الفصل الأول

قيمة النقود

١

السِّلْعة، كما نعرف، هي منتوجٌ مُعَد للطرح في السُّوق من أجل التبادُل بقصد الربح، وإذا نظرنا إلى وحدة النَّقد، ولتكُن من النقود الورقيَّة، فسنجد أنها تُخلق بواسطة شركاتٍ خاصَّة، أو مطابعَ حكوميَّة من أجل التبادل، وتُدر ربحًا لمنتجها، مثل أي سلعة معدَّة للسُّوق. والنقود تُنتَج على هذا النَّحو، مثل جميع السلع، باستخدام مواد عمل وأدوات عمل وقوة عمل؛١ فهي تُصنع من القطن والكتَّان، أو البوليمر، والأحبار، والأصباغ، والأشرطة المعدنيَّة، باستخدام آلات معقَّدة للطِّباعة والتَّرقيم والفحص والتَّدقيق والقص والتَّرزيم، وبواسطة قوة العمل، التي تظهر في جميع مراحل الإنتاج ابتداءً من التجهيزات والتصميمات، ومرورًا بالطباعة، وانتهاءً بالتغليف والنقل، تخرج النقود إلى السُّوق كسلعة. ولأنها سلعة فهي، بالتَّالي، ذاتُ قيمةٍ اجتماعيَّة تتحدَّد، بوجهٍ عام، بكمية العمل الاجتماعي الضروري المبذول في سبيل إنتاجها.٢ وحيث إننا قمنا في الجزء الأول بإعادة النظر في قانون القيمة كما طرحه علم الاقتصاد السياسي، بصفةٍ خاصَّة مقياس القيمة ووحدة قياسها، فيجب، ابتداءً من إعادة النَّظر تلك، أن نَستكمل هنا على نحوٍ موسَّع مُناقشتَنا قانونَ القيمة لتكوين الوعي بقيمة النقود ومقياسها كسلعة. وفي سبيل ذلك يجب أن نبدأ مما انتهينا إليه بشأن تحديد القيمة عامة؛ فقد سبق وأن افترضنا، مع ريكاردو وماركس، وجود ثلاث سلع في السُّوق، هي: القَوَالِب الخشبيَّة، والنَّبيذ، والفخَّار. كما افترضنا أن كل سلعة من الثلاث تُنتج في ١٢٠ ساعة عَمل٣ (حَي، ومُختَزن، وزائد). ويمكن أن نحذف أيَّ سلعة من السلع الثلاث ونضع بدلًا منها وحدة النقد، أو نضيفها إليهم كما سنفعل لاحقًا، دون أن يحدث أي تغيير.
وقد افترضنا كذلك أن: صاحب القَوَالِب الخشبيَّة لا يطرح سلعته في السُّوق بعد إنتاجها إلا بعد ٢٤٠ يومًا. أما صاحب النَّبيذ فيجب أن ينتظر قَبل طَرح النَّبيذ للتداول فترة ١٢٠ يومًا. في حين أن صاحب الفخَّار، عليه الانتظار ٦٠ يومًا فحسب كي يَطرح فخَّاره في حَقل التداول؛ ومن ثَم يَعود له رأسماله محملًا بالربح؛ ومن ثَم صار السُّؤال: كيف يمكن تحديد قيمة كل سلعة؛ وبالتَّالي، كيف يمكن إجراء التَّبادل، على مستوى القيمة، بين السلع التي تتساوى كميات العمل الاجتماعي الضروري المنفَق في سبيل إنتاجها، وتختلف أزمنة إنتاجها؟ بل من باب أولى، سؤال، كيف يمكن إجراء التبادل بين السلع التي تختلف كميات العمل الاجتماعي الضروري المنفَق في سبيل إنتاجها، وتختلف أيضًا أزمنة إنتاجها؟ في سبيل الإجابة، وبعد أن استبعدنا الإجابات التي قدَّمها ريكاردو وماركس لعدم صحتها علميًّا،٤ قدَّمنا فرضيَّتنا على أساسٍ من أن القيمة الاجتماعيَّة للسلعة تتحدَّد بكميَّة الطَّاقة الحيَّة والطَّاقة المختَزنة والطَّاقة الزَّائدة المبذولة في سبيل إنتاجها (مُقوَّمة بالسُّعر الحراريِّ الضَّروريِّ) مقْسومةً على زمَن إنتاجها؛ ومن ثَم، ومع افتراض أن صاحب القَوالِب الخشبيَّة وصاحب النَّبيذ وصاحب الفخَّار، يُنفق كلٌّ منهم ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) في سبيل إنتاج سلعته، مع بقاء نفس فترات الانتظار المذكورة، وإعمالًا لمذهبنا في قياس القيمة، بقسمة ثمن الإنتاج٥ على زمَن الإنتاج في كل فرع؛ واستكمالًا لما بدأناه، فسنصل إلى مقياس (قيمة/زمن) وسنرمز له بالرمز (ق/ز)، وبمقتضاه نعرف أن:
  • وحدة واحدة في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبية (التي تنتج ﺑ ٠٫٥ ق/ز) تساوي نصف وحدة في فرع إنتاج النَّبيذ (لأن الوحدة في هذا الفرع تُنتَج ﺑ ١ (ق/ز).)

  • ووحدة واحدة في فرع إنتاج النَّبيذ تساوي نصف وحدة في فرع إنتاج الفخَّار (لأن الوحدة الواحدة في هذا الفرع تُنتَج ﺑ ٢ ق/ز).

  • ووحدة واحدة في فرع إنتاج الفخَّار تساوي ٢ وحدة من النَّبيذ، و٤ وحدات من القَوَالِب الخشبيَّة.

ولكن، تحقيق ٠٫٥ (ق/ز) كما في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، الذي يتم بواسطة: ١٢٠٠٠ ثمَن إنتاج، و٢٤٠ زَمن إنتاج، يمكن أن يتم أيضًا: بواسطة: ٦٠٠٠ ثمَن إنتاج، و٦٠ زَمن إنتاج (كما في فرع إنتاج النَّبيذ)؛ لأن مبادلة وحدة واحدة من القوالب الخشبية بوحدة واحدة من النبيذ، معناه أن منتج القوالب أعطى لمنتج النبيذ ٠٫٥ (ق/ز) متجسِّدة في وحدة واحدة من القوالب الخشبية، المكوَّنة من ١٢٠٠٠ ثمَن إنتاج و٢٤٠ زَمن إنتاج، وحصل منه في المقابل على ٠٫٥ (ق/ز) متجسِّدة في نصف وحدة من النبيذ، ولكنها مكوَّنة من ثمَن إنتاجٍ أقل هو ٦٠٠٠ (س.ح. ض) وزَمن إنتاجٍ أقل هو ٦٠ ساعة عمل. وكما تم تحقيق ٠٫٥ (ق/ز) بثمَن إنتاجٍ أقل، وزَمن إنتاجٍ أقل في فرع إنتاج النبيذ، سيتم تحقيق نفس اﻟ ٠٫٥ (ق/ز) بواسطة: ٣٠٠٠ ثمَن إنتاج، و١٥ زمَن إنتاج (كما في فرع إنتاج الفخَّار)، وذلك حينما يجري التبادل بين القوالب الخشبية وبين الفخَّار؛ إذ يعطي منتج القوالب الخشبية لصاحب الفخَّار ٠٫٥ (ق/ز) تتجسَّد في وحدةٍ واحدة من القوالب الخشبية، المكوَّنة من ١٢٠٠٠ ثمَن إنتاج و٢٤٠ زَمن إنتاج، ويحصل في المقابل على ٠٫٥ (ق/ز) تتجسَّد في ربع وحدة من الفخار،٦ مكوَّنة من ثمن إنتاجٍ أقل هو ٣٠٠٠ (س.ح. ض) وزمن إنتاج أقل هو ١٥ ساعة عمل؛ وبالتَّالي سوف يقوم مُنتج القَوَالِب الخشبيَّة، ومُنتج النَّبيذ كذلك، بتعديل التوليفة إلى أقل ثمَن إنتاج وأقل زَمن إنتاجٍ سائدَين اجتماعيًّا، وهو ٣٠٠٠/١٥. وذلك استجابةً لمستوى التطوُّر في الصراع الاجتماعي من أجل السَّيْطَرَة على الجديد في حَقل التقنيَّة. ودون أن يُضطرَّا، مع التثوير المطَّرد في قوى الإنتاج الاجتماعي، إلى الانتقال من فرعِ إنتاج إلى فرع إنتاجٍ آخر.٧ ولنُلاحِظ: أولًا: قيام فروع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، والنَّبيذ، والفخَّار، بتعديل توليفاتهم الإنتاجيَّة إنما يَجري بفعل قانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة، المحكوم بدرجة الصِّرَاع الاجتماعي في حَقل التقنيَّة، لا نتيجة مكافأة انتظار مفترَضة كما تصوَّر ريكاردو. ولا بفعل مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي كما اعتقدَ ماركس. ثانيًا: التَّعديل في التوليفات باستخدام تقنياتٍ إنتاجيَّة جديدة للحصول على ٠٫٥ (ق/ز) بأقلِّ ثمن إنتاج (٣٠٠٠ س.ح. ض) وبأقل زَمن إنتاج (١٥ يومًا) سوف يُؤدِّي إلى انخفاضٍ عام في القيَم الاجتماعيَّة النسبيَّة على الصَّعيد الاجتماعي، في إطار، وكما ذكَرنا، صراعٍ محمومٍ على امتلاك الجديد في حَقل التقنيَّة؛ بِقصد الحصول على أقل (ق/ز).

ولمناقشة تلك القُدْرة المزْعُومة، التي تَضرب بجذورها في عُمق عِلم الاقتصاد السِّياسي، لميْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي على تَفْسِير دور الزَّمَن في تكوين القيمة، يجب أن نتعرَّف إلى دور القيمة الاجتماعيَّة في تعديل التَّوليفة الإنتاجيَّة ابتداءً من تحليل مكوِّنات ثمن الإنتاج نفسه؛ حيث أغفَلْنا ذلك أعلاه وافترضنا فحسب أن قيمته (ككل) ١٢٠٠٠ وحدة، دون أن نفحص قَدْر كل مُكوِّن من مُكوِّناته، بصفةٍ خاصَّة: العَمل المختَزن، والعَمل الزَّائد؛ أي دون فحَصٍ للرَّأسمال الهاجع (وسائل الإنتاج)، والربح (العمل الزَّائد)، فلنفترض الآن أن ثمَن الإنتاج عند صاحب القَوَالِب الخشبيَّة البالغ ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) يتكوَّن من ٣٠٠٠ وسائل إنتاج، وسنرمز لها ﺑ (و. إ)، و٩٠٠٠ عَمل زائد، وهو الربح، وسنرمز له ﺑ (ر). ولنفترض كذلك أن ثمَن الإنتاج عند صاحب النَّبيذ البَالغ أيضًا ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) يتكوَّن من ٩٠٠٠ (و. إ)، و٣٠٠٠ (ر). أما ثمَن الإنتاج عند صاحب الفخَّار البَالغ ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) كذلك، فنفترض تكوينه من ١١٠٠٠ (و. إ) و١٠٠٠ (ر). فوفقًا لفرضيَّة ماركس يتعيَّن الآن، عَكس مَذهبه قَبل تَحليلنا مُكونات ثمن الإنتاج، أن يتحول صانع النَّبِيذ وصَاحب الفخَّار إلى حقل إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة؛ حيث يَحصل الأخير على أعلى ربحٍ ممكن وقَدْره ٩٠٠٠ وحدة، وسيظل يَجني أعلى ربحٍ حتى لو قام رأسمال صانع الفخَّار بأربع دورات مقابل دورةٍ واحدة لرأسمال صانع القَوَالِب الخشبيَّة؛ لأن رأسمال الأوَّل إذا قام بأربع دَوْرات فسوفَ يَجني ٤٠٠٠ وحدة فحسب في ٢٤٠ يومًا. وكذا الأمر بصدد صانع النَّبيذ؛ فدورَتان لرأْسماله لا تُدرَّان عليه سوى ٦٠٠٠ وحدة في ٢٤٠ يومًا. رساميل فرع النَّبيذ إذن، وكذلك رساميل فرع الفخَّار، وعلى الرَّغْم من الشَّك الذي يُحيط بالأمر، ستتجه إلى فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة. واندفاع الرَّساميل على هذا النَّحو صَوب حَقل إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة سيكون نتيجة مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي؛ أي بالتمام والكمال كما قَال ماركس!

ولكن، يجب هنا، ومباشرةً، لا أن نلغي علاقة الزَّمَن بقوى الإنتاج الهاجعة دون عَمل فحسب، إنما وأيضًا يَجب أن يَجري التَّحليل، كما فَعلنا لتوِّنا، بإسقاط وسائل الإنتاج من الحسَابات تمامًا؛ فقد كانت حسَاباتُنا كالآتي: ٩٠٠٠/٢٤٠ في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، و٣٠٠٠/١٢٠ في فرع إنتاج النَّبيذ، و١٠٠٠/٦٠ في فرع إنتاج الفخَّار؛ أي إننا تَجاهلنا، مع مَذهب ماركس الذي تَجاهل، بلا أي سببٍ وَاضح، قيمة وَسائل الإنتاج في كُل فرع، وقُمنا فقط بحساب نسبة الربح إلى زمَن الإنتاج! ومن المعلوم بالضَّرورة أن الربح لا يمكن أن يتحقق خِلال الزَّمَن إلا بواسطة قوى الإنتاج؛ وبالتَّالي لا سبيل إلى إهدارها حين حِساب اﻟ (ق/ز)؛ ولذا، وإن أردنا التعرُّف إلى الدَّور الذي يؤدِّيه الزَّمَن في تكوين القيمة، فلا يمكن الركون إلى تلك الثقة الزَّائدة، وغير المبرَّرة عِلميًّا، في قدرة مَيْل الأرباح إلى التَّساوي! بل يَجب أن يتم الحساب على النحو التَّالي: ١٢٠٠٠/٢٤٠ في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، و١٢٠٠٠/١٢٠ في فرع إنتاج النَّبيذ، و١٢٠٠٠/٦٠ في فرع إنتاج الفخَّار. وبتلك المثابة تتوقف نَظريَّة ماركس في قدرة مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي (التي تغُض طَرْفها عَمدًا عن قيمة وسائل الإنتاج الهاجعة كأحد مُكوِّنات ثمن الإنتاج) عند حدود تَفسير إقدام الرَّساميل وإحجامها وبمعزلٍ عن الزَّمن! نَظريَّة ماركس في مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي لا يمكن إذن أن تؤدِّي عَملها حين استخدامها للتعرُّف إلى الدَّور الذي يؤدِّيه الزَّمَن في تكوين القيمة، فإذا عُدنا لمثلنا أعلاه، وإعمالًا لقانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة الذي يعتد بالزَّمَن ولا يُهدر قيمة وسائل الإنتاج الهاجعة، فسنجد أن الرَّساميل، سواء أكانت الرَّساميل الناشطة في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة أم فرع إنتاج النَّبيذ أم فرع إنتاج الفخَّار لن تُغادر أي فرعٍ إلى آخر، بل سيجري فقط التَّعديل في التَّوليفات الإنتاجيَّة باستخدام التقنيات المُتيحة لذلك من أجل الحصول على ٥٠ (ق/ز) بأقل ثمَن إنتاج ٣٠٠٠ (س.ح. ض) وبأقل زمَن إنتاج (١٥ يومًا).

حتَّى الآن كُنا نناقش التَّعديل في التَّوليفات الإنتاجيَّة داخل الفرُوع المختلفة في قِطاعٍ ما، وليكن القِطاع الصناعي، ويَجب الآن، بقصد المزيد من التَّحْليل، أن ننقل مستوى المناقشة من الفرُوع إلى القطاعات؛ ولنفترض وجود ثلاثة مُنتجات زراعية؛ القمح، والأرز، والذرة. وكل مُنتَج من الثلاثة يتكلف ٢٤٠٠٠ (س.ح. ض)، ولكن، يَجب على مُنتِج القمح أن يَنتظر ٤٨٠ يومًا. أما مُنتِج الأرز فيتعين عليه الانتظار ٢٤٠ يومًا. أما مُنتِج الذرة فعليه الانتظار ١٢٠ يومًا. طبقًا لقانون القيمة ستتكون لدينا هنا (ق/ز) مختلفة حيث تتحقق ٥٠ (ق/ز) بواسطة (٦٠٠٠ س.ح. ض)، في زمَن إنتاج قَدْره (٣٠ يومًا). وذلك مَعناه أن الاقتصَاد على مستوى القطاعات الإنتاجيَّة لديه (ق/ز) في القطاع الصناعي يختلف عن (ق/ز) في القطاع الزراعي. هذا الاختلاف الطَّبيعي في اﻟ (ق/ز) في القطاعات، مَرجعه، بل وينتظم بفعل، حجم الرَّساميل من جهة وزمن الإنتاج من جهةٍ أخرى. وهذا الاختلاف أيضًا بين اﻟ (ق/ز) في القطاعات، الذي يأتي بفعل قانون القيمة النسبيَّة والمحكوم كما ذكرت بمستوى الصراع الاجتماعي في حقل التقنية وليس بسبب مَيْل مُعدَّلات الأرباح إلى التَّساوي، يعطينا على الأقل ثلاثَ فرضيات، بالأحرى تفسيرات، مَنهجيَّة؛ حيث يمكن، بل يجب، أن يَنعدم التَّساوي بين الأجور على مستوى القطاعات. كما يمكن، بل يجب، أن ينعدم التَّساوي أيضًا بين الأرباح على مستوى القطاعات. ويمكن أيضًا، بل يَجب، أن ينعدم التَّساوي بين أثمان وسائل الإنتاج على الصعيد الاجتماعي.

دعونا الآن، للمزيد من التَّحليل، ننقل مستوى المناقشة إلى حَقل التجارة الخارجيَّة؛ ولنتَّخذ هذه المرة من سلعةٍ مُتجانسة مِثالًا؛ لنرى من زاويةٍ أخرى كيف تتحدَّد القيمة الاجتماعيَّة، عَبْر الزَّمَن، وفقًا للفن الإنتاجيِّ السَّائد. ولنفترِض أن إنتاج الجُبْن في فرنسا وإنجلترا وهولندا يتكلف ٤٨٠٠٠ (س.ح. ض)، ولكن، لا يُطرح في السُّوق إلا بعد ٩٦٠ يومًا في فرنسا، و٤٨٠ يومًا في إنجلترا، و٢٤٠ يومًا في هولندا، فسنكون هنا أمام (ق/ز)، تحقَّق كذلك بفعل قانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة، يتكون من ثمَن إنتاج قَدره ١٢٠٠٠ (س.ح. ض)، وزمن إنتاج مُدته ٦٠ يومًا؛ وبالتَّالي، ستقوم الرَّساميل بإجراء التَّعديل على توليفاتها الإنتاجيَّة بقصد بلوغ أقل ثمَن إنتاج «١٢٠٠٠» في أقل زمن إنتاج «٦٠» على الصعيد العالمي.

٢

فلنُدخل الآن وحدة النقود في التحليل، ونفترض وجود السلع الثلاث؛ أي القوالب الخشبية والنَّبيذ والفخَّار، بالإضافة إلى تلك الوحدة من النقد، كسلعة هي الأخرى، ولنفترض أنها تُنتج كذلك بنفس كمية العمل الاجتماعي الضروري؛ أي ﺑ ١٢٠٠٠ (س.ح. ض)، المتجسِّد في مواد العمل (القطن والكتان، والأحبار والأصباغ، والأشرطة المعدنية … إلخ) وأدوات العمل (آلات الطباعة، وأجهزة القياس … إلخ) وقوة العمل (التصميمات الفنية، والتجهيزات، والطباعة، والمراقبة … إلخ)، ولنفترض كذلك أنها، كسلعة، لا تستلزم أكثر من ٣٠ يومًا كزمن إنتاجٍ حتى تسلَّم للعميل الذي يمثل السُّوق بالنسبة للشركة أو جهة الحكومة المنتجة؛ ومن ثَم سنحصل على (ق/ز) قدره ٤. وحينئذٍ سوف تجري مبادلةٌ وحدة واحدة من النقود ﺑ ٨ وحدات من القوالب الخشبية، وﺑ ٤ وحدات من النَّبيذ، وﺑ ٢ وحدة من الفخار، ولكن، هنا أيضًا، يمكن تحقيق ٠٫٥ (ق/ز) كما في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبية الذي كما نعلم يتم ﺑ ١٢٠٠٠ ثمن إنتاج، و٢٤٠ زمن إنتاج، بواسطة ١٥٠٠ ثمن إنتاج، و٧٫٥ زمن إنتاج، كما في فرع إنتاج النقود؛ وبالتَّالي سوف تعمل جميع فروع الإنتاج من أجل تحقيق نفس (ق/ز) السَّائد اجتماعيًّا وفق الفن الإنتاجي المهيمن. وعلى هذا النحو تتحدَّد القيمة الاجتماعيَّة لوحدة النقود سواء كنا نناقش إنتاجها داخليًّا، أم كنا نقارن بين قيَم إنتاجها على الصعيد العالمي؛ فعلى سبيل المثال تكلف طباعة ورقة اليورو حوالي ٨ سنتات. أما الورقة الواحدة من الفرنك السويسري، شاملة التصميمات والتجهيزات والورق والطباعة، فتكلف حوالي ٤٠ سنتيمًا.٨ وتكلِّف طباعة الورقة فئة ٥ دولارات حوالي ٤٫٨ سنتات، والورقة فئة ٥٠ دولارًا تكلِّف حوالي ٥٫٣ سنتات! والورقة فئة ١٠٠ دولارٍ تكلِّف حوالي ٨٫٩ سنتات.٩ ولأننا نعلم أن القيمة هي كمية العمل الاجتماعي الضروري المتجسِّد في المنتوج، ونعلم كذلك أن الثمن هو المظهر النقدي للقيمة، ولا يشترط أبدًا أن يأتي الأخير معبرًا بدقة عن الأولى، فسوف تبرُز عبْر الثمَن المعبِّر عن القيمة بوحدات من النقد، الفجوة بين القيمة الاجتماعيَّة للنقود وبين قيمتها التبادليَّة التي تقرِّرها المؤسَّسات النقدية في الدَّولة؛ فالوحدة النقدية التي قيمتها الاجتماعيَّة الضرورية ٥٠ سعرًا حراريًّا مثلًا، قد تقرِّر الدَّولة بما لها من سلطة إصدار، قيمة تبادليَّة قدرها ٥٠٠٠ سعرٍ حراري!١٠ والفرق بين القيمة الاجتماعيَّة الضروريَّة وبين القيمة التبادليَّة المفروضة قانونًا (إذا عُبِّر عن القيمة بواسطة السلع)، وبينها وبين ثمنها الجاري (إذا عُبِّر عنها بواسطة النقود) يجري حسابه كأرباح للبنك المصدر الذي يحصل على قيمةٍ زائدةٍ من حقل الإنتاج، وربحٍ إضافي، على مستوى الأزمة،١١ من حقل التداول.
تعرُّفنا إلى القيمة الاجتماعيَّة للنقود١٢ يتيح لنا التعرُّف إلى الوظائف التي تؤدِّيها النقود، فلننتقل إلى الفصل التَّالي من أجل التعرُّف، النَّاقد، إلى تلك الوظائف.
١  بصدد قوى الإنتاج المستخدمة في إنتاج اليورو على سبيل المثال، انظر:
European Central Bank, (Euro system) How the Euro Became Our Money: A Short History of the Euro Banknotes and Coins (Frankfurt, 2007), pp. 35–48.
٢  بعد أن جرى الإعلان عن نهاية الاقتصاد السياسي، ابتداءً من إنكار قانون القيمة، دون أن نقرأ من هؤلاء المنكرين سطرًا واحدًا ينتمي إلى العلم، سوف يطالعنا جوستاف كاسل (١٨٦٦–١٩٤٥م) بالأعاجيب! فهو بعد أن خلط بين القيمة (التي لم يفهمها أبدًا)، وبين القيمة التبادلية! وبعد أن خلط بين القيمة وبين الثمن! وبعد أن قرَّر أن القيمة شيءٌ ميتافيزيقي غير قابل للقياس! وبعد أن قال، على غير الحقيقة التاريخيَّة، إن ماركس تلقى مبدأ القيمة من الاشتراكيين السَّابقين! وبعد أن اقترح، وبمنتهى الحزم، إزالة آلاف المؤلَّفات من رفوف المكتبات التي تتكلم في نظرية القيمة! لأنها غير علميَّة! قرر أن النظرية الاقتصَادية يتعين أن تبدأ، بعد التخلي الواجب، كما يقول، عمَّا يُسمَّى بنظرية القيمة! ببناء نظريةٍ عامة للأثمان، أثمان السُّوق! وقدَّم اقتراحه بتثبيت الوحدة النقدية، كمقياس، من خلال تثبيت أثمان الجملة! فتثبيت وحدة الثمن، كما يقول أيضًا، عن طريق اختيار تثبيت المستوى العام لأثمان الجملة كهدفٍ للسياسة النقدية، من شأنه، كما يقول كذلك، أن يمنحنا نظامًا نقديًّا أفضل! انظر:
Gustav Cassel, On Quantitative Thinking in Economics (Oxford: At the Clarendon Press, 1935), pp. 29–60.
ولكن، لم يقُل لنا السيد كاسل لماذا، وعلى أي أساس، تم تحديد هذا الثمن بالذات، ثم تثبيته؟ لماذا، مثلًا، نقوم بتثبيت كيلو الزبد عند ٢١٠ جنيهات، مثلًا، وليس ١٥٧، أو ٢١٣؟ ولماذا نُثبت، مثلًا كذلك، كيلو اللحم عند ٥٠٠ جنيه، وليس ٣١٦، أو ٦١٢؟ لقد كان كاسل ذكيًّا بما يكفي كي يتوقَّى هدم مذهبه، الواهن، حينما ذكَر مسبقًا أنه من العبث العثور على «الثمن الصحيح»!
٣  لمتابعة مَثل ريكاردو وماركس، سوف نبقي، تجاوزًا ومؤقتًا بطبيعة الحال، على خطأ الاقتصاد السياسي في قياس القيمة.
٤  انظر: محمد عادل زكي، قيمة/زمن: مقال في مبادئ الاقتصاد السياسي، الإسكندرية، دار الفتح للطباعة والنشر، ٢٠٢٢م.
٥  يجب أن يكون واضحًا أن ثمن الإنتاج، لدينا، يتكون وكما ذكرنا، من ثمن العمل الضروري الحي، وثمن العمل الضروري المختزن، وثمن العمل الضروري الزائد، وليس متوسط العمل الزائد كما عند ماركس؛ وبالتالي يجب أن يكون واضحًا كذلك أننا نفترضُ هنا أن الثمن يعبِّر بدقة عن القيمة، كمظهرٍ نقدي لها، دون انحرافٍ عنها؛ أي إن كمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا لإنتاج وحدات النقد تتساوى مع كمية الطاقة الضرورية اجتماعيًّا لإنتاج السلعة.
٦  المثل للتبسيط، وعلى درجة عالية من التجريد لتقريب الفكرة، ومع ذلك، في سبيل تلافي رفض المثل على أساس أن الفخار لا يقبل التجزئة إلا بإتلافه! يمكن أن نفترض أن وحدة الفخار تتكون مثلًا من عشرة أجزاء. وإذا أخذنا بالشَّائع، على أساس أن الوحدة تساوي الواحد الصحيح، أو اثنين من الصنف كما في القوالب الخشبية مثلًا، فإن النقود يمكنها أن تؤدي دورَها في التبادل بين أجزاء الوحدات.
٧  كما يمكننا افتراضُ اختلاف كلٍّ من ثمَن الإنتاج وزمن الإنتاج، فنفترض أن مُنتج القوالب الخشبية ينفق ١٠٠٠ (س.ح. ض) في ٤٠٠ ساعة، ومنتج النَّبيذ ينفق ٢٠٠ (س.ح. ض) في ٢٠٠ ساعة. أما صاحب الفخَّار فينفق ٥٠٠٠ (س.ح. ض) في ١٠٠ ساعة. وعندئذٍ سنجد أن أقل (ق/ز) السَّائدة اجتماعيًّا، لحظيًّا، هي المتحققة في فرع إنتاج الفخَّار، وهي ٠٫٥ (ق/ز). ولكن نفس اﻟ ٠٫٥ (ق/ز) يمكن أن تتحقَّق بواسطة ثمَن إنتاج أقل وزَمن إنتاج أقل في فرع إنتاج النَّبيذ، حيث تُنتج اﻟ ٠٫٥ (ق/ز) ﺑ ١٠٠ ثمَن إنتاج و١٠٠ زَمن إنتاج؛ وبالتَّالي سوف يقوم المنتجون بتعديل توليفاتهم الإنتاجيَّة للحصول على اﻟ ٠٫٥ (ق/ز) بأقل ثمَن إنتاج وأقل زَمن إنتاج.
٨  انظر:
115th Annual Report Swiss National Bank 2022. pp. 73–76.
٩  انظر:
Board of Governors of the Federal Reserve System: Division of Reserve Bank Operations and Payment Systems, 2023 Currency Budget.
١٠  وكما قد تتحدَّد تلك القيمة، كتأرجُحات، بقرارٍ سيادي، قد تتحدد، كتأرجُحات كذلك، بفعل الإقبال على النقد الوطني من أجل الحصول على صادرات تلك الدولة. أو ببيع الاحتياطي من العملة الأجنبية بالعملة المحلية فيزيد الطلب على العملة الأخيرة من أجل شراء الأولى، أو بفعل رفع معدَّلات الفائدة مثلًا على الودائع بالعملة المحلية فيرتفع الطلب على هذه العملة؛ وبالتَّالي تتجه قيمتُها نحو الارتفاع، … إلخ. في جميع الأحوال تأخذ تلك الارتفاعات والانخفاضات في التقلُّب حول محورٍ عام محدَّد، ثابت، في الزمن الطويل. هذا المحور هو محور القيمة الاجتماعيَّة.
١١  سوف تتضح أكثر تلك المسألة في الفصل الثالث المنشغل بكمية النقود.
١٢  في أي كتاب جامعي مقرَّر للإعدام اليومي للطلبة لا تجد طرح قيمة النقود على هذا النحو قط. إنما تجد المفاهيم البوهيمية حول القيمة! وفي أفضل الأحوال تجد الخلط الفج بين: القيمة والقيمة التبادليَّة! والقيمة والثمن!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦