١
يُحدِّد علم الاقتصاد السياسي، وَفْق تقليدٍ
قديمٍ متَّبع،
١ الوَظائف التي تُؤدِّيها النُّقود
بثلاث وظائف أساسيَّة؛ فالنقود: وسيلة
للتَّبادل، ومقياس للقيمة، ومخزن لها.
٢ وهو ما يمكن استخلاصه من تحليلنا
مجمل تصوُّر آدم سميث في مرحليَّة التطوُّر من
المقايضة إلى النقود؛ فلقد انطلق سميث من مثَلٍ
خلاصته أنَّ القصَّابَ، مع افتراض غياب النقود،
لديه ما يفيض عن حاجته من اللحم، فإذا كان لديه
كذلك الخبز والجِعَة، ولا يحتاج إلى المزيد
منهما في الوقت الرَّاهن، فلن يجد صانع الجعَة،
ولا الخبَّاز، ما يقايضون به القصَّاب من أجل
الحصول على اللحم، ومن ثَم لن تجري عملية
التَّبادل. هنا تظهر لدى سميث أهمية النقود؛
وبالتَّالي تبرُز أول وظيفة من وظائفها وهي
وظيفة وسيط في التبادل؛ فالنقود ستمكِّن
الخبَّاز وصانع الجعَة من الحصول على اللحم،
حتى وإن كان القصَّاب لا يرغب في الخبز ولا
الجعة؛ لأنه يريد وحدات النقود التي يستطيع أن
يحصل، بالتَّخلي عنها، على ما يريد من منتجات
عمل الغير، حتى وإن كان هذا الغير لا يرغب في
اللحم الذي يبيعه. وحينما يلاحظ سميث تلك
الأفضلية التي، في نهاية المطاف، صارت للمعادن
عند النَّاس؛ لإمكانية تجزئتها وعدم تَلفِها
مقارنةً بأي منتوجٍ آخر؛ وبالتَّالي احتكامها
على ميزة استخدامها في أي وقتٍ شاء المرء،
فإنما يصل إلى الوظيفة الثَّانية، وهي وظيفة
مخزن القيمة. وعندما ينتقل سميث إلى مناقشة
الصعوبات التي صاحبتَ استخدام المعادن في
التَّبادل، في المراحل الأولى، فإنما يصل إلى
الوظيفة الثالثة من وظائف النقود وهي وظيفة
مقياس القيمة؛ فلقد رأي سميث أن صعوبتَين
كبيرتَين تزامنَتا مع استعمال المعادن في
التبادل: وهما الوزن والفحص؛ إذ كان يتعيَّن
وزن المعدن مع كل مُبادلة وفحص جودته وتمييز
جيِّده من رَديئِه، وهي عملياتٌ مُجهِدة إلى
حدٍّ كبير وتعوقُ عمليات البيع والشراء وما في
حكمها من عملياتٍ تستلزم دائمًا وزن المعدن
وفحصه، ولتجاوز هاتَين الصعوبتَين تم وضع
علامات ونقوش حكوميَّة على مقادير معيَّنة من
المعادن المستعملة؛ بحيث توضِّح كل علامة،
ويوضِّح كل نقش، مقدار ما تحتويه وحدة النقد من
المعدن. في تلك اللحظة نشأَت النقود المسكوكة
التي أصبحَت تُستخدم بالعدد بعد تثبيت أوزانها
بمعرفة دور السك الحكوميَّة. وعلى هذا النَّحو،
وكما ذكَرنا، تبلورَت، في تصوُّر سميث، وظيفة
مقياس القيمة، فأصبحَت النقود المسكوكة من
معدنٍ ما، مقياسًا لقيمة الأشياء في السُّوق
سواء أكانت سلعة أم خدمة. وصارت الأشياء،
بالتَّالي، كما ذهب سميث، على الأقل في مرحلةٍ
أولى من تفكيره، تُقاس قيمتُها بواسطة وحدات
النقد!
وإذا كانت وظيفة النقود كوسيلة للتبادُل هي
وظيفة مشتقَّة بطبيعة الحال من ماهية النُّقود،
فإن الاعتقاد في وظيفتها كمقياسٍ للقيمة،
والإيمان بوظيفتها كمخزنٍ لها، إنما هي نتائج
طبيعيَّة لفهمٍ غير سليم، وتعسُّفي، للقيمة
نفسها. والواقع تاريخيَّا هو أننا أمام
تحليلَين مختلفَين لوظائف النقود لاختلاف
الأساس النظري لكلٍّ منهما. التَّحليل الأول هو
الذي يقدِّمه علم الاقتصاد السياسي. والثَّاني
هو التَّحليل الذي تقدِّمه النظريَّة الرسميَّة
التي تلقَّت تحليل الاقتصاد السياسي، وقذفَت
به، بوعي أو بدون وعي، في وجه الضحايا في
الجامعات! فالاقتصاد السياسي حينما يُحدِّد
وظائف النُّقود على هذا النَّحو فإنما ينطلق من
نظريَّة محدَّدة في القيمة، القيمة ككمية من
العمل المتجسِّد في المنتوج، ويستند إلى واقعٍ
تحدَّد تاريخيًّا بسيادة قاعدة النقد المعدني
من الذَّهب والفضة. والنظرية المعتمَدة في
الجامعات حينما تلقَّفَت وظائف النقود من علم
الاقتصاد السياسي تغافلَت عن الأمرَين
معًا.
٢
فإذا تجاوزنا وظيفة وسيط التبادل؛ لصوابها
عند الاقتصَاد السياسي، ونظرنا إلى وظيفة مقياس
القيمة، فسنجد أن النقود لا يمكن علميًّا أن
تقيس القيمة، لا لأن للقيمة، ككميَّة عَمل
مُتجسِّد في المنتوج، مقياسها العِلمي الثَّابت
كما قدَّمناه في الجزء الأول، وإنما أيضًا لأن
النقود هي المظهر النقدي للقيمة، ولا يمكن قياس
قيمة الشَّيْء بالمظهر النقدي لقيمته
التبادليَّة؛ فأنا لا أعرف قيمة ٩ جرامات من
الفضة حينما أبادلها ﺑ ٣ جرامات من الذَّهب،
حتى لو عرفتُ أن قيمة جرامات الذَّهب تلك
تُساوي ٩ ساعات عمل؛ لأني نعم عرفتُ أن القيمة
أُنتجَت (خلال) ٩ ساعات، ولكنني لم أعرفِ
القيمة نفسها، ككمية من العمل المتجسِّد في
المعدن. وحتى إذا قلتُ، ابتداءً من افتراضٍ غير
صحيح، أني عرفتُ قيمة جرامات الفضة لأن قيمة
جرامات الذهب التي تم التبادل بينها تساوي هذه
السَّاعات التسع، فالمقياس هنا ليس الجرامات
الذهبيَّة بل ساعات العمل! بيد أن علم
الاقتصَاد السياسي يُصر على مخالفة أصوله،
ويؤكِّد عَبْر تاريخه على أن وحدات النقود
(المسكوكة بخاصَّة من الذَّهب والفضَّة) هي
مقياس القيمة!
٣
وعلى الرغم من أن آدم سميث تراجع، بعد
تردُّد، عن رأيه بأن تكون النقود مقياسًا للقيمة،
٤ إلا أن هذا التراجع لم يكن مرجعه
عدم صحة النقود كمقياس، إنما لأنها غير ثابتة!
أي إن اعتماد سميث لها مقياسًا للقيمة كان
ممكنًا لو توافَرَت للنقود صفة الثبات!
وربما سيكون هذا التردد والتراجع مؤثِّرًا في
تكوين قناعات ريكاردو؛ فلقد رأى ريكاردو أن
الذَّهب (النقود) قبل أن يكون معيارًا للقيمة،
خالطًا بين المعيار وبين المقياس، هو سلعة
تُنتج باستخدام نوعَي الرأسمال الأساسي منه
والدَّائر؛ وبالتَّالي، فإن أي ارتفاع أو
انخفاض، يطرأ على الرأسمال المستخدم في سبيل
إنتاج الذهب، أو على ظروف إنتاجه، نتيجة وفرة
المناجم أو نضوبها، يكون من شأنه خفضُ قيمته أو
رفعُها، سوف ينعكس بالتَّالي على قيمة الذَّهب
نفسها، وعلى الأرباح التي قد تنخفضُ بدورها أو
ترتفع.
ولكن، ولأن ريكاردو، كما كل مفكري الاقتصاد
السياسي، يستخدم المقياس غير السليم علميًّا
للقيمة، فلم يكن، وكما نعرف، مقتنعًا تمامًا
بالذهب كمقياس للقيمة، ولا حتى بكمية العمل
نفسها. ولم يجد وسيلةً إلا أن يُعلنَ صراحة أنه «يفترض»،
٥ على خلاف الواقع، ثبات قيمة
الذَّهب، وتطابق ظروف إنتاجه مع باقي السلع،
حتى يمكن استخدامه كمقياس لقيمتها! وحينما حاول
مالتس، الذي كان يؤمن أيضًا بأن النقود هي
المقياس العملي الأكثر ملاءمة للقيمة،
٦ تخليص فكرة ريكاردو من (الافتراض)
غير المجدي! قدَّم اقتراحًا يقوم على افتراضٍ
أيضًا، لا ينجح، في تصوُّر مالتس نفسه، في حل
مشكلة المقياس، وأكثر ما يمكن تحقيقُه هو
الاقتراب فحسب من الدقَّة؛ فلقد اقترح مالتس
إعادة طرح تصوُّر ريكاردو ابتداءً من الاكتفاء
بكمية العمل المبذولة في سبيل إنتاج الذَّهب
(النقود) دون احتساب الأرباح التي لا تتساوى
عادةً في الحقول الإنتاجية المختلفة، على أساس
أن ريكاردو وما دام «افترض»؛ وبالتالي قرَّر
التغاضي عن الانحرافات والتغيُّرات التي تحدث
للذَّهب كسلعة، فمن باب أولى يمكن، من وجهة نظر
مالتس، التغاضي عن أرباح الرأسمال التي قد تكون
في فرع إنتاج ١٠٪، وفي آخر تتراوح من ٥٪ إلى
٢٠٪ والاكتفاء بالعمل كمقياس لقيمة الذَّهب فقط!
٧ ولكن، سنرى أن المشكلة القديمة لم
تزل قائمة، لم تُحل. والواقع أنه لا يمكن
حلُّها لا على طريقة مالتس ولا على طريقة
ريكاردو؛ فبغَض النظر عن الاستبعاد التعسُّفي
للرأسمال الذي هو بالأساس كمية من العمل
المُختزَن، وبغَض النظر كذلك عن هذا الاستبعاد
التعسُّفي أيضًا للأرباح التي هي، في جوهرها،
كمية من العمل الزَّائد، فلم نزل نجهل «قيمة
الذَّهب» الذي أُنتج في ٥ ساعات عمل. نعم، نعرف
أنه أُنتج «خلال» ٥ ساعات، ولكن لم نعرف قَط
قيمته التي تم إنتاجها خلال هذه السَّاعات
الخمس.
أما ماركس فقد مضى متجاهلاً تراجع سميث، وشك
ريكاردو ومالتس، بل ومتناسيًا مذهبه هو نفسه في
قياس القيمة الذي هو أيضًا ليس بالمقياس
الصحيح، حينما ذهب إلى أن:
«الذهب مقياس للقيمة، بوصفه تجسيدًا
اجتماعيًّا للعمل البشري … وهو، على
هذا النحو، يُستخدم من أجل تحويل قيم
السلع اللانهائية إلى أثمان. إلى
كمياتٍ تصوُّرية من الذهب … لقد أصبح
الذهب مقياسًا للقيمة لأن السلع كافة
قاست قيَمَها من خلاله» (ماركس،
رأس
المال، ص١٤٣،
وص١٥٩).
والواقع أن الذهب، في نَص ماركس، لا يمكن أن
يقوم بدور مقياس القيمة؛ لأنه، كمنتوج، هو نفسه
في حاجة إلى مقياس لقيمته التي، كما يقول ماركس
شخصيًّا وعلى نحوٍ صائب، تتجسد اجتماعيًّا
داخله! وبالتَّالي لا يمكن الاقتناع بهذا
التبرير الغريب الذي يقدِّمه ماركس حينما يقول
إن الذهب أصبح مقياسًا للقيمة على أساسٍ من أن
السلع كافة قاست قيَمَها من خلال قيمته! فلا
يمكن القول، مثلًا، بأن مبادلة جرام من الذهب،
أُنتج في ٧ ساعات عمل، بتسعة جراماتٍ من الفضة،
يعني أن الجرامات التسعة من الفضة تصبح قيمتها
٧ ساعات عمل! بل الصواب هو أن نعرف أولًا قيمة
الذهب، باستخدام المقياس السليم علميًّا
للقيمة، ثم نعرف قيمة الفضة، بنفس المقياس
السليم، وعلى أساسٍ من معرفتنا تلك نُجري التبادل.
٨ أما أن نعرف قيمة الذَّهب ثم نعرف
قيمة السلعة الأخرى على أساسٍ مما عرفناه من
قيمة الذهب، فهو التفافٌ غير مفهوم ولا مبرِّر
له، لعل مرجعه، ربما الوحيد، هو استخدام
المقياس غير الصحيح للقيمة بالأساس! ولقد كان
على ماركس، بعد أن تجاهل تمامًا تسليم أسلافه
بصعوبة إيجاد مقياسٍ دقيق للقيمة، أن يُجري
تفرقة، في الحقيقة لم يكن لها أي دورٍ في
مساعدته، بين الذهب كمقياسٍ للقيمة، وبين الذهب
كمعيارٍ للأثمان؛ لأن أيضًا نفس المشكلة لم يتم
حلُّها؛ فلم نزل أمام مقياسٍ غير صحيح للقيمة،
لا قيمة المعدن فحسب، بل وقيمة السلع التي يجري
مبادلتها بالمعدن. أضِف إلى ذلك أن ماركس عندما
يقول إن الذَّهب معيارٌ للثمن، الذي هو المظهر
النقدي للقيمة، فهو يفترض أن هناك ثمنًا محددًا
لسلعةٍ ما يمثِّل نموذجًا مسبقًا يجب أن تأتي
النقود كي تعبِّر عنه. هذا الوجوب سببه افتراض
التَّطابق بين القيمة ومظهرها النقدي، وهو ما
أكَّد ماركس نفسه على عدم تحقُّقه لانحراف
الثمن عن القيمة ارتفاعًا وانخفاضًا.
٩ إدخال التفرقة إذن بين الذَّهب
كمقياس للقيمة وبين الذَّهب كمعيارٍ للأثمان لم
يأتِ بجديدٍ يمكن معه، عند ماركس، اعتبار
النقود مقياسًا سليمًا، علميًّا، للقيمة. أما
رامساي، فقد رأى هو أيضًا، وانطلاقًا من نفس
مذهب علم الاقتصاد السياسي، أن المعدن
المتجسِّد في وحدات النقود يُعَد مقياسًا
للقيمة، وذلك حينما ذهب إلى أن:
«كل شيء يمتلك قيمةً يمكن قياسه أو
قياسه بكل شيءٍ آخر له قيمة. عندما يتم
تبادل سلعة بأخرى، فإن كل واحدة منها
تقيس قيمة الأخرى. إذا تم بيع ربع
الرغيف مقابل جنيه، فسيكون من الصحيح
تمامًا القول إن ربع الرغيف يقيس قيمة
الجنيه، كما أن الجنيه يقيس قيمة ربع
الرغيف» (رامساي،
مقالات في الفائدة
والتبادل والعملة والأوراق النقدية
والبنوك، ص٨٤).
١٠
والواقع أننا حينما نقول إن ربع الرغيف يقيس
قيمة جنيه، فإننا لم نعرف على الإطلاق قيمة ربع
الرغيف ولا قيمة الجنيه. مثلما نقول إن قيمة
جرام من الذَّهب تقيس قيمة خمسة عشر جرامًا من
الفضة. نعم عرفنا أن قيمة الجرام من الذَّهب
تساوي خمسة عشر جرامًا من الفضة. عرفنا القيمة
التبادليَّة ولكن لم نعرف قيمة الفضة، ولم نعرف
كذلك قيمة الذهب. وبالتَّالي لا يقيس ربع
الرغيف، في مَثل رامساي، قيمة الجنيه، إنما هو
محضُ قيمةٍ تبادليَّة للجنيه، دون أن نعرف
قيمتَه هو. ونفس الأمر عند بيلي (١٧٩١–١٨٧٠م)؛
فحينما يقول صمويل بيلي إن مقياس القيمة يعنى
الشيء الذي يمكِّننا من مقارنة قيمة سلعتَين؛
بحيث إن سلعة «ك» تساوي جنيهًا إسترلينيًّا
وسلعة «ط» تساوي جنيهَين إسترلينيَّين، فإن
وحدةً واحدة من السلعة «ط» تساوي وحدتَين من
السلعة «ك».
١١ فهو لا يُخبرنا لماذا، بالأساس،
السلعة «ك» قيمتها جنيهٌ إسترليني؟ كما لا
يُخبرنا كذلك لماذا السلعة «ط» قيمتها جنيهان
إسترلينيَّان؟ المشكلة هنا نفسها التي تضرب
بجذورها في عمق الاقتصاد السياسي، وهي الإصرار
على عدم الوعي بأن النقود سواء أكانت من
الذَّهب أم من الورق، لا يمكن أن تُحدِّد
القيمة، إنما يجبُ أولًا أن يتم تحديد القيمة
باستخدام مقياس القيمة الصَّحيح ووحدة القياس
الصحيحة، حتى يمكن، بعد ذلك، التَّعبير عنها
بوحداتٍ من النقد لها ذات القيمة، سواء أكانت
حقيقية أم مفروضة، التي للسلعة المعنية.
١٢
وإذا انتقلنا إلى وظيفة مخزن القيمة،
فالنقود، الرَّاهنة، لا تختزن إلا قيمتها هي.
وأفضل ما يمكن قوله بالنسبة لها في هذا الشأن
هو أنها تعبِّر عن قيمة «مفروضة» من قِبل
مؤسَّسة الحكم في الدَّولة. هي إذن مخزنٌ
لقيمة، معبِّرة عن قيمة، وليست مخزنًا للقيمة
ككمية من العمل الاجتماعي الحقيقي المتجسِّد في
المنتوج. والطرح برُمَّته ليس تعريفًا وتنكيرًا
إنما هو التعبير الدَّقيق عن التطوُّر في ظاهرة
النقود نفسها؛ فالقول بالنُّقود كمخزن للقيمة
يرتبط بالقيمة الحقيقية التي تحتويها ولا يكون
التغيُّر إلا ابتداءً من تغيُّر في القيمة
الاجتماعيَّة وَفْق الفن الإنتاجي السَّائد.
أما إنها مخزنٌ لقيمةٍ ما، فهذا يعني أن
التغيُّر يكون وَفْق رغبات النظام السياسي
ومقتضيات هيمنة قوًى اجتماعيَّة واقتصاديَّة
داخليًّا وخارجيًّا. إن انسلاخ هذه الوظيفة
التَّاريخية عن ظاهرة النقود خلال مسيرة
تطوُّرها هو أفضلُ تعبيرٍ عن هذا
التطوُّر.
النقود إذن ليست مقياسًا للقيمة، كما أنها
ليست مخزنًا إلا لقيمة، مؤقَّتة، مفروضة عادةً
من قِبل النظام السياسي؛ وبالتَّالي، لم يعُد
ممكنًا النظر إلى وحدات النقود بعد استبعاد
هاتَين الوظيفتَين إلا ابتداءً من وظيفتها
الوحيدة الممكنة والواقعيَّة، وهي وظيفة وسيلة التبادل.
١٣
وظيفة النقود كوسيلة للتبادل، إنما تثير
التَّساؤل عن كمية النقود اللازمة اجتماعيًّا
كي تؤدي النقود وظيفتَها تلك. وهو ما يُوجِب
علينا الانتقال خطوةً فكريةً إلى الأمام من أجل
مناقشة التَّساؤل حول كمية النقود.