في النقود كوسيلة للتبادل
١
على هذا النَّحو تتحدد ماهيَّة النُّقود، بمفهومها الرَّاهن، دون أن نخلطَ بين تلك الماهية وبين وظائف النُّقود، التي سنناقشها لاحقًا، بكونها ذلك الشيء الذي تتبدَّى هيئتُه الملموسة في شكلٍ قانوني معيَّن أيًّا ما كانت المادة التي يتكون منها. هذا الشكل، المُقَر من لدن السُّلطة السياسيَّة، يُعبِّر عن كميَّة معيَّنة (مفروضة قانونًا) من العمل الاجتماعي، ويتيح لحائزه الحصول بواسطة التَّبادل على ما يريد من مُنتَجات عمل الآخرين بقَدْر تلك القيمة المفترضة. وهذا بالتَّحديد ما يميِّز النقود، كوسيلة تبادل، عن وسائل التبادُل الأخرى؛ فجميع وسائل التبادُل تتيح لحائزها التسلُّط على هذا القَدْر أو ذاك من كمية العمل الاجتماعي بَيْد أنها تفتقر، على عكس النقد، إلى الإقرار من قِبل النظام السياسي الذي يفرضُها كوسيلةٍ مُهيمنة بقوة القانون.
٢
٣
أمرَان إذن يجب توافرهما لاعتبار الشَّيْء المستخدم في التَّبادُل من قبيل النقود وَفْق معناها في المصْطلح:
- أولًا: أن يصدر هذا الشَّيْء من قِبل، أو تحت رقابة، السُّلطة السياسيَّة في المجتمع، أو دون اعتراضٍ منها؛ وبالتَّالي يصبح الوسيلة المهيمنة اجتماعيًّا في التَّبادل.
- ثانيًا: أن تمُر المادة الأوليَّة المستخدمة في صنع وسيلة التبادُل بعمليةٍ إنتاجيَّة منظَّمة، ذات قَدْر من المشقَّة، يجري من خلالها تحويلُ تلك المادة الأوليَّة (صَدَف، عاج، مَعدن، قُطن، بوليمر، كهرباء … إلخ) إلى وسيلة التَّبادل المقررة سياسيًّا، والمقبولة بالتَّالي على الصعيد الاجتماعي.
-
(أ)
إن إصدار النقود، كوسيلة تبادل، والسَّيْطرة عليها، مرتهن بهيمنة طبقة معيَّنة، أو فئة محدَّدة اجتماعيًّا؛ إذ لا يملك إلا هؤلاء سلطة إصدار وسيلة التبادل وإخضاعها لسيْطرتهم.١٢ تلك الطَّبقة، أو الفئة، المهيمنة إنما تفرض أفكارها النقديَّة والماليَّة، وبما يحقِّق مصلحتها بحكم سيطرتها على الصَّعيد الاجتماعي.
-
(ب)
تتدفق النقود إلى المجتمع بفعل إنفاقٍ ما من قِبل تلك الطَّبقة المسيطرة؛ فبدون إنفاق هذه الطَّبقة لا يمكن أن تصل النقود إلى المجتمع؛ ومن ثَم يتوقف الإنفاق التَّالي لأعضاء المجتمع، الذين يتحمَّلون تكلفة طباعة النقد، على إنفاقٍ أوَّلي، بغض النَّظر عن طبيعته، لمالكي النفوذ على النقد.
-
(جـ)
إن استخدام فئةٍ معيَّنة في المجتمع لشيءٍ ما، كوسيلة تبادل، لا يجعل منها نقودًا ما دام النظام السِّياسي لم يقرِّر اعتبارها كذلك؛ فاستخدام السجائر، مثلًا، في السجون١٣ أو استخدام ما يُطلَق عليها «النقود الرقميَّة» في بلدٍ لا تعترف بها كوسيلة تبادل،١٤ لا يجعل منهما نقودًا؛ هما فقط يقومان في ظل ظروفٍ استثنائية ببعض وظائف النقود، دون أن يكتسبا ماهيَّتها، فيظلَّان محضَ منتوج.
-
(د)
لا يصلح الشَّيْء الشَّائع في الطَّبيعة، واليسير الحصول عليه من قِبل أي شخص، كنقود؛ إذ يلزم اقتران هذا الشَّيء، بهذا القَدْر أو ذاك، بدرجة صعوبة يكابدها العمل الإنساني الخالق لماهيته كنقود.١٥ حتى بافتراض، مع استيفاء باقي الشروط، إن وسيلة التَّبادل يجري استخدامها بحالتها التي عليها في الطبيعيَّة، كاستخدام ثمار الكاكاو، أو حبَّات القمح … إلخ؛ فهي أيضًا بحاجة، كي تصبح صالحة للاستعمال في التَّبادل، إلى العمل الإنساني في تجهيز الأرض واختيار البذور والري والرعاية والتَّسميد والحصاد والتنظيف والفرز … إلخ.
-
(هـ)
في نفس الوَقْت، لا يصلح، كنقود، الشَّيء النَّادر والشَّاذ في الطَّبيعة؛ إذ يتعيَّن أن يكون من قبيل الأشياء الممكن، بواسطة العمل الإنساني، خلقها والسيْطرة عليها من النَّاحيتَين الكميَّة والكيفيَّة.
- (و)
-
(ز)
كما تختلف النقود عن المال١٨ فالمالُ، في اللغة، أعم من النقود إذ يشملها؛ فهو كل ما يمكن أن يوجد تحت تصرُّف المرء من عقارات، وملابس، ومعادن، وسندات، وأسهم …١٩ إلخ. وفي المصْطلح هو ما يميل إليه الطَّبع، ويمكن ادِّخاره لوقت الحاجة، ويجري فيه البذل والمنع. والمال على هذا النَّحو، في المصْطَلح أيضًا، أعمُّ من النقود.
-
(ﺣ)
ابتداءً من كون النقود هي وسيلة تبادل، فلا تلازم بين زيادة النقود وزيادة الثروة، فقد تزيد كمية النقود ولا تزيد الثروة، وقد تنخفض كمية النقود وفي الوقت نفسه تزيد الثروة. وذلك كله مرتبط بقيمة النقود نفسها؛ فقد تزيد كمية النقود وتنخفض قيمتها نظرًا لانخفاض قيمة العمل المبذول في سبيل إنتاجها، وقد يحدث العكس؛ إذ تنخفض كمية النقود ومع ذلك ترتفع قيمتها إذا كانت تُنتَج بكمية عملٍ أكبر من السَّابق.٢٠
-
(ط)
الائتمان، ليس وسيلة من وسائل التَّبادل، إنما هو فحسب طريقةٌ من طرق الدَّفع في المعاملات. هو دفعٌ مؤجَّل للنقود.
-
(ي)
منتوجات العمل الإنساني جميعها هي نقودٌ محتملة ينقصُها اكتمال الشروط المتطلبة كي تصبح كذلك. والنقود، بدورها على هذا النَّحو، هي رأسمالٌ محتمل وليست رأسمالًا دائمًا؛ إذ يجب أن توظَّف في إطار ظروفٍ اجتماعيَّة معيَّنة كي تكتسب صفة (ن) أي الرَّأسمال النَّقدي الذي يُعَد نقطة البدء في عملية الإنتاج.
- (ك)
إن معرفتنا بماهية النقود على هذا النَّحو، واستخلاصنا الشرطَين الواجب توافرهما في الشَّيء كي يكتسبَ صفةَ النقود، ثم تعرُّفنا إلى النتائج المترتِّبة على توافُر هذَين الشرطَين، إنما يُوجِب علينا التقدُّم خطوةً فكريةً إلى الأمام من أجل التعرُّف، النَّاقد، إلى القانون الموضوعي الحاكِم للتطوُّر في وسيلة التبادل.
Nicholas Barbon, A Discourse of Trade, Edited by Jacob H. Hollander (Baltimore: The Johns Hopkins Press, 1905), p. 16.
T. Vennemann, Münze, Mint, and Money, an Etymology for Latin Moneta: with appendices on Carthaginian Tanit and the Indo-European “month” word. Studies in Slavic and General Linguistics, January 2008, pp. 569–590.
وانظر نفس المعنى لدى: Merriam-Webster’s Collegiate Dictionary, p. 345. وثمَّة روايةٌ أخرى، مشابهة، يرويها القديس إيزيدور، في القرن السابع، خلاصتها أن النقود Money سُمِّيَت بهذا الاسم لأنها تتضمَّن تحذيرًا من Monet بعدم غشِّ العملة والتلاعُب في وزنها. انظر:
The Etymologies of Isidore of Seville, Translated with introduction and notes, by: Stephen A. Barney, W. J. Lewis, J. A. Beach and Oliver Berghof (Cambridge: Cambridge University Press. 2006), p. 326.
وفي اللغة الفرنسية تجد كلمة نقود Argent أصلها في الكلمة الدَّالة على معدن الفضة Argent التي تعبِّر عن ذلك المعدن النفيس، والأبيض، والبرَّاق، والطيِّع، وغير القابل للصدأ.
Métal précieux, blanc, brillant et très ductile inoxydable.
انظر: Grand Larousse Universel, op. cit. Tome 1, p. 652.
وينبِّهُنا أرسطو إلى دلالةٍ أخرى، مهمة تتعلق بالنقود ذاتها، حينما يقول إن النقود Nomisma سُمِّيَت بهذا الاسم لأنها لا توجد بالطبيعة بل بالقانون Nomos وفي وسعنا تغييره وجعله عديمَ الفائدة؛ ولذا، كان أرسطو يرى أن النقود شَيءٌ اتفاقي، ويمكن للنَّاس بالتَّالي أن يتفقوا على عدم استعمالها كما اتفقوا على استعمالها. انظر:
The Nicomachean Ethics of Aristotle, Trans. F. H. Peters, 5th edition (London: Kegan Paul, Trench, Trübner & Co., 1893). Book V, pp. 112–116.
وفي تلخيصٍ مكثَّف وجيِّد لمصطلح «نقد Monnaie» في المجتمعات البدائية، انظر:
P. Bonte, M. Izard, Dictionnaire de l’ethnologie et de l’anthropologie (Paris: Presses Universitaires de France, 2000), pp. 482–484.
John M. Keynes, A Treatise on Money, Volume I: The Pure Theory of Money (London: Macmillan and Co., Limited, 1930), p. 13.
S. Bodoni and A. Thomson, EU’s Top Court Rules That Bitcoin Exchange Is Tax-Free, Bloomberg, October 22, 2015.
ولقد ذهب القضاء الأمريكي إلى معاملة العملات الرقمية أو المشفَّرة مثل عملة «البيتكوين» كأصلٍ مالي، حينما قرَّر، صراحة، أن العملة الرقمية تُعَد وسيلة دفع للحصول على السلع والخدمات المختلفة. انظر:
The case is U.S. v. Murgio et al., U.S. District Court, Southern District of New York, No. 15-cr-00769.
أما البنك المركزي الأوروبي، فقد عرَّف تلك الوسيلة من وسائل التبادل، بأنها: «ذلك النوع من النقود الرقميَّة غير المنظَّمة التي يتم إصدارها والسيطرة عليها عادةً من قِبل مطوِّريها، وتُستخدَم وتُقبَل بين أعضاء مجتمعٍ افتراضي معيَّن.» انظر:
E. Central Bank, Virtual Currency Schemes, Frankfurt, October, 2012, p. 7.
وبسبب هذا الاعتراف الضمني، على أقل تقدير من قِبل النظام السياسي، بتلك الوسيلة من وسائل التبادل، أمكن إطلاق مصطلح النقود عليها. ولأننا لن نناقش تلك العملة بالتفصيل في مؤلَّفنا؛ فثمَّة مؤلَّف جيِّد، لسيف الدين عمُّوص، نُحيل إليه في شرح المسائل الفنية المتعلقة بالعملات الرقميَّة، انظر:
Saifedean Ammous, The Bitcoin Standard: The Decentralized Alternative to Central Banking (New Jersey: John Wiley Sons, Inc., 2018).
ولقد صدرَت لهذا الكتاب مؤخرًا، عن مؤسَّسة هنداوي، ترجمةٌ عربيةٌ جيدة. انظر: سيف الدين عمُّوص، معيار البيتكوين، ترجمة: أحمد محمد حمدان، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣م.
S. Bailey, Money and its Vicissitudes in Value; as they affect national industry and pecuniary contracts: with a postscript join-stock banks (London: Effingham Wilson, 1837), p. 5.
ونفس المعنى واضح عند وليم بتي. انظر:
W. Petty, Quantulumcunque concerning money to the Lord Marquess of Halifax, In: The Economic Writings of Sir William Petty, together with the Observations upon Bills of Mortality, more probably by C. John Graunt, ed. C. H. Hull (Cambridge: Cambridge University Press, 1899), p. 105.
Paul Heyne, Peter Boettke, D. Prychitko, The Economic Way of Thinking, (London: Pearson, 2014), Ch. 13, pp. 321–325.
Ammous, The Bitcoin Standard, op. cit., p. 176.
Encyclopedia Americana (International Edition), Volume 19, p. 349.
Goujet et Merger, Dictionnaire de droit commercial, Tome IV (Paris: Joubert Libraire de la Cour de Cassation, 1846), pp. 622–625.
Jean Van Ryn, Principes de droit commercial, Tome I (Bruxelles: Bruxelles Établissements Émile Bruylant, 1954), pp. 347–351.
يدفع المساهم إذن النقود (ن) ويحصل على صك بقيمة ما قدَّمه من (ن) هذه. ويصبح بالتَّبَع مشاركًا في رأسمال المشروع بقَدْر قيمة الأسهم التي يمتلكها؛ فالمساهم يمتلك ١٪ من رأسمال الشركة إذا كان يمتلك ١٠٠٠ سهم في شركة عدد أسهمها ١٠٠٠٠٠ سهم، ويحصل بالتَّالي على أرباحٍ بقَدْر ما يملك من تلك الأسهم. والَّذى أنشأ هذه الورقة المالية على أرض الواقع الحاجة إلى رساميلَ ضخمة، حتى قبل الهجمات الاستعمارية ابتداءً من القرن الخامس عشر [في تاريخ شركات المساهمة في أوروبا، وهو تاريخٌ مرتبط أشد الارتباط بالغزو الاستعماري]. انظر:
Goujet et Merger, Dictionnaire de droit commercial, op. cit. pp. 622–25.
Hervé Joly, La direction des sociétés anonymes depuis la fin du XIXe siècle: le droit entretient la confusion des pratiques, Dans Entreprises et histoire 2009/4 (n° 57), pages 111 à 125.
وثمَن السَّهم على هذا النَّحو هو ثمَن المخاطرة الجالبة لربحٍ محدَّد سلفًا وَفْق معدَّل الربح السَّائد اجتماعيًّا. والسَّهم، ليس نقودًا، ولا يجوز تداوله إلا من خلال أسواق المال وبورصات الأوراق الماليَّة وَفْق الأوضاع القانونية المقرَّرة في كل دولة. وعادةً لا تختلف تلك الأوضاع من دولةٍ إلى أخرى، بل وثمَّة ميل لتوحيدها بصفةٍ خاصَّة بعد أن صارت للشركات الدوليَّة النشاط الهيمنة على مجمل النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي، بالأخص بعد التطوُّر التقني الذي أتاح تداول الأسهم بمجرد الضغط على زر في لوحة مفاتيح الحاسوب، ومعظم تلك الشركات هي شركاتٌ مساهمة مطروحة أسهمها للتداول في أسواق المال داخل معاقل إدارة شبكات الأعمال على الصَّعيد العالمي. على كل حال، حينما يتم جمع الرَّأسمال يبدأ بالتَّالي النشاط الاقتصادي للمشروع، ولنفترض أنه يعمل في مجال إنتاج النَّسيج؛ أي إنه محكوم بقانون حركة الرَّأسمال الصناعي (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن) وهذا يعني أن (ن) التي يعبِّر عنها السَّهم سوف تتحول إلى قوى إنتاج [ق ع + و إ] بهدف إنتاج السلعة (س) بقصد البيع في السُّوق من أجل الحصول على (ن) التي بدأَت بها عملية الإنتاج، بالإضافة إلى الربح ( ن). ولكن، قد لا ينتظر مالك السَّهم اكتمال دورة الرأسمال، ويبيع السَّهم في سوق المال؛ كي يحصل على (ن + ن). وهذا هو الأصل العام في اقتصادات الأسهم القائمة بالأساس على الشراء عند أقل الأثمان والبيع عند أعلاها وَفْق مؤشراتٍ معيَّنة. وهذا يعني أن تداول كتلة الأسهم مستقلٌّ عن الربح الفعلي؛ فهو لا يتحدد بمعدَّل الربح الذي يحقِّقه المشروع نفسه، إنما بالبيانات عن المشروع وسُمعته والتوقُّعات حول مستقبله. وهو ما قد يؤدِّي إلى نتيجة تبدو، لأول وهلة، غريبة؛ فقد ينخفض ثمن السهم إلى الصفر مع أن المشروع يحقِّق ربحًا، وقد يكون المشروع في مرحلة تراجع وخسارة ومع ذلك يرتفع ثمن السهم! بَيْد أن تلك النتيجة الغريبة تبدو طبيعية بالنظر إلى استقلال اقتصادات تداول الأسهم، القائمة بالأساس على المقامرة، عن اقتصَاد المشروع نفسه؛ فهناك العديد من المشروعات، شركة تسلا مثلًا، لا توزع أرباحها، ويحقِّق المساهمون أرباحهم عن طريق حركة بيع الأسهم وشرائها. وهي حركةٌ مستقلة في الواقع عن ربح المشروع، وفي نفس الوقت قائمة على بيانات يجري تسويقها حول قوة المشروع ومستقبل أرباحه. تلك البيانات التَّسويقية فقط هي التي تقود حركة الأسهم ارتفاعًا وانخفاضًا، في أداء أقرب ما يكون إلى مقامرات الروليت في صالات لاس فيجاس، وليس الإنتاج الفعلي ولا معدَّل الربح الحقيقي الذي يحقِّقه المشروع. ومن هنا لا يقتصر دور السَّهْم، كصكٍّ مثبتٍ لملكية المساهم في رأسمال المشروع، عند حدود كونه ثمن المخاطرة الجالبة لقدْرٍ معيَّن من الربح وفق معدَّله السَّائد اجتماعيًّا، بل يقوم، في نفس اللحظة، بدورٍ أكبر، حينما يحرِّك كتلةً نقديَّة تسمح بتداوله. هذه الكتلة تحرِّك بدورها عدة أسواق وبالأخص سوق المال (عمال، مدراء، سماسرة، طباعة … إلخ). وكل ذلك يجري كاقتصادٍ مستقل عن عملية الإنتاج الفعلية؛ فهب أن مشروعًا بدأ نشاطه الاقتصادي وفقًا لقانون الحركة (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن)، ﺑ ٥٠٠ ألف جنيه، جمعهم من السُّوق على هيئة أسهم، وفي نهاية السنة الإنتاجية حقق أرباحًا، بفعل قانون القيمة، قيمتها ٣٠٠ ألف جنيه، ولكنه لا يقوم بتوزيعها. وأثناء السنة قام نصف المساهمين بطرح جميع أسهمهم للتداول؛ أي تم طرح أسهم بقيمة ٢٥٠ ألف جنيه، ومع البيانات التسويقية الجيدة عن المشروع جرى تداول تلك الأسهم ١٠ مرات، وفي كل مرة كانت قيمة السَّهم تزيد ١٠٪، فستبلغ قيمتُها في نهاية السنة ٦٤٨٤٣٥٫٦ جنيهًا تقريبًا، في حين أن انتظار أصحابها إلى نهاية السنة لن يجعلهم يحصلون إلا على ١٥٠ ألفَ جنيه فحسب. إن الانفصال بين ربح المشروع وبين ربح الأسهم، المقامرة، يعني أن الربح الأخير له ذاتية تستند على اقتصادات لا يمكن عقلنتُها! ولقد كان كينز صريحًا تمامًا حينما قال: «إن أعظم الشرور الاقتصادية في عصرنا هي نتيجة المخاطرة، وعدم اليقين، والجهل. وذلك لأن أفرادًا معيَّنين، محظوظين في الموقف أو في القدرات، قادرون على الاستفادة من عدم اليقين والجهل، وأيضًا لأنه لنفس السبب غالبًا ما تكون الأعمال التجارية الكبرى عبارة عن يانصيب يؤدِّي إلى إضعاف الإنتاج والكفاءة مع تفاوتات هائلة في الثروة.» انظر:
John M. Keynes, The End of Laissez-Faire, The Collected Writings of John Maynard Keynes, Vol. IX, (New York: Macmillan, 1972), p. 291.
John Wheatley, Essay on the Theory of Money and Principle of Commerce (London: Printed for T. Cadell and W. Davies, Strand, by W. Bulmer and Co. Cleveland-row, 1807), p. 41.
Klaus Bender, Moneymakers: The Secret World of Banknote Printing (Weinheim: Wiley-VCH, 2006).