الفصل الثاني

التطور في وسيلة التبادل

١

لقد عَلمنا أن النقود، كوسيلة تبادل صارت لها الهيمنة، هي شيء تتبدَّى هيئتُه الملموسة في شكلٍ قانوني يعبِّر عن كمِّية (مفروضة قانونًا) من العمل الاجتماعي، ويتيح لحائزه، بواسطة التَّبادل، الحصول على ما يودُّ من منتجات عمل الآخرين بقَدْر القيمة الاسميَّة الواردة فيه. وكي نتعرَّف إلى القانون الموضوعي الحاكم للتطوُّر في وسيلة التَّبادل؛ أي من الشكل البسيط، الذي يتبدَّى في «المنتوج» غير المُعَد بالأساس للتبادل، إلى «المنتوج السلعي» المهيمن، حتى الشكل الأكثر تعقيدًا، الذي يبرز في «النقود»؛١ يجب علينا أن نتعرَّف إلى الشروط، الموضوعيَّة، لظاهرة التبادل نفسها؛ إذ هي الظَّاهرة التي تتجوهر من خلالها وسيلة التبادل وتأخذ في التطوُّر عبْر حركة التَّاريخ. والتبادل يفترض ثلاثة أمور تمثِّل، في واقعها، شروطَ تحقُّق الظَّاهرة محل انشغالنا. تتبدَّى تلك الأمور في الآتي:
  • (١)
    يفترض التبادُل قَدْرًا من التنظيم الاجتماعي الذي يستتبعه الإدراك الجمعي بكون الحصول على منتجات الغير بواسطة التَّبادل، وَفْق علاقةٍ تعاقديَّة، أفضلَ وأكثر فائدةً من الاستيلاء عليها بالنهب وسفك الدَّم؛ وبالتَّالي يتحدَّد حقل التَّحليل لدينا بالمجتمعات التي تجاوزَت البدائيَّة.٢
  • (٢)
    كما يفترض التبادل وجود الفائض؛ فلن أُقدِمَ على التَّخلي عن منتوجٍ لا أملكُ منه أيَّ قَدْرٍ من الفائض، كي أحصلَ من شخصٍ آخر على منتوجه، الذي لا يملك هو الآخر منه أيَّ فائض، بل يجب، كي تبدأ عملية التبادُل، أن يملك كلانا قَدْرًا من الفائض.٣
  • (٣)
    ولإتمام عملية التبادل يتعيَّن افتراضُ سبق اتفاق أعضاء المجتمع على مقياسٍ عامٍّ مشتركٍ على الصعيد الاجتماعي يمكن على أساسه إتمام المبادلات. هذا المقياس لن يكون سوى الجهد المبذول؛ إذ على أساسٍ من تقييم كلِّ منتوج بالمجهود الاجتماعي الضروريِّ المنفَق في سبيل إنتاجه، طبقًا للفن الإنتاجيِّ السَّائد٤ يأخذ الثمَن سواء عُبِّر عنه بالمنتجات أو بالنقود في التأرجُح ارتفاعًا وانخفاضًا حول قيمةٍ اجتماعيَّة محدَّدة، التي هي، وكما نعرف، محورٌ ثابت في المدى الطويل، وربما الطويل جدًّا.

في إطار هذه الشروط الثلاثة، يجب الوعي بملاحظتَين جوهريتَين:

  • (١)

    عدم لزوم معرفة جميع المجتمعات لكلِّ الأشكال التَّاريخيَّة التي اتَّخذَتها وسيلة التَّبادل؛ فقد يتشكَّل مجتمع ويتخذ من «المنتوج» وسيلة تبادل ثم ينتقل إلى «النقود» دون أن يمُر ﺑ «المنتوج السلعي». وقد يتشكَّل مجتمعٌ آخر، ويتخذ من «المنتوج السلعي» وسيلة تبادل، ثم ينتقل إلى «النقود» دون أن يعرف «المنتوج» كوسيلة تبادل.

  • (٢)

    لا توجد وسيلة تبادل خالصة في أيٍ من مراحل تاريخ التَّنظيم الاجتماعي؛ إذ دومًا ما يمكننا أن نجد مبادلة المنتوجات بالمنتوجات إلى جانب منتوجٍ سلعي مهيمن كوسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا، أو نجد هذا المنتوج السلعي إلى جانب النقود. كما باستطاعتنا رؤية النقود إلى جانب مبادلة المنتوجات بالمنتوجات. أو معاينة الأشكال الثلاثة الأساسيَّة (المنتوج والمنتوج السلعي، والنقود) بدرجاتٍ متفاوتة بالتَّبَع لما تُقرِّر الطَّبقة المهيمنة استخدامَه من وسيلةٍ للتبادل في المجتمع؛ وبالتَّالي، لا يعد ضروريًّا وجودُ تعاقبٍ زمني محدَّد سلفًا؛ فالطَّفرات النسبية والارتدادات العرَضية والوقتية عبْر حركة التطوُّر الاجتماعي من الأمور الممكنة تاريخيًّا، ولكن، تبقى مسيرة التطوُّر في مجموعها خاضعةً لقانونٍ موضوعيٍّ حاكمٍ لها على الصعيد الاجتماعي.

٢

يمكننا الآن، بعد أن تعرَّفنا إلى الشروط الموضوعيَّة لظاهرة التَّبادل، الانتقال إلى البحث في تاريخ تطوُّر وسيلة التبادل؛ وصولًا إلى القانون الموضوعي الحاكم لهذا التطوُّر على الصعيد الاجتماعي. وهو التَّاريخ الذي يبدأ في التبلور مع الانتقالِ من المنتوجِ الفائضِ عرَضًا إلى المنتوج السلعي.

دعُونا نبدأ بأبسط الأشكال التي تتخذها وسيلة التبادل، وهو شكل المنتوج غير المُعَد بالأساس للتبادل؛ وبالتَّالي فإن الفائضَ منه يكون فائضًا عرضيًّا. وإذا ما أكَّدنا على أن هذا الشكل تتبدَّى ملامحه الأوليَّة، الجنينية، في إطار مجتمعٍ بدائي ينتج من أجل الإشباع المباشر، لا التبادل، فليس أمامنا إلا افتراض، قد يكون منطقيًّا، مؤدَّاه وجود جماعةٍ ما، تنتج بطبيعة الحال من أجل الإشباع المباشر، تصطاد مثلًا السَّمك، فتجد لديها فائضًا منه، قد تظل تُهدره إلى أن يتبيَّن لها إمكانية الاستفادة منه بمبادلته مع جماعةٍ أخرى لديها فائضٌ هي أيضًا إنما من اللحم المقدَّد مثلًا. هنا يجري، عرَضًا، مبادلة اللحم المقدَّد بالسمك. ويصبح السمك كما يصبح اللحم المقدَّد وسيلة تبادُل. وسيلةٌ استثنائيَّة، وتبادلٌ استثنائي. وسيلة التبادل هنا إذن تتجسَّد في منتوجٍ غير مُعَدٍّ بالأساس للتبادل؛ أي إن القدرة الناشطة في وسيلة التبادل هي القدرة على الإشباع، أما القدرة الأخرى، وهي القدرة على التبادل فهي قدرةٌ خاملة. ويمكننا أن نفترضَ في نفس السياق، وعن صواب، أن شخصًا ما، أو مجتمعًا أوليًّا، اكتشف شيئًا ما، صَدَفَة مثلًا في المياه الضحلة، وأراد شخصٌ آخر الحصول عليها من مكتشفها؛ لأكلها أو للونها البرَّاق أو لاستخدامها في طقسٍ ديني معيَّن … إلخ، في مقابل دَرَقة سُلَحْفاة قام بقنصها، يجري هنا التبادل مقايضةً؛ إذ يأخذ مكتشف الصَّدَفة الدَّرَقة ويُعطي الصَّائد الصَّدَفة. ورويدًا رويدًا تلقى الصَّدَفة القَبول من شخصٍ ثالث مقابل الفخَّار الذي صنعه، ومن شخصٍ رابع مقابل الجلد الذي دبَغه، ومن شخصٍ خامس مقابل السَّمك الذي اصطاده، ومن سادس مقابل قرون طريدة قَنصَها … إلخ. وعندئذٍ تتحوَّل تلك الصَّدَفة إلى وسيلة تبادلٍ مقبولة بل ومطلوبة اجتماعيًّا، إنما ابتداءً من مبادلةٍ أوليَّة لمنتوج مقابل منتوج. إن وسيلة التبادل لا يُتصوَّر أن تُصبِحَ مهيمنةً اجتماعيًّا بدون نشأتها التَّاريخيَّة تلك٥ على نحوٍ أو آخر، بهذا القَدْر أو ذاك، حتى لو صارت تلك الوسيلة، بعد ذلك، منتوجًا سلعيًّا له الهيمنة، أو أصبحَت نقودًا.
وحيث إن التطوُّر في مستوى الصراع الاجتماعي في حقلَي الإنتاج والتوزيع هو الذي يُحدِّد مستوى التطوُّر في وسيلة التَّبادل، وليس العكس، فإن تلك القدرة الخاملة، والكامنة، في المنتوج، وهي القدرة على المبادلة تنشط بفعل (إمكانية التَّبادل) وهي الإمكانية التي أتاحت للمرء الحصولَ على ما يُقيم أوَدَه من منتوجاتِ غيرِه في مُقابل منتوجاته هو؛ وبالتَّالي وفَّرت تلك الإمكانيَّة فُرصَ الاستفادة أكثر وأكثر من قوة العمل في خلق أكثر المنتوجات تنوعًا؛ الأمر الذي أفضى إلى المزيد من التخصُّص٦ في إطارٍ من تقسيمٍ اجتماعي موسَّع للعمل، وهو ما استَتْبع، بدوره، انتشار التَّبادل نفسه وتسريع وتيرته؛ ومن ثم لم يعُد على المرء أن يوفِّر لنفسه كل احتياجاته من مأكلٍ وملبس ومسكن … إلخ، بل صار بإمكانه الحصول على كل ذلك عن طريق التبادل. وحينما تعرف المجتمعات التبادُل الآخذ في التوسُّع على هذا النَّحو، يمكننا أن نرى جميع المنتوجات تؤدي دور وسيلة التبادل؛ فعملية مبادلة المنتوجات ككمياتٍ من العمل المتجسِّد، بالمنتوجات، كانت معروفةً لدى القبائل الأستراليَّة، وقبائل سيبريا، والهنود في كاليفورنيا، والميلانيزيين في غينيا الجديدة، والزنوج في غرب أفريقيا.٧
وفي مصر القديمة سادت مبادلة المنتوجات بالمنتوجات؛٨ فمن الثَّابت تاريخيًّا أن المصريين في مصر القديمة بادلوا الأواني الخزفيَّة بالسمك. والصناديق الخشبيَّة بعُلب العطور والدهان. وكان في وسع المرء أن يبيع منزلًا مقابل قطعتَي نسيج من نوعياتٍ مختلفة وسرير. كما كان في وسع الراعي مبادلة بقرتَيه بعمل أَمَة.٩ وكان الدَّخل من بعض الوظائف العُليا يقدَّر في مطلع الأسرة الثامنة عشرة بأشياء من ذهبٍ وفضة ونحاس وملابس وعطور وخدَم وقمح وأرض.١٠
وفي العالم الوسيط، ولعدة قرون، كان أهل «سلى» على ضفة النيل ببلاد السُّودان يتبادلون الذرة والملح وحلقات النحاس والأرز.١١ وعبْر الصحراء الأفريقية كان التجار من سِجلْماسة يحملون الملح على الجمال إلى غانة، فإذا بلغوها بادلوا الملح وزنًا بوزن الذَّهب، وربَّما باعوه وزنًا بوزنَين أو أكثر.١٢ وفي بلاد مالي وبلاد الحبشة أيضًا،١٣ كان التَّعامل بالأغنام والأبقار والحبوب. ولدى الأتراك، وكذلك في السُّودان، كانت الأغنام والألبان وحلي الزجاج والعطور وسائل تبادل.١٤
وعلى صعيد التبادل الخارجي كذلك،١٥ لم تعُد وسيلة التبادل محضَ منتوجٍ مُعَد للإشباع المباشر فحسب بل صارت، بالإضافة إلى ذلك، سلعةً معدَّة للطرح في السُّوق من أجل التبادل؛ أي إنها تجمع الخصيصتَين المتناقضتَين معًا؛ أي القدرة على الإشباع والقدرة على التبادل؛ فعلى سبيل المثال بدأ المصريون القدماء، قرابة العام ٢٨٠٠ق.م. يُبادِلون، على صعيد التجارة الخارجيَّة، السمك المملَّح ببعض منتجات الفينيقيين كخشب الأرز والزجاج والأصباغ الأرجوانيَّة المستخرجة من الأصداف البحريَّة.١٦ ومن بلاد بابل لدينا نصوصٌ من بداية سلالة أور الثالثة تذكُر أن رجلًا تسلَّم كمياتٍ كبيرةً من المنسوجات والصوف والزيت والمواد الجلدية من مخازن معبد الإله «ننا» ليأخذها بالقارب إلى «ماكان» لشراء النحاس.١٧
كما إنَّه من المعروف تاريخيًّا أن قبائل البربر، التي هاجرَت من شمال أفريقيا إلى جنوب الصحراء الكُبرى، تاجرت مع القبائل الأفريقية. وكان التبادل يتم من خلال تجارةٍ صامتة؛١٨ إذ يترك رجال القبائل الأفريقية خام الذَّهب عند حافة نهر النيجر، ثم يعودون أدراجهم. عندئذٍ يكون التجَّار المغاربة قد كدَّسوا أكوام الملح بجانب الذَّهب، ثم يأتي الأفارقة فيأخذون الملح ويتركون الذَّهب إذا وجدوا أن الصفقة عادلة. أما إذا وجدوا أن كمية الملح المقدَّمة من البربر لا تساوي ما قدَّموه من ذهب، فإنهم يتركون الملح وتستمر المحاولات حتى يرضى الطرفَان بالصفقة. الملح والذَّهب هنا يؤدِّي كلٌّ منهما، في التبادل الخارجي، دور وسيلة التبادل إلى جانب الاحتفاظ بالقدرة على الإشباع؛ إذ يمكن للأفارقة استخدام الذَّهب في الزينة مثلًا، وهذا إشباعٌ مباشر، كما يمكنهم مبادلته في سبيل الحصول على ملح البربر. وبالمثل، يمكن للبربر استخدام الملح في الإشباع المباشر، كما يمكنهم مبادلته بذهب الأفارقة. وهكذا الأمر بشأن جميع المنتوجات التي لم تعُد فحسب تملك قدرةً على الإشباع المباشر، بل نشطَت داخلها القدرة، التي كانت خاملة، على التبادل.

وعلى هذا النَّحو يتطور الشكل الأول، البسيط، من أشكال وسيلة التبادل الذي هو المنتوج، من مجرد كونه منتوجًا مُعَدًّا بالأساس للإشباع المباشر مع قدرة كامنة/خاملة على التبادل، إلى منتوجٍ مُعَدٍّ للتبادل، مع احتفاظه الكامل بالقدرة على الإشباع المباشر.

٣

ومع الشكل الثَّاني من أشكال وسيلة التبادل، وهو شكل المنتوج السلعي المهيمن اجتماعيًّا١٩ تتراجع نسبيًّا، لدى المنتج، أهمية القدرة على الإشباع المباشر. وتأخذ القدرة على التبادل في التقدُّم وصار لدى منتوجٍ واحد قدرةٌ على التبادل غير محدودة؛ فحبات الأرز كانت تُستخدم على نطاق واسع لتسوية المعاملات الصغيرة في جنوب شرق آسيا، كما استخدمَت القبائل الاسكندنافيَّة الجُبْن. وفي شرق سيبريا، وغرب أفريقيا أيضًا، تم استخدام التَّبغ، وكان الأفيون هو وسيلة التبادل في مقاطعة «هاينان» الصينية، والمشروبات الكحولية على سواحل «لوانجو» فيما يُعرف الآن بالجزء الغربي من جمهورية الكونغو وجنوب الجابون. وفي جنوبي غينيا الجديدة، جنوب غرب المحيط الهادئ، كانت الفُئوس العريضة الشَّفرة (البُلَط) المصنوعة من الصخور البركانية بمثابة وسيلة تبادل. وقد استُخدمَت وسيلة التبادل تلك في شراء الخنازير والقوارب، حتى إن الأطباء كانوا يتلقَّون أجورهم بها. ونفس الأمر تقريبًا في إقليم «تابورا» شرق أفريقيا؛ حيث كان يتم استخدم الفُئوس الحديدية. وفي جزيرة «بورنيو» في أرخبيل الملايو شاع استخدام العقيق كوسيلة تبادل.٢٠ وفي كردفان ودارفور، وكذلك في الهند، لعبَت اللآلئ دور وسيلة التبادل. وعلى سواحل ليبيريا في غرب أفريقيا استُخدم الخرز. وفي جزر «فيشي»، جنوب المحيط الهادئ، صُنعَت وسيلة التبادل من أسنان الحيتان. وفي «سان كريستوبال» شمال أمريكا الجنوبيَّة استُخدَمت أسنان الدلافين. وكما قامت المنتوجات المختلفة بدور وسيلة التبادل، قامت أيضًا المعادن بنفس الدور؛ إذ قام النحاس والحديد والفضة والذَّهب٢١ بدَورِهم كوسيلة تبادلٍ مهيمنة. وقد تمكَّن الذَّهب لخصائصه النَّادرة٢٢ وكذلك الفضة، في نهاية المطاف، من الهيمنة على سائر المنتوجات الأخرى كوسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا؛ فالذَّهب هنا لم يعُد معدًّا للتبادُل مع منتوجٍ واحد كالملح مثلًا، بل أصبح معدًّا لبسط قدرة على التبادل مع سائر المنتوجات الأخرى.٢٣

مع المنتوج المهيمن اجتماعيًّا إذن، تأخذ القدرة على التبادل في التقدُّم على حساب القدرة على الإشباع، إنما أيضًا دون أن يفقد المنتوج المهيمن تلك القدرة الأخيرة؛ إذ يمكن أن يجري استخدام الأرز والقمح والذرة والخزف والجُبْن والتبغ والعقيق واللآلئ والذَّهب والفضة في التبادل، كما لم يزل بالإمكان استخدامهم في الإشباع المباشر. التقدُّم الذي تم إحرازه مع المنتوج المهيمن اجتماعيًّا يمكن تلخيصُه إذن في أن المنتوج بعد أن كان بالأساس معدًّا للإشباع المباشر، وتبرُز قدرتُه على المبادلة عَرضًا، أصبح المنتوج نفسه معدًّا للتبادل وأصبحَت القدرة على الإشباع هي التي تبرُز عَرضًا؛ فالإنتاج صار يجري من أجل التبادل؛ وبالتَّالي صار من الضروري الوصول إلى وسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا يمكن مبادلتها بجميع المنتوجات. والمنتوج، كما نعرف، حينما يتم إنتاجه من أجل السُّوق يصبح سلعة. وهكذا تتحول وسيلة التبادل نفسها إلى سلعة مطروحة في السُّوق بقصد تمكين حائزها، بالتَّخلي عنها، من الحصول على ما يرغبُ فيه من منتوجاتِ عمل الغير.

٤

ومع الشكل الثَّالث من أشكال وسيلة التبادل، تشرع ظاهرة النقود في التبلور؛ فخلال آلاف السنين تجسَّدَت وسيلة التَّبادل، بصفةٍ خاصَّة، في الأصداف والأحجار والمعادن.

  • (١)
    فإذا نظرنا إلى الأصداف،٢٤ التي سادت، كنقود، لدى قبائل غرب أفريقيا، والصين القديمة، والهند، وبلاد السُّودان، ومالي، وجزر المحيط الهادئ بصفةٍ خاصَّة في «مكرونيزيا» و«ميلانيزيا»، سنجد أن الأصداف في هذه الأماكن تجاوزَت دورَها المحدَّد بالإشباع المباشر، وصارت بعد استيفاء الشروط نقودًا ذات قدرةٍ على التبادل؛ فهي: أولًا، تصدر عن أعلى سلطة في المجتمع/القبيلة؛ إذ لم يكن يُسمح إلا لفئةٍ محددة في القبيلة بإنتاجها، وفي إطار طقوسٍ معيَّنة؛ ومن ثَم لم تعُد وسيلةً عرَضيةً يجري استخدامها إلى جانب أشياء أخرى كوسيلة تبادل، بل صارت وسيلةً مهيمنة على الصعيد الاجتماعي، وبواسطتها يمكن للمرء الحصول على ما يريد من منتوجات عمل الغير. وهي، ثانيًا، تتطلب، في سبيل إنتاجها، قَدْرًا من المشقة؛ ومن ثَم تتميز بشيءٍ من الندرة النسبية؛ إذ لم يعتبر السكَّان الصَّدَفة التي تتوافر في مياههم وسيلةً مقبولة للتبادل، إنما كان يجري تداولها بين القبائل التي تعيشُ بعيدًا عن أماكن توافُرها.
    ومن المهم، بالتالي، ملاحظة أن الصَّدَفة، كمنتوج، وعلى الرغم من أنها صارت نقودًا معدَّة للتبادل، إلا أنها لم تزل لديها القدرة على الإشباع ولم تفقدها تمامًا؛ إذ على الأقل لم تزل لديها القدرة على إشباع الحاجة إلى الزينة. أما عن الدور الذي أدَّته الأصداف، كنقود، في مجرى الحياة اليوميَّة، فيمكننا معرفة أن ثمَن الفأس مثلًا، لدى قبائل غَرب أفريقيا، كان مائة وخمسين صَدفة، وثمن إناء من الفخَّار ثلاثمائة صَدفة، وثمن قطعة من النَّسيج ستمائة صَدَفة. وكان مهر المرأة خمسة عشر ألفَ صَدفة. كما كانت الضرائب والغرامات والدِّيات تُدفع جميعها بالأصداف. ولم تكن وسيلةُ التبادل عند هنود كاليفورنيا إلا عبارةً عن حبالٍ مصنوعة أيضًا من الصَّدَف قد يبلغ طول الواحد منها عدة أمتار، وقد جرى استخدامها في دفع المهور، وإنهاء إجراءات التبنِّي والدَّفن، وإتمام معاهدات السلام. وكان ثمَن الخنزير من عشرة إلى عشرين خيطًا، بينما يصل المهر إلى مائة وخمسين خيطًا من الصَّدَف.٢٥
  • (٢)
    ولدى قبائل جزيرة «ياب» غرب المحيط الهادئ وُجدَت نقود «الفاي»٢٦ المصنوعة من أحجار الأراجونيت التي يتم الحصول عليها من جزيرة «بالوا» شمال جزيرة «فلوريس» بإندونيسيا. ولا يمكن الحصول على تلك الأحجار بسهولة إذ يستلزم الأمر مَشقةً كبيرة في التكسير، والنَّحت، دون أدوات معدنيَّة، ثم الشحن إلى الجزيرة. وقد يصل قطر واحدةٍ منها خمسة أمتار ويجري تشكيلها على نحوٍ مستديرٍ مثقوب الوسط؛ ربما لتسهيل عملية تحريكها، وتزداد قيمتُها كلَّما كانت كبيرة الحجم ورقيقة. وكانت قطع «الفاي» الصغيرة تقوم بدور وسيلة التبادل في المعاملات القليلة القيمة، أما القطع الكبيرة فكانت تُستخدَم في الصفقات الأكثر أهمية، كشراء منزلٍ أو قاربٍ كبير محمَّل بشتى أنواع الفاكهة. وكانت عملية التبادل في تلك الصفقات الكبيرة تتم دون أي تغيير لمكان «الفاي» إنما يتم فقط الإقرار بتغيُّر الملكية؛ أي إننا نكون حينئذٍ أمام مجرد تعديل في قيودٍ محاسبية، أشبه بعمليات مصارفنا المعاصرة؛ إذ تُحول المدفوعات عبْر قيودٍ دفترية دون أيِّ تحريكٍ مكاني للأصل المادي. حجارة «الفاي» إذن على هذا النَّحو تؤدِّي دورَين؛ النقود في المعاملات صغيرة القيمة، ومجرد وسيلة لتداول النقود نفسها في المعاملات الكبيرة القيمة.
  • (٣)
    ولما يتمتع به المعدن، بصفةٍ خاصَّة الذَّهب والفضة، من صفاتٍ فريدة ومتميزة، وكما ذكَرنا، فقد تم اتخاذه وسيلة تبادل مقبولة اجتماعيًّا لآلاف السنين، حتى قبل أن تُسك منه العملة؛ أي إنه، في تاريخ وسيلة التبادل كما نعرف من التقنينات البابلية والكتاب المقدَّس، كان منتوجًا مهيمنًا قبل أن يكون نقودًا. وقد استخدم اليونان وكذلك الرومان، الحديد والبرونز والنحاس والإلكتروم في سك النقود المتداولة. واستخدَمَت بيزنطة الذهب، واستُخدمت الفضة في الغرب الكاثوليكي وفي بلاد السَّاسانيين. واتخذ المسلمون في القرن العاشر من المعدنَين، بنسبةٍ ثابتة، نقودًا يتم تداولها في أرجاء دولة الخلافة،٢٧ واستمر الأمر على هذا النَّحو من استخدام المعادن؛ حيث كانت النقود تُسَك من السَّبائك المعدنية. وحتى مع ظهور النقود الورقية كانت الأخيرة قابلةً للمبادلة مقابل السَّبائك بقيمةٍ محدَّدة. وفي أوائل القرن التاسع عشر، تم ربط عملات معظم البلدان بالفضة ما عدا المملكة المتحدة، والولايات المتحدة٢٨ اللتَيْن استخدمَتا الذَّهب. أما فرنسا، فقد ربطَت عملتها بالذَّهب والفضة معًا. وظل المعدن المسكوك حاضرًا دومًا، سواء أكان الذهب أم الفضة أم كلَيهما، في عملات الدول الاستعمارية الكبرى ومستعمراتها٢٩ حتى انتقلَت تركة أوروبا الاستعمارية إلى الولايات المتحدة؛ التي ورثَت الهيمنة النقدية على العالم، مُعلنة استبدال الدولار الأمريكي بالإسترليني البريطاني، مع اعتبار الدولار الورقي، لا المعدن، هو وسيلة التبادل. وبغَض النظر عن الظروف التاريخيَّة التي أدَّت إلى ظهور الدولار وهيمنته على الصعيد العالمي، فالواقع أن المعدِن، سواء أكان الذَّهب أم الفضَّة أم غيرهما كالبرونز والنُّحاس، بطبيعته نادر،٣٠ ومادته نفسها قابلة للتآكل وعُرضة للفناء، وأعداد البشر في ارتفاع والمُنتَجات في ازدياد، والطلب على العُمْلة المعدنيَّة، بصفةٍ خاصَّة تلك المصنوعة من الذهب أو من الفضَّة، يجب بالتَّبَع أن يتزايدَ لاتساع دائرة التَّبادل؛ وبالتَّالي كان من المتعيَّن دائمًا، وفق هذا الظَّرف التَّاريخي أو ذاك، ابتكار الوسائل، بغَض الطَّرف عن شرعيتها، لتفادي توقُّف التَّدفُّق النَّقدي المقابل للتدفُّق السلعي في حقل النشاط الاقتصادي. وكانت هذه الوسيلة دومًا هي منع التَّعامل بالمعدِن النَّفيس، الذَّهب بوجهٍ خاص، واعتبار جزء من المَعْدِن أو وَرَقة ملوَّنة رَمزًا له. وهو ما تم على مراحلَ تاريخيَّة ابتداءً من إلغاء حق الأفراد في سك العملة٣١ ثم قصر استخدام الذَّهب في معاملات التجارة الخارجيَّة فقط، وانتهاءً بتقنين استخدام الأوراق النقديَّة ذات السعر الإلزامي. وهكذا هبط المعدن إلى مرتبة النقود المساعدة وصارت النقود «الوَرَقية»٣٢ هي النقود المهيمنة داخليًّا. وعالميًّا أصبح الدولار «الورقي» الأمريكي، الوريث التَّاريخي لهيمنة الإسترليني، هو سيد النقود! ولكن ربط الدولار بالذهب،٣٣ وهو الربط الذي عززته الولايات المتحدة بفرض هيمنتها الاقتصادية والسياسيَّة، بل والثقافية، على العالم بأَسْره، أدَّى إلى قيام نصف دول الكوكب تقريبًا بربط عملتها بالدولار. ومع التراجع في استخدام المعدن مباشرة كوسيلة تبادل، على هذا النَّحو، تأخذ كذلك القدرة على الإشباع في الاختفاء رويدًا رويدًا مفسِحة الطريق بأكمله للقدرة على التبادل؛ فالورقة الملونة التي أصبحَت بديلًا للمعدن النفيس، وأمست تُعبِّر عن قيمته التي تقرِّرها السُّلْطة، وليست عن قيمته الحقيقية، لم تعُد قادرة على الإشباع، لا في الزِّينة ولا في الأكل ولا في طقسٍ ديني معيَّن … إلخ، وإن كان بالإمكان استخدامها ماديًّا، بحكم طبيعتها، كمجرد ورقةٍ قابلةٍ للإشعال والإحراق في سبيل التدفئة مثلًا! هذا إذا صرَفْنا بصرَنا عن منافسات هواة جمع العُملة! وعن عادة شَيلوك المعاصر الذي يطمئن فؤاده بعَدِّ أوراقه النقديَّة كل مساء!

بوجهٍ عام، وسواء أكانت وسيلة التبادل من الصَّدَف أم من المعدِن أم من الورق الملوَّن المصنوع من القطن والكتان، فهي لم تعُد منتوجًا معدًّا للإشباع المباشر ويجري تبادلها عرَضًا، بل صارت تُنتَج بالأساس، وَفْق شروطٍ محدَّدة، من أجل التبادل؛ أي إن القدرة على التبادل أصبحَت هي القدرة الغالبة، ولكن، دون أن تنتهي القدرة على الإشباع بالنظر، وكما ذكرنا، إلى الطبيعة المادية للوسيلة ذاتها.

وفي عالمنا المعاصر، ومع الصراع الاجتماعي المطَّرد على الجديد في حقل التقنية، وهو الصراع الذي يحكُم، وكما ذكَرنا، التطوُّر في شكل وسيلة التبادل نفسها، أخذَت القدرة على الإشباع في الاختفاء، وأصبحَت الهيمنة للقدرة على التبادل. يتبدَّى ذلك في أطوار التشكُّل الأوَّلي للعملة الرقميَّة الآخذة في التمدَّد على الصعيد العالمي، التي، وكما ذكرنا، تُنتَج بكمياتٍ هائلة من الطَّاقة الكهربائية وبواسطة حواسبَ آليةٍ متطورةٍ جدًّا.٣٤ ويجري تداولها عبْر حساباتٍ رقمية. وهي على هذا النَّحو ذات شكلٍ مباين بالجملة للمنتوج المُعَد بالأساس للإشباع المباشر.

٥

هكذا أخذَت وسيلة التبادل عبْر تاريخنا البشري في التعبير عن نفسها ابتداءً من المنتوج غير المُعَد للتبادل، وانتهاءً بالنقود على اختلاف أشكالها، مرورًا بالمنتوج المهيمن. ويبدو الطريق ممهدًا في سبيل استخلاص القانون الموضوعي الحاكم للتطوُّر في وسيلة التبادل، ولكن، قبل أن نستخلص هذا القانون الحاكم، دعونا نتأمل مرحلتَي القيمة؛ أي القيمة الموضوعيَّة والقيمة المُفترَضة، اللتَين تمثِّلان في تناقضهما التَّاريخَ الحقيقي لوسيلة التبادل؛ فالأصل هو إجراء التَّبادل بين قيمٍ متساوية من العمل الاجتماعي الضروري (نغُضُّ بصرنا هنا، للتبسيط، عن زمن الإنتاج)؛ إذ وفقًا للفن الإنتاجي السَّائد اجتماعيًّا تتساوى، كما نعرف، قيمة المعطف الذي أُنتج في ٥ ساعات ويحتوي على ١٠٠ «س.ح. ض» من الطاقة الحية و٥٠ «س.ح. ض» من الطَّاقة المختزنة، مع قطعة النَّسيج التي أُنتجَت في ٥ ساعات وتحتوي على ٨٠ «س.ح. ض» من الطاقة الحية و٧٠ (س.ح. ض) من الطَّاقة المختزنة. وحينما لا يرغب صانع النَّسيج في معطفي، وأرغب أنا في نسيجه، فيجب أن أعطيه قيمة ما أنتجَه كي أحصل منه على النَّسيج. وكذلك الأمر بالنسبة لصانع النَّسيج حينما يرغب في الحصول على معطفي، ولا أرغب أنا في نسيجه؛ إذ يجب عليه أن يعطيني قيمة ما أنتجتُه كي يمكن أن أعطيه المعطف، فإذا كنتُ وصديقي النساج في مجتمعٍ يتخذ من الأصداف وسيلة تبادل؛ فسوف أحصل منه على صَدَفة بُذل في سبيل الحصول عليها ١٥٠ «س.ح. ض». وإذا كنا في مجتمع يتعامل بالقمح، فسوف أحصل منه على كمية من القمح تقدَّر بنفس قيمة ما أنفقتُه في سبيل إنتاج المعطف؛ وبالتَّالي، إذا كنا في مجتمعٍ يتخذ من الذَّهب وسيلة تبادل فسوف أحصل منه، في مقابل معطفي، على قطعة من الذَّهب بُذل في سبيل إنتاجها ١٥٠ «س.ح. ض» في ٥ ساعات.

«الذهب والفضة، مثل جميع السلع، ثمينان بما يتناسب مع كمية العمل الضروري اللازم لإنتاجهما … الذهب أثمن من الفضة ﺑ ١٥ مرة، لأن الذهب يحتاج إلى كمية عمل أكبر ﺑ ١٥ مرة للحصول على كمية معيَّنة منه، وليس لأن الطلب عليه أكبر» (ريكاردو، المبادئ، المصدر نفسه، الفصل السابع والعشرون، ص٢٢٦).٣٥
الأصل العام إذن أن تؤدِّيَ جميع المنتوجات التي يخلقُها العمل دورها في التبادل ابتداءً من قيمتها الحقيقية، ولكن هذا الأصل عادةً ما جرى الخروج عليه من قِبل الحكام٣٦ بصفةٍ خاصَّة إذا كانت وسيلة التبادل من المعدن، وبالأخص إذا اتُّخذَت من معدن الذَّهب.

٦

ابتداءً من الوعي بتلك الأشكال التي تجسَّدَت من خلالها وسيلة التبادل عبْر حركة التَّاريخ، وما أبرزناه من شروطٍ موضوعيَّة لظاهرة التبادل، وملاحظاتٍ منهجيَّة، يمكننا الآن استخلاصُ القانون الحاكم للتطوُّر في وسيلة التبادل؛ إذ يبرُز قانون التَّناقض حينما تتطوَّر وسيلة التَّبادل من المنتوج إلى شكلٍ مُناقض مع احتفاظه بخصائص الشكل السَّابق، ثم يظهر شكلٌ ثالثٌ مُباين بالجملة؛ فمع الشكل الأول يجري تبادل المنتوجات بالمنتوجات. وفي الشكل الثَّاني يهيمن منتوجٌ سلعي أو أكثر، ويؤدِّي دور «السلعة» المعدَّة للطرح في السُّوق من أجل التَّبادل، وهذا بالتحديد ما يميِّز هذا الشكل عن الشكل الأول على الرغم من أن هذَين الشكلَين هما في حقيقتهما مقايَضَة، الأول يتَّخذ شكل المقايضة الصرفة، والثاني يتَّخذ شكل المقايضة السلعيَّة. ومع الشكل الثَّالث، وهو النُّقود، لا يصبح للمنتوج أيُّ دورٍ في الإشباع المباشر؛ إذ تم إنتاجه كي يقوم فحسب بدور وسيلة للتَّبادل. والذي يفرق الشكل الثَّاني، على هذا النَّحو، عن الشكل الثَّالث، هو تجرُّد الشكل الثَّالث من أي قدرة على الإشباع المباشر، في حين يحتوي الشكل الثَّاني على قدرتَين؛ قدرة على الإشباع المباشر، وقدرة على مواجهة عالم السلع. والنُّقود، وهي الشكل المباين على هذا النَّحو، لا يمكن أن تصبح النهاية في تاريخ تطوُّر وسيلة التَّبادُل؛ إذ إن كل نهاية تحتوي دومًا داخلها على بدايةٍ جديدة في سلسال التطوُّر.

يمكننا الآن، بعد تعرُّفنا إلى ماهية النقود، والقانون الموضوعي الحاكم للتطور في وسيلة التبادل، الانتقال إلى تحليل أبرز قضايا النقود، ابتداءً من قيمتها وانتهاءً بالعائد على توظيفها، مرورًا بوظائفها وكميِّتها المستلزمة اجتماعيًّا، فلننتقل إذن الآن إلى الباب الثاني لمعالجة تلك القضايا التي جمعناها تحت اسم اقتصَادات النقود.

١  هذه المرحلية؛ أي من المنتوج غير المُعَد للتبادل إلى النقود، عبْر المنتوجات التي كانت تسيطر لأهميتها الاجتماعية، وتفرضُ بالتالي هيمنتها كوسيلة تبادُل مقبولة اجتماعيًّا، يمكننا أن نراها بوضوح، قبل سميث، في فكر كلٍّ من: أرسطو، ودافانزاتي، ووليم بتي، وجون لوك، وريتشارد كانتيون. كما يمكننا أن نجد امتدادًا لها من بعد سميث لدى: مالتس، ورامساي، ومِلْ، وجيفونز. وإذا نظرنا في تاريخ الفكر العربي فسنجد نفس المرحلية ربما أكثر بروزًا؛ فهي، على سيبل المثال، عند قدامة بن جعفر (٨٧٣–٩٤٨م) في الخراج. انظر: الخراج وصناعة الكتابة، المصدر نفسه، ص٤٣٤-٤٣٥. وعند الدمشقي، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، الذي قدَّم تلك المرحلية باقتدار. انظر: الدمشقي، الإشارةإلىمحاسن التجارة، المصدر نفسه، ص١٥–١٧. وكذلك موجودة في الإحياء عند الغزالي (١٣٢٥–١٤٠٤م). انظر: أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، دار ابن حزم للطباعة، ٢٠٠٥م، ص١٤٣٢-١٤٣٣. وهي أيضًا عند أبي الحسن بن يوسف (القرن الرابع عشر) في الدوحة المشتبكة، انظر: أبو الحسن الحكيم، الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، تحقيق: حسين مؤنس، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٥٨م، ص٢٣. وامتدت حتى عبد القادر الجزائري (١٨٠٨–١٨٨٣م) في ذكرى العاقل. انظر: عبد القادر الجزائري، ذكرى العاقل وتنبيه الغافل. مذكورٌ لدى: سميح دغيم، موسوعة مصطلحات الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر ١٧٠٠–١٨٩٠م، بيروت، مكتبة لبنان-ناشرون، ٢٠٠٢م، ج١، ص١١٨٨.
٢  أقصد بالمجتمعات البدائية هنا تلك المجتمعات التي لم تغادر بعد مرحلة القنص والجمع والالتقاط من أجل الإشباع المباشر. في مناقشاتٍ ثرية للمصطلح، انظر الكتاب الذي حرَّره آ. مونتاجيو، البدائية، ترجمة: محمد عصفور، عالم المعرفة؛ ٥٣، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ١٩٨٢م، بصفةٍ خاصَّة: الفصل الأول: «المغالطة في مصطلح البدائي» لآشلي مونتاجيو. والفصل الرابع: «الشعوب البدائية» لصول تاكس. والفصل السادس: «البحث عن البدائي» لستانلي دايمند. وبالتالي، يغطي تحليلنا الفترة التاريخية الممتدة عبْر ١٣٠٠٠ سنة؛ أي منذ أول دليلٍ تاريخي على معرفة البشر للزراعة في شمال سوريا (مع وجود دلائل على أن أجزاء أخرى من العالم عرفَت الزراعة كذلك على الأقل منذ ١٠٠٠٠ سنة كالأمريكتَين، ووسط تركيا، والصين) حيث بدأ الصيادون/جامعو الثمار بزراعة المحاصيل استجابةً للانخفاض في النباتات البرِّية نتيجة الجفاف الشديد والبرودة والتقلُّبات الحادة في أحوال المُناخ من جهة، والنمو السكاني المطَّرد من جهةٍ أخرى. في نشأة الزراعة، انظر، على سبيل المثال: وليم ج. بوروز، مناخ ما قبل التاريخ، ترجمة: رجب سعد، القاهرة، المركز القومي للترجمة، ٢٠١٧م، ص٢٦٠–٢٧١. وللتفصيل حول المشكلات الاجتماعية والحضارية والثقافية التي لازمَت تحوُّل البشر من القنص والجمع إلى الزراعة، وبالتالي التحوُّل من حياة الترحُّل إلى الاستقرار على ضفاف الأنهار، انظر:
Yuval N. Harari, Sapiens: A Brief History of Humankind (New York: HarperCollins Publishers, 2015), pp. 86–132.
وانظر كذلك: كتاب ريتشارد كوريير، الشيق، الذي يشترك مع كتاب نوح هراري في نفس الخط الفكري؛ حيث إعادة النظر في مدى نفع التقنيات التي كشف عنها البشر وقاموا بتطويرها، بصفة خاصَّة في مجال الزراعة، وكيف قامت تلك التقنيات بتشكيل سلوك البشر وخلقَت مجتمعاتهم، ومدى استفادة البشر أنفسهم من تلك التقنيات. انظر:
Richard Currier, Unbound: How Eight Technologies Made Us Human and Brought Our World to the Brink (New York: Arcade Publishing, 2015), pp. 139–167.
٣  «… وإذا فاض لدى أحدهم فائضٌ من طعامٍ أو بضاعةٍ حمله في القارب إلى قريةٍ أخرى وعرضَه للبيع.» انظر: ج. و. بيدج، الشعوب البدائية في وقتنا الحاضر، ترجمة: محمود محمد موسى، مراجعة: زكي الرشيدي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٧م، ص٢٧٣. نعم، ربما حدث أن تخلَّينا، كما تخلَّى جدُّنا الأول ذات مرَّة عن منتوجه الذي لا يملك منه أيَّ فائض بل ولديه فيه عجزٌ شديد كي يحصلَ على بعض الفائض من منتوج جدِّنا الآخر لأن احتياجه، لحظيًّا، لمنتوج جدِّنا الآخر يفوق احتياجَه لمنتوجه هو، ولكن، ذلك ليس إلا الاستثناء المنعزل عن قاعدة التبادل القاضية بأن الفائضَ شرطُ التبادل، أما العوَز والاحتياج فهي، وكما ذكرنا من قبلُ، مجرَّد أسباب للتَّبادل.
٤  من طرائف «التآليف!» عن مجتمعات ما قبل النقود، قولُ البعض، وبثقةٍ مفرطة! إن التبادل كان يتم آنذاك دون أيِّ مقياس! من هؤلاء:
R. Firth, Human Types: An introduction to Social Anthropology (New York: The New American Library, 1957), pp. 190–198.
٥  ويقتصر دور السلطة السياسيَّة حينئذٍ، كما لاحظ كارل منجر (١٨٤٠–١٩٢١م) على تنظيمها اللاحق، وهو دورٌ أشبه بالدور الذي تقوم به السلطة في تقنين الأعراف السائدة. انظر:
K. Menger, On the Origin of Money, Translated by C. Foley, The Economic Journal, Vol. 2, No. 6 (Oxford: Oxford University Press, 1892), p. 255.
حينما رفض الإثنولوجيون، والبعض من الاقتصاديين، فكرة المقايضة التي قال بها التاريخ الاقتصادي، جرى الادِّعاء بوجوب إعادة كتابة تاريخ النقود! وقد برَز هذا الادِّعاء، صراحة، على سبيل المثال، في مقالما هي النقود؟ لألفريد ميتشل إنس (١٨٤٦–١٩٥٠م)، انظر:
A. M. Innes, What is Money? (New York: Banking Law Journal, 1913), p. 32.
الذي ظن أنه بيَّن خطأ سميث، على أساسٍ من وجود سوء فهمٍ مرجعه عدم إدراك أن استخدام المال لا يوجب بالضرورة الوجود المادي للعملة! ولا حتى وجود معيارٍ معدني للقيمة! وسوف يبني على ذلك مجمل تصوُّره عن نفي المقايضة! وكذلك: كتاب الهبة، لمارسيل موس (١٨٧٢–١٩٥٠م)، انظر:
Marcel Mauss, The Gift: Forms and Functions of Exchange in Archaic Societies, Translated by Ian Cunnison, With an Introduction by E. E. Evans-Pritchard (London: Cohen & West Ltd, 1966), p. 31.
الذي رأى أن التبادل في المجتمعات البدائية يستند إلى عدم الفصل بين الشيء الذي يجري تبادُله وبين مالكه. وإن علاقات الائتمان كانت أسبق من علاقات المقايضة! كذلك: كتاب الدين لديفيد جريبر (١٩٦١–٢٠٢٠م) الذي نقلَ فكرتَه المركزيةَ عن إنس، وموس كذلك ولكن دون أن يذكُره! انظر:
D. Graeber, Debt: The First 5,000 Years (New York: Melville House, 2014), pp. 21–42.
وأيضًا كتاب برنس (١٩٠٢–١٩٩١م)، الذي قرَّر أن المقايضة لم تُوجد في المجتمعات القديمة! ولا يُوجد دليلٌ عليها! ومن ثم لا يجب أن يُؤخذ كلام الاقتصاديين عن هذه المرحلة على محمل الجد! ولذا، كان على برنس أن يتجاوز، في كتابه، مصر القديمة ولا يعود لها إلا في الفصل السادس حينما صارت النقود سائدة! انظر:
A. R. Burns, Money and monetary policy in early times (New York: Alfred A. Knopf, 1927), p. 1.
وما يجمع هؤلاء هو اتخاذهم من بعض المجتمعات المنعزلة، المكتشَفة مع الغزو الأوروبي، نماذج للتحليل؛ وكأنها نماذجُ شفَّافة وأزلية، والادِّعاء بأن المقايضة غير موجودة في هذه المجتمعات! والموجود هو الائتمان أو النقود؛ وبالتالي، تم رفض التأريخ لوسيلة التبادل ابتداءً من المقايضة! والواقع، باختصار، أن رفْضَ فكرة المقايضة، كفعلٍ اجتماعي، وكأصلٍ تاريخيٍّ لكل وسيلة تبادُل، أقوى منه، من باب أَولَى، رفضنا تصوُّر اجتماع أفراد القبيلة، كما يحدث في اجتماعات البنك الفيدرالي، وتقريرها الاتخاذ من الحديد أو النحاس، مثلًا، أو من صَدَفة الديوارا، وسيلةَ تبادُل داخلها. ورفْض فكرة المقايضة هنا يعود في تقديري إلى سببَين؛ أولًا: القصور الشديد في منهج التحليل، والافتراض غير الصحيح بأن المجتمعات موضوع التحليل تمثِّل مادةً أوليةً نقية. وهو ما تزامن مع رؤيةٍ عنصريةٍ محتمَلة، بصفةٍ خاصَّة في الكتابات الأولى، أدَّت بدَوْرها إلى غضِّ بصر، بوعيٍ أو بدون وعي، عن الاتصال المحتمَل بين تلك المجتمعات التي اكتشَفها الأوروبي وبين حضاراتٍ أرقى غادرَت بالفعل، ومن آلاف السنين، مرحلة الإشباع المباشر. ثانيًا: سيطرة الذهن الأوروبي المشبَّع بفكرةٍ محدَّدة عن النقود، كنهاية للتاريخ منذ سميث، على مجمل التحليل. ولسوف تتسرَّب، كالعادة، هذه الذهنية «النقدوية» إلى الذِّهن العربي، القابل لذلك؛ لسبق وجود النقدوية نفسها لديه كفكرةٍ مسيطرة؛ فقد نقل أبو بكر القرشي، في القرن التاسع: «أن أوَّل من ضَرب الدنانير والدراهم آدم. ضرب وقال: لا تصلح المعيشة إلا بهما …» انظر: ابن أبي الدنيا، إصلاح المال، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، القاهرة، مؤسسة الكتب الثقافية، ١٩٩٣م، ص٤٢؛ وقارب: ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق: ابن الخطيب، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، د.ت، ص١٢٦-١٢٧؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يذهب جواد علي، في المفصَّل، إلى أن: «تبادل السلع بالسلع من خلال عملية المقايضة هو من قبيل النقد الطبيعي!» انظر: جواد علي، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد، جامعة بغداد، ١٩٩٣م، ج٧، ص٤٨٨.
٦  «… وكلما زاد التخصُّص بين زنوج غرب أفريقية زادت الحاجة إلى التبادل، وكانت بعض السلع مثل السمك المجفَّف والملح والأدوات المعدنية تُرسَل إلى أسواقٍ بعيدة. وتقوم معظم التجارة على المقايضة.» انظر: ج. بيدج، الشعوب البدائية، ص٢٧٣.
٧  انظر:
A. Montagu, Man: His First Million Years (New York: The New American Library, 1957), pp. 153–187.
٨  بصفةٍ خاصَّة في الريف. انظر: معجم الحضارة المصرية القديمة، المصدر نفسه، ص٩٥. وقد استمر العمل بالمنتوج كوسيلة تبادُل حتى مع سك النقود على نطاقٍ موسَّع في عهد البطالمة؛ إذ كان في كل قرية المصرف العام حيث تتدفق النقود إلى جانب المخزن العام حيث يجري تجميع المحاصيل. وكانت النسبة بين القمح والشعير ٣:٥ وبين القمح والذرة ٥:٢، وكان القمح معادلًا للعدس. كما أن دفع الأجور العينية ظل مستمرًا إلى جانب الأجور النقدية. «وتحدِّثنا الوثائق على الدوام عن قروضٍ من الحبوب أو النبيذ …» انظر: إبراهيم نصحي، تاريخ مصر في عصر البطالمة، المصدر نفسه، ص٤٢٦.
٩  انظر: جيمس برستد، كتاب تاريخ مصر: من أقدم العصور حتى الفتح الفارسي، ترجمة: حسن كمال، القاهرة، المطبعة الأميرية، ١٩٢٩م، ص٦٤.
١٠  انظر: فرانسوا دوما، حضارة مصر الفرعونية، ترجمة: ماهر جويجاتي، القاهرة، المركز القومي للترجمة، ١٩٩٨م، ص٣٠٤–٣٠٦. «النقود التي نستعملها الآن كانت مجهولة في تلك الأيام في مصر القديمة؛ ولهذا كانت المقايضة أساس المعاملة التجارية … وكثيرًا ما كانت المناقشة تحتد والأصوات تعلو إذا ما اختُلف على عدد السمكات … التي يصح أن تُبادل بفراشٍ أو على عدد أكياس البصل التي تقدَّم في مقابل مقعدٍ فخم.» انظر: ج. بيكي، مصر القديمة، ترجمة: نجيب محفوظ، القاهرة، مطبعة المحلة الجديدة، د.ت، ص١٧. «وكانت المعاملات التجارية تتم بالمقايضة بالدرجة الأولى.» انظر: طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، المصدر نفسه، ج١، ص١٩٩. «وتكاد التجارة التي كانت تجري في العالم القديم في القرن السادس أو السابع قبل الميلاد … أن تكون بأَسْرها تجارة مقايضة.» للمزيد من التفصيل، انظر: ولز، معالم تاريخ الإنسانية، المصدر نفسه، ج١، ص١٨٩.
١١  انظر: أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، بيروت، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٣م، ج٢، ص٣٦٠.
١٢  انظر: الغرناطي، تحفة الألباب ونخبة الإعجاب، تحقيق: إسماعيل العربي، الرباط، دار الآفاق الجديدة، ص٣٨-٣٩. وفي دراسةٍ متعمِّقة لتجارة الذهب والملح عبْر الصحراء في غرب أفريقيا، انظر: جان دفيس، التجارة والطرق التجارية في غرب أفريقيا، في: تاريخ أفريقيا العام: المجلد الثالث: أفريقيا من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر، إشراف: م. الفاسي وإ. هربك، باريس، جون أفريك، ١٩٨٥م، ص٤٠٣–٤٨١.
١٣  انظر: العمري، مسالك الأبصار، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، تحقيق: كامل الجبوري، بيروت، دار الكتب العلمية، ٢٠١٠م، ج٤، ص٦٠.
١٤  انظر: أبو عبد اللّٰه بن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٠م، ص٢٣٣، و٤٩٢. وكذلك انظر: اصطفيان اكصيل، تاريخ شمال أفريقيا القديم، ترجمة: محمد التازي سعود، الرباط، أكاديمية المملكة المغربية، ٢٠٠٧م، ص١٧٠-١٧١.
١٥  «كانت المتاجرة بطريقة تبادُل السلع أمرًا شائعًا بين الشعوب القديمة … وكان يتم البيع والشراء بطريق المقايضة سلعة بسلعة.» انظر: جيمس برستد، العصور القديمة: وهو تمهيد لدرس التاريخ القديم وأعمال الإنسان الأول، ترجمة: داود قربان، بيروت، المطبعة الأمريكانية، ١٩٣٠م، ص٢٣-٢٤. ولدينا العديد من الأمثلة على امتداد التاريخ تُثبت أن المنتوجات لم تعُد، على مستوى التبادل الخارجي، ذات قدرة على الإشباع فحسب، بل نشطَت داخلها القدرة على التبادل؛ إذ يحكي بنيامين الأندلسي، في القرن الثاني عشر، عن جزيرة قيس في خليج البصرة جنوبي إيران قائلًا: «يقصدها التجار للبيع والشراء ومقايضة ضروب السلع.» انظر: بنيامين بن يونه التطيلي الأندلسي، رحلة بنيامين التطيلي (٥٦١–٥٦٩ﻫ/١١٦٥–١١٧٣م)، ترجمها عن النص العبري: عزرا حداد، أبو ظبي، المجمع الثقافي، ٢٠٠٢م، ص٣٣٨. كما ذكر لنا خورخي دي هنين، في القرن السابع عشر، أن: «مولاي زيدان ابتاع من التجار المسيحيين كل ما كان معهم من أنواع النسيج … وأخبرهم بأنه سيدفع لهم بالمقابل السكَّر … في تلك الأثناء جاء من سان مالو أحد القراصنة المعروفين، وبحوزته أربع سفنٍ فرنسية … إضافة إلى ما يعادل ستمائة وألف دوقة … وكان هدف القرصان من زيارته للمغرب، القيام بعمليات مقايضة تسمح له باستبدال الذهب بالفضة التي معه.» انظر: خورخي دي هنين، وصف الممالك الأفريقية (١٦٠٣–١٦١٣م)، ترجمة: عبد الواحد أكمير، الرباط، معهد الدراسات الأفريقية، ١٩٩٧م، ص١١٢.
١٦  انظر: مارك كورلانسكي، الملح، ترجمة: تانيا ناحيا، بيروت، دار الساقي، ٢٠٠٥م، ص٥٩. ومن المعروف تاريخيًّا أن الملح Salt, Sel كان يُدفع كأجر Salary, Salaire للجنود في الإمبراطورية الرومانية.
١٧  انظر: هاري ساكز، عظمة بابل: موجز حضارة وادي دجلة والفرات القديمة، ترجمة: عامر سليمان، د.ن، د.ت، ص٣١٨. ونعرف من هارفي بورتر (١٨٤٤–١٩٢٣م) أن تجارة البابليين كانت واسعةً في البر والبحر … وكانت القوافل تسيرُ حاملة بها مصنوعات بابل ولا سيما منسوجاتها النفيسة من كتان وصوف وغيرهما لتقايضها بمصنوعات وحاصلات الشعوب المختلفة وتعود إلى بابل. انظر: هارفي بورتر، موسوعة مختصر التاريخ القديم، القاهرة، مكتبة مدبولي، ١٩٩١م، ص٨٠.
١٨  انظر: دونالد وايدنر، تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء، ترجمة: على أحمد، وشوقي عطا الله، القاهرة، مؤسسة سجل العرب، ١٩٧٦م، ج١، ص٢٥. وعبْر أربعة قرون على الأقل تناقل الكُتاب المسلمون وصفَ تلك الصورة من صور المبادلة؛ فلقد ذكَر المسعودي (٨٩٦–٩٥٧م) هذه الصورة من صور مبادلة المنتجات بالمنتجات من مملكة غانة في القرن العاشر، حين كتب: «ملكها عظيم الشأن ويتصل ببلاد معادن الذهب، ولهم خط لا يجاوزه من صدر إليهم، فإذا وصلوا إلى ذلك الخط جعلوا الأمتعة والأكيسة عليه وانصرفوا، فيأتون أولئك السودان ومعهم الذهب فيتركونه عند الأمتعة وينصرفون، ويأتي أصحاب الأمتعة فإن أرضاهم وإلا عادوا ورجعوا، فيعود السودان فيزيدون حتى تتم المبايعة.» انظر: أبو الحسن المسعودي، أخبار الزمان ومَن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران، تحقيق: عبد الله الصاوي، بيروت، دار الأندلس للطباعة والنشر، ١٩٩٦م، ص٨٧. ويذكُر لنا القزويني (١٢٠٣–١٢٨٣م) نفس الصورة، بعد المسعودي، بثلاثة قرون تقريبًا، انظر: أبو عبد الله بن محمد القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، بيروت، دار صادر، د.ت، ج١، ص١٩. كما حكى لنا، بعد ذلك، ابن فضل الله العمري (١٣٠١–١٣٤٩م) عن نفس الصورة، بقوله: «إذا جاءوا وضعوا الملح ثم غابوا، فيضع السودان إزاءه الذهب، فإذا أخذ التجار الذهب أخذوا هم الملح.» انظر: ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، المصدر نفسه، ج٤، ص٦٠.
١٩  مثل القمح والأرز والشعير والملح … إلخ، وهي المنتوجات التي سوف تطلق عليها النظرية الرسمية اسم «النقود السلعية». وهو مصطلح يستخدمه العلم الاقتصادي، تحت تأثير المركزية الأوروبية المشبعة بنظرية معينة في النقود، كنهاية للتاريخ؛ فالعلم الاقتصادي، أوروبي النشأة، لا يقصد ﺑ «النقود» إلا المعدني والورقي منها فحسب؛ ولذا يضيف كلمة «السلعية» إلى ما عدا المعدنَين والورق. ربما تمييزًا لها عن النقود المعدنية والورقية، ولكن الحقيقة أنها ليست نقودًا بالأساس، ولا يمكن اعتبارها كذلك لمجرد أنها تقوم ببعض وظائف النقود؛ فالسجائر، وكما ذكرنا، تؤدي وظائف النقود في السجون ولكنها ليست نقودًا. وكالعادة، انتقل المصطلح إلى الذهن العربي بلا مراجعة مثل باقي المصطلحات كالليبراليَّة، والقوميَّة، والعلمانيَّة، … إلخ، كمصطلح لم يُسهِم اللسان العربي في تكوين أصوله المعرفيَّة، ولا في تطويره، إنما تلقَّاه بكل ما يَحمله من دلالات صَنعها الذِّهن الخالق للمصطلح وأرادها له، وهو ذهن المركزية الأوروبيَّة؛ وبالتَّالي، لم نكن سوى مردِّدين لما أنتجه الذهن الغربي، في الغالب دون وعي ناقد بالتكوُّن التَّاريخي للمصطلح نفسه والظرف الاجتماعي المصاحب لميلاده وتطوُّره، وربما المتساوق مع تغيُّر دلالاته ذاتها، إنما توقَّف دورنا عند حدود التَّلقي السيَّال والترديد الأجوف!
٢٠  انظر: ليبس، أصل الأشياء، ص١٧١. وقد ذكر سميث أن: «الملح في بلاد الحبشة كان هو وسيلة التجارة. وفي فرجينيا استُخدم السمك المجفَّف والتبغ، واستُخدم السكَّر في مستعمراتنا في الهند الغربية.» انظر: آدم سميث، ثروة الأمم، الكتاب الأول، الفصل الرابع، ص٤٧. كما ذكر الشافعي (٧٦٧–٨٢٠م) في كتاب الأم: «الحنطة تجوز بالحجاز جواز الدنانير والدراهم … الذرة … ثمَن باليمن. أن أهل … سويقة في بعض البلدان أجازوا بينهم خزفًا مكان الفلوس.» انظر: الشافعي، الأم، تحقيق: رفعت فوزي، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر، ٢٠٠١م، ج٤، ص١٩٦.
٢١  «كانت العملة الرائجة في مملكة غينيا هي الذهب غير المسكوك، وكذلك قطع الحديد لشراء أشياء تافهة كاللبن والخبز والعسل.» انظر: الوزان، وصف أفريقيا، المصدر نفسه، ج٢، ص١٦٣. «ويُسافر التجار من سِجلْماسة إلى غانة … ويحملون إليها التين والملح والنحاس والودع، ولا يجلبون منها إلا الذهب العين.» انظر: إسماعيل بن علي أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، القاهرة، دار المعارف، د.ت، ج١، ص١٢٣. «وفي الصين … يتعاملون بسبائك الذهب والفضة الكبيرة. وعندهم فلوسٌ من نحاسٍ للقليل.» انظر: ابن سعيد المغربي، بسط الأرض في الطول والعرض، تحقيق: خوان قرنيط خينيس، تطوان، معهد مولاي الحسن، ١٩٥٨م، ص٥٦. ونعرف من الإدريسي (١١٠٠–١١٦٥م) طريقة استخراج التبر: «فإذا أخذ النيل في الرجوع والجزر رجع كل مَن في بلاد السودان المنحشرين إلى تلك الجزيرة بحاثًا يبحثون طول أيام رجوع النيل فيجد كلُّ إنسان منهم في بحثه هناك ما أعطاه الله سبحانه كثيرًا أو قليلًا من التبر، وما يخيب منهم أحد، فإذا عاد النيل إلى حدهِّ باع الناس ما حصل بأيديهم من التبر وتاجر بعضهم بعضًا واشترى أكثره أهل ورقلان وأهل المغرب الأقصى وأخرجوه إلى دور السكك في بلادهم فيضربونه دنانير ويتصرفون بها في التجارات والبضائع وهي أكبر غلة عند السودان … ومعدن النوبة المشهور متوسط في أرضها … فما اجتمع لهم منه تبايعوه بينهم واشتراه بعضُهم من بعض ثم يحمله التجار إلى سائر الأقطار …» انظر: محمد بن محمد الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، القاهرة، مكتبة الثقافة، ٢٠٠٢م، ج١، ص٢٥، و٤٦.
٢٢  حدَّثنا القزويني عن تلك الخصائص بقوله: «الذهب: طبعها حارٌّ لطيف … النار لا تقدر على تفريق أجزائها، ولا تَبلى بالتراب، ولا يصدأ على طول الزمان، وهي لينةٌ صفراء برَّاقة حلوة الطعم طيِّبة الرائحة، ثقيلة ورزينة جدًّا … وهي أشرفُ نِعم الله تعالى على عباده؛ إذ بها قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق؛ فإن حاجات الناس كثيرة وكلها تنقضي بالنقود؛ فإن النقدَين يُباع بهما كل شيء ويُشترى بهما كل شيء لرواجهما بخلاف سائر الأموال … ومن خواصها … أنها تقوِّي القلب وتدفَع الصرع إن علق على إنسان ويمنع الفزع، وإن اتُّخذ من الذهب ميل وأُديم التكحل به وإدخالُه في العين جلا العين وحسَّن النظر وقوَّاه، وإن ثُقبَت الأذن بإبرة من الذهب لم تلتحم، وإن كُوي بالذهب لم ينتفط موضعه ويبرأ سريعًا؛ وقال الشيخ الرئيس: إمساك الذهب في الفم يُزيل البخر والذهب يقوِّي العين كحلًا وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس.» انظر: القزويني، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ٢٠٠٠م، ص١٧٥. ونقل عنه الأبشيهي (١٣٨٨–١٤٤٨م) وغيره. انظر: الأبشيهي، المستطرف، القاهرة، المكتبة التوفيقية، د.ت، ص٤٣٣.
٢٣  «الذهب لا يُواجه السلع الأخرى بصفته نقدًا إلا لأنه كان يُواجهها سابقًا بصفته سلعة … وشيئًا فشيئًا أخذ يؤدي دور المعادل العام في أوساطٍ أكثر أو أقل اتساعًا. وما إن أحرز لنفسه احتكار هذا المركز في التعبير عن قيَم عالم السلع حتى أصبحَ سلعةً نقدية.» انظر: رأس المال، الفصل الأول، ص١٠٤-١٠٥.
٢٤  انظر، على سبيل المثال: ي. ليبس، المصدر نفسه، ص١٦٠–١٦٤.
Money from Cowrie Shells to Credit Cards, Edited by: Joe Cribb (British Museum Pub Ltd, 1986), pp. 16–18.
The Oxford Encyclopedia of Economic History, Edited by: Joel Mokyr (Oxford: Oxford University Press, 2003), Vol. 3, p. 535.
Burns, Money and Monetary Policy in Early Times, op. cit., pp. 4-5.
ولقد ذكر المسعودي أن: «في الهند جزائر عامرة بالناس وتجارتهم الودع.» انظر: المسعودي، أخبار الزمان، ص٨٧. كما ذكر أن: «لمملكة الزنج المتصلة بمملكة الحبشة جزائر يخرج منها الودع الذي يتحلَّون به ويبيعونه.» انظر: المسعودي، المصدر نفسه، ص٩٠. وقد وصف لنا السيرافي (القرن العاشر) الذي ارتحل إلى الهند والصين وإندونيسيا ما رآه في البحر الذي بين بلاد الهند والسند بقوله: «ما بين الجزيرة والجزيرة فرسخان وثلاثة وأربعة، وكلها عامرة بالناس والنارجيل، ومالهم الودع. وهذه المملكة تدَّخر الودع في خزائنها …» انظر: أبو زيد بن يزيد السيرافي، رحلة السيرافي، تحقيق: عبد الله الحبشي، أبو ظبي، المجمع الثقافي، ١٩٩٩م، ص١٨. كما ذكَر السيرافي الطريقة التي كانت تُستخدم في سبيل الحصول على الأصداف التي اتُّخذَت كعملة قائلًا: «وبيوت أموال هذه المملكة الودع، وذلك أن الودع فيه نوع من الحيوان، فإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر فقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه وطرحوه على وجه الماء فيتراكب عليه ذلك الحيوان فيُجمع ويُطرح على رمل الساحل فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان ويبقى الودع خاليًا مما كان فيه فيملأ من ذلك بيوت الأموال.» انظر: السيرافي، الرحلة، المصدر نفسه، ص١٢١. وتلك الطريقة كانت لم تزل متبعة ووصفَها المستعمر حينما وَطِئَت قدمُه الجزر المنعزلة في المحيط الهادئ. انظر: ليبس، أصل الأشياء، المصدر نفسه، ص١٦٠. أما البكري، فقد قال: «إن في بحر الصين جزائر لا تُحصى وأممًا لا تُكتب عدًّا وأموالها الودع.» انظر: البكري، المسالك والممالك، المصدر نفسه، ص١٩٢. كما ذكَر: «ثم يلي هذا الملك مملكة دهرم، وهذه سمة لملكهم وهو ذو مملكة عظيمة … وماله الودع.» انظر: البكري، المصدر نفسه، ص١٩٣. كما ذكَر لنا العُمري أن «المعاملة في بلاد التكرور بالودع، وأنَّ التجار أكثر ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدةً جليلة.» انظر: العمري، مسالك الأبصار، المصدر نفسه، ج٤، ص١٢٢. ولقد أكَّد ابن بطوطة كذلك على أن الودع هو عملة السودان؛ إذ قال إنه رآه يُباع بمالي وجوجو، في بلاد السودان، بحساب ألف وخمسين للدينار الذهبي. انظر: ابن بطوطة، تحفة النظار، المصدر نفسه، ص٤٩٢.
٢٥  انظر: ليبس، المصدر نفسه، ص١٦٣.
٢٦  انظر:
Money from Cowrie Shells to Credit Cards, op. cit., p. 6.
٢٧  في دراسةٍ مهمةٍ لانتقال المعدن مع انتقال مركز الثقل الحضاري، ودور المسلمين في الجمع بين قاعدتَي الذهب والفضة. انظر:
Maurice Lombard, L’Islam dans sa premiere grandeur: VIIIe–XIe siècle, (Paris: Flammarion, 1971), pp. 48–63.
٢٨  كان يقيَّم الدولار آنئذٍ ﺑ ١٫٧ جم من الذهب الخالص؛ حيث كان يعتمد في إصداره على كمية الذهب المستخرج من المناجم.
٢٩  ثمَّة ملخصٌ وافٍ لدى جيفونز للنظام النقدي في إنجلترا أواخر القرن التاسع عشر، انظر:
W. Stanley Jevons, Money and the Mechanism of Exchange (New York: D. Appleton and Co. 1876), pp. 85–89.
٣٠  انظر: برنشتاين، سطوة الذهب، المصدر نفسه، ص٢١.
«كل الذهب المكتشف حتى الآن يمكن وضعه في مكعب يبلغ عرضُه ٢٣ مترًا من كل جانب … لقد تَم اكتشاف حوالي ٢٤٤٠٠٠ طنٍّ متري من الذهب حتى الآن، ١٨٧٠٠٠ طنٍّ متري تم إنتاجها تاريخيًّا بالإضافة إلى الاحتياطيات الحالية تحت الأرض البالغة ٥٧٠٠٠ طنٍّ متري.» انظر:
https://www.usgs.gov/faqs/how-much-gold-has-been-found-world
٣١  حيث كان يتحمل الأفراد، أو الحاكم، مصاريف السك، كما كان في روما القديمة، وفي وإنجلترا وفرنسا حتى منتصف القرن الثامن عشر. انظر:
R. Cantillon, Essay on the Nature of Trade in General, Translated, Edited, and with an Introduction by A. E. Murphy (Indiana: Liberty Fund. 2015), p. 47.
٣٢  لم تكن العملة الورقية أوروبية النشأة قط؛ فقد سافر ماركو بولو (١٢٥٤–١٣٢٤م) إلى الصين ودهِش لرؤيته الصينيين يستعملون عملةً ورقية بدلًا من العملات المعدنية، وكتب: «ويعبد السكان الأوثان ويستخدمون العملة الورقية»، انظر: رحلات ماركو بولو، ترجمة: عبد العزيز جاويد، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، ١٩٩٦م، ج٢، ص١٤٣، وص١٩٠.
٣٣  تكتنز الولايات المتحدة الأمريكية، في قلعة فورت نوكس، من الذَّهب ما قَدْرُه ٨١٣٣ طنًّا وهو أكبر اكتنازٍ في العالم. في تطوُّر ثمَن الذهب من ٢٥ دولارًا تقريبًا للأونصة في عام ١٨٠٠م إلى ٧٠٠ دولار للأونصة في عام ٢٠٠٧م [في فبراير ٢٠٢٤م بلغ ثمن الأونصة ٢٠٢٥ دولارًا. وتبلغ الأونصة عيار ٢٤، وهو عيارٌ ثابت، نحو ٣١ جم تقريبًا] انظر:
Gold: Science and Applications, Edited by Christopher Corti and Richard Holliday (New York: Taylor and Francis group, 2010), pp. 11-12.
٣٤  أعلنت السلطات المصرية، في ١٤ أكتوبر ٢٠٢١م، أن أجهزة الأمن قبضَت على شخصٍ مارس نشاطًا إجراميًّا، من خلال قيامه بتعدين عملة «بتكوين» بمنطقة المرج. وفي ٢٤ مايو ٢٠٢٣م أعلنَت السلطات كذلك إنها تمكَّنَت من ضبط أحد الأشخاص بمنطقة النزهة لممارسته نشاطًا غير مشروع في مجال تعدين العملات الرقمية. وفي ٢٨ فبراير ٢٠٢٤م، أُعلن القبضُ على مجموعة من المهرِّبين حاولوا إدخال آلات تعدين عملاتٍ رقمية إلى الأراضي المصرية، بالمخالفة للقوانين! السُّؤال، إلى أي مدًى سوف تصمُد هذه القوانين الوضعية في مواجهة القوانين الموضوعية؟ وهل سوف يأتي يوم نقرأ في كتب التاريخ مثل تلك الأخبار ونبتسم، كما نبتسم اليوم حينما نقرأ كيف كان تناول مشروب «القهوة» بل وحيازته، إثمًا شرعيًّا! المستقبل بمفرده بإمكانه أن يَرويَ القصة كاملةً حينما يتوارى ويصبح تاريخًا.
٣٥  وإذا كان هذا هو الأصل العام، وَفْق قانون القيمة، فسوف يجري الانحراف عن هذا القانون، على يد الحديِّين؛ فعلى سبيل المثال يطرح توماس كارفر (١٨٦٥–١٩١٦م) سؤال القيمة بشكلٍ صحيح، ولكنه يقدم إجابةً غير صحيحة، حينما يقول: «السؤال يجب أن يكون ما الذي يحدِّد قيمة ٢٥٫٨ حبة من الذهب في عملةٍ معدنية صدرَت بشكلٍ قانوني من دار سك العملة في الولايات المتحدة؟» وبعد أن يؤكد على وجوب تساوي وحدة النقد دائمًا مع قيمة المعدن التي صُنعَت منه وحدة النقد، يقول: «إن تحديد قيمة المعدن النقدي-الذهب، يتم من خلال المنفعة الحدِّية للعرض المتاح.» انظر:
T. N. Carver, The Value of the Money unit, Quarterly Journal of Economics (Boston: George H. Ellis, 1897), Vol. XI, pp. 430–435.
وقارب: Alfred Marshall, Principles of Economics, op. cit., p. 219.
وسوف نعود لمناقشة قيمة النقود في الفصل الأول من الباب الثاني.
٣٦  «لم يعُد لقِطع النقد البرونزية أوزانٌ ثابتة ولا موحَّدة؛ إذ كان الملوك ينقصون أوزانها على الدوام ويستولون بهذه الوسيلة على جانبٍ من الثروة التي كان النقد قوامها …» إبراهيم نصحي، تاريخ مصر في عصر البطالمة، المصدر نفسه، ص٤٢٤. وهكذا قرَّر الملك لويس الحادي عشر إن العملة التي كانت تمثِّل ١٠ دراهم أصبحَت تمثِّل ١١ درهمًا؛ فالسلطة هي المستفيد لأنها المدين، وحينما تقوم بسداد الدين تسدِّده بقيمة أقل من قيمته التي استدانته بها. والأمثلة عديدة عبْر التاريخ، انظر:
Jean Denizet, Le Dollar: histoire du système monétaire international depuis 1945 (Paris: Fayard, 1985), p. 26.
«سوء طوية الحكام وعوزُهم أدَّى إلى الاقتطاع من المعدِن مع بقاء الاسم دون تغيير؛ فعلى سبيل المثال تم اقتطاع نصف قيمة الفضة من قطعة نقد تزن ليرة فضيَّة مع استمرار اعتبارها ليرة كاملة.» انظر:
Montesquieu, De l’esprit des lois, op. cit., p. 451.
«بسبب أهواء وظلم الأمراء والملوك وإساءة استخدامهم ثقة الشَّعب قلَّ تدريجيًّا المقدار الحقيقي للمعدِن عما كان في النقود.» انظر:
Adam Smith, The Wealth of Nations, op. cit., p. 24.
«إن الجنيه الإسترليني يمثِّل أقل من ثلث وزنه الأوَّلي، والجنيه الاسكتلندي لم يمثِّل سوى ١ على ٣٦ عشية الاتحاد. والليبرة الفرنسية ١ على ٧٤، والمارافيدي أقل من ١ على ١٠٠٠، والريس البرتغالي أقل من ذلك.» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ص١٤٦. كذلك كتب ماركس: «على مدى قرون كان العواهل والملوك يزيِّفون النقد بصورةٍ متواصلة؛ الأمر الذي أدَّى إلى أن النقود لم يعُد لديها من الوزن الأصلي سوى تسمياتها.» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ص١١٥. وفي تشَدُّد الحكام المسلمين في العيار في الدراهم، وخلوص الذهب، بصفةٍ خاصَّة: يوسف بن عمر، وأحمد بن طولون، انظر: صبح الأعشى، المصدر نفسه، ج٤، ص٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦