أعلام الطريق في تطور الإنسان

أعلام الطريق هي علامات تقام على جانبيه تدل السائر على مقدار ما قطع من المسافات أو تشير إلى الانعطافات، وأعلام الطريق في تاريخ الإنسان تدلنا على ارتفاعه في مراحل تطوره.

فليس شك أن الإنسان، بالمقارنة إلى الحيوان، يعد فذًّا، ولكن هذه الفذاذاة لا تخرجه من المملكة الحيوانية، فإن أعضاءنا الداخلية وكذلك الأعضاء الخارجية تشابه، بل أحيانًا تطابق، ما عند الحيوانات من هذه الأعضاء، فإن تركيب العين البشرية لا يكاد يختلف من تركيب العين عند السمك، وأيادينا وأرجلنا زعانف متطورة، ولا يزال هناك أسماك تسير على الأرض وعلى الشجر بزعانفها، والقلب والكبد والقناة الهضمية والجهاز التناسلي والكليتان في الإنسان لها ما يقابلها، وأحيانًا يطابقها، مثل هذه الأعضاء في الحيوان.

ولكن الإنسان تفوق ورأس المملكة الحيوانية، لماذا؟

الجواب هو: الدماغ الكبير.

ولكن هنا عوامل سابقة أدت إلى الدماغ الكبير، فما هي؟

نحتاج لشرح هذه العوامل، إلى بعض التفصيل.

إلى قبل نحو عشرة ملايين من السنين كنا مثل سائر القردة التي تأوي إلى الأشجار تأكل من ثمارها وحشراتها ونحتمي على غصونها من وحوش الأرض، وانتفعنا من الإقامة، ملايين السنين، على الشجر؛ لأننا تعلمنا كيف نتسلق بأيدينا، فلم تعد اليد للمشي، وإنما صارت للتسلق، واستعمال اليد للتسلق يؤدي إلى استعمالها للتناول، كما نرى في القط والفأر والسنجاب، ولكننا أيضًا كنا نجد الحياة في الليل أنفع لنا من الحياة في النهار، ولعل السبب لذلك ضعفنا وأننا لم نكن لنستطيع مقاومة أعدائنا، فصرنا نحيى حياة سرية ننام في النهار ونختبئ ونستيقظ ونسعى في الليل.

والرؤية في الظلام تحتاج إلى زيادة القوة في النظر، ولذلك اجتمعت العينان في الوجه بدلا من أن تكون في الصدغين، وهذا شأن حيوانات الليل مثل الوطواط والبومة، وأقل منها في الفأر والقط.

واجتماع العينين في الوجه لم يزد قوة النظر زيادة كمية فقط بل زادها زيادة نوعية؛ لأن تقدير المسافات يحتاج إلى العينين، أما العين الواحدة فتخطئ المسافة.

ولذلك نستطيع أن نقول: إننا انتفعنا بمعيشتنا على الشجر بشيئين:
  • الأول: إعداد اليدين للتناول عن طريق التسلق.
  • الثاني: جمع العينين في الوجه مثل البومة والوطواط.

•••

ثم حدثت ظروف حملتنا على أن نترك الأشجار والحياة في الغابات إلى السعي على الأرض، في السهول والوديان، ولا نعرف الأسباب على وجه الحقيقة، ولكن يمكن أن نحدس، فنقول: إنه ربما قد حدث جفاف جعل الحياة في الغاية عسيرة، أو ربما ثقلت أجسامنا فلم نعد نجد سهولة في الانتقال من غصن إلى آخر.

وعلينا أن نفهم أن كل هذا قد حدث في تدرج، فصرنا ننزل من الشجر ونستطلع ما حول الغابة من سهول ووديان ونصيد الحيوانات الصغيرة بالعدو خلفها وإمساكها باليد وافتراسها.

وكنا بالطبع في ذلك الوقت نمشي على أربع أحيانا ونمشي على القدمين فقط أحيانًا أخرى؛ أي: كنا مبتدئين في الإنسانية، ولكن رويدًا رويدًا تعلمنا كيف نسير على أقدامنا فقط؛ لأن هذا الأسلوب الجديد في التنقل جعل إشرافنا على السهول والوديان أوسع مدى فصرنا نرى أكثر ونصيد أكثر.

ثم إن انتصابنا على أقدامنا حرر أيدينا تحريرًا تامًّا كي نتناول بها ونمسك؛ أي: نتناول الحجر كي نلقيه على طريدتنا التي نريد صيدها، ونتناول الطريدة فنخنقها أو نمزقها للطعام.

وهنا مرحلة في التطور يجب أن نقف عندها.

ذلك أننا وجميع الحيوانات تقريبًا، مجهزون بخمس حواس، منها ثلاث يمكن أن نسميها حواس المسافات.

ذلك أن حاستي اللمس والذوق لا تحتاجان إلى مسافة، ولكننا نحس على مسافة قريبة أو بعيدة، ما نسمع أو نشم أو نرى.

وحاسة الشم على أعلاها في أحياء البحر والحشرات، وفي بعض الرواضع مثل الكلب، ولكنها على أضعفها عندنا؛ ذلك لأننا كدنا نستغني عنها بالعين والأذن.

عيوننا ارتقت بمعيشتنا السابقة في ظلام الغابة وفي السعي بالليل، فلما تركنا الغابة إلى السهول والوديان وجدنا القيمة العظمى للعين؛ لأن النظر بسط أمامنا من المسافات ما جعلنا نشرف به على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.

والسمع حاسة مسافية أيضًا ولكنها أقل قيمة من النظر.

ووقوفنا على أقدامنا مع العينين جعل إشرافنا كبيرًا، فصرنا نرى أكثر مما لو كنا على أربع، ورؤيتنا الكثير حولنا جعلنا نقارن ونتعقل ونجمع القليل من السمع إلى الكثير من النظر، ثم نقارن ونتعقل.

السمع والنظر أوجدا الوعي «أي الوجدان» في الإنسان.

أوجدا بداية الوعي الذي لا يكاد حيوان الشم والسمع يعرفه؛ لأن ما يعرفه هذا قليل.

الزرافة والفيل والثور والفرس أعلى منا قامة، وهي ترى أكثر منا أو على الأقل مثلنا بحاسة النظر؛ أي: الحاسة الأولى في المسافات، ولكنها لم تتطور وترتقي مثلنا، فلماذا؟

•••

هنا علم آخر في طريق التطور والارتقاء.

نحن نقف وقفة عمودية على أقدامنا، ولذلك نستطيع أن نحمل في رءوسنا دماغًا كبيرًا ثقيلًا، ولو كنا نسير على أربع لما استطعنا أن نحمل هذا الدماغ، نحن نحمل دماغًا عموديًّا والحيوان يحمله أفقيًّا.

احملْ عشرة أرطال وارفعْ ذراعك بها عمودية فوق كتفك تجد الحمل خفيفًا ولكن ابسطْ ذراعك أمامك أفقيًّا مع الحمل تجده ثقيلًا.

قامتنا المنتصبة التي يسرها لنا وقوفنا على أقدامنا يسرت لنا نمو الدماغ، ووقوف هذا النمو عند أخواتنا القردة العليا الأربعة الأخرى يعود في كثير منه إلى أنها لم تنتصب تمامًا، وذلك أيضًا لأنها لم تترك الغابة إلى الآن.

إن التطور قد أعدنا للذكاء عن طريق قدمينا قبل أن يعدنا له عن طريق رءوسنا.

وأصبحت حواس المسافات، الشم والسمع والنظر، تغذي الدماغ بالأخبار، وهذا يقارن بينها ويفرز ويميز ويتعقل؛ أي: يجد الوعي.

•••

ثم ظهر عامل جديد خطير في ارتقاء الإنسان، ارتقاء دماغه؛ أي: زيادة ذكائه؛ أي: زيادة وعيه.

ذلك أنه عرف اللغة؛ أي: الكلمات.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي: أن اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

لما خرجنا من الغابة إلى السهول والوديان كان خروجنا جماعات كي نتربص بالفريسة وكي نتجمع للدفاع، فكنا في حاجة إلى الكلمات التي تهمس أو نزعق بها للتنبيه أو التحذير.

اللغة «حاسة» جديدة، حاسة مسافية مثل العين والأذن.

ولكنها حاسة للجماعة، وهنا نجد أن الحنجرة، مثل القدمين قبل ذلك بملايين السنين، قد خدمت التطور بمعاونة اللسان.

إن كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

كما تكبر العضلة بتناول الشيء الثقيل وتكرار تناوله، كذلك يكبر الدماغ بتناول الأفكار وحفظ معانيها وترتيبها.

ومع الكلمات كنا نضع بعض الأدوات للصيد، وتشكيل الأداة وصنعها وتناولها، وحركات الصيد والاجتماع للتربص، ثم اقتسام الفريسة وتمزيقها، كان كل هذا يحتاج إلى كلمات تعين كل درجة من درجات هذا المجهود، والكلمات تبعث التفكير، والتفكير يؤدي إلى تكبير الدماغ كما لو كان عضلة تكبر بالمرانة ورءوسنا الكبيرة هي التي تجعل مقامنا فذًّا بين الحيوانات؛ لأنها ميزتنا عليها بالذكاء.

•••

ممارسة الصيد، وصنع الآلات للصيد، كلاهما أدى إلى اختراع اللغة، وكلاهما احتاج إلى اجتماع الأفراد.

ومضت حقبة كبيرة جدًّا، لعلها تقاس بملايين السنين، كان فيها الإنسان صيادًا لا أكثر، ومعظم خرافاته جاءت من هذه الحقبة حين كان يستعين على الصيد بعقائد السحر والدين.

ذلك أن الصيد خطر، والصائد عرضه لأن يكون فريسة ما يصيد، ولذلك كان الخوف يعم الصائدين ويحملهم على التشبث بأية عقيدة تلهمهم بعض الاطمئنان.

وظهر حجاب المرأة في ذلك الوقت.

ذلك أن أشأم كلمة أيام الصيد كانت كلمة الدم؛ إذ هي تحمل معنى القتل، ولما كانت المرأة تحيض كل شهر كانت لذلك يحرم على الرجل الاقتراب منها أو حتى رؤيتها قبل الخروج للصيد حتى لا يتشاءم بالدم، وأصبحت المرأة «نجسة» أيضًا، وتزداد نجاستها حين يغزر الدم كما في الولادة ومن الدم عرفت كلمة «دميم»؛ أي: الكريه الوجه.

وبقيت الشعوب التي تمارس الصيد تستنجس المرأة حتى حين ارتقت من الصيد إلى رعاية القطعان.

والصيد يؤدي إلى الرعاية.

فالصائد حين يصيد أنثى الوحش تبقى أطفالها معها حتى وهي ميتة. وقد يحملها الصائد إلى زوجته وأولاده، فتنمو وتكبر، ثم تكون تربية الحيوانات واستئناسها، ومضت قرون في رعاية القطعان والتنقل من مرعى إلى سهل، فظهر نظام القبائل واستبدل الإنسان الراعي الإيمان بإله واحد في كل مكان، بالسحر والشعوذة، ولكن هذا الإيمان بإله واحد، استحال بعد الزراعة، إلى الإيمان بالتعدد الوثني.

ثم عرفت الزراعة بعد ذلك، وقريبًا جدًّا؛ إذ هي لا تزيد على ١٥ ألف أو ٢٠ ألف سنة، والمرجح أنها نشأت في مصر؛ لأن انتظام الفيضان كان يحمل على التفكير، فيفهم الإنسان أن الماء هو الأصل في نمو النباتات، وجميع الآلهة المصرية القديمة هي آلهة الزراعة والماشية، فإن آمون يحمل قرنًا «للماشية» وأوسير تخرج سنابل القمح أذنيه «للزراعة»، وهاتور البقرة «اللبن».

وباستقرار الإنسان على الزراعة ظهرت الحضارة؛ لأن الزراعة هي أولى درجات الحضارة؛ إذ هي اقتضت إيجاد حكومة للأمن العام، ثم ديانة للطمأنينة على الزرع، ثم صناعات زراعية … إلخ.

ونستطيع أن نعين مراحل الارتقاء أو التطور البشري بهذه الأعلام التالية:
  • (١)

    حياة الإنسان في الغابة علمه التسلق على الشجر، فهيأ يديه بالتسلق للتناول والإمساك كما هيأه بعض الشيء، للمشي على قدميه.

  • (٢)

    حياته في الليل أدت إلى جمع عينيه في وجهه بدلا من أن تكون كل منهما في أحد صدغيه فصار النظر أدق.

  • (٣)

    لما ترك أشجار الغابة مشى على قدميه أو شرع في ذلك.

  • (٤)

    كبرت فيه، وهو في السهول والوديان، حواس المسافات؛ أي: السمع والشم والنظر، وأهمها النظر.

  • (٥)

    هذه الحواس زادت وعيه؛ أي: وجدانه بما حوله، فكبر.

  • (٦)

    الإقامة في الوديان أو السهول تعني الصيد جماعات؛ أي: تعني الإنتاج بالتفاهم، فظهرت اللغة؛ إذ هي خاصية اجتماعية وليس فردية؛ لأن غاية اللغة هي التفاهم، والتفاهم يحتاج إلى اثنين أو أكثر.

  • (٧)

    صار التعاون على الصيد يحمل على تأليف كلمات واختراع الأدوات والتفكير في الوسائل، فزاد التصور، والتصور يعني الفكرة العامة التي تشمل الأشياء أكثر مما يعني الفكرة الخاصة، وأدى كل ذلك إلى تكبير الدماغ.

  • (٨)

    أدى الصيد إلى عادات وخرافات اجتماعية، منها نجاسة المرأة.

  • (٩)

    كذلك أدى الصيد إلى رعاية القطعان فكان الإيمان بإله واحد.

  • (١٠)

    ثم ظهرت الزراعة فبدأت الحضارة الأولى.

  • (١١)

    لما عمت الزراعة جزءًا كبيرًا من الأرض في وادي النيل، احتاجت إلى الدين والحكومة وإلى شيء من العلم «مثل تقويم السنة» وإلى الكتابة؛ لأن الغرض الأول من الكتابة كان تسجيل مقدار الدخل الحكومي من الزراعة.

  • (١٢)

    ظهور الكتابة أدى إلى الثقافة.

الزراعة أنتجت الحضارة.

والكتابة أنتجت الثقافة.

وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت «النظرية» ممكنة، وصار الذكاء مدربًا على الفهم العام، ورويدًا رويدًا تحول البحث الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠