مقدمة
١
- أولًا: لم يقتصر نقدي عِلمَ الاقتصاد السياسي على نقد الجسم النَّظري للعِلم، بل تعدَّى ذلك إلى نقد المركزيَّة الأوروبيَّة التي هيمنَت على العلم، فحدَّدت ركائزه وصَاغت مبادئه بمنتهى العنصريَّة! وفي سبيل نقد هذه المركزيَّة قمتُ بتحليل مُكوِّنات الحضارة الأورُوبيَّة، بوصفها الحضارةَ التي أنتجَت الاقتصاد السِّياسي، ثم درستُ تأثير مُكوِّنات هذه الحضارة في تشكيله؛ وذلك بقصد تحريره، كعِلمٍ اجتماعي، من تلك المركزيَّة الأوروبيَّة التي سَلَبتْه الفُرصَ المدهشةَ كَي يكون عِلمًا إنسانيًّا عالميًّا. وبتحرير الاقتصاد السياسي من هذه المركزيَّة، على هذا النحو، يُصبح ممكنًا استخدام أدواته الفكريَّة في سبيل دراسة ظواهر الإنتاج والتوزيع في المجتمعات كافة، عَبْر حركة التاريخ العظيمة والبطيئة والملحميَّة، بمعزل عن التحيُّز المذهبي الأجوف من أجل غدٍ إنساني، عادل، رحيم، غدٍ لا يقود فيه المخبولون العميان، غدٍ تُسهم في صناعته الحضاراتُ البشريَّة في إطار من وحدة المعرفة الإنسانيَّة. وفي سبيل نقد تلك المركزيَّة أيضًا بحثتُ عن قوانين حركة النشاط الاقتصادي في حضارات العالم القديم؛ فذهبتُ إلى بابل، ومصر القديمة، والقدس، وأثينا، وروما، وبلاد الغال. وامتدَّت رحلتي إلى حضارات العَالم الوسيط؛ فمررتُ بالبلدان التي حكمها البيتُ الأُموي ثم البيت العبَّاسي حتى بلغتُ أرض المماليك وسماء الأندلس؛ وذلك بقصد نفي قصر الرَّأسماليَّة على غرب أورُوبا. وعلى الرغم من القصور الظاهري الذي أصاب البحث؛ لعدم اشتماله على الإشارة إلى قوانين الحركة في حضارات آسيا، بصفةٍ خاصَّة في الحضارة الصينيَّة والحضارة الهنديَّة، فإن هذا الانطباع عن ذلك القصور يزول إذا ما فُهم بحثي فهمًا صائبًا على أساسٍ من كونه يمثِّل خطَأً منهجيًّا يُقدِّم نفسه دائمًا كفرضيَّة يجب التثبُّت من صحتها، وهو ما يمكن، بيسر، لكل باحث أن يستخدمه بدراسته لطبيعة النَّشاط الاقتصاديِ في تلك الحضَارات، ومدى خضوعها، وهي بالفعل خضعَت تاريخيًّا، لقوانين الحركة. وبالمثل؛ فكما افترضتُ إمكانيَّة استخدام المنهج المقترح حين دراسة النشاط الاقتصادي في المجتمعات التَّاريخيَّة المختلفة ومدى خضوعها لهيمنة قوانين حركة الرَّأسمال، فإنني أفترضُ أن المنهج الذي قدَّمتُه بشأن ظاهرة تسرُّب القيمة الزَّائدة في مصر وفي العالم العربي، يصلُح، هو الآخر كإمكانيَّة، للبحث في نفس الظَّاهرة في الأجزاء المتخلِّفة من النظام الرَّأسمالي العالمي المعاصر.
- ثانيًا: بعد مائتَي سنة تقريبًا من كتابات الآباء المؤسِّسين، رفضتُ قياس القيمة، التي يخلقُها العمل وتسكن جسد المنتوج، بعدد ساعات العمل المبذول في سبيل إنتاج هذا المنتوج. ووصلتُ إلى قياسها بكميَّة الطَّاقة الضروريَّة اجتماعيًّا؛ فالاقتصاد السياسي منذ سميث، مرورًا بريكاردو، وانتهاءً بماركس، يقيس قيمة المنتوج بعدد ساعات العمل، ولكن، حينما نقول إن منتوجًا ما، قيمته مثلًا ثلاث ساعات، فإننا نكون عَرفنا أنه أُنتج «خلال» ثلاث ساعات. عَرفنا الوقت الذي أُنجز «خلاله». ولكن لم نعرف بعدُ قَدْر قيمته! الأمر الذي أثار فضولي المعرفي حتى وصلتُ إلى فرضيَّة قدَّمتُها على أساسِ أنها تمثِّل، ولأول مرة في تاريخ علم الاقتصاد السِّياسي، المقياس الصحيح للقيمة. هذا المقياس هو كمية الطاقة الضروريَّة اجتماعيًّا المبذولة في سبيل إنتاج المنتوج، ووحدة قياسها السُّعر الحراري الضروري. وهو الأمر الذي صار يمكِّننا الآن من قياس قيم جميع المنتجات التي تُنتجها الأعمال كافة؛ فأصبح بمقدورنا الآن قياس قيمة كل السلع والخدمات التي يُنتجها العمل الإنساني، وذلك بعد أن كان الاقتصاد السياسي يتَحاشى مناقشة إنتاجية العمل في قطاع الخدمات ويَتَلافَى مُعالجة إنتاج القيمة داخله؛ لعدم وصوله إلى مقياسٍ ثابت لمعرفة قَدْر القيمة في هذا القطاع. ووصول علم الاقتصاد السياسي إلى هذا المقياس الصَّحيح إنما يعني، وعلى الفور، إعادة الاعتبار إلى قانون القيمة. يعني إعادة الاعتبار للقانون العام الذي يحكُم ظواهر النشاط الاقتصادي على الصَّعيد الاجتماعي؛ وبالتَّالي يُعيد تقديم العِلم نفسه كعِلمٍ منشغل بالقوانين الموضوعيَّة الحاكمة لظواهر الإنتاج والتَّوزيع في المجتمع، الظَّواهر المتمفصلة حول هذا القانون العام، قانون القيمة؛ فالآباء المؤسِّسون، سميث وريكاردو وماركس بصفةٍ خاصَّة، حينما أعياهم أمر هذا المقياس الثَّابت، والمنضبط، أحالوا الاقتصاد السياسي بأسْره إلى السُّوق متلمِّسين منه الحلول لمشكلة قياس قيم السلع المتبادلة! في نفس تلك اللحظة التَّاريخيَّة فُتح الباب على مِصراعَيْه أمام سيلٍ جارف من الأفكار السَّطحيَّة والرؤى الخطيَّة التي تباعدَت عن العِلم والقوانين الموضوعيَّة التي نشأ العِلم كي يكشفَ عنها، واستبدلتُ ذلك كله بنظراتٍ ذاتيَّة ذات مفاهيم انطباعيَّة حطَّمَت جهودَ الآباء المؤسِّسين وأقامت القطيعة المعرفيَّة معهم بدلًا من استكمال أعمالهم الخلَّاقة؛ فتجرَّع الطلبة، الضَّحايا، في الجامعات، بصفةٍ خاصَّة في عالمنا العربي، علقم النَّظريات التي تمَّ تقديمُها لهم، على أساسٍ من كونها العِلم الاقتصادي الوحيد الصحيح تاريخيًّا، على الرغم من فشل هذه النَّظريات الفادح لا في تقديم الحلول للأزمات المتتالية للنظام الاقتصادي، بل فشلها المدوِّي في مجرَّد شرح وتفسير تلك الأزمات!
- ثالثًا: بعد أن كانت نظريات الاقتصاد السياسي تُقدَّم، بوجهٍ عام، بمعزل عن تأثير الزَّمن؛ قمتُ، استكمالًا لجهود الآباء المؤسِّسين، بإدخال الزَّمن في تحليل تكوين القيمة بوجهٍ خاص؛ وبالتَّالي أمكن الآن فهم دور الزَّمن الحاسم في هيكل وأداء النشاط الاقتصادي في حقلَي الإنتاج والتَّوزيع على الصَّعيد الاجتماعي، دون افتراضاتٍ تعسُّفية كما فعل ريكاردو، ودون الخروج من دائرة العِلم إلى السُّوق كما فعل سميث وماركس.
- رابعًا: قمتُ بتصحيح مكوِّنات القيمة؛ فلم تعُد القيمة الاجتماعيَّة للسلعة مكوَّنة من العمل الحي والعمل المختزن ومتوسط العمل الزَّائد، بل صارت تتحدَّد بكميَّة الطاقة الحيَّة والطاقة المختزنة والطاقة الزَّائدة (مُقوَّمة بالسُّعر الحراري الضَّروري)؛ وبالتَّالي أصبحَت القيمة الاجتماعيَّة للسلعة، بعد إدخال الزمن في التَّحليل، محدَّدة بكمية الطَّاقة الضرورية المبذولة في سبيل إنتاج تلك السلعة مَقسومة على زمَن إنتاجها.
- خامسًا: بالتفرقة التي أظن أنها كانت مجهولة، وربما مطموسةً جهلًا أو عمدًا، في عِلم الاقتصاد السياسي بين شكل التَّنظيم الاجتماعي، بما يتضمَّنه من تنظيمٍ سياسي، وبين قوانين الحركة الحاكمة لظواهر النشاط الاقتصادي داخل هذا التَّنظيم الاجتماعي أو ذَاك، استبدلتُ نظريَّة نمط الإنتَاج، بعد نقد أسسها الأيديولوجيَّة الضَّاربة بجذورها في كراسات التَّعميم، بفرضيَّة تعتمد على الوعي الناقد بقوانين حركة النشاط الاقتصادي للبشر عبْر التَّاريخ الدرامي لتطورهم الاجتماعي والاقتصادي. فرضيَّة ترى أن الرأسماليَّة (التي هي خضوع الإنتاج والتَّوزيع في المجتمع لقوانين حركة الرَّأسمال) هي القاعدة التي تعمل عليها جميع النُّظم الاجتماعيَّة، بغَض النظر عن «مدى» تطوُّر قوى الإنتاج السَّائدة، وبغَض النَّظر عن «شكل» علاقات الإنتاج المهيمنة. الأمر الذي يتيح لنا إعادة فهم طبيعة جميع المذاهب، وحقيقة كل النَّظريات والنُّظم التي أفرغَت العِلم الاقتصادي من مضمونه الاجتماعي، وجرَّدَتْه من محتواه الحضاري، ثم استخدمَتْه كوسيلة قهر وإخضاع لا أداة للوعي والحريَّة.
- سادسًا: رفضتُ نظرية التبادل غير المتكافئ، بكل مغالطاتها الواقعيَّة والتَّاريخيَّة وبكل شهرتها الزَّائفة، وبكل مقولاتها اليساريَّة، المدَّعية، المضلِّلة. استند هذا الرفضُ على نقد الخطاب الدعائي غير العِلمي ضدَّ ظاهرة الرأسمال. تلك الظَّاهرة التي أخضعَتْها نظرية التبادل غير المتكافئ للتَّحليل التَّاريخي انطلاقًا من المركزيَّة الأوروبيَّة! وبأدوات تحليل المركزيَّة الأوروبيَّة! انتصارًا للمركزيَّة الأوروبيَّة! فانتهَت إلى نظريَّة عادية جدًّا في ثمن السُّوق لا تقل سطحيَّة عن النَّظريات الرَّسميَّة التي يتم إعدام الطَّلبة بها يوميًّا في المدارس والجامعات!
- سابعًا: رفضتُ فهم ظاهرة التَّخلُّف على أساسٍ من بيانات الفقراء والمرضى والجوعى المكدَّسة في تقارير المؤسَّسات الاقتصاديَّة الدوليَّة، التي يستعين بها الرَّأسمال الدولي استقدامًا واستبعادًا في سبيل مصلحته، معتبرًا تلك البيانات دليلًا، وإن كان نسبيًّا، على مظاهر التَّخلُّف وليس برهانًا على التَّخلُّف نفسه أو تحديدًا له؛ وبالتَّالي، فسَّرتُ ظاهرة التَّخلُّف الاجتماعي والاقتصادي، بصفةٍ خاصَّة في عالمنا العربي، استنادًا إلى فرضيَّة في تسرُّب القيمة الزَّائدة المنتَجة داخل الأجزاء المتخلِّفة من النظام الرأسمالي العالمي إلى الأجزاء المتقدمة من أجل شراء السِّلع والخِدمات المنتَجة في الأجزاء المتقدمة، التي تعتمد عليها الأجزاء المتخلِّفة في سبيل تجديد إنتاجها الاجتماعي.
٢
ولقد جاء التَّحليل، في الجزء الأول، مقتصرًا على مجرَّد الإشارة إلى ظاهرتَي النُّقود من جهة، والنشاط الاقتصادي للدولة من جهةٍ أخرى؛ وبالتَّالي جرى استبعاد كلِّ ما من شأنه إثارة النَّقد الموسَّع لما يتعلق بهما من التَّحليل.
فالنُّقود لم تظهر في الجزء الأوَّل إلا عرَضًا، بصفةٍ خاصَّة في سياق الطَّرح المنهجي لظاهرتَي الإنتَاج والتَّبادل (الفصل الخامس من الباب الأول) وحين تحديد قوانين حركة الرَّأسمال (الفصل السابع من الباب الأول)، إنما دون تحليلٍ موسَّع لماهيَّتها ووظائفها ودورها في حقل النَّشاط الاقتصادي. كما لم تظهر الدَّولة إلا عرَضًا أيضًا حين تم تناول مَظاهر النَّشاط الاقتصادي (الفصل الرابع من الباب الثالث) أو حين جرى استعراضُ أوجه النَّهب الاستعماري في قارَّتَي أمريكا الجنوبيَّة وأفريقيا (الفصل الأول من الباب الرابع) وإنما كذلك دون مناقشة تكوُّنها التاريخي، أو ماهيَّتها وطبيعتها، أو تحليل مواردها ونفقاتها كأحد أشخاص النَّشاط الاقتصادي.
٣
وفي سبيل دراستنا لظاهرة النقود سوف نقسم هذا الجزء، الثاني، إلى بابَيْن؛ ننشغل في بابٍ أول بتحديد ماهيَّة النقود، إنما ابتداءً من كونها أحد الأشكال التَّاريخيَّة لوسيلة التبادل عبْر تطوُّرها من المنتوج غير المُعَدِّ للتبادل إلى المنتوج السلعي المهيمن وصولًا إلى النقود نفسها. هذا التطوُّر سيُوجب علينا منهجيًّا محاولة التعرُّف إلى وسائل التبادل، وإلى القانون الموضوعي الحاكم لتطوُّرها تاريخيًّا على الصعيد الاجتماعي. بالتعرُّف إلى ماهية النقود وقانون تطوُّرها سيكون بإمكاننا الانتقال، في بابٍ ثانٍ، إلى الخطوة الفكرية التالية لمناقشة أهم القضايا، التي تثيرها ظاهرة النقود، المتعلقة بقيمتها ووظائفها وكميَّتها وعائد توظيفها. ولم يقتضِ هذا الترتيب المنهجي إلا محاولة تقديم طريقة إجابة، لا تدَّعي عصمة، على مجموعةٍ من الأسئلة المركزية التي يمكن تلخيصُها موضوعيًّا على النحو الآتي:
- أولًا: في التبادل اليومي، نحن نستخدم وحدات النقود، فلماذا نُطلِق هذا المصطلح بالذَّات؛ أي «النقود»، على وسيلة التبادل تلك؟ وهو ما يثير بدوره التَّساؤل عن كنه النقود وحقيقتها؛ الإجابة عن هذا التساؤل تُوجِب بالتالي التعرُّف إلى النتائج التي يمكن ترتيبها على ما تتمتَّع به النقود، كظاهرة اجتماعيَّة، من ذاتية، وخصوصيَّة تاريخيَّة.
- ثانيًا: استخدام النقود في التبادل لا يمثِّل إلا مرحلةً من مراحل تاريخ التطور في وسيلة التبادل؛ فما إذن القانون الموضوعي الذي يحكم التطوُّر في وسيلة التبادل على الصعيد الاجتماعي عبْر حركة التَّاريخ؟
- ثالثًا: للنقود جسدُها المادي، كمنتوج، وبالتَّالي يجب التعرُّف إلى قيمتها بوصفها هذا، فكيف تتحدَّد قيمتُها؟ وهل تختلف قيمتُها، كمنتوج، عن قيمتها التي يفرضُها المشرِّع بقوة القانون؟ التعرُّف إلى قيمتَي النقود يستتبع السُّؤال عن الكمية الواجب توافُرها اجتماعيًّا لضمان سير النشاط الاقتصادي.
- رابعًا: في مؤلَّفات النظرية الرسميَّة المخصَّصة لإعدام الطَّلبة في الجامعات يجري تقديم وظائف النقود، كمقدَّسات، ابتداءً من كونها مقياسًا للقيمة وانتهاءً بأنها مخزن لها؛ فهل هذا الكلام سليم علميًّا؟
- خامسًا: المصارف هي أكبر وأخطر متعامل بوحدات النقد اقتراضًا وإقراضًا. ومع ظاهرتَي الإقراض والاقتراض تبرز الفائدة؛ وهو ما يقودُنا بدَوره إلى تكوين الوعي النَّاقد بالعلاقة الحقوقية بين المصارف وجمهور المُقرِضين، من جهة، وبطبيعة العائد على توظيف النقود في فقه الشريعة، مقارنةً بالفكر الاقتصادي ذي المركزية الأوروبيَّة من جهةٍ ثانية، وبالكيفية التي حدَّد بمقتضاها الاقتصاد السياسي سعر الفائدة من جهةٍ ثالثة.
ومع محاولتي تقديمَ طريقةٍ للإجابة عن تلك الأسئلة، من خلال المنهج المذكور أعلاه؛ سيظلُّ رجائي، كما هو دومًا، أن تُثيرَ الأفكارُ التي أطرحُها هنا المناقشةَ التي لا تبتغي سوى الحقيقة العلميَّة، دون ادِّعاء ملكيَّة ناصيتها.
محمد عادل زكي