الفصل الرابع

عوائد النقود

للبحث في عوائد النقود، التي تتمثل في الفائدة، يجب أن نتعرف، أولًا، إلى أبرز أعمال المصارف، كأكبر متعامل بالفائدة اجتماعيًّا. ثم نتعرَّف، ثانيًا، إلى طبيعة العلاقة الحقوقية بين المُودِع والمصرف بشأن الوديعة التي تدفع عنها. ونتعرَّف، ثالثًا، إلى التطوُّر التاريخي لعائد الإقراض. على أن نتعرَّف، بالتَّالي، إلى كيفية تحديد هذا العائد في علم الاقتصاد السياسي.

١

فمع اتساع دائرة التبادل، تتطور الأفكار المحددة لنشاط التجارة في النقود، فتنشأ المصارف، التي صارت تملكُ ما لا تملكه دول بأَسْرها،١ وتنظِّم الإجراءات وتسنُّ القوانين، التي تهدف في مجملها إلى تنظيم نشاطٍ هو من أخطر الأنشطة الاقتصادية، والأكثر تأثيرًا في واقع الحياة الاجتماعيَّة المعاصرة.
أسعار الفائدة على الودائع والقروض في مصر في الفترة من ٢٠٠٥م حتى ٢٠٢٣م*
السنة العائد على الودائع (٪) العائد على القروض (٪)
٢٠٠٥م ٧٫٦١ ١٣٫٣٥
٢٠٠٦م ٥٫٩ ١٢٫٥
٢٠٠٧م ٦٫١ ١٢٫٦
٢٠٠٨م ٦٫٥ ١٢
٢٠٠٩م ٦٫٥ ١٢٫١
٢٠١٠ ٦٫٣ ١١٫١
٢٠١١م ٦٫٦ ١١
٢٠١٢م ٧٫٧ ١١٫٩
٢٠١٣م ٨ ١٢٫٦
٢٠١٤م ٦٫٧ ١١٫٣
٢٠١٥م ٦٫٨ ١١٫٦
٢٠١٦م ٧٫٥ ١٣٫٤
٢٠١٧م ١١٫٢ ١٨
٢٠١٨م ١١٫٧ ١٨٫٢
٢٠١٩م ١١٫٣ ١٦٫٤
٢٠٢٠م ١١٫٣ ١٦٫٤
٢٠٢١م ٧٫٤ ٩٫٤
٢٠٢٢م ٨٫٦ ١٠٫٥
٢٠٢٣م ١٢٫٢ ١٨٫١
المصدر: البنك المركزي المصري، متوسط معدَّلات العائد للودائع والقروض القائمة، المقدَّمة من ٢٣ مصرفًا، التي تمثِّل ودائعها أكثر من ٨٠٪ من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي.
ففي عالمنا الرأسمالي الرَّاهن يتم تأسيس المصرف، مثل أي شركة مساهمة هادفة للربح، برأسمال المساهمين، ولكن رأسمال التأسيس هذا، على خلاف المشروعات الرأسماليَّة الأخرى، محدود التأثير في نشاط المصرف؛ فليس الأصل في نشاط المصارف قيامها باستخدام رأسمالها هي، بل الأصل استخدامها نقود الغير بعد تحويلها إلى (رأسمالٍ منتجٍ للربح)؛ فالمصرف، كما هو مبيَّن بالجدول أعلاه، يقترض من الأشخاص نقودهم (ودائعهم) لمدةٍ زمنيةٍ معيَّنة في مقابل ثمنٍ محدَّد، للتَّخلي عن السيولة النقدية،٢ يُسمَّى عائدًا أو فائدة، ثم يقوم بإقراض آخرين تلك النقود، إنما كرأسمالٍ منتِج للربح، لمدةٍ زمنيةٍ معيَّنة أيضًا، لقاء ثمنٍ أعلى من الثمن (الفائدة) الذي اقترض به؛ فوفقًا إذن للحركة المركَّبة من فعلَي الاقتراض والإقراض، التي يحكُمها قانون الحركة (ن - ن - ن + ن) يقترض المصرف النقود (ن) ثم يُقرض (ن) تلك؛ كي يحصل في نهاية هذه العملية المركَّبة على (ن) محمَّلة بالربح ( ن). وهو حينما يحصل على (ن + ن) يقوم برد (ن) التي اقترضها مضافًا إليها الثمن المتفق عليه، ويحصل هو على الباقي من الربح؛ فلو افترضنا أن المصرف اقترض ١٠٠٠٠٠٠ جنيه بفائدة ١٠٪ (كمعدَّل للعائد على الودائع) ثم أقرض ما اقترضه بفائدة ١١٪ (كمعدَّل للعائد على القروض) فسيرد إلى الدَّائن ١٠٠٠٠٠٠ قيمة القرض بالإضافة إلى ١٠٠٠٠٠ جنيه فائدة. ويحصل هو على ١٠٠٠٠ جنيه. في جميع هذه العمليات المركَّبة التي يقوم بها المصرف بمناسبة أو بسبب نشاطه يبرُز نفس قانون الحركة (ن - ن - ن + ن)؛ فحينما يضع المصرف، في عملية الاعتماد العادي، تحت تصرُّف الشخص وسائل دفع في حدود مبلغ معيَّن لسحبها نقدًا، أو عن طريق سحب شيكات أو كمبيالات، فإنما في الواقع يقدِّم له (ن) التي سبق وأن حصل عليها بنفس الكيفية في القرض العادي، وعلى المقترِض أن يردَّ المبلغ الذي وُضع تحت تصرُّفه مضافًا إليه الثمن المتفق عليه. وما إن يحصل المصرف على النقود بالإضافة إلى الفائدة (ن + ن) حتى يستكمل الدورة؛ فيرُد (ن) إلى المقرِض + الفائدة، ويحصل هو على الفارق بين ثمنَي الاقتراض والإقراض. هذا الثمن، كما سنرى، هو ربحُ المصرف.
وكذلك الأمر في عملية الاعتماد المستَندي، التي يلتزم المصرف وفقًا لها وبناءً على طلب عميله بتسليم ثمن المبيع في صفقةٍ ما إلى شخصٍ آخر بشرط صحة المستندات التي يقدِّمها الأخير؛ فالمصرف يدفع (ن) بشروطٍ معيَّنة إلى مستفيدٍ يحدده له عميله، ثم يقوم المصرف، خلال وقتٍ معيَّن، بالحصول من عميله على (ن) التي دفعها للمستفيد، بالإضافة إلى ( ن) التي تمثِّل العائد الذي يستحوذ عليه المصرف لقاء ما قام به من نشاطٍ اقتصادي.
وحينما يتعهَّد المصرف، في عملية الضَّمان أو الكَفَالة، بناءً على طلب عميله بدفع مبلغٍ معيَّن، أو قابل للتعيين، لشخصٍ آخر، فإنما يُقرِض (ن) التي اقترضها من أجل الصيغة (ن + ن) التي تنحل إلى نقود المقرض + فائدة. والأخيرة تنحل بدورها إلى فائدة لمقرض المصرف، وربحٍ للمصرف المقرض.
سعر الخصم في مصر في الفترة من ٢٠٠٦م حتى ٢٠٢٣م*
السنة سعر الخصم (٪)
٢٠٠٦م ٩
٢٠٠٧م ٩
٢٠٠٨م ٩
٢٠٠٩م ٩
٢٠١٠م ٨٫٥
٢٠١١م ٨٫٥
٢٠١٢م ٩٫٥
٢٠١٣م ١٠٫٢٥
٢٠١٤م ٨٫٧٥
٢٠١٥م ٩٫٢٥
٢٠١٦م ١٢٫٢٥
٢٠١٧م ١٧٫٢٥
٢٠١٨م ١٧٫٢٥
٢٠١٩م ١٦٫٢٥
٢٠٢٠م ١٦٫٢٥
٢٠٢١م ٨٫٧٥
٢٠٢٢م ١١٫٧٥
٢٠٢٣م ١٨٫٧٥
المصدر: نفسه.
وربما تميَّزت عملية الخصم، كإحدى عمليات المصارف، ودون أن يتغير في الأمر أي شيء، بحصول المصرف على العائد مقدمًا؛ ففي عمليات الخصم يقوم المصرف مقدمًا بدفع قيمة صك قابل للتداول، كالكمبيالة،٣ إلى المستفيد في هذا الصَّكِّ، مقابل نقل ملكيته إلى المصرف، مع التزام المستفيد بردِّ القيمة الاسميَّة إلى المصرف إذا لم يقُم المدين الأصلي بدفعها.

وبالإضافة إلى جميع هذه العمليات، وغيرها مما يرتبط بها، تُوجَد عملية لا تقلُّ في أهميَّتها عن باقي العمليات التي تقوم بها المصارف، هذه العمليَّة هي خلق وسائل الدفع، وهي عمليةٌ نابعة، في التَّحليل النهائي، من الدور الذي تؤدِّيه النقود نفسها كوسيلة تبادل؛ فالمصرف ابتداءً من هذا الدور الذي تؤدِّيه النقود يمكنه اقتراض ١٠٠ جنيه من الأفراد، ويقوم بتجنيب جزء من هذا المبلغ وفق السياسة النقدية المتبعة، وليكن ٢٠ جنيهًا، وإقراض ٨٠ جنيهًا. ثم يقوم المقترض بإيداع اﻟ ٨٠ جنيهًا في حسابه في المصرف المقرِض أو في أي مصرفٍ آخر كي يمكنه سحب الأوراق التجارية عليه (كالشيكات والكمبيالات)، فيقوم المصرف بتجنيب ١٥ جنيهًا مثلًا، ويُقرض الباقي، وقدره ٦٥ جنيهًا، لشخصٍ ثانٍ، فيقوم الأخير، لدواعي معاملاته التجارية، بإيداع المبلغ المقترض في نفس المصرف أو مصرفٍ ثانٍ كي يمكنه كذلك سحب الأوراق التجارية عليه، وبدوره يقوم المصرف بتجنيب الجزء القانوني من المبلغ المودَع، ويُقرض الباقي لشخصٍ ثالث. وهكذا يمكن أن يكون لدى المصرف ١٠٠ جنيه، ولكن الكم المتداول يفوق هذه اﻟ ١٠٠ جنيه بنسبٍ مضاعفة. وبتلك المثابة تخلق المصارف وسائل دفع (يسمُّونها أشباه نقود) بشكلٍ مستمر، تفوق قَدْر النقود المصدرة من قِبل المصارف المركزية؛ فوفقًا للجدول أدناه، وعلى سبيل المثال، نجد أن النقود تمثِّل ٣١٫٢٣٪ من إجمالي السيولة في الأردن، و٤٣٫٣٠٪ في الإمارات، و٢١٫٩٠٪ في البحرين، و٤٦٫٤٩ في تونس، و٦٦٫٩٢٪ في الجزائر، و٥٢٫١٣٪ في السودان، و٢٢٫٥٠ في قطر، و٢٣٫٥٠٪ في مصر.

مكوِّنات السيولة المحلية في بعض البلدان العربية (٢٠٢٢م)*
البلد النقود (٪) شبه النقود (٪)
الأردن ٣١٫٢٣ ٦٨٫٧٧
الإمارات ٤٣٫٣٠ ٥٦٫٧٠
تونس ٤٦٫٤٩ ٥٣٫٥١
الجزائر ٦٦٫٩٢ ٣٣٫٠٨
السعودية ٦١٫٢٤ ٣٨٫٧٦
السودان ٥٢٫١٣ ٤٧٫٨٧
العراق ٨٧٫٠٤ ١٢٫٩٦
قطر ٢٢٫٥٠ ٧٧٫٥٠
الكويت ٣٠٫٠٨ ٦٩٫٩٢
لبنان ٤٣٫١٠ ٥٦٫٩٠
مصر ٢٣٫٥٠ ٧٦٫٥٠
المغرب ٧١٫٠٠ ٢٩٫٠٠
موريتانيا ٨١٫٣٧ ١٨٫٦٣
المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد، ٢٠٢٣م، ص١١٦.

تلك الإمكانية التي تستأثر بها المؤسَّسة المصرفية تتيح للمصارف التوسُّع في تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية بأكثر من الودائع بالعملة المحلية، أو بالعملات الأجنبية؛ فعلى سبيل المثال، ووفقًا للجدول أدناه، سنجد أن قيمة القروض والتسهيلات الائتمانية بالعملة المحليَّة، على سبيل المثال، في البحرين، وتونس، والجزائر، والمملكة السعودية، وعُمان، وقطر، والكويت، والمغرب، وموريتانيا، تفوق قيمة الودائع بالعملة المحلية المُعَدَّة للإقراض!

الودائع والقروض في بعض البلدان العربية (٢٠٢٢م) بالمليون وحدة نقدية*
البلد الودائع بالعملة المحلية القروض والتسهيلات الائتمانية بالعملة المحلية الودائع بالدولار الأمريكي القروض والتسهيلات الائتمانية بالدولار الأمريكي
الأردن ٣٦٨٠٩٫٠ ٤٥٨٦١٫٩ ٥١٩١٦٫٨ ٦٤٦٨٥٫٣
الإمارات ١٩٩٦٤٩١٫٠ ١٦٥١٤٣٧٫٠ ٥٤٣٦٣٢٫٧ ٤٤٩٦٧٦٫٥
البحرين ١٥٤٨١٫٠ ١٩٤٦٦٫٦ ٤١١٧٢٫٩ ٥١٧٧٢٫٩
تونس ٨٥٢٥١٫٠ ١٢٣٩١٧٫٦ ٢٧٥٠٠٫٣ ٣٩٩٧٣٫٤
الجزائر ١٤٦٤٥٧٧٩٫٠ ١٨١٥٣١٤٩٫٢ ١٠٢٩٧٠٫١ ١٢٧٦٢٩٫٤
السعودية ٢٢٩٥٤٠٦٫٠ ٣٠١٠٧٤٤٫٨ ٦١٢١٠٨٫٣ ٨٠٢٨٦٥٫١
السودان ٣٢١٨٥٤٢٫٠ ١٨٣٤٦٤٠٫٠ ٦٤٣٠٫٢ ٣٦٦٥٫٣
عُمان ٢١١١٧٫٠ ٢٣٢٩٥٫٠ ٤٥٩٢٠٫٧ ٦٠٥٨٥٫٢
قطر ١٠٠٦١٦٨.٠ ١٤٥٤٦٠٠.٢ ٢٧٦٤١٩٫٨ ٣٩٩٦١٥٫٤
الكويت ٤٠١٠٠٫٠ ٤٤٦٣١٫٢ ١٣٠٨٧٤٫٧ ١٤٥٦٦٣٫٢
لبنان ١٦١٣٠٢٩٥٣٫٠ ٤٤٥٣٢٦٣١٫٣ ٥١٧٢٫٦ ١٤٢٨٫٩
مصر ٨٥٢٣٠٥٧٫٠ ٨٤٤٩٣١١٫٠ ٥١٨١١٩٫٠ ٥١٣٦٣٥٫٠
المغرب ١١٣٣١٤٢٫٠ ١٤٠٧٨٠٠٫٠ ١١١٥٢٩٫٧ ١٣٨٥٦٣٫٠
موريتانيا ٩٣٨٣٠٫٠ ٩٩٧٣٠٫٠ ٢٥٣٢٫٣ ٢٦٩١٫٥
اليمن ٣٧١٥٥٠٠٫٠ ٢٣٠٦٣٠٠٫٠ ٣٥١٧٫٨ ٢١٨٣٫٦
المصدر: نفسه، ص١١٩.

٢

بعد أن تعرَّفنا، باختصار، إلى أبرز أعمال المصارف القائمة على الودائِع بصفةٍ خاصَّة، يتعيَّن أن نتعرف إلى طبيعة العلاقة الحقوقيَّة بين المُودِع والمصرف بشأن الوديعة التي يتلقَّاها الأخير من الأول ويدفع عنها الفائدة؛ فلقد جرى ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر استخدام مصطلح «وديعة» لستر العلاقة الحقيقية التي تتجسَّد في القرض المحرَّم في التَّعاليم الكَنسية.٤ ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف «ودائع المصارف المأذون باستعمالها» إلى استخدام لغة مصطلحيَّة مضلِّلة من جهة، وإلى عدم التَّحليل الحقوقي السليم لطبيعة العملية نفسها من جهةٍ أخرى.

وعلى الرغم من أن المشرِّع في مصر قد حسم المسألة، بعباراتٍ صائبة، حينما قرَّر في المادة ٧٢٦ من التقنين المدني: «إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود … وكان المودَع عنده مأذونًا له في استعماله اعتُبر قرضًا.» فإن المشكلة تبدأ حينما يستخدم المشرِّع نفسه مصطلح «الملكية»! كما في المادة ٣٠١ من قانون التجارة، حينما يقرِّر أن: «البنك يتملك النقود.» وحينما يقرِّر صراحة أيضًا في المادة ٥٣٨ من التقنين المدني أن: «المقرِض في عقد القرض ينقل ملكية مبلغٍ من النقود إلى المقترِض.» وهو نصٌّ يوحي بأن النقود انتقلَت ملكيتها الكاملة من المقرِض إلى المقترِض؛ وبالتَّالي صار يسيرًا ترتيب النتائج على ذلك حينما تهلك النقود، فهي تهلك على المصرف؛ لأنه المالك بموجب نص المادة! وهذا غير صحيح؛ والدليل، أن النقود التي يقترضها المصرف تقيَّد في ميزانيته في جانب الخصوم لا الأصول. كما أن ترخيص المشرِّع للمصرف بأن يدفع طلب الاسترداد بالمقاصة يؤكِّد على أن المصرف لم يكن مالكًا قط للنقود المودَعة. أضف إلى ذلك أن التزام المصرف بالرد سينعدم، بمجرد الاعتراف بملكية المصرف للنقود! وحينما نبحث عن «سبب التزام» المصرف؛ أي سبب دفع المصرف المبلغ السَّابق إيداعه، مع افتراضِ ملكية المصرف له، فإذا قلنا إن سبب الالتزام هو العقد، فلن يكون أمامنا سوى القول بأن مصدر الالتزام هنا سيكون الهبة والإرادة المنفردة، وهو قولٌ يتنافى مع الواقع والمنطق الفقهيَّين السليمَين.

ونحن نرى أن التغلْغل في عمق عملية الإيداع النقدي، المقترن بالإذن بالاستعمال، إنما يجعلنا أمام عقد قرضٍ قائم على إيجار للنقود مع بقاء الملكية للمقرِض. هذا الإيجار يتضمن بطبيعته بيع حَقَّي الانتفاع والاستغلال. وبيع هذَين الحقَّين هو بمثابة بيع حصة، نصيب، في الشيء الذي يهلك مع كل انتفاع به واستغلال له (والنقود تهلك بتراجُع قوتها الشرائية) ويمكننا أن نقارن، على هذا النَّحو، بين الرأسمالي الذي يبني بيتًا وفقًا لقانون الحركة (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن) بقصد تأجيره، وبين الرأسمالي الذي يستثمر النقود بإقراضها للمصرف؛ فالأول يحصل على ربحه ببيع حق الانتفاع والاستغلال للمستأجر. ومع الانتفاع والاستغلال عبْر الزمن يأخذ البيت في التهالك حتى يصبح غير صالح لأيٍّ من الانتفاع والاستغلال؛ إذ في كل مرة تُباع فيها المنفعة لشخصٍ ما تأخذ قيمة البيت في التراجع. ومع كل تراجُع في القيمة، يحصل الرأسمالي، على دفعات، على رأسماله محملًا بالربح. أما الرأسمالي الثاني الذي أقرض المصرف، وفق قانون الحركة (ن - ن + ن) فهو كذلك يحصل على دخله من وراء هذه العملية حتى تصبح نقوده، مع تراجع قوَّتها الشرائية عبْر الزمن، غير قادرة على إنتاج الدَّخل، فلو افترضنا أنه يملك في عام ١٩٦٠م مبلغ ٤٠٠ جنيه، فسوف يظل يقرِض المصرف هذا المبلغ، ويحصل على الفائدة. وفي كل مرة يُراكم الفائدة ويُعيد إقراض نفس مبلغ الرأسمال، حتى تصبح اﻟ ٤٠٠ جنيه غير ذات قيمة كي يقرضها للمصرف بالأساس، ولكن هذا الرأسمالي عبْر سنوات الإقراض يكون قد حصل على قيمة اﻟ ٤٠٠ جنيه حتى تمام هلاكها في عام ٢٠١٠م، بتراجع قوَّتها الشرائية وفقدها القدرة على إنتاج الربح.٥ وبالتَّالي يُعَد إيداع النقود مع الإذن باستعمالها قرضًا بتلك الكيفية التي ترى بقاء ملك الرقبة للمقرِض، وانتقال ملك المنفعة والاستغلال فحسب للمقترِض.٦ وعلى هذا النحو يمكن التأسيس لعدم هلاك الوديعة على مالك الوديعة، وهلاكها على المصرف على الرغم من أنه غير مالك، وفقًا لقاعدة تضمين الصَّانع. وهي قاعدة أصوليَّة جرى خلقها للمصلحة،٧ ويجب تطبيقها من باب أولى مع المصارف؛ لا لأن الوديعة التي يستخدمها تجرُّ عليه نفعًا فحسب، بل ولأن المصارف كذلك هي الطرف الأقوى والأكثر وعيًا ودراية، حتى إنه لمن الشَّائع والمألوف خروج المشرِّع على القواعد العامة حينما يكون المصرف هو أحد أطراف النزاع، كما في قواعد الحجز، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار … إلخ.

٣

فلنحاول الآن إعادة فهم طبيعة العائد على النقود وتطوره عبْر حركة التاريخ. ولنبدأ من هذا المُرابي في الشرق القديم، سواء أكان شخصًا من الأثرياء أم كاهنًا من كهنة المعبد؛ فهو يملك النقود ويُقرِضها لمن يحتاج إليها، لمدةٍ محدَّدة في مقابل فائدةٍ معينة. وسنجد أن المشرِّعين والحكَّام كثيرًا ما تدخَّلوا لكبح نهَم المُرابين والحد من جشَعهم، وتنظيم أسعار الفائدة التي يتقاضَونها على القروض التي يقدِّمونها للأفراد، أو حتى للنظام السياسي نفسه.٨ هذا المُرابي، الذي سيتحول إلى صيْرفي، لم يقتصر دوره عند حدود الإقراض بفائدة، بل سيقوم من خلال هذا التَّحول الشكلي بكلِّ ما من شأنه أن يرتبط بالنقود من أعمال الصرف، والرهن، والحفظ،٩ بصفةٍ خاصَّة للذهب والفضة التي يملكها الأشخاص سواءً أكانوا من الأفراد العاديين أم من التجار، في مقابل صكوكٍ يصدرها تُفيد ملكية هؤلاء لكميةٍ معيَّنة من المعدن في حوزته. ولم يكن من الضروريِّ مع كل نشاطٍ اقتصادي يقوم به المُودِع أن يسحب المعدن الذي في حوزة الصَّيْرفي، بل جرى تداول الصكوك المُصدَرة من قِبل تجار النقود بين التجار أنفسهم، ليس في داخل الاقتصاد فحسب إنما استُخدمَت تلك الصكوك أيضًا في التجارة الخارجيَّة، بل وأصبح النظام السياسي نفسه أحد المشاركين بالتجارة في النقود. حتى تلك الفترة التاريخيَّة كان الربا، كمُرادفٍ للفائدة، موضع استهجان وتحريم؛ فنصوص العهد القديم، التي كُتبَت في القرن الرَّابع قبل الميلاد، تُنهى بنصوصٍ مجملة، مثل معظم التقنينات البابلية المدوَّنة في العالم القديم، عن الإقراض بالربا.١٠
وفي العالم الوسيط، فلعل تأسيس الفقهاء المسلمين، الذي استمر بجدية طيلة أربعة قرونٍ ممتدة من القرن السَّادس حتى القرن العاشر، لنظريةٍ في الرِّبا جعل في حوزتنا نظريةً متماسكة؛ بصفةٍ خاصَّة وأن العملية (كقرضٍ بمقابل) تقوم على مفهومٍ مختلف، بل وأكثر عمقًا، عن المفهوم الذي ستتبنَّاه النظرية الاقتصادية ذات المركزية الأوروبيَّة، وابتداءً من هذا المفهوم المختلف ستكون أكثر اتساعًا تلك العملية التي يُخضِعها الفقه للمناقشة من تلك التي ينشغل بها العلم الاقتصادي؛ فالربا، في فقه الشريعة، يقوم على ظاهرة «الزيادة» في الشَّيْء.١١ وبالتالي اتسعت دائرة المُناقَشة لتشمل جميع صور الزيادة (التي تؤدي إلى أي خللٍ في المراكز أو العلاقات التعاقدية المتكافئة في مجتمعٍ تسوده ظاهرة التبادل): فمفهوم الرِّبا يشمل الرِّبا الذي شاع قبل الإسلام، بأن يبايع أحدهم الرجل إلى أجل، فإذا حل الأجل زاد في الربح، وزاد الآخر في الأجل.١٢ كما يشمل الوفاء قبل الأجل بشرط دفع قيمةٍ أقل.١٣ أو البيع بثمنَين المؤجَّل منه أعلى من الحال، كأن يبيع سلعةً بعشرةٍ نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجلٍ.١٤ كما يشمل أيضًا التفاضل في الجنس الواحد من المَكيل والموزون.١٥ بل وحتى بيع الثمار دون أن تَطيب، وبيع الطعام قبل قبضه، والنقصان في الكيل والميزان كذلك أدخله فقه الشريعة١٦ في دائرة الرِّبا؛ فالربا، كما فهمه رجال الشريعة ونفهمه نحن، هو كل ما من شأنه أخذ مال الإنسان من غير عِوَض، في علاقةٍ تعاقدية يشوبُها أحد عيوب الإرادة المجرَّدَة (بخاصَّة الاستغلال والإكراه، وبالأخص: الإكراه المعنوي).١٧ ولتلك المساحة الشَّاسعة التي تقع في دائرتها المعاملات المالية الربوية، لم تقرِّر الشريعة عقوبةً ماديةً دنيوية، كالتي فُرضَت للقتل والسرقة والزنا! وبالتالي، وعلى الرغم من أن النبي مات قبل أن يبيِّن لصحابته آيات الرِّبا التي قال عمر إنها آخر ما نزل من القرآن!١٨ كان من الضروري، في الشريعة، إحاطة تلك العمليَّة بأقصى درجات التَّرهيب؛ إذ جرى النهي عن أكل الربا، وعن الشهادة على الربا، وعن كتابة الربا، وعن إطعام الربا؛ فهؤلاء كلهم قد تعاونوا على هذا الإثم والعدوان، وكلٌّ قد أخذ بحظه من الحرام.١٩ ويصل الترهيب والوعيد ذروتهما بتكفير آكل الربا، وإخراجه من الملة.٢٠ ولم يقتصر الأمر على هذا الترهيب، بل التنبؤ كذلك بشيوع هذا الإثم العظيم، حينما يأتي على النَّاس زمانٌ لا يبقى أحد إلا أكل الربا، ومن لم يأكل منه يُصيبُه من غباره.٢١
وقد ترتَّب على الارتباط بمفهوم «الزيادة» على هذا النَّحو، ستُّ نتائج جوهرية: أولًا: الرضا بالربا، بين المتعاقدَين، لا يبيحه، لتعلُّق المعاملة بأَسْرها بالنظام العام في الشريعة، الذي لم يُتِحْ للأفراد أي مساحة للاتفاق على مخالفتها؛ فمجرد توافر أحد الأشكال المجرَّدَة لعيوب الإرادة يوجب بطلان التَّعاقد. ثانيًا: معرفة معدَّل الربح الاحتمالي السَّائد اجتماعيًّا «لا يُجيز» تحديد الفائدة على أساسٍ منه؛ فالحكم الشرعي قطعي الثبوت والدلالة ولا سبيل للانحراف عنه. ثالثًا: النَّهْي عن «الزيادة» القائمة على تعيُّب الإرادة، وبالتَّالي الإخلال بالتكافؤ في العقود يستصحب، بمفهوم الموافقة، النَّهي عن النقصان المفضي إلى العدوان على الذِّمَّة المالية لأحد المتعاقدَين لصالح المتعاقد الآخر. رابعًا: في الوقت الذي رفضَت فيه الشريعة الإخلال بالتوازن في العقود المالية بتحديد القَدْر المعلوم من الربح سلفًا، تم تقديم نظريةٍ بديلةٍ قائمةٍ على توزيع الربح بين رب المال والمضارب وَفقَ جزء معلوم النِّسْبَة، لا القَدْر؛٢٢ فالأصل في الشَّرِيعة إذن تحديد نسبة من الربح، في حال تحقُّقه، لا قيمة محددة مُسبقًا تجب دائمًا حتى في حال عدم تَحقُّق الربح؛ وهو ما يُخل بالعلاقات التعاقديَّة المفترض توازنُها. خامسًا: لم يعُد مهمًّا الانشغال بالبحث في القانون الموضوعي الحاكم لمعدَّل الفائدة، لسببٍ يُضاف إلى قاعدة عدم انشغال الفقه الإسلامي إلا بالحكم الشَّرْعي، وليس القانون المَوْضُوعي الحاكم للظَّاهرة، هذا السبب هو تحريم الرِّبا شرعًا؛ فلا محفِّز إذن للبحث عن قواعد تحديده. سادسًا: صارت السَّاحة خالية تمامًا أمام غير المسلمين للاشتغال بأعمال الصرف والربا، بخاصَّة من اليهود الذين استفادوا جيدًا من خبراتهم المتراكمة عبْر مئات السنين في تلك الأعمال٢٣ (وهي التي نبذها المسلمون على الأقل في القرون الأولى قبل إدماج اقتصاداتهم في النظام الرَّأسمالي العالمي المعاصر، كأجزاءٍ تابعة!). وبالتَّالي تمكَّنوا؛ أي اليهود، من التحكُّم تدريجيًّا في مفاصل الاقتصادات القوميَّة في مرحلةٍ أولى، ثم الاقتصاد العالمي في مرحلةٍ ثانية.
أما في النظرية الاقتصادية، ذات المركزية الأوروبيَّة، فبعد أن كانت النقود عقيمًا لا تلد كما قال أرسطو، وبعد أن كان المُرابي هو أكبر عدوٍّ للإنسان بعد إبليس مباشرة، كما ذهب مارتن لوثر، بدأَت الأفكار الخاصَّة بالفائدة تتبلور إنما دون ارتباطٍ بمفهوم الزيادة، القائمة على العدوان، بل بالارتباط بظاهرة «استعمال» النقود ذاتها؛ فلقد جرى العمل، مع انتقال ظاهرة تسليع الرأسمال إلى حقل النشاط الاقتصادي، على نفي شبهة الاستغلال القديم، كما تم بالتالي التخلُّص تدريجيًّا من السمعة التاريخيَّة السيئة للمُرابي؛ من خلال إنشاءٍ منظَّم للمصارف على نطاقٍ متَّسع وإحاطة أعمالها بسياجٍ من الغموض والتضليل والتعقيد والألغاز للغالبية من المتعاملين معها! ولم تعُد تلك المؤسَّسات، على الأقل في الظاهر، من الضَّواري التي تفتك بفريستها، حينما تعجز، وعادةً ما تعجز، عن السداد، بل أمست، كما يُقال، مؤسَّساتٍ قوميَّة ذات أدوارٍ وطنية! وأصبحَت، كياناتٍ عملاقةً بإمكانها، كما يُقال أيضًا، تحريك الاقتصَاد الوطني حينما يكفُّ عن السير!٢٤ ومن ثَم تغيَّرت النظرة إلى طبيعة العائد الذي تحصُل عليه من وراء نشاطها.٢٥ ومن جهةٍ أخرى كما جرى افتراضُ الربح دائمًا، دون النظر، بوعي أو بدون وعي، إلى مصدر هذا الربح الدَّائم! وهو الذي ينتُج، على الدوام بالنسبة للمصرف، عن الفارق بين سعرَي الاقتراض والإقراض. وابتداءً من هذه النظرة المختلفة للفائدة قام الاقتصاد السِّياسي، كمنتجٍ أوروبي، بتحديد الفائدة؛ إذ حدَّدها كظاهرة، وعن صواب، على أساسٍ من معدَّل الربح الوسطي السَّائد اجتماعيًّا.٢٦ فكانتيون، وعلى الرغم من أنه رأى أن معدَّل فائدة النقود في الدولة يتحدَّد من خلال العدد النسبي للمقرِضين والمقترِضين، كما تتحدَّد الأثمان عن طريق التناسب في الأسواق بين كمية الأشياء المعروضة للبيع وكمية النقود المعروضة للشراء، أو بما هو نفسه العدد النسبي للمشترين والبائعين٢٧ إلا أنه سيأخذ، في نهاية المطاف، بمعدَّل الربح الوسطي كمحدِّد للفائدة، وذلك حينما يذهب إلى أن ثمن السلعة التي يُنتِجها الصَّانع، الذي لديه الرأسمال، تتكون من نفقة الصَّانع وعُماله، وقيمة المواد التي يستخدمها، بالإضافة إلى الربح. أما الصَّانع، الذي ليس لديه الرأسمال، فإنه يقترضُ النقود؛ وبالتَّالي يتخلى عن ربحه لمن يُقرِضه.٢٨ ولا يمكن فهم التَّخلي عن الربح، وفقًا لكانتيون على هذا النَّحو، إلا ابتداءً من افتراض أن سعر الفائدة متوافق مع معدَّل الربح السَّائد اجتماعيًّا.٢٩ ولقد كان سميث واضحًا تمامًا حينما بيَّن أن:
«النسبة التي ينبغي أن يحملها السعر السُّوقي المعتاد للفائدة قياسًا على المعدَّل العادي للربح تتبدَّل بحكم الضرورة مع ارتفاع أو انخفاض الربح» (سميث، ثروة الأمم، الفصل التاسع، ص٢٣٤).٣٠

وكذلك قرَّر ريكاردو صراحةً أن:

«معدَّل الفائدة … في النهاية وباستمرارٍ محكوم بمعدَّل الربح» (ريكاردو، مبادئ الاقتصاد السياسي، الفصل الحادي والعشرون، ص٢٣٤).

ولم يخالف ماركس أسلافه، في تحديد الفائدة وفق معدَّل الربح السَّائد، بل استكمل فكرتهم بمزيد من الوضوح، حينما رأى أن:

«الفائدة هي محض جزء من الربح يدفعه الرأسمالي الصناعي إلى الرأسمالي النقدي … لذلك يبدو أن الحد الأقصى للفائدة هو الربح نفسه … أن الفائدة ترتفع أو تنخفض مع الربح الإجمالي … أن انقسام الرأسماليين إلى رأسماليين نقديين ورأسماليين صناعيين، هو الذي يحول جزءًا من الربح إلى فائدة، وهو الذي يخلق مقولة الفائدة عمومًا. أن المنافسة بين هذَين الصنفَين من الرأسماليين بالذات هي التي تخلق سعر الفائدة» (ماركس، رأس المال، ج٣، ق٥، ف٢٢، ص٥١٦، و٥٢٢).٣١
بَيْد أن تحليلَ الاقتصادِ السياسي عائدَ النقود كعمليةٍ واحدة؛ أي عملية الفائدة في صورتها التقليديَّة البسيطة على هذا النحو، حال بينه وبين التَّحليل السليم لطبيعة العائد الذي يحصل عليه المصرف؛ فإذا كنا نعرف أن الفائدة تتحدَّد وفق معدَّل الربح الوسطي السَّائد، فنحن لا نعرف لماذا يحصل المصرف على ٤٪، ولا يحصل على ٣٪، أو ٦٪؟ فالمصرف يقترض ١٠٠ جنيه بفائدة قدرها ١٨٪، ويُقرِضها بفائدة، يدفعها المقترِض، قدرها ٢٠٪. وبالتَّالي يكون معدَّل الربح الوسطي مقدرًا ﺑ ٢٠٪.٣٢ والمصرف عندئذٍ يحصل على ٢٪ عن مجمل رأسماله المُستثمَر، ولكن الاقتصاد السياسي لم ينشغل، في إطار تلك العملية المركَّبة من فعلَي الاقتراض والإقراض، بتحليل طبيعة الفارق النقدي الذي يحصُل عليه المصرف. ولفهم هذه الطبيعة يتعيَّن استعادة مذهب الاقتصاد السياسي نفسه في تحديد ربح التاجر؛ فالرأسمالي المحكوم بقانون الحركة (ن - [ق ع + و إ] - س - ن + ن) يتخلى للتاجر، سواء أكان تاجر جملة أم تجزئة، الذي يحكُم نشاطَه قانونُ الحركة (ن - س - ن + ن) عن جزءٍ من ربحه ليس حبًّا في التَّاجر؛ إنما لأن هذا التاجر يمثِّل بالنسبة له منفذ توزيعٍ لسلعته؛ فلو قام الرأسمالي بتصنيع السلعة، وكذلك بيعها للمستهلك من خلال منافذ توزيعه، لحصل على معدَّل الربح الوسطي كاملًا، ولكنه يجد من مصلحته عادةً أن يترك مهمة البيع للمستهلك لطائفةٍ أخرى من الرأسماليين هم أصحاب الرأسمال التجاري، ويركِّز نشاطه في عملية التَّصنيع فقط؛ ولذلك، يرى نفسه مضطرًّا للتنازل عن جزء من القيمة الزَّائدة، التي كان يجب أن يضعَها في جيبه، إلى الرأسمالي الذي يقوم، نيابةً عنه، بفعل البيع. وحينئذٍ، على الرأسمالي التجاري أن يحصُل، طبقًا لقيمة الرأسمال الضروري الموظَّف، على هذا القَدْر من الربح المحدَّد سلفًا بأقل قدر من النفقة. وبنفس المنطق؛ على مقرِض النقد أن يتخلى عن جزء من ربحه الذي يجب أن يحصل عليه كاملًا وفق معدَّل الربح الوسطي السَّائد اجتماعيًّا، حينما يعطي المقترِض النقود؛ فإذا كان الرأسمالي التجاري منفذ توزيع للرأسمالي الصناعي، فإن المقترِض هو محض مشغِّل لنقود المقرِض؛ وهو، على هذا النحو، يتخلى له عن جزء من ربحه مقابل هذا التَّشغيل؛ ومن ثم يكون لسان حال المصرف لجمهور المقرِضين المحتمَلين أنه بإمكانه تشغيل نقودهم بأعلى عائد وبأقل خصمٍ ممكن من هذا العائد. وعلى المصرف نفسه أن يحقِّق لنفسه هذا القَدْر الذي يجري التخلي عنه من القيمة الزَّائدة الكلية بأقل قَدْر من النفقة، كما يفعل التَّاجر بالتمام والكمال من أجل الحصول على القَدْر المحدَّد من القيمة الزَّائدة الذي تخلى الرأسمالي الصناعي عنه لصالحه كمنفذ توزيع.

•••

هكذا نكون انتهينا من دراسة وسيلة التبادل، واقتصادات النقود. وابتداءً مما انتهينا إليه على هذا النَّحو يمكننا دراسة النشاط الاقتصادي للدولة. وهو ما سنقوم به في الجزء الثالث.

١  انظر، قيمة أصول أكبر ١٠ مصارف في قائمة أكبر مائة مصرف على الصعيد العالمي، من جهة قيمة الأصول التي تملكها (لسنة ٢٠٢٢م) فأصول مصرفٍ واحد من تلك المصارف العشرة تفوق ميزانيات عشرات الدول!
الترتيب المصرف الجنسية قيمة الأصول بالمليار دولار أمريكي
١ المصرف الصناعي والتجاري الصيني الصين ٥٥٣٦٫٥٣
٢ مصرف التعمير الصيني الصين ٤٧٦٢٫٤٦
٣ المصرف الزراعي الصيني الصين ٤٥٧٥٫٩٥
٤ مصرف الصين الصين ٤٢٠٦٫٥٣
٥ جي بي مورجان تشيس الولايات المتحدة ٣٧٤٣٫٥٧
٦ ميتسوبيشي يو إف جيه اليابان ٣١٧٦٫٨٤
٧ مصرف أمريكا الولايات المتحدة ٣١٦٩٫٥٠
٨ إتش إس بي سي إنجلترا ٢٩٥٣٫٦٤
٩ بي إن بي باريبا فرنسا ٢٩٠٥٫٨٣
١٠ كريدي أجريكول فرنسا ٢٦٧٤٫٣٥
المصدر: The World’s 100 Largest Banks, 2022.
The Majority of the Banks were ranked by total assets as of Dec. 31, 2022 and the data was compiled April 12, 2023. In the previous ranking published April 12, 2022, most company assets were as of Dec. 31, 2021, and were adjusted for pending and completed M&A as of March 31, 2022.
٢  بما يتضمَّن ذلك، بالضرورة، من تخلٍّ عن إمكانية توظيفها إنتاجيًّا.
٣  طبقًا لتقرير البنك المركزي المصري (٢٠٢٣م) بلغَت قيمة الكمبيالات المخصومة من الحكومة ٥٥٫٢٨ مليار جنيه في سبتمبر ٢٠٢٣م. كما بلغَت قيمة الكمبيالات المخصومة من قطاع الصناعة نحو ١٫٩١ مليار جنيه في أغسطس ٢٠٢٣م. ومن القطاع التجاري بلغ الخصم ٣٫٤ مليارات جنيه في أغسطس ٢٠٢٣م. أما أرصدة الكمبيالات المخصومة بقطاع الخدمات فقد بلغت ٦٫٦ مليارات جنيه في أغسطس ٢٠٢٣م.
٤  انظر:
Baudry-Lacantinerie, Albert Wahl, Traité théorique et pratique de droit civil: De la société, du prêt, du dépôt (Paris: Librairie du Recueil général des Lois et des Arrêtés et du journal du palais, 1898), pp. 423-424.
٥  نجد عند إيرفنج فيشر (١٨٦٧–١٩٤٧م) وصفًا قريبًا لهذه العملية بمصطلح «معدَّل الرسملة»، الذي يقصد به عدد السنوات التي يتدفَّق خلالها مبلغٌ من الدخل مساوٍ للرأسمال. انظر:
Irving Fisher, The Nature of Capital and Income (New York: The Macmillan & Co., Ltd, 1906), p. 194.
٦  وليس كذلك وديعة ناقصة، كما تصوَّر السنهوري. انظر: عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، المصدر نفسه، ج٥، ص٤٢٩.
٧  «وخصَّص العلماء من ذلك الصُّناع وضمَّنوهم نظرًا واجتهادًا لضرورة الناس … فلو علموا أنهم لا يضمنون ما تلف لسارعوا إلى أخذ أموال الناس. والضرورة داعية إليهم.» انظر: المعداني، كشف القناع عن تضمين الصُّناع، تحقيق: محمد أبو الأجفان، تونس، الدار التونسية للنشر، ١٩٨٦م، ص٧٣–٧٨. وقال الشاطبي في الموافقات: «إن الخلفاء الراشدين قضَوا بتضمين الصناع. قال عليٌّ رضي الله عنه: لا يُصلِح الناسَ إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصُّناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ؛ فلو لم يثبت تضمينُهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرَين؛ إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاقٌّ على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين.» الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، المصدر نفسه، ج٤، ص٢٩١. وكذلك: الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: سليم الهلالي، الرياض، دار ابن عفان، ١٩٩٢م، ج٢، ص٦١٧؛ مالك بن أنس، المدونة، المصدر نفسه، ج٣، ص٣٩٩؛ أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، القاهرة، دار الحديث، ٢٠٠٤م، ج٤، ص١٨؛ السرخسي، المبسوط، المصدر نفسه، ج١٥، ص٨٢؛ ابن قدامة، الكافي في فقه الإمام أحمد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤م، ج٢، ص١٨٤.
٨  فعلى سبيل المثال، اهتم تقنين حمورابي بتنظيم القرض والفائدة في العديد من المواد؛ إذ نظمهما في المواد: من ٤٩ إلى ٥١، والمادة ٦٦، والمواد من ٨٨ إلى ٩١، والمواد من ٩٣ إلى ٩٦، والمادة ٩٩. انظر:
La Loi De Hammourabi, op. cit., pp. 22, 23, 24, 34, 48, 49, 51.
وانظر كذلك: طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، المصدر نفسه، ج١، ص٦٤٤- ٦٤٥.
٩  سواء أكانت تلك الممارسات لدى الأمم البابلية أم المصرية أم اليهودية القديمة، أم في معابد روما. انظر:
J. W. Gilbart, The History and Principles of Banking (London: Longman, Rees, Orme, Brown, Green, and Longman, 1834), pp. 1–11.
١٠  إنما لليهود فقط، مع السماح بها في علاقة اليهود بغيرهم! فقد جاء في سفر التثنية: «لا تُقرض أخاك بربًا، ربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيءٍ ما مما يُقرَض بربًا. للأجنبي تُقرِض بربًا، ولكن لأخيك لا تُقرِض بربًا لكي يباركك الرب إلهك …» (٢٣: ١٩، و٢٠). وفي المزامير: «السالك بالكمال والعالم بالحق والمتكلم بالصدق في قلبه … فضته لا يعطيها بالربا» (١٥: ٢، و٥). وفي سفر حزقيال: «الإنسان الذي كان بارًّا وفعل حقًّا وعدلًا لم يعطِ بالربا …» (١٨: ٥، و٨، و٩). وفي سفر الخروج: «إذا أقرضتَ فضةً لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمُرابي لا تضَعوا عليه ربًا» (٢٥: ٢٢). وفي سفر اللاويين: «إذا افتقر أخوك … فلا تأخذ منه ربًا ولا ربحًا» (٢٥: ٣٥، و٣٦). والعهد الجديد يتوافق مع العهد القديم؛ ويؤكد على منع الربا، إذ جاء في سفر لوقا: «وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردُّوا منهم، فأيُّ فضل لكم؟ فإن الخُطاة أيضًا يقرضون الخُطاة لكي يستردُّوا منهم المِثلَ» (٦: ٣٤).
١١  «أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ إذا زاد عليه. والزيادة هي الربا.» انظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبد الله التركي، القاهرة، دار هجر للطباعة والنشر، ٢٠٠١م، ج٦، ص٧.
١٢  انظر: أبو منصور الماتريدي، تفسير الماتريدي، تحقيق: مجدي باسلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٥م، ج٢، ص٤٧٦.
١٣  انظر: أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤م، ج١، ص٥٦٦.
١٤  انظر: أبو بكر الأبهري، شرح المختصر الكبير، تحقيق: أحمد عبد الله حسن، دبي، جمعية دار البر، ٢٠٢٠م، ج٢، ص٢٤٤.
١٥  انظر: الجصاص، أحكام القرآن، المصدر نفسه، ج١، ص٥٦٤.
١٦  انظر: الماتريدي، المصدر نفسه، ج٦، ص١٦٧؛ اللخمي، التبصرة، تحقيق: أحمد عبد الكريم نجيب، الدوحة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ٢٠١١م، ج٦، ص٢٧٦٧.
١٧  قارب: أحمد بن فارس الرازي، حلية الفقهاء، المصدر نفسه، ص١٢٥.
١٨  انظر: الطبري، جامع البيان، نفسه، ج٥، ص٦٦.
١٩  انظر: أبو عيسى الترمذي، المنهيات، تحقيق: محمد عثمان الخشت، القاهرة، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، ١٩٨٦م، ص١٤١؛ أبو الحسن الدارقطني، العِلَل، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، الرياض، دار طيبة، ١٩٨٥م، ج٥، ص١٧١.
٢٠  انظر: أبو إسحاق الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل شلبي، بيروت، دار الكتب، ١٩٨٨م، ج١، ص٣٥٩؛ سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ٢٠٠٩م، ج١٨، ص٦٠. وإمعانًا في الترهيب، جرى اختلاق الأحاديث، فهو: «… سبعون بابًا، أدناها كالذي يقع على أمه!» انظر: جلال الدين السيوطي، الجامع الكبير، تحقيق: مختار إبراهيم الهائج، وعبد الحميد محمد ندا، وحسن عيسى عبد الظاهر، القاهرة، الأزهر الشريف، ٢٠٠٥م، ج٣، ص٧٣٤؛ السفاريني، غذاء الألباب، القاهرة، مؤسسة قرطبة، ١٩٩٣م، ج١، ص١٠٣. ذكر صاحب تذكرة الموضوعات أن فيه كذابًا ومتروكًا. انظر: الفتني، تذكرة الموضوعات، القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية، ١٩٢٥م، ص١٣٩.
٢١  انظر: السمرقندي، تنبيه الغافلين، تحقيق: يوسف بديوي، دمشق، دار ابن كثير، ٢٠٠٠م، ص٣٦٥.
٢٢  أبو محمد البغدادي، مجمع الضمانات، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، د.ت، ص٣٠٣؛ عثمان بن علي الزيلعي، تبيين الحقائق، وحاشية الشلبي، القاهرة، المطبعة الكبرى الأميرية، ١٨٩٧م، ج٥، ص٥٢–٥٤.
٢٣  «المال هو إله إسرائيل المتحمِّس الذي لا ينبغي أن يوجد أمامه إلهٌ آخر … لقد أصبح إله اليهود دنيويًّا وصارت الصيرفة هي الإله الحقيقي لليهودي. إلهه هو الصيرفة الوهمية وحسب. إن القومية الخرافية لليهودي هي قومية التاجر، إنسان المال بشكلٍ عام.» انظر: ماركس، حول المسألة اليهودية، ترجمة: نائلة الصالحي، كولونيا، منشورات الجمل، ٢٠٠٣م، ص٥٦.
٢٤  ارتفع حجم قروض البنوك التي تقدِّمها كديونٍ حكومية بنسبة تتجاوز ٣٥٪ بين عامَي ٢٠١٢م و٢٠٢٣م.
The World Bank, Finance and Prosperity 2024, p. 49.
في مناقشة الدور الحقيقي الذي تمارسه المصارف في تشكيل كبرى المشروعات الرأسمالية، وتعيين ممثِّليها في مجالس إداراتها، واستحواذها على الحصص الكبرى من أرباح المؤسِّسين، وسعيها إلى القضاء على المنافسة بين المشروعات وإقامة الاحتكارات، مع تحليل العلاقة بين أباطرة المصارف والصناعة التي تعكس العلاقة بين مركزية الرأسمال في حقل الصناعة والنمو في الوحدات المصرفية. انظر:
Paul Sweezy, Theory of Capitalist Development Principles of Marxian Political Economy (New York: Monthly Review Press, 1942), pp. 165–169.
٢٥  فقد ذهب باربون إلى أن الفائدة مثل الريع؛ فإذا كان الريع هو ثمن إيجار الأرض، فإن الفائدة هي ثمن إيجار الرأسمال، وقيام المقترِض بدفع الفائدة هو من طبائع الأمور؛ لأنه لا يقترض النقود كي يحتفظ بها لديه، بل كي يتاجر بها من أجل الحصول على عائدٍ أكبر من الفائدة، وهو ما يمثِّل الربح بالنسبة له. انظر:
Nicholas Barbon, A Discourse of Trade, op. cit., p. 20.
كما أن ج. ب. ساي رأى أن التسمية الصحيحة لعملية إقراض المال بمقابل هي Usury وليست الفائدة Interest. فالمقترض يستعمل النقود التي يقترضها في سبيل تحقيق الربح [لم نعرف قَط ما الحل عند الخسارة!] ومن ثَم يحق للمُقرِض أن يحصلَ على نصيبٍ في هذا الربح الذي يجنيه المقترِض. انظر:
J. B. Say, Treatise, op. cit., p. 384.
ولذلك أيضًا، دافع أ. مارشال عن الفائدة بوصفها «نصيب المقرض في الربح الذي يجنيه المقترض.» انظر:
A. Marshall, Principles, op. cit., p. 496.
كما قرَّر جوستاف كاسل: أن «الفائدة تُدفع لاستخدام الرأسمال، وليس النقود.» انظر:
Gustav Cassel, The Nature and Necessity of Interest (London: MacMillan, 1903), p. 17.
G. Cassel, The Theory of Social Economy, Translated by: Joseph McCabe, Vol. I (London: T. Fisher Unwin Limited, 1923), p. 178.
ولقد كان مونتسكيو واضحًا حين قرَّر أن إقراض المال ليس عملًا خيريًّا، بل يجب أن يُدفع المال في مقابله!
“L’argent est le signe des valeurs. Il est clair que celui qui a besoin de ce signe doit le louer, comme il fait toutes les choses dont il peut avoir besoin. Toute la différence est que les autres choses peuvent ou se louer ou s’acheter; au lieu que l’argent, qui est le prix des choses, se loue et ne s’achète pas. C’est bien une action très bonne de prêter à un autre son argent sans intérêt: mais on sent que ce ne peut être qu’un conseil de religion, et non une loi civile.” Montesquieu, De l’esprit des lois, op. cit., Livre vingt-deuxième Des lois dans le rapport qu’elles ont avec l’usage de la monnaie. p. 860.
وصار بالتَّالي مستقرًّا لدى العِلم الاقتصادي، ابتداءً من فكرة «الاستعمال» تلك، التي ستنتقل بدَورِها إلى بعض الأذهان في العالم العربي دون أي مراجعة، كالعادة، أن: «الائتمان عملٌ اقتصادي، لا مبرة ولا إحسان، ولما كانت رءوس الأموال مثمرة الربح [لا نعرف أبدًا، أيضًا، ما الحل إذا لم تكن مثمرة!] بين أيدي الذين يُحسِنون تصريفَها، وجب على المقترِض، وهو الذي يُؤتمن، أن يردَّ أصلَ المال مضافةً إليه فائدةٌ متفقٌ عليها من قبلُ.» انظر: ب. ل. بوليو، الموجز في علم الاقتصاد، ترجمة: محمد حافظ إبراهيم، وخليل مطران، القاهرة، مطبعة المعارف، ١٩١٣م، ج٣، ص٦٧-٦٨. وأصبحَت الفائدة، ابتداءً من مبدأ مجرد «الاستعمال» لا «الزيادة القائمة على عيوب الإرادة»، محكومة بالقاعدة التالية: «من مبادئ العدالة الطبيعية إعطاء مقرض النقود جزءًا من الربح الذي يحصُل عليه المقترِض!» انظر:
Gilbart, The History, op. cit., p. 163.
ولكننا لم نعرف قَطُّ رأي العدالة الطبيعية إذا لم يستطع المقترض تحقيق الربح! إنما نعرفُ فحسب خرابَ البيوت وتشريدَ الأسر، وأحكام الحبس والحجز، لجلِّ مَن تعامل بالقروض مع المصارف. كما نعرف، وبكل وضوح، الممارسات غير الأخلاقيَّة لشركات تحصيل ديون المصارف لدى المدينين.
٢٦  هنا أيضًا، ومع إعلان نهاية الاقتصاد السياسي، والتعاشي بالتالي عن معدَّل الربح الوسطي المكوَّن في حقل الإنتاج والمحدَّد بقانون القيمة، على نحو ما شرحنا تفصيلًا في الجزء الأول، جرت محاولاتٌ من أجل تفسير الفائدة ابتداءً من حقل التبادل؛ فلقد أنكر مارشال، في الطبعة الثامنة من مبادئ الاقتصاد وجود معدَّل ربحٍ وسطي؛ فهو لا وجود له في تصوره! وبالتالي لا يمكن أن يكون هذا الشيء، الذي لا وجود له، محدِّدًا لسعر الفائدة! انظر:
Marshall, Principles of Economics, op. cit., p. 276.
وتحت تأثير جان باتست ساي، أخذ يفرِّق بين الفائدة الصافية التي هي ما يكسبه الرأسمال، وبين الفائدة الإجمالية التي تتضمن أرباح الإدارة إلى جانب الفائدة الصافية. وحينما جاء كينز قدَّم نظريته في الفائدة، كمكافأة على عدم الاكتناز، لا على الانتظار [ربما نقل كينز هذه الفكرة عن وليم بتي]. انظر:
“What is Interest or Use-Money? A Reward for forbearing the use of your own Money for a Term of Time agreed upon, whatsoever your self need may have of it in the mean while”.
W. Petty, The Political Anatomy, op. cit., p. 142.
وذهب إلى تحديد الفائدة على أساسَين؛ أولهما: مدى تفضيل السيولة؛ أي الطلب على النقود (سواء أكان للمعاملات أم للاحتياط أم للمضاربة، والأولى والثانية محكومة بالدخل، والثالثة محكومة بالفائدة)، ثانيهما: كمية النقود التي تعرضها السلطات النقدية. انظر:
Keynes, General Theory, op. cit., pp. 82–89.
في المناقشات التي دارت، ابتداءً من اللف والدوران بلا نهاية حول ثمن السوق، بشأن نظرية كينز في سعر الفائدة، انظر، على سبيل المثال:
Bertil Ohlin, Alternative Theories of the Rate of Interest—Rejoinder. Economic Journal, 1937, pp. 423–27.
J. Keynes, Alternative Theories of the Rate of Interest, The Economic Journal, Vol. 47, No. 186 (June, 1937), pp. 241–252.
A. Lerner, Alternative Formulations of the Theory of Interest, The Economic Journal, Vol. 48, No. 190 (June, 1938), pp. 211–230.
Ralph George Hawtrey, Capital and Employment (London: Longmans, Green and Co., 1952), p. 295.
وعلميًّا، تكمن مشكلة كينز الكبرى، بل ومشكلة جميع نظريات الفائدة، التي أهدرَت قانون القيمة، في أن كل تلك النظريات لا تعرفُ بالتحديد ما الذي تبحث عنه! فهي تهدفُ إلى تحديد سعر الفائدة، ولكنها تنطلق من سعرِ فائدة محدَّد سلفًا! ثم تذهب إلى تحديد التأرجُحات ارتفاعًا وانخفاضًا دون أن تقول لنا على أيِّ أساسٍ تحدد السعر الذي تتأرجَح حوله تلك التغيُّرات! والذي يجب أن يكون هو محل انشغالها!
٢٧  انظر: Cantillon, Essay, op. cit., p. 158.
٢٨  انظر:
“abandoning his profit to anyone who will lend money to him …”.
Cantillon, Essay, Part II, Chapter 10, Ibid., p. 159.
٢٩  ولذلك، سيتوجه كانتيون بالنصيحة إلى الأمير ومسئولي الدولة بشأن تنظيم سعر الفائدة؛ إذ يجب أن يُراعَى في هذا التنظيم: «أن يكون على أساس أعلى مستوًى في السُّوق أو قريب منه، وإلا فإن القانون سيكون عديم الفائدة؛ لأن الأطراف المتعاقدة، التي تحكمها مساومة السُّوق، أو السعر الحالي الذي تحدِّده نسبة المقرِضين إلى المقترِضين، ستدخل في اتفاقياتٍ سرية، وهذا القيد القانوني لن يؤدي إلا إلى تعكير صفو التجارة ورفع أسعار الفائدة.» انظر:
Cantillon, Ibid., pp. 163–169.
٣٠  كتب جوستاف كاسل، بثقة غير مبرَّرة، في كتابه نظرية الاقتصاد الاجتماعي:
“The main thesis of the Socialist theory of value was that value is a commodity equal to the quantity of labour which it costs to produce it in normal conditions. This quite arbitrary thesis, utterly opposed to the facts, naturally excludes in advance, not only interest itself, but the possibility of any rational theory of interest. As it leaves no room for an objective study of the pricing process, it makes it impossible to investigate interest as a price forming part of this process. Any theory of interest based on that thesis can be pronounced in advance to be nonsensical and it has no claim to be regarded as a scientific performance. A science that in this respect makes concessions to the scholasticism of Karl Marx does not know what it is doing.” G. Cassel, The Theory of Social Economy, Translated by: Joseph McCabe, Vol. I (London: T. Fisher Unwin Limited, 1923), pp. 182-183.
وهو حينما يؤكد، على هذا النحو، على أن الأطروحة التعسُّفية للقيمة من قِبل النظرية الاشتراكية، وماركس بالذَّات كما يقول، تحول دون وجود أي نظريةٍ عقلانيةٍ للفائدة! فإنما يؤكِّد، في الوقت نفسه، على تعسُّفه هو نفسه في فهم التكوُّن العلمي لقانون القيمة داخل العلم الاقتصادي؛ فالقيمة ليست اكتشافًا اشتراكيًّا ولا رأسماليًّا ولا تنتمي بأي حالٍ إلى حقل الأيديولوجية، إنما هي قانونٌ عِلمي كشف عنه الآباء المؤسِّسون للاقتصاد السياسي، ولم يكن ماركس إلا أحد هؤلاء الرجال الذين استكملوا مسيرة العلم. إن الذي يحاول كاسل، وجميع من أتَوا معه ومن بعده، مهدرين قانون القيمة، عقلنتَه، ليس له أي علاقة بالعلم؛ فهم يدَّعون أنهم يسعَون لفهم كيف يتحدد سعر الفائدة. ولكن الحقيقة، وكما ذكرنا، هي أنهم يتحدثون عن التغيُّر في سعر الفائدة! يتحدثون في التَّقلُّبات حول سعرٍ محدَّد سلفًا، متجاهلين تمامًا وجوب تحديده هو، تحديدًا علميًّا، قبل تحديد تقلُّباته والتأرجُحات حوله، ولكن تحديد هذا السعر يستلزم التغلغل في عمق الظاهرة بحثًا عن القانون العلمي الحاكم للظَّاهرة. وهو ما لا تستطيعه أبدًا النظرية الاقتصَادية بعد إعلان نهاية الاقتصاد السياسي!
٣١  «ليس ثمة … أيما معدَّل طبيعي للفائدة بالمعنى الذي يتحدث به الاقتصاديون عن معدَّل طبيعي للربح ومعدَّل طبيعي للأجور.» انظر: ماركس، رأس المال، المصدر نفسه، ص٥٢٢. ولكن، إن كان ماركس على صواب حينما ذهب إلى تحديد الفائدة بمعدَّل الربح الوسطي السَّائد اجتماعيًّا، فليس صحيحًا ما ذهب إليه، على هذا النحو، من جهة عدم وجود معدَّلٍ طبيعي للفائدة؛ لأننا ما دمنا قلنا إن الفائدة تتحدد بمعدَّل الربح الوسطي، فيجب أن يكون معدَّل الربح الطبيعي هو نفسه معدَّل الفائدة الطبيعي بالنسبة لنفس كمية الرَّأسمال. ولأن الربح ليس واحدًا في القطاعات؛ فبالتالي تصبح الفائدة محددة بأعلى معدَّل ربح في القطاعات على الصَّعيد الاجتماعي.
٣٢  وهذا ما كان يجب أن يعنيه الاقتصاد السياسي بتحديد الفائدة وَفْق معدَّل الربح الوسطي السَّائد اجتماعيًّا؛ لأننا، في الواقع، أمام سعرَين للفائدة، وليس سعرًا واحدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦