الفصل الثالث

كمية النقود

أدرك الاقتصاد السياسي مُبكرًا أن تداول السلع يمكن أن يجري بكمية نقود١ أقل من قيمة السلع المتداولة، فسلع بقيمة ٦٠٠ جنيه، مع سرعة دورانٍ معينة، يمكن تداولها ﺑ ١٠٠ جنيه. الحدَّاد مثلًا يمكنه شراء حذاء ﺑ ١٠٠ جنيه، وحينما يقبض بائع الأحذية هذه اﻟ ١٠٠ جنيه يشتري بها خضروات، وبائع الخضروات يشتري بهذه اﻟ ١٠٠ جنيه لحمًا من القصَّاب. والقصَّاب يشتري باﻟ ١٠٠ جنيه فاكهة من بائع الفاكهة، وبائع الفاكهة يشتري بنفس اﻟ ١٠٠ جنيه جلبابًا، والخياط الذي حاك الجلباب وقبض اﻟ ١٠٠ جنيه يمكنه الآن، وبواسطة نفس اﻟ ١٠٠ جنيه، إصلاح زجاج بيته ودفع نفس اﻟ ١٠٠ جنيه للزجَّاج. وعليه، يمكن تداول كتلة هائلة من السلع بكتلةٍ نقدية تقل كثيرًا عن قيمة هذه الكتلة السلعية.٢ وكلما كانت سرعة انتقال النقود من يدٍ إلى يدٍ أكبر تم تداول سلع بإجمالي قيمة أكبر.٣ وكتلة نقدية أقل نسبيًّا.

وعلى هذا النَّحو وجد الاقتصاد السياسي نفسه، بعد أن حدَّد ماهية النقود والوظائف التي تؤدِّيها، أمام سؤالَين مركزيَّين هما: ما هي كمية النقود الواجب توافرها في المجتمع لتداول السلع والخدمات الموجودة داخله؟ وما هي العلاقة بين كمية النقود والمستوى العام للأثمان؟

١

وحينما طرح الاقتصاد السياسي سؤالَ كمية النقود، انتهى، وعن صواب، إلى أن كتلة النقد اللازمة، طبقًا لقانون القيمة، تساوي مبلغ قيَم السلع مقسومًا على عدد دورانات الوحدات النقدية التي تعبِّر عنها.

«أن كمية العملة … تتحدَّد بقيمة السلع المتداولة» (سميث، ثروة الأمم، المصدر نفسه، الكتاب الرابع، الفصل الأول، ص٢٨٩).
«القانون الذي تتحدد بموجبه كمية وسائل التداول … يمكن صياغته على النحو التالي: إذا علمنا مبلغ قيَم السلع والسرعة المتوسطة لتحولاتها، فإن كمية النقد المتداول أو المادة النقدية تتوقَّف على القيمة الذاتية لهذه الأخيرة» (ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ج١، ص١٧٩).٤

فالجنيه الواحد، كمظهرٍ نقدي للقيمة، الذي يتم تداوله عشر مرات في السنة يؤدِّي نفس الخدمة التي تؤدِّيها عشرة جنيهاتٍ تنتقل من يدٍ إلى يدٍ مرةً واحدة في السنة.

ولكننا نعلم أن قيمة النقود، التي تستقل الدَّولة بإصدارها، هي قيمةٌ مفروضة من قِبل السلطات النقدية حتى لو كانت رابطة وحدتها النقدية بوحدةٍ نقدية أخرى أو أكثر، فإذا قرَّرت الدَّولة، أو قرَّرت الدَّولة الأخرى التي تم ربط الوحدة النقدية بوحدتها النقدية، تخفيضَ القيمة المفروضة للنقود، فسوف تزداد كميَّتها بازدياد كتلة السلع المتداولة أو بانخفاض سرعة الدوران. وإذا قرَّرت الدَّولة، أو الدولة الأخرى، العكس؛ وقامت برفع القيمة المفروضة للنقود؛ فستنخفض كميَّتها بانخفاض كتلة السلع المتداولة، أو بازدياد سرعة الدوران. معنى ذلك أن كتلة السلع لا تتحدَّد بكمية النقود، إنما كمية النقود هي التي تتحدَّد بكتلة السلع المتداولة.٥

٢

وحينما انتقل الاقتصاد السياسي لتحليل العلاقة بين كمية النقود والأثمان لم يرتِّب النتائج المنطقية، بل أخذ في السير إلى الخلف، مُقرِّرًا أن ازدياد كمية النقود يؤدِّي إلى الارتفاع في المستوى العام للأثمان٦ متخذًا من تاريخ أوروبا الاستعمارية دليلًا دامغًا!٧ حيث أدَّت كثرة النقود المنهوبة من أمريكا الجنوبية، التي جرى ضخُّها داخل الاقتصادات الأوروبيَّة إلى الارتفاع في الأثمان؛٨ وبالتَّالي جرى ترتيب النتائج التَّالية: النقود سلعة، وأي زيادة في الطلب على هذه السلعة، غير المصحوب بالزيادة في عرض النقود (أي الانخفاض في قيمة النقود) سيؤدي إلى زيادة قيمتها؛ أي إلى انخفاض المستوى العام للأسعار! وكذلك فإن زيادة عرض النقود (أي الزيادة في كمية النقود) دون زيادة في الطلب عليها يؤدِّي إلى انخفاض قيمتها، كسلعة؛ أي ارتفاع المستوى العام للأسعار!٩ المشكلة أن القراءة غير النَّاقدة قد تفضي إلى التَّسليم بصحة هذه النتائج، ولكن الحقيقة غير ذلك؛ لأنه إذا تم استخراج جرام ذهب قيمته سعرٌ حراري واحد، والمجتمع يحتاج إلى ٢ جرام ذهب (زيادة طلب؛ أي انخفاض في كمية النقود!)، فهذا لا يعني أن الجرام ستصبح قيمته سُعرَين حراريَّين. وإذا تم استخراج جرام ذهب بسُعرَين حراريَّين، والمجتمع يحتاج إلى نصف جرام ذهب فقط (زيادة في العرض؛ أي زيادة في كمية النقود!)، فهذا لا يعني انخفاض قيمة الجرام إلى سُعرٍ حراري واحد. كما أن زيادة الطلب على القمح لن ترفع من قيمته من ٥ سُعرات حرارية إلى ٢٠ سُعرًا حراريًّا. إنما يمكن أن تزداد قيمته التبادليَّة عبْر تأرجُحات السُّوق والتقلبات، بالتَّالي، حول القيمة الاجتماعيَّة. وإذا عُبِّر عن القيمة، قيمة القمح، بوحداتٍ من النقد فيمكن، بسبب تأرجُحات الثمن الجاري حول القيمة الاجتماعية، أن يزيد ثمنه من ١٠ وحدات إلى ٢٠ وحدة. إنما دون أيِّ تغييرٍ في القيمة نفسها. ولعل النتائج المتشابهة هي التي قادت أصحابنا إلى القول السطحي بأن زيادة النقود تؤدِّي إلى الارتفاع في مستوى الأثمان. والحقيقة هي أننا إذا افترضنا أن كمية السلع الموجودة في المجتمع تقدَّر بألف جنيه، وافترضنا أيضًا أن كمية النقود الموجودة تساوي ألفَي وحدة، بمعدَّل دوران مقداره ١٠ مرات، فلن يحتاج المجتمع إلا إلى ١٠٠ جنيه فقط لتداول قيمة السلع المقدَّرة بألف جنيه، وتظل ١٩٠٠ وحدة خارج التداول، إنما متأهبة لأزمة الارتفاع المُزْمِن في المستوى العام للأثمان. دور كمية النقود الفائضة إذن ليس رفع مستوى الأثمان، إنما مجرَّد إتاحة الحركة للميل الكامن في النظام إلى رفع هذا المستوى؛ وبالتَّالي الانتقال من مستوى التَّبادل، وفقًا لقانون القيمة إلى التبادُل الخالق للأزمة. ومن هنا يمكن فهم الفارق بين الربح الرأسمالي المتحقق طبقًا للقانون العام للقيمة، الذي يُعاد ضخُّه في سبيل تجديد الإنتاج الاجتماعي على نطاقٍ موسَّع، وبين الربح الإضافي النَّاتج عن تداول السلع بأكبر من قيمتها الاجتماعيَّة، الذي يجري انتقاله من يدٍ إلى يد، خالقًا لأزمة الارتفاع المزمن في الأثمان؛ فالرأسمالي مُنتج لوسائل الإنتاج يمكنه، في إطار النقد الفائض اجتماعيًّا عن الكمية الكافية، وبعد أن يحقِّق ربحه الرأسمالي، رفعُ أثمان منتجاته محققًا أرباحًا إضافية، ولكن الرأسمالي الآخر، الذي يُنتج مواد الاستهلاك، وبعد أن يحقِّق هو أيضًا ربحه الرأسمالي، سوف يقوم هو كذلك برفع أثمان منتجاته لتعويضِ ما سلبه منه الأوَّل.١٠ وهكذا تنتقل الأرباح الإضافية، هي وهمية في الواقع، من رأسماليٍّ إلى آخر ومن يدٍ إلى يد، محدثةً عبْر انتقالها موجاتٍ من الارتفاعات المتتالية في الأثمان. ارتفاع الأثمان ليس مرجعه إذن الزيادة في المعروض من النقود، كما تحفر النظرية الرَّسميَّة في أمخاخ الطلبة، بل هو ميلٌ كامن في النظام الاجتماعي، وتتيح النقود الزَّائدة عن الكمية اللازمة للتداول السلعي تفعيل هذا الميل؛ ولذلك كان لشح الذَّهب، الذي خرج من الأجزاء المستعمرة، الدور الحاسم في تعطيل الميل الكامن في النظام نحو الارتفاع المزمن في الأثمان؛ فرفعُ الرأسمالي لثمن سلعته لتحقيق الربح الإضافي، في سوقٍ يخلو من الفائض النقدي، المتيح لرفع الأثمان؛ لم يكن يعني سوى بوار سلعته؛ لأنها لن تجد مَن يشتريها؛ وبالتَّالي أصبحَت الأثمان منخفضة، بل ومستقرة، في الأجزاء المستعمَرة.١١ العكس كان في الأجزاء المستعمِرة النَّاهبة للذهب؛ فوجود كميةٍ فائضة من الذَّهب ذي القيمة المنخفضة؛ لاحتكامها على كمية عمل زهيدة؛ قاد باستمرار إلى الارتفاعات المطَّردة والمزمنة في الأثمان. وكانت السلع، ولم تزل، تنتقل من الأجزاء النَّاهبة إلى الأجزاء المتخلفة حُبْلَى بتلك الارتفاعات المزمنة.

يمكننا الآن، بعد أن تعرَّفنا إلى النقود كميًّا وعلاقتها بمستويات الأثمان، الانتقال إلى خطوتنا الفكرية الرَّابعة والأخيرة؛ للتعرُّف إلى عوائد النقود.

١  النقود تتضمن هنا، عمليًّا، العملة والأوراق والودائع المصرفيتَين.
٢  ولذا، ذهب كانتيون إلى الاكتفاء ﺑ ٥٠٠ جنيه فقط، إذا كان الإيجار السنوي للأرض يساوي ١٠٠٠ جنيه، ويُدفع على أقساط نصف سنوية. أما إذا كان الإيجار يُدفع على أقساطٍ ربع سنوية فلا حاجة لنا بأكثر من ٢٥٠ جنيهًا. انظر:
Cantillon, Essay, op. cit., pp. 61-62.
ولقد حدَّد وليم بتي كمية النقود الواجب توافرها بأن تكفي لدفع نصف إيجار سنوي لجميع أراضي إنجلترا، وربع إيجار المسكن، ونفقة أسبوع لجميع الناس، وحوالي ربع قيمة جميع السلع المصدرة. انظر:
The Economic Writings of Sir William Petty, op. cit., p. 298.
٣  «السرعة الأكبر في تداول النقود … تعادل … زيادة في النقود الفعلية.» انظر:
Cantillon, Essay, op. cit., p. 89.
«تمامًا كما هو الحال مع السفينة المستخدمة في نقل البضائع؛ فهي لا تعتمد على حمولتها فحسب، بل على سرعتها أيضًا.» انظر:
William Roscher‏, Principles of Political Economy, Translated by: John J. Lalor, (New York: Henry Holt & Co. 1878), Volume I, p. 247.
«١٠٠٠٠٠ جنيه بإمكانها شراء سلع بمليون جنيه إذا تم تداول القطع النقدية بمعدَّل عشر مرات.» انظر:
J. S. Mill, Principles of Political Economy, op. cit., Book III, Ch. V, p. 348.
٤  ويجب ملاحظة أن ماركس، في الجزء الخاص بتداول النقد في الفصل الثالث، لم يكن على صوابٍ دائمًا في استخدام المصطلح، حينما يستخدم مرةً مصطلح القيمة (مبلغ قيَم السلع) ومرةً مصطلح الثمن (مبلغ أثمان السلع). ولا يمكن تجاوز هذه الملحوظة إلا إذا اعتبرنا أن ماركس يقصد بالثمن، الثمن الطبيعي! وهو مصطلحٌ غير شائع، بل وربما غير موجود، عند ماركس!
٥  جانبَني التوفيق حينما أهملتُ التدقيق في عبارتي التي أوردتُها في الجزء الأول؛ حينما كتبتُ، في الفصل الثالث من الباب الثاني، وبالتحديد في الفقرة ١٢: «… لأن أوروبا حينما غزت قارات العالم الحديث … ضخَّت داخل حدودها نقودًا، ذهبًا وفضة، أدَّت كثرتها إلى انخفاض قيمة المعدن النفيس مع ارتفاع أثمان منتجاتها …» فالعبارة كان يجب أن تُكتب هكذا: «أدت كثرتها، ابتداءً من استخدام كمية عملٍ وفيرة زهيدة، إلى انخفاض قيمتها …»
٦  انظر:
“That the Prices of the Produce or Manufactures of every Nation will be higher or lower, according as the Quantity of Cash circulating in such Nation is greater or less, in Proportion to the Number of People inhabiting such Nation.” Jacob Vanderlint, Money answers all things, op. cit., p. 13.
يتعين أن نلاحظ أن القاعدة العامة، عند كانتيون، هي أن الأثمان ترتفع بارتفاع كمية النقود المتداولة (ج١، ف٥، وف٦) ولكن مضاعفة كمية النقود لا يؤدِّي دائمًا إلى مضاعفة أثمان السلع الأولية والمواد المصنعة؛ حيث إن ازدياد كمية النقود لا يؤثِّر دائمًا بالتساوي في الأثمان بنسبة كمية هذه النقود. (ف٧). انظر: كانتيون، مقال، الجزء الأول، الفصول: ٥، و٦، و٧.
٧  انظر:
“As money is exclusively appropriated to exchange, and does not participate in the nature of produce, which is grown for consumption, an increase of money retained for internal circulation has no effect like an increase of produce to augment the wealth of a nation: the greater the quantity in circulation the lower will be its standard as the measure of equivalency, the greater will be the quantity given in exchange between produce and produce, and the higher will be the price of all things: but as an advance in the price of produce, and a reduction in the value of money are convertible terms, an increase of money has no other effect than to cause its own depression. This effect was sensibly experienced in the reign of Elizabeth, when the remittances from America considerably” J. Wheatley, Essay, op. cit., p. 37.
٨  لنلاحظ أننا لم نسمع منهم حديثًا قط عن طبيعة التغيُّر في الأثمان في الأجزاء التي خرج منها الذَّهب!
٩  انظر:
Geoffrey Crowther, An Outline of Money (London: Thomas Nelson and Sons Limited, 1941), p. 117.
يجب الانتباه هنا إلى أن الحديث عن «قيمة» هذه «السلعة» إنما يجري ابتداءً من المفاهيم الانطباعية التي أخذَت في الهيمنة مع إعلان نهاية الاقتصاد السياسي، على نحوِ ما بيَّنا في الباب الرابع من الجزء الأول.
١٠  نتجاهل هنا قيام كل رأسمالي بإنفاق أجزاء من هذه الأرباح الإضافية، الوهمية، على الاستهلاك، أيًّا كان نوعه. وإذا أدخلنا في التحليل هذا الإنفاق؛ فسوف تكون الأزمة أشد لأنه سيُضطر إلى إعادة تسديد ما أنفقه من ربحٍ إضافي، وحينئذٍ سيكون عليه السَّحب من التراكم، أو الاستدانة!
١١  تلك الظَّاهرة كثيرًا ما أرَّقت ذهن النَّاهب؛ وبالتَّالي عمل دائمًا وبكل الطرق، وبصفة خاصَّة بعد استقلال المستعمَرات، من خلال مؤسَّساته المالية والنقدية الدولية، على تدمير تلك الميزة التي كانت تتمتَّع بها الأجزاء المستعمرة! وكان إجبار البلدان المتخلِّفة، بشتى الوسائل وفي مقدمتها إغراقها في الديون، على تحرير سعر الصرف هو أنسب الطرق التي سلكَتْها قوى الرأسمال الدولي في سبيل إنهاك تلك الاقتصادات ذات الدخول «المنخفضة»، و«المحدودة»! فحينما ترتفع الأثمان في الأجزاء المتخلِّفة تزداد التبعية للخارج؛ إذ لا ترتفع الدخول، نتيجة تحرير سعر الصرف، بنفس نسبة الارتفاع في الأثمان؛ وبالتالي تزداد معدَّلات الفقر الذي يعني، في أبسط صوره، العجز عن الحصول على الحاجات الأساسيَّة التي ترتفع أثمانها كمظهرٍ نقدي لقيمتها، قيمتها التي لم تتغيَّر قط! وهو ما يقود المجتمع بأَسْره نحو المزيد من التبعية بعد فقده القدرة على تجديد إنتاجه الاجتماعي دون الخضوع لمعاقل إنتاج القرار السياسي في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦