خروج الأحياء المائية إلى اليابسة

بعض الأحياء المائية يخرج من الماء ويسير قليلًا أو كثيرًا، على الطين أو التراب أو الرمل، مثل السرطان والجنبري وبعض الأسماك.

ونحن بالطبع لا نعني هنا تلك الحيوانات التي كانت على اليابسة ثم نزلت إلى البحر وجعلته وطنها مثل اللجاة من الزواحف التي لا تزال إلى الآن تبيض على اليابسة، ومثل اللبونات «الرواضع» كالدولفين والفقمة وسائر الفياطس العديدة التي هي أقرب إلى البقر منها إلى؛ أي: حيوان آخر.

وإنما نعني تلك الأحياء التي نشأت في الماء، ثم خرجت أو حاولت الخروج إلى اليابسة.

وجميع الأحياء على اليابسة كانت بالطبع في الماء قبل أن تتطور وتستطيع الحياة على اليابسة، وهي في هذا الانتقال احتاجات إلى شيئين:
  • (١)

    أن تتغير خياشيمها التي تتنفس بها من خلال الماء إلى رئة حتى يمكنها أن تحصل على الهواء مباشرة، وليس من خلال الماء.

  • (٢)

    أن نستطيع التحرك على اليابسة كأن تستعمل عضلاتها أو زعانفها التي كانت تسبح بها في التنقل على التراب أو الطين أو الرمل.

ونحن نلاحظ في السرطان «أبو جلمبو» أنه يخرج في الليل إلى الساحل ويجول فيه بل يعدو أحيانًا، ولكنه إذا وجد الخطر عاد إلى البحر، وهو يحفر لنفسه وكرًا في الرمل يختبئ فيه، فإذا كان الصباح وبزغت الشمس عاد إلى البحر أو اختبأ في وكره.

وهو يتنفس بخياشيم مثل السمك، ولكن هذه الخياشيم تمتاز باشتجارها واشتباكها وصفائحها بحيث يمكن اختزان الهواء فيها، ثم هو لا يخرج إلا عندما تزول الشمس؛ أي: يزول الحر وتكثر الرطوبة حتى لا تجف خياشيمه.

وكثير من السمك له هذه القدرة؛ إذ إن خياشيمه كثيرة الاشتجار والاشتباك بحيث يمكنها اختزان مقدار كبير من الهواء، فإذا خرجت من الماء استعملت هذا المختزن، وهذا هو شأن القرموط الذي يبقى طويلا خارج الماء.

ولكن هناك أسماكًا أخرى تختزن الهواء في مثانة تقع تحت السلسلة الفقرية، وهي بمثابة المستودع للهواء، والأغلب أن الأصل في هذه المثانة هو فساد الهواء في الضحاضح والمنافع الوخمة؛ فإن السمكة هنا تختنق بالغازات السامة التي تنشأ في هذه الوخامة، فهي تختزن مقدارًا كبيرًا من الهواء في مثانتها للاستعاضة به عن الهواء الفاسد.

ثم هناك أسماك تستخدم هذه المثانة في تخفيف أجسامها أو تثقيلها وقت الحاجة إلى الارتفاع أو الهبوط في الماء ببسط هذه المثانة أو تقليصها.

أما الحركة فوق اليابسة فأسهل شأنًا للسمك؛ لأن الزعنفة التي تدفع الماء للسباحة تستطيع أيضًا أن تدفع الرمل أو الصخر للنقل عليها، وبالطبع تختلف الأسماك هنا في هذه المقدرة، فإن الإنكليس «ثعبان السمك» يتنقل بعضلات بطنه، وزعانف البيريوفتلم من القوة والمرونة بحيث يمكنها أن تقطع نصف كيلو متر بها على الرمل.

والحلقة التي تصل بين سلسلة التطور في البحار وسلسلة التطور على اليابسة هي الضفدع، وهي تمثل لنا في حياتها وتدرجاتها، كما لو كانت تريد تعليمنا، كيف تحيى في طفولتها وهي سمكة لها خياشيم للتنفس في الماء وزعانف للسباحة، ثم كيف تستحيل إلى ضفدع لها يدان وساقان بأصابع للمشي على اليابسة ورئة لتنفس الهواء.

وقد ظهرت الأسماك منذ حوالي ٤٠٠ أو ٣٠٠ مليون سنة، وكان معظمها يعيش في مياه الغدران والأنهار والمناقع وكان يكثر على سواحل البحار الكبرى حيث الغذاء أوفر.

وكثير من هذه الأسماك قد انقرض، ولكن كثيرًا منها، مع بدائيته الواضحة مثل السمك للمبري، لم ينقرض، وأحيانا نجد أحافير بعض السمك ثم نجد هذا السمك نفسه لا يزال حيًّا.

وليس في هذا تناقض، فإن سمكة السيلاكانت، التي لا تزال حية، عرفت أحافيرها التي دفنت وتحجرت منذ ستين مليون سنة وكانت كثيرة، ولكن عندما نصل إلى الطبقات الجيولوجية التي تعود إلى ٥٠ أو ٦٠ مليون سنة نجد أن هذه الأحافير قد زالت أو أوشكت.

وزوالها لا يعني أنها انقرضت، وإنما يعني أنه حدثت ظروف جعلت هذه السمكة تنتقل من مكانها الأصلي إلى أماكن منزوية بعيدة حيث يقل الأعداء.

وهذه السمكة، السيلاكانت، التي وجد منها إلى الآن اثنتان حيتان ثانيتهما في ديسمبر سنة ١٩٥٣ هي البشيرة الأولى لخروج الحيوان من الماء إلى اليابسة، فإنما تحتوى على قائمتين أماميتين تستطيع أن تسير بهما على الرمل، وهي تسير بهما الآن على قعر البحر، ثم تحتوى، وهذا أخطر، على مثانة هوائية هي الأصل للرئة لحيوان اليابسة.

وهناك أسماك كثيرة تستطيع السير على قعر النهر أو البحر كما نرى في الجرنار، فإن هناك نحو أربعين نوعًا من هذا السمك تستطيع كلها السعي على الطين؛ لأن جزءًا من زعنفتيها الأماميتين قد استحال إلى ما يشبه الأصابع، ولكنها بعيدة عن أن تبلغ مقام السيلاكانت في التطور نحو حيوان اليابسة.

وكذلك هناك أربعة أو خمسة أنواع من الدبنوئيات؛ أي: التي يزدوج تنفسها، فهي حين تكون في الماء تتنفس بخياشيم في الماء، فإذا جف الماء تنفست بما يشبه الرئة، وتحفر لنفسها حفرة في الطين ثم تتحوى وتبقى فيه في سبات نحو ثلاثة أو خمسة شهور حتى يعود الماء فتعود إلى السباحة والتنفس بخياشيم.

وفصيلة الدبنوئيات لا تسعى على الطين أو الرمل، وفي النيل واحدة من هذه الأسماك الدبنوئية.

أما السيلاكانت فكانت تمتاز بالميزتين: القدرة البدائية على اختزان الهواء في مثانة تومئ إلى الرئة، ثم القدرة على السعي على الطين أو الرمل.

ونحن من سلائل السيلاكانت أو سلائل أبناء عمومتها.

وبخروج الأسماء إلى اليابسة ظهرت البرمائيات مثل الضفادع.

ثم ظهرت الزواحف الكبرى التي انقرضت ومنها الديناصور ولم يبق من هذه الزواحف سوى الثعابين والحيات والعظايا والسلاحف واللجا، ولكن منها أيضًا التماسيح والسلاحف والورل.

ومن الزواحف ظهر فرعان كبيران، أحدهما اللبونات؛ أي: الرواضع التي نحن منها، والآخر الطيور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠