الفصل الثالث

النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري-الرواقي

تمهيد

ينبغي — بادي ذي بدء — قبل أن نعرض لإرهاصات النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري الرواقي، أن نعرف أولًا ما المقصود بالنسق الاستنباطي Deductive system؟
المقصود بالنسق الاستنباطي، هو أن يحوي العلم ذو الطبيعة الصورية مجموعة محددة من اللامعرفات Undefinable، والتعريفات Definition، والبديهيات Axioms توضع صريحة منذ البدء؛ حيث نسلم بصحتها دون برهان، وتستنبط منها قضايا أخرى هي نظريات ذلك العلم.١
ولقد عبر العالم المنطقي «ألفرد تارسكي» Alfred Tarski عن كل ذلك إجمالًا بقوله: إننا حين نشرع في تكوين نسق استنباطي لمبحث معين «علينا أن نبدأ بمجموعة محددة من المصطلحات أو الحدود الأولية Primitive Terms أو الحدود اللامعرفة Undefined، نقبلها بدون شرح أو تعريف … وعلينا أن نتبنى مبدأً مؤداه وهو ألا نستخدم في النسق مصطلحًا آخر دون أن يكون معناه قد حدد مسبقًا بواسطة هذه الحدود الأولية غير المعرفة، وبواسطة مصطلحات التي شرحت معانيها من قبل بهذه الحدود، وتسمى هذه المصطلحات التي حددت معانيها بالحدود المعرفة، وتسمى عملية الشرح بالتعريف، وتسمى العبارات الشارحة بالتعريفات … وعلينا أن نسلم ثانيًا بمجموعة من القضايا التي نقبلها كحقائق دون أن نقيم دليلًا أو برهانًا على صدقها ومشروعيتها، وتسمى هذه القضايا بالقضايا الأولية، وبالبديهيات، وبالمصادرات Postulates، وتسمى أيضًا باللامبرهنات indemonstrable … وعلينا ألا نقبل أي قضية أخرى على أنها صادقة إلا إذا استطعنا أن نقيم دليلًا على صدقها ومشروعيتها بواسطة التعريفات والمسلمات والبديهيات وقضايا النسق التي سبق أن تَقرر صدقها وتبررت مشروعيتها، مما يسمى بالقضايا المبرهن عليها theorem أو المبرهنات، وتسمى العملية التي يتقرر بها صدق هذه القضايا ﺑ «البرهان»، وتسمى عملية إقامة صدق قضية على قضايا أخرى صادقة بالاستنتاج أو الاشتقاق. كما تسمى القضايا التي نتوصل إليها على هذا النحو بالقضايا المستنتجة أو المشتقة من قضايا غيرها أو التي تعتبر نتيجة تلزم عنها. ويسمى المنهج الذي يتبع في إقامة مبحث معين وفقًا للقوانين التي ذكرناها من قبل بالمنهج الاستنباطي.٢
ونلاحظ أن معظم الباحثين يرون أن فكرة إقامة المنطق نسقًا استنباطيًّا لم تقم في أذهان المناطقة إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، حين تطور البحث في الهندسات اللاإقليدية، وحاول الرياضيون وضع أسس النسق الاستنباطي كي يقيموا الهندسة نسقًا استنباطيًّا محكمًا.٣
وقد كان المنطق في ذلك الوقت قد نشأ وبدأ يتطور؛ حيث فكر أصحابه حينئذٍ في إقامته استنباطيًّا هو الآخر، وقد تم ذلك على يدي المنطقي الألماني العظيم «جوتلوب فريجه» Gottlob Frege، الذي صاغ في سنة ١٨٧٩م نظرية «حساب القضايا» بكل عناصرها المتكاملة في صورة نسق استنباطي على نحو لم يسبق له مثيل. ثم جاء مؤلفا كتاب Principia Mathematica، وهما «هوايتهد» و«رسل»، فوضعا ذلك النسق المنطقي على رأس الرياضيات بأسرها تحت عنوان «نظرية الاستنباط».٤

والسؤال الآن، هل يمكن وضع المنطق الميجاري-الرواقي في صورة نسق استنباطي؟

للإجابة على هذا السؤال يمكن القول بأنه إذا أخذنا النسق الاستنباطي في المنطق؛ بمعنى أن نضع قائمة اللامعرفات والتعريفات والبديهيات والمسلمات وقواعد الاستدلال صريحة منذ البدء، ثم نقوم بعد ذلك باستنباط نظريات منطقية من تلك القوائم لا نملك إلا أن نقول: إن المنطق الميجاري-الرواقي لا يتضمن نسقًا استنباطيًّا بهذا المعنى الدقيق. أما إذا أخذنا النسق الاستنباطي بالمعنى المعروف في هندسة إقليدس، وهو الذي يبدأ بمجموعة من المقدمات يستنبط منها كل ما يترتب عليها من نتائج أو نظريات، وتشتمل «هذه المقدمات على التعريفات المستخدمة في النسق من ألفاظ، وبديهيات ومسلمات يُسلم بها دون برهان عليها، لكي يستنبط من هذا كله النظريات اللازمة عنها»،٥ فيمكن القول بأن المنطق الميجاري-الرواقي لديه فكرة واضحة عن هذا النسق؛ وخاصة في نظرية القضايا المركبة.
فعلى عكس ما يدعيه بعض المناطقة المحدثين من أنه لا أهمية لكل أبحاث الرواقيين في باب القضايا، اللهم إلا في وضع اصطلاحات جديدة كان لها حظ الانتشار بعد ذلك في المصطلح المنطقي،٦ فإن نظرية القضايا المركبة تعد من أكثر إنجازات المدرسة الميجارية-الرواقية التي يمكن من خلالها أن نلتمس إرهاصات النسق الاستنباطي لنظرية حساب القضايا قبل «فريجه» بمئات السنين.
والدليل على ذلك، فقد أدرك الرواقيون ضرورة التخلي عن لغة الحديث في الكتابة المنطقية كي يكون المنطق صوريًّا (تجريديًّا) إلى أبعد حد، فاصطنعوا الرموز بمنأى عن الحروف الهجائية كما عُنوا عناية خاصة بالثوابت المنطقية، وكانوا يسمونها بالروابط connectives، وهي على النحو التالي «إذا …»، «و»، «إما … أو …»، «حيث إن …»، «لأن …»، «ليس … و … معًا» وغيرها. كما وضعوا للقضية المركبة التي تحوي واحدة من تلك الروابط قواعد لصدقها وكذبها، وعينوا معاني وتعريفات هذه الروابط.٧
وعلى الرغم من أن الرواقيين لم يدرسوا النفي بالإضافة إلى الروابط، إلا أنهم اهتموا بالنفي اهتمامًا كبيرًا؛ وذلك أثناء دراستهم للقضايا المتقابلة، حيث ميزوا بين عدة أنواع؛ مثل النفي التناقضي والذي صاغوه بوضع أداة النفي «ليس» ببداية القضية، والنفي البسيط وهو الذي يجمع بين أداة نفي ومحمول؛ مثل: لا أحد يمشي. والنفي الحرماني، وهو الذي يكون بين موضوع مقيد وحد منفي؛ مثل: لا إنساني.٨
ومع أنه لا يوجد عند الرواقيين أية محاولة لبناء قائمة صدق للنفي، إلا أنهم قرروا مع ذلك، مبدأ النفي المزدوج، والذي يعبر عنه في المنطق الرمزي الحديث على النحو التالي: ق = ق.٩

كما اهتم الرواقيون أيضًا بدراسة العلاقات القائمة بين دوالِّ الصدق، وذلك عن طريق إمكانية تعريف الروابط بواسطة روابط أخرى، مما يدل على أنه يوجد عندهم محاولة لبناء نسق أكسيومي من هذه الروابط.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهي أنه بعد أن قدم الرواقيون تعريفات للروابط، وضعوا بعد ذلك مقدمات أولية لكي يستنبطوا منها قضايا أخرى، وقد أطلقوا عليها صورًا استدلالية Inference schemata وأطلقوا عليها أيضًا «ضروبًا لا تقبل البرهان»، Basic indemonstrable moods وقد أحصى منها «كريسبوس» الرواقي Chrysippus خمسًا؛ حيث رأى أنها أولية؛ بمعنى لا توجد صور أخرى سابقة عليها في عملية الاستدلال. كما أنها لا تقبل البرهان؛ بمعنى أنها حقائق منطقية logical truths، وليست هذه الصور الاستدلالية ضروبًا، بمعنى أنها أنماط أو صور Schemata متعددة للاستدلال؛ وإنما بمعنى أنه يمكننا اعتبارها «قواعد استدلال»، وذلك أول عهدنا — كما يقول الدكتور «محمود فهمي زيدان» — بوضع قواعد للاستدلال في صراحة ووضوح قبل البدء بأي برهان.١٠
ولم يكتف الرواقيون بوضع تلك الصور الاستدلالية؛ وإنما جعلوها مقدمات أولية يبدءون منها البرهان على نظريات منطقية، وهذه النظريات هي التي أطلقوا عليها ﺑ «القضايا المشتقة Derived أو المبرهنات Theorems، مما يدل على أن الرواقيين كانوا بحق — فيما يقول العالم المنطقي البولندي «لوكاشيفتش» — أول من ابتكروا نسقًا استنباطيًّا لمنطق القضايا بعد عصر أرسطو بحوالي نصف قرن، ولو أن هذا المنطق لم يكن مؤلفًا من مقررات؛ بل مؤلفًا من قواعد استنتاجية.»١١
وتقتضي الأمانة العلمية، أن نشير إلى أن هناك دراسات وبحوثًا قد سبقتنا إلى تناول جانب أو أكثر من جوانب النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري-الرواقي،١٢ ولكننا عندما اطلعنا عليها لم نجد في أي منها معالجة إضافية ومستوعبة لمقومات هذا النسق؛ وذلك لأن مناقشة الباحثين لتوضيح مقومات هذا النسق؛ قد جاءت في ثنايا دراسات عالجت تاريخ المنطق الصوري القديم والحديث بصفة عامة، فقد رأيت أن حق تلك القضية أن يفرد لها مثل هذا البحث.

ولذلك سوف ندرس في هذا البحث إرهاصات النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري-الرواقي، لنبين كيف كان الميجاريون والرواقيون أول من أدخلوا النسق الاستنباطي في المنطق قبل المناطقة الرمزيين في العصور الحديثة.

وأما عن المنهج الذي اعتمد عليه الباحث في إعداد هذا البحث عن إرهاصات النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري-الرواقي، فهو المنهج التحليلي المقارن، الذي يعتمد على تحليل النصوص تحليلًا دقيقًا واستنباط واستخلاص كل ما تشمله من آراء وأفكار، مع المقارنة بين آراء الرواقيين والمناطقة المحدثين ليتضح لنا تباعًا مدى ما طرأ على الفكرة من تطور وازدهار.

وسبيلنا الآن هو عرض عناصر النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري-الرواقي، وذلك فيما يلي:

أولًا: التعريفات

من المعروف أن لكل نسق في الرياضيات مجموعةً من التصورات يتلاءم معها، فالهندسة الإقليدية مثلًا، تعالج النقط والخطوط والمثلثات والدوائر وما إلى ذلك، وتشكل التعريفات المحددة لهذه التصورات المتعلقة بالنسق الركائزَ الأساسية التي تقوم عليها الرياضيات، ولهذا فأول ما يقوم به الرياضي هو أن يعرف لنا هذه التصورات تعريفًا دقيقًا، وفي هذه الحالة تسمى تلك التصورات ﺑ «المعرفات».١٣
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن النسق عند الميجاريين والرواقيين؛ حيث إنه يحوي مجموعة من التصورات القائمة على تحليل السمات المنطقية للروابط القضوية، وقد تم دراسة هذه السمات خلال بحث مسألة صدق القضايا المركبة التي تعتمد في تركيبها على هذه الروابط، ومن أهم أنواع القضايا المركبة التي نقوم بدراستها هنا: القضايا الشرطية (اللزومية) والانفصالية والعطفية، وقضايا أخرى ولكنها أقل أهمية؛ مثل القضايا السببية والتشبيهية والتصعيدية والتخفيضية.١٤
ونبدأ بعرض أهم التعريفات التي أوردها الميجاريون والرواقيون للقضية اللزومية، حيث يذكر «سكستوس إمبيريقوس»، بأن القضية اللزومية تعني عند الميجاريين والرواقيين بصفة عامة بأنها قضية مركبة من قضيتين يشار إليهما بالأعداد الترتيبية: الأول (ويسمى أيضًا بالمقدم)، والثاني (ويسمى أيضًا بالتالي)، ويتم ربطهما عن طريق أداة الشرط «إذا»، والتي تبين أن الثاني يلزم عن الأول.١٥
ونلاحظ أنه بجانب هذا التعريف العام لمعنى اللزوم الذي أورده سكستوس، هناك تعريفات أخرى للزوم عندهم، حيث تعود الى كل من: فيلو philo الميجاري، وديدور Diodorus الميجاري، وكريسبوس الرواقي
  • (أ)
    فأما فيلون، فقد عرف القضية الشرطية، بأنها تصدق حين يصدق مقدمها وتاليها، أو حين يكذب مقدمها وتاليها، أو يكذب مقدمها ويصدق تاليها. بينما تكذب في حالة واحدة، وهي إذا صدق مقدمها وكذب تاليها. وقد صاغ فيلون هذه القواعد الأربع كما يذكر «سكستوس إمبيريقوس» على النحو التالي: «تصدق الشرطية حينما تبدأ بصدق وتنتهي بصدق، مثل: إذا كانت الشمس طالعة، كان النهار موجودًا. وتكون صادقة أيضًا إذا بدأت بكذب وانتهت بكذب مثل: إذا طارت الأرض، فالأرض لها أجنحة، وبالمثل فإن الشرطية تكون صادقة أيضًا إذا بدأت بكذب وانتهت بصدق مثل: إذا طارت الأرض، فالأرض موجودة. بينما تكذب الشرطية في حالة إذا ما بدأت بصدق وانتهت بكذب مثل: إذا كانت الأرض موجودة، فلها أجنحة.»١٦
    من هذا النص يتضح لنا أن فيلون كان يرى أن هناك شروطًا ضرورية لكي تكون القضية الشرطية صادقة، فاللزوم يكون صحيحًا عندما لا يبدأ بالصدق لينتهي بالكذب، وعلى هذا تكون هناك ثلاثة أشكال يكون فيها اللزوم صحيحًا، وشكل واحد يكون فيه باطلًا. فيكون صحيحًا عندما يبدأ بالصدق وينتهي بالصدق. ويكون باطلًا فقط عندما يبدأ بالصدق وينتهي بالكذب. وبهذا يكون فيلون قد استبق المناطقة الرمزيين في دالة الصدق Truth Function وقائمة الصدق Truth Table دون استخدام هذه التعبيرات؛١٧ حيث إن عامل هذه الدالة هو ثابت اللزوم، والذي يعبر عنه في المنطق الرمزي الحديث بالرمز ( ) والذي يقرأ (تلزم أو يلزم عنها أو تؤدي إلى أو تقضي)، وهو يربط بين قضيتين ابتدائيتين مكونًا منهما قضية لزومية، يتوقف صدقها على صدق التالي مع صدق المقدم، دون أن يشترك صدق المقدم مع صدق التالي، وعلى كذب المقدم مع كذب التالي. كما يتوقف صدقها أيضًا مع كذب المقدم مع صدق التالي. في حين تكون كاذبة إذا صدق المقدم وكذب التالي.
    ومن ناحية أخرى، نلاحظ مع بعض الباحثين معادلة اللزوم الفيلوني باللزوم المادي عند «هويتهد» و«رسل»، وذلك في نسقها المسمى بنسق «البرنكيبيا»، والذي يسمح بهاتين القاعدتين:
    • القاعدة الأولى: ق. . (ك ق)
    • القاعدة الثانية: ق. . (ق ك)
    وتعنى القاعدة الأولى أن الحكم الصادق يلزم من أي حكم آخر، بينما القاعدة الثانية أن الحكم الكاذب يلزم أي حكم آخر.١٨
  • (ب)
    وأما بالنسبة للتعريف الثاني للزوم، فهو تعريف «ديدور»؛ وفيه يعارض التصور الفيلوني للزوم؛ لأنه قد ينشأ عنه أن يكون اللزوم نفسه تارة صحيحًا، وتارة باطلًا حسب الفترة الزمنية، إذ سيظهر على مر الزمان تبدلات موقعية، مثل أن يكون السابق صادقًا واللاحق كاذبًا. ولهذا اقترح ديدور تعريفًا أعقد وأدق من التعريف الفيلوني للزوم، فبدلًا من القول: إن اللزوم يكون صحيحًا عندما لا يبدأ بالصدق لينتهي بالكذب، فإننا نقول: إن اللزوم يكون صحيحًا عندما «ما لا يمكن أن يبدأ بالصدق لينتهي بالكذب» أو «عندما ما لا تكون ولا يمكن أن تكون القضية الشرطية مشتملة على مقدم صادق وتالٍ كاذب.»١٩
    ومن ناحية أخرى، فإن ديدور إنما أراد بهذا التعريف أن يستخلص من المنطق معنى معارضًا تمامًا للمعنى الذي كان يتمسك به فيلون، حيث هدف ديدور إلى توجيه المنطق شطر الصورية.٢٠
  • (جـ)
    وأما بخصوص التعريف الثالث للزوم، فهو تعريف «كريسبوس»، وفيه يرى أن الشرطية تكون صادقة «متى كان نقيض تاليها لا يتفق مع مقدمها»،٢١ ولما كان عدم الاتفاق يعني هنا الاستحالة، فإن تعريف «كريسبوس» قد يبدو معارضًا لتعريف (فيلون وديدور)، وذلك لأن نقيض تالي قضية فيلون قد يتفق وقد لا يتفق مع مقدمها، كما أن نقيض تالي قضية ديدور قد يتفق مع مقدمها.
    وإذا كان «كريسبوس» قد عرف الشرطية الصادقة، بأنها التي لا يتفق نقيض تاليها مع مقدمها، فإنه بذلك — كما يرى بعض الباحثين — يكون قد وصل تعريف «دي مورجان» للزوم عن طريق العطف والنفي. ومن ناحية أخرى يقترب برأيه في الارتباط الضروري بين المقدم والتالي من «المشائيين الأرسطيين» الذين حاولوا التعبير عن قضايا اللزوم بالقضايا الشرطية مؤكدين أنه إذا لزمت قضية أخرى، كان من الممكن دائمًا أن تكون قضية شرطية صادقة من الأولى كمقدم ومن الثانية كتالٍ. ومصدر هذه الفكرة هو أرسطو نفسه، حين صاغ مبادئ ضروب القياس صياغة شرطية، وذلك حين عبر عن لزوم المقدمات للنتائج تعبيرًا شرطيًّا.٢٢
    وعلاوة على ذلك فإن تعريف كريسبوس للشرطية الصادقة يماثل إلى حد كبير تعريف «لويس» Lewis للزوم الدقيق strict implication، حيث عرف «لويس» اللزوم الدقيق — كما يذكر «ديمتريو» — على النحو التالي: «إنه من المستحيل أن تكون ق صادقة وك كاذبة»، حيث إن هذا التعريف في رأيه يقوم على علاقة مفهومية بين القضيتين ق، ك على نحو يرتبطان معًا بتصور الضرورة necessity، وهذا ما يسميه «لويس» (اللزوم الدقيق)، وقد استخدم «لويس» بعض الرموز لتمييز فكرة اللزوم الدقيق عنده عن فكرة اللزوم المادي عند (رسل) وهذه الرموز « » ويدل على المستحيل، «-» ويدل على النفي، «» ويدل على اللزوم الدقيق، ووفقًا لهذه الرموز الثلاثة فإن التعريف يكون كالآتي:
    ق ك   ك) تعريف ويعني ما يلي:
    أنه من المستحيل أن تكون ق صادقة، ك كاذبة٢٣
    تلك هي أهم التعريفات التي ناقشها (فيلون، وديدور، وكريسبوس) في تعريف معنى اللزوم، على أن هناك تعريفًا آخر له يمكن تسميته مع «ماتيس»: اللزوم بالمعنى الضمني، وهو ما وصفه عن بعض المؤرخين على النحو التالي: «تصدق القضية الشرطية في حالة ما إذا كان تاليها متضمنًا بالقوة في مقدمها»،٢٤ وبمقتضى هذا التعريف كان ينظر للصيغة «إذا كان الأول كان الأول» على أنها كاذبة. إن الشيء لا يمكنه أن يكون متضمَّنًا في ذاته.٢٥
وننتقل إلى جزئية أخرى من التعريفات الخاصة بالقضايا المركبة، وهو تعريف القضية الانفصالية؛ حيث يعرفها الرواقيون بأنها قضية تصاغ باستخدام الرابط «أو» وتنطوي على تقابل كامل بين القضيتين المكونتين لطرفي الفصل. ولكن الرابط «أو» يشتمل على تعريفات متعددة، من أهمها: أن القضية الانفصالية تكون «صادقة في حالة ما إذا كان أحد أطرافها كاذبًا»٢٦ أو «إذا كان لها طرف واحد فقط صادق»،٢٧ وهذا التعريف غير واضح إلى حد ما، إلا أن هناك نصًّا آخر يرويه «بوشنسكي» عن جالينوس، حيث يذكر أن القضية الانفصالية تكون «صادقة إذا كان هناك طرف واحد صادقًا والآخر أو الأطراف الأخرى كاذبة ومتعارضة».٢٨
من هذه النصوص يتضح لنا أن القضية الانفصالية لها معنيان:
  • المعنى الأول: معنى استبعادي Exclusive يستبعد فيه أحد الطرفين صدق الطرف الآخر، فأحد الطرفين فقط يجب أن يكون صادقًا، إذ الطرفان بمثابة قضيتين متضادتين، إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى، ولكن كذب إحداهما لا يستبق كذب الأخرى، لأن الشرط الأساسي لكي يكون فصلٌ من هذا النوع الذي يسمى بفعل المتضادات صادقًا؛ أن يكون أحد طرفيه على الأقل كاذبًا.
  • المعنى الثاني: معنى غير استبعادي Non-Exclusive لا يستبعد فيه صدق أحد طرفي الفصل الطرف الآخر، إذ الطرفان بمثابة قضيتين داخلتين تحت التضاد، إذا كذبت إحداهما صدقت الأخرى، ولكن صدق إحداهما لا يستبعد صدق الأخرى، لأن الشرط الأساس لكي يكون فصلٌ من هذا النوع الذي يسمى بالفصل الضعيف أو بفصل ما تحت التضاد صادقًا أن يكون أحد طرفيه على الأقل صادقًا.
ولم يكتف الرواقيون بهذا، بل قالوا بقضية شبه منفصلة quasi -disjunctive تكون «صادقة في حالة ما إذا كان غير ممكن لمكوناتها أن تصدقا معًا»؛٢٩ ومعنى هذا أن الرواقيين قد عرفوا الانفصال بواسطة النفي والعطف، وبهذا يكونون قد سبقوا العالم المنطقي» شيفر «Sheffer الذي أخذ بهذا الانفصال لتعديل نظرية أصحاب البرنكيبيا في حساب القضايا.»٣٠
ومن جهة أخرى، فقد عرف الرواقيون نوعًا آخر من القضية الانفصالية عرفت عن طريق جالينوس باسم «الانفصال التبادلي»، ومثاله: «إما أن تكون الدنيا نهارًا أو ليلًا، تكافئ إما أن تكون الدنيا ليلًا أو نهارًا».٣١
تلك هي أهم التعريفات التي وردت بخصوص القضية الانفصالية. وننتقل إلى قضية أخرى، وهي القضية العطفية، حيث يعرفها الرواقيون بأنها قضية مركبة بواسطة الرابط «و»، وإنها «تصدق في حالة ما إذا كانت جميع عناصرها صادقة».٣٢
كما استخدم الرواقيون بجانب الروابط الرئيسية الثلاثة (اللزوم، والانفصال، والعطف) التي وصفناها روابطَ أخرى؛ حيث نجد عندهم قضية استدلالية مركبة بواسطة الرابط «بما أن»، والتي تعني أن «الثاني يلزم عن الأول» ومثاله: «بما أن هناك نهارًا فهناك ضوء».٣٣
كما يوجد أيضًا عند الرواقيين عدد آخر من الروابط التي لا يمكن تعريفها عن طريق قوائم الصدق، مثل «القضية السببية» المركبة بواسطة الرابط «لأن»، ومثالها: «لأن هناك نهارًا فهناك ضوء»،٣٤ والقضايا التشبيهية والتي تكون إما تصعيدية، مثل أن نقول: «هناك نهار أكثر مما هناك ليل»،٣٥ وإما تخفيضية، مثل: «هناك ليل أقل مما هناك نهار».٣٦
وعلى الرغم من أن الرواقيين لم يدرسوا النفي بالإضافة إلى الروابط، إلا أنهم اهتموا بالنفي أثناء دراستهم للقضايا المتقابلة؛ حيث ميزوا فيه بين أربعة أنواع وذلك على النحو التالي:
  • (١)
    النفي التناقضي، ويكون بوضع أداة النفي «ليس» في البداية، حيث ألح الرواقيون بشدة على ضرورة وضع أداة النفي ليس في بداية القضية.٣٧
  • (٢)
    النفي البسيط، وهو الذي يجمع بين أداة نفي مثل: لا أحد، ومحمول، ومثال ذلك: «لا أحد يمشي».٣٨
  • (٣)
    النفي الحرماني، وهو الذي يكون فيه الموضوع مقيدًا بحدٍّ منفي، ومثاله: «هذا لا إنساني».٣٩
  • (٤)
    النفي المزدوج، وهو الذي يجمع بين أداتي نفي، مثل «لا لا يوم».٤٠
وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهي أن الرواقيين لم يكتفوا بتعريف القضايا المركبة في وضوح وصراحة كل على حدة، بل اهتموا أيضا بدراسة العلاقات القائمة بين دوال الصدق، وذلك عن طريق إمكانية تعريف الروابط بواسطة رابط آخر، ولقد توافر لدينا حتى الآن خمسة تعريفات تقررت من جانبهم على النحو التالي:
  • (١)

    إذا كان الأول كان الثاني، تكافئ: ليس معًا الأول وليس الثاني.

    وباستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث يكون التعريف كالآتي:
    ق ك ك)
    وقد أجمع معظم مؤرخي المنطق المعاصرين على أن هذا التعريف ينسب صراحة إلى «كريسبوس» من جانب «شيشرون» وذلك في كتابه عن القدر Defeta؛ حيث قدم «كريسبوس» هذا المثال ليعبر عنه: «إذا كان شخص ما قد ولد في أيام الكوكب الشعرَى فإنه لا يموت غرقًا في البحر، تكافئ: ليس معًا في أن يكون شخص ما قد ولد في أيام الكوكب الشعرى ولا يموت غرقًا في البحر».٤١
  • (٢)

    إما الأول أو الثاني، تكافئ: إذا كان ليس الأول، فإنه الثاني.

    وباستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث يكون التعريف كالآتي:
    ق ك ق ك
    وهذا التعريف ذكره معظم مؤرخي المنطق المعاصرين نقلًا عن «جالينوس»، وذلك من خلال هذا المثال: «إما أن تكون الدنيا نهارًا أو ليلًا، تكافئ: إذا كانت الدنيا ليست نهارًا فإنها ليل».٤٢
  • (٣)

    إما الأول أو الثاني، تكافئ: أن الأول لا يكافئ الثاني.

    وباستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث يكون التعريف كالآتي:
    ق ك ق
    وهذا التعريف ذكره «ماتيس» و«بوشنسكي» نقلًا عن «جالينوس» من خلال هذا المثال: «إما أن تكون الدنيا نهارًا أو ليلًا، تكافئ أن النهار لا يكافئ الليل».٤٣
  • (٤)

    إما الأول أو الثاني، يكافئ: إذا كان الأول كان ليس الثاني، وإذا كان ليس الثاني كان الأول.

    وباستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث يكون التعريف كالآتي:
    ق ك ق ك ق
    وهذا التعريف كما يذكر بوشنسكي كان فرضية رواقية.٤٤

وإذا كان من البديهي أن التعريفات في النسق الاستنباطي لا يبرهَن عليها لأنها بمثابة الإعلان الذي يصرح فيه واضع النسق بأنه سوف يستخدم الصيغتين على أنهما متكافئتان، إلا أننا مع ذلك يمكننا أن نتبين أن التعريفات التي قدمها الرواقيون يمكن البرهنة على صحتها، وذلك مما يتضح من قائمة الصدق التالية:

  • (١)
    أن القيم الواردة في العمودين رقم ٣، ٧ الخاصتين بالدالتين: (ق ك)، ك) متناظرة؛ بحيث إذا صدقت إحداهما اقترن ذلك بصدق الأخرى، وإذا كذبت إحداهما، اقترن ذلك بكذب الأخرى، إذن فالدالتان متكافئتان.
  • (٢)
    يمكن البرهنة على صحة صيغة التكافؤ بتحويلها إلى عبارتي لزوم بالتبادل، وبالبرهنة على صحة عبارتي اللزوم، فيتم بالتالي البرهنة على صيغة التكافؤ، وذلك كما يلي:
    ق ك ك) [(ق ك) ك)] [ ك) ك)].
إذن فالمطلوب هو البرهنة على صحة:
ك) ك)
ك) ق ك

أولًا:

بما أن العمود رقم (٨) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

ثانيًا:

إذن العمود رقم (٨) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما بالنسبة لتطبيق طريقة البرهان باستخدام قائمة الصدق على التعريف الثاني فيكون كالآتي:

بمقارنة القيم الواردة في العمود رقم (٣) الخاص بالشطر الأيمن في الصيغة السابقة، بقيم الشطر الأيسر الواردة في العمود رقم (٦)، نتبين أنها متناظرة؛ بمعنى أنه كلما كانت صيغة الشطر الأيمن صادقة، صدقت الأخرى، وأنه كلما كذبت، كذبت الأخرى أيضًا، إذن فالتكافؤ أو التعريف صحيح.

وبما أن التكافؤ يفيد التلازم بين شطري صيغة التكافؤ كما أوضحنا في البرهنة على التعريف الأول، إذن فنحن يمكننا التوصل مباشرة التوصل في هذا التعريف إلى صيغتي اللزوم المتبادلتين الصحيحتين التاليتين:
ق ق ك
ق ك ق

أولًا:

بما أن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فاستدلال صحيح.

ثانيًا:

إذن فالعمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما تطبيق طريقة البرهان باستخدام قائمة الصدق على التعريف الثالث فيكون كالآتي:

بمقارنة القيم الواردة في العمود (٣) الخاص بالشطر الأيمن في الصيغة السابقة، بقيم الشطر الأيسر الواردة في العمود رقم (٦)، نتبين أنها متناظرة، بمعنى أنه كلما كانت صيغة الشطر الأيمن صادقة، صدقت الأخرى، وأنه كلما كذبت، كذبت الأخرى أيضًا، إذن فالتكافؤ أو التعريف صحيح.

وبما أن التكافؤ يفيد التلازم بين شطري صيغة التكافؤ كما أوضحنا في التعريفين السابقين، إذن فنحن يمكننا مباشرة التوصل في هذا التعريف إلى صيغتي اللزوم المتبادلتين الصحيحتين التاليتين:
ق ك ق ك
ق ك ق ك

أولًا:

بما أن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن الاستدلال صادق دائمًا، إذن الاستدلال صحيح.

ثانيًا:

إذن فالعمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما عن تطبيق طريقة البرهان باستخدام قائمة الصدق على التعريف الثالث فيكون كآلاتي:

بمقارنة القيم الواردة في العمود (٣) الخاص بالشطر الأيمن في الصيغة السابقة، بقيم الشطر الأيسر الواردة في العمود (٦)، يتبين أنها متناظرة، بمعنى أنه كلما كانت صيغة الشطر الأيمن صادقة، صدقت الأخرى، وأنه كلما كذبت، كذبت الأخرى أيضًا، إذن فالتكافؤ والتعريف صحيح.

وبما أن التكافؤ يفيد التلازم بين شطري صيغة التكافؤ، كما أوضحنا في التعريفين السابقين، إذن فنحن يمكننا مباشرة التوصل في هذا التعريف إلى صيغتي اللزوم المتبادلتين الصحيحتين التاليتين:
ق ك ق ك
ق ك ق ك

أولًا:

بما أن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

ثانيًا:

إذن فالعمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما عن تطبيق طريقة البرهان باستخدام قائمة الصدق على التعريف الرابع فيكون كآلاتي:

بمقارنة القيم الواردة في العمود (٣) الخاص بالشطر الأيمن في الصيغة السابقة، بقيم الشطر الأيسر الواردة في العمود رقم (٦)، نتبين أنها متناظرة، بمعنى أنه كلما كانت صيغة الشطر الأيمن صادقة، صدقت الأخرى، وأنه كلما كذبت، كذبت الأخرى أيضًا، إذن فالتكافؤ أو التعريف صحيح.

وبما أن التكافؤ يفيد التلازم بين شطري صيغة التكافؤ كما أوضحنا في التعريفات السابقة، إذن فنحن يمكننا مباشرة التوصل في هذا التعريف إلى صيغتي اللزوم المتبادلتين الصحيحتين التاليتين:

أولًا:

بما أن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صادق دائمًا، إذن فالاستدلال صحيح.

ثانيا:

بما أن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة فقط، إذن فالاستدلال صحيح.

ثانيًا: اللامبرهنات

بعد أن قدم الرواقيون تعريفات للثوابت في وضوح وصراحة، وضعوا «مقدمات أولية»٤٥ منها يمكن استنباط قضايا، وهذه المقدمات تمثل فئةً من القضايا أخذوا بها دون برهان وسلموا بصحتها تسليمًا واتخذوها أساسًا لإقامة البرهان على غيرها من القضايا، وقد سمَّى كريسبوس الرواقي هذه القضايا «صورًا استدلاليةً» inference schemata، وسماها أيضًا «ضروبًا لا تقبل البرهان» basic or indemonstrable mood، أي ضروب غير مبرهنة يقوم عليها كل استدلال، وتشتق منها كل الأضرب الأخرى؛٤٦ وكل ضرب يحتوي على مقدمتين هما: المقدمة الرئيسية، وهي قضية شرطية، أو منفصلة، أو متصلة منفية. والافتراض الإضافي، وهو قضية حملية مثبتة، أو منفية.
وقد أحصى منها كريسبوس خمسة ضروب وهي على النحو التالي:٤٧
  • (١)

    إذا كان الأول، كان الثاني، ولكن الأول، إذن الثاني

    وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة الإثبات بالإثبات modus ponendo ponens وهو عبارة عن قياس شرطي متصل مثبت يتألف من مقدمة شرطية متصلة (لزومية) وأخرى حملية ونتيجة حملية، وقد جاءت المقدمة الحملية مثبتة لمقدم القضية اللزومية، كما جاءت النتيجة مثبتة لتالي تلك القضية.
    ويمكن التعبير عن ذلك باستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث، وذلك على النحو التالي:
    ق ك ق ك
  • (٢)

    إذا كان الأول، كان الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن ليس الأول.

    وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة النفي بالنفي modus tollendo tollens، وهو عبارة عن قياس شرطي متصل منفي يتألف من مقدمة متصلة (لزومية) وأخرى حملية، ونتيجة حملية، وقد جاءت المقدمة الحملية منكرة لتالي الكبرى، وجاءت النتيجة منكرة لمقدم القضية نفسها. ويمكن التعبير عن ذلك باستخدام لغة المنطق الرمزي الحديث، وذلك على النحو التالي:
    ق ك ك ق
  • (٣)

    ليس معًا الأول والثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني

    وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة النفي بالإثبات modus ponendo tollens؛ وهو عبارة عن قياس شرطي منفصل بالمعنى القوي بعد أن رد (كريسبوس) الانفصال إلى عطف بواسطة النفي التناقضي، وهو يتألف من مقدمة شرطية عطفية يكون مقدمها نفيًا لأحد البديلين، ثم مقدمة حملية مثبتة لمقدم القضية العطفية ونتيجة نافية لتالي تلك القضية
    وبلغة المنطق الرمزي الحديث يكون كالآتي:
    ك) ق ك
  • (٤)

    إما أن يكون الأول والثاني، ولكن الأول؛ إذن ليس الثاني

    وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة النفي بالنفي modus ponendo tollens؛ وهو عبارة عن قياس شرطي منفصل بالمعنى القوي، حيث يتألف من مقدمة شرطية منفصلة كمقدمة كبرى وقضية حملية كمقدمة صغرى مثبتة لمقدم القضية الكبرى، ونتيجة حملية منكرة لتالي تلك القضية ويمكن التعبير عنه بلغة المنطق الرمزي الحديث على النحو التالي:
    ق ك ق ك
  • (٥)

    إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن الأول

    وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة الإثبات بالنفي modus tollendo ponens؛ وهو عبارة عن قياس شرطي منفصل بالمعنى الضعيف، حيث يتألف من مقدمة شرطية منفصلة كمقدمة كبرى ومقدمة حملية كمقدمة صغرى منكرة لتالي الكبرى ونتيجة حملية مثبتة لمقدم القضية نفسها.
    ويمكن التعبير عنها بلغة المنطق الرمزي الحديث وذلك على النحو التالي:
    ق ك ك ق
    وقد اعتقد كريسبوس أن هذه الضروب الخمس مكتملة؛ أي كافية لاشتقاق كافة النتائج المطلوبة، كما أنها مستقلة independent؛ أي منفصلة الواحدة منها عن الأخرى «فلا تقبل الرد»، كما أنها أولية بمعنى أنه لا توجد صور أخرى سابقة عليها في عملية الاستدلال، ولا تقبل البرهان، بمعنى أنها حقائق منطقية Logical truth.٤٨
ومن ناحية أخرى، فإن هذه الصور ليست ضروبًا؛ بمعنى أنها صور متعددة للاستدلال، وإنما بمعنى أنه يمكن اعتبارها قواعد للاستدلال، وذلك أول عهدنا بوضع قواعد للاستدلال في وضوح وصراحة قبل البدء بأي برهان.٤٩
ولما كانت البديهيات أو اللامبرهنات ليست أساسًا موضعًا للبرهان، إلا أننا مع ذلك يمكننا البرهنة على صحتها كما فعلنا من قبل في التعريفات؛ وذلك من خلال قائمة الصدق التالية. ونبدأ باللامبرهنة رقم «١»:
ق ك ق ك

البرهان:

  • (أ)

    إذن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة، إذن فالاستدلال صحيح.

  • (ب)

    أو بما أن صدق المقدمة في العمود رقم (٥) قد اقترن بصدق النتيجة في العمود رقم (٣)؛ وذلك في الصف الأول، وبما أنه لا توجد أية حالة تصدق فيها المقدمة وتكذب النتيجة، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما عن اللامبرهنة الثانية وهي:
ق ك ك ق
  • (أ)

    إذن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة، إذن فالاستدلال صحيح.

  • (ب)

    أو بما أن صدق المقدمة في العمود رقم (٥) قد اقترن بصدق النتيجة في العمود رقم (٣) وذلك في الصف الأول، وبما أنه لا توجد أية حالة تصدق فيها المقدمة وتكذب النتيجة، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما اللامبرهنة رقم (٣) وهي:
ك) ق ك

البرهان:

  • (أ)

    إذن العمود رقم (٨) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة، إذن فالاستدلال صحيح.

  • (ب)

    أو بما أن صدق المقدمة في العمود رقم (٦) قد اقترن بصدق النتيجة في العمود رقم (٤) وذلك في الصف الأول، وبما أنه لا توجد أية حالة تصدق فيها المقدمة وتكذب النتيجة، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما عن اللامبرهنة رقم (٤) وهي:

ق ك ق

البرهان:

  • (أ)

    إذن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة، إذن فالاستدلال صحيح.

  • (ب)

    أو بما أن صدق المقدمة في العمود رقم (٥) قد اقترن بصدق النتيجة في العمود رقم (٣) وذلك في الصف الأول، وبما أنه لا توجد أية حالة تصدق فيها المقدمة وتكذب النتيجة، إذن فالاستدلال صحيح.

وأما عن اللامبرهنة رقم (٥) وهي:
ق ك ك ق

البرهان:

إذن العمود رقم (٧) الخاص بالاستدلال لا يحتوي إلا على قيم صادقة، إذن فالاستدلال صحيح.

أو بما أن صدق المقدمة في العمود رقم (٥) قد اقترن بصدق النتيجة في العمود رقم (٣) وذلك في الصف الأول، وبما أنه لا توجد أية حالة تصدق فيها المقدمة وتكذب النتيجة، إذن فالاستدلال صحيح.

تلك هي البراهين الخاصة باللامبرهنات، وهي تبين أن اللامبرهنات عند الرواقيين تخضع لقانون تحصيل الحاصل على نحو ما ذهب إليه أصحاب الأنساق المعاصرة وبخاصة نسق برتراندرسل.

ثالثًا: المبرهنات

إذا كان الرواقيون بقيادة «كريسبوس»، قد وضعوا خمس صور استدلالية افترضوها كبديهيات لاستنباط الأشكال الأخرى، وهذه الأشكال تمثل جملة القضايا أو الصيغ التي يتم اشتقاقها من مجموعة اللامبرهنات. ولذا عادة ما تسمى بالقضايا أو الصيغ المشتقة أو القابلة للاشتقاق derivable أو باختصار «المبرهنات».

والسؤال الآن: كيف حاول الرواقيون رد المبرهنات إلى اللامبرهنات؟

يذكر المؤرخون أن كريسبوس كان يتبع في رد المبرهنات إلى اللامبرهنات أربع قواعد منطقية عامة وهي على النحو التالي:

  • القاعدة الأولى: ويذكرها «وليم نيل» نقلًا عن «جالينوس» «والإسكندر الأفروديسي»؛ حيث تقول: إنه إذا تضمنت قضيتان قضية ثالثة، فإن أيًّا منها مع نفي الثالثة يتضمنان نفي القضية الباقية، وهذا المبدأ الذي استخدمه أرسطو في الرد غير المباشر.٥٠
    وهذه القاعدة على حد تعبير (بوشنسكي) مشابهة لما يلي:٥١
    ق ك ل ل ك ق

    أو

    ق ك ل ق ل