التطور في وسيلة التبادل
١
-
(١)
يفترض التبادُل قَدْرًا من التنظيم الاجتماعي الذي يستتبعه الإدراك الجمعي بكون الحصول على منتجات الغير بواسطة التَّبادل، وَفْق علاقةٍ تعاقديَّة، أفضلَ وأكثر فائدةً من الاستيلاء عليها بالنهب وسفك الدَّم؛ وبالتَّالي يتحدَّد حقل التَّحليل لدينا بالمجتمعات التي تجاوزَت البدائيَّة.٢
-
(٢)
كما يفترض التبادل وجود الفائض؛ فلن أُقدِمَ على التَّخلي عن منتوجٍ لا أملكُ منه أيَّ قَدْرٍ من الفائض، كي أحصلَ من شخصٍ آخر على منتوجه، الذي لا يملك هو الآخر منه أيَّ فائض، بل يجب، كي تبدأ عملية التبادُل، أن يملك كلانا قَدْرًا من الفائض.٣
-
(٣)
ولإتمام عملية التبادل يتعيَّن افتراضُ سبق اتفاق أعضاء المجتمع على مقياسٍ عامٍّ مشتركٍ على الصعيد الاجتماعي يمكن على أساسه إتمام المبادلات. هذا المقياس لن يكون سوى الجهد المبذول؛ إذ على أساسٍ من تقييم كلِّ منتوج بالمجهود الاجتماعي الضروريِّ المنفَق في سبيل إنتاجه، طبقًا للفن الإنتاجيِّ السَّائد٤ يأخذ الثمَن سواء عُبِّر عنه بالمنتجات أو بالنقود في التأرجُح ارتفاعًا وانخفاضًا حول قيمةٍ اجتماعيَّة محدَّدة، التي هي، وكما نعرف، محورٌ ثابت في المدى الطويل، وربما الطويل جدًّا.
في إطار هذه الشروط الثلاثة، يجب الوعي بملاحظتَين جوهريتَين:
-
(١)
عدم لزوم معرفة جميع المجتمعات لكلِّ الأشكال التَّاريخيَّة التي اتَّخذَتها وسيلة التَّبادل؛ فقد يتشكَّل مجتمع ويتخذ من «المنتوج» وسيلة تبادل ثم ينتقل إلى «النقود» دون أن يمُر ﺑ «المنتوج السلعي». وقد يتشكَّل مجتمعٌ آخر، ويتخذ من «المنتوج السلعي» وسيلة تبادل، ثم ينتقل إلى «النقود» دون أن يعرف «المنتوج» كوسيلة تبادل.
-
(٢)
لا توجد وسيلة تبادل خالصة في أيٍ من مراحل تاريخ التَّنظيم الاجتماعي؛ إذ دومًا ما يمكننا أن نجد مبادلة المنتوجات بالمنتوجات إلى جانب منتوجٍ سلعي مهيمن كوسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا، أو نجد هذا المنتوج السلعي إلى جانب النقود. كما باستطاعتنا رؤية النقود إلى جانب مبادلة المنتوجات بالمنتوجات. أو معاينة الأشكال الثلاثة الأساسيَّة (المنتوج والمنتوج السلعي، والنقود) بدرجاتٍ متفاوتة بالتَّبَع لما تُقرِّر الطَّبقة المهيمنة استخدامَه من وسيلةٍ للتبادل في المجتمع؛ وبالتَّالي، لا يعد ضروريًّا وجودُ تعاقبٍ زمني محدَّد سلفًا؛ فالطَّفرات النسبية والارتدادات العرَضية والوقتية عبْر حركة التطوُّر الاجتماعي من الأمور الممكنة تاريخيًّا، ولكن، تبقى مسيرة التطوُّر في مجموعها خاضعةً لقانونٍ موضوعيٍّ حاكمٍ لها على الصعيد الاجتماعي.
٢
يمكننا الآن، بعد أن تعرَّفنا إلى الشروط الموضوعيَّة لظاهرة التَّبادل، الانتقال إلى البحث في تاريخ تطوُّر وسيلة التبادل؛ وصولًا إلى القانون الموضوعي الحاكم لهذا التطوُّر على الصعيد الاجتماعي. وهو التَّاريخ الذي يبدأ في التبلور مع الانتقالِ من المنتوجِ الفائضِ عرَضًا إلى المنتوج السلعي.
وعلى هذا النَّحو يتطور الشكل الأول، البسيط، من أشكال وسيلة التبادل الذي هو المنتوج، من مجرد كونه منتوجًا مُعَدًّا بالأساس للإشباع المباشر مع قدرة كامنة/خاملة على التبادل، إلى منتوجٍ مُعَدٍّ للتبادل، مع احتفاظه الكامل بالقدرة على الإشباع المباشر.
٣
مع المنتوج المهيمن اجتماعيًّا إذن، تأخذ القدرة على التبادل في التقدُّم على حساب القدرة على الإشباع، إنما أيضًا دون أن يفقد المنتوج المهيمن تلك القدرة الأخيرة؛ إذ يمكن أن يجري استخدام الأرز والقمح والذرة والخزف والجُبْن والتبغ والعقيق واللآلئ والذَّهب والفضة في التبادل، كما لم يزل بالإمكان استخدامهم في الإشباع المباشر. التقدُّم الذي تم إحرازه مع المنتوج المهيمن اجتماعيًّا يمكن تلخيصُه إذن في أن المنتوج بعد أن كان بالأساس معدًّا للإشباع المباشر، وتبرُز قدرتُه على المبادلة عَرضًا، أصبح المنتوج نفسه معدًّا للتبادل وأصبحَت القدرة على الإشباع هي التي تبرُز عَرضًا؛ فالإنتاج صار يجري من أجل التبادل؛ وبالتَّالي صار من الضروري الوصول إلى وسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا يمكن مبادلتها بجميع المنتوجات. والمنتوج، كما نعرف، حينما يتم إنتاجه من أجل السُّوق يصبح سلعة. وهكذا تتحول وسيلة التبادل نفسها إلى سلعة مطروحة في السُّوق بقصد تمكين حائزها، بالتَّخلي عنها، من الحصول على ما يرغبُ فيه من منتوجاتِ عمل الغير.
٤
ومع الشكل الثَّالث من أشكال وسيلة التبادل، تشرع ظاهرة النقود في التبلور؛ فخلال آلاف السنين تجسَّدَت وسيلة التَّبادل، بصفةٍ خاصَّة، في الأصداف والأحجار والمعادن.
-
(١)
فإذا نظرنا إلى الأصداف،٢٤ التي سادت، كنقود، لدى قبائل غرب أفريقيا، والصين القديمة، والهند، وبلاد السُّودان، ومالي، وجزر المحيط الهادئ بصفةٍ خاصَّة في «مكرونيزيا» و«ميلانيزيا»، سنجد أن الأصداف في هذه الأماكن تجاوزَت دورَها المحدَّد بالإشباع المباشر، وصارت بعد استيفاء الشروط نقودًا ذات قدرةٍ على التبادل؛ فهي: أولًا، تصدر عن أعلى سلطة في المجتمع/القبيلة؛ إذ لم يكن يُسمح إلا لفئةٍ محددة في القبيلة بإنتاجها، وفي إطار طقوسٍ معيَّنة؛ ومن ثَم لم تعُد وسيلةً عرَضيةً يجري استخدامها إلى جانب أشياء أخرى كوسيلة تبادل، بل صارت وسيلةً مهيمنة على الصعيد الاجتماعي، وبواسطتها يمكن للمرء الحصول على ما يريد من منتوجات عمل الغير. وهي، ثانيًا، تتطلب، في سبيل إنتاجها، قَدْرًا من المشقة؛ ومن ثَم تتميز بشيءٍ من الندرة النسبية؛ إذ لم يعتبر السكَّان الصَّدَفة التي تتوافر في مياههم وسيلةً مقبولة للتبادل، إنما كان يجري تداولها بين القبائل التي تعيشُ بعيدًا عن أماكن توافُرها.ومن المهم، بالتالي، ملاحظة أن الصَّدَفة، كمنتوج، وعلى الرغم من أنها صارت نقودًا معدَّة للتبادل، إلا أنها لم تزل لديها القدرة على الإشباع ولم تفقدها تمامًا؛ إذ على الأقل لم تزل لديها القدرة على إشباع الحاجة إلى الزينة. أما عن الدور الذي أدَّته الأصداف، كنقود، في مجرى الحياة اليوميَّة، فيمكننا معرفة أن ثمَن الفأس مثلًا، لدى قبائل غَرب أفريقيا، كان مائة وخمسين صَدفة، وثمن إناء من الفخَّار ثلاثمائة صَدفة، وثمن قطعة من النَّسيج ستمائة صَدَفة. وكان مهر المرأة خمسة عشر ألفَ صَدفة. كما كانت الضرائب والغرامات والدِّيات تُدفع جميعها بالأصداف. ولم تكن وسيلةُ التبادل عند هنود كاليفورنيا إلا عبارةً عن حبالٍ مصنوعة أيضًا من الصَّدَف قد يبلغ طول الواحد منها عدة أمتار، وقد جرى استخدامها في دفع المهور، وإنهاء إجراءات التبنِّي والدَّفن، وإتمام معاهدات السلام. وكان ثمَن الخنزير من عشرة إلى عشرين خيطًا، بينما يصل المهر إلى مائة وخمسين خيطًا من الصَّدَف.٢٥
-
(٢)
ولدى قبائل جزيرة «ياب» غرب المحيط الهادئ وُجدَت نقود «الفاي»٢٦ المصنوعة من أحجار الأراجونيت التي يتم الحصول عليها من جزيرة «بالوا» شمال جزيرة «فلوريس» بإندونيسيا. ولا يمكن الحصول على تلك الأحجار بسهولة إذ يستلزم الأمر مَشقةً كبيرة في التكسير، والنَّحت، دون أدوات معدنيَّة، ثم الشحن إلى الجزيرة. وقد يصل قطر واحدةٍ منها خمسة أمتار ويجري تشكيلها على نحوٍ مستديرٍ مثقوب الوسط؛ ربما لتسهيل عملية تحريكها، وتزداد قيمتُها كلَّما كانت كبيرة الحجم ورقيقة. وكانت قطع «الفاي» الصغيرة تقوم بدور وسيلة التبادل في المعاملات القليلة القيمة، أما القطع الكبيرة فكانت تُستخدَم في الصفقات الأكثر أهمية، كشراء منزلٍ أو قاربٍ كبير محمَّل بشتى أنواع الفاكهة. وكانت عملية التبادل في تلك الصفقات الكبيرة تتم دون أي تغيير لمكان «الفاي» إنما يتم فقط الإقرار بتغيُّر الملكية؛ أي إننا نكون حينئذٍ أمام مجرد تعديل في قيودٍ محاسبية، أشبه بعمليات مصارفنا المعاصرة؛ إذ تُحول المدفوعات عبْر قيودٍ دفترية دون أيِّ تحريكٍ مكاني للأصل المادي. حجارة «الفاي» إذن على هذا النَّحو تؤدِّي دورَين؛ النقود في المعاملات صغيرة القيمة، ومجرد وسيلة لتداول النقود نفسها في المعاملات الكبيرة القيمة.
-
(٣)
ولما يتمتع به المعدن، بصفةٍ خاصَّة الذَّهب والفضة، من صفاتٍ فريدة ومتميزة، وكما ذكَرنا، فقد تم اتخاذه وسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا لآلاف السنين، حتى قبل أن تُسك منه العملة؛ أي إنه، في تاريخ وسيلة التبادل كما نعرف من التقنينات البابلية والكتاب المقدَّس، كان منتوجًا مهيمنًا قبل أن يكون نقودًا. وقد استخدم اليونان وكذلك الرومان، الحديد والبرونز والنحاس والإلكتروم في سك النقود المتداولة. واستخدَمَت بيزنطة الذهب، واستُخدمت الفضة في الغرب الكاثوليكي وفي بلاد السَّاسانيين. واتخذ المسلمون في القرن العاشر من المعدنَين، بنسبةٍ ثابتة، نقودًا يتم تداولها في أرجاء دولة الخلافة،٢٧ واستمر الأمر على هذا النَّحو من استخدام المعادن؛ حيث كانت النقود تُسَك من السَّبائك المعدنية. وحتى مع ظهور النقود الورقية كانت الأخيرة قابلةً للمبادلة مقابل السَّبائك بقيمةٍ محدَّدة. وفي أوائل القرن التاسع عشر، تم ربط عملات معظم البلدان بالفضة ما عدا المملكة المتحدة، والولايات المتحدة٢٨ اللتَيْن استخدمَتا الذَّهب. أما فرنسا، فقد ربطَت عملتها بالذَّهب والفضة معًا. وظل المعدن المسكوك حاضرًا دومًا، سواء أكان الذهب أم الفضة أم كلَيهما، في عملات الدول الاستعمارية الكبرى ومستعمراتها٢٩ حتى انتقلَت تركة أوروبا الاستعمارية إلى الولايات المتحدة؛ التي ورثَت الهيمنة النقدية على العالم، مُعلنة استبدال الدولار الأمريكي بالإسترليني البريطاني، مع اعتبار الدولار الورقي، لا المعدن، هو وسيلة التبادل. وبغَض النظر عن الظروف التاريخيَّة التي أدَّت إلى ظهور الدولار وهيمنته على الصعيد العالمي، فالواقع أن المعدِن، سواء أكان الذَّهب أم الفضَّة أم غيرهما كالبرونز والنُّحاس، بطبيعته نادر،٣٠ ومادته نفسها قابلة للتآكل وعُرضة للفناء، وأعداد البشر في ارتفاع والمُنتَجات في ازدياد، والطلب على العُمْلة المعدنيَّة، بصفةٍ خاصَّة تلك المصنوعة من الذهب أو من الفضَّة، يجب بالتَّبَع أن يتزايدَ لاتساع دائرة التَّبادل؛ وبالتَّالي كان من المتعيَّن دائمًا، وفق هذا الظَّرف التَّاريخي أو ذاك، ابتكار الوسائل، بغَض الطَّرف عن شرعيتها، لتفادي توقُّف التَّدفُّق النَّقدي المقابل للتدفُّق السلعي في حقل النشاط الاقتصادي. وكانت هذه الوسيلة دومًا هي منع التَّعامل بالمعدِن النَّفيس، الذَّهب بوجهٍ خاص، واعتبار جزء من المَعْدِن أو وَرَقة ملوَّنة رَمزًا له. وهو ما تم على مراحلَ تاريخيَّة ابتداءً من إلغاء حق الأفراد في سك العملة٣١ ثم قصر استخدام الذَّهب في معاملات التجارة الخارجيَّة فقط، وانتهاءً بتقنين استخدام الأوراق النقديَّة ذات السعر الإلزامي. وهكذا هبط المعدن إلى مرتبة النقود المساعدة وصارت النقود «الوَرَقية»٣٢ هي النقود المهيمنة داخليًّا. وعالميًّا أصبح الدولار «الورقي» الأمريكي، الوريث التَّاريخي لهيمنة الإسترليني، هو سيد النقود! ولكن ربط الدولار بالذهب،٣٣ وهو الربط الذي عززته الولايات المتحدة بفرض هيمنتها الاقتصادية والسياسيَّة، بل والثقافية، على العالم بأَسْره، أدَّى إلى قيام نصف دول الكوكب تقريبًا بربط عملتها بالدولار. ومع التراجع في استخدام المعدن مباشرة كوسيلة تبادل، على هذا النَّحو، تأخذ كذلك القدرة على الإشباع في الاختفاء رويدًا رويدًا مفسِحة الطريق بأكمله للقدرة على التبادل؛ فالورقة الملونة التي أصبحَت بديلًا للمعدن النفيس، وأمست تُعبِّر عن قيمته التي تقرِّرها السُّلْطة، وليست عن قيمته الحقيقية، لم تعُد قادرة على الإشباع، لا في الزِّينة ولا في الأكل ولا في طقسٍ ديني معيَّن … إلخ، وإن كان بالإمكان استخدامها ماديًّا، بحكم طبيعتها، كمجرد ورقةٍ قابلةٍ للإشعال والإحراق في سبيل التدفئة مثلًا! هذا إذا صرَفْنا بصرَنا عن منافسات هواة جمع العُملة! وعن عادة شَيلوك المعاصر الذي يطمئن فؤاده بعَدِّ أوراقه النقديَّة كل مساء!
بوجهٍ عام، وسواء أكانت وسيلة التبادل من الصَّدَف أم من المعدِن أم من الورق الملوَّن المصنوع من القطن والكتان، فهي لم تعُد منتوجًا معدًّا للإشباع المباشر ويجري تبادلها عرَضًا، بل صارت تُنتَج بالأساس، وَفْق شروطٍ محدَّدة، من أجل التبادل؛ أي إن القدرة على التبادل أصبحَت هي القدرة الغالبة، ولكن، دون أن تنتهي القدرة على الإشباع بالنظر، وكما ذكرنا، إلى الطبيعة المادية للوسيلة ذاتها.
٥
هكذا أخذَت وسيلة التبادل عبْر تاريخنا البشري في التعبير عن نفسها ابتداءً من المنتوج غير المُعَد للتبادل، وانتهاءً بالنقود على اختلاف أشكالها، مرورًا بالمنتوج المهيمن. ويبدو الطريق ممهدًا في سبيل استخلاص القانون الموضوعي الحاكم للتطوُّر في وسيلة التبادل، ولكن، قبل أن نستخلص هذا القانون الحاكم، دعونا نتأمل مرحلتَي القيمة؛ أي القيمة الموضوعيَّة والقيمة المُفترَضة، اللتَين تمثِّلان في تناقضهما التَّاريخَ الحقيقي لوسيلة التبادل؛ فالأصل هو إجراء التَّبادل بين قيمٍ متساوية من العمل الاجتماعي الضروري (نغُضُّ بصرنا هنا، للتبسيط، عن زمن الإنتاج)؛ إذ وفقًا للفن الإنتاجي السَّائد اجتماعيًّا تتساوى، كما نعرف، قيمة المعطف الذي أُنتج في ٥ ساعات ويحتوي على ١٠٠ «س.ح. ض» من الطاقة الحية و٥٠ «س.ح. ض» من الطَّاقة المختزنة، مع قطعة النَّسيج التي أُنتجَت في ٥ ساعات وتحتوي على ٨٠ «س.ح. ض» من الطاقة الحية و٧٠ (س.ح. ض) من الطَّاقة المختزنة. وحينما لا يرغب صانع النَّسيج في معطفي، وأرغب أنا في نسيجه، فيجب أن أعطيه قيمة ما أنتجَه كي أحصل منه على النَّسيج. وكذلك الأمر بالنسبة لصانع النَّسيج حينما يرغب في الحصول على معطفي، ولا أرغب أنا في نسيجه؛ إذ يجب عليه أن يعطيني قيمة ما أنتجتُه كي يمكن أن أعطيه المعطف، فإذا كنتُ وصديقي النساج في مجتمعٍ يتخذ من الأصداف وسيلة تبادل؛ فسوف أحصل منه على صَدَفة بُذل في سبيل الحصول عليها ١٥٠ «س.ح. ض». وإذا كنا في مجتمع يتعامل بالقمح، فسوف أحصل منه على كمية من القمح تقدَّر بنفس قيمة ما أنفقتُه في سبيل إنتاج المعطف؛ وبالتَّالي، إذا كنا في مجتمعٍ يتخذ من الذَّهب وسيلة تبادل فسوف أحصل منه، في مقابل معطفي، على قطعة من الذَّهب بُذل في سبيل إنتاجها ١٥٠ «س.ح. ض» في ٥ ساعات.
٦
ابتداءً من الوعي بتلك الأشكال التي تجسَّدَت من خلالها وسيلة التبادل عبْر حركة التَّاريخ، وما أبرزناه من شروطٍ موضوعيَّة لظاهرة التبادل، وملاحظاتٍ منهجيَّة، يمكننا الآن استخلاصُ القانون الحاكم للتطوُّر في وسيلة التبادل؛ إذ يبرُز قانون التَّناقض حينما تتطوَّر وسيلة التَّبادل من المنتوج إلى شكلٍ مُناقض مع احتفاظه بخصائص الشكل السَّابق، ثم يظهر شكلٌ ثالثٌ مُباين بالجملة؛ فمع الشكل الأول يجري تبادل المنتوجات بالمنتوجات. وفي الشكل الثَّاني يهيمن منتوجٌ سلعي أو أكثر، ويؤدِّي دور «السلعة» المعدَّة للطرح في السُّوق من أجل التَّبادل، وهذا بالتحديد ما يميِّز هذا الشكل عن الشكل الأول على الرغم من أن هذَين الشكلَين هما في حقيقتهما مقايَضَة، الأول يتَّخذ شكل المقايضة الصرفة، والثاني يتَّخذ شكل المقايضة السلعيَّة. ومع الشكل الثَّالث، وهو النُّقود، لا يصبح للمنتوج أيُّ دورٍ في الإشباع المباشر؛ إذ تم إنتاجه كي يقوم فحسب بدور وسيلة للتَّبادل. والذي يفرق الشكل الثَّاني، على هذا النَّحو، عن الشكل الثَّالث، هو تجرُّد الشكل الثَّالث من أي قدرة على الإشباع المباشر، في حين يحتوي الشكل الثَّاني على قدرتَين؛ قدرة على الإشباع المباشر، وقدرة على مواجهة عالم السلع. والنُّقود، وهي الشكل المباين على هذا النَّحو، لا يمكن أن تصبح النهاية في تاريخ تطوُّر وسيلة التَّبادُل؛ إذ إن كل نهاية تحتوي دومًا داخلها على بدايةٍ جديدة في سلسال التطوُّر.
يمكننا الآن، بعد تعرُّفنا إلى ماهية النقود، والقانون الموضوعي الحاكم للتطور في وسيلة التبادل، الانتقال إلى تحليل أبرز قضايا النقود، ابتداءً من قيمتها وانتهاءً بالعائد على توظيفها، مرورًا بوظائفها وكميِّتها المستلزمة اجتماعيًّا، فلننتقل إذن الآن إلى الباب الثاني لمعالجة تلك القضايا التي جمعناها تحت اسم اقتصَادات النقود.
Yuval N. Harari, Sapiens: A Brief History of Humankind (New York: HarperCollins Publishers, 2015), pp. 86–132.
وانظر كذلك: كتاب ريتشارد كوريير، الشيق، الذي يشترك مع كتاب نوح هراري في نفس الخط الفكري؛ حيث إعادة النظر في مدى نفع التقنيات التي كشف عنها البشر وقاموا بتطويرها، بصفة خاصَّة في مجال الزراعة، وكيف قامت تلك التقنيات بتشكيل سلوك البشر وخلقَت مجتمعاتهم، ومدى استفادة البشر أنفسهم من تلك التقنيات. انظر:
Richard Currier, Unbound: How Eight Technologies Made Us Human and Brought Our World to the Brink (New York: Arcade Publishing, 2015), pp. 139–167.
R. Firth, Human Types: An introduction to Social Anthropology (New York: The New American Library, 1957), pp. 190–198.
K. Menger, On the Origin of Money, Translated by C. Foley, The Economic Journal, Vol. 2, No. 6 (Oxford: Oxford University Press, 1892), p. 255.
حينما رفض الإثنولوجيون، والبعض من الاقتصاديين، فكرة المقايضة التي قال بها التاريخ الاقتصادي، جرى الادِّعاء بوجوب إعادة كتابة تاريخ النقود! وقد برَز هذا الادِّعاء، صراحة، على سبيل المثال، في مقالما هي النقود؟ لألفريد ميتشل إنس (١٨٤٦–١٩٥٠م)، انظر:
A. M. Innes, What is Money? (New York: Banking Law Journal, 1913), p. 32.
الذي ظن أنه بيَّن خطأ سميث، على أساسٍ من وجود سوء فهمٍ مرجعه عدم إدراك أن استخدام المال لا يوجب بالضرورة الوجود المادي للعملة! ولا حتى وجود معيارٍ معدني للقيمة! وسوف يبني على ذلك مجمل تصوُّره عن نفي المقايضة! وكذلك: كتاب الهبة، لمارسيل موس (١٨٧٢–١٩٥٠م)، انظر:
Marcel Mauss, The Gift: Forms and Functions of Exchange in Archaic Societies, Translated by Ian Cunnison, With an Introduction by E. E. Evans-Pritchard (London: Cohen & West Ltd, 1966), p. 31.
الذي رأى أن التبادل في المجتمعات البدائية يستند إلى عدم الفصل بين الشيء الذي يجري تبادُله وبين مالكه. وإن علاقات الائتمان كانت أسبق من علاقات المقايضة! كذلك: كتاب الدين لديفيد جريبر (١٩٦١–٢٠٢٠م) الذي نقلَ فكرتَه المركزيةَ عن إنس، وموس كذلك ولكن دون أن يذكُره! انظر:
D. Graeber, Debt: The First 5,000 Years (New York: Melville House, 2014), pp. 21–42.
وأيضًا كتاب برنس (١٩٠٢–١٩٩١م)، الذي قرَّر أن المقايضة لم تُوجد في المجتمعات القديمة! ولا يُوجد دليلٌ عليها! ومن ثم لا يجب أن يُؤخذ كلام الاقتصاديين عن هذه المرحلة على محمل الجد! ولذا، كان على برنس أن يتجاوز، في كتابه، مصر القديمة ولا يعود لها إلا في الفصل السادس حينما صارت النقود سائدة! انظر:
A. R. Burns, Money and monetary policy in early times (New York: Alfred A. Knopf, 1927), p. 1.
وما يجمع هؤلاء هو اتخاذهم من بعض المجتمعات المنعزلة، المكتشَفة مع الغزو الأوروبي، نماذج للتحليل؛ وكأنها نماذجُ شفَّافة وأزلية، والادِّعاء بأن المقايضة غير موجودة في هذه المجتمعات! والموجود هو الائتمان أو النقود؛ وبالتالي، تم رفض التأريخ لوسيلة التبادل ابتداءً من المقايضة! والواقع، باختصار، أن رفْضَ فكرة المقايضة، كفعلٍ اجتماعي، وكأصلٍ تاريخيٍّ لكل وسيلة تبادُل، أقوى منه، من باب أَولَى، رفضنا تصوُّر اجتماع أفراد القبيلة، كما يحدث في اجتماعات البنك الفيدرالي، وتقريرها الاتخاذ من الحديد أو النحاس، مثلًا، أو من صَدَفة الديوارا، وسيلةَ تبادُل داخلها. ورفْض فكرة المقايضة هنا يعود في تقديري إلى سببَين؛ أولًا: القصور الشديد في منهج التحليل، والافتراض غير الصحيح بأن المجتمعات موضوع التحليل تمثِّل مادةً أوليةً نقية. وهو ما تزامن مع رؤيةٍ عنصريةٍ محتمَلة، بصفةٍ خاصَّة في الكتابات الأولى، أدَّت بدَوْرها إلى غضِّ بصر، بوعيٍ أو بدون وعي، عن الاتصال المحتمَل بين تلك المجتمعات التي اكتشَفها الأوروبي وبين حضاراتٍ أرقى غادرَت بالفعل، ومن آلاف السنين، مرحلة الإشباع المباشر. ثانيًا: سيطرة الذهن الأوروبي المشبَّع بفكرةٍ محدَّدة عن النقود، كنهاية للتاريخ منذ سميث، على مجمل التحليل. ولسوف تتسرَّب، كالعادة، هذه الذهنية «النقدوية» إلى الذِّهن العربي، القابل لذلك؛ لسبق وجود النقدوية نفسها لديه كفكرةٍ مسيطرة؛ فقد نقل أبو بكر القرشي، في القرن التاسع: «أن أوَّل من ضَرب الدنانير والدراهم آدم. ضرب وقال: لا تصلح المعيشة إلا بهما …» انظر: ابن أبي الدنيا، إصلاح المال، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، القاهرة، مؤسسة الكتب الثقافية، ١٩٩٣م، ص٤٢؛ وقارب: ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق: ابن الخطيب، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، د.ت، ص١٢٦-١٢٧؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يذهب جواد علي، في المفصَّل، إلى أن: «تبادل السلع بالسلع من خلال عملية المقايضة هو من قبيل النقد الطبيعي!» انظر: جواد علي، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد، جامعة بغداد، ١٩٩٣م، ج٧، ص٤٨٨.
A. Montagu, Man: His First Million Years (New York: The New American Library, 1957), pp. 153–187.
Money from Cowrie Shells to Credit Cards, Edited by: Joe Cribb (British Museum Pub Ltd, 1986), pp. 16–18.
The Oxford Encyclopedia of Economic History, Edited by: Joel Mokyr (Oxford: Oxford University Press, 2003), Vol. 3, p. 535.
Burns, Money and Monetary Policy in Early Times, op. cit., pp. 4-5.
ولقد ذكر المسعودي أن: «في الهند جزائر عامرة بالناس وتجارتهم الودع.» انظر: المسعودي، أخبار الزمان، ص٨٧. كما ذكر أن: «لمملكة الزنج المتصلة بمملكة الحبشة جزائر يخرج منها الودع الذي يتحلَّون به ويبيعونه.» انظر: المسعودي، المصدر نفسه، ص٩٠. وقد وصف لنا السيرافي (القرن العاشر) الذي ارتحل إلى الهند والصين وإندونيسيا ما رآه في البحر الذي بين بلاد الهند والسند بقوله: «ما بين الجزيرة والجزيرة فرسخان وثلاثة وأربعة، وكلها عامرة بالناس والنارجيل، ومالهم الودع. وهذه المملكة تدَّخر الودع في خزائنها …» انظر: أبو زيد بن يزيد السيرافي، رحلة السيرافي، تحقيق: عبد الله الحبشي، أبو ظبي، المجمع الثقافي، ١٩٩٩م، ص١٨. كما ذكَر السيرافي الطريقة التي كانت تُستخدم في سبيل الحصول على الأصداف التي اتُّخذَت كعملة قائلًا: «وبيوت أموال هذه المملكة الودع، وذلك أن الودع فيه نوع من الحيوان، فإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر فقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه وطرحوه على وجه الماء فيتراكب عليه ذلك الحيوان فيُجمع ويُطرح على رمل الساحل فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان ويبقى الودع خاليًا مما كان فيه فيملأ من ذلك بيوت الأموال.» انظر: السيرافي، الرحلة، المصدر نفسه، ص١٢١. وتلك الطريقة كانت لم تزل متبعة ووصفَها المستعمر حينما وَطِئَت قدمُه الجزر المنعزلة في المحيط الهادئ. انظر: ليبس، أصل الأشياء، المصدر نفسه، ص١٦٠. أما البكري، فقد قال: «إن في بحر الصين جزائر لا تُحصى وأممًا لا تُكتب عدًّا وأموالها الودع.» انظر: البكري، المسالك والممالك، المصدر نفسه، ص١٩٢. كما ذكَر: «ثم يلي هذا الملك مملكة دهرم، وهذه سمة لملكهم وهو ذو مملكة عظيمة … وماله الودع.» انظر: البكري، المصدر نفسه، ص١٩٣. كما ذكَر لنا العُمري أن «المعاملة في بلاد التكرور بالودع، وأنَّ التجار أكثر ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدةً جليلة.» انظر: العمري، مسالك الأبصار، المصدر نفسه، ج٤، ص١٢٢. ولقد أكَّد ابن بطوطة كذلك على أن الودع هو عملة السودان؛ إذ قال إنه رآه يُباع بمالي وجوجو، في بلاد السودان، بحساب ألف وخمسين للدينار الذهبي. انظر: ابن بطوطة، تحفة النظار، المصدر نفسه، ص٤٩٢.
Maurice Lombard, L’Islam dans sa premiere grandeur: VIIIe–XIe siècle, (Paris: Flammarion, 1971), pp. 48–63.
W. Stanley Jevons, Money and the Mechanism of Exchange (New York: D. Appleton and Co. 1876), pp. 85–89.
«كل الذهب المكتشف حتى الآن يمكن وضعه في مكعب يبلغ عرضُه ٢٣ مترًا من كل جانب … لقد تَم اكتشاف حوالي ٢٤٤٠٠٠ طنٍّ متري من الذهب حتى الآن، ١٨٧٠٠٠ طنٍّ متري تم إنتاجها تاريخيًّا بالإضافة إلى الاحتياطيات الحالية تحت الأرض البالغة ٥٧٠٠٠ طنٍّ متري.» انظر:
https://www.usgs.gov/faqs/how-much-gold-has-been-found-world
R. Cantillon, Essay on the Nature of Trade in General, Translated, Edited, and with an Introduction by A. E. Murphy (Indiana: Liberty Fund. 2015), p. 47.
Gold: Science and Applications, Edited by Christopher Corti and Richard Holliday (New York: Taylor and Francis group, 2010), pp. 11-12.
T. N. Carver, The Value of the Money unit, Quarterly Journal of Economics (Boston: George H. Ellis, 1897), Vol. XI, pp. 430–435.
وقارب: Alfred Marshall, Principles of Economics, op. cit., p. 219.
وسوف نعود لمناقشة قيمة النقود في الفصل الأول من الباب الثاني.
Jean Denizet, Le Dollar: histoire du système monétaire international depuis 1945 (Paris: Fayard, 1985), p. 26.
«سوء طوية الحكام وعوزُهم أدَّى إلى الاقتطاع من المعدِن مع بقاء الاسم دون تغيير؛ فعلى سبيل المثال تم اقتطاع نصف قيمة الفضة من قطعة نقد تزن ليرة فضيَّة مع استمرار اعتبارها ليرة كاملة.» انظر:
Montesquieu, De l’esprit des lois, op. cit., p. 451.
«بسبب أهواء وظلم الأمراء والملوك وإساءة استخدامهم ثقة الشَّعب قلَّ تدريجيًّا المقدار الحقيقي للمعدِن عما كان في النقود.» انظر:
Adam Smith, The Wealth of Nations, op. cit., p. 24.
«إن الجنيه الإسترليني يمثِّل أقل من ثلث وزنه الأوَّلي، والجنيه الاسكتلندي لم يمثِّل سوى ١ على ٣٦ عشية الاتحاد. والليبرة الفرنسية ١ على ٧٤، والمارافيدي أقل من ١ على ١٠٠٠، والريس البرتغالي أقل من ذلك.» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ص١٤٦. كذلك كتب ماركس: «على مدى قرون كان العواهل والملوك يزيِّفون النقد بصورةٍ متواصلة؛ الأمر الذي أدَّى إلى أن النقود لم يعُد لديها من الوزن الأصلي سوى تسمياتها.» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ص١١٥. وفي تشَدُّد الحكام المسلمين في العيار في الدراهم، وخلوص الذهب، بصفةٍ خاصَّة: يوسف بن عمر، وأحمد بن طولون، انظر: صبح الأعشى، المصدر نفسه، ج٤، ص٢٣.