الفصل الأول

في النقود كوسيلة للتبادل

١

عندما نعطي البقَّال ورقة من أوراق النُّقود؛ ونحصل مُقابلَها على نصف كيلو من الجُبْن، أو نُعطيها إلى الطبيب لقاء استشارةٍ صحيَّة، فهذا قد يعني، لأول وَهْلة، أن النقود، هي شَيْء يمكِّن حَائزه من الحصول على هذا القَدْر أو ذَاك من مُنتجات عَمل الآخرين، سواء أكان هذا القَدْر أو ذَاك منتميًا إلى الإنْتاج المادي أم إلى الخِدمات والمنافع؛ بأن يجري التَّخلِّي، بواسطة التَّبادل، عن قدْرٍ مُحدَّد من هذا الشَّيْء مقَابلَ قَدْرٍ محدَّد من هذه المنتَجات. بَيْد أني قد أتخلَّى أيضًا عن جزءٍ من وقتي أو قَدْرٍ من جهدي، وربما حرَّرتُ شيكًا، أو تنازلتُ عن معطفي، مقابلَ الحصول على منتَجٍ من منتَجات عمل الغير كجُبْن البقَّال واستشارة الطبيب، ومع ذلك لا يصبح الوقْت ولا الجهد، كما لا يصير الشيك أو المعطف نقودًا؛ الأمر الذي يعني أن هذا الشَّيْء كوسيلة تبادُل، يجب كي يكتسبَ صفة النقود، أن يتخذ شكلًا محددًا أيًّا ما كان نوع المادة المصنوع منها. كما يعني، من جهةٍ أخرى، أن هذا الشَّيْء لا يكتسب قدرته على مواجهة عالَم السلع من مادته الذَّاتية وخصائصه الموضوعيَّة كشيْءٍ نافعٍ اجتماعيًّا، بل يجب أن تتوافر له قوةٌ خارجيَّة تمنحه هذه القدرة؛ إذ في عالمنا الرَّأسمالي المعاصر، الذي لم يعُد يَستَخدم، في التَّبادل، رءوس الأنعام أو الملح أو المعادن كالذَّهب والفضَّة والنُّحاس، التي كانت جميعُها آنذاك تملك في ذاتها،١ وفي إطار ظروفٍ موضوعيَّة معيَّنة، قدرةً تجعلها محلًّا للمبادلة، لا يمكن للمرء أن يقبل في التَّبادل قطعةً معدنيَّة دون قيمتها الحقيقية، أو يتعامل بورقةٍ ملوَّنة لا تملكُ أكثر من قيمة المواد المصنوعة منها، إلَّا إذا قرَّرَت الدَّوْلة ممثَّلة في سلطتها التَّشريعيَّة منح هذه القطعة من المعدِّن، أو تلك القُصَاصة من الوَرَق الملوَّن، قيمةً معيَّنة٢ مزوَّدة بقُدْرةٍ غير محدودة في الإبراء. وبتلك المثابة تكتسب وسيلةُ تبادلٍ معيَّنة صفتَها القانونيَّة من هيمنة الدَّولة؛٣ بما صار لها من تسلُّط على إصدار، وتحديد قيمة، الشكل القانوني لهذه الوسيلة من وسائل التَّبادل. الرسميَّة إذن لها هنا دورٌ جوهري، وهي ترتبط بما يقرِّره النظام السياسي بحالٍ أو بآخر؛ فتعارف النَّاس على استخدام هذا الشيء أو ذاك في التبادُل لا يجعل من هذا ولا ذاك نقودًا حتى لو كانا متمتعَين بالقبول الاجتماعي عند أعلى مستوًى من مستويات الثقة، إذا لم يقترن هذا القبول بإقرارٍ رسمي من قِبل النظام السياسي المُسيطِر اجتماعيًّا.

على هذا النَّحو تتحدد ماهيَّة النُّقود، بمفهومها الرَّاهن، دون أن نخلطَ بين تلك الماهية وبين وظائف النُّقود، التي سنناقشها لاحقًا، بكونها ذلك الشيء الذي تتبدَّى هيئتُه الملموسة في شكلٍ قانوني معيَّن أيًّا ما كانت المادة التي يتكون منها. هذا الشكل، المُقَر من لدن السُّلطة السياسيَّة، يُعبِّر عن كميَّة معيَّنة (مفروضة قانونًا) من العمل الاجتماعي، ويتيح لحائزه الحصول بواسطة التَّبادل على ما يريد من مُنتَجات عمل الآخرين بقَدْر تلك القيمة المفترضة. وهذا بالتَّحديد ما يميِّز النقود، كوسيلة تبادل، عن وسائل التبادُل الأخرى؛ فجميع وسائل التبادُل تتيح لحائزها التسلُّط على هذا القَدْر أو ذاك من كمية العمل الاجتماعي بَيْد أنها تفتقر، على عكس النقد، إلى الإقرار من قِبل النظام السياسي الذي يفرضُها كوسيلةٍ مُهيمنة بقوة القانون.

٢

وعلى الرغم من أن كلمة «نقود» تُطلق، في اللغة، على المسكوكات من الذَّهب والفضَّة ونحوهما، كما في اللُّغة العربيَّة،٤ واللُّغة الإنجليزيَّة، وفق الأصل اللغوي للكلمة،٥ أو على الماشية في اللاتينية طبقًا كذلك للأصل اللغوي.٦ إلا أنها صارت، على صعيد المصْطلح، تُستخدم للدلالة على المسْكُوك من المعدن، ثم على الأوراق التي تقوم الدَّولة، أو تحت رقابتها، بطباعتها وطرحها كوسيلة تبادل.
كما يتعيَّن، بالتَّالي، إطلاق مصطلح النقود على وسائل التبادُل التي سادت في فترة تاريخيَّة معيَّنة بين قبائل غرب أفريقيا وجزر المحيط الهادئ، وامتدَّت حتى بلغَت بلاد الهند والصين، بصفةٍ خاصَّة التي تم إنتاجها بواسطة العمل داخل القبيلة تحت إشراف فئةٍ محدَّدة ذات سلطةٍ قانونية، هي إذن، كنقودنا، محاطة كوسيلة تبادل بقيود خلق وتداول اتفاقية مفروضة من قِبل أعلى سلطة، كما يحدث مثلًا، وكما سنرى في الفصل القادم، بشأن إنتاج صَدَفة «الديوارا»٧ التي هي منتوج تحوَّل إلى نقد بفعل إنتاجه بقصد التَّبادل. أو بشأن الأحجار التي اتُّخذَت كوسيلة تبادل في جزر المحيط الهادئ واستندَت في نشأتها وتداولها إلى الاتفاق الجماعي الملزِم.٨ وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الأشياء التي استُخدمَت منذ آلاف السنين كوسيلة تبادل في سائر جُزر المحيط الهادئ، والبحر الكاريبي، وشرق وغرب ووسط أفريقيا كريش الطيور وأنياب الخنازير وأساور الرخام وبلورات الخرز … إلخ.٩ فهي جميعها نتاج العمل تمامًا مثل النقود التي نستخدمها اليوم؛ إذ لا يجري استخدامها في التَّبادل بحالتها الموجودة عليها في الطبيعة إنما يجب أن تمُرَّ بعمليَّة إنتاجٍ محددة سواء أكان ذلك بصيد الطَّائر المقصود ونزع الرِّيش المطلوب وفق مواصفاتٍ دقيقة تحدِّد قِيمته في التَّبادل، ثم ترتيبه وتزيينه. أم بخلع أنياب الخنزير وتَشْذِيبِها وتشكِيلها، وربما التدخُّل في نموها بشكل معيَّن. أم كان بقطع الرُّخام ونحته وضم أجزائه إلى بعضها باستعمال حبالٍ مفتولة وتشكيله على هيئة أساور.
وكما أطلقنا مصطلح «النقود» على وسيلة التَّبادل في العالم المعاصر، وفي الأزمنة الغابرة كذلك، أطلقناه أيضًا على وسيلة تبادل يُظن هيمنتُها في عالم المستقبل، التي اصطُلح على تسميتها «العُمْلة الرقميَّة» التي تُنتَج بواسطة قوى إنتاج تتمثل في المجهود الإنساني، والطَّاقة الكهربائيَّة الهائلة، وباستخدام برامج وحواسِب آليَّة متطورة جدًّا؛ وذلك لوجود اعتراف، ولو ضمنيًّا، من قِبل بعض البُلْدان بتلك السلعة كوسيلة تبادُل على الصَّعيد الاجتماعي.١٠

٣

أمرَان إذن يجب توافرهما لاعتبار الشَّيْء المستخدم في التَّبادُل من قبيل النقود وَفْق معناها في المصْطلح:

  • أولًا: أن يصدر هذا الشَّيْء من قِبل، أو تحت رقابة، السُّلطة السياسيَّة في المجتمع، أو دون اعتراضٍ منها؛ وبالتَّالي يصبح الوسيلة المهيمنة اجتماعيًّا في التَّبادل.
  • ثانيًا: أن تمُر المادة الأوليَّة المستخدمة في صنع وسيلة التبادُل بعمليةٍ إنتاجيَّة منظَّمة، ذات قَدْر من المشقَّة، يجري من خلالها تحويلُ تلك المادة الأوليَّة (صَدَف، عاج، مَعدن، قُطن، بوليمر، كهرباء … إلخ) إلى وسيلة التَّبادل المقررة سياسيًّا، والمقبولة بالتَّالي على الصعيد الاجتماعي.
وعلى هذَين الشرطَين الجوهريَّين١١ تترتب النتائج المنهجيَّة التَّالية:
  • (أ)
    إن إصدار النقود، كوسيلة تبادل، والسَّيْطرة عليها، مرتهن بهيمنة طبقة معيَّنة، أو فئة محدَّدة اجتماعيًّا؛ إذ لا يملك إلا هؤلاء سلطة إصدار وسيلة التبادل وإخضاعها لسيْطرتهم.١٢ تلك الطَّبقة، أو الفئة، المهيمنة إنما تفرض أفكارها النقديَّة والماليَّة، وبما يحقِّق مصلحتها بحكم سيطرتها على الصَّعيد الاجتماعي.
  • (ب)

    تتدفق النقود إلى المجتمع بفعل إنفاقٍ ما من قِبل تلك الطَّبقة المسيطرة؛ فبدون إنفاق هذه الطَّبقة لا يمكن أن تصل النقود إلى المجتمع؛ ومن ثَم يتوقف الإنفاق التَّالي لأعضاء المجتمع، الذين يتحمَّلون تكلفة طباعة النقد، على إنفاقٍ أوَّلي، بغض النَّظر عن طبيعته، لمالكي النفوذ على النقد.

  • (جـ)
    إن استخدام فئةٍ معيَّنة في المجتمع لشيءٍ ما، كوسيلة تبادل، لا يجعل منها نقودًا ما دام النظام السِّياسي لم يقرِّر اعتبارها كذلك؛ فاستخدام السجائر، مثلًا، في السجون١٣ أو استخدام ما يُطلَق عليها «النقود الرقميَّة» في بلدٍ لا تعترف بها كوسيلة تبادل،١٤ لا يجعل منهما نقودًا؛ هما فقط يقومان في ظل ظروفٍ استثنائية ببعض وظائف النقود، دون أن يكتسبا ماهيَّتها، فيظلَّان محضَ منتوج.
  • (د)
    لا يصلح الشَّيْء الشَّائع في الطَّبيعة، واليسير الحصول عليه من قِبل أي شخص، كنقود؛ إذ يلزم اقتران هذا الشَّيء، بهذا القَدْر أو ذاك، بدرجة صعوبة يكابدها العمل الإنساني الخالق لماهيته كنقود.١٥ حتى بافتراض، مع استيفاء باقي الشروط، إن وسيلة التَّبادل يجري استخدامها بحالتها التي عليها في الطبيعيَّة، كاستخدام ثمار الكاكاو، أو حبَّات القمح … إلخ؛ فهي أيضًا بحاجة، كي تصبح صالحة للاستعمال في التَّبادل، إلى العمل الإنساني في تجهيز الأرض واختيار البذور والري والرعاية والتَّسميد والحصاد والتنظيف والفرز … إلخ.
  • (هـ)

    في نفس الوَقْت، لا يصلح، كنقود، الشَّيء النَّادر والشَّاذ في الطَّبيعة؛ إذ يتعيَّن أن يكون من قبيل الأشياء الممكن، بواسطة العمل الإنساني، خلقها والسيْطرة عليها من النَّاحيتَين الكميَّة والكيفيَّة.

  • (و)
    تختلف النقود عن وسائل الدَّفع الأخرى كالسَّندات والشيكات والكمبيالات١٦ والكروت الإلكترونية، وما في حُكمها، وتؤدِّي «ظاهريًّا» نفس الوظائف التي تؤدِّيها النقود على الصعيد الاجتماعي، إلا أنها في حقيقتها ليست إلَّا وسيلة من وسائل تداول النقود نفسها.١٧
  • (ز)
    كما تختلف النقود عن المال١٨ فالمالُ، في اللغة، أعم من النقود إذ يشملها؛ فهو كل ما يمكن أن يوجد تحت تصرُّف المرء من عقارات، وملابس، ومعادن، وسندات، وأسهم …١٩ إلخ. وفي المصْطلح هو ما يميل إليه الطَّبع، ويمكن ادِّخاره لوقت الحاجة، ويجري فيه البذل والمنع. والمال على هذا النَّحو، في المصْطَلح أيضًا، أعمُّ من النقود.
  • (ﺣ)
    ابتداءً من كون النقود هي وسيلة تبادل، فلا تلازم بين زيادة النقود وزيادة الثروة، فقد تزيد كمية النقود ولا تزيد الثروة، وقد تنخفض كمية النقود وفي الوقت نفسه تزيد الثروة. وذلك كله مرتبط بقيمة النقود نفسها؛ فقد تزيد كمية النقود وتنخفض قيمتها نظرًا لانخفاض قيمة العمل المبذول في سبيل إنتاجها، وقد يحدث العكس؛ إذ تنخفض كمية النقود ومع ذلك ترتفع قيمتها إذا كانت تُنتَج بكمية عملٍ أكبر من السَّابق.٢٠
  • (ط)

    الائتمان، ليس وسيلة من وسائل التَّبادل، إنما هو فحسب طريقةٌ من طرق الدَّفع في المعاملات. هو دفعٌ مؤجَّل للنقود.

  • (ي)
    منتوجات العمل الإنساني جميعها هي نقودٌ محتملة ينقصُها اكتمال الشروط المتطلبة كي تصبح كذلك. والنقود، بدورها على هذا النَّحو، هي رأسمالٌ محتمل وليست رأسمالًا دائمًا؛ إذ يجب أن توظَّف في إطار ظروفٍ اجتماعيَّة معيَّنة كي تكتسب صفة (ن) أي الرَّأسمال النَّقدي الذي يُعَد نقطة البدء في عملية الإنتاج.
  • (ك)
    صارت تُحاط بتقنيَّة المواد التي تُصنَع منها النقود، وكذلك الأدوات التي تُنتَج بواسطتها، أعلى درجات السِّرية.٢١ وبالتَّالي يصبح حقل إنتاجها مجالًا شديد الحساسية والخطورة والتَّعقيد، ومحلًّا لممارساتٍ احتكاريَّة عنيفة على الصعيد العالمي.٢٢

إن معرفتنا بماهية النقود على هذا النَّحو، واستخلاصنا الشرطَين الواجب توافرهما في الشَّيء كي يكتسبَ صفةَ النقود، ثم تعرُّفنا إلى النتائج المترتِّبة على توافُر هذَين الشرطَين، إنما يُوجِب علينا التقدُّم خطوةً فكريةً إلى الأمام من أجل التعرُّف، النَّاقد، إلى القانون الموضوعي الحاكِم للتطوُّر في وسيلة التبادل.

١  «إن القطع النقديَّة التي تسميتُها محضُ تسمياتٍ رمزيَّة هي أقدم القطع النقدية لدى كل أمة؛ وكانت قديمًا جميعها واقعية …» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ج١، ص١٥٩. «إن العملات المعدنية … التي أزاح عنها هؤلاء المنقِّبون أطلالَ العصور الغابرة تعكس التحوُّل من المقايضة إلى استخدام عملات تكتسب قيمتها من قيمة المعدن المسكوكة منه.» انظر: مايكل نورث، اكتشاف بحار العالم: من العصر الفينيقي إلى الزمن الحاضر، ترجمة: عدنان عباس علي، عالم المعرفة، ٤٧٥، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ٢٠١٩م، ص٥٦. وكذلك، كان الذَّهب عند العرب. فقد كانت تَرِد على أسواق أهل مكة دنانير الذهب من بيزنطة، ودراهم الفضة من فارس، فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر؛ أي لا يعتدُّون بعدَدها، إنما بوزنها كمادةٍ خام، وكانت تُوزن بأشياء من الطبيعة مألوفة لديهم، كحب الخردل، والشعير، والقمح [جرى تاريخيًّا بالفعل استخدام هذه الأشياء كوسيلة تبادل]. انظر: البلاذري، كتاب فتوح البلدان، القاهرة، شركة طبع الكتب العربية، ١٩٠١م، ص٤٧٢. وكانوا يرجِّحون الضبط بحَبِّ الخردل؛ لقلة التفاوت فيه. انظر: ابن الرفعة، الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان، تحقيق: محمد أحمد إسماعيل، دمشق، دار الفكر، ١٩٨٠م، ص٣٤. وعلى سبيل المثال، قيس عيار دينار للرشيد مؤرَّخ سنة ١٩٣ﻫ/٨٠٩م، وقيس دينارٌ آخر للمطيع مؤرَّخ سنة ٣٦١ﻫ/٩٧٢م، فكان عيارهما ٩٧٫٩ بالمائة، أي ٢٣٫٥ حبة. انظر: ناصر النقشبندي، الدينار الإسلامي في المتحف العراقي، بغداد، مطبعة الرابطة، ١٩٥٣م، ج١، ص١٤. «وحبة القمح تساوي حبة الشعير.» انظر: الطرابلسي، رسالة في تحرير المقادير الشرعية على مذهب الأئمة الأربعة المجتهدين، القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، ١٨٩٥م، ص٣. وقيل: «أخف منها.» انظر: الذهبي، تحرير الدرهم والمثقال والرطل والمكيال، بيروت، دار البشائر الإسلامية، ٢٠١١م، ص١٩. وقيل: «تساوي حبَّتَين من حب الشعير وحبة الشعير تساوي ٦ حبات من الخردل.» انظر: علي مبارك، الميزان في الأقيسة والأوزان، القاهرة، المطبعة الأميرية ببولاق، ١٨٩٢م، ص٣٣. في نقد هذا الخلاف، وأثره، مع شرحٍ موسَّع لأسبابه، انظر: محمود فاخوري، وصلاح الدين خوام، موسوعة وحدات القياس العربية والإسلامية وما يعادلها بالمقادير الحديثة، بيروت، مكتبة لبنان-ناشرون، ٢٠٠٢م، ص٤١–٤٥. وانظر كذلك: ما ذكرناه في هذا الشأن في الجزء الأول، الباب الثالث، الفصل الرابع، هامش (٧١).
٢  وهذا ما أدركه باربون (١٦٤٠–١٦٩٨م)، كقاعدةٍ عامة: «ليس بالضرورة على الإطلاق أن تكون النقود مصنوعة من الذهب أو الفضة؛ وذلك لأن قيمة النقود الوحيدة مستمدة من القانون …» انظر:
Nicholas Barbon, A Discourse of Trade, Edited by Jacob H. Hollander (Baltimore: The Johns Hopkins Press, 1905), p. 16.
٣  فطبقًا لنص المادة رقم ٥٨ من قانون البنك المركزي المصري رقم ١٩٤ لسنة ٢٠٢٠م، للبنك المركزي دون غيره حق إصدار النقد وإلغائه، ويحدِّد مجلس الإدارة فئات النقد ومواصفاته، وضوابط وإجراءات إصداره وإلغائه. كما حظرَت المادة رقم ٥٩ من نفس القانون على أي شخصٍ بخلاف البنك المركزي إصدار أيِّ أوراقٍ أو مسكوكاتٍ من أي نوع يكون لها مظهر النقد أو تشبه النقد.
٤  في لسان العرب: «والنقدُ تمييز الدراهم وإخراج الزَّيف منها … ونقَدْت الدراهم … إِذا أخرجت منها الزَّيف.» انظر: ابن منظور، لسان العرب، المصدر نفسه، ج٣، ص٤٢٥. وفي القاموس المحيط: «نقْد خلاف النَّسيئة وتمييزُ الدراهم وغيرها … وإعْطاء النَّقْد.» انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، المصدر نفسه، ج١، ص٣٥٤. والكلمة على هذا النحو كانت مصاحبة لضرورة فحص المسكوكات التي كانت، وكما ذكرنا، تَرِد على العرب من بيزنطة وفارس؛ لتمييز الصحيح والزَّائف منها.
٥  تجد كلمة Money في اللغة الإنجليزية أصلها التاريخي في الكلمة اللاتينية Moneta نسبة إلى الإلهة Moneta التي كان المال يُسَك في معبدها بروما. انظر البحث الأصيل لتيو فينيمان (١٩٣٧–؟):
T. Vennemann, Münze, Mint, and Money, an Etymology for Latin Moneta: with appendices on Carthaginian Tanit and the Indo-European “month” word. Studies in Slavic and General Linguistics, January 2008, pp. 569–590.
وانظر نفس المعنى لدى: Merriam-Webster’s Collegiate Dictionary, p. 345. وثمَّة روايةٌ أخرى، مشابهة، يرويها القديس إيزيدور، في القرن السابع، خلاصتها أن النقود Money سُمِّيَت بهذا الاسم لأنها تتضمَّن تحذيرًا من Monet بعدم غشِّ العملة والتلاعُب في وزنها. انظر:
The Etymologies of Isidore of Seville, Translated with introduction and notes, by: Stephen A. Barney, W. J. Lewis, J. A. Beach and Oliver Berghof (Cambridge: Cambridge University Press. 2006), p. 326.
وفي اللغة الفرنسية تجد كلمة نقود Argent أصلها في الكلمة الدَّالة على معدن الفضة Argent التي تعبِّر عن ذلك المعدن النفيس، والأبيض، والبرَّاق، والطيِّع، وغير القابل للصدأ.
Métal précieux, blanc, brillant et très ductile inoxydable.
انظر: Grand Larousse Universel, op. cit. Tome 1, p. 652.
وينبِّهُنا أرسطو إلى دلالةٍ أخرى، مهمة تتعلق بالنقود ذاتها، حينما يقول إن النقود Nomisma سُمِّيَت بهذا الاسم لأنها لا توجد بالطبيعة بل بالقانون Nomos وفي وسعنا تغييره وجعله عديمَ الفائدة؛ ولذا، كان أرسطو يرى أن النقود شَيءٌ اتفاقي، ويمكن للنَّاس بالتَّالي أن يتفقوا على عدم استعمالها كما اتفقوا على استعمالها. انظر:
The Nicomachean Ethics of Aristotle, Trans. F. H. Peters, 5th edition (London: Kegan Paul, Trench, Trübner & Co., 1893). Book V, pp. 112–116.
وفي تلخيصٍ مكثَّف وجيِّد لمصطلح «نقد Monnaie» في المجتمعات البدائية، انظر:
P. Bonte, M. Izard, Dictionnaire de l’ethnologie et de l’anthropologie (Paris: Presses Universitaires de France, 2000), pp. 482–484.
٦  نعرف من الأب أنستاس الكرملي (١٨٦٦–١٩٤٧م) أن: «مادة «ن ق د» ساميَّة الأصل لا شبهة فيها. وهي في اللغة الآرامية تعني: دقَّ ورَقَّ ولطُف، ومنه النَّقَد، بالتحريك، لغنم لطيف الجسم، نحيفه … وكان الأولون يصوِّرون رأسه على الدراهم. ثم عُرفَت هذه الدراهم بهذه الصورة. وقد جرى في اللاتينية أيضًا؛ فإن الرومان يسمُّون النقود Pecunia لهذا السبب نفسه. ثم أُطلقَت الكلمة المذكورة على الأموال جميعها من أي نوعٍ كانت.» انظر: أنستاس ماري الكرملي، النقود العربية وعلم النميات، القاهرة، المطبعة العصرية، ١٩٣٩م، ص١٦٩. كذلك كتب جورج ولز: «إن اللفظة الرومانية لكلمة نقود، وهي pecunia، مشتقة من كلمة pecus ومعناها الماشية.» انظر: ﻫ. ج. ولز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٦٧م، ج١، ص١٨٩. ولقد نقل المازندراني (١٩٠٦–١٩٧٩م) عن المقتطف: «وكتب بلينوس في المائة الأولى من الميلاد أن (بكونيه) مأخوذة من كلمة (بكوس) بمعنى الأغنام أو المواشي الأهلية.» انظر: المقتطف (٩/٨٢٢)، في: موسى المازندراني، تاريخ النقود الإسلامية، بيروت، دار العلوم للتحقيق والطباعة، ١٩٨٨م، ص١٣.
٧  «في ميلانيزيا على سواحل المحيط الهادئ كانت نقود الناسا المعروفة باسم ديوارا … تُصنع من أصدافٍ معينة … يقوم السكان المحليون … بجمع هذه الأصداف من قاع البحر. ويستلزم إنتاج الديوارا كفاءةً عالية ومهارة، وهو في نفس الوقت امتيازٌ لزعيم القبيلة، وممنوعٌ على بقية الناس … والجريمة التي تُعَد الأكبر والأشنع هي سرقة الديوارا فهي أخطر من الخيانة الزوجية ومن القتل. والغرامة المقرَّرة لهذه الجريمة مرتفعة … ولم يكن مسموحًا إلا لهيئةٍ معيَّنة فحسب بإنتاج العملة.» انظر: يوليوس ليبس، أصل الأشياء: بدايات الثقافة الإنسانية، ترجمة: كامل إسماعيل، دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، ٢٠٠٦م، ص١٦١.
٨  فتلك الأصداف، كما يذكُر كينز أيضًا، لم تكتسب صفتها تلك من طبيعتها، إنما بقوة القانون. انظر:
John M. Keynes, A Treatise on Money, Volume I: The Pure Theory of Money (London: Macmillan and Co., Limited, 1930), p. 13.
٩  يحق لأبناء جزر المحيط الهادئ أن يندهشوا من استخدامنا هذا الشيء المصنوع من القطن والكتان الذي نسميه نقودًا! في نفس الوقت الذي نُظهر نحن اندهاشنا من استخدامهم الصَّدَف نقودًا! ولذا، يُعَد النقد المصنوع من العاج أو الأحجار، أو ناب الخنزير … إلخ، نقودًا بالمعنى المصطلحي؛ إذ إن خضوع مادته الأوليَّة لعملية إنتاج، وشيوع استخدامه، وهيمنة سلطة عليا على إصداره، يجعله في المصطلح نقدًا صريحًا.
١٠  فعلى سبيل المثال، وضعت المحكمة العليا في الاتحاد الأوروبي تلك الوسيلة من وسائل التَّبادل على قدم المساواة مع النقود السَّائدة، رافضة إخضاعها لقانون ضريبة القيمة المضافة؛ أي إنها لم تعتبرها من قبيل السلع، وأوجبَت بالتَّالي إعفاء تبادُل العملات الافتراضيَّة من تلك الضريبة، تأسيسًا على أن التعامل بواسطة هذه الوسيلة من وسائل التبادل لا يختلف عن التعامل بواسطة النقود المعروفة. انظر:
S. Bodoni and A. Thomson, EU’s Top Court Rules That Bitcoin Exchange Is Tax-Free, Bloomberg, October 22, 2015.
ولقد ذهب القضاء الأمريكي إلى معاملة العملات الرقمية أو المشفَّرة مثل عملة «البيتكوين» كأصلٍ مالي، حينما قرَّر، صراحة، أن العملة الرقمية تُعَد وسيلة دفع للحصول على السلع والخدمات المختلفة. انظر:
The case is U.S. v. Murgio et al., U.S. District Court, Southern District of New York, No. 15-cr-00769.
أما البنك المركزي الأوروبي، فقد عرَّف تلك الوسيلة من وسائل التبادل، بأنها: «ذلك النوع من النقود الرقميَّة غير المنظَّمة التي يتم إصدارها والسيطرة عليها عادةً من قِبل مطوِّريها، وتُستخدَم وتُقبَل بين أعضاء مجتمعٍ افتراضي معيَّن.» انظر:
E. Central Bank, Virtual Currency Schemes, Frankfurt, October, 2012, p. 7.
وبسبب هذا الاعتراف الضمني، على أقل تقدير من قِبل النظام السياسي، بتلك الوسيلة من وسائل التبادل، أمكن إطلاق مصطلح النقود عليها. ولأننا لن نناقش تلك العملة بالتفصيل في مؤلَّفنا؛ فثمَّة مؤلَّف جيِّد، لسيف الدين عمُّوص، نُحيل إليه في شرح المسائل الفنية المتعلقة بالعملات الرقميَّة، انظر:
Saifedean Ammous, The Bitcoin Standard: The Decentralized Alternative to Central Banking (New Jersey: John Wiley Sons, Inc., 2018).
ولقد صدرَت لهذا الكتاب مؤخرًا، عن مؤسَّسة هنداوي، ترجمةٌ عربيةٌ جيدة. انظر: سيف الدين عمُّوص، معيار البيتكوين، ترجمة: أحمد محمد حمدان، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣م.
١١  ووفقًا لصامويل بيلي (١٧٩١–١٨٧٠م) يُشترط، كذلك، التَّساوي الفيزيائي بين الكميات المتساوية لوحدات النقد، وهو شرطٌ أصيل، على ما يبدو، فيما يتعلق بالمعادن المستخدمة في سك النقود. انظر:
S. Bailey, Money and its Vicissitudes in Value; as they affect national industry and pecuniary contracts: with a postscript join-stock banks (London: Effingham Wilson, 1837), p. 5.
ونفس المعنى واضح عند وليم بتي. انظر:
W. Petty, Quantulumcunque concerning money to the Lord Marquess of Halifax, In: The Economic Writings of Sir William Petty, together with the Observations upon Bills of Mortality, more probably by C. John Graunt, ed. C. H. Hull (Cambridge: Cambridge University Press, 1899), p. 105.
١٢  وضع الفقهاء المسلمون قاعدة في هذا الشأن؛ ونهَوا عن السك من قِبل الأشخاص إلا بإذن الحاكم؛ إذ قال أبو يوسف الأنصاري (٧٣١–٧٩٨م): «لا ينبغي أن يفعل ذلك أحدٌ لأنه مخصوص بالسلاطين.» انظر: السنامي، نصاب الاحتساب، تحقيق: مريزن عسيري، مكة، مكتبة الطالب، ١٩٨٥م، ص٢٣١. وقال الفراء: «لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان.» انظر: الفراء، الأحكام السلطانية، المصدر نفسه، ص١١٦. وقال أحمد (٧٨٠–٨٥٥م): «ويُكره لغير السلطان.» انظر: ابن مفلح، المبدع في شرح المقنع، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٧م، ج٢، ص٣٥٩. وهكذا في روضة الطالبين للنووي، انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين، تحقيق: زهير الشاويش، بيروت، المكتب الإسلامي، ١٩٩١م، ج٢، ص٢٥٨.
١٣  في مدى قيام السجائر، داخل السجون، بوظائف النقود، انظر:
Paul Heyne, Peter Boettke, D. Prychitko, The Economic Way of Thinking, (London: Pearson, 2014), Ch. 13, pp. 321–325.
١٤  فهي وسيلة تبادل غير معترفٍ بها بل مجرَّمة في العديد من التشريعات كالتشريع المغربي، والجزائري وهي كذلك مجرَّمة في التشريع المصري الذي، وفي صياغةٍ غريبة، حظر التعامل بتلك الوسيلة وفي الوقت ذاته في المادة ٢٠٦ من قانون إنشاء البنك المركزي، أوجب الحصول على موافقة البنك المذكور!
١٥  ولذا، رفض رئيس قبيلة في ميكرونيزيا غرب المحيط الهادئ، حجارة أوكيفي؛ إذ يُحكى أن ربانًا يُدعى أوكيفي تحطَّمَت سفينتُه، في أواخر القرن التاسع عشر على شواطئ ميكرونيزيا، وتم إنقاذه من قِبل سكان القبيلة، وقد وجد هذ الربان فرصةً ذهبية كي يحقِّق الربح بأن يستعمل سكان الجزيرة في سبيل الحصول على جوز الهند ونقله وبيعه إلى المعاصر، إلا أن سكان الجزيرة لم يهتموا كثيرًا بصفقة الربان أوكيفي. وحينما وجد أوكيفي السكان يستخدمون حجارة «الفاي» العملاقة كنقود، كما سنرى في الفصل القادم، اتجه بحرًا إلى هونج كونج؛ كي يأتي بديناميت وأدواتٍ حديثة تمكِّنه من تفجير الأحجار، بالإضافة إلى قاربٍ كبير يستطيع أن يحمل عليه الأحجار. وحينما عاد أوكيفي إلى الجزيرة بأحجاره؛ منَع رئيس القبيلة السكان من التعامل بتلك الحجارة أو العمل لدى أوكيفي لقاء الحصول عليها. على أساسٍ من أنها لم تكن ذات قيمة؛ حيث تم الحصول عليها بسهولة، وأن الحجارة الوحيدة المقبولة في التبادل داخل القبيلة هي الحجارة التي تم الحصول عليها بكدِّ وجهدِ أبناء تلك القبيلة. انظر:
Ammous, The Bitcoin Standard, op. cit., p. 176.
١٦  فالنقود إذا كانت لازمة للبدء في النشاط الاقتصادي للمشروع، فإن ظهورها في جسدها المادي ليس ضروريًّا؛ فقد يشتري الرأسمالي مواد العمل، وأدوات العمل بواسطة أوراقٍ تجارية قابلة للصرف، والتداول أيضًا، وما يهمنا هو تداولها؛ إذ تبقى النقود ثابتةً كميًّا ومكانيًّا في خزائن المصرف أو درج التاجر، ويجري تداول قيمتها من حسابٍ إلى حساب ومن يدٍ إلى يد؛ فالرأسمالي المنتج النسيج ينزل سوق مواد العمل مثلًا ويحصل على الغزل ﺑ ١٠٠٠ جنيه، في مقابل شيكٍ يُصدره لصالح منتج الغزل، وبدلًا من أن يتجه منتج الغزل بالشيك إلى مصرف منتج النسيج لصرف الشيك؛ يقوم بالتوقيع على ظهره توقيعًا ناقلًا للملكية، أو مناولته إذا كان لحامله، إلى منتج آلات صنع الغزل. ومنتج آلات صنع الغزل بإمكانه أيضًا، بدلًا من التوجُّه إلى المصرف للحصول على النقود المثبتة في الشيك، القيام بالتوقيع كذلك على ظهر الشيك لصالح صاحب الأرض التي يستأجرها من مالكها، وهكذا دَوالَيْك؛ ومن ثَم تظل اﻟ ١٠٠٠ جنيه قابعةً دون حَراك، في حين يجري تداول ٤ آلاف جنيه. وما قلناه بشأن الشيك يسري بالتمام والكمال على ورقةٍ تجارية أخرى تسمَّى الكمبيالة، ويمكن بمقتضاها أيضًا تداول كمية من النقد تفوقُ الكمية المطلوبة في المعاملة، والفارق الجوهري، من ضمن فوارقَ أخرى، بينها وبين الشيك يكمُن في أن الورقة لا تكون مسحوبة على مصرف، إنما على رأسماليٍّ آخر، فلا يشترط إذن وجود طرفٍ ثالث في المعاملة.
١٧  على العكس من ذلك، ترى الموسوعة الأمريكية، بلا دقة، أن الشيك من قبيل النقود! انظر:
Encyclopedia Americana (International Edition), Volume 19, p. 349.
١٨  قال ابن منظور: «المال معروف ما مَلكْته من جميع الأشياء … قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة ثم أُطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأَكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإِبل لأنها كانت أَكثر أموالهم.» انظر: ابن منظور، لسان العرب، المصدر نفسه، ج١١، ص٦٣٥. وقال الفيروزآبادي: «ما مَلكْته من كلِّ شيءٍ.» انظر: القاموس المحيط، المصدر نفسه، ج١١، ص٣٣٣. «والمالية تثبُت بتموُّل النَّاس كافة أو بعضهم، والتقوُّم يثبُت بها وبإباحة الانتفاع به شرعًا فما يُباح بلا تموُّل لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحدٌ منهما كالدم.» انظر: حاشية ابن عابدين، المصدر نفسه، ج٥، ص٤–٧؛ السرخسي، المبسوط، المصدر نفسه، ج١١، ص٧٩؛ التهانوي، اصطلاحات الفنون، المصدر نفسه، ج٣، ص١٣٥١؛ أبو الحسين أحمد بن فارس، حلية الفقهاء، تحقيق: عبد الله التركي، بيروت، الشركة المتحدة للتوزيع، ١٩٨٣م، ص١٢٣؛ علي حيدر، دُرر الحكام: شرح مجلة الأحكام، بيروت، مكتبة النهضة، د.ت، ص١٠٠. ويُخرج الأحناف وَفْق هذا التعريف السَّائد لديهم، المنافع من المال، وكذلك بعض الحقوق، كحق الشُّفعة وحق المرور وخيار الشرط؛ ولذا، فهي لا تورَّث عندهم لعدم ماليَّتها. أما الجمهور فقد ذهبوا إلى أن المال هو كل ما تمول شرعًا ولو قل، وكان منتفعًا به منفعةً مباحة لغير ضرورة. انظر: السيوطي، الأشباه والنظائر، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٨٣م، ص٣٢٧؛ ابن قدامة، المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: محمود الأرناءوط، وياسين الخطيب، جدة، مكتبة السوادي للتوزيع، ٢٠٠٠م، ص١٥١. وأيًّا ما كان وجه الخلاف، فالثابت أن المال في اللغة، وفي المصطلح أيضًا، يشمل وحدات النقود، وغيرها من الأشياء الجائز حيازتُها والانتفاعُ بها في حالة السعة والاختيار؛ إذ المالُ أشملُ منهم وأعَم.
١٩  حينما تحرك تلك الأداة من أدوات التمويل؛ أي الأسهم، على صعيد النشاط الاقتصادي، كتلةً من النقد تفوق قيمتها، بل وقيمة الرأسمال المنتج الذي مثَّلَته في لحظةٍ معيَّنة، وهو ما يعني ضرورة وجود كتلة نقدية أكبر، مسبقًا، من قيمة الارتفاعات في الأسهم؛ تتيح تداولها، فيجب أن تكون هنا محل اهتمامٍ منا، على الأقل بقَدْر تكوين وعيٍ أوَّلي يُتيح المُضي في تحليل تجديد الإنتاج الاجتماعي كما سيتبدى في الجزء الثالث. وبهذا القَدْر يمكن القول بأن تلك الأداة تبرُز عادةً حينما لا تتوافر السيولة للمشروع، التي تمثِّل في واقعها الرأسمال اللازم للبدء في نشاطه؛ فيتجه مؤسِّسوه إلى السُّوق لجمع تلك السيولة بدعوة الأشخاص للمساهمة في الرأسمال عن طريق أسهم متساوية القيمة تجسِّد ملكية الشخص المساهم لجزء من رأسمال المشروع. السَّهم إذن هو ورقةٌ مثبَتٌ بها ملكية المساهم لقَدْرٍ معيَّن من رأسمال المشروع [بيد أن ملكية الصك لا تعني أن للمساهمين حقوقًا قِبل بعضهم بعضًا؛ إذ ليس لديهم سوى حقوقٍ قِبل الشركة نفسها، وفي بعض الأحيان يكون عليهم التزاماتٌ تجاهها، كما في حالة الالتزام بدفع قيمة الأسهم بالكامل]. انظر:
Goujet et Merger, Dictionnaire de droit commercial, Tome IV (Paris: Joubert Libraire de la Cour de Cassation, 1846), pp. 622–625.
Jean Van Ryn, Principes de droit commercial, Tome I (Bruxelles: Bruxelles Établissements Émile Bruylant, 1954), pp. 347–351.
يدفع المساهم إذن النقود (ن) ويحصل على صك بقيمة ما قدَّمه من (ن) هذه. ويصبح بالتَّبَع مشاركًا في رأسمال المشروع بقَدْر قيمة الأسهم التي يمتلكها؛ فالمساهم يمتلك ١٪ من رأسمال الشركة إذا كان يمتلك ١٠٠٠ سهم في شركة عدد أسهمها ١٠٠٠٠٠ سهم، ويحصل بالتَّالي على أرباحٍ بقَدْر ما يملك من تلك الأسهم. والَّذى أنشأ هذه الورقة المالية على أرض الواقع الحاجة إلى رساميلَ ضخمة، حتى قبل الهجمات الاستعمارية ابتداءً من القرن الخامس عشر [في تاريخ شركات المساهمة في أوروبا، وهو تاريخٌ مرتبط أشد الارتباط بالغزو الاستعماري]. انظر:
Goujet et Merger, Dictionnaire de droit commercial, op. cit. pp. 622–25.
Hervé Joly, La direction des sociétés anonymes depuis la fin du XIXe siècle: le droit entretient la confusion des pratiques, Dans Entreprises et histoire 2009/4 (n° 57), pages 111 à 125.
وثمَن السَّهم على هذا النَّحو هو ثمَن المخاطرة الجالبة لربحٍ محدَّد سلفًا وَفْق معدَّل الربح السَّائد اجتماعيًّا. والسَّهم، ليس نقودًا، ولا يجوز تداوله إلا من خلال أسواق المال وبورصات الأوراق الماليَّة وَفْق الأوضاع القانونية المقرَّرة في كل دولة. وعادةً لا تختلف تلك الأوضاع من دولةٍ إلى أخرى، بل وثمَّة ميل لتوحيدها بصفةٍ خاصَّة بعد أن صارت للشركات الدوليَّة النشاط الهيمنة على مجمل النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي، بالأخص بعد التطوُّر التقني الذي أتاح تداول الأسهم بمجرد الضغط على زر في لوحة مفاتيح الحاسوب، ومعظم تلك الشركات هي شركاتٌ مساهمة مطروحة أسهمها للتداول في أسواق المال داخل معاقل إدارة شبكات الأعمال على الصَّعيد العالمي. على كل حال، حينما يتم جمع الرَّأسمال يبدأ بالتَّالي النشاط الاقتصادي للمشروع، ولنفترض أنه يعمل في مجال إنتاج النَّسيج؛ أي إنه محكوم بقانون حركة الرَّأسمال الصناعي (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن) وهذا يعني أن (ن) التي يعبِّر عنها السَّهم سوف تتحول إلى قوى إنتاج [ق ع + و إ] بهدف إنتاج السلعة (س) بقصد البيع في السُّوق من أجل الحصول على (ن) التي بدأَت بها عملية الإنتاج، بالإضافة إلى الربح ( ن). ولكن، قد لا ينتظر مالك السَّهم اكتمال دورة الرأسمال، ويبيع السَّهم في سوق المال؛ كي يحصل على (ن + ن). وهذا هو الأصل العام في اقتصادات الأسهم القائمة بالأساس على الشراء عند أقل الأثمان والبيع عند أعلاها وَفْق مؤشراتٍ معيَّنة. وهذا يعني أن تداول كتلة الأسهم مستقلٌّ عن الربح الفعلي؛ فهو لا يتحدد بمعدَّل الربح الذي يحقِّقه المشروع نفسه، إنما بالبيانات عن المشروع وسُمعته والتوقُّعات حول مستقبله. وهو ما قد يؤدِّي إلى نتيجة تبدو، لأول وهلة، غريبة؛ فقد ينخفض ثمن السهم إلى الصفر مع أن المشروع يحقِّق ربحًا، وقد يكون المشروع في مرحلة تراجع وخسارة ومع ذلك يرتفع ثمن السهم! بَيْد أن تلك النتيجة الغريبة تبدو طبيعية بالنظر إلى استقلال اقتصادات تداول الأسهم، القائمة بالأساس على المقامرة، عن اقتصَاد المشروع نفسه؛ فهناك العديد من المشروعات، شركة تسلا مثلًا، لا توزع أرباحها، ويحقِّق المساهمون أرباحهم عن طريق حركة بيع الأسهم وشرائها. وهي حركةٌ مستقلة في الواقع عن ربح المشروع، وفي نفس الوقت قائمة على بيانات يجري تسويقها حول قوة المشروع ومستقبل أرباحه. تلك البيانات التَّسويقية فقط هي التي تقود حركة الأسهم ارتفاعًا وانخفاضًا، في أداء أقرب ما يكون إلى مقامرات الروليت في صالات لاس فيجاس، وليس الإنتاج الفعلي ولا معدَّل الربح الحقيقي الذي يحقِّقه المشروع. ومن هنا لا يقتصر دور السَّهْم، كصكٍّ مثبتٍ لملكية المساهم في رأسمال المشروع، عند حدود كونه ثمن المخاطرة الجالبة لقدْرٍ معيَّن من الربح وفق معدَّله السَّائد اجتماعيًّا، بل يقوم، في نفس اللحظة، بدورٍ أكبر، حينما يحرِّك كتلةً نقديَّة تسمح بتداوله. هذه الكتلة تحرِّك بدورها عدة أسواق وبالأخص سوق المال (عمال، مدراء، سماسرة، طباعة … إلخ). وكل ذلك يجري كاقتصادٍ مستقل عن عملية الإنتاج الفعلية؛ فهب أن مشروعًا بدأ نشاطه الاقتصادي وفقًا لقانون الحركة (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن)، ﺑ ٥٠٠ ألف جنيه، جمعهم من السُّوق على هيئة أسهم، وفي نهاية السنة الإنتاجية حقق أرباحًا، بفعل قانون القيمة، قيمتها ٣٠٠ ألف جنيه، ولكنه لا يقوم بتوزيعها. وأثناء السنة قام نصف المساهمين بطرح جميع أسهمهم للتداول؛ أي تم طرح أسهم بقيمة ٢٥٠ ألف جنيه، ومع البيانات التسويقية الجيدة عن المشروع جرى تداول تلك الأسهم ١٠ مرات، وفي كل مرة كانت قيمة السَّهم تزيد ١٠٪، فستبلغ قيمتُها في نهاية السنة ٦٤٨٤٣٥٫٦ جنيهًا تقريبًا، في حين أن انتظار أصحابها إلى نهاية السنة لن يجعلهم يحصلون إلا على ١٥٠ ألفَ جنيه فحسب. إن الانفصال بين ربح المشروع وبين ربح الأسهم، المقامرة، يعني أن الربح الأخير له ذاتية تستند على اقتصادات لا يمكن عقلنتُها! ولقد كان كينز صريحًا تمامًا حينما قال: «إن أعظم الشرور الاقتصادية في عصرنا هي نتيجة المخاطرة، وعدم اليقين، والجهل. وذلك لأن أفرادًا معيَّنين، محظوظين في الموقف أو في القدرات، قادرون على الاستفادة من عدم اليقين والجهل، وأيضًا لأنه لنفس السبب غالبًا ما تكون الأعمال التجارية الكبرى عبارة عن يانصيب يؤدِّي إلى إضعاف الإنتاج والكفاءة مع تفاوتات هائلة في الثروة.» انظر:
John M. Keynes, The End of Laissez-Faire, The Collected Writings of John Maynard Keynes, Vol. IX, (New York: Macmillan, 1972), p. 291.
٢٠  «إذا تزايدَت كمية عملة دولة، واستُبقيَت من أجل التداول الدَّاخلي، فلن تكتسب أيَّ ثروةٍ إضافية؛ وذلك؛ لأن أي نسبةٍ معطاة من العملة المتزايدة سيتم تبادلها بقيمة، لكمية إنتاج، لا تزيد عن نسبة مماثلة للعملة التي كانت موجودة قبل التزايد؛ بالتالي، لا أساس لافتراض أن أيَّ زيادة في العملة تشكِّل زيادة في الثروة.» انظر:
John Wheatley, Essay on the Theory of Money and Principle of Commerce (London: Printed for T. Cadell and W. Davies, Strand, by W. Bulmer and Co. Cleveland-row, 1807), p. 41.
٢١  على خلاف الشُّح النسبي في المُتاح من المعلومات حاليًّا! كان قديمًا بإمكاننا معرفة كل شيءٍ تقريبًا عن العملة وسكِّها، ومادتها، وقيمتها، وثمَنها، وأدوات إنتاجها، وعُمالها وطبيعة عملهم على اختلاف مراتبهم، وأجورهم؛ وذلك بمجرد أن نتصفح، مثلًا، السلوك للمقريزي. انظر: تقي الدين المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، المصدر نفسه، ج٣، ص١٩٨-١٩٩، و٢٧٩، و٤١٧-٤١٨. أو: المواعظ والاعتبار. انظر: المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المصدر نفسه، ج١، ص٢٠٦. أو: كشاف القناع. انظر: منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، راجعه وعلَّق عليه: هلال مصيلحي، الرياض، مكتبة النصر الحديثة، د.ت، ج٢، ص٢٣٢. أو: صبح الأعشى للقلقشندي. انظر: أبو العباس القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، المصدر نفسه، ج٣، ص٥٣٥. أو: كشف الأسرار العلمية. انظر: منصور بن بعرة الكاملي، كشف الأسرار العلمية بدار الضرب المصرية، المصدر نفسه، ص١٤٥–١٥٢. أو: قوانين الدواوين. انظر: أبو المكارم الأسعد بن مماتي، كتاب قوانين الدواوين، تحقيق: عزيز سوريال عطية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ١٩٩١م، ص٣٣١–٣٣٣.
٢٢  فآلات الطباعة تحتكرها شركة جوري- كوينج أند باور، وتنافسها شركة كموري. والأحبار تحتكرها شركة ألبير عمون (سيكبا) وتنافسها شركة جلايتسمان. والأوراق المؤمَّنة تحتكرها شركة دي لا رو (تُورد أوراقها المؤمَّنة تلك لنحو ١٥٠ دولة على الأقل) وعلى الرغم من أن العديد من بلدان العالم قد أخذَت في إنتاج أوراقها النقدية، فلم تزل هناك على الأقل مائة دولة تعتمد على المطابع الأجنبيَّة. وتُعَد دي لا رو، وجيزيكه أند دفرنت، وفرنسوا شارل أوبرتور، أكبر ثلاث مطابع للنقد في العالم. للمزيد من المعلومات عن عالم طباعة النقود، والصراعات داخله. انظر:
Klaus Bender, Moneymakers: The Secret World of Banknote Printing (Weinheim: Wiley-VCH, 2006).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦