوني هي كالتالي: العالم خارج المصفوفة «واقعي أكثر» من العالم داخلها. للواقعية درجات، وهي تختلف عن الوجود. الأشياء إما توجد أو لا توجد. على العكس من ذلك قد تكون الأشياء أكثر أو أقل واقعية. الظلال على حائط كهف أفلاطون أقل واقعية من الأجسام التي تنعكس عنها. الملعقة داخل المصفوفة أقل واقعية من الملعقة في مدينة زيون. ماذا يحدد كون أحد الأشياء أكثر واقعية من الآخر؟ في كلٍّ من كهف أفلاطون وسيناريو المصفوفة، تتعلق المسألة بالأصالة. ملعقة زيون هي شيء أكثر أصالة لأن ملعقة المصفوفة هي نسخة منها. ملعقة زيون هي الملعقة الأصلية الحقيقية، بينما ملعقة المصفوفة تقليد مزيَّف إلى حدٍّ ما. يبدو تفسير مستويات الواقعية من منظور الأصالة منطقيًّا عند تطبيقه على نظرية الأشكال التي وضعها أفلاطون، وينجح كذلك مع سيناريو المصفوفة؛ لكنه لا يثير الاهتمام كثيرًا من المنظور الفلسفي إلا إذا اعتنقتَ نظرية الأشكال أو اعتبرتَ فيلم «المصفوفة» فيلمًا وثائقيًّا.

هل يوجد سبيل أكثر إثارة للاهتمام من الناحية الفلسفية لتعريف درجات الواقعية، سبيل يُقدِّر قصة كهف أفلاطون وحُجَيْرة نيو حقَّ قدْرهما لكن لا يساوي بين الواقعية والأصالة؟ ربما يوجد سبيل كهذا. قد نحاول تعريف درجات الواقعية كالتالي:

«أ» واقعي أكثر من «ب» إذا كانت النظرية التي تفترض «أ» تطرح رؤية أدق وأكثر اكتمالًا للعالم من النظرية التي تفترض «ب».

إن منظور المصفوفة للأشياء ليس زائفًا بقدر ما هو أجوف. وعلم الوجود لدى فيلسوف المصفوفة ليس خاطئًا على نحو جذري بقدر ما هو سطحي. فعناصر علم الوجود الذي يطرحه فيلسوف المصفوفة ستكون أقل واقعية عن عناصر علم الوجود الذي يطرحه المعماري على سبيل المثال؛ ففيلسوف المصفوفة أقل اتصالًا بالواقع. هو لا يتصل بأجزاء أقل من العالم، بل هو أقل اتصالًا بالعالم كله.

الدرس الأهم الذي علينا تعلمه من التفسير الأفلاطوني لا يرجع بالضرورة إلى أفلاطون أو حتى إلى نيو. فكما لاحظنا، كان أفلاطون متفائلًا تفاؤلًا عظيمًا حيال قدرة التأمل الفلسفي على تحريرنا من كهف الجهل وكشف الحقيقة المطلقة لنا. أما «ثلاثية المصفوفة» فتجعلنا نتوقف ونعيد النظر في ذلك التفاؤل. على أي أساس يمكننا الوثوق في أن تلك الحقيقية المطلقة هي شيء في وسعنا معرفته؟ هل أفضل ما أنتجناه من علم يمنحنا صورة كاملة ودقيقة لطبيعة الأشياء، أم لا يمنح سوى صورة سطحية وناقصة لبعض جوانب العالم؟ (لقد ثبت خطأ نظريات علمية ماضية، فلماذا نعتقد أن النظريات الحالية ستُسفر عن نتائج أفضل؟ ولماذا نعتقد أن أي نظرية مستقبلية ستحقق نتائج أفضل؟) ربما كان العالم أعمق وأكثر غموضًا بكثير مما يبدو، ربما يكون الموقف الأكثر عقلانية حِيال معرفة الحقيقة المطلقة موقفًا تشككيًّا؛ فنحن لن نعرف أننا نملك هذه المعرفة حتى لو كانت لدينا.

نضيف ها هنا فكرة أخرى إلى هذه الأفكار. إن قدرتنا على ابتداع المفاهيم وصياغة النظريات وملاحظة الظواهر، نستمدها من الأداء الوظيفي لأدمغتنا، الذي تطور لأداء بعض المهام البسيطة للغاية؛ كتتبع من يمتُّون لنا بصلة، وتحديد أماكن الطعام، ومعرفة من قد نستطيع ممارسة الجنس معه، وغيرها من المهام. هل من المنطقي افتراض أن دماغًا تطورت للتعامل مع مشكلات وفرص الرئيسيات الاجتماعية تتمتع بالقدرات المناسبة لفهم طبيعة الحقيقة المطلقة؟ ماذا يدفعنا للتفكير في هذا الافتراض؟ إن كوننا عالقين داخل مصفوفة أمر مستحيل تقريبًا. فهل من المنطقي على الإطلاق افتراض أننا عالقون في مسرحية تتمحور حَبكتها في المقام الأول حولَنا؟ رغم ذلك ربما نكون بالفعل عالقين داخل شيء ما، لا نملك أدنى فكرة عن طبيعته. وطبيعتُه لا يمكننا معرفة أي شيء عنها على الإطلاق. ربما كان العالم منطقيًّا، لكنه لن يبدو منطقيًّا لنا أبدًا. لخص عالم الأحياء العظيم جيه بي إس هالدان (١٩٣٠: ٢٨٦) هذه الفكرة تلخيصًا دقيقًا حقًّا حيث قال:

لا شك لديَّ في أن واقع المستقبل سيكون أكثر إدهاشًا بمراحل من أي شيء يمكنني تخيله. لكنني أشك حاليًّا في أن الكون ليس أغرب مما نفترض فحسب، بل أغرب مما نستطيع افتراضه.

أسئلة

  • هل يهمك ما إذا كانت تجارِبك حقيقية أم لا، وإذا كنت مهتمًّا بأمر كهذا، فما السبب؟

  • هل توجد «عوالم واقعية» أخرى ربما تكون أفضل من واقعك، لأي عدد من الأسباب؟ هل يعتبر اختيار هذا البديل رغم ذلك تصرفًا غير عقلاني؟

  • قدمنا في هذا الفصل مصطلحَي «الإقصائية» و«الاختزالية». يتبنى التفسير الديكارتي وجهة النظر الإقصائية حيال الأشياء داخل المصفوفة، بينما يتبنى التفسير الواقعي وجهة النظر الاختزالية في التعامل معها. ما رأي التفسير الأفلاطوني في وجهتَي النظر هاتين؟

  • ذكرنا في هذا الفصل أن «مِفتاح فهم التفكير داخل المصفوفة هو تأمُّل مضمون المعتقدات. ما الذي تتمركز حوله معتقدات المرء؟ كيف تكتسب المعتقدات مضمونها؟ من أين يأتي هذا المضمون؟» لماذا تُعتبر هذه النقلة في غاية الأهمية؟ كيف تثبت أن المعتقدات العادية لدى مواطني المصفوفة هي معتقدات صحيحة؟ هل تثبت أنها صحيحة؟ ما الافتراضات التي يطرحها التفسير الديكارتي وتؤدي إلى الاستنتاج المعاكس؟

  • فضاء المصفوفة لا يشبه الفضاء. وأشياء المصفوفة ليست كالأشياء؛ لأنها لا تتمتع بخصائص تشبه خصائص الفضاء، ولأنها لا تتمتع بوجودٍ منفصل. عندما يفكر مواطنو المصفوفة في حمل شيء ما، ملعقة مثلًا، فهم يستنتجون خطأً أنه شيء. هم يعتقدون أنه يوجد في فضاء (في حين أنه لا يوجد). يعتقدون أنه يتمتع بخصائص مكانية (لا يتمتع بها). هم يعتقدون أن له وزنًا (ليس له وزن، إنه مجرد هيكل معلوماتي، يوجد في أجزاء متنوعة من الكمبيوتر في أوقات مختلفة؛ إنه ليس حزمة منفصلة من شرائح السيليكون على سبيل المثال؛ ولذلك لا وزن له). إلى أي مدًى تبدو هذه الحجة منطقية؟ ربما يكون التفسير الديكارتي للمصفوفة صحيحًا رغم كل شيء؟

  • في هذا الفصل قارنَّا بين طريقتين للزعم القائل بأن للواقعية درجات، فتوجد الواقعية الناتجة عن الأصالة، والواقعية المعتمدة على النظرية (حيث يُعتبر الشيء أكثر واقعية من شيء آخر إذا كانت النظرية التي تقترحه أدق وأكثر اكتمالًا من النظرية التي تقترح الشيء الآخر؛ ومن ثَم الكأس أقل واقعية من الإلكترون). هل يُجسِّد أيٌّ من هاتين الرؤيتين صورةً مقبولة بديهيًّا للكيفية التي يصبح بها شيء ما أكثر واقعية من شيء آخر؟ هل للواقعية درجات؟ أم هل الواقعية لا تختلف في شيء عن الوجود؟

  • مع نهاية الفصل، ألمحنا إلى حُجة تشككية حول الحقيقة النهائية. ما مدى معقولية هذه الحُجة؟ (تزعم الحُجة باختصار أنه من غير المحتمل على الإطلاق (بل يصل بالتأكيد إلى حد الإعجاز) أن تملك قدراتنا الإدراكية المحدودة التي تطورت عَرَضًا القدرة على استيعاب طبيعة الحقيقة المطلقة.)

  • نحن لا نختبر الأشياء ولا ندركها إلا عبر أنظمتنا المعرفية والإدراكية الحسية. لا يمكننا قطُّ رؤية الأشياء أو فهمها كما هي «في حد ذاتها»؛ لذا فالحقيقة المطلقة أمر من المستحيل معرفته أو التفكير فيه على نحوٍ غير مشوَّه تمامًا. ما صلة هذه الحُجة بالحُجة التشككية حول الحقيقة المطلقة التي قدمناها في هذا الفصل؟ أهي حُجة منطقية؟

هوامش

(1) The Matrix (1999), written and directed by the Wachowski brothers. It is the first of a trilogy, including The Matrix Reloaded (2003) and The Matrix Revolutions (2003).
(2) Dualism is the most common way of incorporating into one’s philosophy the claim that minds and their properties are fundamental constituents of reality. There are other ways. Panpsychism is the view that all of reality has mental attributes. (For example, the seventeenth-century Dutch philosopher Baruch Spinoza held that everything in the world can be understood as both mental and physical at the same time. See Spinoza (1994).) Idealism is the view that all of reality is mental. (For example, the eighteenth-century Irish philosopher George Berkeley held that material objects are nothing more than collections of ideas. See Berkeley (1993).) We will concentrate on dualism for the purposes of our study of ontology.
(3) There are two main kinds of dualists: substance dualists and property dualists. The substance dualist believes in two kinds of things: material things and mental things. Accordingly, they tend to believe that a person is made up of two fundamentally different kinds of substance (body and mind or body and soul). On the other hand, property dualists deny that a person is composed of two different substances. A person is not an amalgam of two different things. A person is a single entity with two kinds of property—physical properties and mental properties—neither of which can be reduced to the other, or eliminated from our theory of persons.
(4) Zion is the city settled by those liberated from the matrix or born outside of it. The fate of Zion looms large in the second and third parts of the Matrix Trilogy.
(5) When later on in the first Matrix film a spoon-bending kid advises Neo that to bend the spoon he must first realize that there is no spoon (1:12), the kid gets it wrong. How does Neo (and the spoon-bending kid) get to alter matrix-code from within the matrix? We don’t know. As the trilogy of Matrix films proceeds, Neo comes to resemble a cross between superman and Jesus, and his miraculous powers extend further and further. By the end of the trilogy he is able to stop machines in their tracks just by thinking at them and holding up a hand. Of course, films are not required to be particularly sensible; especially when their basic premise has the world run by evil machines. Audiences tend to readily suspend disbelief and ignore peripheral inconsistencies and confusions provided that narrative logic is maintained in a convincing way.
(6) Perhaps not much at all is going on inside matrix-brains. It depends upon how fully the machines have sought to copy the physical world. They could probably have gotten away without introducing code for many brain processes, at least until matrix-people invent accurate brain-imaging techniques. But even if matrix-brains are deeply structured to resemble pod-brains, and matrix-brain processes resemble pod-brain processes, it wouldn’t follow that they cause matrix-thoughts. In the matrix scenario, matrix-brains would be epiphenomenal to the thoughts of matrix-people. This means that they are caused by these thoughts, but don’t cause anything themselves. They are pure side-effect.
(7) Agent Smith knows how to inhabit matrix-bodies and control them. Eventually he learns how to replicate himself, replacing matrix-people with replications of himself. But, even here, Agent Smith is not controlling minds, he is destroying matrix-people, or at least making them inoperative. (Over the course of the trilogy, Agent Smith transforms into a computer virus that threatens the integrity of the matrix system. Ironically, having fought the system through two films, Neo becomes the savior of it in the third film, Matrix Revolution, by ridding the system of its infection. Neo is the ultimate anti-viral software.)
(8) Perhaps it’s not quite this simple. Matrix-minds and matrix-bodies are different things, but how different are they? That depends on your theory of the mind. Were you a materialist about the mind, you might think that the brain is a special kind of computer and the mind is just the software of this computer. This is a form of materialism called “computationalism.” According to computationalism, human minds consist of information-processing taking place in a brain acting as computer. As we know, matrix-bodies are computer processes too, albeit ones occurring in a massive machine-built computer rather than in brains. So if you believe in computationalism, you should also think that matrix-bodies and minds are the same kind of thing. (Nonetheless, given Neo’s spoon-bending, machine-stopping superpowers, the Matrix Trilogy doesn’t seem to encourage a strictly computationalist interpretation of the mind’s powers.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠