نصوص من كلام الجاحظ

اللسان

هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يَفْصل الخطاب، وناطق يُرد به الجواب، وشافع تُدَرك به الحاجة، وواصف تُعرَف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز يبرد الأحزان، ومعتذر يرفع الضغينة، ومُلهٍ يونق الأسماع، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الألفة، ومؤنس يذهب الوحشة.

العقل

ليس على ظهرها إنسان إلا معجب بعقله، لا يسرُّه أن له بجميع ما له ما لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمدًا ولذابوا حسدًا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء، فهو يرى أنه محسود في كل شيء.

الكلام البليغ

ومتى شاكل — أبقاك الله — اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقًا، ولذلك القدر لَفْقًا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف؛ كان قمنًا بحسن الموقع، وحقيقًا بانتفاع المستمع، وجديرًا أن يمنع صاحبه من تأوُّل الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة.

ومتى كان اللفظ أيضًا كريمًا في نفسه، متخيَّرًا من جنسه، وكان سليمًا من الفضول، بريئًا من التعقيد، حُبِّبَ إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والْتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالِم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض. ومن أعاره من معرفته نصيبًا، وأفرغ عليه من محبته ذَنوبًا، خبت إليه المعاني، وسلس له نِظَام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم.

كلام النبي

عاب النبي التشديق، وجانَب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُف بالعصمة، وشُيد بالتأييد، ويُسر بالتوفيق، وألقى الله عليه من المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام والإيجاز. ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلَّت به قدم، بل يبذ الخُطَب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر.

وما سُمع كلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا من كلامه .

جوامع كلمه

يجب للرجل أن يكون سخيًا لا يبلغ التبذير، شجاعًا لا يبلغ الهَوَج، محترسًا لا يبلغ الجبن، ماضيًا لا يبلغ القحة، قوَّالًا لا يبلغ الهذر، صموتًا لا يبلغ العي، حليمًا لا يبلغ الذل، منتصرًا لا يبلغ الظلم، وقورًا لا يبلغ البلادة، ناقدًا لا يبلغ الطيش. ثُمَّ وجدنا رسول الله قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله: «خير الأمور أوساطها»، فعلمنا أنه قد أُوتي جوامع الكلم، وعُلِّم فصل الخطاب.

سحر البيان

قال بعض الربانيين وأهل المعرفة من البلغا، ممن يكره التشادق والتعمق، ويبغض الإغراق في القول والتكلف والاجتلاب، ويعرف أكثر أدواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بحسن ما يسمع: أنذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا، وأعاره البليغ مخرجًا سهلًا، ومنحه المتكلم قولًا متعشِّقًا؛ صار في القلب أحلى، وللصدر أملأ. والمعاني إذا كسبت الألفاظ الكريمة، وأُلبست الأوصاف الرفيعة؛ تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زُيِّنت، وعلى حسب ما زُخرفت، والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي.

عدوى الإسفاف

اعلم أن المعنى الحقير الفاسد واللفظ الساقط يعشش في القلب، ثُمَّ يبيض، ثُمَّ يفرخ، ثُمَّ يستفحل الفساد؛ لأن اللفظ الهجين الرديء عَلِقٌ باللسان، وآلف للسمع، وأشد التحامًا بالقلب من اللفظ النبيه الشريف والمعنى الرفيع الكريم. ولو جالست الجهال والحمقى والسفهاء شهرًا فقط، لكسبت من أوضار كلامهم وخبال معانيهم ما لم تكتسبه من مجالسة أهل البيان دهرًا؛ لأن الفساد أسرع إلى الناس وأشد التحامًا بالطبائع. والإنسان بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه، ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.

العفو

من انتقم فقد شفى غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه، وإذا انتقمت فقد انتقصت، وإذا عفوت تطوَّلت. ومن أخذ حقه وشفى غيظه لم يجب شكره، ولم يُذكر في العالمين فضله. وكظْم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز، ومن رضي أن لا يكون بين حاله وحال الظالم إلا ستر رقيق، وحجاب ضعيف، لم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الاستيثاق مِن ترك دواعي الظلم، ولم ترَ أهل النُّهى والمنسوبين إلى الحجى والتقى، مدحوا الحكام بشدة العقاب، وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الاغتفار، وشدة التغافل.

وبعدُ، فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب، والمعافي مستدعٍ لشكرهم، آمنٌ من مكافأتهم أيام قدرتهم.

ولَأَنْ يُثنى عليك باتساع الصدر خيرٌ من أن يُثنى عليك بضيق الصدر، على أن إقالتك عثرة عباد الله موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله، وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك، والموت الفادح خير من اليأس الفاضح.

بلاغة العرب

كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام، أو حين أن يَمْتح على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب؛ فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالًا وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثمَّ لا يقيده على نفسه ولا يدرِّسه أحدًا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه في البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارُس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب. وإن شيئًا الذي في أيدينا جزء منه، لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب، وهو الذي يحيط بما كان والعالِم بما سيكون.

ونحن — أبقاك الله — إذا ادَّعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل، ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبيد الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان يستطيعون أن يولِّدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير.

وأخرى أنك متى أخذت بيد الشعوبي، فأدخلته بلاد الأعراب الخلص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شاعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، وأبصر الشاهد عيانًا.

فهذا فرق ما بيننا وبينهم، فتفهم عني — فهَّمك الله — ما أنا قائل في هذا، واعلم أنك لم ترَ قومًا قط أشقى من هؤلاء الشعوبية، ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكًا لعرضه، ولا أطول نصبًا، ولا أقل غنمًا من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طويل جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعُّر تلك النيران المضطرمة. ولو عرفوا أخلاق كل ملة، وزي كل لغة، وعللهم في اختلاف إشاراتهم وآلاتهم وشمائلهم وهيئاتهم، وما علة كل شيء من ذلك، ولِمَ اختلقوه ولِمَ تكلفوه؛ لأراحوا أنفسهم، وتخففت مؤنتهم على من خالطهم.

البكاء

البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبة إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، وربما عد من الوفاء، وشدة الوجد على الأولياء، وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون. قال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره. وضرب عامر بن عبد قيس بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة لا تندى. وقيل لصفوان بن محرر عند طول بكائه وتذكر أحزانه: إن طول البكاء يورث العماء، فقال: ذلك لها شهادة. فبكى حتى عمي. وقد مُدح بالبكاء ناس كثير منهم يحيى البكَّاء وهيثم البكَّاء، وكان صفوان بن محرر يسمى البكَّاء.

الضحك

ما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور إلى أن ينقطع عنه سببه، ولو كان الضحك قبيحًا من الضاحك وقبيحًا من المضحك، لَمَا قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبني كأنه يضحك ضحكًا. وقد قال الله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت، وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص.

وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيمًا، ومن مصلحة الطباع كبيرًا، وهو شيء في أصل الطباع، وفي أساس التركيب؛ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وقد تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته. ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمي أولادها بالضحاك وببسَّام وبطَلْق وبطليق. وقد ضحك النبي وفرح، وضحك الصالحون وفرحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن، وبسام العشيات، وهش إلى الضيف، وذو أريحية واهتزاز. وإذا ذمُّوا قالوا: هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتيم المحيا، وهو مكفهر أبدًا، وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه، وكأنما وجهه بالخل منضوح.

وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصر عنهما أحد، صار الفاضل خطلًا والتقصير نقصًا؛ فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي جُعل له الضحك، صار المزح جِدًّا والضحك وقارًا.

الكتاب١

الكِتاب وعاء مليء علمًا، وظَرف حُشي ظُرفًا، وإناء شُحن مزاحًا وجِدًّا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيى من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألْهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مُلْهٍ، وبزاجر مغرٍ، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس.

ومتى رأيت بستانًا يُحمل في رَدَن، وروضة تقلب في حجر، وناطقًا ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء؟ ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة.

ولا أعلم جارًا أبرَّ، ولا خليطًا أنصف، ولا رفيقًا أطوع، ولا معلِّمًا أخضع، ولا صاحبًا أظهر كفاية ولا أقل إملالًا وإبرامًا ولا أكثر أعجوبة وتصرُّفًا ولا أقل تصلُّفًا وتكلُّفًا ولا أبعد من مراء من كتاب.

ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة، ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتنازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة؛ ما يجمع لك الكِتاب.

صامت ما أسكتَّه، وبليغ ما استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه.

والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بيانك، وفخَّم ألفاظك، ونجح نفسك، وعمَّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن كد الطلب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقًا وأكرم عِرقًا، ومع السلامة من مجالسة البُغَضاء ومقارنة الأغبياء.

قال ابن الجهم: «إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم — وبئس الشيء النوم الفاضل عن الحاجة — تناولتُ كتابًا من كتب الحكمة، فأجد اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة، والذي يغشى قلبي من سرور الاستبانة؛ أشد إيقاظًا من هدة الهدم.

وإذا استحسنت الكتاب واستجدته، ورجوت منه الفائدة، ورأيت ذلك فيه، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قلبه. وإن كان المصحف عظيم الحجم، كثير الورق، كثير العدد، فقد تم عيشي وكمل سروري.»

فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بدَّ من أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يعلم ولا يجمع العلم حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوه، ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من عشق القيان لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه.

سياسة الحزم

من لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء، وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرب في تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه. وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع، وبعض العفو إغراء، كما أن بعض المنع إعطاء. ولا خير فيمن كان خيره محضًا، وشر منه من كان شرُّه صِرفًا، ولكن اخلط الوعد بالوعيد، والبِشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإن الناس لا يهابون ولا يصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ومن أخاف ولم يقمع وعُرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعُرف بذلك، ومن عُرف بذلك دُخل عليه بحسب ما عُرف منه، فخير الخير ما كان ممزوجًا وشر الشر ما كان صِرفًا.

ولو كان الناس يصلحون على الخير وحده لكان الله — عز وجل — أولى بذلك الحكم، وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب دليل على أن الصواب فيه دون غيره. وإذا كان الناس إنما يصطلحون على الشدة واللين، وعلى العفو والانتقام، وعلى البذل والمنع، وعلى الخير والشر، عاد ذلك الشر خيرًا، وذلك المنع إعطاءً، وذلك المكروه محبوبًا، وإنما الشأن في العواقب وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدوم ومن الانقطاع أبعد.

ألفاظ الزنادقة

الزنادقة أصحاب لفظ في كتبهم وأصحاب تهويل؛ لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيرًا. ولكل قوم ألفاظ حظيت عندهم، وكذلك كل بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور وصاحب كلام موزون، فلا بدَّ من أن يكون قد لهج وألف ألفاظًا بأعيانها ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم عزيز المعاني كثير اللفظ، فصار حظ الزنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، واتصلت بطبائعهم، وجرت على ألسنتهم، التناكح والنتائج والمزاج والنور والظلمة والدفاع والبقاع والساتر والغامر والمنحل والبطلان والوجدان والأثير والصداق وعمود الصبح، وأشكالًا من الكلام نصًّا، وإن كان غريبًا من فوضى، مهجورًا عند أهل ملتنا ودعوتنا.

الصوت

أمر الصوت عجيب، وتصرفه في الوجوه عجب، فمن ذلك أن منه ما يقتل كصوت الصاعقة؛ ومنه ما يسرُّ النفوس حتى يفرط عليها السرور فتقلق حتى ترقص، وحتى ربما رمى الرجل بنفسه من حالق، وذلك مثل هذه الأغاني المطربة؛ ومن ذلك ما يكمد؛ ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يُغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية والقراءات الملحنة. وليس يعتريهم من قِبل المعاني لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون، وقد بكا ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدق به؟ قال: إنما أنكاني الشجا.

وبالأصوات يُنومون الصبيان والأطفال، والدواب تصرُّ آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطًا وتزيد في مشيها، ويجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له، وذلك أنهم يضربون بعصي معهم ويعطعطون، فتُقْبل أجناس السمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات حتى تدخل في الحظيرة. ويضرب بالطساس للطير وتُصاد بها. ويُضرب بالطساس للأُسد وقد أقبلت فتروعها تلك الأصوات. وقال صاحب المنطق: الأيايل تُصاد بالصفير والغناء، والصفير تُسقى به الدواب، وتُنفَّر به الطير عن البذور.

العرب

لم يكونوا تُجَّارًا ولا صُنَّاعًا، ولا أطباءَ ولا حُسَّابًا، ولا أصحاب فلاحة فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع لخوفهم صَغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكارٍ لما في أيديهم وطلبٍ لما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث البلادة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذُلًّا قط فيميت قلوبهم ويُصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فيافٍ وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق،٢ ولا البخار ولا الغلط، ولا العفن ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق وتثقيف اللغة وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم والاستدلال بالآثار وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب. بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية، وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر.

الغناء

إنَّا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها وحسابها الذي يُعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة؛ ومنها الهندسة وما اتصل بها من المساحة والوزن والتقدير وما أشبه ذلك؛ ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان وعلاج الأسقام وما يتشعب من ذلك؛ ومنها اللحون ومعرفة أجزائها وقسمها ومقاطعها ومخارجها وأوزانها حتى تستوي على الإيقاع وتدخل في الوتر.

ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس، وعلى ما يسمعون من الفارسية والهندية، إلى أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت العرب منه، وجمعه وألَّفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العَروض. فلما أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئًا، ورسم له رسمًا احتذى عليه مَن خَلَفَه، واستمد من عني به. وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله؛ منها معرفته بالغناء وكثرة استماعه إياه، وعلمه بحسنه من قبيحه وصحيحه من سقيمه، ومنها حذقه بالضرب والإيقاع وعلمه بوزنهما. وألَّف في ذلك كتبًا معجبةً، وسهل له فيها ما كان مستصعبًا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل وحذق راجح ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل واضحة وشواهد عادلة، ولم نرَ أحدًا وجد سبيلًا إلى الطعن عليه والعيب له. وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم والاتِّباع لمن سبقهم.

ثمَّ قال في فصل آخر: وعلى أن الغناء من الوجه الحسن والبدن الحسن أحسن، والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة. وكم بين أن تفدي إذا شاع فيك الطرب مملوكك وبين أن تفدي أَمَتك، وكم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبِّله وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه. وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالًا ينوحون فصاروا دخلاء على النوائح. وبعدُ، فأيما أحسن وأملح وأشهى وأغنج؟ أن يغنِّيك فحل ملتف اللحية كث العارضين، أو شيخ منخلع الأسنان مغضن الوجه، ثُمَّ يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير:

رأيت زهيرًا تحت كلكل خالد
فأقبلت أسعى كالعجول أبادر

أم أن تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خُرطت من ياقوتة، أو من فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن:

من كف جارية كان بنانها
من فضة قد طوقت عنابا
وكان يمناها إذا نطقت به
ألقت على يدها الشمال حسابا

النبيذ

هو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومربع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام. وكيف وقد جمع أبهة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البها، وشرف الخير، وعز المجاهدة، ولذة الاختلاس، وحلاوة الزبيب.

وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره؛ لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك؛ منحك صدق الحس وفراغ النفس، وجعلك رخي البال واسع الذرع قليل الشواغل قرير العين واسع الصدر حسن الظن، ثُمَّ سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك الظن وخواطر الفهم، وكفاك مئونة الحراسة وألم الشفقة وخوف الحدثان وذل الطمع وكد الطلب، وكُلَّ ما اعترض على السرور وأفسد اللذة وقاسم الشهوة وأخل بالنعمة. وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر. ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبَّب إليك المزاح والفكاهة، وبغَّض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة وكد المروءة، وصار يومه جمالًا لأيام الفكرة وتسهيلًا لمعاودة الروية؛ لَكان في ذلك ما يوجب الشكر ويطنب الذكر، مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم وأقل الثمن. ثُمَّ يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان، ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب في الدجن، ويلذُّ في الصيف كما يلذُّ في الشتاء، ويجري مع كل حال، وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال، ويدفع مضرة الخمار كما يجلب منفعة السرور. وإن كنت جذلًا كان بارًّا بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك. يسرُّ النفوس ويحبِّب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغِّبها في التوسع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر، ويملؤها عِزًّا، ويعدها خيرًا، ويحسن المسارة، ويصير به النبت خصبًا والجناب مَرِيعًا ومأهولًا معشبًا.

وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظرفاء ولا أشد تألُّفًا للأدباء ولا أجلب للمؤنسين ولا أدعى إلى خلاط الممتنعين ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم ويطول به مجلسهم منه. وإن كل شراب وإن كان حَلا ورقَّ وصفا ودقَّ وطاب وعذب وبرد ونفح، فإن استطابتك لأول جرعة منه كثير ويكون من طبائعك أوقع، ثمَّ لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروهًا وبلية، إلا النبيذ؛ فإن القدح الثاني أسهل من الأول والثالث أيسر والرابع ألذ والخامس أسلس والسادس أطرب، إلى أن يسلسك إلى النوم الذي هو حياتك وأحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلُّبًا، وأخْذه بالرأس تعسُّفًا، حتى يميت الحس بحدته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظته، ولا يسري في العروق لغلظته، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل في الصميم، ولا والله حتى يغازل العقل ويعارضه ويدعه ويخادعه فيسره ثُمَّ يهزه، فإذا امتلأ سرورًا وعاد ملكًا محبورًا خاتله السكر وراوغه وداراه، وماكَره وهازله وغانجه، وليس كما يغتصب السكر٣ ويعتسف الذاذي٤ ويفترس الزبيب، ولكن بالتقتير والغمز والحيلة وتحبيب النوم وتزيين الصمت.

ذم النبيذ

من مثالبه أن صاحبه يتكرهه قبل شربه، ويكلح وجهه عند شمه، ويستنقص الساقي من قدره ويعتبر عليه مكياله ويمزجه بالماء الذي هو ضده ليخرجه عن معناه وحده، ثُمَّ يكرعه على المبادرة، ويتجرعه ولا يكاد يسيغه، ليقل مكثه في فيه، ويسرع على اللهوات اجتيازه. ثمَّ لا يستوفي كليته، ويرى أن يجعل عاقبة الشراب فضلة في قدحه، ويشاح الساقي في المناظرة على ما بقي منه عند رده ليصرف عن نفسه عادية شربه، ويذهب بساعته ويمنع من تهوعه.

١  هذا الفصل أوسع من أن تستوعبه هذه الرسالة، فأخذنا منه ما يناسب المقام.
٢  الغمق: الفساد من كثرة الأنداء، واللثق نحوه.
٣  السكر: خمر التمر.
٤  الذاذي: نبت له حب كالشعير، يوضع منه في الإناء فتعبق رائحته ويجود إسكاره. قال الشاعر:
شربنا من الذاذي حتى كأننا
ملوك لنا بر العراقين والبحر

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢