قيمة النقود
١
-
وحدة واحدة في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبية (التي تنتج ﺑ ٠٫٥ ق/ز) تساوي نصف وحدة في فرع إنتاج النَّبيذ (لأن الوحدة في هذا الفرع تُنتَج ﺑ ١ (ق/ز).)
-
ووحدة واحدة في فرع إنتاج النَّبيذ تساوي نصف وحدة في فرع إنتاج الفخَّار (لأن الوحدة الواحدة في هذا الفرع تُنتَج ﺑ ٢ ق/ز).
-
ووحدة واحدة في فرع إنتاج الفخَّار تساوي ٢ وحدة من النَّبيذ، و٤ وحدات من القَوَالِب الخشبيَّة.
ولمناقشة تلك القُدْرة المزْعُومة، التي تَضرب بجذورها في عُمق عِلم الاقتصاد السِّياسي، لميْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي على تَفْسِير دور الزَّمَن في تكوين القيمة، يجب أن نتعرَّف إلى دور القيمة الاجتماعيَّة في تعديل التَّوليفة الإنتاجيَّة ابتداءً من تحليل مكوِّنات ثمن الإنتاج نفسه؛ حيث أغفَلْنا ذلك أعلاه وافترضنا فحسب أن قيمته (ككل) ١٢٠٠٠ وحدة، دون أن نفحص قَدْر كل مُكوِّن من مُكوِّناته، بصفةٍ خاصَّة: العَمل المختَزن، والعَمل الزَّائد؛ أي دون فحَصٍ للرَّأسمال الهاجع (وسائل الإنتاج)، والربح (العمل الزَّائد)، فلنفترض الآن أن ثمَن الإنتاج عند صاحب القَوَالِب الخشبيَّة البالغ ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) يتكوَّن من ٣٠٠٠ وسائل إنتاج، وسنرمز لها ﺑ (و. إ)، و٩٠٠٠ عَمل زائد، وهو الربح، وسنرمز له ﺑ (ر). ولنفترض كذلك أن ثمَن الإنتاج عند صاحب النَّبيذ البَالغ أيضًا ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) يتكوَّن من ٩٠٠٠ (و. إ)، و٣٠٠٠ (ر). أما ثمَن الإنتاج عند صاحب الفخَّار البَالغ ١٢٠٠٠ (س.ح. ض) كذلك، فنفترض تكوينه من ١١٠٠٠ (و. إ) و١٠٠٠ (ر). فوفقًا لفرضيَّة ماركس يتعيَّن الآن، عَكس مَذهبه قَبل تَحليلنا مُكونات ثمن الإنتاج، أن يتحول صانع النَّبِيذ وصَاحب الفخَّار إلى حقل إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة؛ حيث يَحصل الأخير على أعلى ربحٍ ممكن وقَدْره ٩٠٠٠ وحدة، وسيظل يَجني أعلى ربحٍ حتى لو قام رأسمال صانع الفخَّار بأربع دورات مقابل دورةٍ واحدة لرأسمال صانع القَوَالِب الخشبيَّة؛ لأن رأسمال الأوَّل إذا قام بأربع دَوْرات فسوفَ يَجني ٤٠٠٠ وحدة فحسب في ٢٤٠ يومًا. وكذا الأمر بصدد صانع النَّبيذ؛ فدورَتان لرأْسماله لا تُدرَّان عليه سوى ٦٠٠٠ وحدة في ٢٤٠ يومًا. رساميل فرع النَّبيذ إذن، وكذلك رساميل فرع الفخَّار، وعلى الرَّغْم من الشَّك الذي يُحيط بالأمر، ستتجه إلى فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة. واندفاع الرَّساميل على هذا النَّحو صَوب حَقل إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة سيكون نتيجة مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي؛ أي بالتمام والكمال كما قَال ماركس!
ولكن، يجب هنا، ومباشرةً، لا أن نلغي علاقة الزَّمَن بقوى الإنتاج الهاجعة دون عَمل فحسب، إنما وأيضًا يَجب أن يَجري التَّحليل، كما فَعلنا لتوِّنا، بإسقاط وسائل الإنتاج من الحسَابات تمامًا؛ فقد كانت حسَاباتُنا كالآتي: ٩٠٠٠/٢٤٠ في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، و٣٠٠٠/١٢٠ في فرع إنتاج النَّبيذ، و١٠٠٠/٦٠ في فرع إنتاج الفخَّار؛ أي إننا تَجاهلنا، مع مَذهب ماركس الذي تَجاهل، بلا أي سببٍ وَاضح، قيمة وَسائل الإنتاج في كُل فرع، وقُمنا فقط بحساب نسبة الربح إلى زمَن الإنتاج! ومن المعلوم بالضَّرورة أن الربح لا يمكن أن يتحقق خِلال الزَّمَن إلا بواسطة قوى الإنتاج؛ وبالتَّالي لا سبيل إلى إهدارها حين حِساب اﻟ (ق/ز)؛ ولذا، وإن أردنا التعرُّف إلى الدَّور الذي يؤدِّيه الزَّمَن في تكوين القيمة، فلا يمكن الركون إلى تلك الثقة الزَّائدة، وغير المبرَّرة عِلميًّا، في قدرة مَيْل الأرباح إلى التَّساوي! بل يَجب أن يتم الحساب على النحو التَّالي: ١٢٠٠٠/٢٤٠ في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة، و١٢٠٠٠/١٢٠ في فرع إنتاج النَّبيذ، و١٢٠٠٠/٦٠ في فرع إنتاج الفخَّار. وبتلك المثابة تتوقف نَظريَّة ماركس في قدرة مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي (التي تغُض طَرْفها عَمدًا عن قيمة وسائل الإنتاج الهاجعة كأحد مُكوِّنات ثمن الإنتاج) عند حدود تَفسير إقدام الرَّساميل وإحجامها وبمعزلٍ عن الزَّمن! نَظريَّة ماركس في مَيْل مُعدَّلات الربح إلى التَّساوي لا يمكن إذن أن تؤدِّي عَملها حين استخدامها للتعرُّف إلى الدَّور الذي يؤدِّيه الزَّمَن في تكوين القيمة، فإذا عُدنا لمثلنا أعلاه، وإعمالًا لقانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة الذي يعتد بالزَّمَن ولا يُهدر قيمة وسائل الإنتاج الهاجعة، فسنجد أن الرَّساميل، سواء أكانت الرَّساميل الناشطة في فرع إنتاج القَوَالِب الخشبيَّة أم فرع إنتاج النَّبيذ أم فرع إنتاج الفخَّار لن تُغادر أي فرعٍ إلى آخر، بل سيجري فقط التَّعديل في التَّوليفات الإنتاجيَّة باستخدام التقنيات المُتيحة لذلك من أجل الحصول على ٥٠ (ق/ز) بأقل ثمَن إنتاج ٣٠٠٠ (س.ح. ض) وبأقل زمَن إنتاج (١٥ يومًا).
حتَّى الآن كُنا نناقش التَّعديل في التَّوليفات الإنتاجيَّة داخل الفرُوع المختلفة في قِطاعٍ ما، وليكن القِطاع الصناعي، ويَجب الآن، بقصد المزيد من التَّحْليل، أن ننقل مستوى المناقشة من الفرُوع إلى القطاعات؛ ولنفترض وجود ثلاثة مُنتجات زراعية؛ القمح، والأرز، والذرة. وكل مُنتَج من الثلاثة يتكلف ٢٤٠٠٠ (س.ح. ض)، ولكن، يَجب على مُنتِج القمح أن يَنتظر ٤٨٠ يومًا. أما مُنتِج الأرز فيتعين عليه الانتظار ٢٤٠ يومًا. أما مُنتِج الذرة فعليه الانتظار ١٢٠ يومًا. طبقًا لقانون القيمة ستتكون لدينا هنا (ق/ز) مختلفة حيث تتحقق ٥٠ (ق/ز) بواسطة (٦٠٠٠ س.ح. ض)، في زمَن إنتاج قَدْره (٣٠ يومًا). وذلك مَعناه أن الاقتصَاد على مستوى القطاعات الإنتاجيَّة لديه (ق/ز) في القطاع الصناعي يختلف عن (ق/ز) في القطاع الزراعي. هذا الاختلاف الطَّبيعي في اﻟ (ق/ز) في القطاعات، مَرجعه، بل وينتظم بفعل، حجم الرَّساميل من جهة وزمن الإنتاج من جهةٍ أخرى. وهذا الاختلاف أيضًا بين اﻟ (ق/ز) في القطاعات، الذي يأتي بفعل قانون القيمة النسبيَّة والمحكوم كما ذكرت بمستوى الصراع الاجتماعي في حقل التقنية وليس بسبب مَيْل مُعدَّلات الأرباح إلى التَّساوي، يعطينا على الأقل ثلاثَ فرضيات، بالأحرى تفسيرات، مَنهجيَّة؛ حيث يمكن، بل يجب، أن يَنعدم التَّساوي بين الأجور على مستوى القطاعات. كما يمكن، بل يجب، أن ينعدم التَّساوي أيضًا بين الأرباح على مستوى القطاعات. ويمكن أيضًا، بل يَجب، أن ينعدم التَّساوي بين أثمان وسائل الإنتاج على الصعيد الاجتماعي.
دعونا الآن، للمزيد من التَّحليل، ننقل مستوى المناقشة إلى حَقل التجارة الخارجيَّة؛ ولنتَّخذ هذه المرة من سلعةٍ مُتجانسة مِثالًا؛ لنرى من زاويةٍ أخرى كيف تتحدَّد القيمة الاجتماعيَّة، عَبْر الزَّمَن، وفقًا للفن الإنتاجيِّ السَّائد. ولنفترِض أن إنتاج الجُبْن في فرنسا وإنجلترا وهولندا يتكلف ٤٨٠٠٠ (س.ح. ض)، ولكن، لا يُطرح في السُّوق إلا بعد ٩٦٠ يومًا في فرنسا، و٤٨٠ يومًا في إنجلترا، و٢٤٠ يومًا في هولندا، فسنكون هنا أمام (ق/ز)، تحقَّق كذلك بفعل قانون القيمة الاجتماعيَّة النسبيَّة، يتكون من ثمَن إنتاج قَدره ١٢٠٠٠ (س.ح. ض)، وزمن إنتاج مُدته ٦٠ يومًا؛ وبالتَّالي، ستقوم الرَّساميل بإجراء التَّعديل على توليفاتها الإنتاجيَّة بقصد بلوغ أقل ثمَن إنتاج «١٢٠٠٠» في أقل زمن إنتاج «٦٠» على الصعيد العالمي.
٢
European Central Bank, (Euro system) How the Euro Became Our Money: A Short History of the Euro Banknotes and Coins (Frankfurt, 2007), pp. 35–48.
Gustav Cassel, On Quantitative Thinking in Economics (Oxford: At the Clarendon Press, 1935), pp. 29–60.
ولكن، لم يقُل لنا السيد كاسل لماذا، وعلى أي أساس، تم تحديد هذا الثمن بالذات، ثم تثبيته؟ لماذا، مثلًا، نقوم بتثبيت كيلو الزبد عند ٢١٠ جنيهات، مثلًا، وليس ١٥٧، أو ٢١٣؟ ولماذا نُثبت، مثلًا كذلك، كيلو اللحم عند ٥٠٠ جنيه، وليس ٣١٦، أو ٦١٢؟ لقد كان كاسل ذكيًّا بما يكفي كي يتوقَّى هدم مذهبه، الواهن، حينما ذكَر مسبقًا أنه من العبث العثور على «الثمن الصحيح»!
Board of Governors of the Federal Reserve System: Division of Reserve Bank Operations and Payment Systems, 2023 Currency Budget.