الفصل التاسع

مشهد الرعب: «ألعاب مسلية»

مقدمة

يدفع الناس في بعض الأحيان أموالًا لا بأس بها من أجل الجلوس في قاعة سينما مظلمة (أو في حجرتهم مع إطفاء الأنوار) كي يعيشوا تجرِبة مرعبة ومخيفة بمشاهدة مجازر وحشية تُجمِّد الدماء في عروقهم. ما الذي يدفع أي شخص للقيام بذلك؟ لماذا يشاهد الناس أفلام الرعب؟ ما الفائدة التي سيجنونها من مشاهدة تلك الأفلام؟ مثل أنواع سينمائية أخرى فإن حدود نوع الرعب غائمة المعالم، وقواعده وأعرافه دائمة التغير. رغم ذلك، ينقسم هذا النوع السينمائي إلى فئتين: الرعب الخارق للطبيعة والرعب الواقعي.1 يتضمن الرعب الخارق مخلوقات تخرج عن التصنيفات الرئيسية أو القوانين الطبيعة؛ مثل الأشباح أو الموتى الأحياء أو الكائنات الهجينة2 (التي تجمع بين سمات الإنسان والحيوان). أما الرعب الواقعي فلا يتضمن أيًّا من الخروقات السابقة، ويركز عوضًا عن ذلك على الأهوال التي تتسبب فيها وسائل طبيعية.3 الشيء الذي يجمع أفلام الرعب في مجموعة واحدة هو تركيزها على استثارة الرعب في المقام الأول كرد فعل من المشاهدين.4 فلا تستثير أفلام الرعب استجابات الرعب من المشاهدين بطرق عرضية بل تتفنن في استثارتها.
تتنوع استجابات الرعب تنوعًا كبيرًا في طبيعتها، لكنها تشمل نوعين بارزين من المشاعر السلبية؛ ألا وهي التقزز (أو الاشمئزاز) والخوف. على سبيل المثال مشاهدة شخص يجاهد للخروج من حفرة مليئة بإبر الحقن يستدعي خوفًا مفهومًا من الجروح والألم، لكنه يستدعى كذلك نوعًا خاصًّا من الرعب يتعلق باختراق الجسد.5 يستثير هذا المشهد لدينا حالة من التقزز والاشمئزاز، ويُجمد الدماء في عروقنا على نحو يفوق عادةً ما يحدث عند مشاهدة فيلم يصور شخصًا تُكال له اللكمات. إذا كنا بالِغي الحساسية (أو لم نكن منعدمي الحساسية تمامًا) وشاهدنا مشهد الإبر بالكامل وبتركيز، فسنرغب في محو تجرِبة مشاهدة المشهد من عقولنا بأسرع ما يمكن. الرعب إذن ينطوي على طريقة خاصة جدًّا لتجرِبة مشاعر الخوف، طريقة «تُجمد الدم في عروقنا». تُصنف مشاعر الخوف والتقزز كمشاعر سلبية لأنهما في المعتاد مشاعر كريهة حقًّا، وغالبًا ما تستثير سلوك التجنب. إذن هدف أفلام الرعب هو توليد نوع خاص من رد الفعل الشعوري السلبي لمشهد سمعي بصري.
لماذا تعتبر أفلام الرعب نوعًا سينمائيًّا ناجحًا ومُعمرًا إلى هذا الحد؟ قد تكون الإجابة الجلية التالية عن هذا السؤال هي الأفضل، وهي الإجابة التي سنتبناها على مدار المناقشة اللاحقة: يشاهد الناس أفلام الرعب (بأعداد كبيرة) لأنهم يستمدون قدرًا كبيرًا من المتعة منها. إذا كان ذلك صحيحًا، فما «نوع» المتعة التي يستمدونها؟ ما نوع المتعة الذي يمكن التحصُّل عليه من أمر يستثير مشاعر سلبية بقوة، وبحدة استثنائية كما رأينا؟ هذا هو اللغز الذي يُشار إليه في بعض الأحيان بالمصطلح الرنان «مفارقة الرعب».6 لكنه ليس مفارقة، ولا يوجد ما يُشكل تناقضًا أو تعارضًا جوهريًّا فيما يتعلق بفكرة استمتاع المرء أحيانًا بتجرِبة المشاعر السلبية؛ فالمشاعر السلبية ليست «بالضرورة» غير ممتعة. الأكثر دقة أن نقول إنها «عادةً» ما تكون غير ممتعة.7 ورغم ذلك لا نزال نواجه لغزًا هنا. ما الذي يجعل التقزز والخوف الذي تولِّده عادةً أفلام الرعب مصدرًا يُعتمد عليه في المتعة؟ أي نوع من المتعة؟ تلك هي أسئلتنا المحورية، وسوف ننقحها ونحن نواصل مناقشتنا. وبما أن مجال الرعب واسع جدًّا ومعقد، فسوف نحصر اهتمامنا على أفلام الرعب الواقعي. الرعب الواقعي عنيف حتمًا — لا يمكن لوم الأشباح على مطاردتها للأحياء، ومصاصو الدماء قد لا يريدون سوى إشباع جوعهم بالدم، لكن القتلة المتسلسلين يتخذون من القتل مهنة — ما يثير مسألة الموقف الأخلاقي لهذا النوع. ومع أن هذا ليس محور اهتمامنا الرئيسي في هذا الفصل إلا أننا سنفحص بإيجاز النقد الأخلاقي للرعب الواقعي.
تميل المَشاهِد التي يُهدِّد فيها البطل — والتي تلعب على احتمالية الانتهاك الجسدي أو العقلي — إلى توليد رد فعل الرعب الكلاسيكي؛ وهو الفزع. الخوف هو المكون السائد في الفزع، أو يبدو كذلك، لكن التقزز أيضًا جزءٌ لا يتجزأ منه. قارن أفلام الرعب بأفلام الإثارة، وستجد أن أفلام الإثارة تلعب على الخوف من أن حدثًا سيئًا — حتى وإن كان سيئًا إلى حدٍّ كارثي — قد يحدث. وهي غالبًا ما تصور تحقُّق تلك المخاوف، وتفعل ذلك في بعض الأحيان بطريقة تثير خوفًا حقيقيًّا لدى الجمهور. ورغم ذلك، فنادرًا ما تُعتبر أفلام الإثارة أفلام رعب؛ ويرجع ذلك إلى أن الخوف الذي تثيره أفلام الإثارة ليس هو النوع المطلوب من الخوف؛ فخوف أفلام الرعب يتجاوز مجرد الخوف من حدوث أمر في غاية السوء، إنه الخوف من أذًى بشع وصادم حقًّا، من أن تُمزَّق أوصالك بينما لا تزال واعيًا، من أن تطاردك (حتى الجنون) أشباحٌ خارقة مهدِّدة، وغير ذلك مما تصوِّره أفلام الرعب.8 عادةً ما تحقق تلك الأفلام تأثيرها عبر استثارة الفزع لا الخوف البسيط، وقد تحقق هذا التأثير بطرق أقل مباشرةً إلى حدٍّ ما.

يعتمد نوع مهم من أفلام الرعب على الرعب النفسي بدلًا من عرض صور الأذى الجسدي المنفِّر. فتجسيد القسوة الوحشية أو خطر وقوعها — وهو أسلوب يلعب على الإذلال المستمر واحتمالية الانتهاك الحاضرة دومًا — يثير أعصاب المشاهدين ومشاعر الكَرب لديهم، ويُرسل القشعريرة في أجسادهم، أو يُجمد الدم في العروق كما نقول أحيانًا. الأفلام التي تركز على توليد رد الفعل العاطفي هذا تُدعى في بعض الأحيان «أفلام القشعريرة»، والفيلم الذي نناقشه هنا ينتمي لهذا النوع، وهو «ألعاب مسلية» (فاني جيميز) للمخرج النمساوي مايكل هانيكه، وتوجد نسختان متشابهتان على نحو وثيق منه: نسخة نمساوية أُنتجت عام ١٩٩٧ (باللغة الألمانية)، ونسخة أمريكية أُنتجت عام ٢٠٠٧ (باللغة الإنجليزية). وباستثناء اللغة المستخدَمة والممثلين، فإن نسخة عام ٢٠٠٧ هي إعادة إنتاج لنسخة عام ١٩٩٧ بالمَشاهد نفسها دون تغيير؛ ومن ثَمَّ فإن ما سنقوله عن «ألعاب مسلية» يغطي النسختين، على الرغم من أن توقيتات المَشاهد التي سنتحدث عنها تشير إلى نسخة عام ٢٠٠٧. (يختلف الفيلمان اختلافًا هامشيًّا في هذا السياق.) في القسم الأخير من هذا الفصل، سوف نُجيب عن السؤال حول السبب الذي دفع هانيكه إلى إعادة إنتاج الفيلم باللغة الإنجليزية، وحول هدفه من صنع الفيلم من الأساس.

متع الرعب الفني

الرعب الفني هو رعب يُنتجه الفن مثل الأدب أو المسرح أو السينما أو الموسيقى أو الرسم وغير ذلك من الفنون المرئية. نحن بالطبع نهتم بتجرِبة الرعب الفني في السينما وتفسير جاذبيته، ونظرًا لعجزنا عن تغطية جميع الاستراتيجيات التفسيرية الممكنة في هذا المجال، أو إيفاء أي منها حقها، فإننا سنستعرض عوضًا عن ذلك ثلاث استراتيجيات تفسيرية: التفسير الفيسيولوجي، والتفسير التحليلي النفسي، والتفسير المعرفي الذي يطرحه نويل كارول. فلنتناول أولًا السمة الفيسيولوجية في استجابة الرعب. عندما تعترينا استجابة الرعب في السينما نشعر بدفقة من الأدرينالين في عروقنا. ولإفراز الأدرينالين تأثيرات فيسيولوجية معينة؛ مثل زيادة معدل ضربات القلب، وتمدد الممرات الهوائية، وإطلاق الجهاز العصبي السمبتاوي لرد فعل الكَر أو الفَر، وغير ذلك. ويحفز إفراز الأدرينالين المفرط نوبة ذعر، لكن استجابة الرعب الفني تتضمن على ما يبدو مستويات معتدلة فحسب من إفراز الأدرينالين، ويبدو أن كثيرًا من الناس يستمتعون بنتائج ذلك. وقد لا يرجع هذا إلى تأثيرات الأدرينالين في حد ذاتها، بل إلى إفراز متزامن للأندروفين، وهو نوع من الناقلات العصبية أفيونية المفعول. ربما يكون إفراز الأندروفين هو سبب استجابات المتعة المعتادة عند التعرض للرعب الفني، لكن ذلك مجرد تكهن. (نحن لا نهتم ها هنا بالتفاصيل الفيسيولوجية.) ما بوسعنا التأكد منه هو أن تجرِبة الرعب الفني تختلف عن تجرِبة الرعب الفعلي في كلٍّ من تكوينها وتأثيراتها. الرعب الفعلي غالبًا ما يكون موهِنًا للعزيمة ومفجِعًا ومحدثًا صدمات، وقد يتسبب أحيانًا في أعراض خطيرة طويلة الأمد. على العكس من ذلك، عندما ينجح الرعب الفني بوصفه مصدرًا للمتعة، فإنه لا يتضمن أيًّا من تلك التأثيرات السلبية. وإدراك المشاهدين في خلفية عقولهم أن ما يشهدونه غير حقيقي وانفصالهم عنه يغيران على ما يبدو من الاستجابة الفيسيولوجية لتجرِبة الرعب الفني، ويمنعان الاستجابات السلبية بالغة الخطورة حياله. ما يبقى على ما يبدو هو الرحلة المخيفة والصادمة التي في وسع المرء الاستمتاع بها فعليًّا.

إلى أي مدى يبدو هذا التفسير الفيسيولوجي جيدًا؟ إنه يصلح لتفسير ردود فعل الخوف. يستمد «مدمنو الأدرينالين»، كما يُطلق عليهم في بعض الأحيان، متعة جليَّة من توليد استجابة خائفة في أنفسهم. يحقق هواة القفز من المرتفعات هذه الاستجابة عبر القفز من أعلى أسطح المباني أو الجسور، ويحققه هواة القفز بالمظلات عبر القفز من الطائرات، ويحققه المتزلجون على المنحدرات الثلجية عبر محاولة تفادي المتزلجين الآخرين، إلى آخره. لا دور تقريبًا للمكون المعرفي في خبرة الباحث عن الإثارة في أي من هذه الأنشطة؛ فالقفز من المرتفعات على سبيل المثال لا يتمحور حول السقوط بطريقة معينة ممتعة، بل هو مجرد أداة أو وسيلة تُطلق دفقة الأدرينالين.9 إذا كان هذا صحيحًا، فإن السعي خلف الإثارة طريقة فقيرة معرفيًّا لتوليد استجابة الخوف. وعلى العكس من ذلك، الرعب الفني هو طريقة ثرية معرفيًّا لتوليد استجابة الخوف، وكما أشرنا في الجزء السابق، الرعب الفني يتضمن ما هو أكثر بكثير من الخوف. فنحن نذهب إلى فيلم رعب عادةً كي نشعر بالخوف دون شك، لكننا نذهب كي نشعر بالخوف بطريقة معينة. (ألعاب محاكاة القفز من الطائرة أو التزلج على المنحدرات الثلجية قد تكون مخيفة لكنها ليست مروِّعة.) إننا نذهب كي نخضع للترويع. يتضمن ذلك مزيجًا من التقزز والخوف، وكلاهما يضربان بجذورهما معرفيًّا وعاطفيًّا في تكويننا النفسي أو كبتنا النفسي. قد لا يكون الأساس الفيسيولوجي للمتعة الناتجة عن استجابات الخوف الاصطناعية غامضًا تمامًا (مع أن ذلك لا يعني أننا نملك تفسيرًا متكاملًا له)، إلا أن المتع الناتجة عن استجابة التقزز أصعب في فهمها، حال كونها موجودة من الأساس. (من المستبعَد مثلًا أن يؤدي التقزز إلى إفراز الأندروفينات.)
رغم ذلك، فنحن لم نتناول بعدُ سوى جزء يسير من هذه المسألة. فتجارِب الرعب الفني «تتضمن» مشاعر الخوف والتقزز لكنها لا «تتألف» من تلك المشاعر. (إليك مزيجًا غير مرعب من الخوف والتقزز: تخيَّل أنك على وشك السقوط من أعلى جُرف، وبينما تتشبث مستميتًا بالحافَة تنظر إلى يسارك لترى جثة طائر متعفنة. قد تشعر في هذه الحالة بالخوف والتقزز، لكنك لست في فيلم رعب.) تجارِب الرعب محددة وثرية من الناحية المعرفية. فنحن نعتبر مشهدًا ما مرعبًا أو مروعًا لأننا نفهم شيئًا خاصًّا عنه؛ نظرًا لأن محتواه يصدمنا أو يزعجنا على نحو خاص؛ فالاضطرار إلى الهرب من شاحنة تنطلق بسرعة البرق أمر مخيف، لكنه ليس مرعبًا. والاضطرار إلى الهرب من شاحنة سائقها مصمم على دهسك أمر يثير خوفًا أكبر، لكنه ليس بالضرورة مرعبًا بدرجة بالغة. أما الاضطرار إلى الهرب من شاحنة مصممة على دهسك بينما لا يقودها أحد، فذلك أمر يثير بعض الرعب على الأقل.10 إذن ما الذي يجعل بعض الأشياء تصنَّف على أنها صالحة لبث الانزعاج في الجماهير وترويعهم؟ ولماذا نستمتع أحيانًا بأن نشعر بالانزعاج بهذه الطريقة؟

التفسيرات التحليلية النفسية للرعب تربط بين الإجابات المقدمة لهذين السؤالين. حسب تلك التفسيرات نحن نستمتع بالشعور بالانزعاج لأن مشهد الرعب يعني شيئًا بالنسبة لنا، على الأقل على مستوًى غير واعٍ أو ضمني، ونحن نستجيب له وفقًا لمعناه. بعبارة أخرى، غامضة بعض الشيء ولا ترضينا بعدُ، يتفاعل معنى المشهد بشكلٍ ما مع كبتنا لرغباتنا. وهو ما يحدث عبر عدد لا حصر له من الطرق. تتعدد التفسيرات التحليلية النفسية لجاذبية الرعب وتتنوع، وهي عادةً ما تختلف من فيلم لآخر ومن مشاهِد لآخر. رغم ذلك، فالشكل الأبرز من التفسيرات التحليلية النفسية يربط متعة الشعور بالرعب بما يُطلق عليه «صعود المكبوت». وفقًا لنظرية التحليل النفسي، يكبت الأفراد رغبات (ذات طبيعة منحرفة غالبًا لكن ليس دائمًا) ويستمدون نوعًا من المتعة عندما تُشبَع الرغبات المكبوتة في الخيال. وكما في حالة العصاب الحاد، فإن الإشباع الخيالي لرغبة مكبوتة هو إشباع «تعويضي»، فهو بديل لشيء لم يحدث قطُّ، لكن المرء، على مستوًى ما وبطريقة ما، تمنى لو أنه كان قد حدث. نحن نستمتع بتحقيق رغباتنا المكبوتة أو بمشاهدة آخرين وهم يُشبعون رغباتنا المكبوتة نيابة عنا، ما دمنا قد تجنبنا عبء الإقرار بأن ذلك هو ما نفعله. يتضح هنا تحديدًا التأثيرُ الفعَّال للرعب الفني. يصف نويل كارول (١٩٩٠: ١٧٠) هذه العملية فيما يلي (وهو مجرد وصف؛ كما سنرى بعد قليل يطرح كارول تفسيره الخاص البعيد عن التحليل النفسي لجاذبية الرعب):

وفقًا للتفسيرات التحليلية النفسية التقليدية،11 فإن الكوابيس وشخصيات الكوابيس مثل مصاصي الدماء؛ أي المحتوى الرئيسي لقصص الرعب، لها جاذبية لأنها تبرز الرغبات لا سيما الرغبات الجنسية. إلا أن هذه الرغبات تكون محرمة أو مكبوتة ولا يمكن الاعتراف بوجودها صراحةً، وهنا يأتي دور الصور المروعة المقززة؛ فهي تُخفي أو تضع قناعًا فوق الرغبة التي لا يمكن الاعتراف بها؛ إنها تلعب دورًا تمويهيًّا؛ ومن ثَم لا تستطيع الرقابة الداخلية لدى الحالم لومه على هذه الصور لأنها تزعجه؛ فهو يرى أنها مخيفة ومقززة؛ ومن ثم لا يمكن اعتباره مستمتعًا بها (على الرغم من أنه يستمتع بها بالفعل، بقدر ما تُعبِّر عن رغبات نفسية جنسية عميقة، وإن كان لا يُظهر ذلك).
الفكرة هنا أن مشاعر الفزع والخوف والتقزز لدى الجمهور تسمح لهم بالانغماس في الإشباع غير المباشر للرغبات المكبوتة دون أن يُضطروا إلى الاعتراف لأنفسهم بطبيعة ما يفعلونه (فلسان حالهم هو «بالطبع لا أستمتع مطلقًا بهذا الفيلم، إنه بشع»). ولتحقيق هذا، نحتاج إلى طريقة للالتفاف على من يُطلق عليه كارول «الرقيب الداخلي». وهو تعبير بسيط إلى حدٍّ ما، يشير إلى عمليات كثيرة ومختلفة تحدث داخل الدماغ بينما يرفض الرغبات والأمنيات المحتملة ويتنصل منها؛ عمليات لا يمكن لنا الاطلاع عليها في أغلب الأحيان. (عادةً ما يُطلق على هذه العملية «الكبت»، لكننا سنلتزم بالصيغة الأكثر وضوحًا هنا.) إن عملية رفض الرغبات والأمنيات المحتملة والتنصل منها هي في الغالب عملية صحية؛ سبيل لحماية صورتنا الذاتية ورضائنا عن أنفسنا، وربما أيضًا وسيلة لتأسيس هوية أخلاقية قوية.12 لا تمثل الرغبات غير الواعية على وجه العموم رغباتنا الأعمق والأصدق (مع أنها رغبات حقيقية)، فهي ليست الرغبات الأعمق ﻟ «لذَّاتنا الحقيقية». ورفض هذه الأمنيات والتنصل منها ليس (أو ليس دومًا) طريقة نكذب بها على أنفسنا حول «ما نريده حقًّا». حسب إحدى رؤى التحليل النفسي لهويتنا كأفراد، نحن ورغباتنا اللاواعية لسنا الشيء ذاته، بل نحن ناتج معقد لعقلنا الواعي (بقيمه والتزاماته وقوة إرادته وبصيرته وتعاطفه مع الآخرين وذكائه … إلخ) إلى جانب سبل غير واعية نعجِز عن الاطلاع عليها للتعامل مع مصادر المتعة والرغبة والفعل.

يُفرط كارول نسبيًّا في تبسيط التفسيرات التحليلية النفسية للسبل التي لا بد من خلالها استمالة «الرقيب الداخلي» كي نستطيع نحن الاستمتاع بمشهد الرعب. لا بد من توفر بضعة أشياء كي نتمكن من التغلب على ميلنا للرفض التلقائي لظهور الأمنيات المنبوذة لا شعوريًّا (دون أن نلاحظ حتى أن هذا هو ما نفعله). إن إشباع الرغبات المنبوذة لا بد أن يكون مستترًا بطريقة ما. من المفيد أن يكون لدينا القدرة على القول لأنفسنا إن صور الرعب تزعجنا، وإننا لسنا مسئولين عنها، وإننا نجدها مثيرة للاشمئزاز وكريهة (وهو ما نفعله حتمًا)؛ فذلك يتيح لنا التمتع بالمشهد تحت ستار الاعتقاد بأننا لا نستمتع حقًّا بمشهد الرعب في حد ذاته على الإطلاق. (ولسان حالنا هو «أنا أستمتع بشعور الذعر القوي في تلك الأفلام لكنى لا أستمتع بالمشاهد البشعة» أو «أنا أستمتع بشعور الذعر القوي في الأفلام، لكن الأجزاء البشعة عادةً ما تكون سخيفة وغريبة إلى حدٍّ مثير للضحك» … إلخ.) من المفيد أن يكون لدينا القدرة على إخبار أنفسنا أننا نلهو فحسب، وأننا نشاهد الفيلم لا لهدف سوى تجرِبة مشاعر الذعر القوية أو لأن القصة تجتذبنا، وأن مشاهدة فيلم رعب بين الحين والآخر هو جزء طبيعي من حياتنا المعاصرة. إن الطريقة المثلى لفهم استراتيجيات تمويه إشباع الرغبات المكبوتة هي رؤية ما يحدث عند إبطال مفعولها. وسنزعم فيما يلي أن ذلك هو ما يحدث تحديدًا في «ألعاب مسلية».

ثمة زعمان يكمنان في قلب التفسيرات التحليلية النفسية للمتع الناتجة عن مشاهدة الرعب: (١) وجود الرغبات المنحرفة (وهي ليست بالضرورة رغبات الفرد بكامل أجزائه، وبالتأكيد لا يُرجح كونها كذلك) و(٢) وجود آليات للرفض والتنصل لا نعي وجودها غالبًا، لكن في وسعنا الالتفاف حولها رغم ذلك. تعرض أفلام الرعب إشباع الرغبات المنحرفة بطرق تلتفُّ حول آليات الرفض والتنصل؛ ومن ثَم تصبح — عبر تجسيد إشباع تلك الرغبات المنحرفة — مصدرًا للمتعة لدى جمهورها. هذا الإشباع غير المباشر للرغبات المكبوتة هو مصدر المتعة، شريطة أن يتم ذلك وفقًا للشروط الصحيحة. وفي نظر الكثير من الناس، وفي كثير من المناسبات، تفي أفلام الرعب بهذه الشروط؛ ومن ثَم تهتم التفسيرات التحليلية النفسية للرعب بالرغبات المنحرفة بأشكالها المتنوعة، وتتناول بعين الفحص التلصصية والفتيشية والماسوشية والسادية؛ بهدف تصنيف العوامل التي تقدم لنا المتعة في الرعب الفني، رغمًا عن أنفسنا في أغلب الأحيان. وحقيقة أننا أحيانًا نحمل ميولًا سادية (كالانتقام مثلًا) تحظى بإشباع مؤقت على الشاشة لا ينبغي أن تُفاجئنا.

إلى أي مدًى يبدو هذا المنهج واعدًا؟ زعم النقاد أن النظرية التحليلية النفسية للسينما قائمة على افتراضات نفسية غير عملية وغير منطقية وبالغة الاختزال.13 رغم ذلك، فإن الإطار الأساسي الذي وصفناه — ألا وهو وجود رغبات منحرفة وآليات رفض وتنصل غير معترف بها في الأغلب ولا يمكننا الاطلاع عليها — هو إطار تفسيري عام للغاية، ويتوافق مع قدر لا بأس به من علم النفس المعاصر (تتفرع من هذا الإطار العام نظريات أخرى ذات طبيعة تكهنية أكثر، وتعاني من مشكلة إيجاد أساس تجريبي معقول يدعمها). قد يكون الكثير من تفاصيل نظرية التحليل النفسي ذا طبيعة تكهنية للغاية ومن الصعب تبريرها على السياق التجريبي، لكن الأطروحات الأساسية التي قدمها منظِّرو التحليل من دارسي أفلام الرعب مقبولة مبدئيًّا. شيء ما في مشهد الرعب يمنح مشاهدة متعة؛ لا يرجع هذا كليًّا إلى تدفق عرَضي للأدرينالين، بل يبدو بالفعل أن له صلة بمعنى الصورة وعلاقة المُشاهِد بها، وذلك المعنى نفسه المكون الرئيسي للرغبات المنحرفة.
يشجب بعض نقاد منهج التحليل النفسي اعتماده على فكرة «الوحش الذي داخلنا». وهو ما يُعبِّر عنه تيودور (١٩٩٧: ٤٤٥) فيما يلي:

يكمن خلف التفسيرات التحليلية النفسية للرعب الفني اعتقادٌ بأن البشر «فاسدون في قلوبهم»، سواء بطبيعتهم أو نتيجة تنشئتهم، وبأن الرعب يتلاءم مع هذه السمة من الطبيعة البشرية. ويعمل هذا النوع الفني عمل القناة التي تُطلق الوحشية الكامنة داخل مستخدميها. إذا كان النموذج التفسيري قائمًا على فكرة التطهير، فتُعتبر هذه العملية حينئذٍ نافعة؛ أي بمثابة صمام أمان. وإذا كان قائمًا على الإفصاح والشرعنة، فيُنظر إلى النوع الفني في هذه الحالة على أنه يشجع المستهلكين في ممارسة سلوكهم المروع الخاص بهم. وفي كلتا الحالتين، تنبع جاذبية الرعب من مخاطبته للوحش المستتر داخل الإنسان المتحضر ظاهريًّا.

لكن التفسيرات التحليلية النفسية لا تُبرر في الواقع جاذبية الرعب من منظور «الوحش الذي بداخلنا». فنظرية التحليل النفسي لا تفترض أن البشر فاسدون حتى النخاع، ولا تحتاج إلى مثل تلك الرؤية كي تزعم أن «الرعب يخاطب الرغبات المكبوتة العميقة الجذور والواضحة من منظور التحليل النفسي» وأن هذا النوع الفني يعمل عمل قناة تختص ببعض أنواع التفريغ العاطفي. إذا كان الكبت يتناقض مع آداب السلوك فسنصبح جميعًا مُخلِّين بالآداب. لكن النظرية التحليلية النفسية تجاهد لتوضيح توافق الكبت والأنشطة العصابية الناتجة عنه إلى حدٍّ كبير مع مفهوم «الطبيعية» وآداب السلوك الأخلاقية. لا يوجد «وحش بداخلنا» لأن الرغبات المكبوتة ليست رغبات كاملة التطور لدى الفرد، بل هي مصادر للمتعة أو للإحباط داخله، لكن تلك مسألة أخرى مختلفة تمامًا.

يزعم تيودور أن التفسير التحليلي النفسي بالغ الاختزال، ويَعرِض إلى حدٍّ كبير حلًّا واحدًا لجميع المواقف. إذا كان من المفترض أن الجميع لديهم «وحش بداخلهم»، فإن التفسيرات التي تبرر حب الناس للرعب من منظور «الوحش داخلنا» تُخفق في توضيح لماذا يحب «بعض» الناس أفلام الرعب ولا يحبها غيرهم (١٩٩٧: ٤٤٥). ويشير — ومعه في ذلك حق — إلى أن عوامل أخرى لا بد من توظيفها لتفسير هذا التنويع. لكن من يفسرون جاذبية الرعب حسب نظريات التحليلية النفسية، مثل صعود الميول الماسوشية أو السادية أو المكبوتة، لا ينكرون هذا.14 ما يجعل أفرادًا بعينهم يحبون الرعب ويجعل آخرين لا يحبونه يعتمد على التطور النفسي للفرد، وهو تطور يعتمد على تنشئته وطبيعته كذلك.
ما البدائل المتوفرة لمنهج يعتمد اعتمادًا واسعًا على التحليل النفسي لتفسير الرعب؟ المنهج التفسيري البديل الأبرز يُطلق عليه «المنهج المعرفي». ويطرح كارول نموذجًا مهمًّا للتفسير المعرفي، فبينما توجه التفسيرات التحليلية النفسية انتباهنا نحو الإشباع غير المباشر للرغبات المنحرفة، يوجه كارول انتباهنا نحو الهيكل السردي لأفلام الرعب؛15 فهو يرى أن الجمهور لا يستمتع فعليًّا بمناظر الرعب، بل يستمتع بالقصة، ويتحمل تلك المناظر؛ لأنها الثمن الذي لا بد له من دفعه كي يُثار فضوله، ويُعذَّب حتى يلقى الإشباع بطريقة خاصة جدًّا. فيما يلي يعرض كارول رؤيته (١٩٩٠: ١٨٤):

تستند قصص الرعب على الكشف عن كائنات مستحيلة مجهولة ولا سبيل إلى معرفتها، كائنات غير معقولة ولا يمكن تصديقها، وغالبًا ما تتخذ شكل سرد يعتمد على الاكتشاف والأدلة؛ فالأشياء المجهولة مثل الوحوش هي بلا شك موضوعات تتطلب إثباتًا بطبيعة الحال. عندما نطبق تلك الملاحظات على مفارقة الرعب، نجدها تشير إلى أن المتعة المستمَدَّة من قصص الرعب ومنبع اهتمامنا بها يكمن، أولًا وأخيرًا، في عمليات الاكتشاف والإثبات والتأكيد التي غالبًا ما تتضمنها قصص الرعب … وقد يُرى التقزز الذي يبديه المشاهدون بوضوح جزءًا من الثمن الذي لا بد من دفعه لقاء متعة الكشف. بعبارة أخرى، التوقع السردي الذي يتبناه نوع الرعب هو أن الكائن الذي يتناول الفيلم مسألة وجوده سيتضح كونه شيئًا يتحدى التصنيفات الثقافية القائمة؛ ومن ثم يصبح التقزز ذاته — إذا جاز التعبير — أمرًا يفرضه بشكل أو بآخر نوع الفضول الذي يستخدمه سرد الرعب.

من السهل ملاحظة تأثير الفضول في أفلام الرعب الخارق. تتحدى الوحوش الخارقة التصنيفات على نحو واضح وصريح؛ فهي تتطلب تفسيرًا وهي غامضة على نحو يشبه كثيرًا ما وصفه كارول. لا نعني بهذا أن كارول قد أصاب في فهمه للرعب الخارق. إلا أن اهتمامنا في هذا الفصل يتمحور حول الرعب الواقعي. فكيف تفسر نظرية كارول المتع المستمدة من الرعب الواقعي؟ الوحشية في هذا النوع هي وحشية نفسية، والتصنيفات التي تتعرض للخرق هي تصنيفات أخلاقية.16 ووحوش الواقع ليست كائنات مستحيلة مثلها مثل المذءوبين مثلًا (بما يتمتعون به من إمكانية تبديل أشكالهم، وغير ذلك من القدرات). مع ذلك، فالوحوش الواقعية هي كائنات نتمنى لو أنها كانت مستحيلة، وننجرُّ بسهولة إلى الاعتقاد في وحشيتها وبشاعتها. إنها وحوش أخلاقية، تجسيدات للشر المتطرف، تتخذ اضطراباتها النفسية شكلًا وحشيًّا فائقًا، وهي عادةً ما تتمتع بقوة كبيرة17 تنبع في المقام الأول من وحشيتها الأخلاقية. إن كائنًا قادرًا على فعل أي شيء دون أن يَطرِف له جَفن، وعازمًا على تدمير الآخرين وانتهاكهم وإذلالاهم، هو كائن ذو قوة تنبع جزئيًّا من وحشيته الأخلاقية. بوجهٍ عام، الوحوش الواقعية تختلف عن الشخصيات الشريرة العادية في الأفلام؛ فالشخصيات الشريرة تدفع السرد قُدُمًا بما ترتكبه من شرور، أو على الأقل عبر نواياها وخططها الجائرة، ورغم ذلك لا يواجه المشاهدون صعوبة كبيرة في تفسير دوافعها وفهم وجهة نظرها. على الصعيد الآخر، الوحوش الواقعية غالبًا ما تكون غريبة حقًّا عن المشاهدين؛ قد نبحث عن دوافعها وعن وجهة نظر ثابتة متماسكة لديها يمكن لنا فهمها، لكننا نُخفق غالبًا في إيجاد أيٍّ من ذلك؛ ما يشكِّل في حد ذاته سببًا للارتياع والاضطراب.18 الوحوش الواقعية على ما يبدو (وليس فعليًّا) مزيج مستحيل مما هو بشري وما هو وحشي، وربما ينبع الافتتان بها من التوتر الذي يولِّده هذا التهجين.19
تستغل أفلام الرعب الواقعي إمكانية استخدام السرد لدى وحوش الجرائم الأخلاقية البشعة بطرق متنوعة. رغم ذلك، لا تتبع تلك الأفلام عادةً الشكل الذي يحدده كارول؛ أي السرد القائم على «الاكتشاف والإثبات والتأكيد». تُستخدم الوحوش الواقعية في المقام الأول لتقديم فرص هائلة للتهديد، ونادرًا ما يُكرس الاهتمام السردي إلى الكشف عن غموضها. والتكرار الذي نجده في سلاسل أفلام «سلاشر» (أفلام يطارد فيها قاتل مضطرب عقليًّا ضحاياه، ويقتلهم بآلات حادَّة كالسكين) مثل «يوم الجمعة الموافق ١٣» (فرايداي ذا ثرتينث) و«هالوين» و«الصرخة» (سكريم) و«أعرف ما فعلتَه الصيفَ الماضي» (آي نو وات يو ديد لاست سامر) وغيرها، يقوِّض على ما يبدو أي جاذبية سردية لديها (سواء كان ذلك التكرار بين أجزاء الفيلم أو في الفيلم الواحد، والذي غالبًا ما يعجُّ بجثث المراهقين القتلى). لم يذهب الجمهور لمشاهدة فيلم «الجمعة الموافق ١٣، الجزء الثامن: جاسون يسيطر على مانهاتن» (١٩٨٩) لأنهم يعتقدون أن القصة قد تتخذ منحًى جديدًا مثيرًا للاهتمام. (حسنًا، لم يذهب جمهور كبير على الإطلاق لمشاهدة هذا الفيلم، لكن نسخة الفيديو منه كان لها جمهور.) تزعم فرضية كارول حول الرعب أن متع مشاهدة الرعب هي في الأصل متع سردية. قد يبدو إذن أن الرعب الواقعي يُجسِّد مثالًا مناقضًا لهذه الفرضية، أو على الأقل يُقيدها. رغم ذلك لا ينبغي لنا التسرع في نبذ فرضية كارول. فربما لا تتمركز مشاهدة الرعب الواقعي حول الكشف عن غرابة الوحش الواقعي، لكن غرابة الوحش ربما كانت مصدر المتع السردية المستمدة من هذا النوع الفني. تميل أفلام الرعب الواقعية عادةً إلى التكرار، وغالبًا ما تتضمن موضوعات مكررة، لكن ربما يجيز المشاهدون ذلك، بل وقد يستمتعون به أيضًا؛ لأن الوحوش تجذبهم. بوجهٍ عام، تلك الوحوش ليست لغزًا يتطلب حلًّا، لكن وحشيتها هي سر فتنتها. تخيَّلْ نسخة من أحد أفلام سلاشر خالية تمامًا من الغموض، تُصوِّر شريرًا يقتل مجموعة من الأفراد واحدًا تلو الآخر بمنهجية، ووفقًا لدافع واضح ومفهوم؛ قد يتضمن هذا الفيلم كثيرًا من عوامل الرعب، لكننا لن نشعر يقينًا بأنه فيلم رعب، بل سنشعر بأنه فيلم تشويق.20 وهكذا تتوقف قدرة الفيلم على الاحتفاظ بالتشويق السردي — قدرته على الاحتفاظ بالمشاهدين حتى نهاية الفيلم — على عمق شخصياته، والكاريزما التي يتمتع بها الأبطال، إلى جانب ما تشتمل عليه عناصر السرد المعتادة من إبداع (مثل الخطر والخطة والعقبة والحل). تتمتع أفلام الرعب بقدرة غريبة على الاحتفاظ باهتمام المُشاهِد، سواء كان الاهتمام السردي أو نوعًا آخر من الاهتمام، في غيبة أيٍّ من تلك العناصر في الأساس. (وهي كثيرًا ما تقدم أبطالًا لا يتمتعون بكاريزما وشخصيات مبتذلة وحبكات عقيمة.) واللغز ها هنا بالطبع يتعلق بكيفية تحقيقها ذلك.21 أحد الحلول المحتملة لهذا اللغز، بجانب ما يطرحه كارول، هو أن الوحوش تفتننا، وذلك يكفي للحفاظ على الاهتمام السردي وإعطائنا سببًا لاحتمال المشاعر السلبية التي تبرز تلقائيًّا مع عرض صور الوحشية.
والآن أصبح لدينا تفسيران محتملان لما تتمتع به أفلام الرعب من جاذبية غامضة (إذا نحَّينا التفسير الفيسيولوجي جانبًا).22 أولًا: لدينا التفسيرات التحليلية النفسية التي تزعم أن متع مشاهدة أفلام الرعب تنبع من تجسيد الرغبات المنحرفة بينما يجري إشباعها. ونحن نستمد المتعة من عناصر الرعب في أفلام الرعب نظرًا لتفاعل المَشاهد المرعبة على الشاشة مع كبتنا لرغباتنا. نحن لا ننتشي كالمختلِّين عقليًّا عند مشاهدة تلك الشرور المجسدة، بل نجد أنفسنا في وضع المستمتع بمنظر إشباع الرغبات المنحرفة. ثانيًا: لدينا التفسير المعرفي الذي يطرحه كارول، والذي يدفع بأن المتع المستمدة من مشاهدة أفلام الرعب هي في المقام الأول متع سردية. وهي متع معرفية في الأساس؛ فنحن ننجذب إلى القصص لأنها تسْحرنا، لا لأنها تتفاعل مع رغباتنا (الخفية أحيانًا). نحن نستمتع بالقصص على الرغم من عدم منطقيتها عمومًا، وعلى الرغم من التقزز الذي تثيره في نفوسنا؛ لأنها تتمحور حول مخلوق صُمم ببراعة كي يثير انتباهًا ينبع من فضول، ويحافظ عليه. نحن نستمتع بقصص الوحوش بسبب غموضها، والوحوش الواقعية غامضة من زاوية في غاية الأهمية في أعيننا؛ وهي وحشيتها وبشاعتها من المنظور الأخلاقي. إن غرابتها تُشعرنا بالاضطراب لكنها تسحرنا على حدٍّ سواء.
أيٌّ من هذين التفسيرين هو التفسير الأفضل لمشاهدة الرعب الواقعي؟ بما أنه من الصعب إنكار وجود متع سردية في أفلام الرعب، فهي أفلام روائية في النهاية، يميل الجدل حول هذه القضية إلى التركيز حول مسألة ما إذا كانت توجد حاجة على الإطلاق إلى التفسير التحليلي النفسي. لا حاجة بمُنظري التحليل النفسي إلى إنكار احتمالية كونِ مُتع المشاهدة هي بقدْرٍ ما متع سردية موجهة معرفيًّا، بل هم ينكرون ببساطةٍ كون هذه الاستراتيجية التفسيرية كافية: عندما تُستنزف المتع السردية، يظل شيء ما يجذبنا على نحو منحرف نحو تجرِبة الرعب، وذلك أمر يطرح التحليلُ النفسيُّ التفسيرَ الأفضلَ له. على صعيد آخر، يرغب المنظِّرون المعرفيون في استبعاد التفسير التحليلي النفسي كليًّا.23 سوف نستخدم فيلم «ألعاب مسلية» لمحاولة تحديد مدى معقولية هذا الزعم المعرفي الرافض للتفسيرات التحليلية النفسية.

«ألعاب مسلية» جدًّا

أول ما يجدر الإشارة إليه فيما يتعلق ﺑ «ألعاب مسلية» هو كونه فيلمًا لا يتضمن الكثير من التسلية. ومن واقع خبرتنا، نادرًا ما يستمتع المشاهدون بالفيلم، قد يجدونه مشوقًا، لكنهم عادةً ما يرَوْنه غير ممتع على الإطلاق. بل إن البعض قد يغادر قاعة العرض قبل انتهائه. وكان الكثيرون سيحذون حذوهم لولا رغبتهم في الظهور بمظهر من يهتم بالفيلم اهتمامًا جدِّيًّا. إنه فيلم رعب واقعي تعمَّد مُخرجه تجريده بدقة من جميع المتع التقليدية التي تميز مشاهدة الرعب الفني؛ ما يجعله دراسة حالة مشوقة لتطبيق النظريات المتنافسة حول متع مشاهدة الرعب الفني.

يروي الفيلم قصة اقتحام منزل عائلة ثرية (تتكون من أم وأب وابنهما) وقتلها بينما تقضي إجازة نهاية الأسبوع في بيتها الريفي. لا يحاول الفيلم إثارة استجابة الخوف لدى الجمهور إلا في حالات قليلة نسبيًّا. (وباستثناء فاصل قصير عندما يهرب الابن الصبي إلى بيت الجيران، لا يتضمن الفيلم أي مشاهد لشخصيات تختبئ داخل الدواليب أو تنسلُّ بحذر عبر أروقة مظلمة.) رغم ذلك يحافظ بنجاح على مشاعر التوتر لدى مشاهديه عبر عوامل عدة، من بينها سلوك غريب من زائرين يبدون على قدر التهذيب، ولا تنفك تتزايد غرابة ذلك السلوك حتى ينفجر سلوكهم العنيف؛ ألعاب تعذيب لا تُطاق، تؤدَّى أمام كاميرا تعرض تفاصليها بقسوة لا ترحم؛ فرص الهرب تظهر وتتبدد بينما تؤجل جرائم القتل الموعودة على نحو لا يُطاق. يستثير الفيلم باستمرارٍ استجابة الرعب، لكنه لا يحقق ذلك عبر أيِّ تجسيد وحشي لمذابح دموية، بل تنبع استجابة الرعب من الفزع الناتج عن البلطجة والترهيب والإذلال، عن تهديدات القتل التي يعبر عنها ببساطة ومرح، وعن جرائم القتل نفسها التي نسمعها ولا نراها. ربما كانت الصورة الأكثر ترويعًا في الفيلم هي التي تُجسِّد لعبة القطة في الحقيبة، حيث نرى رأس الصبي جورج مغطًّى بكيس الوسادة (الدقيقة ٤٤). (ذلك كل ما في الأمر، لكنه كافٍ ويبرز دقة صورة الرعب في أعمال هانيكه.) على مدار الفيلم نشاهد، في ذعرٍ لا ينفكُّ يتزايد، أفرادَ العائلة بينما يتعرضون للترهيب والإذلال والتعذيب في إطار «الألعاب المسلية»، ثم يُذبحون.

يُقتل الصبي أولًا، بعيدًا عن الكاميرا، ونشهد نحن صدمة والديه بتفصيل موجِع، يُجسِّدها الفيلم تجسيدًا مكثفًا لا يكاد يُحتمل، بينما يعرض جهاز التليفزيون شيئًا في خلفية المشهد. إنه يعرض سباق سيارات بضوضائه المتواصلة وتعليقه الممل (الدقائق من ٣ حتى ١٢ من الساعة الثانية). يُجسِّد المشهد كله الأم (آنا، آن) بينما تجلس مصدومة مقيدة اليدين والقدمين. لقد غادر القتلة (مؤقتًا)، تجلس آن في سكون تام، ثم تتمكن من الوقوف والقفز بصعوبة حتى تصل إلى التليفزيون وتغلقه، ثم تجاهد حتى تخرج من الغرفة، وتعود بعدما تخلصت من قيودها، وتساعد الأب على النهوض ثم مغادرة الغرفة. يستمر المشهد نحو تسع دقائق، وهي مدة طويلة إلى حدٍّ استثنائي بالنظر إلى الفعل الذي يصوره. وقد صُور بكاميرا ثابتة، وتظهر الغرفة في لقطة متوسطة، ولا يتضمن أي مونتاج، تدور الكاميرا قليلًا مرة واحدة فحسب، فيما عدا ذلك تظل ثابتة لا تتزحزح.

القاتلان الشابان، وهما وحشان واقعيان من الطراز الأول، مخلوقان يثيران الاهتمام؛ فهما مهذبان، يجيدان التحدث، وعادةً ما يتحدثان بهدوء. أحدهما يُدعى بول، وهو وسيم وفائق الذكاء، بينما يتظاهر الآخر — المدعو بيتر — بالغباء. إنهما مزيج يصعب وجوده من الشباب حَسني التربية والبلطجية والجلادين الساديين والقتلة الساعين وراء الإثارة. في مشهد محوري (الدقائق من ٣٧ حتى ٣٩ من الساعة الأولى)، يسخر بول من فكرة وجود أي تفسير لسلوكهما المضطرب نفسيًّا. ويذكر عابثًا مجموعة متنوعة من التفسيرات الملفقة؛ مثل عيش طفولة معذبة بسبب طلاق الأبوين، أو الترعرع في منزل فاسد، أو إدمان المخدرات. القاتلان هما كما يبدو: قاسيان على نحو يَتعذَّر تفسيرُه، يستمتعان بما يمارسانِه من ترهيب، وبالألعاب التي يمارسانِها، دون أدنى تردد. إنهما يستمتعان على ما يبدو بالترهيب أكثر من استمتاعهما بالقتل؛ إذ يرتكبان جريمة القتل الأخيرة (الدقيقة ٤٠ من الساعة الثانية) على نحو روتيني للغاية دون اكتراث تقريبًا.

وفي مقابل الألعاب المسلية التي يمارسها القاتلان يلعب المخرج، مايكل هانيكه، بدوره ألعابًا مع المشاهدين. ثمة نوعان من الألعاب؛ هما التلاعب المثير للأعصاب بالتوقعات المرتبطة بهذا النوع السينمائي، إلى جانب إشعار المشاهدين بالتواطؤ مع الأحداث. فلنتأمل الأساليب التي يوظفها الفيلم لتحدي التوقعات المرتبطة بنوع الرعب السينمائي؛ أولًا: الأحداث التوضيحية المحورية لا تصورها الكاميرا، أو تصورها على نحو روتيني. فجرائم القتل كلها — باستثناء الأخيرة — تحدث خارج الكادر، والجريمة الأخيرة، إغراق آنا في الخليج، تُؤدَّى على نحو يجردها تمامًا من أي أهمية، فهي ليست سوى نهاية اللعبة، لا الهدف منها (الدقيقة ٤٠ من الساعة الثانية). ثانيًا: لا يوجد ناجون في الفيلم، فلا ينجو في نهايته فتاة أو رجل أو امرأة أو صبي. (في عام ١٩٩٧ جسدت هذه التقنية تحدِّيًا لقواعد هذا النوع السينمائي أكثر مما أصبحت عليه بعد عشر سنوات.) ثالثًا: صورت الأحداث بأسلوب متقشف وصارم، «الأسلوب الفني الأوروبي»، لا يمت بصلة لأسلوب الرعب المعتاد. يتضمن هذا الأسلوب عندما يستخدمه هانيكه غيابًا تامًّا للموسيقى التصويرية (باستثناء الدوِيِّ الصاخب لأغنية جون زورن «الأحمق والمدمر» المصاحبة لتترات بداية الفيلم ونهايته). هذا بالإضافة إلى توظيفٍ للَّقطات الطويلة جدًّا، معظمها لقطات متوسطة، وتقليل المونتاج إلى الحد الأدنى مع تحرك محدود جدًّا للكاميرا. توظف معظم أفلام الرعب آليات أكثر تعقيدًا بكثير من المونتاج وحركة الكاميرا، تميل تأثيراتها إلى إغواء الجمهور نحو الاستسلام لتجرِبة مشاهدة مريحة. لكن الأسلوب المتقشف الذي يفضِّله هانيكه يميل إلى توليد مشاهدة أكثر قابلية للتأمل عبر منح المشاهدين فيضًا من الفرص داخل المَشاهد لملاحظة رد فعلهم على الأحداث وتأمله؛ ومن ثَمَّ لا ينسى المتفرج نفسه بينما يشاهد فيلمًا صُور بهذا الأسلوب، وذلك — إلى حدٍّ كبير — جزء من استراتيجية هانيكه الفنية.

تتجلى استراتيجية هانيكه في المشهد الذُّرْوي بالقرب من نهاية الفيلم، والذي يُجسِّد أسلوبًا رابعًا يستخدمه لنبذ الأعراف السائدة فيما يتعلق بالرعب. فيتخلى الفيلم عن نهجه الواقعي كليًّا في هذا المشهد. في الدقيقة ٣٥ من الساعة الثانية تتمكن آنا من الاستحواذ على بندقية الرش وإطلاق النار على بيتر، ونرى جسده يطير إلى الخلف مُصطدمًا بالحائط، ويسقط غارقًا في دمائه. يندفع بول إثر ذلك في ذعر بحثًا عن جهاز التحكم في التليفزيون عن بُعد، ويضغط على زر الإرجاع، فنرى أحداث الفيلم ذاته ترجع إلى الخلف أمام أعيننا حتى تتوقف عند مشهد يسبق إطلاق النار مباشرةً، وعند تلك اللحظة يضغط بول على زر التشغيل وتُستأنف الأحداث. وعندما تحاول آنا انتزاع البندقية تُجهَض محاولتها بسهولة (فبول يعرف ما سيحدث). ما مغزى هذا المشهد؟ يحاول هانيكه إثارة سخط مشاهدي الفيلم (في حال تبقى أحد منهم) عبر الإثبات بطرق لا تقبل الشك أن الأحداث — بما تتضمنه من ألعاب سادية وإذلال وقتل — قد أُعدت سينمائيًّا من أجل ما تبعث عليه من متعة وتسلية.

الهدف هنا هو تفتيح أعين المشاهدين على حقيقة أنهم يشاهدون عرضًا شائهًا مقززًا للعنف لا لغرض سوى التسلية، وأنهم متواطئون فيما يُعرض على الشاشة من عنف لأنه قد صُور لأجلهم. إن الفيلم هو اتهام موجه للجمهور (سوف نتناول هذه الفكرة الرئيسية في الجزء التالي). ويشدد الفيلم على تواطئنا كجمهور من خلال النوع الآخر من الألعاب التي يمارسها هانيكه معنا؛ إذ يخرق قالب الدراما الواقعية عبر جعل بول يخاطب الكاميرا في أجزاء متعددة. في الدقيقة ٢٩ يوجه بول آنا نحو اكتشاف جثة كلب العائلة، رولفي، الذي قتله بيتر. يلعب بيتر مع آنا لعبة الأطفال «العثور على الغرض المخبأ»، وفي اللحظة التي تصبح فيها «على وشك إيجاده» يلتفت بول ناحية الكاميرا ويغمز بعينيه. في البداية يساورنا الشك فيما رأيناه، لكنه يبدو وكأنه يغمز لنا، إذن نحن مشاركون في اللعبة. في الدقيقة ٤٠، يخاطب بول الكاميرا مباشرة. لقد عقد لتوِّه رهنًا (من جانب واحد) مع العائلة؛ هو يراهن على أنهم سيغادرون الحياة قبل حلول الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، وعليهم المراهنة على أنهم سينجون. في هذه اللحظة يلتفت إلى الكاميرا قائلًا: «ما رأيكم؟ أتظنون أن أمامهم فرصة؟ أنتم تدعمونهم، أليس كذلك؟ على من تراهنون؟» (الدقيقة ٤٠)

وبالقرب من نهاية الفيلم، ينزع بول الكمامة من فم آنا، مخاطبًا الجمهور على نحو غير مباشر: «من الممل أن تعاني وهي بكماء، نحن نرغب في تسلية جمهورنا، أليس كذلك؟ نريد أن نُريهم ما نقدر على فعله» (الدقيقة ٢٨ من الساعة الثانية).

تخرق هذه النماذج من مخاطبة الكاميرا ما يُطلق عليه عادةً «الحائط الرابع»؛ إذ تعامل المشاهدين كما لو كانوا حاضرين داخل الأحداث، لا مختبئين في أمان داخل قاعة السينما المظلمة. وهي تدمر الراحة التلصصية للمشاهدة السينمائية عبر جعلنا واعين بما نمارسه من تلصص شَبَقي. يستخدم هانيكه هذه التقنية استخدامًا فعالًا لأنه استخدام محدود؛ إذ يقتصر استخدامها على أربعة مواقف فحسبُ، إذا احتسبنا الاستخدام غير المباشر في الدقيقة ٢٨ من الساعة الثانية. الاستخدام المفرط لهذه التقنية كان سيجعل الجمهور يفصلون بين تجرِبة مشاهدة «ألعاب مسلية» وتجرِبة مشاهدة الرعب الواقعي عمومًا. وفي تلك الحالة من المرجح أن يستقبل الجمهور الفيلم باعتباره فيلمًا فنيًّا غريبًا لا يكاد يمتُّ لتجرِبة المشاهدة السينمائية المعتادة بصِلة. من المهم ملاحظة أن فيلم هانيكه، على الرغم من كل ما يشتمل عليه من خروقات لقواعد الرعب الواقعي المتفق عليها، فإنه ينتمي بجدارة إلى نوع الرعب الواقعي بما أنه يروع جمهوره بهدف تشجيعهم على تأمُّل الرعب الواقعي كنوع فني. وهي مَهمة ينجح في تحقيقها دون شك. إنه يُعتبر درسًا لا يضاهَى في الحفاظ على توتر المشاهدين واستحضار استجابة رعب تجمد الدماء في عروقهم.

هل سينجح أيٌّ مما عرضناه من نظريات متنافسة حول متع الرعب الفني في تفسير نموذج «ألعاب مسلية»؟ سوف نطرح فيما يلي افتراضين حول الاستجابة المعتادة التي قد يبديها الجمهور حيال الفيلم. أولًا الفيلم مثير، ويحافظ على تشويقه السردي على الأقل حتى مشهد إرجاع الأحداث قرب نهايته (وهي المرحلة التي تُدمر فيها القصة عمدًا). قد يغادر الناس قاعة السينما قبل هذا المشهد، لأسباب لا ترجع على الأرجح إلى مَللهم منه. ثانيًا مشاهدة الفيلم تجرِبة كريهة حقًّا على الأقل منذ الدقيقة ٤٤ فصاعدًا (أي بدءًا من مشهد لعبة القطة في الحقيبة). وحتى من منظور هواة أفلام الرعب المخضرمين، من الصعب الشعور بأي متعة حقيقية من مشاهدة الفيلم عقب هذه المرحلة، رغمًا عن كونه مثيرًا إلى أقصى حد، بطريقته البغيضة المنفرة. إذا كان هذان الافتراضان صحيحين، فنظرية كارول السردية، بما أضفنا عليها من تطورات، تواجه مشكلة حقيقية. فها نحن نواجه فيلمًا يشتمل على جميع المكونات السردية اللازمة لصنع فيلم رعب واقعي من الطراز الأول؛ إذ يحوي وحوشًا واقعية تعكس مزيجًا مشوقًا ومحيرًا من الطبائع الإنسانية والحيوانية، وراويًا متمكنًا يقينًا من الحفاظ على تشويق الفيلم؛ أي الحاجة القوية لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك. يحقق الفيلم نجاحًا استثنائيًّا على المستوى السردي طوال مدته تقريبًا، لكنه يُخفق في توليد المتع المتوقعة من مشاهدة الرعب الفني. بل يخرِّب تلك المتع. والاستنتاج الجلي الذي نستخلصه من هذا النموذج هو أن المتع الأساسية للرعب الفني لا تكمن في الواقع في التلقي المعرفي للسرد.

ماذا فعل الفيلم إذن كي يحرم جمهوره من متع الرعب الفني؟ ربما يمدنا الإطار التحليلي النفسي بإجابة عن ذلك. تذكَّر أنه وفقًا لهذا الإطار يتطلب صعود المكبوت إلى السطح نمطًا من المشاهدة يُخفي الطبيعة الحقيقية لتجارِب الإشباع المنحرفة التي يخوضها المشاهدون؛ ومن ثَم يسمح لهم باكتساب المتعة من تلك التجارِب. لكن «ألعاب مسلية» يحرم مشاهديه من سبل التمتع بمشاهدة الرعب. ويحقق هذا عبر طريقتين أساسيتين. أولًا يجعل الفيلم المشاهدين، في عدة نقاط محورية، واعين وعيًا ذاتيًّا بما يمارسونه من مشاهدة متلصصة شبقة. ويعامل الجمهور كما لو كان جزءًا من الأحداث، ومن خلال ذلك يمحو إحساس الراحة الناتج عن نسيان المُشاهِد لنفسه في خضم سلسلة من التجسيدات المصورة التي «تحيط» به. يجبر الفيلم المشاهدين على الإحساس بأنهم متواطئون فيما يحدث لأنه يوضح لهم بما لا يدع مجالًا للشك أن تلك الأحداث قد رُتبت من أجل إمتاعهم. ثانيًا: يحرمهم من جميع المتع المرتبطة بهذا النوع الفني عبر عرض عواقب العنف عرضًا دقيقًا وقويًّا وباردًا. ويُجسِّد المشهد التالي لحادث قتل الصبي، الذي ناقشناه بالأعلى، أوضح نموذج على ذلك (الدقائق من ٣ إلى ١٢ في الساعة الثانية). أي فيلم رعب عادي كان سينتقل سريعًا إلى الأحداث التالية بعد تصوير جريمة كتلك. لكن هانيكه يجعلنا نشاهد رد فعل الأبوين المصدومين لمدة طويلة إلى حدٍّ مروع. والمشهد نفسه واقعي لدرجة لا تُطاق؛ ومن ثَمَّ، يتسبب قتل الطفل في كسر الميثاق الخفي لحالات الموت في أفلام الرعب، والذي ينص على أنها ليست أحداثًا مفجعة، بل أحداثًا في عالم خيالي، عالم يُسمح للخيالات فيه بأن تتحقق دون تدخل الواقع. يلجأ هانيكه كذلك إلى طرق أخرى لحرمان جمهوره من متع هذا النوع السينمائي. فسلبية العائلة — لا سيما الأب الكسيح، جورج، الذي كسر القتلة ساقه — تحرم الجمهور من فرصة التوحد معهم بقوة؛ ومن ثَم يصبح من الصعب عليهم الحفاظ على إحساس التوحد الماسوشي، وهو أحد أكثر مصادر المتعة التي يعوَّل عليها في مجال مشاهدة الرعب. لكن سلبية العائلة لا تعبر عن أي نوع من أنواع التواطؤ مع الاعتداء الواقع عليها؛ فأفرادها يتعرضون عراةً للتعذيب، ويُحرمون من الموارد التي تمكِّنهم من المشاركة الحقيقية في الألعاب، ما يصعب على الجمهور أن يستمتعوا بإظهار البراعة السادية لدى القتلة. فلتقارن على سبيل المثال «ألعاب مسلية» بسلسلة أفلام «الأحجية» (سو). على مدار سلسلة الأفلام تلك، نجد ضحايا التعذيب ضالعين في تعديات أخلاقية، تكون خطيرة حقًّا في بعض الأحيان، ما يجيز لنا نوعًا ما من الاستمتاع بالمشاهد السادية التي تصور عذابهم. (بالطبع قد يكون ذلك هو سر النجاح التجاري الملحوظ لأفلام «الأحجية»، على الرغم من انخفاض جودتها عمومًا.)

إذا كان تحليلنا صائبًا، فسنجد أن منهجًا يعتمد على التحليل النفسي لمتع الرعب الفني لديه ما يلزم من موارد لتفسير ظاهرة مثل «ألعاب مسلية»، وهي موارد لا يتمتع بها المنهج المعرفي. بالطبع، في وسع المنهج المعرفي تفسير جزء ما من رد فعلنا على الفيلم، ألا وهو قدرة الفيلم على جذبنا وأسر اهتمامنا. لكن إذا كانت متع الرعب الفني هي متع سردية بالكامل، فلماذا لا تؤدي جاذبية الفيلم إلى متعة؟ فرغم كل شيء، فيلم هانيكه أكثر جذبًا بكثير على المستوى المعرفي مقارنة بالسياق المعتاد لأفلام الرعب الواقعي. لماذا لم يحقق فيلم هانيكه متعة تفوق متعة عروض الرعب الواقعية المعتادة، لماذا كان أقل إمتاعًا؟ قد يجادل أتباع المنهج المعرفي زاعمين أن متع الفيلم السردية غطى عليها ببساطة العرض السادي الذي يقدمه الفيلم. وقد يصرون على أن في وسع المرء إيجاد متعة في سرد رعب واقعي، لكن تلك المتعة لا بد أن تتنافس مع الاستياء الناتج عن مشاهدة مشاهد مخيفة ومقززة. في حالة «ألعاب مسلية»، فرصة المتعة السردية في منافسة الاستياء الناتج عن عرض هانيكه القاسي بلا هوادة للممارسات السادية شبه منعدمة. لكن السادية التي يعرضها هانيكه معتدلة جدًّا مقارنة بأفلام أخرى كثيرة من نفس الجنس، مثل فيلم «نُزُل» (هوستيل) (٢٠٠٦) و«نُزُل الجزء الثاني» (هوستيل بارت تو) (٢٠٠٧). وهي أفلام تتخصص (بنجاح غالبًا) في توليد المتعة من مادة سردية أقل إثارة للاهتمام بكثير مع استحضار أقوى كثيرًا لرد فعل الرعب لدى الجمهور.

ربما يردُّ أتباع المنهج المعرفي على حُجتنا بطريقة أخرى؛ ربما يزعمون أن متع الرعب السردية تتطلب أحيانًا أن «نأذن لأنفسنا» بالاستمتاع بالسرد، وعملية منح أنفسنا الإذن تشبه كثيرًا عملية إخفاء إشباع الرغبة المنحرفة. فنحن نستطيع الاستمتاع بفيلم مثل «صمت الحُمْلان» (سايلانس أوف ذا لامز) (١٩٩١) لأن في حوزتنا قصة ملفقة نُجيب بها عن التساؤل حول السبب الذي يجعل مشاهدة ذلك العرض المقزز أمرًا مقبولًا؛ إذ سنزعم عندئذٍ أن قصة الفيلم عظيمة (رائعة ومرعبة على حدٍّ سواء) وأن شخصية هانيبال ليكتر شخصية ذات سحر لا ينتهي. إلا أن فيلم هانيكه لا يمكن الاستمتاع به بهذه الطريقة، رغم ما يتسم به من تشويق؛ لأنه يحرمنا من إعطاء «الإذن» لأنفسنا بالاستمتاع بالقصة. فهانيكه يجعلنا نشعر بالتفاهة وبالعار من مشاهدتنا؛ ومن ثم نعجِز عن استخلاص متعة سردية من فيلم تحت هذه الظروف. ربما كان هذا هو السبب. لكن نوع المتعة السردية التي يعبر عنها كارول، المتعة المستمدة من إثارة فضولنا، لا يبدو أنها متعة آثمة تتطلب تبريرًا معقدًا. إذا كنا نرى الشابَّين المتوحشَين في الفيلم مثيرَين للاهتمام، وإذا كان هذا، وسيظل دومًا، هو المصدر الوحيد للمتعة أثناء مشاهدة الفيلم، فلماذا إذن نشعر بالتفاهة والعار؟ يوجه هانيكه انتباهنا إلى ما يراه تواطؤًا منا في العنف المصور، لكن لماذا ينبغي لنا الشعور بالذنب حيال ذلك إذا كان كل ما نفعله هو اكتساب متعة معرفية من القصة؟ إن تواطؤنا، إن وُجد، ليس تواطؤًا في إنتاج العنف في حد ذاته، لكنه تواطؤ في إنتاج تجسيدات العنف. (نحن لم نُضبط متلبسين ونحن نسترق النظر عبر ثقب الباب لمشاهدة أناس حقيقيين يُعذَّبون، بل كنا نشاهد فيلمًا أُنتج عبر إنشاء ديكورات وبمشاركة ممثلين وفريق عمل وفريق لإعداد الطعام ومدرب خاص للطفل في الفيلم.) ربما ينجح النقد الأخلاقي الذي يقدمه هانيكه وربما لا؛ لكنه إذا اعتُبر نهجًا يهدف لحرمان الجمهور من المتعة السردية الخاصة، فمن المستبعَد أن يحقق نجاحًا كبيرًا. إذا كانت القصة التي يقدمها هانيكه مثيرة للاهتمام، فسوف تثير اهتمام الجمهور. كيف يصبح اعتبارنا إياها مثيرة للاهتمام أمرًا يتطلب تعطيل «رقيب داخلي»؟ إذا كان هذا هو كل ما يدفعنا لمشاهدة الفيلم، فيمكننا بسهولة الرد على نقد هانيكه الضمني له قائلين: إذا كان السيد هانيكه يريد أن يتوقف الناس عن الاهتمام بتجسيدات العنف، فعليه إذن أن يتوقف عن صنع أفلام مثيرة للاهتمام، أو التوقف عن صنع أفلام عنيفة. لكن هانيكه حقق نتيجة مهمة بلا شك. إن الشيء الذي نملك مبررًا قويًّا حقًّا لإنكاره فيما يتعلق بخوضنا تجرِبة الرعب الفني هو مدى استمتاعنا بمشهد الرعب في حد ذاته. وما قام به هانيكه من استئصال جراحي للمتع المرتبطة بهذا النوع الفني والتي تمكِّن هذا النوع من الاستمتاع من المفترض ألا يُحدِث تأثيرًا يُذكر في المتع السردية كما يفهمها كارول. لكنه أحدث تأثيرًا. إن «ألعاب مسلية» يقدم ما هو أكثر من مجرد عرض قاسٍ لا يتوانى لسلوك سادي، بل يحرم مشاهديه على نحو منهجي من سبل التمتع بمشهد الرعب.

النقد الأخلاقي الذي يطرحه هانيكه

نختتم هذا الفصل بمناقشة موجزة (بالغة الإيجاز في الواقع) حول الموقف الأخلاقي للرعب الواقعي. وهو نوع فني لطالما جذب قدرًا كبيرًا من النقد العدائي. إن هدف هانيكه من صنع «ألعاب مسلية» هو تقديم نقد أخلاقي للرعب الواقعي، وبشكل أعم لظاهرة العنف بهدف التسلية. وهو نوع من العنف يحيط بنا في كل مكان، لكنه يبلغ ذروته في أفلام الرعب الواقعي.24 يشرح هانيكه رؤيته في الفقرة التالية، متحدثًا عن المَشاهد التي يتحدث فيها بول إلى الكاميرا:
يتواصل القاتل مع المُشاهِد، ما يعني أنه يجعله شريكًا في الجريمة. ومن خلال جعل المُشاهِد شريكًا للمجرم، يمكنني في النهاية توبيخه على موقفه هذا. إنه موقف ساخر بعض الشيء، لكني أردت أن أبين كيف يصبح المرء دومًا شريكًا للقاتل إذا شاهد هذا النوع من الأفلام. لا عند مشاهدته فيلمًا يخرج عن الإطار السردي التقليدي مثل هذا الفيلم، بل عند مشاهدة الأفلام التي تعرض العنف بطرق مقبولة. نحن دومًا نتفق عن أن العنف يحدث، وعلى أنه قابل للاستهلاك، ولا ندرك أننا شركاء في هذا الوضع. ذلك هو ما رغبت في توضيحه.25
يوضح هذا الهدف السبب وراء قرار هانيكه بإعادة إنتاج الفيلم في السوق الأمريكية؛ فتلك السوق هي المنتج والمستهلك الأكبر للأفلام الرعب الواقعي في العالم، وبالطبع لأفلام العنف لأجل التسلية. يرى هانيكه أن فيلمه بمثابة تدخُّل في تلك السوق، وهو سبيل لإبراز تواطؤ المشاهدين إلى نطاق الوعي. وتلك مَهمة من المستبعد أن ينجح فيلم ألماني مترجم من عام ١٩٩٧ في تنفيذها. (ربما يفسر هذا أيضًا طريقة الدعاية الغريبة لفيلم عام ٢٠٠٧، التي قدمته كفيلم رعب وتشويق واقعي تقليدي.)26

هل نجح نقد هانيكه وفقًا للأسس التي حددها؟ ذلك أمر مشكوك فيه. يفترض هانيكه أن جمهورًا يلج دار العرض عن وعي ليتسلَّى بمشاهدة فيلم يتضمن سيلًا من جرائم القتل المصطنعة، يشارك من زاوية ما في عملية الإنتاج الثقافي للجرائم المصطنعة، فإذا غاب الجمهور تختفي تلك المحاكاة، وتختفي الآلية الثقافية التي تدعمها. لكن في الجزء الذي اقتبسناه من الحوار مع هانيكه، نجده لا يتحدث عن قاتل خيالي أو قتل مصطنع، بل يتحدث عن قاتل وما يمارسه من عنف. هو يستخدم على ما يبدو لغة مراوغة في الحديث عن العنف وعن تمثيل هذا العنف. وربما يرى أن تمثيل العنف هو في حد ذاته نوع من العنف، لكن زعمًا قويًّا كهذا يحتاج إلى حُجة تدعمه.

إذن ما الذي قد يقصده هانيكه؟ يتخذ النقد الأخلاقي للعنف الهادف للتسلية صورتين مختلفتين. الأولى تقدم نقدًا يستند على العواقب العملية لمشاهدة العنف الهادف للتسلية. ربما تنتج الثقافات التي تتبنى العنف من أجل التسلية مزيدًا من العنف عبر ما تخلقه من نماذج ومعايير سلوكية عنيفة، وعبر إضعاف رد فعل الصدمة لدى الناس حيال هذا النوع من السلوك. هذا أمر وارد. من الصعب الإتيان بدليل على هذا. النوع الثاني من النقد الأخلاقي يحتج على ثقافات العنف الهادف إلى التسلية بناءً على اعتقاد بأن تجسيد أحداث مروعة، لا لغرض سوى التسلية، يتعرض لها أفراد — وإن كانوا من وحي الخيال — هو أمر خاطئ في حد ذاته. إنه أشبه بخطاب كراهية موجَّه إلى البشرية، وهو مسئول عن نوع من التسطيح لردود أفعالنا الأخلاقية تجاه الآخرين، حتى وإن لم تزد مستويات العنف في حد ذاته.27 حسب المنظور التحليلي النفسي لجاذبية الرعب الفني، فإن كلا نوعَي النقد الأخلاقي هذا عرضة للمبالغة على الأرجح. لن تصبح تجرِبة الرعب الفني خطيرة أخلاقيًّا إلا إذا قوضت تلك العمليات النفسية الكبتية التي تتيح العلاقات المهذبة بين البشر. ووفقًا لنظرية التحليل النفسي، تلك العمليات قوية ومتماسكة؛ ما يجعل من احتمال زعزعة قيمنا الأخلاقية إثر التعرض للرعب الفني احتمالًا بعيدًا. رغم ذلك، إذا تجنبنا المبالغة في التعبير عن خطر تلك الأفلام، يوجد جانب مُقبض وغير صحي في السادية المتزايدة التي تشكل أساس الكثير من أفلام الرعب الواقعي الحديثة. الأفلام التي غالبًا ما يُستشهد بها في هذا السياق هي ما يُطلق عليه أفلام التعذيب الدموي مثل «نُزُل» (هوستيل) (٢٠٠٦) و«نُزُل الجزء الثاني» (هوستيل بارت تو) (٢٠٠٧)، وسلسلة أفلام «الأحجية» (وهي سبعة أفلام، من عام ٢٠٠٤ حتى ٢٠١٠، أحدها بتقنية المشاهدة ثلاثية الأبعاد)، و«منبوذو الشيطان» (ذا ديفيلز ريجيكتس) (٢٠٠٥)، و«وولف كريك» (٢٠٠٥)، بل وحتى «آلام المسيح» (باشون أوف ذا كرايست) (٢٠٠٤).28 يوجد احتمال آخر أيضًا؛ دافعت سينثيا فريلاند (١٩٩٥) عن (بعض) أفلام الرعب الواقعي على اعتبار أنها تحفز، عبر مبالغاتها السخيفة، اهتمامًا تأمليًّا بتأثيرات مشاهد العنف على حيواتنا الأخلاقية. يمثل فيلم «ألعاب مسلية»، بصرف النظر عن أي جوانب أخرى به، مثالًا لتلك الأفلام.

أسئلة

  • هل فيلم «ألعاب مسلية» فيلم رعب؟

  • هل الرعب مزيج من الخوف والتقزز؟ هل من الممكن أن تتألف استجابة الرعب كليًّا من الخوف؟ هل يوجد عنصر معرفي لا غنًى عنه في تجرِبة الرعب؟ (هل لا بد أن يصدق المرء شيئًا ما حول موضوعات التجرِبة التي يمر بها كي يشعر بالرعب؟ ما هو هذا الشيء؟)

  • ما السمات التي تجعل الفيلم على درجة عالية من الغرابة؟ هل من الممكن أن تكون أفلام الرعب الواقعية غريبة، أم هل يقتصر هذا على الرعب الخارق للطبيعة؟

  • في هذا الفصل، زعمنا أن المشاعر السلبية ليست كريهة بالضرورة، بل هي كريهة عادةً أو في الأحوال الطبيعية. هل هذا صحيح؟ عندما تتعرض لصدمة في دار العرض، هل تستمتع بالصدمة نفسها أم بالآثار التالية لها مباشرة؟ هل من الممكن أن تمنح المشاعر السلبية متعة من خلال تأثيراتها أو عواقبها لا من خلال ذاتها؟ ما هي تأثيراتها وعواقبها؟

  • كيف يفسر المنظِّرون من أتباع المنهج التحليلي النفسي العملية التي من خلالها نسمح لأنفسنا بتلقي المتعة من الإشباع التلصصي الشبق للرغبات المكبوتة؟ ينبذ الفرد الرغبات المكبوتة ويتنصل منها؛ كيف تُقدم تلك الرغبات في السينما في شكل لا يلقى رفضًا أو إنكارًا؟

  • لقد زعمنا في هذا الفصل أن التفسيرات التحليلية النفسية للرعب لا تفترض مسبقًا مفهوم «الوحش الذي بداخلنا». لكن أليس ذلك تحديدًا ما تفترضه؟ إذا كنا نكبت الرغبات التي نجدها مرفوضة (لمبررات قوية حقًّا)، فلماذا إذن لا نرفض أنفسنا على مستوًى أعمق؟ هل ردُّنا في هذا الفصل، فيما يتعلق بهويتنا وعلاقتها باللاوعي، كافٍ لتجريد الزعم القائل بأن التحليل النفسي يُبرز «الوحش الذي بداخلنا» من فعاليته؟

  • هل ينجذب الناس إلى قصص الرعب لا لسبب سوى افتتانهم المعرفي بالوحوش (أو فضولهم حيالها)؟ هل كارول محق في قوله إن متع مشاهدة الرعب هي بالأساس متع سردية؟ أمن الممكن حقًّا الحفاظ على اتساق هذه الرؤية على الرغم من تفاهة القصص والتكرار الذي نجده في الكثير من أفلام الرعب؟

  • أكنا على حق في زعمنا بأن فيلم «ألعاب مسلية» يستأصل جراحيًّا المتع المعتادة لمشاهدة الرعب؟ قارن فيلم «ألعاب مسلية» بغيره من أفلام الرعب الواقعي. ما سبب كون الأفلام الأخرى أكثر إمتاعًا (بالنسبة لهواه الرعب التقليديين) منه؟

  • استخدمنا فيلم «ألعاب مسلية» لنقد نظرية كارول حول متع مشاهدة الرعب. زعمنا أن الفيلم يحافظ على المتع السردية حتى النهاية تقريبًا، لكن المُشاهد لا يستمد في المعتاد متعةً سردية من الفيلم. وهو يُجسِّد قصة من المفترض أن نستمتع بها إذا كنا نستمتع بقصص الرعب الواقعي من الأساس، لكننا لا نستمتع. تقدم الرؤى التحليلية النفسية تفسيرًا أكثر إقناعًا لهذا الوضع مقارنة بتفسير كارول المعرفي. هل تصلح هذه الحجة؟ هل يوجد رد مقنع نسوقه نيابة عن كارول؟ «ألعاب مسلية» ليس سوى فيلم واحد، فلماذا نُحمِّل فيلمًا واحدًا عبء كل هذا الجدل؟

  • هل يوجد إثم أخلاقيٌّ ما يرتبط بمشاهدة أفلام الرعب؟ (لا يتعرض أحد للإيذاء أو الإذلال حقًّا في تلك الأفلام، بل هم ممثلون يؤدون أدورًا تمثيلية؛ وغالبًا ما يستمتع أفراد بصنع تلك الأفلام، ويستمتعون بجني أموال منها.)

هوامش

(1) See Freeland (1995).
(2) Human/animal hybrids can take an obvious form (as in The Fly (1958;1986)) or less obvious forms (as in The Birds (1963), in which birds come to act with human menace and intelligence).
(3) The boundary between realist and supernatural horror is fuzzy. The human killers of the Halloween and Friday the 13th franchises, for example, have a supernatural capacity to crop up again in sequels. Science fiction films, such as Alien (1979), 28 days later (2002), and Splice (2009), are neither supernatural nor straightforwardly naturalistic.
(4) Films such as Twilight (2008) are not horror films even though they chronicle the doings of supernatural “monsters” (in this case the seemingly young, good-looking, misunderstood undead) because their doings do not elicit a horror response.
(5) The reference here is to a scene in Saw (2004).
(6) See Carroll (1990).
(7) This is, in essence, Gaut’s way of dissolving the paradox of horror. See Gaut (1993).
(8) Consider a typical thriller moment: the moment of impending discovery when a protagonist hides in a wardrobe that is about to be opened. (An example is the famous scene in Blue Velvet (1986) when Jeffrey (Kyle MacLachlan) hides out in the wardrobe of Dorothy Vallens (Isabella Rossellini), spying on her.) The expectation of discovery generates a fear response, but not a horror response. It’s the wrong sort of fear to generate a horror response. It is fear of something bad happening (discovery) rather than fear of a repulsive harm. This is the basic difference between suspense and horror.
(9) Presumably, there is more that appeals about the activity of base-jumping than the adrenaline rush; but this is unlikely to be the conceptual content of what is experienced when jumping. The extra appeal of base-jumping is more likely to lie in ancillary aspects of the activity, such as planning and daring. Nevertheless, the appeal of activities that may at times be dangerous may also require further psychological explanation. The “daredevil” trait is the manifestation of a particular kind of character type.
(10) Thus Christine (1983) (in which a car has murderous intent) is a horror film whereas Duel (1971) (in which a truck driver has murderous intent) is not. Duel is scary; it just isn’t creepy.
(11) Carroll is talking specifically about Ernest Jones’ work on nightmares (Jones 1931) but he takes it to be typical of psychoanalytic explanations of horror.
(12) Famously, according to Freudian psychoanalysis, a strong mismatch between unconscious wishes and conscious identity generates discontent and neurotic behavior. And we are all discontented and neurotic to some degree or other; a perfect match between unconscious wish and conscious avowal would be neither likely nor welcome. See Freud (1989).
(13) Prince (1996); Crane (1994); Tudor (1997).
(14) Masochistic identification may be more prevalent in horror experience than sadism. Masochistic identification promises to explain the prevalence of the genre convention of “the final girl” in which audiences identify or affiliate with a particularly vulnerable character, and are vicariously threatened and menaced along with her, until she turns the tables in the last reel. See Clover (1992).
(15) Carroll’s explanation connects closely with his general account of the power of movies. See our discussion of this in chapter 2.
(16) Carroll (1995) suggests an expansion of his theory along lines like this.
(17) In realist horror of the late twentieth century, realist monsters exhibited extraordinary capacities until their confrontation with “the final girl,” who manages to undo them. In “final girl” confrontations, monstrous power deserts a realist monster and they become clumsy, slow, and dim-witted. In realist horror films of the early twenty-first century, the final girl (or indeed boy) is often absent. See, for example, Wolf Creek (2005), The Strangers (2008), and, in particular, Funny Games.
(18) Not all films of serial killers are realist horror films. For example, Monster (2003) is a drama. Not only does it largely eschew the task of generating a horror response; it explores the non-monstrosity of the central character, Aileen.
(19) Silence of the Lambs (1991) takes the hybridity between monstrousness and ordinary human attributes further than most realist horror films. Buffalo Bill is the classic realist monster, human in some ways, inaccessibly monstrous in most. Hannibal Lecter, by contrast, is a teasingly hybrid figure: a combination of the very human and the very monstrous. Lecter’s charisma rests on his non-monstrous characteristics: his “friendship” with Clarice Starling; his “understandable” search for revenge; his wit (a sign of an understandable desire to be admired); his sophisticated love of beautiful things. Lecter’s hybridity may explain the fascination he holds for audiences, and it may help to explain why Silence of the Lambs has been the most commercially successful realist horror film of recent decades.
(20) For example, the film Predator (1987) is roughly along these lines (the killer is an alien hunting for sport; for all his alien-ness, he is a familiar type to us). The IMDB (Internet Movie Database) genre classification of Predator is Action, Adventure, Sci-Fi, Thriller; but not Horror (http://www.imdb.com/title/tt0093773/). Frailty (2001) has many elements of gothic horror, but the motivations of central characters are not, given their experiences, especially mysterious; they resolutely refuse to exhibit monstrosity even if they do terrible things. Frailty is categorized on IMDB as Crime, Drama, Thriller (http://www.imdb.com/title/tt0264616/).
(21) We do not deny, of course, that horror films benefit from accomplished narrative filmmaking. We are interested in the fact that many elements of accomplished narrative filmmaking are superfluous for the genre. It can, at a pinch, get by without them.
(22) Our claim isn’t that the physiological account has no explanatory power at all. Our claim is that it has insufficient explanatory power and we are looking for the account which best explains the deficit.
(23) See Carroll (1990), Crane (1994), Prince (1996), and Tudor (1997). Carroll (1990: 168-9) claims that although psychoanalysis is necessary for interpretation in cases where psychoanalytic themes are consciously built in (a good example of this is Lars von Trier’s Antichrist (2009)), it is not essential to understanding and interpreting horror films generally.
(24) In this book we discuss 12 films at length. Every one of them features a death; nine feature violent death. In Total Recall, the body count is ludicrously high. We didn’t set out to write a book of death, but outside of comedies—romantic comedies in particular—death looms large in the cinema.
(25) Funny Games: Interview with Michael Haneke by Serge Toubiana (0:06), Madman DVD release of 1997 version.
(26) See the theatrical trailer on the Madman 2007 DVD release. It uses Grieg’s In the Hall of the Mountain King to build excitement and the expectation of release; things that an audience are simply not going to get from the film itself. (The music is absent from the film, of course.)
(27) The clearest comparison here is with critiques of violent heterosexual pornography as a form of hate speech directed at women. See Dworkin (1981), Langton (1990;1993), and West (2003).
(28) The term “torture porn” was coined by David Edlestein, film critic for New York Magazine. It was not a friendly coinage (http://nymag.com/movies/features/15622/). See http://www.urbandictionary.com/define.php?term=torture%20porn to find out what the fans think of the term.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠