الفصل الثامن

اللامعقول، ما هو؟

٥٨

تتردد في عصرنا هذا كلمة «اللامعقول» على ألسنة المتحدِّثين وأقلام الكاتبين — وخصوصًا في مجال النقد الأدبي — بحيث كثرت معانيها وتشعَّبت؛ مما يحتِّم علينا تحديد ما نريده نحن بهذه الكلمة في سياقنا هذا. فلقد كان يسيرًا علينا أن نرتحل — خلال الفصول السابقة من هذا الكتاب — في دنيا «العقل» عند أسلافنا؛ لأن كلمة «العقل» قديمة الاستعمال مألوفة المعنى بدرجة مقبولة، برغم ما يكتنفها من تشعُّب في معناها عند المذاهب الفلسفية المختلفة.

وأما ونحن نهمُّ الآن برحلة مضادة، نتعقب فيها بعض المعالم الرئيسية في دنيا «اللاعقل» من حياتهم، فينبغي أن نُطيل الوقوف عند تحديد اللاعقلي ما هو؟

وأول ما يرِد إلى الخاطر، هو أن ننظر في معنى «العقل»، فيكون معنى «اللاعقل» هو نقيضه، لكنك ما تكاد تبدأ في تعريف «العقل» مُستعينًا في ذلك بما تعلَمه من فكر فلسفي، حتى تجد المسالك أمامك قد تفرَّقت مذاهب، وعليك قبل التعريف أن تحدِّد لنفسك وقفة فلسفية عامة لتأخذ من معاني «العقل» ما يُناسِب تلك الوقفة المختارة؛ فلو كنت نصيرًا لما يُسمُّونه بالمصطلح الفلسفي «مثاليًّا» أو «عقلانيًّا»، كان معنى «العقل» عندك هو أن يُولَد الإنسان وفي فطرته مبادئ أولية، تُقام عليها بعدئذٍ كل طرائق البرهان، كأن تُولَد — مثلًا — وفي فطرتك عِلم بأن النقيضَين لا يجتمعان معًا في شيء واحد ومن جهة واحدة وفي لحظة بعينها، بحيث تُحِس بالرفض مُنبثِقًا من فطرتك نفسها إذا قيل لك — مثلًا — إن هذا الشكل الهندسي الذي تراه أمامك الآن مربَّع وليس مربَّعًا في آنٍ واحد، أو أن يقال لك إن فلانًا الآن موجود في منزله وغير موجود فيه. ومن قبيل هذه المبادئ التي يزعم المثاليون والعقلانيون أنها مجبولة في الفطرة، أن يكون الشيء الواحد ذا هوية واحدة مهما تعدَّدت ظواهره، وهكذا. وعلى أساس طائفة من هذه المبادئ الأولية الفطرية يُمكِن للإنسان «العاقل» أن يُقيم بناء «المنطق» بشتى صوره المجردة وسبله في استدلال صورة فكرية من صورة فكرية أخرى. فإذا قيل مثلًا إنه إذا كان الأمر المعيَّن إما «س» وإما «ص»، ثم ثبت أنه ليس «س»، تحتَّم منطقيًّا أن يكون «ص»، فأمثال هذه الروابط الصورية بين فكرة وفكرة يُقال عنها — بمصطلح الفلاسفة — إنها روابط «ضرورية». وهم يعنون بهذه الضرورة أنها ليست من اختيار الإنسان، ولا هي حصيلة التجربة، بحيث يكسبها بتجربته هذا الفرد من الناس، ولا يكسبها ذلك الفرد؛ إذ الأمر مرهون هنا بالفطرة الأولية، والعلاقة هنا بين فكرة وفكرة علاقةٌ «ضرورية» الصدق. انظر إلى نفسك وقد قيل لك: إنه إذا كانت «أ» تُساوي «ب». أو قيل لك إنه إذا كان «الحسن» شقيق «الحسين»، كان «الحسين» شقيق «الحسن». فماذا أنت قائل عندئذٍ إلا أن تقرِّر في دهشة المتعجِّب، بأن ذلك أمرٌ ظاهر الصدق بالبديهة. ولو كنت عندئذٍ من المشتغلين بالفلسفة لقلت: نعم؛ لأن بين المقدمة ونتيجتها في أمثال هذه الحالات علاقةَ «الضرورة»؛ بمعنى أنه يستحيل «عقلًا» أن تصدُق المقدمة ولا تصدق النتيجة معها. ومثل هذا هو ما يعنيه فيلسوف أمريكي معاصر، هو براند بلانشارد في كتابه «العقل والتحليل»، حين يحصر معنى «العقل» في أنه هو إدراكنا للروابط الضرورية بين فكرة وفكرة تلزم عنها.

وليس بعسير على القارئ أن يرى كم يضيِّق هؤلاء الناس حدود العقل، حتى لا يكاد ينصرف إلا إلى التفكير الرياضي وحده؛ لأن الرياضة هي التي تولِّد الأفكار بعضها من بعض على هذا النحو. أما إذا اهتدى الإنسان في حياته بما يقع له في خبراته، فليس ذلك عندهم «عقلًا». افرض — مثلًا — أنك أبصرت بآثار أقدام على رمال الطريق، فقلت: لا بد أن يكون إنسان قد مرَّ بقدمَيه على هذه الأرض، بدليل هذه الآثار على الرمال. اعترضك «العقلانيون» — بالمعنى الضيق الذي أسلفناه — بأن استدلالك لا يرتكز على «عقل» وإن يكن مرتكزًا على خبرة لك سابقة، لماذا؟ لأن العلاقة بين الأثر فوق الرمال وقدم الإنسان الذي تزعم أنه قد مر على الطريق، ليست هي بالعلاقة الضرورية ضرورة عقلية؛ إذ ماذا يمنع أن يكون ذلك الأثر أثرًا لقالب على هيئة القدم الإنسانية، ضغط به ضاغط على الرمال؟ فالعلاقة — إذن — بين الآثار والأقدام هي مما نرجِّحه مُهتدين بخبراتنا السابقة، لكن تلك الخبرات وإن تكرَّرت لنا ألف ألف مرة في حياتنا، فأمَّدتنا بما يُشبِه اليقين في استدلالنا السابق، فما يزال الاحتمال النظري قائمًا، وهو ألا تكون الرابطة المزعومة قائمة بين الآثار على الرمال والأقدام، في هذه الحالة المعيَّنة.

إن مثل هذا الربط بين الأشياء، يُجاوِز الإنسان ليشمل معه صنوف الحيوان؛ فقد يرى الكبش صورة الرجل الذي يجيئه كل يوم بالغذاء، فيربط الكبش بين صورة الرجل والغذاء، حتى إذا ما لمح الرجل قادمًا «أيقن» أن الطعام قريب، دون أن يرى بعينَيه طعامًا، فهل نقول إن العلاقة بين الرجل وطعام الكبش علاقة «ضرورية» بحيث يكفي ظهور الأول «ليتحتم» ظهور الثاني؟ كلا؛ إذ قد يأتي اليوم الذي يجيء فيه هذا الرجل وفي يده السكين الذي ينوي أن يذبح بها كبشه ذاك. وعلى هذا الأساس نفسه كان تحليل الفيلسوف الإنجليزي «هيوم» — وتحليل الإمام الغزالي من قبل هيوم بنحو سبعة قرون — للعلاقة بين السبب والمسبَّب؛ فهذان الرجلان متفقان — على بُعدِ ما بينهما من زمن — بأن العلاقة السببية ليست «ضرورية» بالمعنى الذي أسلفناه لهذه الكلمة؛ فقد يتكرَّر التلازم بين ظاهرتَين ألوف المرات، حتى لنظن أن العلاقة السببية قد أُحكِمت بينهما، بحيث يكفينا قيام إحدى الظاهرتَين لنُوقِن بأن الظاهرة الأخرى لا بد آتية، ومع ذلك فليس مما يتعارض مع منطق «العقل» أن تقع إحدى الظاهرتَين دون ملازمتها، برغم تكرار التلازم بينهما تلك المرات التي عددناها بالألوف.

فالعقل عند هؤلاء الناس لا يتمثل إلا في توليدنا للأفكار بعضها من بعض. أما أن تقول لهم إن من أحكام «العقل» كذلك ما نبنيه على مشاهداتنا ومن تجاربنا، فهم لا يترددون عندئذٍ في أنك قد استخدمت كلمة «العقل» فيما لا يجوز استخدامها فيه. إنه ليس «عقلًا» — عندهم — أن يُشاهِد الفلكي بمنظاره حركات الأجرام ثم يتوقع كسوفًا للشمس أو خسوفًا للقمر؛ لأن الاستدلال هنا هو توقُّع ظاهرة بعد أن رأينا ظاهرة، وليس بين «الظواهر» الطبيعية رباط عقلي؛ لأن هذا الرباط — كما قلنا — مقصور على الأفكار وحدها. وليس «عقلًا» — عندهم — أن يستمع القاضي إلى شهادات الشهود ثم يقضي بأن القاتل هو زيد؛ إذ العلاقة هنا قائمة على «شهادة»؛ أي إنها قائمة على رؤية البصر أو سمع الأذن، وكل هذه أمور ليست — عندهم — من قبيل «الأفكار» التي تصلح أن تتوالد في الذهن، فيتمثل «العقل» عندئذٍ بصورته التي يحدِّدونه بها.

لكن كاتب هذه الصفحات لا ينزع بفكره الفلسفي هذا المنزع، وإنما هو ممن يرَون في «الحواس» — بصرًا وسمعًا ولمسًا وشمًّا وذوقًا — أبواب العلوم والمعارف، كلما كانت تلك العلوم والمعارف مُنصبَّة على ظواهر العالم الخارجي وأحداثه. والنازعون هذا المنزع في الدراسة الفلسفية يُسمَّون بالتجريبيين، وعند هؤلاء أن «العقل» كلمة تُقال لوصف طريقة السير من نقطة الابتداء إلى نتيجة يُوصَل إليها. فإذا كنا بصدد علم رياضي، كانت النقطة التي يبدأ منها السير فروضًا يفرضها العالم الرياضي، ويجعل صِدقها مسلَّمًا به؛ ليستطيع السير منها إلى ما يتولد عنها. وأما إذا كنا بصدد علم يختص بإحدى «الظواهر» كائنةً ما كانت، فنقطة البدء هنا هي اللقطات الحسية التي تنطبع بها الحواس من تلك الظاهرة، ثم يكون بعد ذلك السير؛ ومن ذلك نرى أن الجانب المشترك بين علوم الرياضة وعلوم الظواهر الطبيعية، هو السير من بدء إلى مُنتهًى، على اختلاف البدء في الحالتَين. والذي يهمنا من هذا كله الآن، هو أن «العقل» عندنا هو «النقلة» من مقدمة مطروحة أمامنا إلى نتيجة تلزم منها أو تُستدلُّ منها، إما لزومًا يقينيًّا في حالة الرياضة، أو استدلالًا ترجيحيًّا في حالة العلوم الطبيعية.

فالفرق بين المثاليِّين والعقلانيِّين من جهة، والتجريبيِّين على اختلافهم من جهة أخرى، هو أن الأولين يقصرون معنى «العقل» على الحركة الاستدلالية إذا كانت نقطة ابتدائها صورة أولية فطرية، لم تُكتسَب من دنيا التجربة، على حين أن الآخرين يوسِّعون معنى «العقل» ليشمل كذلك الحركة الاستدلالية إذا بدأت سيرها من معلومات استمدها الإنسان عن طريق حواسه. والحق أن ما يعنينا نحن هنا ليس هو: في أي شيء يختلف الفريقان، بل هو: في أي شيء يتفقان. وهما متفقان في أن «العقل» حركة استدلالية، مع الضغط على كلمة «حركة» التي تُشير إلى النقلة ننتقل بها من حقيقة أمامنا إلى حقيقة تتولد منها أو ترتبط بها ارتباطًا مطردًا.

وعلى ضوء هذا التحديد ستسهِّل علينا الرؤية الواضحة لما تعنيه كلمة «اللاعقل» مهما تنوَّعت معانيها وتعدَّدت؛ فسوف نرى أن ما يبقى لنا بعد حذف «الحركة الاستدلالية» التي ينتقل بها الذهن بفاعليته من مقدمة إلى نتيجة — وذلك هو العقل كما بيَّنا — أقول إن ما يبقى لنا من ضروب النشاط الحيوي عند الإنسان، بعد حذف هذا النوع الواحد من فاعليته الذهنية، «حالات» كثيرة مختلفة. فانظر إلى معنى كلمة «حالات» متأمِّلًا، يكن بين يدَيك التمهيد الذي يؤدي بك إلى معنى «اللاعقل» أو «اللامعقول»، كما سنبيِّن فيما بعد بشيء من التفصيل. انظر متأمِّلًا إلى نفسك وقد امتلأت «بحالة» المرح أو الحزن أو الغضب أو الخوف أو الرهبة أو الحب أو الكراهية، إلى آخر أمثال هذه «الحالات» إن كان لها آخر، تجد في ذلك أهم اختلاف يميِّز «الحالة» من هذه الحالات إذا ما حلَّت بالإنسان، من «الحركة الانتقالية» التي ينتقل بها الذهن من فكرة إلى فكرة مشتقة منها، ولكن لندع تفصيل ذلك إلى فقرات تالية.

٥٩

وقبل أن ننتقل من الحديث عن «العقل» إلى الحديث عن «اللاعقل»، قد يُفيدنا ويزيدنا وضوحًا أن نسوق أمثلة من الوقفات التي نسلكها في زمرة «المعقول»، وأولها وأولاها بالذِّكر هي وقفة العلم؛ فالعلم بكل ضروبه نشاطٌ عقلي خالص، ولك أن تتقصى خصائص التفكير العلمي فتحصل بذلك على طائفة هامة من خصائص العقل؛ فمن تلك الخصائص مثلًا القفزة من المفرد إلى العام، ومن المتعيِّن إلى المجرد. إن دنيانا التي نعيش فيها مليئة بالأفراد الجزئية، وليس فيها كائن «عام»؛ ففيها من الأناسي عمر وعثمان وخالد وزيد. أما «الإنسان» العام الذي لا يقتصر على فرد معيَّن فليس بذي وجود في عالم الأشياء والكائنات، وهكذا قُل في كل شيء؛ قُله في الشجرة والزهرة والقط والطائر؛ فالموجود من هذه الكائنات في دنيا الواقع هو: هذه الشجرة المعيَّنة، وهذه الزهرة المعيَّنة، وهذا القط المعيَّن أو الطائر المعيَّن، ثم يحدث بيننا وبينها ما يحدث من صلات؛ فنراها ونسمع أصواتها ونمسُّها ونشمُّها، ولا نكون عندئذٍ قد فارقنا الواقع بأفراده المتعيِّنة المتحدِّدة بمكانها وزمانها وعلاقاتها، لكننا لا نقِف عند هذا الحد من لمسة الوقائع بالحواس، بل تنشط منَّا الأذهان فتبعد عن دنيا الأعيان شيئًا فشيئًا؛ فبعد أن كان من نراهم من الأناسى هم فلان وفلان، ننتقل بالذهن من هؤلاء الأفراد إلى صورة عامة تجمعهم معًا؛ وبذلك يتكون لدينا معنى «الإنسان»، وهكذا الأمر في الشجرة والزهرة والقط والطائر، وبقدر ما نبتعد عن دنيا الوقائع صعودًا في درجات من التعميم تتوالى لتضم الأشتات في مجموعات أُسَرية تربطها بما بينها من وشائج القربى، أقول إننا بقدر صعودنا في درجات التعميم، نُوغِل في التجريد؛ لأننا لكي نضم القط إلى الطائر في أسرة واحدة هي الحيوان، يتحتم أن نجرِّد القط من صفاته المميِّزة، وكذلك نجرد الطائرة. وذلك كله نشاط «عقلي» مما ينتهي بنا إلى «العلم» بهذه الظاهرة أو تلك من ظواهر الطبيعة.

وخصيصة أخرى يتميز بها «العقل» في خلقه ﻟ «العلم» بالطبيعة، وهي التحليل الذي نظل نفتِّت به الظاهرة المعيَّنة، حتى نبلغ بها أقصى ما يُمكِن بلوغه من بسائط لا تقبل تحليلًا بعد ذلك إلى ما هو أبسط منها، كأن تحلِّل الكائن الحي إلى خلايا، أو تحلِّل قطعة المادة إلى ذرات، أو المجتمع إلى مجموعة من أُسَر ومن نُظُم. ونحن إذا ما استطعنا تحليل الشيء إلى عناصره البسيطة التي يتألف من تفاعلاتها معًا، استطعنا بالتالي أن نحدِّد المقادير الكمية التي دخل بها كل عنصر في ذلك التركيب، وعندئذٍ يتحول عِلمنا بالشيء من مجرد الإشارة إليه باسمه واستخدامه وهو في جملته، إلى صياغة رياضية تبيِّن مقوماته بمقاديرها. ذلك هو «العلم» بما يتمثل فيه من «عقل»، وسوف نرى أن أوجه النشاط الأخرى التي هي ما نُدرِجه تحت «اللاعقل»، ترفض في تشنُّج وتوتُّر أن تمتد أيدينا إلى شيء نحلِّله، لا سيما إذا كان ذلك أمرًا خاصًّا بالوعي الذاتي الذي يتدفق مجراه في بواطنهم.

وقفة العالِم من الطبيعة — إذن — هي مما يوضِّح ما نعنيه ﺑ «العقل»؛ إذ هو ناشط بفاعليته، وقد ذكرنا من خصائص تلك الوقفة العلمية اثنتَين نكتفي بهما حتى لا يُبعِدنا استطراد الحديث عن موضوعنا. ونسوق مثلًا آخر من وقفة أخرى يتمثل فيها «العقل» أيضًا، مثل «الإنسيين» (أو الإنسانيين) في مذهبهم «الإنسي»، الذي ينظرون خلاله إلى قِيَم الحياة، وماذا ينبغي لها أن تكون، وإنما عمدت إلى اختيار هذا المثل الثاني لأنه يكشف لنا عن جوانب ليس عنها غنًى في كل ثورة ثقافية عميقة الجذور؛ ففي عصر النهضة الأوروبية إبَّانَ القرن السادس عشر، تمرَّد الناس على قِيَم الحياة خلال القرون الوسطى، وأرادوا لأنفسهم مجموعة أخرى من القيم؛ وذلك لأن ما كان سائدًا في العصور الوسطى قد أدَّى إلى التضحية بالفرد الإنساني في هذه الحياة الدنيا وعلى هذه الأرض، وجاء عصر النهضة يبشِّر بحياة دنيوية يحياها الناس، تنبض فيها العروق بدمائها، وتمتلئ بالمغامرة والمخاطرة وارتياد اليابس والماء، وإمعان النظر فيما يجري في السماء وما يدور في شعاب النفس.

وأطلقوا على هذا الاتجاه الجديد الذي ينحو بصاحبه نحو أن يجعل حياة الإنسان مدارًا ومعيارًا لا يعلو عليه مدار ومعيار، أطلقوا عليه اسم المذهب الإنسي Humanism. ولهذه النظرة الإنسية إلى الإنسان خصائص، فيها ما يصِلها بخصائص الوقفة العلمية؛ فمن بين تلك الخصائص أن نكتفي بالطبيعة التي بين أيدينا، لا نُجاوِزها إلى ما فوقها أو وراءها؛ حتى لا يزيغ البصر من هنا إلى هناك، فتضيع من أيدينا «هنا» دون أن ندري ماذا «هناك»؛ أي تضيع حياة الإنسان من أجل مجهول. فلئن كانت هذه الطبيعة هي عند الإنسيين مُلقى السُّبل ومُلتقى الأبصار، فالإنسان جزء منها، نشأ نتيجة لتطورها، ماذا تُراك صانعًا بشجرة تريد العناية بها؟ هل تُهمِل ساقها وفروعها وأوراقها لتنصرف إلى «نفسها» أو «روحها»، أم إن عنايتك بالشجرة هي نفسها عنايتك بساقها وفروعها وسائر بدنها؟ إذن فهكذا يكون الشأن مع الإنسان إذا أردنا العناية به. لقد كان أهل العصور الوسطى يدعون الناس إلى إنهاك البدن وإرهاقه بالجوع والزهد في متاع العيش؛ لكي تزدهر الروح على حساب بدنها. فقلبَ الإنسيون وجهة النظر، ووجَّهوا العناية بالإنسان إلى مقوماته الحيوية، لا إلى أشباح تسكن هيكله. ومن العناية بالإنسان عند الإنسيين، أن يُؤمِن الناس بقدراتهم على فرض سيطرتهم على الطبيعة بالكشف العلمي عن قوانينها، ولا يشيع في الناس هذا الإيمان بقدراتهم إلا إذا شاع فيهم إيمان بالعلم أولًا، وبما يستطيع أن يؤديه. وتفريعًا عن هذه النقطة الخاصة بقدرة الإنسان، يذهب الإنسيون إلى القول بحرية الإنسان حرية مُطلَقة في اختيار ما يفعله وما لا يفعله؛ فهو هو سيد مصيره وخالق كيانه بما يختاره لنفسه على توالي اللحظات والمواقف. وغنيٌّ عن البيان أن هذه الوقفة الإنسية الخالصة ترفض تبعية الحاضر للماضي، أو التضحية بما يُثبِته العلم من أجل خرافات وأوهام. وإذن فهذا مثل آخر لما يتجسد به «العقل» إذا أُخلي سبيله إلى النشاط بفاعليته وفعله.

على أن ذلك لا يعني أن الإنسان عقلٌ كله — بالمعاني التي حدَّدنا بها «العقل» — إذ هنالك في حياته، إلى جانب تعيينه للأهداف ورسم الخطوات المُوصِلة إليها، «حالات» يُكابِدها ويُعانِيها، منها الانفعالات والعواطف والرغبات وما إليها، تعترضه وتملأ نفسه، فإما كتمها في صدره وإما حاوَل أن يعبِّر عنها للآخرين؛ فإذا ضممنا جميع الأقوال التي قالها قائلوها عن «حالات» اعتملت بها أنفسهم، كان لنا من مجموعها مجال «اللامعقول» في الثقافة التي تقصَّيناها بالنظر والدرس.

فأودُّ منذ الآن أن أؤكِّد للقارئ تأكيدًا لا يترك مجالًا لريبة في نفسه، بأن كلمة «اللامعقول» كُلَّما استعملتها في الصفحات التالية، لأصف بها ضروبًا من تراثنا الثقافي، لا أُحمِّلها مثقال ذرة من معنى الزراية؛ فكل ما في الأمر هو أننا نميِّز في الحصاد الموروث بين صنفَين مختلفَين؛ صنفٌ رأيناه موسومًا بمِيسَم التفكير العقلي، وصنفٌ آخر سوف نراه يخلو من تلك السمة المميِّزة لكل ما يندرج عندنا تحت «التفكير العقلي». ونعود فنكرِّر ما قلناه — ولن نمل من هذا التكرار لأهمية الفكرة عندنا — بأن ثمة ضربًا من الوقوف إزاء الأشياء والمواقف، يحلِّلها ويبيِّن الطريقة التي يُمكِن استخدامها للوصول بنا إلى أهدافنا، كائنةً ما كانت تلك الأهداف، وذلك هو التفكير العقلي، لكن ثمة ضربًا آخر من الوقوف، هو الذي قُلنا عنه إنه «حالة» تسري في كيان صاحبها، فيُصبِح بها محبًّا أو كارهًا، غاضبًا أو راضيًا، إلى آخر هذه الحالات النفسية، وذلك هو ما يتألف منه مجال «اللامعقول» من حياة الإنسان. ومما يفرِّق بين الموقفَين، أن أولهما يطرح الأمر أمام الجميع؛ ليتحقق من صدقه كلُّ من أراد، وأما الآخر فمِلكُ صاحبه، لا سبيل أمام أحد سواه إلى مناقشته وتحقيقه.

إنه لمن الشائع بين من يصفون عصرنا هذا — أعني أواسط القرن العشرين وما بعدها — بأنه عصر اللامعقول في معظم وقفاته الثقافية التي ليست مما يدخل مجال العلوم، وهم إذ يصفونه بهذه الصفة لا يبتغون الحط من شأنه بسبب هذه الصفة فيه؛ فليس عيبًا أن يُقال عن فرد من الناس أو عن شعب من الشعوب أو عن عصر بأكمله، إنه يجعل الأولوية — فيما عدا العلوم — للوجدان، بل ربما كان العكس أقرب إلى الصواب؛ فكثيرًا ما يكون المرء أقرب إلى ثورة الغضب والاحتجاج إذا رميته بتهمة أنه إنسان بلا قلب؛ أعني بلا عواطف دافئة نحو الآخرين، منه إذا اتهمته بضعف الذكاء العقلي، وليست قليلة هي تلك الحالات التي يتهم المرء نفسه بالغباء في الأمور النظرية أو في الأمور العملية أو فيهما معًا، لكنها حالة مِن أندر الحالات أن يقول إنسان عن نفسه إنه بارد العاطفة ناضب الوجدان.

ومع ذلك فإذا أردت استقراءً دقيقًا لما يعنيه الكاتبون في عصرنا هذا، حين ينعتونه باللاعقل — فيما عدا مجال العلوم — فأرجح ظني هو أنهم لا يقصدون إلى القول بأن عصرنا هذا يُوازِن بين العقل واللاعقل، فيُعلي مِن شأن هذا على شأن ذاك. إنه لا يزعم — مثلًا — أن الانفعال أرفع منزلة من التفكير المنطقي، أو أن القلب أسمى من الرأس، أو أن الغريزة أهدى سبيلًا في حياة الإنسان من عقله، كلا؛ إذ كلُّ ما يزعمه عصرنا في هذا الصدد هو أن العقل بمنطقه أداةٌ جيدة صالحة في مجالها — مجال العلوم — لكنه لا يُجاوِز ذلك المجال، لتظل له تلك الصلاحية نفسها في سائر المجالات الثقافية.

نقول ذلك لعلمنا بأن ثمة موقفًا آخر، في عصور أخرى، كانت وجهة النظر السائدة فيه هي أن العاطفة أصدق هداية للإنسان من عقله في إدراك الحق، كائنًا ما كان ميدان النظر. وتلك هي النظرة «الرومانسية» حيثما ظهرت، كالتي دعا إليها روسو، أو التي شاعت في أوروبا عقب الثورة الفرنسية؛ فأصحاب الدعوة الرومانسية لا يكفيهم أن يقال عن العقل إنه محدود المجال، وأن البقية متروكة لغير العقل من جوانب الإنسان، بل هم يمقتون العقل مقتًا كأنه العدو الذي يتربص بالإنسان ليُوقِعه في المهالك، لكن مثل هذا الموقف الكاره للعقل ليس هو موقف عصرنا الراهن، حين يقال عنه إنه عصر اللامعقول.

ففي عصرنا هذا تنبت جذور «اللامعقول» من تربة «علم النفس» ونظرياته التي تحلِّل سلوك الإنسان، فإذا هو — «معقولًا» كان في ظاهره أو غير معقول — إنما يرتد إلى أصول عميقة في فطرة الكائن العضوي. وإذا قلنا «فطرة» فقد قلنا — بالتالي — إنها ليست ما يراد ﺑ «العقل» وﺑ «العقلي» أو «العقلاني» أو «المعقول»؛ لأن العقل في صميمه هو عقال يقيِّد الفطرة، ولا يتركها مُرسَلة على سجيتها.

وإن بعض الدارسين لعلم النفس الحديث يقسِّمون لنا نظرياته نوعَين مختلفَين، لكل نوع منهما فروع. أما أولهما فهو الذي يردُّ سلوك الإنسان إلى ينابيع جوفية تخفى على أعيُن المُشاهِد، ولا تتبدَّى إلا تحت مَشارط التحليل، ومن قبيل ذلك نظرية فرويد وكل ما جاء على غرارها من اتجاهات تعلِّل السلوك بأصل خبيء، تكوَّن عند الفرد الواحد إبانَ طفولته، وفعل فعله في تشكيل سلوكه دون أن يكون صاحب هذا السلوك على وعي بحقيقة أمره. وأما النوع الثاني فهو ذلك الذي لا يريد مجاوزة السطح الظاهر من أنماط السلوك، فترى أصحابه يحلِّلون ذلك السلوك إلى وحداته السلوكية البسيطة — ويُسمُّونها أفعالًا مُنعكِسة، هي التي منها تتألف فيما بعدُ الأفعال المُنعكِسة الشرطية، التي هي كل ضروب الفعل عند الإنسان، بل كل ضروب الحركة عند الحيوان — وعلى رأس هذه الطائفة من العلماء «السلوكيين» بافلوف الروسي وواطسن الأمريكي.

أما فرويد ونظريته في «التحليل النفسي»، فالفرض عنده — كما يعرف عنه عامة المثقَّفين اليوم، فضلًا عن المتخصِّصين — هو أن موجِّهات السلوك الإنساني ليست هي منطق العقل إلا بمقدار ما تكون القمة الظاهرة فوق سطح المحيط من جبل الثلج. وأما الشطر الأعظم فمردُّه إلى موجِّهات «لا شعورية»، لا يعقلها الإنسان بل ولا يعيها، ومعنى ذلك أن الإنسان، حتى إذا سلَّمنا له بميدان محدود يهتدي فيه بوسائل العقل في أحكامه واستدلالاته، فهو كائن «لا معقول» في الجانب الأعظم من حياته؛ إذ تمسَّك بزمامه «غريزة» جُبِلت له في فطرته، هي غريزة الجنس عند فرويد، وهي غريزة السيطرة عند تلميذه آدلر.

وأما الطريق الثاني بين علماء النفس المُحدَثين، أعني «السلوكيين»، فهو أيضًا طريق مؤدَّاه أن سلوك الإنسان لا يفسِّره أن الإنسان كائن «عاقل»؛ وذلك لأن سلوكه إنما يتكون بحكم عادات بدنية تتكون بتكرار الربط بين مجموعة من العناصر. والأغلب — بالطبع — أن يكون غيره من الناس هم الذين دبَّروا له أن تتكون فيه تلك العادات البدنية، والتي ليست هي — في التحليل الأخير — إلا الأفعال المُنعكِسة الآلية التي وُلِد بها الإنسان، بعد أن رُبِطت بمؤثِّرات مختلفة أرادوها له عن عمد وتدبير؛ فإذا كان الإنسان قد وُلِد وفيه فعلٌ فطري يستجيب به لضوء الشمس — مثلًا — أو لرائحة الطعام، فلماذا لا نبدِّل له ضوء الشمس أو رائحة الطعام بأشياء أخرى نريد له أن ينقبض عنها أو أن يُقبِل عليها؟

ربما يكون القارئ قد ألِف القول الذي كثيرًا ما يرِد في الكتب عند الحديث على المؤثِّرات في الإنسان وتكوينه، ما هي؟ أهي عوامل البيئة الخارجية أم هي طبيعة الإنسان الداخلية؛ وإذن فقد يوضِّح له ما نبسطه أمامه الآن، إذا أضفنا له بأن فرويد حين رد معظم السلوك إلى «غريزة» فكأنما قال: إن الإنسان هو صنيعة فطرته الداخلية. وأن بافلوف أو واطسن أو غيرهما من السلوكيين، حين ردوا السلوك الإنساني إلى الطريقة التي نكوِّنها له في الرد على المؤثِّرات الخارجية، فكأنما هم يقولون: إن الإنسان هو نتاج بيئته وما فيها من عوامل ومؤثِّرات. وفي كلتا الحالتَين لا «عقل» إلا بالقدر المحدود عند أصحاب التحليل النفسي. وأما ما دون ذلك، فالذي يسمِّيه الناس «عقلًا» إن هو إلا خيوط «لا عقلية» من غرائز أو من أفعال مُنعكِسة، تشابَكت معًا حتى خُيِّل لنا بأنها ذات كيان مستقل قائم بذاته.

إن القائلين ﺑ «اللاعقل» موجِّهًا للإنسان في شعاب الحياة، لا يريدون بذلك أن يقولوا عنه إنه ضالٌّ لا يسير على هدي! فالأمر عندهم هو على عكس ذلك تمامًا؛ إذ هم يرَون أن الكائن المسيَّر بغريزته أو المسيَّر بعادات محدَّدة قاطعة، إنما هو كائنٌ أهدى سبيلًا ممن يقال عنه إنه مهتدٍ بعقله. وستكون لنا عودة إلى هذه النقطة لأهميتها البالغة، وذلك حين نعرض لبرجسون وموقفه من الغريزة بالقياس إلى العقل. ولو كان العقل مُرشِدًا يُركَن إليه لما حرصت شعوب الأرض جميعًا — قديمًا وحديثًا — على أن ينشأ الناشئ على «عادات» قومه و«تقاليدهم». إن المجتمع يريد لكل فرد من أفراده — ابتغاءَ الأمان — أن يقلِّد سابقيه (وتلك هي «التقاليد» وقدسيتها عند معظم الناس)، وأن يسلك وفقَ ما عوَّده أبواه ومعلِّموه. وما الأبالسة والشياطين والشُّذَّاذ والمُنحرِفون وغير الأسوياء من الناس، إلا أفراد ابتدعوا لأنفسهم ضروبًا من السلوك خرجوا به على «التقليد»، وانحرفوا عن «العادات» الجارية.

إن عُمْي الأبصار والبصائر وحدهم هم الذين تخدعهم العبارات المحفوظة، فلا يقِفون لحظةً ليرَوا ماذا تعني تلك العبارات، وهل يصدق معناها على الواقع حولنا؟ فمِن العبارات الجارية على الألسنة أن الإنسان متميِّز «بعقله» دون سائر الحيوان. فكم من الناس من وقف ليسأل: هل هذا صحيح؟ أصحيحٌ أن الإنسان يخطو على طريق الحياة مهتديًا باستدلالات العقل كما يعرفها المناطقة والرياضيون وعلوم الفيزياء والكيمياء؟ أم تُراه يخطو مكبَّلًا بما رُسِم له من تقاليد وعادات وغير ذلك مما لا دخل للعقل فيه؟ لقد كتب «وولتر بادجوت Walter Bagehot» في أواسط القرن الماضي كتابه النافذ «الفيزياء والسياسة»، متتبِّعًا فيه النظرية الداروينية عند النظر في حياة الناس الاجتماعية. ولربما كان الأقرب إلى مادة الكتاب أن يُسمَّى «البيولوجيا والسياسة»؛ ما دام هدفه استخدام النظرية البيولوجية عن التطور، في تفسير سلوك الإنسان في المجتمع، لكن لعل المؤلف قد أراد ﺑ «الفيزياء» كل علوم الطبيعة بما بها البيولوجيا. على أي حال فالذي يَلفت نظرَنا عنده هو توكيدُه بأن الإنسان في أولى مراحله من الحضارة، إنما تتحكم فيه شمولية اجتماعية صارمة، لا يستطيع حيالَها أن ينفرد لحياته الشخصية بما يُمليه عليه منطق عقله، على أن ذلك الطغيان المستبِدَّ بالأفراد في تلك المرحلة لم يكن سلطان رجل فرد بعينه، بل هو طغيان «كابوس العادات» (أو «قرص العادات» كما يسمِّيه بادجوت)؛ فالعادات الاجتماعية — أو قُل التقاليد — هي التي ترسم الطريق وتحدِّد الأوضاع، وعلى الأفراد أن ينصاعوا لها — بغير تفكير — وإلا أهلكتهم قبيلة أخرى تلاحَم أفرادها برباط تقاليدها، فلم ينفرط عقدهم بانفرادِ كلٍّ منهم ﺑ «فكره» العقلي. على أن «بادجوت» يمضي في تحليله ليبيِّن لقارئه أن مرحلة استبداد «العادات» بالناس، تزول مع الزمن زوالًا جزئيًّا، حين يئول الأمر في بعض المواقف إلى «العقل» وأحكامه، شريطةَ أن يظل للعادات القديمة سلطانها في بقية الميدان، وإلا تشقَّق المجتمع وانحلَّت روابطه. وإلى هذا الحد يُمسِك «اللاعقل» بزمامنا، ثم نظل نُعيد لأنفسنا القول المكرور، بأن الإنسان متميِّز ﺑ «عقله».

إننا نكتب هذه الصفحات من هذا الكتاب لنبيِّن — فيما هو آتٍ من الفصول — أن في الثقافة العربية القديمة، التي هي «تراثنا» — إلى جانب ما أفضنا فيه القول من مواقف «عقلية» — حالات من اللامعقول لا ينبغي أن نُغمِض عنها أبصارنا، ولكننا آثرنا أن نقِف في هذا الفصل وقفة طويلة عند فكرة «اللامعقول» نفسها لنعلَم ماذا يُراد بها في عصرنا الحاضر، وفي غيره من العصور؛ إذ هنالك كثرة من أصحاب الرأي في عصرنا تسِمُ هذا العصر باللامعقولية، برغم ما فيه من «علوم»، أو ربما بسبب ما فيه من علوم أنتجت آلات خنقت الإنسان، فأراد أن يتنفس بعض الهواء الطلق في مجال اللاعقل واللاعلم. وحسبُنا من لامعقولية هذا العصر أن نرى كم من الألفاظ الضخمة التي تحرِّك جماهير الناس إلى حد القتال وسفك الدماء. إنما هي ألفاظ تسيِّر الناس، لا بما قد تدل عليه من وقائع الدنيا حولهم، بل بما ربطه لهم أولو الأمر في أنفسهم من معانٍ لها؛ وبهذا يكون اللفظ ومعناه حركتَين تتلاحقان في «عادة» بدنية واحدة، ولا شأن للعقل بأي معنًى من معانيه في الأمر، كما تقول للطفل الصغير «ثلاثة في أربعة»، فيرد عليك من فوره «اثنا عشر» وهو لا يدري لماذا، ولا من أين جاءت هذه «الاثنا عشر». اعرض على الناس أمرًا معيَّنًا، أو فكرة معيَّنة، تجئك منهم الإجابات المحفوظة مُنطلِقة من الأفواه كالسهام، كلٌّ بحسب ما قد حفظ عن ملقِّنيه؛ فالأمر الواحد أو الفكرة الواحدة، تستثير في رقعة من الأرض لفظ «التقدمية» وفي رقعة أخرى لفظ «الرجعية»، كأنما الأفكار كالأنهار أو الجبال محدودةٌ بمناطقها الجغرافية؛ فالهملايا في آسيا، والألب في أوروبا، وكلمنجارو في أفريقيا، بل الأمر في دنيا اللفظ أدهى وأمرُّ؛ لأن أمثال تلك الألفاظ الهامة الملقَّنة المحفوظة بما تستتبعه من ردود الفعل، هي في الحقيقة شحنات وجدانية يُشحَن بها صدر الآدمي ودماغه، فتُصبِح تحت جلود الناس كالقماقم الأسطورية التي حُبِست فيها المردة والجن؛ فإن وقع عليها عاثر وكشف عنها الغطاء، امتلأت السماء بدخانها ورعودها وبروقها، فماذا تكون اللاعقلية إن لم تكن هذه الحالة واحدًا من معالمها؟ خذ كتابًا أو مقالًا مما يُكتَب لجمهور الناس في شئون حياتهم السياسية بصفة خاصة، واختر منه أضخم لفظه وأشدَّه وقعًا في النفوس، ثم ضع مكانه أي لفظ شئت، واربطه مع نفوسهم بالروابط نفسها، ثم انظر هل تغيَّر في أمور الحياة العملية شيء؟ الأغلب ألا ترى فرقًا في رجع الصدى بين هذه وتلك، وكل ما يُطلَب منك أن تُنشئ في الناس «العادة» التي يوقِّرون بها اللفظ الجديد بمثل ما عوَّدتهم أن يوقِّروا سواه؛ ففي كلتا الحالتَين يجيء السلوك استجابةً لألفاظ بغير إعمال للعقول.

٦٠

العقل — نقولها مرة أخرى — هو حركة انتقالية دائمًا، ينتقل بها الإنسان خطوة بعد خطوة، حتى ينتهي بتلك الخطوات إلى هدف مقصود، كائنًا ما كان ذلك الهدف، وكائنةً ما كانت تلك الخطوات المُوصِلة. وإن هذا ليصدق على ميدان العلوم — رياضيةً كانت تلك العلوم أم طبيعية — كما يصدق على ميادين الحياة العملية الجارية، لكن أمثال هذه المواقف العقلية ليست هي كل ما في حياة الإنسان؛ ففي حياته حالات أخرى كثيرة لا يجيء فيها السير على هذا النحو، وإنما يكون الإدراك فيها بلمحة واحدة شبيهة بلمعة الضوء الخاطفة، فلا انتقال عندئذٍ من مقدمات إلى نتائج، أو من شواهد وبيِّنات إلى حكم. وأمثلة ذلك كثيرة شديدة التنوع؛ فكل دفعة وجدانية هي من هذا القبيل، وكل فعل غريزي صادرٌ عن مثل هذا الإدراك المباشر للهدف ووسائله معًا، وكل تذوُّق لشيء من نتائج الفن — من موسيقى إلى شعر وتصوير وغير ذلك — هو أيضًا من نوع الإدراكات اللحظية المباشرة، ثم كل إدراك حدسي مما يُدرِك به الفلاسفة أحيانًا مبادئهم الأولى، التي يجيئون بعد ذلك ليستخرجوا منها نتائجها، هو كذلك إدراك بغير «العقل» وإن يكن العقل بعد ذلك هو الذي يستخرج النتائج من تلك المبادئ. وفوق هذا وهذا وذاك نذكُر حالات المتصوِّفة التي قد يكتبون لنا عن أوصافها بعد ذلك، فنقرأ لهم لعلنا نتلبَّس ما يُشبِه تلك الحالات، أو لعلنا نتصوَّرها من بعيد أو من قريب.

وسنُحاوِل في الفصول الآتية أن نستعرض مَشاهد من أمثال هذه المواقف اللامعقولة في تراث أسلافنا؛ لنتبيَّن كيف جاءت حياتهم مزيجًا من معقول وغير معقول، ولنعلم أنه من قبيل الإسراف في القول أن نصفهم بهذا وحده أو بذلك وحده، وكل ذلك تهيئة للصورة التي تُمكِّننا من الحكم لأنفسنا بماذا يصلح أن يكون همزة الوصل بين ثقافتنا العصرية وثقافتهم. ولا بأس هنا من تكرار ما قد ذكرته في مناسبات أخرى، وهو أن الجانب العقلي وحده هو الذي يصلح للاستمرار بين ماضٍ وحاضر، وأما حالات الوجدان وما يدور مداره فهي مقصورة دائمًا على أصحابها، لا يجوز نقلها من فرد إلى فرد، ودع عنك أن ننقلها من جيل إلى جيل، اللهم إلا إذا كان «التعبير» عن تلك الحالات هو مما نفذ به صاحبه من الحالة الفردية الخاصة إلى حقيقة الإنسان أينما كان، كما يحدث كثيرًا في الشعر العظيم والفن العظيم. وها هنا يتساوى — أو يكاد يتساوى — في أعيُن الحاضرين كل تراث إنساني نفذ أصحابه إلى صميم النفس الإنسانية، لا فرق في ذلك بين تراث عربي وغير عربي؛ فالتراث اليوناني — مثلًا — يكون لغيرنا ولنا، كما يكون التراث العربي لنا ولغيرنا على حدٍّ سواء، وأما ما يميِّزنا من سوانا — في ماضينا وفي حاضرنا — إذا أردنا أن يكون بين الحاضر والماضي تيارٌ حيوي واحد، فهو — فيما أظن — نوعُ المشكلات وطرائق حلها، وذلك أدخل في باب العقل كما رأينا.

لقد عقد برتراند رسل فصلًا — هو من أجود ما كتب في حياته الفلسفية — أراد أن يميِّز فيه بين قطبَي الرحى في حياة الإنسان الثقافية، اللذَين هما — بصورة مُجمَلة — التصوف في ناحية ومنطق العقل في ناحية أخرى؛ ففي الحالة الأولى يكون الإدراك مباشرًا وبغير مقدمات، وفي الحالة الثانية يكون الإدراك على مراحل وخطوات. ويتبع ذلك أن تعتمد الحالة الثانية على «التحليل»، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب التحليل؛ لأنه — كما يقولون — يمزِّق كيان الحقيقة فيُفسِده، وأطلق برتراند رسل على بحثه ذاك عنوان: «التصوف والمنطق»، ثم جعل هذا العنوان نفسه عنوانًا لكتاب يضم ذلك الفصل إلى مجموعة من فصول أخرى.

وإنه لمما ينفعنا في موضوعنا هذا أن نُوجِز ما قاله رسل في التفرقة بين «المنطق» و«التصوف»؛ لأنها هي نفسها التفرقة بين المعقول واللامعقول في سياق حديثنا.

لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالم من حيث هو كلٌّ واحد، مدفوعًا بدافعَين مختلفَين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معًا في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان؛ فأولهما هو الذي يحفِّز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوِّف، وأما الثاني فيحفِّزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء. ولقد استطاع نفرٌ أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده، كما استطاع نفرٌ آخر بلوغ تلك القمة بالدافع الثاني وحده، لكن لعل أعظمهم جميعًا هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي في آنٍ معًا، وقد يكون أفلاطون مثلًا جيدًا لمثل هذا الالتقاء بين الجانبَين، وإنما يتحقق هذا الالتقاء حين يُريك العقل حقيقةً ما عن الوجود، فإذا بوجدانك الحاد المتدفِّق الغزير يضرب بك، في تلك الحقيقة نفسها التي رأيتها رؤية عقلية، إلى أعمق جذورها؛ فالعلم أو العقل هو الشعلة التي تُضيء مراحل الطريق بدايةً ووسطًا ونهاية، أما الوجدان — أو قُل التصوف — فهو الذي يغوص بك إلى الأعماق، ولقد اجتمعت عند أفلاطون — وعند غيره — رؤية السطح والأعماق معًا، وعندما نكون — مع العقل ومنطقه — على الأسطح الظاهرة، لا يجتمع نقيضان في شيء واحد وفي لحظة واحدة ومن جهة واحدة؛ فإما أن يكون الشيء موجودًا أو غير موجود، موصوفًا بالصفة الفلانية أو غير موصوف، وأما حين نغوص في الأغوار مع الوجدان، فعندئذٍ لا يكون على الإنسان من حرج أن يقرِّر النقيضَين معًا؛ فالشيء المعيَّن هو كذا وليس بكذا في آنٍ واحد، كالذي يقوله هرقليطس (وهو ممن اجتمعت فيهم نظرة العقل ورؤية الوجدان معًا) حين يقول: «إننا نخطو في النهر نفسه ولا نخطو. إننا موجودون (في اللحظة ذاتها) وغير موجودين.» فتلك هي لغة التصوف، وليلحظ معي القارئ أن لهرقليطس هذا عبارة أخرى أكثر شهرة، تدل على نظرة العقل بلغة العلم، وهي التي قال فيها: «إنك لا تستطيع أن تخطو في النهر نفسه مرتَين؛ لأن تيار الماء المتجدِّد لا ينفك دافقًا.» ولقد أصاب ابن تيمية حين قال عن المتصوفة القائلين بوحدة الوجود إنسانًا وإلهًا: «… هؤلاء الاتحاديون يجمعون بين النفي والإثبات، كما يقول ابن سبعين: «عينُ ما ترى ذاتٌ لا تُرى …» ونحو ذلك؛ لأن مذهبهم مستلزم الجمع بين النقيضَين» (حقيقة مذهب الاتحاديين لابن تيمية).

ليعذرنا القارئ إذا أطلنا الوقوف هنا عند التصوف وخصائصه بالقياس إلى العقل ومنطقه؛ لأن في التفرقة بينهما مفتاحًا ينفتح لنا به أفق فسيح لا نخلط فيه بين معقول ولامعقول، حتى إذا ما أمسك القارئ بهذا المفتاح وقرأ فصولنا التالية عن اللامعقول في تراثنا، أدرك الأساس الذي أقمنا عليه وجهة النظر.

فهنالك خصائص أربعة تتميز بها رؤية الصوفي للوجود، وتختلف على أساسها تلك الرؤية عما تقتضيه النظرة العلمية إلى ذلك الوجود:

أما الخاصة الأولى، فقد أشرنا إليها فيما أسلفناه، وهي اعتقاد الصوفي في «الحدس» وسيلةً للإدراك، وذلك في مقابل المعرفة الاستدلالية التحليلية، التي هي المعرفة العلمية؛ أعني أن الصوفي يعتمد على رؤية للحق تأتي إليه بغتة، وهي تأتي نافذة إلى أعمق الأعماق الخافية وراء الظواهر البادية للحواس، ثم هي إذ تأتي إنما تفرض نفسها على صاحبها فرضًا بحيث لا يكون له قِبلٌ بردِّها أو بالتشكك في صدقها، ولك أن تقيس هذا كله إلى السير المتمهِّل البطيء الذي يخطو به العقل وهو على حذر، كُلَّما تناوَل موضوعًا بالدراسة، وإنها لدراسة — مع هذا التمهل الحذِر — معرَّضة للخطأ ولا تضمن لصاحبها اليقين، ثم هي فوق هذا دراسة تقِف عند الظواهر كما تتبدَّى للحواس، ولا تنفذ خلال تلك الظواهر إلى المحجوب وراءها لتكشف عنه الحجاب.

إن منَّا أناسًا — وهل أقول إن الناس أجمعين؟ — تُصادِفهم لحظات يستغرقهم فيها وجدان داخلي عنيف تجاه كائن معيَّن أو تجاه شيء بذاته، فإذا بذلك الوجدان يهزُّهم هزًّا حتى ليرَوا ذلك الكائن أو هذا الشيء على غير ما يراه به سائر الناس بحواسهم المعتادة؛ فقد يغمرهم حبٌّ عميق، أو غضب شديد أو نشوة أو زهد أو حزن إلى آخر هذه الحالات التي تنتابنا جميعًا، فإذا الكائنات والأشياء تتلوَّن في أنفسهم بلون جديد. ومعنى ذلك أن العلاقة تنفصم بين ما يرَونه في بواطنهم وبين ما هو موجود في الواقع الخارجي كما يراه سائر الناس، وإذا ما طالت هذه الوقفة الانفصامية بصاحبها، أصبحت نفسه الداخلية في عزلة عن دنيا الناس، واستحال التفاهم بينه وبينهم؛ فهو يرى ما لا يرَون، وهم يرَون ما لا يرى، وها هنا يغلب على تلك النفس المعزولة أن تبتعث من ذاتها أطيافًا غريبة، تحسبها هي الدنيا وكائناتها. على أن هذه الحالة الفاصلة بين الإنسان وبين واقع الأشياء، إذا كانت تنتاب كثرتنا عند فيض الوجدان وشدته، فإن قلة قليلة من الناس هم الذين يتخذون من تلك الحالة نفسها بابًا يلِجونه ليخرجوا منه إلى عالم رحيب الجنبات يرَون فيه العجائب، وأولئك هم جماعة المتصوِّفة.

تبدأ النظرة الصوفية عندما يُحِس المتصوِّف بأن أمرًا كان مُلغِزًا قد انزاح عنه الحجاب، فانكشفت له فجأةً حقيقةٌ كانت خبيئة وراء ذلك الحجاب، فيراها هو رؤية مباشرة لا سبيل فيها إلى شك، حتى وإن خفِيَت عن سائر العالمين. إنها رؤية «اليقين»، وهي رؤية بالبصيرة لا بالبصر؛ إذ لو كانت رؤية بصرية لشهدها كل ذي عينَين. وقد ينعم الصوفي برؤيته تلك ويصمت، قاصرًا خبرته الروحية تلك على نفسه، ولكنه أيضًا قد يتأمل فيما بعدُ ما قد تمرَّس به من تلك الخبرات الروحية، أو الحالات التي انكشف له فيها الحجاب عما وراءه، ثم يُحاوِل أن يُجري تلك الحالات في لفظ ينقل إلى الآخرين عن طريق الإيحاء شيئًا قريبًا مما مر به، وعندئذٍ نستطيع نحن سائر عباد الله الذين لم تنكشف عنهم الحُجب، ولم يرَوا إلا ما شهدته أعينهم التي في رءوسهم، أقول إننا عندئذٍ قد نقرأ ما كتبه المتصوِّف عن حالاته، فتُلهِمنا بما تستطيع قدراتنا التخيلية أن تستلهم. فواضحٌ من هذا أن كل كتابة جرى بها قلمٌ لصوفي، وكل عبارة نطق بها وسُمعت عنه، مما أراد به نقل خبرته الروحية إلى الآخرين، هو من قبيل الشعر الذي يخرج من مجال المعقولات مهما تكن له من قيمة تعبيرية في مجال الفن الأدبي. وإن أعجب العجَب في هذا الصدد هو أن الأدوات نفسها التي نُدرِك بها المُدرَكات العقلية هي الأدوات التي يعُدها المتصوِّفة مؤدية إلى الوهم والضلال؛ فإذا كانت المُشاهَدات العلمية وسيلتها الحواس، فالحواس عند الصوفي لا ترى إلا الظاهر دون الباطن، والحق إنما يكون — عندهم — فيما هو باطن مستور، ولا يكون أبدًا فيما تراه الأبصار مما يظهر لها على أسطح الأشياء. وإن كانت المعرفة العلمية قائمة على تحليل الموضوع المراد معرفته إلى عناصره الأولية التي منها يتألف، فالتحليل عند الصوفي يُفسِد علينا حقيقة الشيء؛ لأن حقيقته هي في جملته مجتمعةً في مركَّب واحد، لا في أجزائه وهي فُرادى. والخلاصة هي أنه بينما «العلم» يقِف دائمًا عند حدود ما يظهر لنا من الكون، يزعم المتصوفة أن العالم الحق هو ما يكمن وراء الظواهر؛ فهم بذلك يعيشون في عالم غير عالمنا الذي نعيش فيه؛ ومن ثَم يبطل بيننا تبادُل المعرفة على النحو الذي نألفه في العلوم وفي الحياة العملية على حد سواء. وإن هذا العالم المستور عنا والمكشوف للصوفي، يَبهره بهرًا قد يُشيع فيه رجفةَ الخوف، وكثيرًا ما يراه الصوفي وكأنه يرى نورًا ساطعًا يستعصي على الرؤية الكاملة، ويُخيَّل إليه أن الحقيقة الباهرة تلك تروغ منه وتتخفى كلما ظن أنه قد أوشك على شهود كامل، فتراه عندئذٍ ينحو باللائمة على ما يزال باقيًا عنده من غلالات الأباطيل التي تخلقها في الإنسان حواسُّه. وإننا إذ نشبِّه رؤية المتصوف هذه برؤية الشاعر والفنان والعاشق الولهان بموضوع حبه، فإنما نُضيف القول بأن هؤلاء الأشباه جميعًا لا يتلقَّون من هذا العالم المحجوب إلا لمعات خافتة يرَونها ثم يعودون إلى حياة الحس المألوف، وأما المتصوف فيغمس روحه في ذلك الضوء غمسًا؛ فلا عجَب أن نجد المتصوفة على عقيدة راسخة بأن ما يعرفونه هم عن «الحق» بمثل تلك الرؤية المباشرة المُستغرِقة فيما تراه، لا يجوز أن يُقاس إليها أي معرفة أخرى؛ فكل معرفة أخرى — ومنها المعرفة العلمية ذاتها — إن هي إلا جهالة عمياء إذا قُورِنت بالحقيقة التي تُشرِق على المتصوفة في لحظات وجدهم.

•••

تلك الرؤية الكاشفة عما حجبَته الأستار عن سائر الناس، هي إذن أولى خصائص التصوف، وهي خصيصة تكفي وحدها لنُدخِل التصوف في عالم اللامعقول؛ ثم تجيء الخاصة الثانية، وهي أن الصوفي يوحِّد الكون كله في كيان واحد لا يقبل الانقسام ولا التجزئة ولا التحليل؛ فوهمُ الحواس هو الذي يحملنا على الظن بأننا نعيش في عالم من كثرة؛ فأجناس كثيرة وأنواع مُتبايِنة ثم أفراد لا يُحصيها العد، فنتوهَّم أن كل كائن من هذه الكائنات وحدة قائمة بذاتها، ترتبط مع سواها بعلاقات مختلفة، ولكن الصوفي برؤيته النافذة إلى ما تُخفيه الظواهر، لا يلبث أن يرى حقيقة واحدة لا تعدُّد فيها وإن تعدَّدت تجلياتها.

ومن هذه الخاصة تتفرع أخرى، وهي أن الصوفي يُنكِر انقسام الزمن إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل. إن مثل هذه التجزئة لتيار واحد لا تكون إلا عند من ينحصر بصره في اللحظة الراهنة، ثم يُضيف إليها شطرًا من الزمن سبقها وشطرًا آخر سيلحق بها. أما عند من يعلو على هذه النظرات المحدودة، فإنه سوف يرى الكل في لمعة واحدة تضم الحقيقة من أزلها إلى أبدها. وإن نفي التجزئة عن الحقيقة الكونية الواحدة، وبالتالي نفيها عن الزمن، لَينقلنا إلى خاصة رابعة من خصائص النظرة الصوفية، ألا وهي إزالة الفوارق الموهومة التي نميِّز بها ما نسمِّيه الخير عما نسمِّيه بالشر؛ فهذه قسمة لا تُمليها علينا إلا مصلحة اللحظة الراهنة، وأما الرؤية الشاملة للحقيقة الكونية الواحدة فلا ترى إلا تلك «الحقيقة» الواحدة الخالصة، والتي لا خير عندها ولا شر، وإنما هنالك «الحق» في ذاته وكفى؛ ومن ثَم ترى المتصوفة يتجردون ويتنزَّهون عن مشاعر البشر المألوفة لنا من غضب ورضًا، وحزن ومرح، وغير ذلك. إنهم لا يُحِسون الألم فيما يُؤلِم الناس ولا يشعرون باللذة يما يلتذ به الناس. إن أمل المتصوف وجهاده ورياضته لنفسه إنما تهدف كلها إلى بلوغه حالة من السكينة التي لا تهزها أعاصير الرغبات والشهوات.

٦١

من هذا كله تنشأ لنا أسئلة أربعة، تُلقي الإجابة عنها ضوءًا قويًّا على الفواصل التي تفرِّق بين «المعقول» و«اللامعقول»، فهل حقًّا تتميز رؤية الحدس عن رؤية العقل بما يجعل الرؤية الأولى كاشفة عن اليقين، على حين أن الرؤية الثانية كثيرًا ما تؤدي بنا إلى ضلالات وأوهام؟ وهل هو حقٌّ ما يزعمونه من أن كل انقسام للأشياء وكل تجزئة وكل تحليل هو من قبيل الأوهام التي تنحرف بنا عن رؤية الحقيقة؟ وهل الأزلية موصولة بالأبدية في وحدة ليس فيها ما هو ماضٍ ومستقبل، وإنما هي حقيقة واحدة حاضرة دومًا وإلى الأبد؟ ثم ما حقيقة الخير والشر من وجهة النظر الصوفية وغير الصوفية؛ أصحيح أن إدراكنا لهذه التفرقة وهم، وأن الحق في ذاته يعلو على مثل هذه التفرقات، فالحق حق ولا شيء أكثر من ذلك ولا أقل؟

•••

وأهم ما يهمنا من هذا — فيما له مسٌّ مباشر بموضوعنا، وهو أن نفرِّق بين المعقول واللامعقول؛ لنكون على بيِّنة بحدود هذا وحدود ذاك — هو ما يفصل نوعَي الإدراك اللذَين ما ينفكُّ الفلاسفة يتعرَّضون للتمييز بينهما، وهما: الإدراك بالعقل والإدراك بالحدس. فالأول هو كما ذكرنا طريق العلم وما يدور مداره من معارف، والثاني هو ما يقول المتصوِّفة ومن لفَّ لفَّهم إنه طريقهم إلى الحق. الأول يخطو حتمًا من مقدمة أو مقدمات، من شاهد أو شواهد، إلى نتيجة أو نتائج؛ وأما الثاني فلا يخطو، وإنما هو ينتهي حيث يبدأ؛ لأنه لمعة بارقة تتم فيها رؤية الحقيقة بغير مقدمات ولا شواهد، وإن تكن صالحة بعد ذلك لتوليد النتائج. وواضحٌ أن النوعَين قد يتعاونان في عملية واحدة؛ فبالحدس نلمح الفكرة التي تصلح أن تكون «مبدأً» نبدأ منه السَّير بخطوات العقل إلى حيث شاء لنا ذلك السير من نتائج.

ولك أن تقرِّب فكرة الحدس إلى تصوُّرك، فتجعل من هذا الحدس ومما نسمِّيه ﺑ «الغريزة» شيئًا واحدًا؛ فإذا قُلنا إن الإنسان يُدرِك بعض الحقائق بحدسه، فكأننا قلنا إنه يُدرِك تلك الحقائق بغريزته، وإن شئت أيضًا فاجعل من «الحدس» و«الغريزة» مرادفَين في المعنى — فيما يمس سياق حديثنا هذا — ﻟ «الوجدان»؛ فكلها أدوات في الفطرة البشرية لا تحتاج إلى تعلُّم واكتساب، ومع ذلك فهي — كما يزعمون لها — أدوات إدراكية تبلغ اليقين بلمحة واحدة. وإنه ليجدر بنا هنا أن نذكر أمرًا له أهميته لمن يتتبَّع مراحل التاريخ الفكري، وذلك هو أن العصور الفكرية قد يختلف بعضها عن بعض، في أن عصرًا تسوده طريقة العقل في الإدراك، فيجيء عصر آخر في إثره ليعدل الميزان بأن يجعل للغريزة — أو للوجدان — الغلبة والرجحان، وبالطبع قد يصطرع الجانبان في العصر الواحد؛ فانظر إلى القرن الثامن عشر في فرنسا، كم أعلى فيه فولتير وغيره من الموسوعيين من شأن العقل، فلم يكن من روسو إلا الثورة على تلك العقلانية الجامحة، فيدعو للغريزة وللفطرة وللمشاعر، وتبعه في ذلك الرومانسيون لفترة طويلة.

ويرى برتراند رسل في هذا الفصل الذي بحث فيه موضوع «التصوف والمنطق» أنْ لا تعارُض في حقيقة الأمر بين الرؤية بالغريزة — أو بالحدس — وبين مهمة العقل بعد ذلك في التحليل الذي يرتِّب عليه تأييدًا لما رأته الغريزة أو تفنيدًا؛ بمعنى أنه من غير الصواب أن نزعم — كما يزعم المتصوفة والرومانسيون وأمثالهم — بأن الغريزة إذا رأت فلا بد أن تجيء رؤيتها يقينًا لا يتطرق إليه الشك؛ وذلك أن الغريزة، أو البصيرة، أو الوجدان، أو الحدس، أو ما شئت له من أسماء، قد يرى على لحظات الزمن المختلفة ما ينقض بعضه بعضًا؛ أي إنه قد يرى اليوم أمرًا ثم يرى نقيضه غدًا؛ ومن ثَم يجيء دور العقل الذي لا غِنى عنه، وهو أن يحلِّل ويختبر ويحقِّق؛ ليرفض — من تلك المتناقضات — ما ينبغي رفضه، ويستبقي ما يجدر به أن يبقى. فلئن كانت بصيرة الوجدان قادرة على الكشف، فالعقل من ناحيته يكتفي بدور المُراقِب والمُراجِع؛ ليميز في «الكشوف» المزعومة بين القمح والشعير، ثم لينسِّق العناصر المقبولة في رقعة واحدة مُتكامِلة النسج والبناء.

هذه حقيقة ذات أهمية بالغة في موضوعنا، وأرجو أن ترسخ في ذاكرتنا إلى أن يحين حين الفصول التالية. فلنذكر جيدًا منذ الآن أن المتصوِّف — مثلًا — (والكلام ينصبُّ على أنصار «اللامعقول» بمختلف صنوفهم) له كل الحق في أن يقول إنه رأى كذا وكذا مما لا نستطيع نحن رؤيته معه، لكن الذي لا حق له فيه هو أن يدَّعي لرؤيته يقين الصدق؛ لأنه هو نفسه — في لحظة أخرى — قد يرى النقيض؛ وإذن فلا بد من أداة أخرى، وهي أداة نملكها جميعًا، متصوفةً وغير متصوفة، وأعني بها أداة العقل ومنطقه؛ لكي ترقُب وتُراجِع وتنسِّق وتستبقي من الحقائق ما يستحق الدوام. ومعنى ذلك أننا نحن أبناء هذا العصر، إذ نجد بين أيدينا ذخرًا من مخلَّفات الأقدمين في مجال اللامعقول، لا يجوز لنا القبول الأعمى، ولا الرفض الأعمى. فلا يجوز القبول بحجة أنها إدراكات وجدانية أحسَّها أصحابها بفطرتهم الصافية، فهي بمنجاة من الخطأ، كما لا يجوز لنا الرفض بحجة أنه من اللامعقول الذي يتنافى — من حيث المبدأ نفسه — مع العقل، بل الأدنى إلى الصواب هو أن ننظر نحن الخلف، بالعقل وحده إلى ما قد خلَّفه لنا السلف من لمحات اللاعقل، لندمج في حياتنا ما يُمكِن أن يتَّسق مع ما نراه بدَورنا في عصرنا.

ليست الغريزة معصومة من الخطأ، هذا ما نُلحُّ في تقريره لنتخذ منه مُتكَأً لنا عند النظر إلى إدراكات المتصوفة. وإنه لمِمَّا يُلاحَظ أن الإنسان كُلَّما تعرَّض لضعف في قواه العاقلة — في حالات المرض والعجز — ارتد إلى غريزته يستهديها، زاعمًا أنها أصدق ما يهدي سائرًا على طريق. ومع ذلك فمِمَّا يَلفت النظرَ أن هؤلاء الذين يُشيدون بسداد غرائزهم في أحكامها على الناس والمواقف والأشياء، لا يمتنعون عن اتهام غرائز الآخرين بالضلال إذا ما اختلف هؤلاء الآخرون معهم في إدراك ما يُدرِكون، فكأنما العصمة التي تمتاز بها الرؤية الفطرية الغريزية مقصورةٌ على فريق من الناس دون فريق.

وانظر — على ضوء هذا — إلى الفلاسفة الذين يبدءون بناءاتهم الفكرية بمبدأ يزعمون له الصدق المُطلَق لكونه رؤية حدسية. ألا يكفي للتردد في قبول دعواهم أن نجد هذه «المبادئ» على غير اتفاق فيما بينهم؟ إنه لو كانت رؤية الحدس لما هو حقٌّ أمرًا مفروضًا ومفروغًا من التسليم بصوابه، بحجة أنها رؤية مُنبثِقة عن الفطرة ذاتها، لما جاز أن يرى هذا الفيلسوف نقيض ما يراه ذلك؛ فبأي شيء نُراجِع أقوال هذا وذلك بغية القبول أو الرفض؟ إن لهذه المراجعة وسيلة واحدة: هي العقل؛ ولهذا كانت وجهة النظر التي أريد اصطناعها إزاء مأثورات الأقدمين، هي أن نُحاسِبهم بأداة العقل، فما ساير العقل من مأثورهم أخذناه، وما لم يُسايِره جعلناه موضوعًا للتذوق والتسلية، فلا نأخذه مأخذ الجد، مهما قيل في منزلة قائليه من أرباب الوجدان النافذ خلال الحُجب الكثيفة التي ابتلانا الله بها — نحن البشر — فحالت بيننا وبين رؤية الحق كما يزعمون.

ولا بأس هنا في أن نسوق فيلسوفًا معاصرًا لنا؛ لنُناقِشه في تفرقته بين إدراك «الحدس» وإدراك «العقل المنطقي»؛ لأنه ممن يأخذون بوجهة النظر الصوفية التي تركن إلى الحدس دون العقل في رؤية «الحق». فهو يقول في تمييزه بين الأداتَين إن العقل إنما يحوم حول الموضوع الذي يُدرِكه، على أن الحدس يغوص إلى صميمه. العقل تعتمد رؤيته على زاوية النظر إلى الشيء المراد العلم به، وكلما اختلفت تلك الزاوية اختلفت الرؤية، حتى إذا ما أدرك ما استطاع إدراكه، لم تكن له بعد ذلك وسيلة إلا في أن يسوق إدراكه ذاك في رموز — كألفاظ اللغة أو مصطلحات العلوم — وأما الحدس فلا هو في حاجة إلى زاوية خاصة للنظر، ولا هو يستخدم رموز اللغة أو سواها؛ لأنه مِلكٌ لصاحبه ولا سبيل إلى نقله إلى الآخرين؛ فلا غرابة أن وجدنا المعارف العقلية كلها «نسبية» تعتمد على ظروف كثيرة، وأما الحقيقة التي يُدرِكها الحدس فمُطلَقة.

لَأن ترى شيئًا بحدسك معناه أن تدمج ذاتك في ذاته، وأن تقع منه على ما هو فريد فيه، وإذا قلنا ذلك فكأننا قلنا إنك تقع منه على الجانب الذي يستعصي على أي تعبير؛ إذ بماذا يكون التعبير إلا بالرمز اللغوي الذي لا يكون إلا أداة «تعميم» لا أداة تفريد، وهو بالضرورة أداة تعميم؛ لأنك تستخدمه في جميع الحالات المُتشابِهة على حد سواء؛ فإذا كان ما قد رأيته بالحدس «فريدًا» لا أشباه له، فهو ليس مما يُوصَف برموز اللغة أو ما يقوم مقامها. ويضرب لنا برجسون مثلًا لهذا النوع من المعرفة الحدسية التي تغوص إلى صميم الشيء المُدرَك لترى فيه ما هو «فريد» بغير أشباه، معرفة الإنسان لذاته، «فهنالك حقيقة واحدة — على الأقل — نُمسِك بها في داخل نفوسنا بطريق الحدس لا بطريق التحليل البسيط، وتلك هي «ذات» الفرد الذي يستبطن نفسه ليراها، فهو يرى ذاته في حالة فيضها خلال الزمن؛ أعني أنه يرى نفسه في حالة ديمومتها على امتداد الزمن» (مقدمة للميتافيزيقا، ص٨ من الترجمة الإنجليزية). لكن برجسون لم يسعه إلا أن يقول لنا هذا القول بوسائل الرموز اللغوية، التي اتهمها بالعجز عن حمل ما قد أدركه في ذاته بطريق الحدس.

يقول برجسون عن العقل المنطقي إنه أداة عملية مهمتها أن تحقِّق للإنسان القدرة على البقاء، لكن الأمر إذا جاوز حدود منافع العيش، وقف ذلك العقل نفسه موقف الحيرة والعجز تجاه ما تُبديه الحياة من خصائص، في الوقت الذي يُمكِن للحدس — أو الغريزة — أن تُدرِك ما قد عجز عنه العقل إدراكًا مُجمَلًا مباشرًا. ويعلِّق برتراند رسل على ذلك بقوله إننا بمنطق العقل وحده استطعنا أن نُدرِك ما هنالك من صراع بين الأحياء من أجل البقاء، فلو كان العقل على ضلال في إدراكه، لَسقطَت من أيدينا نظرية التطور البيولوجي كلها؛ إذ هي نظرية استدلها العقل، مع أنها هي النظرية الماثلة في ذهن برجسون حين يتحدث مُوازِنًا بين العقل والغريزة، وقائلًا إن العقل — لكونه حديث الظهور في سُلَّم التطور — فهو وشيك الزلل، على حين أن غريزة الحيوان — لأنها ضاربة إلى أول نشأة الحياة — فهي مسدَّدة الرؤية نحو الصواب دائمًا.

إننا على أحسن الفروض التي تؤيِّد الحدس، نقول إن الحدس وذكاء العقل معًا ظاهرتان انبثقتا على طريق التطور البيولوجي، وإن كلَيهما نافعٌ للبقاء على حد سواء، ولكن لماذا لا نقول كذلك إن العقل قد جاوز حدود المنفعة وأنتج لنا تطورًا ثقافيًّا وحضاريًّا، على حين بقيت الغريزة عند حدود المنفعة في حفظ البقاء، وإنها إذا لم تكن عامل تعويق للحضارة، فليست على كل حال عاملًا مُساعِدًا؛ فالإدراك الفطري المباشر، الذي ننسبه إلى الغريزة، أو إلى الوجدان، أو إلى الحدس، إنما هو على أشدِّه في الأطفال لا الراشدين، وعند السُّذَّج لا الذين أرهفتهم الثقافة وتهذيبها، بل هو على أشده عند طائفة من ذوي البلاهة؛ ولذلك كثيرًا ما رأينا جمهور الناس «يتبرَّكون» بهم، ويُنصتون إلى لغوهم وكأنه الحق يجري على ألسنة المُلهَمين.

وهل صدق برجسون حينما زعم العصمة من الخطأ للإدراك الحدسي المباشر؟ لنأخذ المثل الذي ساقه، وهو معرفة الإنسان لنفسه من باطنه، قائلًا إنه عندئذٍ لا يُخطئ حقيقتها! فهل صحيحٌ أن الإنسان يعرف عن نفسه اليقين، أم تُراه — في أكثر الحالات — مضلَّلًا في ذات نفسه لا يعرف عن حقيقتها إلا أقل القليل، إلى أن يتناوله سواه من أصحاب التحليل النفسي، فيكشفون له عن أغوار لم يكن له قِبل بكشفها بكل ما في وسعه من حدس إذ هو يستبطن ذاته؟

إن للإدراك الحدسي (وأرجو ألا يغيب عن ذهن القارئ أن الإدراك الحدسي هو نفسه طريقة المتصوفة في إدراك «الحق») أقول إن لهذا الإدراك الحدسي حسنة هي التي قد تنقلب إلى سيئة، وتلك هي أن ما نُدرِكه بمثل هذه الطريقة المباشرة، تبدو وكأنها تفرض نفسها فرضًا علينا ولا تدع أمامنا سبيلًا لارتياب، فتأخذنا العقيدة الثابتة بأن ما قد أدركناه هو «الحق» لا شبهة فيه؛ فلو كان الإدراك الحدسي مضمون الصدق كما يزعمون له، لكانت عقيدتنا تلك في يقين صدقه حسنةً أيَّ حسنة بالقياس إلى مُدرَكات العقل المعرَّضة للشك والخطأ، أما وقد رأينا أن ما يُدرِكه الحدس معرَّض هو الآخر للخطأ، فها هنا تكون السيئة؛ لأن صاحب الحدس سيظل مُوقِنًا بصواب معرفته الحدسية، مُنكِرًا لكل الشواهد التي تنفي عنها ذلك الصواب المظنون، فماذا ترى عندئذٍ في إنسان ترك زمامه في حياته لضروب من الاعتقاد ثبت بطلانها؟ ولنعُد مرة أخرى إلى معرفة الإنسان لنفسه، فهي — كما قلنا — معرفة حدسية مباشرة، ولننظر كم نُعاني إذا أردنا أن نُزحزِح إنسانًا عن عقيدة له في نفسه خاطئة، وقد يشاء الحظ المنكود لجماعة من البشر أن يُوضَع لهم في مكان الزعامة منهم رجلٌ أخطأ معرفة نفسه، فحسِبها — مثلًا — مُحِبة للحرية تنشُدها لها وللناس أجمعين، وتنظر أنت فلا ترى في تلك النفس إلا طغيانًا؛ فهيهات للناس عندئذٍ أن يبدِّلوه عن نفسه عقيدة بعقيدة، وإلى الجحيم من يتحكم فيهم من مجموعة البشر، مضلَّلًا بفكرته عن نفسه؛ إذ لا أهمية عندئذٍ لكل ما قد امتلأت به نفسه تلك من أطيب النوايا.

وإن هذا الجمع بين الحسنة والسيئة في الإدراك الحدسي من الإنسان لنفسه؛ الحسنة إذا تصادَف أن جاء ذلك الإدراك صادقًا، فهنا تكون له قوة الإيمان بما تفعله من معجزات؛ والسيئة إذا جاء الإدراك الحدسي كاذبًا، فيؤدِّي بصاحبه وبالناس إلى التهلكة صدورًا عن نية طيبة! أقول إن هذا الجمع بين الحسنة والسيئة في الإدراك الحدسي، نراه كذلك في عقيدة الإنسان فيمن يحب، سواء كان ذلك المحبوب إلهًا أو إنسانًا من البشر، أو حتى نظامًا من النُّظم الاجتماعية أو مذهبًا من المذاهب الفكرية، فهنا أيضًا نقول إنه لو جاء العلم الحدسي صادقًا، كانت النعمة الكبرى لصاحبه؛ لأنه في هذه الحالة سيعلم الحق علمًا له شدة الإيمان الراسخ، ولكن يا لها من نكبة إذا جاءت المعرفة الحدسية على بطلان، فعندئذٍ ترى العجَب؛ إذ ترى صاحبها يخبط في ضلال وهو على إصرار المؤمنين.

أليس مِن حقنا — والحالة بالنسبة للرؤية الصوفية هي هذه — أن نكتفي من تراثنا الصوفي كله بنظرة كالتي ننظر بها إلى نتاجٍ شعريٍّ صبَّ أصحابه فيه «أحوالهم» النفسية عن صدق بينهم وبين أنفسهم؟ وإذا نحن اكتفينا بهذه النظرة الفنية إلى التراث الصوفي، كانت معاييرنا في الحكم عليه هي المعايير التي نحكم بها على قصائد الشعر، لا المعايير التي نقيس إليها أقوال العلماء عن الوجود الواقع، بل أقوالهم عن النفس الإنسانية ذاتها؛ وبذلك نُزيح عن صدورنا عبء التبعة التي نُحسُّها كلما رأينا نتاجًا عظيمًا حقًّا لمتصوف بارز، فتأخذنا الحيرة: أنُلقي جانبًا بهذا النتاج وهو درة فنية نفيسة؟ أم نهتدي به في سلوكنا فيضيع منا واقع الحياة؟

٦٢

تنتهي النظرة الصوفية بأصحابها — ولنذكُر أنها نظرة لا تُبنى على منطق العقل — إلى الكشف عن وحدة كونية شاملة بغضِّ النظر عما قد تُوهِمنا به الحواس من تعدُّد وتكثُّر في الكائنات والأشياء، وهم — أعني المتصوفة — إذ ينقلون إلينا ما قد أدركوه بطريق الإشراق من أمر تلك الوحدة الواحدة، قد يجدون منا قلوبًا متقبِّلة متعاطِفة؛ لما قد نراه في عقيدتهم من تأييد لعقيدة أخرى عندنا جاءت إلينا عن طريق الدين، فسرعان ما نخلط بين «توحيد» يقول لنا الصوفي إنه مارسه في لحظات استغراقه في محبوبه، و«توحيد» آخر جاءت به الرسالة الدينية وحيًا على الرسول فآمنَّا بها إيمانًا — هو ككل إيمان — يعتمد على تصديق ما قد سُمع، لا على الدعوى بأننا قد رأينا شيئًا أو مارسنا شيئًا بأي جانب من حقيقتنا البشرية، لا بل إن المتصوفة أنفسهم، بعد أن يقولوا إنهم إنما رأوا ما رأوه كما يرى الإنسان نورًا يُضيء، يعودون فيُحاولون التماس «منطق» يؤيِّدون به صدق رؤيتهم، كأنما نسوا أن ما زعموه هو أن إدراكهم لما أدركوه قد جاء إشراقًا مُباغِتًا على قلوبهم، على حين أن حِجاج المنطق ذو طابع آخر هو أبعد ما يكون عن لمعة من الضوء تنقذف في القلب.

ليس علينا مِن حرج إذا نحن وقفنا موقف الرفض تجاه ما زعمه المتصوفة في طريقة وصولهم للحق، وفيما زعموه من وحدة الكون واتحادهم الذي حقَّقوه مع الله سبحانه، فها هو ذا ابن تيمية يقول عنهم في «حقيقة مذهب الاتحاديين» ما نصه: «وأما هؤلاء الاتحادية فبنَوا على أصلهم الفاسد، وهو أن الله هو الوجود المُطلَق الثابت لكل موجود، وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر — وإن كانت من وساوس الشيطان — يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن الله بلا واسطة، وأنهم يُكلَّمون كما كُلِّم موسى بن عمران، وفيهم من يزعم أن حالهم أفضل من حال موسى بن عمران؛ لأن موسى سمع الخطاب من شجرة، وهم — على زعمهم — يسمعون الخطاب من حي ناطق.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١