الفصل الثاني

«الثورة» واليقظة القومية

تمهيد

لقد تبيَّن من الدراسة السابقة أن الأثر الذي أحدثته الثورة الفرنسية على «الحكومات» في أوروبا كان أثرًا عكسيًّا؛ وسبَّب ذلك أن الثورة استعدَتْ ضدها أكبر الدول التي كان قد تَمَّ تكوينها في ظل «النظام القديم»، فصارت حكوماتها تحرص على الاحتفاظ بما كان لها من أنظمة اقتصادية واجتماعية وسياسية؛ ولذلك ناصبت هذه الدول «الثورة» العداء، وراحت تعقد المحالفات العسكرية القوية ضدها، وأرغمت «الثورة» على الاشتباك في حروب استمرت بدون انقطاع تقريبًا منذ سنة ١٧٩٢. وفي طليعة هذه الدول المتحالفة ضد «الثورة» كانت إنجلترة وروسيا والنمسا وبروسيا، ولقد انحاز إليها عدد من الدويلات أو الإمارات في إيطاليا وألمانيا.

أما هذه الحروب فقد أسفرت حتى عام ١٧٩٨ عن اختفاء طائفة من حكومات «العهد القديم» على يد الثورة ذاتها، وبفضل انتصار جيوشها في أوروبا؛ من ذلك حكومة البندقية، وعدد من الحكومات الأخرى الإيطالية، على أثر إنشاء جمهوريات ما وراء الألب (سيزألباين) وليجوريا وبارثينوبيا … إلخ. كما أسفرت عن اختفاء حكومة (أو دولة) بولندة، التي ألهبت الثورة «الشعور القومي» بها، فانتهى ظهور الحركة القومية في بولندة إلى اقتسام هذه الدولة بين جيرانها واختفائها من الوجود سياسيًّا.

أما إذا تركنا جانبًا أمر «الحكومات» فمما لا شكَّ فيه أنه كان للثورة أثر «إيجابي»، تأثَّرت به كل تلك «الشعوب» التي كانت قد بدأت تنمو قبل حوادث الثورة، ثم قطع نموها شوطًا كبيرًا، حتى إنها صارت تستطيع إدراك معاني الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة بعد ذلك. الأمر الذي أتاح الفرصة «للثورة» حتى تلعب دورًا هامًّا في استحثاث هذه الشعوب واستنهاض همتها، ودعوتها للمطالبة بتحقيق مبادئ الحرية والمساواة، إلى جانب المطالبة باستقلالها.

ونجحت «الثورة» بفضل الآراء والمبادئ التي جاءت بها، في تأييد رغبة الشعوب في استقلالها، وتصميمها على الاحتفاظ بكيانها الذاتي. ولم تكن الرغبة في الاستقلال، والإبقاء على هذه الذاتية شيئًا جديدًا، بل كانت هذه الرغبة موجودة فعلًا في صورة من الصور قبل عهد الثورة.

والسبب في هذا النجاح أن «الثورة الفرنسية» سرعان ما عملت على إحياء آمال الشعوب التي رضخت طويلًا تحت سلطان السيطرة الأجنبية الغاشمة، ثم أخذت تدفع هذه الشعوب دفعًا نحو العمل الإيجابي للتحرر من النير الأجنبي. فاستطاعت «الثورة» أن ترسم بهذا العمل الخطوط الأولى لبداية الحركات القومية في أوروبا.

وتلك حقيقة سوف تتَّضِح تمامًا من دراسة أثر الثورة في اليونان وإرلندة، أو أثرها على الشعوب التي جاورت اليونان، كالسرب الذين حاولوا الثورة على روسيا في عام ١٨٠٤، فضلًا عن دراسة هذا الأثر في ألمانيا. وكانت ألمانيا حقلًا واسعًا لتفاعل الآراء والمبادئ التي نادت وأتت بها الثورة الفرنسية.

ألمانيا تجاه الثورة

تضافرت عواملُ هامةٌ على تهيئة ألمانيا وإعدادها لقبول الآراء التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وخصوصًا الآراء والمبادئ السياسية. ففي حين كان الفرنسيون لا يعرفون سوى النزر اليسير عن ألمانيا ويكادون «يجهلون» ألمانيا، كان الألمان أنفسهم أكثر أهل أوروبا معرفةً بآراء ونظريات قادة الفكر الفرنسي، وأكثر شعوبها إلمامًا بعادات الفرنسيين وبأساليب حياتهم، وكانت لهم درايةٌ واسعةٌ بالأدب الفرنسي.

فالألمانيون عرفوا النظريات التي نادى بها «جان جاك روسو» في التربية، وانكبَّ «تلاميذ» كثيرون يدرسون سائر «نظريات» هذا الفيلسوف الفرنسي، وآراءه في السياسة وغيرها، بشغفٍ ونهمٍ عظيمين. وظفر «مونتسكيو» إلى جانب زميله بالحظوة لدى مفكري الألمان.

فكان «أمانويل كنط» (١٧٢٤–١٨٠٤) فيلسوف كونجزبرج العظيم، من كبار المعجبين بكلٍّ من «روسو» و«مونتسكيو»، وتأثَّر بدرجةٍ كبيرةٍ بكتاباتهما وآرائهما، وإن كان «كنط» قد نحا منحًى خاصًّا في ابتداع تلك الفلسفة الأخلاقية المثالية التي استندت عليها آراؤه ونظرياته السياسية، فحاول أن يمزج بين آراء «روسو» و«مونتسكيو» في نظامٍ من التفكير السياسي، يميز فيه بين نظرية الحياة والوجود (الكون) كما يدركها العقل المجرد، وبين هذه النظرية ذاتها كما يستدلُّ عليها من الواقع وبالتجربة، فأنكر «كنط» على الشعوب خروجها على صاحب السيادة في الدولة، والذي يجتمع «تمثيل» الشعب في شخصه، سواءٌ أكان ملكًا، أو ارتكزت السيادة في نبلاء أو في نوابٍ عن الأمة.

ولقد كان من المعجبين بآراء «روسو» والفلاسفة الفرنسيين كذلك «جوهان جوتليب فيشته» وهو من تلامذة «كنط»، ويحتلُّ «فيشته» مكانةً عظيمةً في تاريخ الفكر الألماني السياسي. ولقد جعل «فيشته» الاهتمام «بالشعب والأمة» يغلب على الاهتمام «بالفرد»، فابتدع ذلك «النظام الاجتماعي» الذي اتَّخَذَهُ أساسًا لنشوء الدولة باعتبار أسبقية حرية المجتمع بأسره على حرية الفرد وحده. وكان لذلك طبيعيًّا أن يأتي تفسير «فيشته» لنظرية العقد الاجتماعي مغايرًا لما أخذ به «روسو»، وإن كان كلاهما اعتمد في تفسيره على وجود «إرادةٍ عامةٍ» هي مصدر السيادة العليا وموئلها في الدولة، فجعلها «روسو» نتيجة تنازل الأفراد عن إرادتهم الفردية، واندماج هذه في إرادةٍ عامةٍ، في حين افترض «فيشته» وجود «الإرادة العامة» أصلًا في المجتمع، وبالتالي في الدولة التي جعل من حقها ونصيبها وحدها السهر على حريات الأفراد وضمان هذه الحريات في المجتمع.

ولقد كان لآراء «فيشته» أثرٌ كبيرٌ في تنظيم المقاومة الوطنية ضد السيطرة الفرنسية في ألمانيا في عهد نابليون الأول، كما أن «فيشته» يعتبر في عداد أعلام المفكرين الألمان الذين نادوا بتكوين «الدولة القومية».

وعلى ذلك، فقد كانت ألمانيا وقت اندلاع «الثورة الفرنسية» في مقدمة البلدان التي قطعت شوطًا لا يُستَهَان به في ميدان الفكر، ولو أن اهتمام الألمان وقتئذٍ كان لا يزال مقصورًا على دراسة الآراء التربوية والفلسفية التي نادى بها «أمانويل كنط» خصوصًا. ثم إنهم بدءوا يستيقظون رويدًا رويدًا من سباتهم السياسي. ولعل نجاح الفرنسيين في تأسيس «الجمهورية» في فرنسا كان أعظم العوامل أثرًا في هذه اليقظة السياسية التي جعلت الألمان ينفضون عنهم غبار ذلك الخمول السياسي الذي أقعدهم عن العمل والنشاط في هذا الميدان «السياسي» أزمانًا طويلةً.

وثمة عاملٌ آخر هو أنه وجدت بألمانيا ذاتها قبل اشتعال «الثورة الفرنسية» بسنواتٍ عديدةٍ صحافة نشيطة كان ديدنها الكشف عن المساوئ المنتشرة في الدويلات والإمارات الألمانية؛ والتي كانت وصمة عار في جبينها. فحملت الصحافة حملةً شديدةً استمرت حوالي العشرين سنة قبل بدء «الثورة» في فرنسا؛ لإزالة هذه المساوئ التي شكا منها الشعب الألماني في الولايات والإمارات المختلفة، وخصوصًا وجود الحكومات المستبدة التي عطَّلت تقدم البلاد.

ثم قويت الدعوة لإدخال الإصلاحات العديدة التي يطالب بها الشعب، على أسسٍ ديمقراطيةٍ، وبخاصةٍ في ميدان التربية والتعليم. ولقد كانت المطالبة بالإصلاح خروجًا على الأنظمة والتقاليد «القديمة»، وهي الأنظمة والتقاليد التي مهَّد لزوالها كذلك انتشار «الماسونية» حركة البنائين الأحرار، وهددت «الماسونية» بالقضاء على الآراء والمعتقدات التقليدية العتيقة.

ومما هيَّأ ألمانيا لقبول الآراء الجديدة التي نادت بها «الثورة الفرنسية» أن الحكومة في «بفاريا» عمدت منذ ١٧٨٤ إلى حل جماعة «المتنورين» Illuminati وإلغاء منظماتهم أو هيئاتهم؛ فانتشر هؤلاء في أنحاء ألمانيا يحملون آراءهم «الخطيرة» إلى كل مكان ذهبوا إليه. ومن أخطر هذه الآراء قولهم: إن الوقت قد مضى الآن، للتمسُّك بالنظام الملكي، ولم تعد هناك حاجةٌ لوجود الملكية أو الملوك، ثم إنهم حملوا على طبقة النبلاء الذين اعتبروهم مجرد آلاتٍ لا عمل لها غير دعم أركان الظلم والاستبداد.
وثمة سببٌ آخرٌ، هو أن الفلاسفة والمفكرين السياسيين من طراز «كنط» و«فيشته»، لم يكونوا وحدهم الذين أعجبوا بآراء الفلاسفة الفرنسيين وكتاباتهم، فمهَّدوا بذلك السبيل في ألمانيا لانتشار الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية. فقد أُعجب بآراء وكتابات فلاسفة الثورة طائفةٌ من فحول الكتاب والشعراء الألمان المعاصرين، مرَّ بنا ذكر جماعةٍ منهم مثل «فردريك شيلر» Schiller (١٧٥٩–١٨٠٥) الكاتب والشاعر ومؤرخ «حرب الثلاثين سنة» في ألمانيا، ومن كبار المعجبين «بروسو». وقد أخذ «شيلر» على عاتقه المناداة في كل ما كتبه بتحطيم القيود الاجتماعية والسياسية، وبالثورة عليها. وحذا حذوه في ذلك «جيته» Goethe (١٧٤٩–١٨٣٢) أعظم شعراء ألمانيا شهرةً. ولقد هزأ «جيته» وغيره من الكتَّاب الشبَّان في عصره بطبقة النبلاء، وسخر منها سخريةً كبيرةً.

وساعد على تغلغل الآراء الفرنسية في ألمانيا بهذه السرعة والسهولة، أن هذه البلاد الواسعة لم تكن تعرف وقتئذٍ شعورًا قوميًّا أو وطنيًّا يحول دون انتشار الآراء «الأجنبية» بها. ومع أن ألمانيا كانت مهيأة لقبول أية آراء قد تأتيها من الخارج والتأثر بها، فالذي تَجِب ملاحظته أنها كانت عاجزةً في الوقت نفسه عن أن تنتزع لنفسها «نظامًا» معينًا في التفكير السياسي يتلاءم مع الأحوال السائدة بها.

وتلك حقيقة يفسرها التهليل والتكبير الذي قابل به المفكرون والكتاب الألمان «الثورة الفرنسية» عند اندلاعها، فرحبت بها الصحف الألمانية، واستبدَّ الحماس لها بطائفة الأدباء والكتاب والمفكرين الألمان، فشدوا الرحال إلى «باريس»، وكان من كبار «المتحمِّسين» للثورة «ولهلم فون همبولدت» Humboldt (١٧٦٧–١٨٣٥) العالم اللغوي، ورجل الدولة الذي تولَّى وزارة التربية والتعليم في مملكة بروسيا فيما بعد، كما حَضَرَ مؤتمر فينا وأدى خدماتٍ جليلةً لدولته. ثم عميد الأدب الألماني «فردريك كلوبستوك» Klopstock (١٧٢٤–١٨٠٣) الذي اشتهر بقصيدته عن عودة المسيح المنتظر، والذي أَسِفَ أسفًا عظيمًا — كما قال — لأنه لم يكن له «مائة لسان» حتى يستطيع الاحتفال بمولد الحرية كما يحبُّ ويشتهي، وأعلن أنه ما كان يتردد هو وأبناؤه في الذهاب إلى «باريس» لو أن له أبناء؛ حتى يظفروا جميعًا بالحصول على صفة «المواطن الفرنسي».
ولقد ساهم غير هؤلاء من كبار قادة الرأي والفكر في الترحيب «بالثورة»، والحفاوة والاحتفال بها. في مقدمة هؤلاء كان «هردر» و«ريشتر» Richter و«جوتفريد أوجست بيرجر» Burger وغيرهم. كما عظم الحماس «للثورة» في المدارس والجامعات.
ومع ذلك، فإن هذا الحماس العظيم الذي قوبلت به «الثورة»، لم يكن معناه أن البلاد بأسرها كانت ترحِّب بها، أو أن جميع قادة الرأي وأهل الفكر في ألمانيا كانوا يقبلون الآراء والمبادئ التي تمخَّضت عنها «الثورة»، والتي عمل رجال الثورة الفرنسيون على إذاعتها في أوروبا. فقد وجدت طائفةٌ من الكتاب والمفكرين الألمان، نذكر منهم «جوهان ولهلم جلايم» Gleim الشاعر، و«فردريك هنريك جاكوبي» Jacobi الفيلسوف، و«بارتولد جورج نيبور» Neibuhr المؤرخ، وغيرهم، نظروا جميعًا بخوفٍ وحذرٍ شديدين «للثورة»، منذ بدايتها.
ثم إن «الثورة» فشلت في أن تستميل إلى تأييدها «هنري ستين» Stein (١٧٥٦–١٨٣١) صاحب الإصلاحات الكثيرة التي مكَّنت بروسيا من النهوض والانتعاش بعد صلح «تلست» Tilst — بين روسيا وفرنسا سنة ١٨٠٧ — لتتزعَّم النضال ضد السيطرة الفرنسية. ومع أن «كوتزبيو» Kotzebue، (الذي كان عميلًا للقيصر إسكندر فيما بعد ثم اغتِيل لرجعيته بعد ذلك بسنواتٍ عديدةٍ في ظروفٍ سيأتي ذكرها في موضعها)، كان قد دفعه الحماس إلى الذهاب إلى باريس عقب «الثورة»، فإنه لم يلبث أن تناول بالنقد الممزوج بالسخرية ذلك التضارب الذي لاحظه بين المثل العليا التي نادت بها «الثورة»، وبين ما كان يبدو في نظره من ضعفٍ وانحرافٍ عن هذه المثل العليا في نوادي اليعاقبة.
أما «جيته» فمع أنه — كما عرفنا — كان يهزأ بطبقة النبلاء في بلاده عمومًا، ولا يشعر بعطفٍ ما نحو «النظام القديم»، ولم يكن بحالٍ من الأحوال «صديقًا» لهذا العهد الذي أثبت عجزه فانطوت في نظره صفحته، فقد فشلت «الثورة» في استمالته هو الآخر لتأييدها. فراح «جيته» ينعى على «الثورة» الشدة والعنف الذي اقترفته، ويندِّد بعجلتها الظاهرة. ولما كان «مارتن لوثر» في نظره مسئولًا عن القضاء على حركة «النهضة الأدبية والفنية» في بلاده، فقد خشي «جيته» أن تَحُول «الثورة الفرنسية» دون ازدهار الحركة الفلسفية والذهنية المعاصرة، والتي سميت باسم فلسفة العلم والمعرفة، أو «التنور» Aufklarung في ألمانيا. ومع أنه أعلن غداة واقعة «فالمي» التي نجحت «الثورة» بفضلها — في ٢٠ سبتمبر ١٧٩٢ — من أعدائها وخصومها، أنَّ فجر عهد جديد قد بزغ، فقد أبدى مخاوفه من المستقبل. ثم لم يلبث أن أظهر كراهيته للدعاية أو «البروبجندا» التي قامت بها «الثورة».
وفي قصته المشهورة عن «هرمان ودوروثيا»١ شرح «جيته» فكرته القائلة بأن الخير كلَّ الخير للبشرية إنما يكمن في قيام كل فرد بتأدية واجبه على أكمل وجه، وفي إعداد حياة بيتية سعيدة، بدلًا من الانزلاق في أي نشاطٍ آخر.
ثم إن «شيلر» لم يمنعه إعجابه بآراء «روسو» وكتاباته من إظهار تبرُّمه بأعمال «الثوار الفرنسيين» الذين هم من طبقات العامة؛ لأن فرنسا في رأيه لم يكن أبناؤها قد وصلوا بعدُ إلى درجة من التربية والتعليم تجعلهم قادرين على «فهم» معنى تلك «المساواة» التي يطالبون بها وإدراك قيمتها، فضلًا عن أن الطريق أو الوسيلة الموصلة «للحرية» إنما هي بنشر الثقافة المعتمدة على إدراك «الجمال» وتقديره. ومع أن «جيته» كان قد نال صفة «المواطن الفرنسي» عن قصته «اللص أو القرصان» Die Raüber، فقد جعلته الفظائع التي ارتكبها رجال الثورة يتحوَّل بعد ذلك من المسالمة أو المهادنة إلى الانتقاض على الثورة وكراهيتها، والشعور بعداءٍ شديدٍ ضدها. وحينما قبضت «الثورة» على الملك لويس السادس عشر تهيَّأ «جيته» لتقديم التماس بالعفو عن الملك وإطلاق سراحه، ولكن الملك لم يلبث أن أُعدِم قبل أن يستطيع «جيته» التدخل.
وهذه الفظائع التي ارتكبتها «الثورة» كان لها نفس الأثر في موقف «شيلر» كذلك. ولقد ترتَّب على قيام الحرب، ووقوع «مذابح سبتمبر» المعروفة، وإعدام الملك، أن وَجَدَ الألمان أنفسهم منقسمين إلى فريقين؛ فريق الذين كانوا قد رحَّبوا بالثورة في أول الأمر، مثل «شلوتزر» Schlozer، و«ويلاند» Wieland، و«شارنهورست» Scharnhorst، و«ستولبرج» Stolberg، و«كامب» Campe، و«جاجرن» Gagern، وغيرهم، وهم الذين انقلبوا الآن فصاروا أعداءً لها، ثم فريق الذين استطاعوا احتمال ما جرى من حوادث، خصوصًا «مذابح سبتمبر» في جَلَدٍ وصَبْرٍ، ومن هؤلاء «هردر» و«كلوبستوك»، ولكنهما لم يلبثا أن انقلبا ضد الثورة بسبب إعدام الملك، ولو أن «هردر» لم يتردد في إعلان رأيه: أن أحدًا من الجماعتين المتناضلتين: رجال الثورة، وأنصار الرجعية والنظام القديم الذين يعتمدون على مؤازرة الحكومات لهم، سوف يكون من نصيبهم النصر في الحرب الدائرة في النهاية.

•••

والحقيقة أن موجةً من الذعر سادت ألمانيا عمومًا بسبب «الفظائع» التي ارتكبها اليعاقبة، حينما حطَّموا قواعد النظام القديم في فرنسا، وراحوا يبذلون — علاوةً على ذلك — كلَّ ما وَسِعَهُمْ من جهدٍ وحيلةٍ لنشر آراء «الثورة» في سائر ربوع أوروبا. وأخذت «الحكومات» الألمانية على عاتقها مقاومة الآراء التي نادت بها الثورة، بعد أن أدركت هذه الحكومات جسامة الأخطار التي تتهدَّدها نتيجةً لذيوع الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية من حيث تهديدها لذلك السلطان الذي تمتَّعت به هذه الحكومات في داخل الدويلات أو الإمارات المنتشرة في أرجاء ألمانيا. فعظم عداء الحكومات للثورة، وراحت من ثم تتخذ الوسائل والتدابير التي تكفل مكافحة هذه الآراء الجديدة وتعطيل ذيوعها والقضاء عليها.

وعلى ذلك؛ فإنه سرعان ما أُوقِفَتْ في حزمٍ وشدةٍ كلُّ تلك الحركات الإصلاحية التي كان قد بدأها في شيءٍ من الوجل، دعاة «الاستبداد المستنير» في ألمانيا. فمنعت النمسا منذ سنة ١٧٩٠ تبادل كل الرسائل والكتب التي يترتب على ذيوع ما قد تحويه من أفكار وأنباء «هياج فكري»، فقامت في النمسا «رقابة» شديدة، وانتشرت بها الجاسوسية على نطاقٍ واسعٍ، وبدأت حركة تطهير كبيرة لإخراج العناصر الخطرة وإقصائها عن الإدارة.

وفي بروسيا قَوِيَ نفوذ جماعة «الأتقياء» أو «المتورعين» Pietists في الحكومة، وقام هؤلاء بحركة كنسية رجعية كبيرة، وتطرف الرجعيون، فحرمت بروسيا الإقامة بها على كثيرين من الفرنسيين الذين كان مشتبهًا في تأثرهم بآراء «الفلاسفة»، ثم منعت الحكومة في يونيو ١٧٩٢ نشر الجزء الثاني من مؤلف «كنط» عن «الدين في حدود العقل»،٢ كما منعت في نفس السنة دخول المطبوعات الفرنسية جميعها إلى بروسيا. ولقد حذَّرت كذلك الصحف البروسية من الخوض في السياسة.
وسبب هذا الإمعان في الرجعية أنه كانت قد قامت منذ عامين مضيا ثورة من الفلاحين في «سيلزيا» على أثر صدور كتيب بعنوان «رسائل من الذهب لأحد السياح»٣ بسط فيه صاحبه الآراء الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية، فقضى على هذه الثورة بشدة، وترتَّب على هذه الحركة الفاشلة أن امتنع إزالة «الخدمات الإقطاعية» من «قانون الأرض» البروسي الذي صدر في سنة ١٧٩٤.
وفي كلِّ ألمانيا طوردت الجمعيات السرية: جماعة «المتنورين» في بفاريا الذين سبقت الإشارة إليهم. وفي ١٤ يونيو ١٧٩٣ قرر «الدياط» منع الطلاب من تكوين الجمعيات، وذلك بعد أن ندَّد غراندوق «فايمر» بهذه الجمعيات، ونال مؤازرة كلٍّ من بروسيا وسكسونيا في ذلك. ولقد وُضعت الجامعات تحت رقابةٍ صارمةٍ، وسرعان ما طُرد «فيشته» الذي كان أستاذًا للفلسفة بجامعة إيينا Jena، من هذه الجامعة في ١٧٩٨ بتهمة الإلحاد والهرطقة. ثم حدث عقب انتخاب ليوبولد الثاني إمبراطورًا «للإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة» في سنة ١٧٩٠، أن اشترط عليه ناخبو الإمبراطورية الكاثوليك بعدم السماح بشيءٍ قد ينال من «العقائد العامة، والعادات الحميدة».
ووجد الذين تصدَّوْا لمقاومة الثورة ومحاربة الآراء التي أتت بها في شخص «فردريك جنتز» Gentz (١٧٦٤–١٨٣٢) أعظم الناشرين الألمان شهرةً في عصره، خصمًا عنيدًا للثورة، انبرى لمناصبتها العداء بكل ما أوتي من قوةٍ وقدرةٍ على التعبير ببلاغةٍ ووضوحٍ عظيمٍ. ولقد كان «جنتز» أحد الذين رحبوا «بالثورة» في سنة ١٧٨٩، ولكنه ما لبث حتى تحول عن تأييده لها. ثم نشر في سنة ١٧٩٢ ترجمة كاملة لكتاب «إدموند بيرك» «آراء عن الثورة الفرنسية»٤ — وكان قد ظهر للمرة الأولى منذ عامين (في نوفمبر ١٧٩٠) — ويحمل فيه «بيرك» على الثورة في فرنسا حملة عنيفة. فعمد «جنتز» إلى نقل هذا الكتاب الآن إلى الألمانية، وذيَّله بشرحٍ وتعليقاتٍ مسهبةٍ، ثم إنه لم يلبث أن نشر كذلك في سنة ١٧٩٣ ردًّا قويًّا بارعًا على كتابٍ لإنجليزيٍّ آخر، هو السير «جيمس ماكنتوش» Mackintosh ظهر منذ ١٧٩١ لتبرير الثورة في فرنسا والدفاع عنها Vindiciae Gallicae، فتناول «ماكنتوش» بالنقد والتحليل آراء «بيرك»، وحاول أن يدحض أقوال هذا الأخير خصوصًا في حملته على الثورة بشأن مصادرتها أملاك الكنيسة.

فكان في رأي «ماكنتوش» أن تلك المصادرة كانت في صالح الدولة، ثم كان في رأيه أن الفوائد التي عادت على الفرنسيين من قيام الثورة في بلادهم، إنما كانت تفوق بدرجةٍ عظيمةٍ كل تلك الفظائع التي اتهم المهاجرون المغرضون رجال الثورة بارتكابها، وتغالوا في وصفها.

وعلى ذلك فقد عمد «جنتز» في رده إلى تحطيم كل الدعاوى التي استند عليها «ماكنتوش» وأنصار الثورة في تبريرها ونشر الدعوة لها. واعتمد «جنتز» على قوة المنطق والفكر في تقديم الحجج التي أيَّد بها وجهة نظره. فمع أنه لم ينحرف قط عن تحبيذ دعوة «مجلس طبقات الأمة» للانعقاد، فقد اعتبر القضاء على الطبقات Estates ذاتها خطأً سياسيًّا خطيرًا؛ لأن الملكية التي لا يكون لطبقة النبلاء وجود في نطاقها، لا تعدو أن تكون — كما قال — إما «استبدادية شرقية»، وإما اسمًا على غير مسمى، ولا أثر لوجودها كليةً.

وعلى ذلك فقد استند «جنتز» في حملته ضد الثورة في فرنسا على أنه كان من المتعذِّر أن تصبح فرنسا بسبب أخطاء الثورة، دولة من ذلك الطراز المثالي الذي استهدفه المفكرون والمصلحون السياسيون قاطبةً، والذي وجد «جنتز» في النظام الدستوري في إنجلترة، أقرب ما كان يحقق فكرته عن إنشاء دولة مثالية.

أما آثار هذه المقاومة الشديدة ضد الثورة والآراء التي نادت بها، فقد تبدَّت في تعرُّض بعض أعلام الفكر الألمان، مثل «فيشته» الذي سبق الحديث عنه لكل صنوف الاضطهاد. و«فيشته» كان قد نشر في سنة ١٧٩٣ آراءه عن الثورة الفرنسية أو بالأحرى «تصحيحًا» — كما قال — لأحكام الرأي العام على الثورة الفرنسية.٥ فاعتمد في مؤلفه هذا نظرية أستاذه «كنط» عن العقد الاجتماعي، ولكن ليس كواقعة تاريخية وحادث وقع فعلًا، ولكن كفكرة نظرية تفسر ائتلاف الأفراد العقلاء لتشييد أركان المجتمع.

ولما كان تطور الثقافة الأخلاقية ونموها يستلزم تغيير الأشكال الدستورية بصورة مستمرة تكفل تجددها، فقد تعذر أن تبقى هذه «العقود» على حالها، وعلى ما كانت عليه أصلًا، ودون أن يدخل عليها تغيير يلائم بينها وبين مقتضيات التطور الأخلاقي. ولذلك فقد كانت «الدولة» في اعتبار «فيشته» مجرد الأداة التي تحفظ للأفراد حقوقهم، ولم تكن بتاتًا مصدر هذه الحقوق أو هي التي وضعتها.

فالدولة لذلك إنما تقوم — في نظره — بناءً على وجود «عقد» بين مواطنيها، كما أن القوانين لا تكون قوانين إلا إذا أبدى الشعب رغبته الصريحة في الخضوع لها بملء حريته وبمحض إرادته. ثم بحث «فيشته» موضوع الكنيسة وعلاقتها بالدولة، فذهب إلى أن الكنيسة لا ينبغي لها انتظار المعونة من الحكومة لتأييدها، أو انتظار الحصول من الدولة على أملاك تكون لها، بل من حق الفرد أن ينتزع من الكنيسة جزءًا من أملاكها وأموالها إذا هو طالب بذلك. ولقد نشر في سنة ١٧٩٣ كذلك «إمانويل كنط» رسالته عن «النظرية والتطبيق»٦ تحدَّث فيها عن الحرية والمساواة أمام القانون، والمساهمة في التشريع، فأكَّد أنها حقوق أساسية. ولما كان يضمر كراهية شديدة للحروب، فقد نشر في سنة ١٧٩٥ مشروعًا عن «السلام الدائم»٧ بسط فيه رأيه عن سقوط الملكية في فرنسا، فأعلن أن زوالها من شأنه التمهيد لقيام اتحاد من الجمهوريات التي يكفل إنشاؤها واتحادها صون السلام بصورة دائمة.
ثم نشر بعد أعوام ثلاثة (١٧٩٨) رسالة جديدة عن نضال القوى الذهنية،٨ فقال: إن كل الفظائع التي اتهم اليعاقبة بارتكابها في فرنسا، لا توازي شيئًا من كل تلك الفظائع التي ارتكبها الطغاة في الأزمنة السابقة. وأعلن أن الثورة الفرنسية وإن كانت تبدو فاشلة في ظاهرها، إلا أن النجاح سوف يكون نصيبها في النهاية، فتصبح نعمة يعمُّ خيرها الإنسانية بأسرها.

تلك إذن كانت الآراء «الخطيرة» التي اعتبر كلٌّ من «كنط» و«فيشته» مسئولًا عن انتشارها وذيوعها في ألمانيا. ولقد كان سهلًا الاقتصاص من «فيشته» بتنحيته عن عمله كأستاذ للفلسفة في جامعة «أيينا» — على نحو ما قدمنا — في سنة ١٧٩٨. وكان الخوف من ذيوع هذه الآراء التي صار يروِّجها رجال من طراز «كنط» و«فيشته»، والتي تمخَّضت عنها الثورة الفرنسية كذلك، قد استبدَّ بالحكومات الألمانية، خصوصًا عندما نجم من اشتعال الثورة في فرنسا أن سارت الحوادث بسرعة نحو قيام الحرب التي خاضت الحكومات الألمانية غمارها. ولا جدال في أن هذه الحرب التي خاضت الحكومات الألمانية غمارها كانت «إجراءً» استلزمه بالطبيعة واجب الدفاع عن كيانها؛ حتى تدرأ عنها خطر اشتعال الثورة بها.

ولكن كان من أثر هذا الموقف «الطبيعي» الذي وقفته الحكومات الألمانية من الثورة الفرنسية للدفاع عن نفسها، أن صار مختلطًا في أذهان الشعب الألماني ما كان يفرضه عليه واجب الدفاع ضد فرنسا، مع ما كان يتطلبه من النضال من أجل الحرية ونصرتها.

فقد تقدَّم بنا كيف أن المفكرين وأهل الرأي في ألمانيا كانوا وقت نشوب الثورة في فرنسا يرحبون بها، ويؤيدون المبادئ التي جاءت بها، على خلاف ما كانت تفعله الحكومات في الدويلات والإمارات الألمانية. وكان أهم ما امتازت به الطبقات التي انتمى إليها هؤلاء المفكرون وأهل الرأي، وهي الطبقات المثقفة والمستنيرة في ألمانيا، أنها بقيت تَدِين بمبادئ تتسم بطابع العالمية والإنسانية، فلا يقتصر أثرها على ألمانيا وحدها، بل صار يسع نشاطها سائر الأقطار إلى جانب ألمانيا ذاتها.

ولقد كانت الحركة الفكرية في ألمانيا، والتي ذكرنا أنها عرفت باسم فلسفة الاستنارة أو فلسفة العلم والمعرفة Aufklarung كانت ذات صلة وثيقة بالفلسفة الفرنسية؛ لأن فلسفة «التنور» هذه لم تكن إلا حركة قائمة على نقل آراء وأفكار أصحاب الموسوعة «الانسيكلوبيديين» الفرنسيين، وإنما في صيغ وتعريفات وألفاظ أخرى، وعلى نحو ما حدث في فرنسا حين ثورة الولايات الثلاث عشرة الأمريكية على إنجلترة، فأقبل الفرنسيون على تأييدها، فقد ظفرت الثورة الفرنسية بدورها بكل تأييد من جانب الرأي العام في ألمانيا، واشتركت كل الطبقات في المجتمع الألماني في تأييد هذه الثورة.
ولقد سبق أن أشرنا إلى مدى هذا التأييد الذي لقيته «الثورة الفرنسية» من ناحية المفكرين وقادة الرأي والفكر في ألمانيا، وكيف أن هؤلاء كانوا في طليعة المتحمِّسين «للثورة». ومع وجود «المعارضين» للثورة من طراز «جنتز» مثلًا، فقد انحازت أكثرية هؤلاء المفكرين إلى تأييدها. فقد كتب أحد المؤرخين وعلماء الأخلاق السويسريين «جوهانز مولر» Johannes Müller (١٧٥٢–١٨٠٩)، وكان موجودًا في «ماينز» بألمانيا وقت سقوط الباستيل:

إن يوم ١٤ يوليو من أبهى الأيام التي شهدها البشر منذ سقوط الرومان وانتهاء سيطرتهم التي فرضوها على العالم. لقد كان الثمن الذي دفع من أجل الظفر بالحرية ثمنًا رخيصًا حقًّا إذا عرفنا أن تدمير عدد من قصور البارونات الأغنياء والتضحية بحياة بعض العظماء الذين كان أكثرهم من المجرمين الآثمين، كان كل الثمن الذي دفع للفوز بهذه الحرية.

ولم يكتف «مولر» بتمجيد يوم سقوط الباستيل، بل أشار إلى احتمال امتداد الثورة إلى ألمانيا ذاتها، فقال: «وهل يصير ممكنًا كذلك سقوط كل أولئك الذين ترتعد فرائصهم الآن «من ذكر الثورة أو الإشارة إليها»، أي أولئك الملوك وأصحاب السلطان الظالمين، وكل أولئك الطغاة الذين يُسِيئون استخدام تلك القوة والسلطة التي بأيديهم؟»

ووجدت «الجمعية الوطنية التأسيسية» «مدافعًا» عنها في كل شخص كاتب وناشر آخر، هو «أرنست فردنند كلاين» Klein، الذي ضمَّن دفاعه عنها رسالة نشرها في سنة ١٧٩٠ بعنوان «الرخاء والحرية».٩ ثم كتب «جورج فورستر» Forester أمين مكتبة «ماينز» إلى ولهلم فون هامبولدت — من العلماء الذين مر بنا ذكرهم — أنه قد نفد صبره انتظارًا لملاحظة الآراء الفرنسية وقد صارت ذائعة في إقليم الراين، وأبدى إعجابه العظيم بفرنسا.
وأما «كنط» فقد بقي يتتبَّع باهتمام زائد كلَّ الأحداث في فرنسا، وتطورات الثورة بها. بل إنه وصف فرنسا (سنة ١٧٩٠) «بأنها الأمة التي ارتفعت من ناحية التنظيم إلى درجة عالية.» أضف إلى هذا أن «فيشته» لم يدخر وسعًا في تأييد الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية، فنشر في سنة ١٧٩٣١٠ نداءً موجهًا إلى أمراء أوروبا الذين لا يزالون يبذلون قصارى جهدهم — كما قال — من أجل إخماد حرية الفكر؛ فأخَذَ يطالبهم بفكِّ إسار الفكر وإطلاق حريته، ثم نشر في العام التالي (١٧٩٤) كتابه الذي سبقت الإشارة إليه عن «تصحيح أحكام الرأي العام على الثورة الفرنسية».١١
والذي يجب ذكره أن هذا الانحياز الظاهر إلى جانب «الثورة» كان يجد أنصارًا في كل مكان؛ في المدن، مهد الحركة الفكرية، وبين جميع الطبقات، ومن بينها طبقة النبلاء والأمراء الذين اشتهر منهم «كرامر» Cramer، الذي نقل إلى الألمانية دستور الثورة الأول (لسنة ١٧٩١) الذي وافقت عليه «الجمعية الوطنية التأسيسية»، ثم دوق ودوقة «جوتا» Gotha، وقد توافرا على مناصرة الآراء الجديدة.
واشتد الحماس للثورة وللآراء التي نادت بها بين أساتذة الجامعات، ورجال الصحافة، والأدباء عمومًا، والذين يؤلفون الطبقة البورجوازية (المتوسطة). فتزعم الحركة المناصرة «للثورة» جوهانز مولر، وجورج فورستر، وكلاهما — كما عرفنا — من ماينز. ثم «بوسيلت» Poselt الذي تزعَّم هذه الحركة في «كارلسروه» Karlsruhe. وبلغ الحماس ذروته في سوابيا وفرانكونيا بين الطلبة في الجامعات، وخصوصًا في جامعة «توبنجن» Tubingen. وكذلك كان من زعماء الحركة كلٌّ من «جورج ولهلهم فردريك هيجل» Hegel (١٧٧٠–١٨٣١)، و«فردريك ولهلم فون شلنج» Schelling (١٧٧٥–١٨٥٤)، وكلاهما أحرز شهرةً واسعةً فيما بعد في عالم الفلسفة.
وأما أعلام الأدب، فقد توفر نخبةٌ منهم على تمجيد «الآراء» والمبادئ التي نادت بها «الثورة»، تزعَّمهم «شوبارت» Schubart، و«هولدرلن» Hölderlin، و«ريبمان» Rebmann.
وفي وسط ألمانيا وشمالها كان «للثورة» والآراء الجديدة أنصار عديدون؛ ففي «جوتنجن» كان يرتفع طوال العشرين سنة السابقة لقيام الثورة في فرنسا صوت «شلوتزر» مدويًا يحتجُّ على مبادئ الحكومات المستبدة الغاشمة التي ألحقت العار بأكثرية الدويلات «والإمارات» الألمانية في عصره، وفي «جوتنجن» كان «شلوتزر» من أنصار الآراء الجديدة، كما انبرى الشاعر «فردريك فون ستولبرج» لتأييدها، وفي «ديتمولد» Detmold تزعَّم هذه الحركة «إيوالد» Ewald، كما تزعَّمها في «همبورج» شاعر ألمانيا الوطني «كلوبستوك»، وكثر أنصار الآراء الجديدة في «فايمر» عندما تزعَّم حركة تأييدها كلٌّ من «هردر» و«ويلاند»، كريستوف مارتن ويلاند (١٧٣٣–١٨١٣) المسمى «فولتير ألمانيا»، وكان يتولى رئاسة تحرير إحدى الصحف الهامة بها، ثم «ريشتر»، والشاعران العظيمان «جيته» و«شيلر»، ولو أن هذين الأخيرين كانا أقلَّ حماسةً في تأييد «فرنسا» من غيرهما.
أما في «فريبوج» Friborg، فقد تزعَّم الحركة الفيلسوف «جاكوبي»، ولو أنه — كما سبق — كان ينظر «للثورة» بعين الخوف والحذر. وفي «كييل» Kiel انقسم أساتذة جامعتها فريقين، وقف أحدهما موقف المعارضة من «الآراء الفرنسية» وتزعم هؤلاء المؤرخ «بارتولد نيبور» (١٧٧٦–١٨٣١) صاحب تاريخ الرومان، في حين أيَّد الفريق الآخر الآراء التي أتت بها «الثورة»، وكان على رأس هؤلاء «كرامر» ثم «إهلرز» Ehlers. وصفوة القول أنه كان يوجد بألمانيا في هذه الآونة حوالي سبعة آلاف كاتب أو ناشر، تؤيِّد أكثريتهم الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية.
أما في خارج دائرة هؤلاء المفكرين، فإن الحماس للآراء الفرنسية كان عظيمًا، خصوصًا بين الشباب وبين النساء، حتى اشتهرت من بين السيدات الألمانيات «كارولين بوهمر» Boehmer، التي عبَّرت في إحدى رسائلها عن الحماس العظيم الذي كانت تشعر به كلما وقفت على ما كان يجري من حوادث في فرنسا، فقالت:

تستبدُّ الحيرة بي استبدادًا عظيمًا، ولا أعرف ما يرشدني إلى طريق الخروج من هذه الحيرة؛ لأن الصحف لا تزال تعلن في أنبائها عن حدوث أمورٍ جسامٍ لم تتعوَّد الأذن على سماعها، وهي أحداثٌ عظيمةٌ حقًّا، حتى إن نار الحماسة لا تلبث أن تتأجَّج في نفسي حين قراءة أنباء هذه الصحف.

وفي ١٤ يوليو ١٧٩٠، أُقِيم في «همبورج» احتفال كبير لإحياء ذكرى سقوط الباستيل، فقامت المظاهرات في المدينة، وارتدت السيدات ثيابًا ناصعة البياض تزيِّنها ألوان زرقاء وحمراء لإبراز ألوان الشارة الفرنسية، ثم سار على رأس هذه المظاهرات الشاعر «كلوبستوك» وقد حمل «الكوكارد» شارة الثورة المثلثة الألوان، وثار ينشد قصيدة كتبها لهذه المناسبة تحيةً لفرنسا، ويعتذر فيها عن الإثم الذي ارتكبه في أنه كان قد أغفل شأنها سابقًا.

ولقد انكبَّ سواد الشعب الألماني على قراءة الصحف بنهمٍ وشغفٍ عظيمين، ولم يترك الذين قرءوا الصحف الأنباء التي جاءت بها دون مناقشتها بجدٍّ واهتمامٍ وحماسٍ كبيرٍ، وأفصحت الجماهير عن حماسها «للثورة» بشتَّى الوسائل، فانتشرت في أسواق فرنكفورت «المناديل» التي طبعت عليها «حقوق الإنسان»، ولقيت هذه «المناديل» رواجًا عظيمًا.

ثم إن الجماهير لم تكن ترضى بتاتًا عن التكريم والحفاوة التي قابلت بهما الحكومات الطبقة الأرستقراطية (المهاجرين) الفرنسيين، بل قابل سواد الشعب الألماني هؤلاء المهاجرين الذين غادروا أوطانهم فرارًا من «الثورة» بالعداء الظاهر، وصار سواد الألمان يندِّدون بنقائصهم ورذائلهم، حتى إن «ويلاند» لم يلبث أن كتب:

يجد الإنسان صعوبةً عظيمةً في كبح جماح ذلك الغيظ الذي يشعر به ويعض عليه بنواجذه كلما شاهد الفضائح التي يستبيح هؤلاء المهاجرون لأنفسهم ارتكابها في بلادنا وعلى أرض الوطن. فهل هناك نيةٌ مبيتةٌ لإجراء تجربة — لا شك أنْ لا جدوى منها ولا طائل تحتها بالرغم من أنها عملٌ خطيرٌ — لاختبار قدرة الشعب الألماني على الاحتمال والجلد قبل نفاد صبره؟

غير أن هذا الحماس العظيم لم يلبث أن اعتوره شيءٌ من الفتور، كما طرأ شيءٌ من التردد على الرأي العام في ألمانيا، أخذ يحدُّ من حماسه في تأييد «الثورة»؛ وسبب ذلك الأنباء التي صارت تصل عن حوادث «مذابح سبتمبر» المعروفة في فرنسا، وفظائع عهد الإرهاب، حتى إن أكثرية أولئك الذين رحَّبوا بالثورة في أول عهدها، وجدوا الآن أنفسهم وقد انقلبوا عليها بمجرد أن تلطَّخت بالدماء حوادثها.

ولقد أفزعت هذه الحوادث الدامية سواد الشعب فزعًا كبيرًا؛ فانهارت بذلك كل تلك الآمال الكبار التي بناها الألمان على «الثورة»، وأبدى أنصارها القدامى مثل «كلوبستوك» و«هردر» الأسف العميق على تبدد أوهامهم، وكتب «ستولبرج»:

وهكذا فالفرنسيون إنما هم الفرنسيون دائمًا، ولن تستطيع الشعوب أن تظفر بالحرية إلا إذا ساد فيها حكم الأخلاق والفضيلة.

ووجد «جنتز» في هذا التحول تربة خصبة لنشر ترجمته لمؤلف «إدموند بيرك» عن الثورة الفرنسية الذي سبقت الإشارة إليه، وصادفت «المقدمة» التي وضعها «جنتز» لهذه الترجمة، والتي ندَّد فيها بالآراء والمبادئ التي جاءت بها «الثورة» نجاحًا عظيمًا. ثم إن «هامبولدت» كان كذلك من بين أولئك الذين تبدَّدت أوهامهم عن «الثورة». وطغى سيلٌ من الرسائل والمنشورات والبحوث التي حمل فيها أصحابها على «الثورة» حملةً عنيفةً، وراج تداول هذه «المطبوعات» في ألمانيا.

ولقد حاول «جيته» في قصته التي ذكرناها عن «هرمان ودوروثيا» أن يفسِّر أسباب هذا التحول، فعزاه إلى قيام عهد الإرهاب الفظيع في فرنسا، وذلك في قوله:

سرعان ما أظلمت السماء بسبب حوادث الإرهاب المروعة؛ ذلك أن شعبًا متشبثًا بالضلال، ولا يصلح لفعل الخير، قد عمد الآن إلى الصراع من أجل الاستئثار بالسلطة الغاشمة، والانفراد بالطغيان، فهبَّ أبناؤه يذبحون بعضهم بعضًا، ويفرضون سيطرتهم الاستبدادية على الشعوب المجاورة لهم والذين كانوا قد سموهم أشقاءَ لهم … إن الوحوش المفترسة لتبدو أقل بشاعة منهم.

فكان إذن بسبب رد الفعل الذي حدث ضد الثورة، أن اضطرَّ الأحرار الألمان الذين اشتهروا بالانحياز إلى «الثورة» إلى الفرار إلى باريس والإقامة بها. فعل ذلك «ربمان» و«كرامر»، وآخرون غيرهما. ولقد بقي كثيرون على ولائهم «للثورة» بالرغم من رد الفعل هذا الذي حدث، وتهدم أحلامهم، وتلاشي آمالهم العظيمة التي كانوا قد بنوها على ذيوع الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية، من هؤلاء «بنيامين كونستان» Constant الذي كان قد بدأ حياته العلمية في بلاط «برنسويك»، والشاعران «تيك» Tieck و«واكينرودر» Wackenroder.

ولقد كتب هذا الأخير إلى صديقه «تيك» يؤكِّد له مشاركته الحماس للفرنسيين، بل ويؤكد أنه لن يتردد في صفع كل أولئك الذين دأبوا الآن على الاستخفاف بهؤلاء، ثم يقول: «حقيقة انتزع إعدام الملك «برلين» بأسرها من تأييد قضية الفرنسيين، ولكنه هو لا يزال باقيًا على عهده القديم، ويفكِّر ويكتب اليوم، كما كان يفكِّر ويكتب بالأمس.» ولقد بقي «فورستر» كذلك على ولائه للثورة، فقال: «إن النتائج المترتبة على انتشار الفوضى في «فرنسا» هي بلا شك نتائج سوداء تُشبه ما يرتكبه طواغيت الاستبداد، ولكنها لا تعدو أن تكون ألعاب أطفال إذا قيست بتلك الفظائع التي يقترفها الطغاة!»

وبقي «فيشته» و«شيلر» و«كنط» على عهدهم السابق، وأصروا على التمسك بالمثل العليا التي كانت لهم. ولعل أهم تغيير حدث في موقف هؤلاء «الأحرار» عمومًا أنهم صاروا الآن لا يريدون إدخال أي إصلاح مباشر في الدويلات الألمانية قبل تعميم التربية والتعليم، حتى يتمَّ تثقيف الشعب الألماني؛ ليكون ممهدًا للإصلاح المنشود.

ومع هذا، فإن الانقسام الذي حصل، ففرَّق بين المفكرين الألمان في معسكرين؛ أحدهما صار رجعيًّا، في حين بقي الآخر أمينًا في تأييده المثل العليا الديمقراطية التي أتت بها الثورة الفرنسية، كان انقسامًا لا يتجاوز أثره ميدان الحياة الاجتماعية والخلقية، وأما الحياة «القومية» أو الوطنية، فقد ظلت بعيدة عن التأثر بهذا النشاط.

ثم جدَّ عاملٌ على الموقف؛ هو نشوب الحرب بين فرنسا وبين الإمارات (أو الدويلات) والدول الألمانية، خصوصًا مع بروسيا والنمسا. هذه الحرب لم تغيِّر شيئًا من موقف أولئك الألمان الذين استمروا على تأييدهم لآراء ومبادئ «الثورة» والتي أفضت إلى إنشاء «الجمهورية» في فرنسا. وأما سواد الشعب الألماني، فقد بقي لا يأبه لما كان ينزل بالقوات البروسية والنمساوية من هزائم، بل إن أحدًا لم يكن يتقدم «للتطوع» في الجيوش المقاتلة ضد فرنسا، حتى إن الحكومات الألمانية لم تلبث أن رأت أكثرها — مرغمةً — ضرورة الأخذ بنظام الخدمة العسكرية الإجبارية؛ لتعزيز جيوشها المحاربة ضد فرنسا.

ولقد كان غريبًا حقًّا أن تعجز هذه الحرب عن استثارة الروح الوطنية، وخلق «شعور قومي» أو وطني، أو استنهاض الهمم للقيام «بحركاتٍ قوميةٍ» من أجل المقاومة ضد فرنسا. ولكن لا يلبث أن يزول وجه الغرابة إذا عرفت أسباب ذلك، والتي يمكن إيجازها في أن هذه الحرب بين فرنسا والإمبراطورية الرومانية (الجرمانية) المقدسة، لم يكن مبعثها شعورٌ بالكراهية من جنس (عنصر) ضد آخر، بل كانت تدور رحاها على دفاع الأمراء الألمان عن مصالحهم ضد الثورة الفرنسية، فكانت حربًا اختصت بالاهتمام بها الحكومات والوزارات في مختلف الإمارات والدويلات الألمانية وحسب، وتلقاها الشعب الألماني بعدم الاكتراث أو المبالاة بها؛ لأنه لم يكن له شأنٌ بها.

بل إنه كان في صالح الشعب الألماني نفسه من الناحية السياسية، وتحقيقًا للمبادئ والمثل العليا، أن يأتي انحيازه إلى جانب الثورة الفرنسية، ذلك «الحادث» الذي فتح آفاقًا واسعةً للإصلاح، والذي جاء يمهِّد للظفر بالحرية، في حين كانت الحكومات والوزارات الألمانية رمزًا للاستبداد، وعلمًا على تلك السلطات الغاشمة التي ناءت الشعوب تحت أثقالها وأرزائها. ثم إن «الرأي العام» في ألمانيا، والذي عبَّر عن وجوده واتجاهاته أكثر الكتاب والناشرين الألمان وقتئذٍ، كان يحمِّل الأمراء الألمان أنفسهم مسئولية إشعال نار هذه الحرب، ويبرئ فرنسا من تحمُّل تبعتها، واجتمعت الكلمة حينئذٍ على أن «الحكومات» الألمانية كانت وحدها المسئولة عن الحرب.

ولم يأبه الألمان لنتائج هذه الحرب كذلك، ولم يعيروا اهتمامًا كل تلك الهزات السياسية العنيفة التي أحدثتها انتصارات الفرنسيين. أما أهم النتائج فيما يتعلق بتكوين ألمانيا ذاتها، فقد اتضحت في قرار مؤتمر «رشتات» الذي حدث فيه (١٧٩٧-١٧٩٨) — كما عرفنا — التنازل لفرنسا عن كل شاطئ نهر الراين الأيسر، باستثناءات بسيطة، ثم في «القرار النهائي الألماني» Recés d’Empire الذي اتخذه الدياط الألماني في «راتزبون» سنة ١٨٠٣ — كما سيأتي ذكره في موضعه — والذي أُلغي بمقتضاه عدد كبير من الإمارات الألمانية الصغيرة، إلى جانب حدوث تغييرات أخرى كثيرة إقليمية، على أساس أن ينال الأمراء الألمان تعويضًا عن الأراضي التي فقدوها من أراضي وأملاك الكنيسة، التي صارت أملاكًا علمانية، ومن أراضي «المدن الإمبراطورية الحرة»؛ الأمر الذي ترتَّبَ عليه جميعه حصول تغييرات إقليمية في داخل ألمانيا ذات خطورة جسيمة كان من المنتظر أن تسترعي انتباه سواد الشعب الألماني وتُثِير اهتمامه.

ولكن بالرغم من تحويل أملاك الكنيسة وأراضيها إلى أملاك «علمانية» ومصادرة أملاك الكنيسة، وأملاك المدن «الإمبراطورية» الحرة في سنوات ١٧٩٧، ١٧٩٨، ١٨٠٣، فإن شيئًا من ذلك لم يُثِرْ أي شعور بضرورة المقاومة في ألمانيا. بل إن سواد الشعب الألماني لم يكن يزعجه إطلاقًا أن يرى «الدويلات» التي انتشرت في أنحاء البلاد، تختفي من الوجود، أو أن يرى الكنيسة تفقد أملاكها، أو الإمارات (والدويلات) الكنسية تُطْوَى صفحتها نهائيًّا.

وحدث أثناء مؤتمر «رشتات» أن وقع اعتداء على المندوبين الفرنسيين، وقتل بطانة الأرشيدوق شارل النمساوي اثنين من هؤلاء (٢٨ أبريل ١٧٩٨) واستطاع زميلهما الثالث الفرار والنجاة بنفسه، فصارت الحرب على وشك الوقوع من جديد — وقد استؤنفت فعلًا في نوفمبر من السنة نفسها — وحينئذٍ كتب «ويلاند»:

الآن أو أبدًا، حان الوقت لوضع سياسة ألمانية صحيحة، ولكني نسيت أننا لسنا أمة، بل مجرد مجموعة من الشعوب يزيد عددها على المائتين.

ولا شك في أن هذا التفكك كان مبعث عدم الاهتمام والمبالاة وعدم الاكتراث، الذي قوبلت به التغييرات الإقليمية التي حصلت في ألمانيا وقتئذٍ، خصوصًا في غربها.

ولقد فسَّر الفلاسفة الألمان المعاصرون هذه الظاهرة بأن الخلق الألماني كان يعتروه نوعٌ من التدهور والانحطاط؛ ففي رأي «فيشته» أن عدم المبالاة والاكتراث سببه وجود حكومات الأمراء «الرديئة والسيئة»، الذي أفضى إلى فتور واسترخاء الشعب الألماني روحيًّا ومعنويًّا، وإلى الضعف والوهن الذي طرأ على إيمان هذا الشعب. فقال: إن الأفراد صاروا لا يسعون لشيءٍ غير تأمين مصالحهم الفردية، ورفاهيتهم الشخصية، كمثلٍ أعلى ينشدونه، حتى إن كل امرئٍ صار لا يَبْغِي غير العيش في رغدٍ ويسرٍ، ويضرب عرض الحائط بأية اعتبارات قد تلزمه التفكير في تلك الروابط التي لا مَنَاصَ من وجودها بين الفرد وسائر مواطنيه في المجتمع، كما صار الإنسان لا يسأل نفسه إذا كان ممكنًا فعلًا وجود طريقٍ آخر أجدى نفعًا لحياته.

وعلى ذلك لم يلبث أن خضع المجتمع لسيطرة «الفردية»، وسلطان الأنانية، وهما أهم خصائص الخلق العام في ألمانيا. و«فيشته» كتب حكمه و«تفسيره» هذا في سنة ١٨٠٤. ثم إن «مدام دي ستال» في مؤلفها عن ألمانيا De l’Allemagne حاولت أن تُبْرِز التناقض الحاصل بين الخمول الخلقي والنشاط الذهني في ألمانيا في هذا العصر، ونددت بهذا الخمول كثيرًا.

ولم يكن سبب عدم اهتمام الألمان بالتغييرات الإقليمية في أوطانهم ذلك الانحلال وحده، الذي أشار إليه «فيشته» والذي أصاب «الدويلات» الألمانية وحكومات الأمراء بها. فثمة سببٌ آخر، منشؤه تمسك المفكرين وقادة الرأي الألمان بالفكرة «الصافية» والمثالية التي نادى بها فلاسفة القرن الثامن عشر، وأخذها هؤلاء عنهم، والتي عنيت — على وجه الخصوص — بعلاقات البشر بعضهم ببعض في أنحاء العالم، فاعتبرت تاريخ شعب من الشعوب جزءًا لا ينفصل عن حياة البشرية (أو الإنسانية) قاطبةً.

وتلك الفلسفة كان من أثرها أن «شيلر» مثلًا، لم يكن يتناول القومية إلا من وجهة النظر «التعقلية» البحتة. فأفضى به التفكير من هذه الناحية إلى الاعتقاد بإمكان تحقيق التآلف والانسجام بين أمم الأرض جميعًا. ولذلك فإنه حينما أراد تحديد معنى القومية، كان في رأيه أن ما يسمى «بالروح القومية» لدى شعبٍ من الشعوب، إنما يقصد به وجود اتفاق في آراء أفراده، وائتلاف في ميولهم، يسير بهم نحو أهدافٍ معينةٍ واحدةٍ، لا تلبث أمةٌ أخرى ترى نفسها تسير في طريقٍ آخر، يختلف عن الطريق الأول، وذلك عند التفكير في هذه الأهداف ذاتها ومحاولة تحقيقها، ومبعث ذلك اختلاف تقديرها عن تقدير الأولى لها.

واعتقد «شيلر» أن من المتعذِّر على الألمان إطلاقًا أن يؤلِّفُوا أمةً واحدةً، وحذَّرَهم من عقد الآمال الزاهية على هذا الوهم الباطل، ثم دعاهم بدلًا من ذلك إلى العمل بكل ما وسعهم من جهدٍ؛ ليصبحوا بشرًا بلغ ذروة الكمال.

وعلى ذلك، فقد كان موقف الألمان من «الثورة» بعد حوادث عهد الإرهاب التي أفزعتهم أيَّمَا فزع، يقوم على أسباب كثيرة مرتبطة بضرورة المحافظة على المصلحة الذاتية، وتجمع بينها كذلك طائفة من مختلف العواطف، مع مجموعة من الاعتبارات والأغراض السياسية. وفي كل الأحوال، لم يكن يستند هذا «الموقف» إطلاقًا على شعور قومي أو وطني، أو على شعور بضرورة تأمين مصلحة قومية أو وطنية.

ولعل ما كتبه «فيشته» نفسه في سنة ١٨٠٥ يفسِّر هذه الحقيقة عندما قال:

وبودي أن أسأل مرة أخرى: ما ذلك «الوطن» الذي «يريده أو يعتبره وطنًا» الرجل الأوروبي المسيحي؟ لا شك في أن أوروبا بصورةٍ عامةٍ هي هذا الوطن، وبصورةٍ خاصةٍ الوطن هو الدولة التي في كل عصرٍ من العصور، تتبوَّأ مكان الصدارة متزعِّمةً الحضارة والمدنية، ولا يجب أن يُثِيرَ الاهتمام إطلاقًا توقف أمة في طريق التقدم والرقي، وسقوطها، أو إذا تخلفت عن الركب فسبقتها أممٌ أخرى غيرها.

أما الذين نشئوا على الأرض، والذين يرون في السهول المزروعة والأنهار والجبال «وطنهم»، فأولئك هم الذين يبقون مواطنين في هذه الدولة التي سقطت، وهم الذين يحفظون تلك الأشياء التي استأثرت بمحبتهم والتي ربطوا سعادتهم ببقائها. وأما الروح — وليدة الشمس — فسوف تنجذب حقًّا نحو مبعث الضوء والحق. وفي هذا المعنى المنطوي على إزالة الفوارق والحواجز بين الأمم، في وسع المرء أن يشهد في سكونٍ وهدوءٍ التقلُّبات التي تحدث أو الكوارث التي تقع ويسجلها التاريخ، مطمئنًّا برغم هذا كله إلى مصيره ومصير الأجيال القادمة حتى نهاية هذا الكون.

ذلك الشعور بأن كل البلدان وطنٌ للإنسان، كان لدى الألمان هو «الوطنية» الصحيحة، وهو الشعور نفسه بعدم وجود الحواجز والفوارق بين الأمم، هو الذي جعل «شيلر» يكتب من قبل (في أكتوبر ١٧٨٩) أن واجب كل أولئك الذين أرغموا على ترك أوطانهم والعيش في المنفى، أن يعتبروا فرنسا «وطنهم» الصحيح.

وهكذا كان واضحًا أن «الثورة» لم تخلق الوطنية أو «القومية» في ألمانيا. وبقيت «الأمة الألمانية» فكرة مثالية، تستند في تعريفها على عناصر واعتبارات ذهنية «وفكرية» فقط، ولم تفعل «الثورة الفرنسية» شيئًا لتغيير هذا المعنى الذي أخذ به الألمان. والسبب في ذلك أن الألمان وقعوا تحت تأثير «الغزو الفكري» وحسب، والذي أتاح في ألمانيا انتشار الآراء والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية، وعملت على ترويجها في أوروبا. فبقيت ألمانيا حتى هذا الوقت بمنأًى عن نشاط الجيوش الفرنسية، حيث إنها لم تكن قد تعرَّضت بعدُ لغزو الجيش الفرنسي لها.

على أن الحال كان على خلاف ذلك في إقليم معين في ألمانيا الغربية، هو إقليم الراين الذي خضع في وقتٍ واحدٍ لغزوٍ مزدوج: غزو الآراء والمبادئ التي نادت بها «الثورة»، وغزو جيوش «الثورة». فشاهد «الراينيون» الجنود الفرنسيين وقد أخذوا يُقِيمون بين ظهرانيهم، و«يتوطنون» في بلادهم حتى تصبح الأقاليم الراينية فرنسية.

ومع ذلك، لم يكن «الوضع» في هذا الإقليم مما يثير اهتمام الألمان بمصيره، فلم يشعروا بعاطفةٍ ما نحو بقعةٍ من الأرض كانت مجزَّأةً إلى عددٍ كبيرٍ من «الدويلات» يختلف طابع كلٍّ منها عن طابع الأخرى: فهناك دويلات أو إمارات كنسية، وأخرى علمانية، وجميعها تتفاوت أحجامها، وإن ظلت كلها ولايات أو إمارات «ضئيلة».

ومع أن الإمارات الكنسية كانت أهم هذه الدويلات إطلاقًا، فقد كانت هذه الإمارات الكنسية ذاتها أقلها موضعًا للاحترام. ولقد ترتَّب على هذا التفكك أن إقليم الراين الذي كان يجب أن يصبح من أغنى بقاع ألمانيا ثروةً من الناحية الاقتصادية، ثم من الناحية الفكرية والثقافية كذلك، استمرَّ معدودًا من الأقاليم المتأخرة، يزرع فلاحوه الأرض بأساليبهم العتيقة البالية، في حين انعدم وجود النقابات أو اتحادات العمال والصناع في المدن، وافتقر أهل هذا الإقليم إلى العلم والمعرفة، بل لقد كاد الجهل يسود تمامًا بينهم، فانتشر الخمول، وعرفوا ببلادة الذهن. ولذلك لم يُثِر اختفاء «الوضع» الذي اختص به إقليم الراين حزنًا أو أسًى.

ومع أن سائر أقاليم ألمانيا تأثرت بدرجاتٍ متفاوتةٍ بالآراء والمبادئ التي أذاعتها «الثورة الفرنسية»، فقد بقي إقليم الراين بعيدًا عن هذه التيارات الفكرية المختلفة، وتلك حقيقة تنهض في حد ذاتها دليلًا على وجود ذلك الانحلال الذي أدرك هذا الإقليم من الناحيتين السياسية والأخلاقية. بل إن كل الصعوبات التي صادفها الفرنسيون فيما بعد أثناء احتلالهم إقليم الراين، كان منشؤها فتور وخمول الأهلين، وجمودهم وخوفهم من الزج بأنفسهم في المخاطر. ولقد حاول بعض «الناخبين» Electors في الإمارات الكنسية إنشاء نوع من الحكم «الاستبدادي المستنير» ولكن اشتعال الثورة الفرنسية سرعان ما قضى على هذه المحاولة التي تخلَّى عنها أصحابها بسبب «الأزمة» الفرنسية التي وجهوا بها.
ومع ذلك فقد بقيت هناك أماكن قليلة كمراكز للعلم والمعرفة أو «الاستنارة» في «بون» و«ماينز»، وبقيت في هذه الأماكن عناصر ديمقراطية رحبت بالآراء والمبادئ «الفرنسية». وكان من أهم هؤلاء، الطلاب الذين التفوا حول أساتذتهم في الجامعات، كما فعل الطلاب بجامعة «بون» الذين تزعَّمهم أستاذهم «يوليجيوز شنايدر» Eulogius Schneider الذي أقام بعد ذلك في «ستراسبورج»، ثم بلغ من حماسه «للثورة» أثناء عهد الإرهاب الأعظم في فرنسا، أن خرج هو الآخر يتجوَّل في الأماكن المجاورة يحمل «المقصلة» ليقضي بها على أعداء الآراء الحرة، حتى إذا حضر «سان جوست» إلى إقليم الراين في رحلة تفتيشية لم يلبث أن قبض عليه وأرسله إلى باريس ليلقى هو الآخر حتفه بها على «المقصلة».

على أن هذه العناصر الديمقراطية في «نادي ماينز» كانت ذات صوت مسموع في بداية «الثورة»، وهي التي اقترعت في المؤتمر «الرايني» الذي عقد في مارس ١٧٩٣ لتأييد الانضمام إلى فرنسا.

ولقد كان بفضل وجود أمثال هؤلاء المتحمِّسين «للثورة» حين قيام الحرب التي أعلنتها فرنسا على أعداء الجمهورية في شهر أبريل من سنة ١٧٩٢، أن اضطر ناخب «ماينز» إلى الهرب، دون إبداء أية مقاومة، وأن رحَّب الأهلون ترحيبًا عظيمًا بالقائد الفرنسي «كاستين» Custine عند دخوله «محررًا» إلى بلادهم. وكان «فيليب كونت دي كاستين» صاحب أطماع واسعة، ولد في متز سنة ١٧٤٠، وشهد حرب السنوات السبع ضابطًا في الجيش، ثم اشترك في الحرب الأمريكية وترقَّى في مناصب الجيش إلى أن بلغ مراتب القيادة في سنة ١٧٩١. وعند اجتماع مجلس طبقات الأمة قبل ذلك بثلاث سنوات (١٧٨٩) كان أحد أعضائه، وركب الغرور رأسه، فتوهَّم أن في قدرته معالجة كل الشئون، اقتصادية كانت أم مالية، وسياسية أم عسكرية.
وفي ١٩ سبتمبر ١٧٩٢، أُعطي «كاستين» قيادة جيش جديد يتألَّف من القوات المعسكرة حول «وايزنبرج» Weissenburg، والتي سُمِّيَتْ عندئذٍ «بجيش الفوزج Vosges»، ثم تقرَّر بعدَ واقعة «فالمي» أن يزحف بهذا الجيش على «سبير» Speier، وأفاد «كاستين» من هزيمة جيوش الحلفاء في «فالمي» والذين كانوا في تقدمهم صوب باريس قد تركوا وراءهم الإمارات الكنسية في حوض الراين من غير قواتٍ للدفاع عنها، فاستولى «كاستين» على «سبير» الآن بسهولة في ٣٠ سبتمبر ١٧٩٢، ثم احتلَّ «ورمز» Worms في ٥ أكتوبر، ثم فتح الطريق باستيلائه على «فيلبسبورج» Philippsburg لعبور نهر الراين في أمن.
وترتَّب على هذه الانتصارات أن صار الخوف والذعر والاضطراب يسود ألمانيا، واشتدَّ الرعب والقلق خصوصًا في «بادن» و«ماينز» و«هس درمستاد» Hesse-Darmstadt، وقررت «الإمبراطورية» حشد جيوشها لدفع الخطر الفرنسي.
واضطر «كاستين» إلى إخلاء «سبير» و«ورمز» في ١٠ أكتوبر. ولكنه ما إن سمع بتوقُّف الألمان في جهة «أرجون» Argonne، حتى عاد فاحتلهما بسرعة، ثم يمَّم وجهه شطر «ماينز»، وكان يعرف — بالرغم من أهميتها كحصن خطير — أن الدفاع عنها ضعيف، وأن الانقسامات الداخلية سائدة بين أهلها، وأن بها طائفة من الفلاسفة والأحرار والملتفين حولهم يؤيدون فرنسا. وقد اتَّصَل هؤلاء فعلًا بالقائد الفرنسي يعرضون عليه التسليم، فزحف «كاستين» على ماينز، وسلمت هذه إليه بعد ثلاثة أيام وحسب في ٢١ أكتوبر ١٧٩٢.

وكان الواجب يقتضيه بعد هذا النصر أن يواصل الزحف صوب «كوبلنز» لتهديد القوات البروسية المتقهقرة، ولكن «كاستين» توهَّم أن بوسعه غزو ألمانيا بما كان لديه من قوات في ماينز لا تزيد على ثلاثة عشر ألف مقاتل وحسب. فسلمت «فرانكفورت» لقوة فرنسية صغيرة، فظهر كأنما صار نجاح الفرنسيين كاملًا. إلا أن هذا النجاح ما كان يمكن أن يستمر طويلًا، بالرغم من وجود فريق من الأهلين يرحبون بجيش «التحرير»، ويؤيِّدون الآراء والمبادئ التي جاءت بها جيوش الثورة إلى أوطانهم.

حقيقةً أفلح «كاستين» في أن يجمع حوله طائفة كبيرة من قادة الرأي والفكر الألمان مثل «شتام» Stamm، و«كوطا» Cotta، و«بوهمر» Boehmer، والتفت حوله «الوطنيون» و«الأحرار» الألمان من شعراء وفلاسفة وكتاب، يُذِيعون بين مواطنيهم الدعوة للآراء الجديدة، ويبشِّرون ببزوغ شمس عهد جديد. وقوبل الفرنسيون بكل هذا الترحيب؛ لاعتقاد سواد الشعب أنهم إنما أتوا كي يحرروهم من طغيان الحكومات الاستبدادية، سواء أكانت هذه كنسية أم علمانية، وهي التي شكا الجميع من مفاسدها وشرورها. وكان بفضل هذا الترحيب أن أحرز الفرنسيون بسهولة الانتصارات التي مكَّنَتهم من «الحدود الطبيعية» التي أرادتها الثورة، حينما بدأ قادتها يعملون لتحقيق أهداف فرنسا الوطنية التقليدية.

غير أن الغرور الذي تسلط على «كاستين» جعله يزعم أن في وسعه الآن استمالة «المؤتمر الوطني» إلى تأييد مشروعات للغزو، الغرض منها فتح أقاليم جديدة تتَّسِع بها رقعة فرنسا إلى ما وراء حدودها الطبيعية، وتمتد في قلب ألمانيا ذاتها. وغرض «كاستين» من ذلك أن يؤسِّس من هذه الفتوح الجديدة نوعًا من الحكم الشخصي القائم على ديكتاتورية وسيطرة بعيدة عن سلطان ورقابة «المؤتمر الوطني» في باريس.

واتضحت نوايا «كاستين» عندما انحسر القناع عن أغراضه، وتبيَّن أنه إنما جاء إلى إقليم الراين غازيًا فاتحًا وليس «محررًا» أو منقذًا، وراح يفرض الإتاوات على رجال الكنيسة والنبلاء في «ورمز»، كما طلب من «فرنكفورت» إتاوة مالية جسيمة. فتساءل الناس عن الغاية من هذا «السلب والنهب المنظم والذي يحدث باسم الحرية». ثم أصدر أحد الناشرين رسالة حمل فيها حملة عنيفة على «أولئك الجمهوريين الذين في حقيقتهم إخوانٌ وأشقاء لجنود لويس الرابع عشر الذين أحرقوا «البلاتينات». وليس «كاستين» إلا لصًّا وقاطع طريق، كلَّفه فلاسفة باريس بشن الحرب على القصور، فشنها حربًا شعواء، ولكن على الأقبية والأنبار والصناديق المملوءة بالمؤن والأغذية والمال.

على أن هذا التذمر الشديد لم يزعج «كاستين» بحالٍ من الأحوال. فمضى في سبيله، واعتمد على استطاعته الظفر بالتأييد من مواطنيه الفرنسيين، بفضل شعور الفخر والإعجاب والخيلاء الذي تستثيره فيهم انتصاراته، واستمرَّ يتساءل: «إذا كان لا يخوله مواطنوه الحق ليصل بقواته إلى كل مكان، يكون وجودهم به ضروريًّا من أجل تأمين هذا المجد الذي أدركه الجيش بانتصاراته.» ولقد ظهر كأنما الحكومة الفرنسية قد استجابت لرغبته، وذلك حين زادت من شأن قيادته في نوفمبر ١٧٩٢، بحيث صار يعلو مركزه على مركز سائر زملائه قواد جيوش الحدود مثل «بيرون» Biron، و«بورنفيل» Bournoville، و«كلرمان» Kellermann نفسه. فاتخذ «كاستين» لقب المواطن الفرنسي، وقائد قوات الجمهورية في الراين الأعلى والراين الأسفل، وفي وسط الإمبراطورية، وفي ألمانيا.
هذه الأوهام لم تلبث أن تبددت بكل سرعة. فقد شرع البروسيون في تنظيم قواتهم بمجرد أن بلغهم نبأ سقوط «ماينز»، وأمر قائدهم «برنسويك» في ٢٤ أكتوبر جيشه بالتقهقر حتى يحفظ خط الرجعة. وفي اليوم التالي وصلت طلائع جيشه إلى «كوبلنز»، ولم يقفه غير تفشِّي المرض في جيشه. وفي منتصف شهر نوفمبر، كان الحلفاء قد استعادوا قدرتهم على منازلة العدو، وصارت مهمة «كاستين» في منتهى الصعوبة، بالرغم من الإمدادات التي وصلته من حاميات الألزاس (حوالي ١٥٠٠٠ مقاتل)؛ بسبب حاجته الملحة إلى الفرسان، كما كان عليه أن يعمل لتعزيز الحاميات الفرنسية المختلفة في ماينز وفرنكفورت، وورمز، وأوبنهايم، وبينجن Bingen، وكروزناخ Kreuznach. فكان الواجب يقتضيه لذلك إخلاء شاطئ الراين الأيمن، ولكنه بدلًا من ذلك بادر باحتلال مركز للدفاع خلف نهر «نيدا» Nidda، فكشف بهذه الحركة «فرنكفورت»، واستطاع البروسيون الالتفاف حول جناحه، والانقضاض على فرنكفورت، فسلمت هذه لهم في ٢ ديسمبر ١٧٩٢. وتقهقر «كاستين» إلى ماينز ليتحصَّن بها.
ومع ذلك، فقد أخذ النشاط يدبُّ من جديد في الجيش الفرنسي، عندما وصل مندوبون عن «المؤتمر الوطني» لفحص الموقف (أول يناير ١٧٩٣)، وكان هؤلاء المندوبون: «ربول» و«مرلان دي ثيونفيل» Thionville و«هاوسمان» Haussmann. فتبين أن جيش الراين وقتئذٍ يتألَّف من (٤٥٠٠٠) مقاتل، يحتشد منهم (٢٢٠٠٠) في ماينز نفسها، ويتوزَّع الباقون بطول خط يشمل: أوبنهايم، وسبير، وكروزناخ.

وساد التفاؤل بين «الأحرار» الألمان، وهم الديمقراطيون الذين كانوا قد أسَّسُوا في «ماينز» ذلك النادي الذي سبقت الإشارة إليه، وقت الترحيب بمقدم «كاستين» باعتباره «محررًا» لبلادهم (منذ سبتمبر ١٧٩٢)، فاستمروا في تأييدهم للآراء والمبادئ التي نادت بها الثورة، وفي مقدمة هؤلاء الأحرار كان «جورج فورستر» الذي ذكرنا أنه كان أمين المكتبة في «ماينز»، والذي يُعْزَى إليه أكبر الفضل في دعوة «مؤتمر وطني» رايني، يحضره ممثلو الشعب في إقليم الراين من مختلف الجهات، وهو المؤتمر الذي عرفنا أنه انعقد فعلًا واتخذ في مارس ١٧٩٣ قراره المعروف في صالح الانضمام إلى فرنسا.

ولكن لم تَمْضِ أيام قلائل على هذا القرار، حتى كان البروسيون في ٢١ مارس قد استطاعوا تهديد ميسرة الفرنسيين وعبروا الراين عند «باشاراش» Bacharach، وفي ٢٦ مارس حلَّت الهزيمة كذلك بميمنة الجيش الفرنسي، واضطر «كاستين» بعد أن أحرق مخازنه وأخلى «ورمز» و«سبير» إلى التقهقر صوب «لانداو» Landau الفرنسية والتي بلغها في أول أبريل. وبذلك أخفقت محاولة إخضاع «الدوائر الانتخابية» في الراين.
ولقد ترتَّبَ على هذه الهزيمة، ثم كان بسبب نظام المصادرة وفرض الإتاوات الذي اتبعه «كاستين»، أن تحطَّمت الجماعة المؤيدة لفرنسا في إقليم الراين. فاضطر — في هذه الظروف — كثيرون من «الديمقراطيين» إلى الذهاب إلى فرنسا ليعيشوا بها «كلاجئين» سعيًا وراء الرزق من جهة، وفرارًا من الانتقام من جهة أخرى. وكان من بين الذين ذهبوا إلى باريس «جورج فورستر»، وكان «المؤتمر الوطني الرايني» قد أوفده ممثلًا له لدى «المؤتمر الوطني» في باريس، فأقام «فورستر» بباريس حتى قضى بها نحبه في غضون سنة ١٧٩٤ بعد أن شهد مآسي «الثورة» وتبددت «أوهامه» عن الثورة. وقد صحبه إلى باريس زميلٌ له هو «آدم لاكس» Adam Lux، لم يلبث هو الآخر أن فقد كل رجاء في «الثورة» عندما شهد سقوط «الجيروند» وإعدام زعمائهم وقادتهم، ولقد أُعدم «آدم لاكس» نفسه بعد قليل عندما تصدى للدفاع عن «شارلوت كورداي» التي اغتالت «مارا» في يوليو ١٧٩٣.

على أن الموقف في إقليم الراين لم يلبث أن تغيَّر عند استئناف الغزو الفرنسي في سنة ١٧٩٤؛ فقد انهزم الحلفاء، وتقهقر النمساويون على نهر الراين، واحتلَّ الفرنسيون كولونيا وبون وكوبلنز سريعًا. ولقد ترتب على انسحاب البروسيين في الوقت نفسه أن استولى الفرنسيون على شاطئ الراين الأيسر. ووقَّعت بروسيا حينئذٍ معاهدة «بال» في أبريل، فاحتفظت فرنسا بموجبها بالأراضي البروسية على شاطئ الراين الأيسر، على أساس أن تنال روسيا تعويضًا عنها، حين انعقاد الصلح العام، أرضًا على الشاطئ الأيمن لنهر الراين.

وثمة سبب آخر لتغير الموقف، وفي هذه المرة بالنسبة للراينيين (أهل الراين) أنفسهم، ذلك هو اختفاء «روبسبيير» من مسرح الحوادث، واستصدار دستور السنة الثالثة في فرنسا (١٧٩٥) الذي أقام حكومة الإدارة، وكان هذا الدستور (دستور السنة الثالثة) يتَّسِم بطابع «بورجوازي» صميم. وعلى ذلك فقد تكونت في شتاء (١٧٩٤-١٧٩٥) في المدن الراينية الكبيرة «الأندية» الجمهورية. وتلك كانت الحركة الجمهورية التي صارت في غضون سنة ١٧٩٧ تسمى بالحركة الجمهورية «السيزرينانية» — أي ما وراء الراين — والتي قامت بالتعاون مع الفرنسيين.

وهذه الحركة «السيزرينانية» اعتمدت على الشباب والمثقفين، المملوئين حماسًا ونشاطًا والذين ينتمي أكثرهم للطبقة المتوسطة (البورجوازية)؛ أي الطبقة التي تأثَّرت بفلسفة «التنور» أو فلسفة العلم والمعرفة Aufklarüng التي سبق الكلام عنها، وهؤلاء كانوا يزاولون المهن الحرة ويعيشون لذلك في يسر، وأهل هذه الطبقة كذلك هم الذين حرمهم النبلاء والقساوسة — أي الطبقات الممتازة في المجتمع — من ممارسة شئون الإدارة في المدن، وضمت هذه الطبقة المتوسطة (البورجوازية) عددًا من أساتذة الجامعات الأحرار، الذين كان فريق منهم منتميًا للكنيسة ثم انفصلوا عنها، على نحو ما فعل «جان بابتيست جايش» Geich وكان أستاذًا بجامعة كولونيا ثم بجامعة بون، أو «جان جاك هان» Haan أحد أساتذة جامعة تريف Treves، أو بعض رجال الكنيسة الذين طردوا منها مثل «بيرجانس» Biergans في كولونيا. وكان من بين أنصار هذه الحركة «السيزرينانية» نفر من المحامين مثل «كريستيان سومر» Sommer في كولونيا، و«ميشيل فنيدي» Venedy بها كذلك، ثم طائفة أخرى من موظفي «العهد القديم»، سواء في خدمة الحكومة أو الكنيسة، ومن أبرز هؤلاء «جان بابتيست هيتزروت» Hetzroth (في تريف).
وكان من أهم أنصار الحركة الجمهورية السيزرينانية أحد الشبان الذين سوف يكون لهم شأن في الحركة الراينية خصوصًا في بلادهم في السنوات التي تلت عهد الإمبراطورية النابليونية، ونعني به «جوزيف جوريز» Von Gorres الذي ولد في كوبلنز سنة ١٧٧٦ من أسرة أَثْرَتْ من أعمال التجارة، وكانت تريد أن يدرس «جوريز» الطب، ولكنه كان متأثرًا بالآراء الجديدة وحركة «التنور»، فأخذ يغشى «نادي ماينز» منذ ١٧٩٢ وهو لا يزال في سن السادسة عشرة، ثم لم يلبث أن انضمَّ عضوًا به، وفي سنة ١٧٩٧ صار سكرتيرًا لنادي كوبلنز، واشتهر «جوريز» بكراهيته العظيمة لطبقة الأرستقراطية وطبقة الإكليروس اللتين تمتَّعتا بسلطانٍ كبيرٍ، ثم اشتهر كذلك بحماسه العظيم لكل الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية.
وكان «جوريز» شديد الإعجاب بالفيلسوف «كنط»، كما تعشَّقَ الحرية تعشُّقًا كبيرًا، ثم حاول أن يضع برنامجًا عمليًّا ينتظم آراء «كنط» ونظرياته، حتى يخرج بها من حيز الفكر المجرد إلى نطاق الإدراك الواقعي، فنشر في صيف ١٧٩٧ كتابه عن «السلام الدائم: مثلٌ أعلى»١٢ رسم فيه الخطوط الرئيسية لتحقيق فترة السلام العالمي أو السلام العام التي نادى بها «كنط»، فارتأى «جوريز» إنشاء «اتحاد لامركزي» — كونفدرائي — يضم الشعوب الأوروبية، ويعهد إلى فرنسا بقيادته وإرشاده؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن ينبري «جوريز» لمناصرة فكرة إنشاء الجمهورية السيزرينانية بالتعاون مع فرنسا.

ولقد استوحى أنصار الجمهورية السيزرينانية بادئ ذي بدء فكرتهم من الناحية السياسية من فلسفة التنور أو العلم والمعرفة التي أشرنا إليها، وكان مثلهم الأعلى الذي هدفوا إليه، تقبل «الحرية السياسية» بالمعنى الذي جاءت به الثورة الفرنسية؛ أي وجوب إزالة الامتيازات الإقطاعية التي تمتَّعت بها طبقة النبلاء، فضلًا عن إزالة «العشور» التي حصَّلتها الطبقة الكنسية «الإكليروس»، ثم إزالة الاحتكارات والأنظمة التي عطَّلت بقيودها نشاط النقابات، ثم المطالبة بإعطاء الفلاحين حقَّ امتلاك الأرض، ولو أنهم — وتلك حقيقة جديرة بالملاحظة — ظلوا يعارضون مبدأ تقسيم الأرض وتوزيعها، ويؤيدون بدلًا من ذلك مبدأ وحق الملكية الفردية. ثم إنهم طالبوا من الناحية الاقتصادية بضرورة فك القيود التي عطَّلت حرية التجارة في الداخل والخارج. ولا جدال في أن هذا البرنامج السياسي والاقتصادي كان «برنامجًا للحرية» يتَّفِق مع تلك البرامج التي أخذت بها الأحزاب الفرنسية، ثم الأحزاب الديمقراطية الأخرى الألمانية.

وبجانب هذه المطالب السياسية والاقتصادية، امتاز أنصار الجمهورية السيزرينانية بتأثرهم العميق بفلسفة «كنط»، واتجاهها الظاهر نحو تحكيم المبادئ الخلقية في كل نشاط، بحيث يتعيَّن على كل مواطن حتمًا عند ممارسة «الحرية» أن يسترشد بالواجبات التي يُملِيها عليه ضميره، وبالمسئوليات الملقاة على عاتقه والتي لا سبيل إلى إغفالها. فلا يكون المرء مستحقًّا للحرية إلا إذا تحلَّى بالفضيلة، وحرص على التمسك بالقانون الخلقي واتباع أحكامه.

ومن ناحيةٍ أخرى، يقتضي الواجب أن تحرص «الدولة» من جانبها كذلك على احترام القانون الخلقي في المجتمع، حتى يتسنَّى للدولة أن تكفل لكل فرد من أفراد المجتمع الحق في تربية خلقية وذهنية كاملة. ولقد كان من أجل تحقيق هذه الأغراض جميعها تحقيقًا كاملًا أن انبرى فريق من أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية» لتأييد مبدأ تخويل «الدولة» الحقوق التي تمكِّنها من تنظيم الحياة في المجتمع، اجتماعيًّا واقتصاديًّا، من أجل حماية القانون الأخلاقي، والعمل على إذاعته ونشره. وكان من بين هؤلاء «كريستيان سومر».

ثم إنه كان من أغراض الدعاة للجمهورية السيزرينانية عند مطالبتهم بالحقوق السياسية أن تتاح الفرصة لكل مواطن ليمارس «الحرية» بصورة معقولة، متى أعطيت هذه له وعند ظفره بها. وذلك أمر يجعل متعذرًا «توزيع» الحقوق السياسية «قسرًا» أو «إلزامًا» على المواطنين، بل صار متعينًا على كل مواطن التحلي بالخلق المتين، وأن ينال قسطًا وافرًا من التربية العالية، لقاء ظفره بهذه الحقوق السياسية؛ أي إن «الحرية» تكون حينئذٍ «امتيازًا» من نصيب صاحب الخلق القويم وحده. وواضح أن هذا المعنى إنما هو معنًى ألماني صحيح. كان طابع التفكير الألماني في آخر القرن الثامن عشر، ويرتكز في أصوله على الفلسفة التي أتى بها «إمانويل كنط».

ذلك إذن كان المثل الأعلى الذي نشده أنصار الجمهورية السيزرينانية، والذين — حتى يتسنى لهم تحقيقه — لم يلبثوا أن اتجهوا اتجاهًا كليًّا نحو فرنسا، الدولة التي توسَّمُوا فيها وحدها القدرة على تزعُّم العالم وقيادته وإرشاده لإدراك هذا الهدف السامي.

وكان في صيف ١٧٩٥، ثم خلال العام التالي (١٧٩٦)، أن أصدر أنصار الجمهورية السيزرينانية طائفة من الصحف والمجلات لترويج آرائهم، نذكر منها مجلة بون الثقافية١٣ التي أسسها في بون «جان بابتيست جايش». وأصدر «جايش» في بون أيضًا صحيفة سماها «صديق الحرية».١٤ وفي كولونيا صدرت صحيفة «صديق الشعب في كولون».١٥ ثم أصدر «بيرجانس» صحيفة ذات ميول عنيفة ضد الكنسيين «الإكليروس» سمَّاها «بروتس الحر».١٦ ولقد تعددت في ألمانيا الصحف التي من هذا الطراز، منها واحدة بعنوان «المساهمة الوطنية»١٧ التي أصدرها «هيتزروث» في تريف. وكل هذه الصحف نادت بالتعاون مع فرنسا من جهة، وبإنشاء مجتمع ديمقراطي في ألمانيا من جهة أخرى.

ولكن لم تلبث أن اصطدمت هذه الحركة النشيطة بصعوبات عديدة: أحدها تزايد وطأة الاحتلال الفرنسي العسكري؛ نتيجة لكثرة الضرائب والإتاوات التي فرضها القواد الفرنسيون وللمصادرات التي حدثت، ثم سوء الإدارة العسكرية، والتي لم تكن متصفة بالأمانة؛ مما جعل المتحمسين لفرنسا يخففون من غلوائهم، وحتى أخذ هذا الحماس يزول تدريجيًّا. وثمة صعوبة ثانية، هي أن الدعوة للتعاون مع فرنسا كانت تلقى مقاومة وعداءً من جانب طائفة الموظفين القدامى أنصار «النظام القديم»، ومن جانب الكنسيين، رجال الدين الذين نقموا على الثورة الفرنسية أنها جردت الكنيسة من أملاكها، وحوَّلت هذه الأملاك من كنسية إلى علمانية؛ أي جعلتها من نصيب الدولة.

أضف إلى هذا أن المستقبل كان يبدو مبهمًا غامضًا، والخوف من عودة «النظام القديم» بقضِّه وقضيضه لا يزال مستوليًا على النفوس، وبخاصة عندما تبيَّن أن بونابرت بعد انتصاره في الحملة الإيطالية كان يتأهَّب للمفاوضة من أجل عقد السلام مع النمسا على أساس المحافظة على كيان «الإمبراطورية». ومعنى ذلك عودة السلطات الألمانية إلى ضفة الراين اليسرى، ثم إن الجنرال «هوش» Hoche الذي عهدت إليه قيادة الجيوش الفرنسية في منطقة الراين لم يتَّسِع له الوقت لتنفيذ برنامج مبنيٍّ على سياسة التقرب إلى الأهلين. فتوفي فجأة. وأخيرًا فإن عوامل عديدة تضافرت على إلحاق الفشل بفكرة إنشاء الجمهورية السيزرينانية.
فقد ترتَّبَ على إنشاء «لجنة الخلاص العام» في فرنسا أن أُعِيدَ تنظيم الجيوش الفرنسية في الحدود الشرقية، فتسلَّم «جوردان» Jourdan قيادة جيش الشمال، وتسلم «بيشجرو» Pichegru قيادة جيش الراين. بينما تعيَّن «لازار هوش» قائدًا لجيش الموزيل، وكان ذلك في أوائل نوفمبر ١٧٩٣، وكان «لازار هوش» قد صار صاحب شهرة واسعة بفضل انتصاراته في معارك «مايستريخيت» Maestricht، و«نيوبورت» Nieuport، و«دانكرك» Dunkirk، وكان صديقًا لكلٍّ من «مارا» و«روبسبيير»، واسترعى بكفايته انتباه «كارنو» الذي أشرف الآن على تنظيم جيوش «المؤتمر الوطني»، فأعطاه كارنو قيادة جيش الموزيل.
فأعاد «هوش» تنظيم هذا الجيش، وبمجرد أن جاءته النجدات من جيش الراين قرر مهاجمة العدو، فبدأ بأن خلَّص «لانداو» في ١٧ نوفمبر، وأجبر البروسيين على إخلاء «وورث» Wörth والقهقرى صوب كايسرزلوترن Kaiserslau tern، وفي ٢٨ نوفمبر بدأت المعركة المعروفة بهذا الاسم والتي استمرت ثلاثة أيام، وانتهت بارتداد «هوش» عن «كايسرزلوترن». ولكن لم يلبث أن حصل الاتصال بين جيشي الراين والموزيل، فأجلى الجيشان العدو عن «وورث» في ٢٢ ديسمبر.
وفي ٢٤ ديسمبر توحدت القيادة في جيشي الراين والموزيل، وتعيَّن «هوش» قائدًا أعلى لهذه القوات المتحدة. وفي ٢٨ ديسمبر شَنَّ «هوش» هجومًا عنيفًا على النمساويين بقيادة «ورمزر»  Wurmser في «وايزنبرج» Weissenburg، وتمكَّن الفرنسيون من السيطرة على خطوط دفاعها. وفي ٣٠ ديسمبر تقهقر «ورمزر» عبر نهر الراين عند «فيليبسبورج» واضطر «برنسويك» — قائد جيش بروسيا — إلى إخلاء «ورمز» و«أوبنهايم»، وبذلك انفكَّ الحصار عن «لانداو»، وما جاء شهر يناير ١٧٩٤ حتى كانت «البلاتينات» بأسرها قد خضعت لسلطان الفرنسيين.
وتوقفت العمليات العسكرية بسبب بداية فصل الشتاء من ناحية، وبسبب ما نشأ من غيرة وسوء تفاهم بين القائدين «بيشجرو» و«هوش» عطَّلت قيام تعاون كامل بينهما. ومع ذلك، فقد أسفرت الحملة عن نجاحٍ ظاهرٍ للفرنسيين الذين استطاعوا إلى جانب فكِّ الحصار عن «لانداو» تطهير الألزاس من قوات العدو. ثم لم يلبث أن انتقل «هوش» إلى إقليم «فنديه» للإشراف على إخضاع الثورة به، واشترك بعد ذلك في الحملة التي سيَّرتها «حكومة الإدارة» للاقتصاص من إنجلترة بغزو إرلندة (١٧٩٦)، ثم لم يلبثْ أن عُيِّن بعد إخفاق هذه الحملة لقيادة جيش «سامبر-موز» خلفًا للجنرال «جوردان»، فعبر نهر الراين مرة أخرى وأوقع بالنمساويين الهزيمة في «نيوويد» Neuwied في ١٨ أبريل ١٧٩٧. وكان يستعدُّ لمواصلة عملياته العسكرية عندما وصلت أنباء مقدمات صلح «لوبن» Loeben التي عقدها بونابرت مع النمساويين يوم انتصار «هوش» في معركة «نيوويد». ثم أبرم بونابرت بعد ذلك معاهدة كامبو فرميو مع النمساويين في ١٧ أكتوبر من العام نفسه.
كان لاستلام «هوش» قيادة الجيوش الفرنسية في إقليم الراين أكبر الأثر في إحياء الأمل لدى أنصار الجمهورية السيزرينانية؛ لأن «هوش» كان قد رَسَمَ لنفسه سياسة «شخصية» على أساس التقرب إلى أهل هذا الإقليم والتفاهم معهم؛ فعمل على إزالة المساوئ التي ارتكبها «قومسييرو الحرب» الفرنسيون، الذين كانت مهمتهم الإشراف على حاجيات الجيوش من مؤن وعتاد … إلخ. ثم أنشأ نوعًا من الإدارة المركزية في شاطئ الراين الأيسر. فكان من أثر هذا النشاط والرغبة الظاهرة في الإصلاح أن توثَّقَت العلاقات بين «هوش» وبين أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية». فوضع هؤلاء برنامجًا لهذه الجمهورية المزمعة، واستطاعوا في يونيو ١٧٩٧ إنشاء «مكتب مركزي لاتحاد ما وراء الراين»،١٨ جعلوا مقره مدينة «بون». وبمقتضى هذا البرنامج، شمل هذا الاتحاد عددًا من المجالس البلدية المحلية، في مختلف أنحاء الإقليم، الذي قسم بدوره إلى مديريات ثلاث في «كولونيا» و«كوبلنز» و«نوس» Neuss.
ولقد بقيت مدينتان هما «تريف» و«إكس لاشابل» خارج هذه الحركة كليةً، حيث إنهما كانتا تُطالِبان بالانضمام إلى فرنسا، ونشطت الدعوة لتأييد جمهورية ما وراء الراين، في ١٣ نوفمبر ١٧٩٧ أعدَّ أنصارها قرارًا أذاعوه «لتحقيق سيادة الشعب بين الراين والموز والموزيل»،١٩ ثم قاموا بحركة واسعة لجمع التوقيعات في المدن لتأييد هذا المطلب، وأنشئوا في كل مكان «جمعيات» شعبية مهمتها ترويج الدعاية لهذه الفكرة. ثم بذلوا كل جهودهم لإقناع السياسيين في مؤتمر «رشتاد» بوجهة نظرهم. وكان هذا المؤتمر قد انعقد — كما عرفنا — منذ نوفمبر ١٧٩٧، وعقب إبرام معاهدة «كامبو فرميو» لبحث مسألة تعويض الأمراء الألمان الذين فقدوا ممتلكاتهم في الشاطئ الأيسر للراين، ثم لتنظيم ألمانيا الغربية.
غير أن «الجمهورية السيزرينانية» كان نصيبها الفشل، لأسبابٍ عدة: منها أن «هوش» — وكان من أنصارها — لم يلبثْ أن تُوُفِّيَ فجأةً في ١٩ سبتمبر ١٧٩٧ بعد إصابته بذات الرئة، في حين كان قد وقع قبل ذلك «انقلاب فريكتدور» في باريس (٤ سبتمبر) فأوصل إلى مراكز الحكم في حكومة الإدارة رجالًا من أنصار سياسة التوسع (التسلُّطية)، كما دعم مركز «ربويل» Rebwell عضو الإدارة الذي كان من كبار مؤيدي هذه السياسة التوسعية. أضف إلى هذا أن بونابرت فرض على النمسا في كامبو فرميو استخدام نفوذها من أجل التنازل لفرنسا عن حدود الراين، وإلزامها في مادة سرية بالتنازل فعلًا لفرنسا عن ضفة الراين اليسرى والاعتراف بانضمام هذا الإقليم إلى فرنسا نهائيًّا. وكان الاستيلاء على الأراضي وضم الأقاليم إلى فرنسا هي السياسة التي جرت عليها — الآن — الحكومة الفرنسية.
وفي مارس ١٧٩٨، وقبل انفضاض مؤتمر «رشتاد» نجحت حكومة الإدارة في إقناع بروسيا بالاشتراك معها في الضغط على النمسا حتى تتنازل هذه لفرنسا عن الإقليم الواقع على شاطئ الراين الأيسر (١١ مارس) نظير تعويض في جهاتٍ أخرى. وفي ٢٠ مارس ١٧٩٨ وافق المجلس الإمبراطوري (الدياط) على هذا التنازل. ولم يشأ «رودلر» Rüdler — مندوب حكومة الإدارة أو قومسييرها الذي أوفدته لتنظيم الإدارة في إقليم شاطئ الراين الأيسر — الاستعانة في عمله بجماعة «السيزرينانيين» الذين عرضوا عليه خدماتهم وكانوا مستعدين لمعاونته. بل إن «رودلر» آثر بدلًا من ذلك أن يستعين بالموظفين القدامى بالبلاد من أصحاب الخبرة، وهم الذين أعلنوا — الآن — انحايزهم لفرنسا «اقتناصًا للفرص» وحسب. فنجم من هذا العمل أن ساد التذمُّر بين «السيزرينانيين» الذي راحوا يحتجون بشدة على مسلك «رودلر» دون نتيجة، حتى اضطر في آخر الأمر «جوزيف جوريز» إلى الذهاب بنفسه إلى باريس؛ حتى يقدِّم مذكرة بمطالب «السيزرينانيين» إلى الحكومة الفرنسية.

ولكن «جوريز» لم يوفَّق في مهمته؛ فقد وصل إلى باريس وقت حدوث انقلاب (١٨ بريمير) المعروف — ٩ نوفمبر ١٧٩٩ — الذي أعطى بونابرت السلطة، وأنشأ القنصلية، فكان في ذلك القضاء نهائيًّا على فكرة إنشاء جمهورية مستقلة، وإن كانت على صلات وثيقة مع فرنسا فيما وراء نهر الراين. فإنه سرعان ما أُغلقت الأندية السياسية، وصار الحجر على حرية الرأي، ومنع كل بحث أو مناقشة، وعاد «جوريز» نفسه من باريس وقد تخلى عن فكرة الجمهورية، وأصبح من أنصار الملكية الدستورية.

ومع ذلك، فإن فشل فكرة إنشاء جمهورية «مستقلة» في ضفة الراين اليسرى ليس معناه أن أنصار هذه الفكرة ومؤيديها قد أثاروا تبعًا لذلك أية عراقيل أو صعوبات؛ كي يحولوا دون انضمام إقليم الراين إلى فرنسا. حقيقةً زعم كثيرون بعد قيام المقاومة الوطنية في ألمانيا وسقوط نابليون أن الغرض من محاولة إنشاء جمهورية ما وراء الراين، كان تجنب الاندماج بفرنسا أو الانضمام إليها، واتخذوا من هذه المحاولة المزعومة دليلًا على أن هناك «قومية أو وطنية ألمانية» كانت موجودة فعلًا قبل الحركة الشعبية التي سبقت سقوط نابليون، وكانت من عوامل زوال الإمبراطورية النابليونية. غير أن الواقع لا يؤيِّد هذه الدعاوى بحالٍ من الأحوال، فإن «جوريز» نفسه كان قد قَبِل في مشروعه عن «السلام العام» الذي سبق ذكره (في سنة ١٧٩٦) الانضمام إلى فرنسا، بل وعمل على تشجيع ذلك. ثم إنه عندما دعا القائد الفرنسي «أوجيرو» Augereau «اتحاد ما وراء الراين» للانضمام إلى فرنسا (١٥ نوفمبر ١٧٩٧) وجَّه الاتحاد إلى أعضائه في «كوبلنز» نداءً يطلب فيه الانضمام إلى فرنسا، مستندًا إلى ما يجنيه أهل الراين من فوائد مترتبة على هذا الانضمام إلى بلادٍ يتمتع أهلها بالحرية، وإلى أن الانضمام من شأنه أن يحول دون حدوث حركة رجعية على أيدي الأمراء ورجال الكنيسة، وإلى أن مصلحة الراين الاقتصادية تُوجِب هذا الانضمام إلى فرنسا والاندماج بها.
وعلاوةً على ذلك، فقد عبَّرت الصحافة المعاصرة أصدقَ تعبير عن هذه الرغبة، خصوصًا «الصحيفة الحمراء» Das Rote Blatt التي ظهرت في أعقاب صحف «بون» الأولى. ولقد أيدت كذلك الأندية والجمعيات رغبة الانضمام إلى فرنسا، ومنذ البداية كان مقبولًا لدى الراينيين فكرة وصول فرنسا إلى حدودها الطبيعية. فكتبت «هيتزروث»: لن تستطيع الأمم الاطمئنان إلى قيام عهدٍ طويلٍ من السلام، وإلى قدرتها على العمل من أجل دعم تقاليدها، إلا إذا أنجزت تخطيط حدودها بدقةٍ، وحينئذٍ فقط يتسنَّى اختفاء هذه الحدود، ويتسنَّى تعاون الدول فيما بينها في جهدٍ مشتركٍ لتحقيق مأثرةٍ إنسانيةٍ. وذلك رأي ينطبق تمامًا على ما كان يأخذ به «جوريز» نفسه، حينما قال هذا الأخير: «لقد أوجدت الطبيعة نهر الراين حتى تُفِيد فرنسا من وجوده في رسم حدودها.»

وهذه الرغبة في الانضمام إلى فرنسا كانت شيئًا منتظرًا، حينما كان الراينيون يعتبرون فرنسا مهد العلوم والمعرفة، ومَوْئِل الحضارة والمدنية، وحينما كانوا يعتبرون أنفسهم — وعلى نحو ما فعل الفلاسفة الألمان الذين سبق ذكرهم — «مواطنين عالميين» وطنهم العالم أجمع، فاعتقدوا أن الواجب يقتضيهم لهذا السبب نفسه أن يؤيِّدوا فرنسا وأن ينحازوا إلى جانبها، فكتب «هيتزروث» أيضًا أنه «يعتقد اعتقادًا راسخًا، أن واجب «المواطن العالمي» قبل كل شيء أن يعمل بكل قواه الذهنية والثقافية، ولو كانت هذه ضعيفة، لتأييد كل الحكومات التي تأخذ على عاتقها السير وفق فلسفة العلم والمعرفة.»

وتكاد هذه المبادئ تكون هي ذاتها التي نادى بها «فيشته» في سنة ١٨٠٥، والتي سبقت الإشارة إليها. ولم يجد «هيتزروث» وإخوانه غبارًا في اعتمادهم على الحضارة الفرنسية التي جعلت فرنسا في نظرهم تقود عالم «الاستنارة» أو العلم والمعرفة، والتي جعلتهم يتخذون من هذه الحقيقة ذاتها أساسًا «للعالمية» التي انتموا إليها «كمواطنين». ولم يروا في وصفهم «مواطنين عالميين» أيَّ مبرر لتوجيه الاتهام ضدهم بأنهم في فعلهم هذا إنما قد خرجوا على المُثُل العليا الألمانية، أو خانوا عهدها. بل على النقيض من ذلك، اعتبر «هيتزروث»، كما اعتبر «فنيدي» وغيرهما أن المثل الأعلى الذي أخذت به فرنسا، هو مثلهم الأعلى كذلك، كما أنه المثل الأعلى الألماني نفسه.

ومع ذلك، فقد شعر الراينيون بالمرارة والألم والحسرة، عندما شهدوا فرنسا تضحِّي بالحرية تحت أقدام بونابرت. وكان «جوريز» الذي وصل إلى باريس — كما ذكرنا — وقت انقلاب ١٨ بريمير، أحد أولئك الذين أفصحوا عن هذه الحسرة والمرارة في كتاباتهم وأقوالهم، فنشر عقب عودته في سنة ١٨٠٠ كتيبًا بعنوان «نتائج مهمتي (أو بعثتي) في باريس»،٢٠ وكان في رأيه أن فرنسا لم تعد تصلح الآن لقيادة الإنسانية وإنعاشها وإنهاضها؛ حيث إنها قد ضحَّت بحريتها، واستبدلت بهذه الحرية سلطان بونابرت القنصل الأول.

وقال «جوريز»: إن الغشاوة التي حجبت عن ناظريه في الماضي رؤية الحقيقة قد انقشعت الآن، فصار في وسعه أن يدرك أن هناك فروقًا تفصل بين المزاجين الألماني والفرنسي، وأن يعترف بوجود «عبقرية» يختصُّ بها كلٌّ من الشعبين الألماني والفرنسي على حدة. ثم لقيت لديه قبولًا آراء «هردر» عن اللغة بوصف أنها العنصر الأساسي في التعبير عن «العبقرية» التي يختصُّ كل شعبٍ بها. ولقد وصل «جوريز» رويدًا رويدًا إلى اعتناق الفكرة القائلة بأن الشعب والدولة إن هما إلا شيءٌ واحدٌ، ولا سبيل إلى التفرقة بينهما، وأن من المتعذِّر بتاتًا إنشاء دولة قوية البنيان، إلا إذا اعتمد بناؤها على ما لدى الشعوب من تقاليد عريقة محببة إليه.

وهذه الآراء التي صار يُعْنَى بها «جوريز» الآن، قد دلَّت على أن تغييرًا قد طرأ على تفكيره، أخرجه من دائرة التأثر بمبدأ الوطنية أو القومية على طريقة «جان جاك روسو»، إلى الإيمان بالرأي الذي نادى به هردر. ومن هذه الناحية صار «جوريز» بفضل هذا التغيير الذي طرأ على تفكيره، في عداد الرواد الأوائل الذين فتحوا الطريق لغيرهم. ولقد سبق «جوريز» في هذا الميدان سائر معاصريه؛ ذلك بأن النسيان سرعان ما جرَّ ذيوله على طائفةٍ من أنصار فكرة «الجمهورية السيزرينانية» مثل «كريستيان سومر»، في حين التحقت طائفةٌ أخرى منهم بالإدارات الفرنسية، وانخرطوا في سلك موظفي الجمهورية أو الإمبراطورية الفرنسية بعد ذلك.

ولقد بقيت حركة إنشاء جمهورية ما وراء الراين، تستند على أقلية لا يزيد عددها على الألفين وحسب، أخذوا على عاتقهم نشر الدعوة لها في وسط أو بيئة كان يسودها الخمول والفتور الذهني، ولم يحرك ثلاثة أرباع الأهلين ساكنًا لتأييدهم، بل على العكس من ذلك، لم يلبثْ أن عظم سخط سواد الشعب على هذه الحركة؛ بسبب ما وقع من ضروب السلب والنهب والمصادرة على أيدي الجنود الفرنسيين، فانصرف الناس عن «السيزرينانيين» في حركتهم.

وهؤلاء الخاملون الحاقدون الذين رفضوا التأثُّر بآراء «السيزرينانيين» ولم يلبُّوا دعوتهم، هم الذين هبُّوا لتأييد «السياسة الفرنسية» عندما أسرف بونابرت على توجيه هذه السياسة وجهة تختلف في معناها تمامًا عن وجهتها السابقة، فصارت ترتكز الآن على وجوب إعادة النظام والاستقرار في إقليم الراين، والمحافظة على العقائد الدينية واحترامها، ثم تشجيع التجارة والنهوض خصوصًا بالزراعة، بصورة مكَّنت من انتشار الرخاء الاقتصادي. فكانت إذن سياسة «مادية» فاقت في أثرها المباشر كلَّ ما كان يبذله أنصار جمهورية ما وراء الراين من جهود. ولقد أثمرت هذه السياسة عندما أمكن بفضلها استمالة الأهلين في هذا الإقليم إلى جانب الإمبراطورية النابليونية.

وعلى ذلك، فكما أنه لم يظهر في هذا الجزء من ألمانيا (إقليم الراين الأيسر) أية مقاومة ذات صبغةٍ قوميةٍ، أو طابعٍ وطنيٍّ، أيام الجمهورية «الفرنسية»، فإن شيئًا من ذلك لم يحدث أيضًا أيام الإمبراطورية «النابليونية». ويتضح من هذا كله أنه لم يكن للثورة الفرنسية أي فضل أو أثر في بعث الشعور القومي في ألمانيا. بل إن الشعور القومي في ألمانيا لم ينشأ إلا أيام الإمبراطورية النابليونية؛ نتيجةً لرد الفعل الكبير الذي حصل ضد سيطرة هذه الإمبراطورية ولمقاومتها.

اليونان «وأولى الحركات القومية في أوروبا»

وإذا كانت الثورة الفرنسية قد أخفقت في خلق فكرة القومية في ألمانيا، فإنها نجحت في تغذية هذه الفكرة، واستثارة الشعور القومي وتشجيعه في اليونان، ولو أن اليونانيين كانوا لا يزالون لا يدركون وجود تلك العناصر — التي سبق أن ذكرناها في موضعها — والتي ينشأ الروح القومي من تفاعلها؛ وذلك لأن اليونان كانت أمةً لم تبدأ تشعر بذاتيتها إلا عن طريق عوامل خارجية لم تلبث أن أفضت بتضافرها إلى فكرة إنشاء دولة يونانية ذات كيانٍ خاصٍّ بها. فكان بفضل ما حدث من ارتباط بين الدوافع الخارجية، وشعور الاعتزاز والتوثب الداخلي، أن برزت إلى الوجود القومية اليونانية.

وكان الائتلاف بين هذين العاملين؛ الدافع الخارجي والتوثب الداخلي، والارتباط الوثيق بينهما، هو الطابع الذي تميَّزت به حركة اليونان القومية، وهي أولى الحركات القومية التي حصلت في أوروبا، ومن هذه الناحية كانت «الثورة الفرنسية» الحادث أو الفرصة أو الظرف الذي جعل ممكنًا قيام هذه الحركة القومية الأولى (اليونانية).

لقد سبقت الإشارة — عند الكلام عن اليونان في آخر القرن الثامن عشر — إلى كل تلك الاتجاهات العاطفية، والمظاهر التي كانت تنبئ بوجود آراء وأفكار «تقليدية» لدى اليونانيين قبل نشوب الثورة الفرنسية ذاتها بمدةٍ من الزمن، وضحت آثارها بفضل تلك «الحركة» التي قام بها الفناريون، وصفوة الناس من أهل الطبقة المثقفة المهذبة الراقية اليونانية. ولقد كانت هذه حركة سياسية ودبلوماسية في جوهرها، استندت على جهودٍ لم يُعِرْها السلطان العثماني أيَّ انتباه، حتى قَوِيَ شأنها واستطاع أصحابها تدبير المؤامرات في الخارج مع الدول المجاورة ضد الإمبراطورية العثمانية.

أما هذا النشاط فقد اتخذ وقتئذٍ «الولايات الدانوبية» مقرًّا له. فصار الحكام «الهسبودار» Hospodar ورجال بطانتهم في كلٍّ من ملدافيا «البغدان» في ياسي، وولاشيا «الإفلاق» في بوخارست، هم الذين يغذونها ويشجعونها بالاتحاد مع طوائف التجار الأثرياء وقادة الرأي والمثقفين في البلاد. ومما ساعد على ذلك أن الباب العالي دَرَجَ على اختيار الحكام لملدافيا وولاشيا من بين الفناريين أنفسهم في أكثر الأحوال؛ أي من بين تلك الأسر اليونانية القديمة التي عاشت في حي الفنار (من ضواحي القسطنطينية). ولقد كان هؤلاء الفناريون على علاقاتٍ وثيقةٍ بروسيا، واتجهوا دائمًا صوب روسيا ينشدون العون منها، ويعتمدون في حركتهم على ما قد ينشأ من أزماتٍ بين الدولة العثمانية والدول المجاورة لها، خصوصًا روسيا.
وفي السنوات القليلة التي سبقت نشوب الثورة الفرنسية مباشرةً، كانت أهم أزمة أرادوا الاستفادة منها، تلك التي وقعت في سنة ١٧٨٥ بين روسيا (أيام القيصرة كاترين الثانية) والنمسا (أيام الإمبراطور جوزيف الثاني)، وبين الإمبراطورية العثمانية، فحيكت خيوط مؤامرةٍ واسعةٍ تزعَّمها ولدا «إسكندر إبسلنتي» Ypsilanti حاكم ولاشيا وقتئذٍ، ولكنها أخفقت وكاد ابنا «إبسلنتي» يفقدان حياتهما لولا تدخل والدهما، وهو من أسرةٍ عريقةٍ في حي الفنار، ولولا تدخل أفراد هذه الأسرة، فأمكن أن ينجو الابنان من العقوبة، ومع ذلك فقد كان «إبسلنتي» نفسه ضالعًا في هذه المؤامرة، فقد اكتشفت بعد قليل طائفةٌ من الرسائل المتبادلة بينه وبين القيصرة كاترين والإمبراطور جوزيف، تتضمَّن مشروعًا لإنشاء دولة بلقانية تحت حماية روسيا، ولم تلبث أن قامت مؤامرةٌ أخرى في «ياسي» شبيهة بهذه المؤامرة، تزعَّمها زميله «مافروكروداتيس» حاكم ملدافيا.
على أن هذه الحركة التي تزعَّمَها الفناريون، لم تكن تشمل سواد الشعب اليوناني الذي بقي بعيدًا عنها. ثم إن هذه الحركة لم تكن تهتمُّ باليونان نفسها مثل اهتمامها بالبلقان، أو بذلك الجزء «الأوروبي»؛ أي المنتمي «للقارة» من شبه جزيرة البلقان. أضف إلى هذا أن الحركة سرعان ما اصطدمت بأخرى «معارضة» لها نبتت كذلك بين الفناريين أنفسهم. ففي حين تميَّز كلٌّ من «إبسلنتي» و«مافروكروداتيس» بميولهما الروسية، وجدت تركيا نصيرًا يؤيد مصالحها في شخص زعيمٍ آخر من حي الفنار هو القائد «مافروجيني» Mavrojeni الذي خدم في الجيش العثماني، ووصل إلى مرتبة القيادة، ثم عيَّنَه السلطان العثماني الآن حاكمًا (هسبودارًا) على الولايتين معًا: ملدافيا وولاشيا، ثم عهد إليه بقيادة الجيش العثماني ضد قوات روسيا والنمسا، بمجرد أن تجددت الحرب بين تركيا وروسيا. ولكن «مافروجيني» لم يكن موفقًا في الحرب، فحلت به الهزيمة، وعندئذٍ قطع السلطان رأسه (١٧٩٠).

تلك إذن كانت جملة الأفكار والآراء القديمة التي شكَّلت حوادث الحركات التي قام بها اليونان قبل مجيء الثورة الفرنسية. ولكن ما إن قامت الثورة في فرنسا، وذاعت الآراء والمبادئ التي جاءت بها، حتى تأثَّر اليونان بها، فنشأت من ثَمَّ اتجاهات جديدة من وجهة النظر السياسية، سرعان ما صار للحركات التالية في اليونان بفضلها طابعٌ قوميٌّ، وبصورةٍ لم يَسبق لها عهدٌ بها.

ويصعب تحديد الطريقة التي انتشرت بها هذه الآراء الجديدة في اليونان، ولو أن عوامل كثيرة لا بد أن تضافرت فيما بينهما على فعل ذلك. ومن هذه كان عامل «الدعاية» الذي يكفل ذيوع الآراء والمبادئ المنادى بها، ثم عامل «الاحتكاك» بين النظريات والآراء القديمة، وبين المبادئ والمذاهب الجديدة، ولكلٍّ من هذين العاملين آثارٌ يمكن إدراكها، وإن تعذَّر العثور عليها في الوثائق واضحة جلية. ومع ذلك، وبالرغم من هذه الصعوبة، فقد يسهل معرفة «الطريق» الذي انتقلت بواسطته إلى هذه الجهات والآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية. أما ذلك الطريق فقد يكون موضع غرابة، إذا عرفنا أن طريق «فينا» كان أهم الطرق التي استطاعت آراء ومبادئ الثورة الفرنسية العبور منها إلى البلقان وشبه جزيرة المورة.

والسبب في ذلك ما كان للإمبراطورية النمساوية من أهمية جغرافية بالنسبة لتركيا عندما أحاطت أملاك هذه الإمبراطورية بأملاك العثمانيين من الشمال والغرب، فأصبحت «فينا» مركزًا تنفذ منه بسهولةٍ — وعند سنوح الفرصة — الآراءُ والمبادئ الجديدة إلى داخل الممتلكات العثمانية. أضف إلى هذا أن اليونانيين وجدوا في كل البلدان الكثيرة في الإمبراطورية النمساوية مكانًا أمينًا لإقامتهم وتوطنهم. فاستقرت «بفينا» — على وجه الخصوص — جالية يونانية كبيرة قوامها التجار عرفت بالغنى والثروة، حتى إن الإمبراطورية لم تلبثْ أن اعترفت رسميًّا (في يناير ١٧٨٧) بوجود هذه الجالية اليونانية كحقيقة قانونية، فصار لهذه الجالية كيانٌ قانونيٌّ معترفٌ به. بل إن الإمبراطور النمساوي سرعان ما وجد بعد سنواتٍ قليلةٍ في وجود هذه الجالية اليونانية، وسيلةً مواتيةً للتدخُّل في شئون الدولة العثمانية والضغط عليها.

ولذلك فقد اعترف الإمبراطور فرنسيس الثاني بوجود الكنيسة اليونانية رسميًّا في فينا. واتهم اليونانيون في «فينا» لدرجةٍ كبيرةٍ بإمداد المدارس التي توفرت على تعليم أبناء جاليتهم الأدب واللغة اليونانية، بالإعانات المالية. كما أن أغنياءهم صاروا يعهدون إلى «معلمين يونانيين» بأبنائهم لتنشئتهم تنشئةً يونانية. وبفضل ذلك كله صارت «فينا» مركزًا لاجتماع عددٍ غفيرٍ من المثقَّفِين وقادة الفكر والرأي اليونانيين. ثم تأسَّست في «فينا» بيوتٌ للنشر، أنشأت صلاتٍ وثيقةً مع المثقَّفِين اليونانيين في ولايتيْ ملدافيا (البغدان) وولاشيا (الأفلاق). ولقد استطاع هؤلاء اليونانيون بوصفهم نمساويين من الناحية القانونية، أن يظفروا بكل التسهيلات التي جعلت في مقدورهم إنشاء الصلات التي تعذر عليهم إنشاؤها لو أنهم كانوا «عثمانيين» من ناحية الجنسية. فصار في مقدورهم التحول والانتقال من مكانٍ إلى آخر، بفضل «الجوازات النمساوية» التي حملوها، في جميع أنحاء الإمبراطورية النمساوية، بل وفي كل أنحاء الدولة العثمانية أيضًا، دون أن يُزعِجهم أحد أو أن يَلحَق بهم أي ضرر.

وبذلك أمكن قيام حركة كبيرة لنقل «الآراء» الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية، وترويج هذه الآراء على أيدي هؤلاء اليونانيين المتجولين، وأشرفت «فينا» على تنظيم هذه الحركة ودعمها. وهكذا، على أيام الثورة الفرنسية، كانت فينا «اليونانية» هي مركز الدعوة للآراء التي نادت بها هذه الثورة.

وفي فينا صدرت أول صحيفة يونانية «أفيميريس» Ephimeris أسَّسها «الأخوان بوليوس ماركيديس» Paulios Markidis، من أسرة كانت أصلًا من مقدونية. ظهر أول أعداد هذه الصحيفة في آخر ديسمبر ١٧٩٠، وجاء في مقالها الافتتاحي:

يجد القارئ اليوم بين يديه الصحيفة التي طال انتظاره لها، والتي كان قد سَبَقَ الوعد بظهورها من زمنٍ طويلٍ، وهي باللغة الدارجة التي يفهمها الشعب ويتذوَّقها. تبدأ الآن كغرسٍ صغيرٍ لا يلبث حتى ينمو رويدًا رويدًا، فإذا اكتمل نموه، ازدهر، ثم أينعت ثماره، وصارت قطوفه دانية.

وجريدة «إفيميريس» بدأت في أول عهدها تظهر مرتين أسبوعيًّا في ثماني صفحات، ثم ازداد عدد صفحاتها حتى تراوحت هذه بين الست عشرة والعشرين. وفي سنة ١٧٩٣، حددت الصحيفة أغراضها فقالت: إن «إفيميريس» هي سجلٌّ لتدوين الحوادث المعاصرة به؛ أي كل ما يجري في أنحاء العالم بصدقٍ ودقةٍ. كما قالت إنها «تأبى أن تبقى أمتنا العظيمة (اليونانية) والتي نشرت الحضارة في العالم بفضل علومها وأخلاقها، محرومة وحدها فقط من وجود صحافة لها.»

ولقيت «إفيميريس» صعوباتٍ جمة، منشؤها صرامة «الرقابة» النمساوية من ناحية، وشدة نظام البوليس العثماني من ناحية أخرى، حتى إن الصحيفة صارت مضطرة إلى حذف كل الأخبار المتعلِّقة بالدولة العثمانية أو تمسُّ هذه من قريبٍ أو بعيدٍ، وذلك من الأعداد المرسلة للتوزيع داخل هذه الدولة العثمانية. ثم إن رؤساء التحرير اضطروا بسبب الرقابة النمساوية، أن يتجنَّبوا الأقوال ذات الطابع الحر الصريح. وعلى ذلك فقد اعتمدت الجريدة في نشر دعايتها على المقالات المفرغة في قالب دراسات تاريخية تتحدث عن مجد اليونان في تاريخهم الغابر، وتحاول تذكير الأبناء بفعال الآباء والأجداد المجيدة. ثم إنها اتبعت طريقة «حكيمة» في إذاعة أنباء الثورة الفرنسية؛ حتى لا تتعرض لشطط الرقابة الصارمة، وذلك بأن جعلت من صفحاتها مجرد سجل لأخبار الثورة، فنشرت وقائع المظاهرات وأحداث عهد الإرهاب، ونشاط «المقصلة»، كما نشرت أخبار المعارك التي انتصرت أو انهزمت فيها جيوش الثورة. وفي بعض الأحايين، استباحت الصحيفة لنفسها الحق في نقد طائفة من هذه الأحداث وإظهار استيائها منها.

على أن أهمَّ ما عُنِيَتْ به «إفيميريس» كان طبع وإذاعة الخطب التي ألقيت في الجمعية الأهلية التأسيسية والجمعية التشريعية في فرنسا، وخصوصًا عند البحث في «حقوق الإنسان والمواطن». ثم إنها نشرت دراسات تحليلية للقرارات التي استصدرتها هذه الهيئات، ولدساتير الثورة عمومًا. وهكذا استطاعت «إفيميريس» أن تذيع على قرائها دروسًا وافيةً في موضوع «المبادئ والآراء الجمهورية»، وأن تلقِّن هذه الدروس الجديدة قراءها. ثم نجم من هذا النشاط الكبير أن صار متيسرًا قيام روابط وثيقة بين اليونان في النمسا وبين اليونان في الخارج. وانتشرت الآراء التي روَّجت لها هذه الصحيفة في أنحاء الإمبراطورية العثمانية. فكان بفضل هذا كله أن صارت «إفيميريس» من الوسائل المعدودة للتعليم من جهة، وأداة للنضال من جهةٍ أخرى. وصارت الجريدة في هذا الطريق المرسوم لها «بحكمة» وبقدر ما كان ذلك ممكنًا. ولا جدال في أنها قد قامت بدعاية ذات أثرٍ بالغٍ، ينهض دليلًا على ذلك كل تلك التقارير العديدة التي سجَّل فيها البوليس اتهاماته ضدها، فعزا إليها بثَّ روح الثورة، والعمل لترويج الآراء الفرنسية. وكان متوقعًا أن «تحظى» الصحيفة بعناية البوليس النمساوي بسبب الحرب القائمة وقتئذٍ بين النمسا وفرنسا.

والجدير بالذكر أن كل هذه التقارير أجمعت على أن «الجالية اليونانية» قد صارت متأثرة تأثرًا بالغًا بالروح الثورية. وذلك كان اتهامًا — إن صح هذا القول — صحيحًا؛ لأن الجالية اليونانية سرعان ما اشتركت في تلك «المؤامرة الثورية» التي حركت المقاومة ضد حكومات «النظام القديم» في أوروبا عندما بدأت تحاك خيوط هذه المؤامرة بكل سرعة.

ولكن الآراء والمبادئ التي أتت بها الثورة الفرنسية لم تلبث أن وجدت خارج «فينا» وسائل أخرى كذلك لاقتحام بلاد اليونان والتوغل في أرضها. ولقد حدث الاقتحام والتوغل بوسائل كانت أكثر اتصالًا مباشرًا، وبواسطة طرق أكثر «يونانيةً» من سابقتها. وتفسير ذلك أن الملَّاحين والنوتية وأصحاب السفن اليونانيين هم الذين أخذوا على عاتقهم أثناء حروب الثورة الفرنسية الانسلال من الحصار البحري الذي ضربت نطاقه حول الشواطئ الفرنسية الأساطيل الإنجليزية والنمساوية ثم الروسية. فصار هؤلاء اليونانيون يمدُّون الموانئ الفرنسية — أو تلك التي احتلَّها الفرنسيون — بحاجاتها من العتاد والمؤن.

وكان في أحايين كثيرةٍ أن اضطر هؤلاء أيضًا إلى الاشتباك في معارك جدية مع القوات الواقفة على حصار هذه الموانئ، ثم إنه كان من بين هؤلاء أن أقبل نفرٌ يتزعَّم الثورة اليونانية عند نشوبها فيما بعد. وهؤلاء البحارة والملاحون هم الذين تسنَّى لهم بفضل نشاطهم الاحتكاك بالآراء الجديدة في الموانئ الفرنسية التي زاروها، وصاروا ينشرون هذه الآراء الجديدة بين مواطنيهم عند عودتهم إلى بلادهم، فكانوا «دعاة» الثورة الذين قيل عنهم: إنهم ابتاعوا بالحنطة والقرصة التي اشتريت منهم في الموانئ الفرنسية، مبادئ الحرية والقدرة على فهم هذه المبادئ وإدراك معانيها!

ثم كان من أهم أسباب نجاح دعوتهم في بلاد اليونان أنها اتفقت مع قيام نهضة ذهنية وأدبية صحبها نشاطٌ عامٌّ لإنشاء المدارس ودور العلم. ومن بين هؤلاء الملاحين والتجار وجد جماعةٌ صاروا «عملاء» سياسيين في خدمة فرنسا خصوصًا، وفي سنة ١٧٩٢ كان كثيرون من هؤلاء يجوبون أنحاء الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان) ينشرون الدعوة لفرنسا من جهة، ويجمعون المعلومات لإرسالها إلى الحكومة الفرنسية من جهة أخرى.

وثمة طريقٌ آخر لنشر المبادئ والآراء التي جاءت بها الثورة الفرنسية؛ كان المحافلَ الماسونية. فقد وجد من هذه المحافل الماسونية طائفةٌ من المحافل «اليونانية» في أوديسا وبوخارست وباريس وبعض المدن في ألمانيا. والتحق أكثر اليونانيين الذين عاشوا في الخارج بأكثر هذه المحافل. ثم وجد عددٌ من المحافل في داخل الإمبراطورية العثمانية في «تساليا» و«أمبيلاكيا» Ambelakia ووادي «تمبي» Tempé، والجزر السبع (الأيونيان). وهذه كلها محافل مقطوع بوجودها في هذه الجهات، ووجد إلى جانبها في جهاتٍ أخرى محافل كثيرة.
وبفضل حركة «البنَّائين الأحرار» هذه تمكن اليونانيون من توحيد صفوفهم، ثم استمالة مواطنيهم إلى تأييد الآراء الحرة، ثم إن المحافل المساونية كانت أداةً مواتيةً لنشر الدعوة بسبب السرية التي حتمتها قوانين الماسونية. فصارت هذه السرية أكبرَ عون للدعاة إلى الآراء الجديدة على نشر دعوتهم. والذي يجدر ذكره أن كلَّ الذين اشتركوا فيما بعد في حركات جمعية الإخوان (أو الهيتريافيلكي Hetairia Philike) في سنة ١٨٢١ كانوا من البنَّائين الأحرار.

وعلى ذلك، فقد نشطت الدعاية اليونانية نشاطًا عظيمًا، ثم سرعان ما صارت «فرنكفورت» المدينة الألمانية، مركز حركات الدعاية الرئيسي خارج حدود النمسا والإمبراطورية العثمانية. فقد كانت تلتقي بها وتستند إلى توجيهها كل حركات الدعاية اليونانية في الخارج. وينهض دليلًا على ما كان لهذه الحركة من أثرٍ بالغٍ في نشر الدعوة، وبسبب نشاط أصحابها، ما كان هنالك من نظامٍ محكمٍ جعل ممكنًا إيفاد العملاء اليونانيين من القسطنطينية إلى باريس في مهماتٍ معينةٍ، ثم إلى لندن وميلان؛ ليطلب هؤلاء المبعوثون من الحكومة الفرنسية ورجالها في مختلف العواصم أن تتدخَّل في صالح اليونان، ولتأييدها، وذلك في نظير أن تتنازل اليونان لفرنسا عن بعض الجزر اليونانية في بحر إيجة، وأن تتعهَّد بالتجارة مع فرنسا وحدها دون غيرها.

وثمة دليل آخر على نشاط الدعاية اليونانية، هو انزعاج بطرياركية القسطنطينية، وكانت هذه تخضع خضوعًا تامًّا لنفوذ روسيا — الأرثوذكسية المذهب — كما أنها كانت على صلات وثيقة بجماعة اليونان «الفناريين» الأثرياء — وهم يدينون بالأرثوذكسية كذلك — فقد أقلق البطرياركية انتشار الآراء الجديدة بين اليونانيين، وأزعجها نشاط دعاة هذه الآراء الجديدة؛ والسبب في ذلك ما ظهر من «إلحاد» في فرنسا، وعدم تمسك «الثورة الفرنسية» بالدين من جهة، ثم نمو الآراء والأفكار الفلسفية التي عملت المحافل المساونية على ترويجها، وذيوع المبادئ الديمقراطية من جهةٍ أخرى. فقد كان هذا كله ينطوي على أخطارٍ جسيمةٍ، تتهدَّد أصحاب الأملاك أو التجار الأثرياء، ثم أولئك الأرستقراطيين من أهل ضاحية «الفنار» في القسطنطينية.

وعلى ذلك، فقد عمد البطريرك «جريجوريوس الثاني» Gregorious بطريرك القسطنطينية، ورئيس الكنيسة الأرثوذكسية — وهو نفس البطريرك الذي شَنَقَهُ الأتراك فيما بعد في حوادث ١٨٢١ — إلى توجيه المنشورات إلى المطارنة يحضُّهم فيها على مقاومة الآراء الفرنسية، ويطلب منهم إقصاء وجمع كل الأناشيد والأغاني والرسائل والنداءات التي تروِّج لهذه الآراء الفرنسية، وأن يبعثوا بذلك كله إليه بالقسطنطينية. بل إن «جريجوريوس الثاني» لم يلبث أن أنشأ «مطبعةً» في القسطنطينية؛ ليتمكَّن من مقاومة الآراء الحرة الجديدة.
على أنه كان هناك عاملٌ آخر هامٌّ ساعد على نشاط الدعاية اليونانية، هو أن «حكومة الإدارة» بمجرد تسلمها زمام الحكم في فرنسا، عمدت إلى اتخاذ هذه الدعاية النشيطة لترويج الآراء الفرنسية «أداة» للعمل السياسي. فإن هذه الحكومة سرعان ما جعلت تبعث بعملائها ووكلائها إلى كل مكان، وخصوصًا إلى الولايات الدانوبية (ملدافيا وولاشيا)، فصارت القنصلية الفرنسية في بوخارست مقرَّ دعاية واسعة، التفَّ مروجوها حول «جودان» Gaudin القنصل الفرنسي بها — والذي عين فيما بعد سكرتيرًا للسفارة الفرنسية في القسطنطينية، وتزوَّج من يونانية من أهل جزيرة «ناكسوس» Naxos.
وفي القسطنطينية كان «ستاماتي» Stamaty من أنشط الدعاة بها، وكان قد تعيَّن في سنة ١٧٩٦ قنصلًا فرنسيًّا بالقسطنطينية، ولكن الباب العالي رفض قبوله قنصلًا لديه عندما عرف أنه يوناني الأصل، ثم رضي به مأمورًا للقسطنطينية فحسب. وكان ستاماتي رجل مؤامرات، لم يلبث أن ذهب في آخر سنة ١٧٩٦ إلى مقر القيادة الفرنسية العام في إيطاليا ليتسلَّم تعليماته من الحكومة الفرنسية.

ولقد كان للسمعة العظيمة التي تمتَّعَ بها «بونابرت» أيام حكومة الإدارة أثرٌ بالغٌ في نشاط الدعاية الفرنسية وقتئذٍ. فقد نظر إليه اليونانيون على أنه القائد المظفَّر الذي حرَّر إيطاليا وطرد النمساويين منها، ونشر ألوية الحرية في ربوعها، وأتاح الفرصة للطليان ليظفروا بها. وعقد اليونانيون آمالًا عظيمةً على «بونابرت»، وراحوا يرجون أن تتحرَّر بلادهم على يديه، لا سيما وأن «بونابرت» نفسه هو الذي حطَّم جمهورية البندقية التي بسطت سلطانها على بلاد اليونان أزمانًا طويلةً، والتي لم يكن اليونانيون يقبلون سيطرتها إلا على كرهٍ منهم، فقابلوا بالفرح والسرور سقوط هذه الجمهورية.

ومما يدل على حقيقة شعور اليونانيين نحو «بونابرت» وتمجيدهم له، أن تاجرًا يونانيًّا ابتاع من سوق «ليبزج» في سنة ١٧٩٧ ثلاثمائة صورة من رسم «بونابرت» لتوزيعها بين مواطنيه في بلاده. بل لم يكن يخلو بيتٌ من بيوت اليونان في كل مكان — حتى في أقصى القرى — من صورة «بونابرت» موضوعة بجانب «الأيقونات» باعتباره إلهًا للحرية قمينًا بالتقديس. وساعد على ازدياد هذه الدعاية نشاطًا وقوةً أن الجيوش الفرنسية لم تلبث أن احتلَّت جزر الأيونيان وشواطئ «دلماشيا» في صلح «كامبو فرميو في أكتوبر ١٧٩٧».

وواضحٌ إذن أنه وجدت باليونان أماكن وَجِهَاتٌ معينةٌ، وقعت تحت تأثير الآراء الفرنسية نتيجةً لتوغُّل هذه الآراء والمبادئ بها، فصارت مراكز هامة لنشر الآراء القومية والثورية، وفي مقدمة هذه الأقاليم، كانت الولايات الدانوبية (ملدافيا وولاشيا)؛ بسبب ما كان لهذه الولايات من علاقاتٍ بالنمسا، والتي عرفنا أنه كان «بفينا» مقر الجالية اليونانية الكبيرة في الإمبراطورية النمساوية، وبفضل ما كان للولايات الدانوبية كذلك من علاقاتٍ مع القائمين بالدعاية النشيطة لصالح فرنسا، ونعني بذلك القناصل الفرنسيين خصوصًا في بوخارست وياسي، وسائر المدن الكبرى. ثم كان من بين هذه الأقاليم كذلك: مقدونيا وتساليا في داخل الإمبراطورية العثمانية، وكان اليونانيون بهذين الإقليمين، على صلاتٍ وثيقةٍ بعصابات «الكلفت» في معاقلها المنيعة في «جبل أوليمبس» Mont Olympus.
وثمة إقليمٌ آخر تأثَّر بالآراء الجديدة، هو إقليم «إبيروس» Epirus، بفضل سهولة الاتصال دائمًا بينه وبين جزر الأيونيان. وبذلك صارت «وسط شبه جزيرة المورة» «البيلوبونيز» Peloponese، حيث به إقليم «ماني» Magne (أو لاكونيا القديمة)، وهو إقليم كان في حالة عصيان مستمر وثورة دائمة ضد سلطات الحكومة، حتى إن السلطان العثماني لم يلبث أن عيَّن أحد أبناء البلاد «زاناتوس جريجوراكيس» Zanatos Gregorakis حاكمًا على هذا الإقليم. واشتهر «زاناتوس» باسم «زاينت بك» Zannet Bey. ولكن «زانيت بك» كان على علاقات وثيقة بالبحارة وأصحاب السفن (الأرماتولي Armatoles) الذين قاموا بأعمال القرصنة في البحر، وبعصابات «الكلفت» الذين تحصَّنوا في الجبال، ثم بأعيان اليونان في أقاليم وسط المورة الأخرى. فعزله الباب العالي، واعتبره أحد العصاة الخارجين على الدولة. ولكن هذا الإجراء لم يغير شيئًا من حقيقة الوضع القائم؛ لأن «زانيت بك» استمرَّ على رأس السلطة في «ماني»، ولو أنه صار يمارس هذه السلطة الآن باسمه بدلًا من إدارة شئون الحكم باسم السلطان العثماني. وبذلك بقيت «البيلوبونيز» مركزًا هامًّا للدعاية الفرنسية.

وزيادةً على ذلك فقد وجدت هذه الدعاية مركزًا لنشاطها في جزر بحر إيجة، مأوى البحارة والنوتية وأصحاب السفن من «الأرماتولي»، ومقر قوتهم، والقاعدة التي انتشروا منها لمواصلة نشاطهم.

وصفوة القول أن بلاد اليونان بأجمعها كانت متأثرةً بالآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية؛ الأمر الذي ترتَّبَ عليه أن صار المجال منفسحًا فيها لقيام حركةٍ فكريةٍ عظيمةٍ وتنبُّهٍ ذهنيٍّ كبيرٍ، بلغ ذروته خصوصًا في سنتيْ ١٧٩٦ و١٧٩٧ وفي السنوات التالية، وصارت اليونان لذلك متأهبةً للانتقال إلى دائرة العمل الجدي عند أول بادرة، لإشعال ثورة تستهدف الاستقلال والتحرر نهائيًّا من سلطان الدولة العثمانية.

ومن مظاهر هذا الاستعداد للتوثب أن اليونانيين نقلوا نشيد «المارسيليز» الفرنسي إلى لغتهم، وصاروا ينشدونه في كل مكان وفي كل مناسبة. وكان مما جاء في هذا «المارسيليز اليوناني» نداءٌ موجهٌ إلى أبناء الهيللينيين (أو الإغريق القدماء)، يستحثُّهم على اليقظة والتوثب؛ لأن ساعة تحقيق المجد قد أزفت، ويطلب منهم أن يكونوا خير سلالة لأولئك الأماجد الذين أورثوهم المبادئ التي يعتنقونها، وأن يناضلوا ببسالة للخلاص من ربقة الاستبداد والطغيان؛ حتى يثأروا لوطنهم مما لحق به من ذلٍّ وأذى مهانة.

وأهاب النشيد بأبناء اليونانيين القدماء أن يحملوا السلاح، وأن «يسيروا إلى الأمام؛ فدماء الأعداء سوف تجري تحت أقدامهم أنهارًا.» وهكذا بقي اليونانيون يرتقبون سنوح الفرصة، بل إنهم صاروا يعملون «لخلقها» وإيجادها، ولم يكونوا يفتقرون إلا إلى ظهور زعيم يتولَّى قيادة الثورة. وكان في غضون سنة ١٧٩٧ أن وجد الزعيم المنتظر، وسنحت الفرصة المنشودة.

فقد حدث عند استقرار الفرنسيين بجزر الأيونيان، بعد القضاء على جمهورية البندقية — وبفضل معاهدة الصلح التي أبرمها بونابرت مع النمسا في «كمبوفرميو» — أن أرسلت الحكومة الفرنسية لإدارة الجزر، قائدًا من أصل كورسيكي اختاره بونابرت لهذه المهمة، هو الجنرال «جنتيلي» Gentili، طلب إليه بونابرت إلى جانب عمله الإداري أن يبذل قصارى جهده لتذكير اليونانيين دائمًا بما كان لأسلافهم القدماء من فضل على تقدُّم الحضارة، وكي يستحثَّهم على إحياء تراثهم المجيد. ولقد بعث بونابرت في صحبته كذلك العالِم «أرنو» Arnault، الذي كُلِّفَ ينقل المنشورات والنداءات الفرنسية إلى اللغة اليونانية. وكانت هذه النداءات والمنشورات ملأى بالذكريات الكلاسيكية، وتَفِيض بالوعود من جانب فرنسا لتحرير اليونان. ولقد جاء في أحد هذه المنشورات أن فرنسا هي التي حرَّرت إيطاليا، وأن «جنتيلي» إنما يتحدث الآن باسمها وباسم بونابرت والجمهورية الفرنسية، وهم «الحلفاء الطبيعيون لكل الشعوب الحرة».
وكان بفضل هذا النشاط الجديد إذن أن أخذت تنتشر من جزر الأيونيان الدعاية بطريقة منظمة. فخرج من الجزر الوكلاء والعملاء إلى ساحل دلماشيا، وإلى الساحل الإيطالي، يبثُّون الدعوة. ثم أنشئت قواعد للعمل المنظم في كلٍّ من «راجوزا» Ragusa على ساحل دلماشيا، و«أنكونا» على الساحل الإيطالي — وتطل كلتاهما على بحر الأدرياتيك — واتخذ «ستاماتي» — الذي سبقت الإشارة إليه — مقره في «أنكونا» لتنظيم توزيع المنشورات والنداءات، وإرسال الوكلاء والعملاء إلى مختلف الجهات.
واستطاعت السلطات الفرنسية في جزر الأيونيان أن تنشئ علاقات وثيقة مع اليونانيين المقيمين في النمسا عن طريق «تريستا»، ثم إن أهل اليونان أنفسهم حاولوا إنشاء الصلات الوثيقة مع هذه السلطات الفرنسية. ففي بداية سنة ١٧٩٧ كان «زانيت بك» قد أوفد ابنه إلى بونابرت أثناء الحملة الإيطالية المشهورة، يعرض عليه وضع الموانئ في إقليم «ماني» تحت تصرف الأسطول الفرنسي. وقد تلقَّى بونابرت هذه الرسالة وهو بميلان بعد عودته من حملته في «ستيريا». وفضلًا عن ذلك فقد التفَّ حول بونابرت «عملاء» كرَّسوا حياتهم لخدمة القضية اليونانية، ومن هؤلاء كانت قرينة الجنرال «جونو» Junot دوقة دابرانتس d’Abrantés فيما بعد، وهي من أصلٍ يونانيٍّ، وتدَّعي أنها من سلالة أباطرة القسطنطينية.
واستخدمت حكومة الإدارة وبونابرت طبيبًا وعالمًا في النبات من أصل كورسيكي، من قرية كارجيز Cargése الصغيرة التي تقطن بها جالية يونانية كاثوليكية هو «تيمو ستفانو بولي» Timo Stephanopoli كلفته الحكومة بمهمة علمية في الظاهر، قابل بونابرت في ميلان، بمقر القيادة العامة، فسلَّمه بونابرت جوابه على رسالة «زانيت بك». وفي هذا الجواب راح بونابرت يؤكد احترام الفرنسيين العظيم لقضية بلاده «ولذلك الشعب المانيوتي (نسبةً لإقليم ماني) الذي يمتاز بالبسالة على قلة عدده، والذي استطاع وحده — من دون أهل اليونان القديمة — الاحتفاظ بحريته، وصون هذه الحرية. ولا شك في أن المانيوتيين جديرون أن يكونوا من سلالة الإسبرطيين القدماء.»

ووضع «ستفانو بولي» بالاشتراك مع «زانيت بك» برنامجًا لثورة وطنية كبيرة على أساس التعاون مع الجيش الفرنسي، ثم دعوا رؤساء الأقاليم الأخرى للاجتماع في إقليم «ماني»، فحضروا من أثينا وكريت وأبيروس ومقدونيا، ومن اليونان الوسطى. فانعقد مؤتمر حضره هؤلاء جميعًا، أسفر عن قبولهم فكرة «الثورة» بحماسٍ عظيمٍ، وإنما بشريطة أن يمدهم الفرنسيون بنجدة من ستة آلاف رجل، وأن يحضر بونابرت نفسه على رأس جنده لمؤازرتهم، وأن تبادر فرنسا بإرسال السلاح والعتاد اللازمين لتجنيد وتسليح اليونانيين. ثم اشترط المؤتمرون أن يلزم الفرنسيون عند احتلالهم البلاد مبدأين هامين؛ أولهما: احترام نساء اليونان وعدم الاعتداء عليهن. وثانيهما: ترك السلاح في أيدي اليونانيين وعدم تجريدهم منه. ولا جدال في أن اليونانيين في سنة ١٧٩٧ كانوا يعتقدون اعتقادًا راسخًا أنهم صاروا على وشك التحرر والخلاص حقًّا بمعاونة الجيوش الفرنسية.

أما هذه «المؤامرة الوطنية» فقد وجدت آنئذٍ من يتزعَّمها في شخص أحد اليونانيين من تساليا، هو «ريجاز فاليزتنليس» Righas Valestinlis أي ريجاز المنتسب لبلدة «فاليزتنلو». وريجاز شخصية قوية تضافرت على تكوينها كل العوامل التي أوجدت الحركة القومية اليونانية ذاتها، ثم كل تلك الخصائص التي تميَّزت بها الحركة الاستقلالية في اليونان بعد ذلك.
ولد «ريجاز» في تساليا حوالي سنة ١٧٥٧ من أسرة اشتغلت بالتجارة، وفي وسط مثقف. وذلك لأن تساليا ثم بلدة «فاليزتنلو» نفسها، كانتا من بين مراكز الثقافة «والحركة الفكرية» الهامة في اليونان؛ بسبب ما كان يوجد بهذه الجهات من مكتبات عظيمة في «زاجورا» Zagora و«أمبلاكيا» وغيرهما. وقد بدأ «ريجاز» حياته مدرسًا بمدرسة صغيرة، ثم اضطرَّ بسبب حادث ربما كان شجارًا أو مقتل أحد الأتراك، للفرار إلى الأحراش وهو لا يزال في سن السابعة عشرة. ولكنه لم يلبث بعد فترة من الزمن يصعب تحديدها أن ذهب إلى القسطنطينية حيث عاش بها «الفناريين»، والتحق بالحاشية التي التفَّت حول أسرة «إبسلنتي»، وصار معلمًا لأحد أبناء إسكندر إبسلنتي حاكم «هوسبودار» ولاشيا.
وفي هذا الوسط المثقف تعلَّم «ريجاز» اللغات الأجنبية: الفرنسية والألمانية والولاشية (أي الرومانية). وعندما تعيَّن إسكندر إبسلنتي هوسبودارا على ولاشيا، التحق «ريجاز» بخدمته سكرتيرًا له. وفي بوخارست اندمج «ريجاز» في الوسط المثقف الذي لقيه بها اندماجًا كليًّا، وتعرف — على وجه الخصوص — برجل القانون والعالم اللغوي العظيم «كانتاتزيس» Cantatzis. ولقد ساعد «ريجاز» وجوده في هذا الوسط العلمي على إتمام ثقافته من ناحية، وإتمام تكوينه السياسي من ناحية أخرى.
وليس من شك في أن «ريجاز» كان على علم بأمر تلك المؤامرة التي حاكت خيوطها أسرة إبسلنتي في سنة ١٧٨٥، وهي المؤامرة التي ذكرنا أنها كانت ضد الدولة «العثمانية»؛ فقد توطَّدت الصداقة بين «ريجاز» ورئيس هذه المؤامرة قسطنطين إبسلنتي، ابن الهوسبودار إسكندر. وفضلًا عن ذلك فقد أنشأ «ريجاز» علاقات وثيقة مع «فينتوتيس» Ventotis العالم اللغوي الذي ذاع صيته في الولاية الدانوبية الأخرى «ملدافيا» أو البغدان، واتخذ مقره في «ياسي». وكان «فينتوتيس» متفقِّهًا في اللغات القديمة الكلاسيكية، نشر كثيرًا من الكتب الإغريقية القديمة، ووضع معجمًا للغة الإغريقية، وأشرف على مطبوعات إحدى دور النشر الكبيرة في «فينا» مكتبة بوميسر Baumeisser التي أخذت على عاتقها نشر مؤلفات الإغريق القديمة.
ولقد عمل «ريجاز» إلى جانب هذا كله سكرتيرًا للقائد «مافروجيني» حينما كان هذا الأخير يتزعَّم حركة تأييد للعثمانيين وينشط ضد «إبسلنتي». ولكن لم تلبث أن ثارت ثائرة «ريجاز» عندما قطع السلطان العثماني رأس «مافروجيني» في سنة ١٧٩٠، على نحو ما سبقت الإشارة إليه. ويبدو أن «ريجاز» التحق في هذه الفترة بخدمة أحد الباشوات الأتراك «باسفان أوغلو» Pasvan Oglou الذي نال شهرة واسعة بعد ذلك؛ بسب ثورته على الدولة العثمانية.
على أن «ريجاز» بعد وفاة «مافروجيني» لم يلبث أن استقرَّ به المقام في بوخارست، في ولاية الأفلاق «ولاشيا»، وعقد وهو هناك أوثق الصلات برجال الأدب وأثرياء اليونان في الولايتين الدانوبيتين، ثم قام برحلات عديدة إلى النمسا، وخصوصًا إلى فينا في سنة ١٧٩٤، وانكبَّ في أثناء ذلك على الدارسة والقراءة في الأدب والفلسفة والسياسة. وكان في سنة ١٧٩٠ أن نشر «ريجاز» أول كتابين من مؤلفاته؛ أحدهما دراما صغيرة بعنوان «مدرسة العشاق مرهفي الحس»،٢١ والآخر عن «مبادئ الطبيعة».٢٢ وفي هذا الكتاب الأخير شرح «ريجاز» مبادئ العلوم الطبيعية الألمانية والفرنسية في لغة يونانية «أهلية»، وفي أسلوب مبسَّط يسهل على سواد الناس فهمه.

ولقد كان «ريجاز» من عظماء رجال الأدب، وكان صاحب وطنية صادقة، ثم إنه كان وثيق الارتباط «بالعالم اليوناني» سواء في حي الفنار، أو في الولايات الدانوبية (الأفلاق والبغدان) أو في النمسا. ولذلك فما إن ظهرت في أفق التفكير العقلي الآراء والنظريات التي أتت بها الثورة الفرنسة، حتى كلف «ريجاز» بالمبادئ الديمقراطية والقومية كلفًا عظيمًا، واندفع من أول الأمر ودون أيِّ تحفظ، يؤيد تلك «الحركة» التي أوجدتها الثورة الفرنسية. ومنذ سنة ١٧٩٢ خصوصًا، صار على صلة كبيرة بكل أولئك الدعاة الذين صاوا يروِّجون لآراء ومبادئ الثورة الفرنسية، والذين صار أكثرهم كذلك يروجون «للقومية اليونانية»، فوطَّد «ريجاز» علاقاته بحكومة القنصلية في فرنسا فترة طويلة من الزمن، وأنشأ الصلات الوثيقة مع «ستاماتي» أكبر الدعاة الذين صاروا يروِّجون — كما عرفنا — للآراء والمبادئ الفرنسية. وكان إعجاب «ريجاز» بالقائد الشاب بونابرت بدرجة عظيمة.

على أن الذي تجدُر ملاحظته أن الفكرة المسيطرة لدى ريجاز كانت ضرورة أن تحرر بلاده اليونان من الناحية العقلية الذهنية، قبل أن تبذل الجهود لتحريرها سياسيًّا، فهو يكتب منذ ١٧٩٠:

لما كنت محبًّا صادقًا «للوطن الإغريقي» فإني لا أقنع بذرف الدموع حزنًا على الحال التي وصلت إليها أمتي، ولكني أريد نجدتها حسب طرائقي.

ولقد أصر ريجاز على الكتابة دائمًا باللغة التي يتخاطب بها اليونانيون في حياتهم اليومية. وأفلح «ريجاز» في الارتقاء بهذه اللغة إلى مصافِّ اللغات «القومية» أو الوطنية الأهلية؛ ذلك «أن الشعب — على حد قوله — لا يستطيع أن يتجاوب بشعوره مع أولئك الذين يتحدثون إليه عن مصالحه، إلا إذا تحدَّث إليه هؤلاء باللغة الوحيدة التي عرفها أبناؤه وهم في المهد أطفال.»

وأما هذه اللغة اليونانية (الأهلية) فلم تكن وقتئذٍ غير لهجة عامية، فلم يلبث أن نهض بها «ريجاز» وغيره من الأدباء المعاصرين الذين صدرت كتاباتهم ومؤلفاتهم بها، حتى صارت «لغة» علم وأدب.

ولقد استهدف «ريجاز» في كل ما كتب استثارة حب الوطن في نفوس مواطنيه، وكان من أجل ذلك أن نقل إلى اليونانية مؤلفًا لرجل الدين الفرنسي «آبيه بارتلمي» Barthélemy عن «رحلة الشاب أنكارسيس»،٢٣ وكانت هذه الرحلة قد صادفت نجاحًا عظيمًا في أواخر القرن الثامن عشر في فرنسا وفي أوروبا. وذيَّل «ريجاز» هذه الترجمة بمذكرات تفسيرية، وتعليقات على المسائل التاريخية التي تضمَّنتها، فخرج هذا المؤلف من بين يديه بعد نقله إلى اليونانية درسًا في النقد الأدبي وبحثًا في المسائل التربوية.

ثم إن «ريجاز» أضاف إلى هذا الكتاب مصورًا جغرافيًّا للعالم الإغريقي، يشتمل كذلك على رسوم تخطيطية للمدن، وللمداليات القديمة وإشارات متعلقة بآثار البلاد، فجاء «الكتاب» وثيقة علمية خطيرة، كما أن هذا المصور كان أول الخرائط التي رسمت لبلاد اليونان.

وجديرٌ بالذكر أن «العالَم اليوناني» الذي أبرزه «ريجاز» في مصوَّرِه، والذي يفسر «فكرة» ريجاز عن هذا العالم، ويوضح معالمها، إنما كان العالم اليوناني البيزنطي، فاشتمل المصور على سواحل آسيا الصغرى، والجزء القاري الأوروبي من البلقان. ومن هذه الناحية، لرسمه بلاد اليونان، ولإبرازه العالم اليوناني البيزنطي، يعتبر مصور «ريجاز» إلى جانب تعليقاته وشروحه … إلخ، أول وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة عن الحركة الهيللينية الأولى.

ولم يلبث أن نقل «ريجاز» نشاطه إلى ميدان العمل، بمجرد أن تهيَّأت الظروف لذلك؛ أي منذ أن وضح له نشاط «بونابرت» في إيطاليا، ووقف على مدى انتشار الدعاية (أو البروبجاندا) الواسعة التي قامت بها حكومة الإدارة، وحرص «عملاء» هذه الحكومة على ترويجها وإذاعتها في أنحاء العالم الشرقي؛ فأقبل «ريجاز» على المساهمة في هذا النشاط (في سنة ١٧٩٦-١٧٩٧) بكل ما يملك من جهدٍ وقوةٍ، وشنَّ حملة من الدعاية السياسية الكبيرة، كتب في أثنائها طائفة من البحوث والنشرات التي صارت تطبع بعد ذلك سرًّا في فينا، وعظم تداولها وذيوعها.

وفي أغسطس ١٧٩٧، انتقل «ريجاز» إلى فينا. وكتب القنصل النمساوي في بوخارست بهذه المناسبة أن «ريجاز» كان على علاقات متينة بعملاء ووكلاء الثوار الفرنسيين. أما «ريجاز» فإنه لم يلبث أن جمع حوله اليونانيين من أهل فينا، واليونانيين المقيمين في سائر أنحاء النمسا، وبخاصة الشباب اليوناني، وهم الذين أخذ يدبِّر معهم مؤامرة كبيرة، ويعمل لتنظيم دعاية وطنية عظيمة. وكان «ريجاز» في هذه الفترة جمَّ النشاط، يعقد الاجتماعات، ويطوف في أنحاء البلاد النمساوية، واعتمد في هذه «الحركة» على ما كان يأتيه من أموال لتغذية حركته من أغنياء التجار اليونانيين في فينا. وكان من بين هؤلاء الأخيرين أحد كبارهم «أرجنتي» Argenti، الذي قبض عليه بعد ذلك عند انكشاف «المؤامرة».
ثم إن جريدة «إفيميريس» صارت من «عملاء» هذه الحركة؛ فنشرت في عهدها الجديد آراء ومبادئ، وصفها القناصل النمساويون في بوخارست وفي القسطنطينية خصوصًا، بأنها كانت على جانب عظيم من الخطورة، وصاروا يلفتون النظر في تقاريرهم إلى حكومتهم إلى ضرورة الانتباه لنشاط هذه الجريدة «الخطير». أما ناشر الجريدة «بوليوس ماركيديس»، فقد تعاون مع «ريجاز» في كتابة رسالة ثورية لم يعثر على نسخة منها، ووضع دستور لليونان، وأنشودة حرب بعنوان «ثوريوس» Thourios. وقد طبع «بوليوس ماركيديس» كلَّ هذه الكتابات والمؤلفات سرًّا.

أما «الدستور» الذي وضعه «ريجاز» استعدادًا لإعلانه بمجرد قيام الثورة في اليونان، فكان يتألَّف من مقدمة ومن بنود الدستور نفسه وعددها (١١٤) بندًا. وهذا الدستور يستهدف إنشاء دولة هيللينية-بلقانية، تضمُّ إليها اليونان ذاتها إلى جانب ذلك الجزء من القارة الأوروبية المعروف باسم البلقان، ويتألَّف من بلغاريا ومقدونيا وجنوب السرب. على أن تتساوى في هذه الدولة جميع العناصر التي بها، فلا يكون هناك تفرقةٌ بين جنسٍ أو دينٍ ولا تمييز لجنسٍ أو دينٍ على آخر. فكفل الدستور للعناصر السلافية والتركية التمتُّع بنفس الحقوق التي يتمتَّع بها اليونانيون طالما بقيت هذه العناصر السلافية والتركية في نطاق هذه «الدولة اليونانية».

ولقد استرشد «ريجاز» عند وضع هذا الدستور بالمبادئ التي أخذ بها الدستور الفرنسي الصادر في سنة ١٧٩٣ — والذي عرفنا أنه لم يوضع قطُّ موضعَ التنفيذ — ولو أنه أدخل تعديلات هامةً تتفق مع حال بلاده، فضلًا عن أنه اقتبس الكثير من دستور العام الثالث (١٧٩٥) الذي أوجد حكومة الإدارة. وعلى ذلك، فقد نص دستور «ريجاز» على إنشاء «حكومة إدارة» تتألَّف من خمسة أعضاء، تتسلَّم الحكم في الدولة الهيللينية. ولما كان الدستور يستند على سيادة الشعب العليا، فقد صار الشعب صاحب السلطة، بفضل جعل انتخاب هذه الحكومة من حق الشعب وحده. ولقد نصَّ الدستور على أن «اليونانية» هي لغة الدولة الرسمية.

وهكذا حافظ «ريجاز» في دستوره على فكرة «الإمبراطورية البيزنطية»؛ أي على تلك الفكرة التقليدية التي هدفت دائمًا إلى إنشاء دولة بيزنطية، والتي أطلق عليها اليونانيون اسم «الفكرة العظيمة» La Grande Idée. وإلى جانب هذا، دلَّ وضع الدستور بالصُّوَر المتقدمة على وجود ذلك «الرباط الثوري» الذي ربط «ريجاز» واليونانيين عمومًا بالآراء والمبادئ التي أَتَتْ بها الثورة الفرنسية.

وأما أنشودة الحرب المسماة «ثوريوس»، والتي صارت عنصرًا أساسيًّا من عناصر الدعاية الهيللينية، فكانت قصيدة صار مفروضًا إنشادها على كل المشتركين في تلك «المؤامرة» التي دبرها «ريجاز» حتى يتعلَّمها الجميع، وينشطوا لإذاعتها وتلقينها لبعضهم بعضًا، فتصبح الأنشودة بفضل ذلك أداة فعَّالة لترويج الآراء القومية (الوطنية) والثورية في كل الأوساط، وعلى الخصوص بين أولئك الذين كانوا في المنفى ويتعذَّر لذلك وصول الصحف والرسائل إليهم، حتى إذا حفظ هؤلاء أنشودة الحرب، صار في وسعهم أن يُذِيعوها، وأمكن أن يتلقَّنها غيرهم عنهم. ولقد كانت الأنشودة تتألف من (١٢٦) بيتًا، وصف فيها «ريجاز» العبودية التي رسف اليونانيون في أغلالها، ثم إنه صار يمجِّد فعال عصابات «الكلفت» الذين صمدوا ببسالةٍ في نضالهم ضد الأتراك.

ففي بيتين من هذه القصيدة نالا شهرة ذائعة، قال «ريجاز»: «إنه لمن الخير والأفضل كثيرًا أن يعيش المرء ساعةً واحدةً، في حياةٍ حرةٍ سعيدةٍ، بدلًا من أن يعيش أربعين عامًا بطولها وهو يرزح تحت نير العبودية، وبين جدران السجون.» وفي هذه الأنشودة وجه «ريجاز» الدعوة لليونانيين قاطبةً، حتى أولئك الذين يعيشون منهم في الخارج للمجيء إلى بلادهم، والنضال من أجل الحرية. فيقول: «الموت في سبيل الوطن أفضل وأعظم جمالًا من أن يكون للمرء سيفٌ في خدمة الأجنبي مزينٌ بحمائل من الذهب!»

ووجه «ريجاز» دعوة النضال والحرية لكل أولئك الذين وقعوا تحت وطأة الظلم والعسف في الدولة العثمانية، والذين ذكرهم في قصديته، وهم جميع الجنس السلافي في البلقان، ثم باشا «ودين» Widdin بالذات «باسفان أوغلو» الذي سبقت الإشارة إليه، الذي ثار أخيرًا على الدولة. وطلب «ريجاز» من كل أنصار هذه الحركة التحررية أن يُقسِموا أغلظ الإيمان لمواصلة القتال ضد الطغيان والفوضى. ولما كان قد وجَّه دعوته لشعوب تعتنِق أديانًا مختلفةً، منهم اليوناني، والسلافي معتنق الأرثوذكسية، والمسلم، ومنهم كذلك الكاثوليكي — عند الضرورة؛ فقد اختار «ريجاز» أن تكون هذه اليمين أمام «الألوهية المقدسة»، دون تحديد أو تعيين لمعناها. وهؤلاء جميعًا دعاهم «ريجاز» للنضال متحدين من أجل تحرير اليونان وخَلَاصِها.

ولقد اعتمد «ريجاز» والمشتركون معه في «مؤامرته» على تأييد فرنسا لهم، فحاولوا إنشاء الصلات مع الفرنسيين لهذه الغاية بشتى الطرق. فبعث «ريجاز» برسائل عدة إلى بونابرت في مقر قيادته العامة في إيطاليا، ولو أن هذه الرسائل — على ما يبدو — لم تكن تصله. ثم إنه كتب إلى عضويْ حكومة الإدارة «سييس» و«بارتليمي»، وكان الأخير من أقرباء صاحب «رحلة الشاب أنكارسيس» المشهورة، ووسَّط «ريجاز» أحد التجار في مدينة «بال» في حمل رسائله إليهما.

وفي سبتمبر ١٧٩٧، أوفد «جان مافروجيني» — من أقرباء «مافروجيني» الذي ذكرنا أن الدولة العثمانية أعدمته سنة ١٧٩٠ — إلى باريس ليتصل بوزير الشئون الخارجية في فرنسا «ديلاكروا» Delacroix، فذهب «جان مافروجيني» عن طريق فرنكفورت، وكانت هذه — كما عرفنا — مركزًا هامًّا لنشر الدعاية الهللينية، ولنشاط الماسونية، فمكث بها «جان مافروجيني» مدة شهرين، لم يلبث أن وقع خلالها من الأحداث ما جعل الأمور تنحرف لتتخذ طريقًا آخر في سيرها.

أما «ريجاز» نفسه فقد غادر «فينا» إلى «تريستا» في شهر ديسمبر من العام نفسه عاقدًا العزم على الانتقال منها إلى اليونان للاجتماع بالمتآمرين هناك، والعمل معهم لتحريك الثورة في اليونان. وكان «ريجاز» يعتمد قبل كل شيء على معاونة الفرنسيين له في تحرير بلاده.

غير أن آمال «ريجاز» ما لبثت حتى انهارت، كما لحق الفشل بمحاولات اليونانيين في كل مكان، وذلك بأن «ستفانو بولي»، وسيط الفرنسيين بينهم وبين «زانيت بك»، وجد بعد عودته من إقليم «ماني» وتزويده بالوثائق التي حملها معه إلى باريس، أن تغييرًا هامًّا قد طرأ على السياسة الفرنسية. وسبب ذلك أن بونابرت لم يعد يريد أن يتزعَّم الحركة الثورية في الشرق، ويفكر بدلًا من ذلك في مشاريع وتدابير أخرى، وأن حكومة الإدارة صارت في حال لا ترغب معها في إمداد اليونانيين بالمعونة.

وعندئذٍ لم يعد هناك مناص من تأجيل الثورة التي كان مشروطًا لقيامها مجيء نجدة من ستة آلاف فرنسي لتعزيزها، ففشلت الحركة، ولو أن بعض حركات العصيان الصغيرة هنا وهناك كانت قد قامت فعلًا في غضون سنة ١٧٩٨، في الوقت الذي ذاع فيه في اليونان نبأ وفاة «ريجاز» نفسه.

وكان «ريجاز» قد غادر فينا — كما ذكرنا — في الأيام الأولى من شهر ديسمبر ١٧٩٧ قاصدًا إلى تريستا، فبلغها يوم ١٠ ديسمبر، ولكن حدث لسوء حظه أنْ وقعت في أيدي البوليس رسائله التي كان قد كتبها دون حيطة أو حذر، فضمَّنها تعليماته وتوجيهاته لأفراد الجالية اليونانية في فينا. فألقي القبض عليه مساء يوم وصوله نفسه، وعثر البوليس في حقائبه على وثائق أخرى هامة، وعلى مقالات ورسائل سياسية، ثم أنشودة الحرب المعروفة، والدستور الذي وضعه، إلى جانب قوائم بأسماء الأنصار والمؤيدين؛ الأمر الذي كشف تمامًا عن حقيقة نواياه وأغراضه، وأماط اللثام عن «مؤامرته» الكبرى. فألقت السلطات القبض على حوالي عشرين شخصًا، كان منهم ثمانية من الرعايا الأتراك.

ولما كانت النمسا تتفاوض وقتئذٍ مع الدولة العثمانية بشأن الثوار البولنديين اللاجئين في تركيا، وبشأن الحصول من الدولة على تصاريح للسفن التجارية التي كانت النمسا قد استولت عليها من أسطول البندقية القديم بمقتضى معاهدة كمبوفرميو، وتريد الترخيص لهذه السفن بالملاحة والعمل في مياه الدولة، فقد رأت النمسا في القبض على الثوار اليونانيين الذين أرادوا الانتقاض على الدولة وسيلةً تستطيع بها المساومة مع الأتراك لتظفر بمطلبها منهم. فسلمت الحكومة النمساوية للسطات العثمانية «ريجاز» والرعايا الأتراك الذين قبضت عليهم. ولقي كل هؤلاء حتفهم — بما فيهم «ريجاز» — شنقًا في سجن بلغراد في ٢٤ يونيو ١٧٩٨.

ولقد كان منتظرًا بعد اكتشاف هذه المؤامرة أن يبذل البوليس النمساوي قصارى جهده للقضاء على كل نشاط للدعاية، وأن يُحكِم رقابته على اليونانيين في فينا، وفي سائر أنحاء النمسا. وبالفعل سرعان ما صدر الأمر بتعطيل جريدة «إفيميريس»، ومصادرة مطبعتها.

وسارت الأمور في غير صالح اليونانيين، على أثر تأسيس التحالف الدولي الثاني ضد فرنسا، وتزايد شعور الفرنسيين بخطورة مركزهم، وكان القيصر بول الأول عند اعتلائه العرش عقب وفاة والدته كاترين الثانية، هو الذي أنشأ هذه المحالفة التي ضمَّت إليها النمسا وإنجلترة وتركيا ونابولي وأكثر الإمارات والدويلات الألمانية. ولقد سيَّر القيصر جيشًا قويًّا بقيادة «سواروف» صاحب الشهرة العسكرية الواسعة، إلى شمال إيطاليا لمؤازرة الجيوش النمساوية بها بقيادة «كراي» Kray، فانهزم القواد الفرنسيون: «شيرر» في واقعة «ماجنانو» Magnano في ٥ أبريل ١٧٩٨، و«مكدونالد» في واقعة «تربيا» في ١٧–١٩ يونيو، و«جوبير» في واقعة «نوفي» في ١٥ أغسطس — وقد سبقت الإشارة إلى هذه المعارك في موضعها — ثم لم تلبث أن خرجت نابولي بمساعدة أسطول «نلسن» من حوزة الفرنسيين، ثم غادرت الحامية الفرنسية رومة، وأعيدت بها حكومة البابوية، ففقدت فرنسا وسط إيطاليا وجنوبها.
ولقد سارت الأمور في غير صالح فرنسا في ميدانٍ آخر كذلك، حينما استطاع «علي التبلينجي» Tepelendji، أو التبليني نسبةً لبلدة تبلين في ألبانيا — وهو الذي اشتهر فيما بعد باسم علي باشا والي يانينا — أن يستولي بقواته «العثمانية» على ثلاث مواقع بساحل دلماشيا تابعة لحكومة جزر الأيونيان، وكانت فرنسا قد حصلت على هذه الجزر في صلح كمبوفرميو، وفي شهر مارس ١٧٩٩ ظهرت الأساطيل العثمانية والروسية أمام كرفو — إحدى جزر الأيونيان — فبادر بالانضمام إلى هذه القوات نبلاء كرفو الذين التفُّوا حول «كابوديستريا» Capodistrias (١٧٧٦–١٨٣١)، وهو من أبناء كرفو الذين ولدوا بالجزيرة، وقد التحق «كابوديستريا» فيما بعد بخدمة القيصر إسكندر الأول وصار وزير خارجيته، ورفض قيادة الثورة اليونانية عند اشتعالها في سنة ١٨٢١. وفي كرفو حينئذٍ أسقط في يد الحامية الفرنسية، واضطرت للتسليم بالرغم من دفاعها الكبير عن الجزيرة.

ولما لم تستطع الحكومة الفرنسية إرسال أية نجدات إلى جزر الأيونيان، فقد استرجعت تركيا هذه الجزر، وسرعان ما تأسَّست في جزر الأيونيان جمهورية متمتعة بالحكم الذاتي تحت السيادة العثمانية، وتحتلها في الوقت نفسه قوات روسية. ونالت هذه الجمهورية الجديدة دستورًا ذا صبغة أرستقراطية، وأقبل من ثَمَّ النبلاء الذين تألَّفت منهم الطبقة الأرستقراطية في جزر الأيونيان على تأييد السيطرة العثمانية الروسية، وصاروا يقفون موقف العداء من العناصر الديمقراطية التي كانت تؤيِّد في الماضي السيطرة الفرنسية.

وهكذا انقضَتْ هذه الفترة، وقد تحطَّمَتْ أثناءها كلُّ الآمال التي كان اليونانيون قد عقدوها على نجاح مؤامرة «الماني» أو على زعامة «ريجاز» أو على نجدة الفرنسيين لهم. ومع ذلك فإن جذوة هذه الآمال لم تنطفئْ تمامًا، كما تألَّفت من كل هذه الحوادث «أسطورة» شيقة. فلقد صار «ريجاز» معدودًا من «الشهداء» الذين يقدس الشعب اليوناني ذكراهم، ومعتبرًا رمزًا للاستقلال وعلمًا على البطولة الوطنية. ومثلما بقيت ذكرى «ريجاز» خالدة، فقد بقيت كذلك أنشودة الحرب «ثوريوس» التي حفظها كل فرد في العالم اليوناني عن ظهر قلب، مبعثَ الحياة والرجاء، ولحمة الشعور القومي ومساكه، ونبعًا صافيًا ينهَلُ منه الشعب اليوناني مقومات حياته الدفَّاقة، والكفيل ببقاء هذه الحيوية برغم كل ما وقع من كوارث، حتى إذا جاءت أحداث ١٨٢١ هبَّ الشعب اليوناني يتغنَّى بهذه الأنشودة، فتنهمر على السواء دموع أولئك الذين ينشدونها، ثم الذين يُنْصِتون إليها في سكونٍ وخشوعٍ.

ومع ذلك، فالواضح من كل ما تقدم أن حركة «ريجاز» والثوريين كانت سابقة لأوانها. ولكن فشل هذه الحركة لم يكن معناه بحالٍ من الأحوال أن الفكرة القومية أو الشعور القومي قد قضي عليهما. ولقد بقيت المدارس التي أنشئت لإحياء الثقافة الهيللينية تؤدِّي على خير وجهٍ رسالتَها، وظلت الحركة الفكرية، كما بقي الانتعاش الذهني قائمًا. فتأسَّست في بوخارست مدرسة ثانوية يونانية، في سنة ١٨١٠، وجمعية لأنصار الأدب، وأنشأ «المثقفون» في فينا مجلة أدبية،٢٤ وكان من المتعذر بطبيعة الحال إنشاء مجلة سياسية. فظهرت هذه المجلة الأدبية في أول عهدها مرتين شهريًّا، ثم صارت بعد مضي سنة واحدة تصدر جريدة يومية، ظهر أول أعدادها في بداية يناير ١٨١١، ويتولى أحد العلماء (أنثيم جراتزيس Anthime Grazis) الإشراف عليها.
وكانت هذه المجلة بمثابة دائرة معارف أدبية وعلمية في كل ما هو متعلِّق بشئون اليونان، كما كانت على وجه الخصوص مرآة للحركة الفكرية المعاصرة. فاقتنت المدارس هذه المجلة، وأقبل الناس على قراءتها بشغفٍ عظيمٍ، واستمرت تصدُر ثلاث سنوات. وفي يوليو ١٨١١ صدرت صحيفة أخرى٢٥ في مبدأ الأمر نصف أسبوعية، ثم صارت بعد سنة ١٨١٢ جريدة يومية، كما أخذت تنشر من آنٍ لآخر ملاحق أدبية. وفي سنة ١٨١٢ تأسَّست أثناء الاحتلال الفرنسي الثاني لجزر الأيونيان جريدة صدرت بالإيطالية،٢٦ ولكنها كانت تنشُر مرة كلَّ شهر موجزًا لأخبارها وبحوثها باليونانية.
وهذه الصحف التي صدرت في بوخارست وفينا وجزر الأيونيان (في عهد الإمبراطورية النابليونية) لم تلبثْ أن هيأت الفرص بعد ذلك لصدور عدد من الصحف التي عملت على توثيق عرى الصلات بين الحركة اليونانية القومية الأولى (١٧٩٧) وبين حركة اليونان الاستقلالية في سنة ١٨٢١؛ فقد تأسَّست في باريس مجلة «أثينا» L’Athena في سنة ١٨١٨، ثم تأسَّست في باريس في العام التالي صحيفة «النحلة» Mélissa، وفي فينا صدرت في سنة ١٨١٩ مجلة «كاليوبي» Calliopi. فقد أمكن بفضل هذه الصحف والمجلات جميعها التي صدرت في فينا وجزر الأيونيان على وجه الخصوص، إنشاء تلك الروابط التي جمعت بين حركتي اليونان القوميتين في سنتيْ ١٧٩٧ و١٨٢١.

على أنه مما تجدر ملاحظته أن مركز الحركة اليونانية كان قد انتقل إلى الخارج بعد حوادث ١٧٩٧–١٧٩٩. ولو أن الحال الآن صار مختلفًا عما كان عليه في الماضي، حينما كانت بلاد اليونان في شبه عزلة عن أبنائها «المهاجرين». بل إن كلَّ تلك الآراء والأنباء التي نشرتها الصحف والمجلات اليونانية التي تصدر في الخارج، صارت الآن تجد طريقها إلى بلاد اليونان، فلم يعد اليونانيون في غفلةٍ عن مجريات الأمور في خارج بلادهم أو يجهلونها.

وثمة ملاحظة هامة أخرى، هي أن تغييرًا معينًا لم يلبث أن طَرَأَ على الحركة اليونانية في مظهرها وصورها، فلم يعد غرضها المباشر «سياسيًّا» صرفًا، بل صارت تقوم على فكرة جديدة، هي أن يسبق نشر التعليم، وكذلك التحرر والخلاص «العقلي»، الحركة السياسية ذاتها، والتي سوف تكون حينئذٍ نتيجة لنشر التربية والثقافة بين أهل البلاد مجرد انتقال من طورٍ عقليٍّ وروحيٍّ إلى آخر عمليٍّ وثوريٍّ. وعلى ذلك، فقد توقَّف الآن كل عملٍ أو نشاطٍ ثوريٍّ توقفًا تامًّا، وتأجَّل ذلك إلى موعدٍ آخر يحدَّد في المستقبل.

ولقد كان «أدمانتيوس كوريس» Admantios Korais هو المسئول عن هذا التحول الذي طَرَأَ على الحركة القومية اليونانية، ويعتبر «كوريس» ممثل الحركة الهيللينية في عهد الإمبراطورية النابليونية. كان من العلماء الأفذاذ، كما كان ذا وطنية ملتهبة، نشأ في بيئة امتاز أهلها بالنشاط الثقافي والاقتصادي، وذلك في جزر «شيوز» Chios إحدى جزر الأرخبيل، حيث نبتت أسرته. وكانت «شيوز» من أهم مراكز الثقافة والحركة الذهنية العظيمة في اليونان، واشتهرت هذه الجزيرة بوجود مكتبات كبيرة بها، وكان جد «كوريس» شغوفًا بالكتب، أما والده فكان من كبار تجار اليونان في أزمير التي ولد بها «كوريس» في سنة ١٧٤٨. وإن كان «كوريس» يونانيَّ الأصل، فقد كان كذلك «أوروبي» التكوين؛ فقد أوفده أبوه إلى أوروبا ليدرس فنون التجارة وأعمال المصارف في أمستردام، حيث عاش بها «كوريس» سنوات عدة، ثم إنه زار فينا وتريستا والبندقية، وأقام في هذه الأخيرة عامين قبل عودته إلى أزمير.
وفي سنة ١٧٨٢ غادر «كوريس» أزمير مرة أخرى، فقصد إلى فرنسا ليدرس الطب في «مونبلييه» Montpellier، وكان لكلية الطب بها شهرة ذائعة، فأقام في هذا المكان حتى سنة ١٧٨٨، ودرس في هذه المدة الطب والكيمياء، وتتلمذ على العالم الكيميائي المعروف «شابتال» Chaptal الذي وصل إلى مرتبة الوزارة في عهد نابليون الأول. وانتقل «كوريس» بعد ذلك إلى باريس، التي سماها «أثينا الصغيرة»، وقرَّر الإقامة الدائمة بها، وحدث هذا في الوقت الذي بدأت فيه الحركة الثورية في باريس، ثم امتدت إلى سائر أنحاء فرنسا. وتحمَّس «كوريس» تحمسًا عظيمًا للآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية. غير أن «كوريس» على خلاف مواطنيه المقيمين في أوروبا، والذين أعجبوا بالحوادث التي أفضت إلى وصول بونابرت إلى «القنصلية» في فرنسا، لم يلبث شعر بنفورٍ عظيمٍ من بونابرت الذي بزغ نجمه بعد «انقلاب بريمير».
ثم انتهى الأمر بأن صار «كوريس» يكره ما أسماه «بالطغيان النابليوني» كراهيةً شديدة. وفي اللحظة التي توفي فيها «ريجاز» في سنة ١٧٩٨، أصدر «كوريس» مؤلفًا صغيرًا، حَمَلَ فيه حملةً عنيفةً على حكومة النمسا التي اجترأت على تسليم «ريجاز»، الوطني العظيم، للعثمانيين حتى يَفتِكوا به. وفي هذا المؤلف دعا «كوريس» للثورة. ولما كان يريد أن يقف العالم على «حضارة» اليونانيين وأحوالهم في عصره، فقد وضع بحثًا في هذا الموضوع تقدم به إلى «جمعية المهتمين بشئون الإنسان»٢٧ في سنة ١٨٠٣. ولكن هذا الاتجاه صوب الثورة لم يستمرَّ طويلًا؛ لأن «كوريس» لم يلبث أن حوَّل جهوده ونشاطه بعد ذلك في اتجاه آخر، للاهتمام بالناحية الثقافية والعلمية، فكان عمله في هذا الميدان أبقى وأعمق أثرًا من نشاطه السابق.

وذلك لأن «كوريس» صار صاحب الفضل في أنه جعل اللغة اليونانية الحديثة لغة علم وأدب وثقافة، ولغة حضارة ومدنية. فاستطاع أن يُهَيِّئَ لبلاده ذلك السلاح القوي الذي لا مندوحة عنه بتاتًا في حياة الأمم والشعوب، ونَعنِي به وجود لغة أهلية حية إلى جانب يقظة الشعور الأدبي، والقدرة على تذوق الأدب. وتلك هي العوامل التي ينشأ من تفاعلها الأدب الأهلي أو القومي. وكانت وسيلة «كوريس» إلى ذلك نقل المؤلفات الأجنبية المهمة إلى اللغة اليونانية «المحلية» التي يفهمها مواطنوه ويتكلمون بها في عصره.

فبدأ «كوريس» ينقل من الإنجليزية والألمانية، المؤلفات المعتمد عليها في دراسة الطب، إلى اللغة اليونانية. ثم نقل إلى اليونانية في سنة ١٨٠٢ مؤلف العالِم الجنائي والفيلسوف الإيطالي المشهور «بيكاريا» Beccaria عن الجرائم والعقوبات.٢٨ و«بيكاريا» أصله من ميلان، عاش من سنة ١٧٣٨ إلى سنة ١٧٩٤. وكانت ترجمة هذا المؤلف — على وجه الخصوص — السبب في ذيوع صيت «كوريس» وشهرته.
وإلى جانب ترجمة هذه المؤلفات الطبية والقانونية، أخذ «كوريس» على عاتقه نشر مؤلفات الإغريق القدماء. فبدأ بترجمة كتابات «سترابون» Strabon العالِم الجغرافي الإغريقي، وكتب «كوريس» لهذه الترجمة مقدمة ذات قيمة علمية عظيمة، ثم إنه ترجم كتابات الفيلسوف «ثيوفراست» Theophraste الذي خلف أرسطو في «مدرسته»، وقد نشرت هذه الترجمة في سنة ١٧٩٩، ثم عكف «كوريس» على نقل مؤلفات الطبيب الإغريقي «هيبوقراط» Hippocrate، وقصص الروائي «لونجوس» Longus صاحب قصة «دافن وكليوي»٢٩ المشهورة، وكذلك كتابات المؤرخ والفيلسوف الأخلاقي «بلوتارك» Plutarque، صاحب تراجم عظماء الرجال في اليونان ورومة.

ولقد عكف «كوريس» على نقل مؤلفات كل هؤلاء وكثيرين غيرهم من أعلام الكُتَّاب وقادة الرأي والفكر الإغريقي القديم إلى اللغة «الأهلية» اليونانية. ثم إنه أسَّس في سنة ١٨٠٧ علاوةً على هذا كله «مكتبة يونانية» جمعت كلَّ ما أمكن نشره من مؤلفات الإغريق القدماء. واستمرت هذه المكتبة قائمة حتى وفاته، وبلغ عدد مجلداتها (٢٦) مجلدًا. وعمَّر «كوريس» طويلًا، فتوفي وهو في سن الخامسة والثمانين في سنة ١٨٣٣.

وكانت رسالة «كوريس» التي كرَّس حياته لتأديتها هي تقريب «الفكرة اليونانية» من الذهن الأوروبي المثقف، وإذاعتها بين كل الأوساط المثقفة في أوروبا. ونجح «كوريس» في تأدية هذه الرسالة نجاحًا كاملًا. فكان هو إذن واضع أسس الحركة التي عرفت فيما بعد باسم «مناصرة الهيللينية» أو اليونانية Philhellénisme.

وعلى ذلك، فقد صارت القومية اليونانية منذ ذلك التاريخ متيقظة لوجودها، وتشعر بأنه قد صار لها «وجودٌ» وكيانٌ فعليٌّ. ومع ذلك، فقد كان لهذه اليقظة القومية ما يمكن تسميته «شخصية ثنائية»؛ ففي حين كان «العقل والروح» يعيش حرًّا طليقًا في أجواء أوروبا و«نائيًا»؛ أي خارج بلاد اليونان نفسها، بقي «الجسد والهيكل الجسماني» قابعًا في عقر داره، عاجزًا عن النشاط والحركة، ويرضخ لسلطان العثمانيين. ولقد كان متعذرًا قيام الحركة الاستقلالية اليونانية، طالما بقي هذا الازدواج. فإذا اتَّحد الروح والجسد، وزالت هذه «الثنائية» بفضل نشاط جمعيات الإخوان «الهيتريافيلكي» ونشوب ثورة سنة ١٨٢١، صار ممكنًا إنشاء دولة قومية يونانية مستقلة.

أما حركة اليونان القومية الأولى، والتي سردنا قصتها فيما تقدم، وجرت حوادثها في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، فقد كان الفشل نصيبها للأسباب التي حرصنا على بيانها أثناء هذه الدراسة. ومع ذلك — وبالرغم من إخفاقها — فلا جدال في أن هذه الحركة الأولى قد كانت فعلًا ومعنًى حركةً قوميةً.

إرلندة

كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لليونان العامل الذي جعل ممكنًا أن تشعر لأول مرة بذاتيتها الخاصة بها، وأن تحاول تحقيق هذه الذاتية وإبرازها، فكانت الثورة الفرنسية — لذلك — ذات آثار طيبة و«خيرًا» على اليونان.

ولكن الأمر كان على العكس من ذلك بالنسبة لإرلندة. فالثورة الفرنسية كانت ذات آثار سيئة و«شرًّا» على إرلندة، ووبالًا ونكبةً عليها؛ لأنه كان بسبب الثورة الفرنسية أن حصلت الفرقة والانقسام في صفوف الإرلنديين نتيجةً للأعمال غير الحكيمة وللأخطاء التي جعلتهم الثورة يرتكبونها. ثم إن الثورة سرعان ما أثارت في إنجلترة المخاوف العظيمة، حتى إن الحكومة الإنجليزية لم تلبث أن زادت من صرامة الإجراءات والتدابير التي كانت تتخذها ضد الإرلنديين من أجيال طويلة بقصد الحيطة والحذر منهم.

ففي السنوات التي سبقت الثورة الفرنسية، خصوصًا منذ أن حصل برلمان «دبلن» على استقلاله في التشريع في سنة ١٧٨٢، وخلال الأعوام التالية حتى سنة ١٧٩٠، كانت الآمال منتعشة في إمكان تحسين أحوال البلاد، وأدخلت بالفعل بعض الإصلاحات الاقتصادية، مثل السماح بتصدير القمح الذي جعل ممكنًا نموَّ زراعة الحبوب وتقدمها بعض الشيء، كما تقدم نسج القنب تقدمًا ملموسًا. ولكن تلك كانت إصلاحات ضئيلة بالنسبة لما كانت تتطلَّبه البلاد، ثم إنها لم تقطع شوطًا بعيدًا.

وعلاوةً على ذلك فقد بقيت الحكومة الإنجليزية تصمُّ آذانها عن سماع مطالب الإرلنديين، وتمتنع عن إجابتها. فرفضت في سنة ١٧٨٥ مشروعًا تقدم به «وليم بيت» إلى مجلس العموم الإنجليزي لإلغاء القيود الاقتصادية وإجازة حرية التبادل التجاري مع إرلندة، فأدخل «وليم بيت» تعديلات كثيرة على مشروعه أفقدته طابعه الأساسي، وقيدت التجارة الإرلندية، وعندئذٍ نال مشروعه موافقة المجلس. ولكن «هنري جراتان» Grattan الزعيم الإرلندي والذي كان بروتستنتيًّا ومن أصحاب الأراضي، لم يلبث أن تصدَّى لمعارضته معارضة شديدة؛ لأن من بين التعديلات التي أدخلت — وطلب بعضها من البرلمان الإرلندي — استصدار القوانين التي تجعل نافذة في إرلندة، كذلك كل القوانين التي يصدرها البرلمان الإنجليزي بشأن «الملاحة». ومعنى ذلك إلغاء ذلك الاستقلال في التشريع الذي كان البرلمان الإرلندي قد ظَفِرَ به منذ أعوام ثلاثة فقط.
ولقد أراد أرباب الصناعة الإنجليز أن تبقى ضئيلة أجور العمال الإرلنديين المهاجرين إلى إنجلترة، فاشتدت معارضتهم ضد التخلي عن سياستهم الاقتصادية القديمة إزاء إرلندة؛ ولذلك لم يحدث تغييرٌ ما في النظام «القانوني» الذي وقع عبؤه الثقيل على كاهل الفلاح الإرلندي وأرهقه. ثم إنه كان بسبب الأزمة الاقتصادية المزمنة، أن ظهر منذ ١٧٨٧ — وعلى نحو ما ذكرناه في موضعه — جماعة «الصبيان البيض» Whiteboys الذين استخدم البرلمان الإرلندي ضدهم أشد وسائل العنف للقضاء عليهم بدرجة فاقت في قسوتها وسائل البرلمان الإنجليزي للغرض نفسه. وهكذا فإن الإصلاحات القليلة التي حصلت، لم يُفِدْ منها سوى أهل الطبقة المتوسطة العالية؛ أي أعيان البورجوازية Gentry البورتستنت في إرلندة، وهي الطبقة التي أصرت على التمسك بامتيازاتها، فبقيت حينذئذٍ «المشكلة الإرلندية» دون حل.

وأظهر برلمان «دبلن» الخضوع الكامل في علاقاته مع الحكومة الإنجليزية، وكان هذا البرلمان يتألَّف دائمًا من أعضاء من البروتستنت. ولم يفد من الإصلاح سواد الشعب الكاثوليك في إرلندة، حتى إن البرلمان الإرلندي لم يلبث أن رفض مشروع إصلاح انتخابي وضعه «هنري جراتان» لإعطاء بعض حقوق الانتخاب للكاثوليك؛ وذلك لأن البروتستنت الذين هيمنوا على الإدارة في إرلندة وسيطروا على شئونها، لم يكونوا يريدون بتاتًا إشراك أحد من الكاثوليك معهم في ممارسة السلطة التنفيذية أو السلطة الإدارية.

فبقي الحكم في إرلندة دائمًا في أيدٍ أرستقراطية بروتستنتية، اكتفت بأن صارت تعامل سواد الشعب الكاثوليكي الذي وقع تحت سلطانها بالصورة التي أرادتها. وكأنما كان الكاثوليك «أتباعًا» لهم.

تلك إذن كانت الحال في إرلندة عندما شبَّت نيران الثورة الفرنسية، والتي كان لها عند اندلاعها «تأثيرات سحرية». فإن الثورة سرعان ما أطلقت العنان لتدفُّق موجة عظيمة من الوطنية في إرلندة، وللمطالبة بالحقوق المغتصبة (١٧٩٠). أما هذه الحركة الوطنية فقد تزعَّمها محامٍ شاب بروتستنتي من أهل بلفاست، هو «ثيوبالد وولف تون» Theobald Wolfe Tone، وكان متأثرًا بالآراء الجديدة التي أتت بها الثورة الفرنسية. رأى أن يجمع الإرلنديين قاطبةً من بروتستنت وكاثوليك معًا وفي صعيدٍ واحدٍ على أساس المطالبة بالإصلاح وإزالة المساوئ التي تشكو البلاد منها. وكان ذلك ولا شك تفكيرًا جديدًا، ومنهاجًا للعمل جديدًا أيضًا، إذا عرفنا أن الاختلافات الدينية كانت دائمًا منبع التفرقة والانقسام في إرلندة، والحائل القوي الذي يقف دون اتحاد الكلمة في أي جهد مشترك.
وعلى ذلك، فقد ضمَّ «وولف تون» الإرلنديين الثوريين في جمعية تأسست في سنة ١٧٩١ باسم «جمعية الإرلنديين المتحدين»٣٠ بدأت بأن ضمت إليها البروتستنتيين الشماليين الذين لم يلبثوا أن رحَّبُوا بانضمام الكاثوليك الرومانيين (أي أتباع كنيسة رومة) إليهم، وتولت إدارة هذه الجمعية لجنة تنفيذية من خمسة أعضاء. وكان واضحًا أن برنامجها يقوم على الإصلاح ولا يهدف إلى الثورة، فقد نادت الجمعية بحقوق الإنسان، وطالبت بإصلاح البرلمان الإرلندي، وإزالة المساوئ التي يشكو منها الشعب. ثم إنها قامت بحملة شديدة ضد طغيان «الملاك» ورجال الكنيسة الإنجليكانية.
وقد ضم جهودهم إلى هذه الحركة الموجهة ضد الأرستقراطية التي حكمت البلاد، أتباع الكنيسة المشيخية (البرسبتيرية) الديمقراطيون في مقاطعة «ألستر» Ulster، وأتباع الكنيسة الكاثوليكية الذين ألفوا عصابات «المدافعين» Defenders، كما أسَّس البروتستنت جمعيات سرية، مثل جماعة «صبيان الفجر» Peep of Day Boys الذين عرفوا فيما بعد باسم «أورانجمين» Orangemen. وكان زعماء هذه الحركة من الذين تأثَّروا بدراسة «جان جاك روسو»، حتى إنهم اعتبروا أنفسهم تلاميذ لهذا الفيلسوف الفرنسي، من هؤلاء «تاندي» Tandy، و«إميت» Emmett، و«أوكونل» O’Connel، و«فيتزجيرالد» Firtzgerald، ووقعت مصادمات كثيرة بين «المدافعين» و«صبيان الفجر». ولكن هذه المصادمات لم تقضِ على التحالف القائم بين البروتستنت والكاثوليك.

ثم تأسست جمعيات سياسية كانت أهمها «اللجنة الكاثوليكية» التي تألَّفت في فبراير ١٧٩٢ لتعمل على ربط هذه الجمعيات السياسية في نوعٍ من الاتحاد الفدرائي. وطالبت هذه الجمعيات بإلغاء قانون التمييز الطائفي، وبإعطاء الكاثوليك حق الانتخاب. وتقدم «هنري جراتان» بمشروع يتضمَّن هذه المطالب إلى البرلمان، ولكن كان نصيب هذه المطالب الرفض. وفي «بلفاست» انبرت جماعة أخرى تطالب من جانبها بالانفصال عن إنجلترة.

وكانت إنجلترة في هذا الوقت تُعاني مصاعب متعددة، سببها رداءة المحصول وقلته، وارتفاع أسعار الخبز خلال شتاء (١٧٩١-١٧٩٢)؛ الأمر الذي أدى إلى قيام حركة شعبية ديمقراطية في البلاد، ثم وقعت خلال الربيع الاضطرابات في المدن الصناعية. وكان من أسباب الاضطرابات التي حصلت ذيوع الآراء التي أتت بها الثورة الفرنسية؛ فقد تألف بإنجلترة حزب راديكالي اعتنق هذه الآراء والمبادئ، وطالب بعقد مؤتمر وطني إنجليزي، واستطاع أن يعقد مؤتمرًا وطنيًّا في اسكتلندة في شهر أكتوبر من سنة ١٧٩٣، أرسل الإرلنديون ممثلين لهم به. وكان من مبادئ هؤلاء الديمقراطيين الإنجليز أن تنال إرلندة حريتها. وانزعج «وليم بيت» الأصغر والحكومة الإنجليزية من هذه الحركة، وأراد أن يدفع شرها، وإنهاء الأزمة؛ فقرر إجابة بعض المطالب، وبذلك نال الكاثوليك حقَّ الانخراط في سلك المحاماة، والقيام بمهمة المحلفين في إرلندة (١٧٩٢)، ثم أُعطي الكاثوليك حقَّ الانتخاب (١٧٩٣)، على أن يكون هذا الحق من نصيب الذين يدفعون ضرائب قدرها أربعون شلنًا، كما هو الحال في إنجلترة. ولكن الكاثوليك لم يُعْطَوْا في الوقت نفسه حقَّ الترشيح للنيابة.

وفي سنة ١٧٩٤، أرسل حاكمًا على إرلندة لورد «فيتزوليام» Fitzwilliam وكان من الأحرار. ولكن «سياسة إجابة المطالب» هذه التي سار عليها «وليم بيت» سرعان ما توقَّفت؛ بسبب الذعر الذي استولى على الإنجليز من جراء ما شاهدوه من نتائج انتصار الديمقراطية في فرنسا بعد انقلاب ١٠ أغسطس (١٧٩٢)، وبعد انعقاد المؤتمر الوطني الفرنسي الذي انتخب على أساس حق الانتخاب العام، ثم إعدام الملك بعد ذلك بقليل (يناير ١٧٩٣). فقد ترتب على تطرف الفرنسيين في تفسير معنى الديمقراطية، أن انفضَّ كثيرون من الإنجليز الذين كانوا يعطفون على الثورة الفرنسية، ولم يعودوا يؤيدون «قضية» فرنسا.
ثم حدث في الوقت نفسه أن نشبت الأزمات الدبلوماسية بين إنجلترة وفرنسا بسبب فتح نهر «إيسكو» Escaut للملاحة الحرة؛ الأمر الذي أزعج إنجلترة. وقد أسفرت هذه الأزمات عن إعلان الحرب بين فرنسا وإنجلترة في بداية فبراير ١٧٩٣.

وكان الإرلنديون هم الذي دفعوا الثمن! فقد قامت في إنجلترة حركة رجعية شديدة ضد الآراء الحرة وضد إرلندة، وصار من عداد الرجعيين كلٌّ من الملك جورج الثالث، والذي كان في عداءٍ مستمرٍّ ومستحكمٍ مع الكاثوليك، و«وليم بيت» الأصغر الذي كان يبدو قبل ذلك ميالًا للتفاهم، وطلب لوردات إرلندة استدعاء «فيتزوليام»، فاستدعي هذا من منصبه في فبراير ١٧٩٥، وحلت الحكومة «جمعية الإرلنديين المتحدين»، واضطر «وولف تون» و«فيتزجيرالد» إلى العيش في المنفى بفرنسا.

وثمة نتيجة أخرى لحوادث الثورة الفرنسية، هي أن العنصر البروتستنتي الحر لم يلبث أن انفصل عن الكاثوليك في إرلندة، كما أزعج رجال الدين الكاثوليك ما صار يحدث من إثارة للخواطر في الريف خصوصًا، ولما كان هؤلاء في عداءٍ مستحكمٍ ضد فرنسا، لموقفها العدائي على أيام الثورة ضد الكنيسة، فقد انصرفوا عن «الثوريين» الإرلنديين وخصوصًا بعد أن أرهبتهم أعمال العنف التي قام بها هؤلاء في شتاء (١٧٩٥-١٧٩٦).

ومن هذا التاريخ، يمكن اعتبار غربي إرلندة إجمالًا في حالة عصيان واضطراب شديدين، كانا مصحوبين بنوعٍ من النشاط لا جدال في أنه كان يُنْبِئُ قطعًا عن وجود حركة ثورية حقيقية في هذا القسم من جزيرة إرلندة.

ولقد أرادت فرنسا أن تستفيد من هذا الموقف في حربها مع إنجلترة. وعمل «وولف تون» من جهته — وهو لاجئ بفرنسا — على دفع الحكومة الفرنسية لاستخدام إرلندة كأحد أدوات الحرب ضد إنجلترة، وأوفدت «لجنة الخلاص العام» إلى إرلندة أحد رجال الدين البروتستنت القدامى، ويدعى «جاكسون» Jackson، ولكنه وقع في قبضة السلطات الإنجليزية التي ألقت به في غياهب السجون. وذهب «وولف تون» إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى يجمع الأموال اللازمة للحركة، ثم عند عودته من أمريكا في فبراير ١٧٩٦، أخذ على عاتقه قيادة العمليات في إرلندة. وبذلك أمكن قيام حركة داخلية إرلندية، ثم أخرى خارجية فرنسية، كان الغرض منهما معًا تخليص إرلندة.
فاحتشدت القوات الفرنسية في ثغر «بريست» Brest بقيادة الجنرال «لازار هوش»، وتهيأ أسطول من ثلاثين فرقاطة وخمس عشرة سفينة أخرى بقيادة الأميرال «بوفيه» Bouvet للنزول في إرلندة. ولكن هذا المشروع لم ينجح؛ لأن معظم قوات الحملة من برية وبحرية وصلت أمام خليج «بانتري» Bantry Bay في ٢٢ ديسمبر ١٧٩٦، ولم تستطع النزول إلى البر بسبب هياج البحر الشديد، فاضطرت إلى العودة بعد ثمانية أيام. وعندما حضر «هوش» نفسه ومعه جزء بسيط من قوات هذه الحملة، لم يجد في مكان المقابلة الذي حصل الاتفاق عليه سوى قطعتين من الأسطول فحسب، فأقلع بدوره عائدًا إلى «لاروشيل» Larochelle التي بلغها في ١٣ يناير ١٧٩٧. وبذلك فشلت الحركة.

ولقد أعطى تعاون الفرنسيين واشتراكهم في هذه الحملة الإرلندية الإنجليزَ الفرصة التي يَنْشُدونها لمعاملة الإرلنديين معاملة الثوار والعصاة.

ثم حصلت في غضون سنة ١٧٩٧ محاولة أخرى، تهيأت الفرصة المناسبة لها بسبب ما كانت تعانيه إنجلترة آنئذٍ من أزمة مالية وسياسية عصيبة؛ فقد اعتنق «اليعاقبة» الإنجليز الفكرة الإرلندية، كما أن أصحاب هذه المحاولة الجديدة أرادوا الاستفادة من الصعوبات الداخلية في إنجلترة بسبب عصيان بحارة الأسطول الإنجليزي الرابض في «سبيت هيد» Spithead في أبريل من هذا العام. ولقد بلغ خوف الإنجليز من محاولة الفرنسيين إنزال جيوشهم بأرضهم، درجةً جعلتهم يبدءون المفاوضة مع حكومة الإدارة في «ليل» Lille في يوليو ١٧٩٧. وكان في هذه الظروف إذن وحتى يتخلَّص الإنجليز من متاعبهم في إرلندة، أن لعب هؤلاء لعبتهم الكبرى؛ أي بذر بذور الشقاق والتفرقة الدينية بين الإرلنديين الكاثوليك والبروتستنت، وبصورة نجحت في أن تفصل الإرلنديين عن الإنجليز فصلًا نهائيًّا.

ففي سنة ١٧٩٥ تأسَّست في «ألستر» جمعية «أورانجمين»، وهم الذين عرفوا أصلًا — كما ذكرنا — باسم «صبيان الفجر». وقد نظمتْ هذه الجمعية العصابات للكفاح ضد الكاثوليك، ثم عمدت الحكومة في إرلندة إلى مطاردة الكاثوليك بأساليب تشبه في صرامتها وقسوتها الأساليب التي كان يتبعها لويس الرابع عشر لمطاردة البروتستنت في فرنسا بعد إلغاء مرسوم نانت. ولقد كان يبدو أن الحكومة الإنجليزية إنما تريد — متعمدةً — إثارة العصيان في إرلندة حتى تتخذ من ذلك ذريعة للانتهاء «بضربة باطشة واحدة» من كل مشاكل إرلندة.

ولقد هدفت حركة إقليم «ألستر» إلى طرد الفلاحين الكاثوليك من مقاطعات إرلندة الشمالية الشرقية. وكان يوجد على حدود «ألستر» ومقاطعة «أرماغ» Armagh القريبة عدد كبير من «الملتزمين» الكاثوليك الذين كانوا مستخدمين في أملاك البروتستنت الواسعة، والذين أراد هؤلاء الآن التخلص منهم. فتألَّفت لذلك العصابات من البروتستنت ومن الكاثوليك واشتدَّ النضال بين الفريقين، وانهزمت العصابات الكاثوليكية، فطرد البروتستنت الكاثوليك من مقاطعتي الشمال تمامًا، وذلك في نهاية عامين.

ولقد انعدم بسبب ذلك وجود أية روابط من الآن فصاعدًا بين الراديكاليين وأتباع الكنيسة المشيخية (البرسبتيرية) وبين الإرلنديين الكاثوليك. ومن الآن فصاعدًا وطوال القرن التاسع عشر تحالف البروتستنت في إرلندة مع الحكومة الإنجليزية ضد الإرلنديين، وهكذا لم يلبث أن اختفى كل احتمال لإمكان إنشاء دولة إرلندية متحدة، وذلك حينما وقف سواد الشعب الإرلندي وهم كاثوليك في جانب، ووقف أهل المقاطعات الشمالية الغربية وهم بروتستنت في جانب آخر.

ومع ذلك، فقد كانت هذه السياسة الإنجليزية ذاتها، سياسة التفرقة الدينية، ثم ما كان يعانيه الإرلنديون من بؤس وشقاء، من الحوافز التي دفعت الإرلنديين دفعًا إلى الانتقال إلى ميدان العمل في سنة ١٧٩٨. فاندلع لهيب ثورة كبيرة في هذه السنة. ولكن هذه الثورة أخفقت، وكان الأثر الذي ترتَّب عليها أن انتهزت الحكومة الإنجليزية الفرصة لتتخذ منها ذريعة لإدخال تغيير جوهري على وضع البلاد السياسي. أما هذا التغيير الجوهري، فكان تحطيم الحكم الذاتي في إرلندة، واستصدار قانون الاندماج المعروف مع إنجلترة (١٨٠٠) Act of Union.
وثورة ١٧٩٨ ترتدُّ في أصولها إلى الأسباب نفسها التي أثارت الحركات السابقة. فقد أخذ «وولف تون» يحرِّض حكومة الإدارة في فرنسا على إرسال حملة ثانية إلى إرلندة. ولكن دون جدوى؛ لأن فرنسا كانت مشغولة وقتئذٍ بالتفكير في مصير حملتها على مصر، فاكتفى «باراس» حينئذٍ ببذل الوعود المعسولة للإرلنديين، ومع ذلك فقد شجعت هذه الوعود الإرلنديين على الثورة. وعرف الإنجليز من أحد الخونة الذي أطلعهم على حقيقة ما يجري أن ثورةً على وشك الاندلاع في إرلندة، فقرروا سبق الأمور بإلقاء القبض في «دبلن» على زعماء الحركة في ٢١ فبراير ١٧٩٨. ونجح «فيتزجيرالد» في الفرار والإفلات من أيديهم. وبالرغم من ذلك أخفقت هذه التدابير في منع الثورة، فلم تلبث هذه أن شبَّت في مقاطعة «لينستر» Leinster في ٢٤ مايو ١٧٩٨، وكان قوامها الفلاحين الذين عضَّهم البؤس بِنَابِهِ، ويقودهم رجال الدين مثل «مارفي» Murphy و«روش» Roche. كما كان من زعمائهم «هارفي» Harvey وهو بروتستنتي، ثم اشتدَّت الثورة وتفاقم خطرها خصوصًا في المقاطعات الجنوبية، في «وكسفورد» Wexford، و«كلدير» Kildare.
وبادرت الحكومة الإنجليزية بإرسال جيش من ثلاثين ألفًا بقيادة «كورنواليس» Cornwallis القائد الذي حارب في أمريكا، لإخضاع الثورة. فأبدى الفلاحون الثوار مقاومة كبيرة، ولكن دون أن يكون لديهم أمل في النجاح، فانهزموا في «فينجر هيل» Vinegar Hill في ٢١ يونيو، ثم في «نيو روس» New Ross، وتشردوا متقهقرين إلى مرتفعات «ويكلو» Wicklow. وفي الشمال قضي على الثورة بسهولة أكثر، وكان نصيب رؤسائها الموت شنقًا، كما أُلْقِيَ القبض على «فيتزجيرالد» وألقي به في السجن، ومات به من جروحه.
ولقد كان عندئذٍ، وفي هذا الوقت المتأخر جدًّا، أن تهيَّأت «حملة فرنسية» لغزو إرلندة. فأعدت ثلاثة حشود للقوات الفرنسية؛ أحدها في «روشفور» Rochefort بقيادة الجنرال «همبرت» Humbert، وهذه القوة نزلت في «كلدير» من أعمال «كونوت» Connaught في ٢٢ أغسطس ١٧٩٨، ولم يكن عددها يزيد على ألف رجل تقريبًا. وكان سبب نجاح نزولها إلى البر أنها فاجأت قوات المليشيا في «كاستلبار» Castlebar، ولكن ما إن زالت الدهشة، حتى شرع الإنجليز يطوِّقون الغزاة، وأوقعوا بهم الهزيمة وأرغموهم على التسليم في ٩ سبتمبر.
وأما القوة الثانية فكانت بقيادة «هاردي» Hardy و«وولف تون». وقد تأخَّر خروجها من «بريست» بسبب خيانة قومسيير الخزينة الذي كان ضالعًا مع الإنجليز، والذي استطاع بسبب البيروقراطية وأساليب «الروتين» المعقدة أن يعطِّل خروج الحملة ويتسبَّب في تأخيرها، حتى إذا علم الإنجليز بخروجها أخيرًا، استطاعوا القضاء عليها أثناء عبورها البحر، ثم إنهم ألقوا القبض على «وولف تون» الذي انتحر في محبسه. أما القوة الثالثة التي اجتمعت في «دانكرك» فإنها لم تستطع الخروج أصلًا.
والذي يتبيَّن من هذه الأحداث أن العصيان أو الثورة أو «النجدة» الفرنسية، كانت جميعها محاولات فاشلة، لم يكن لها من أثر سوى أنها حفزت الإنجليز إلى مقابلتها بتدبير سلسلة من «المذابح» المنظمة، عرفت باسم «الإرهاب الأورنجي» Orange Terror، وصفه أحد المعاصرين الإنجليز٣١ بأنه كان شبيهًا في فظاعته وبشاعته «بمذابح سبتمبر» المعروفة في فرنسا، أو بحوادث الإعدام والضرب بالرصاص التي وقعت في ليون، وشبَّه كاتبٌ آخرٌ٣٢ الرؤساء الإنجليز برجال عهد الإرهاب في فرنسا: روبسبيير، و«كاريير» و«كوتون» وغيرهم. وهكذا قضي على الثورة، وتحطَّمت إرلندة بسبب هذه المجازر والكوارث. وكان من أثر تحطيمها بهذه الصورة أنها لم تلبث أن عادت تعيش في خمولٍ ويأسٍ «كجثة هامدة مسجاة على مشرحة».

وأرادت الحكومة الإنجليزية أن تضع حدًّا نهائيًّا لكل هذه الانزعاجات التي كانت تسببها لها إرلندة، ثم إنها أرادت في الوقت نفسه أن تسيطر سيطرة مباشرة على شئون الإدارة في الجزيرة. فأخذت تعمل ليس فقط لإعادة التنظيمات القديمة، وإلغاء ما كانت قد حققته من مطالب الإرلنديين سابقًا، والحقوق التي أعطتها لهم، بل صارت تعمل قبل كل شيء لوضع إرلندة خارج نطاق المساومة الدولية. ولقد كان في مقدورها أن تفرض النظام الجديد الذي أرادته على إرلندة فرضًا، ولكنها آثرت بدلًا من ذلك الاعتماد على المداهنة والنفاق في تنفيذ أغراضها.

فراحت تزعم أن اسكتلندة لم تعرف الرخاء والتقدم إلا منذ أن ارتبطت بإنجلترة مباشرةً؛ ولذلك فمن صالح إرلندة أن تحذو حذو اسكتلندة حتى تَنْعَمَ هي الأخرى بالرخاء كذلك. ثم عملت إنجلترة على «تطهير» كل وظائف الإدارة العامة في إرلندة من «الوطنيين» الذين اشتهر عنهم تعلقهم بالوطن ومحبته. وعمدت الحكومة إلى ابتياع كل ما عثرت عليه من الدوائر البرلمانية المعروفة باسم «الدوائر العفنة»٣٣ لتضمن الفوز بأكثرية ساحقة عند الانتخابات. ثم إن الحكومة راحت تبيع ألقاب النبل والشرف إلى أعيان الطبقة المتوسطة Gentry، بما قيمته مليون ونصف مليون من الجنيهات، وبذلت الوعود للكاثوليك بإعطائهم كلَّ الحقوق التي يطلبونها، بمجرد اتحاد أو ارتباط إرلندة بإنجلترة.

وبهذه الوسائل إذن نجحت الحكومة في الظفر بتأييد بعض الزعماء الإرلنديين مثل رئيس أساقفة دبلن، وأحرزت أكبر نجاح لها عندما استطاعت بفضل الأكثرية التي كانت لها داخل البرلمان في إرلندة أن تجعل هذا البرلمان يقترع في صالح «قانون الاندماج» في المملكة البريطانية المتحدة في ٥ فبراير ١٨٠٠، وهو القانون الذي لم يلبث أن نال تصديق البرلمان الإنجليزي عليه في وستمنستر في شهر مايو من السنة نفسها، ثم وضع موضع التنفيذ ابتداءً من أول يناير ١٨٠١. وفي هذا التاريخ اجتمع أول برلمان للمملكة «البريطانية» المتحدة.

وكان بفضل «قانون الاندماج» هذا أن أُلغي برلمان إرلندة. وبدلًا من وجود برلمان في إرلندة، صار من الآن فصاعدًا يمثل الإرلنديين في البرلمان الإنجليزي أربعة أساقفة، وثمانية وعشرون نبيلًا من بلاد إرلندة في مجلس اللوردات، ثم مائة نائب بنسبة نائبين عن كل مقاطعة، والباقون عن ست وثلاثين دائرة برلمانية Boroughs في مجلس العموم.
وفي المقاطعات كان الناخبون هم أصحاب الأملاك الحرة Freeholders الذين يبلغ دخلهم أربعين شلنًا، أو يدفعون «التزامًا» قدره أربعون شلنًا، وكان عدد هؤلاء عظيمًا، وهم من الفلاحين الذين كانوا تحت سيطرة «كبار الملاك» ويدلون بأصواتهم في الانتخابات حسب مشيئة هؤلاء.
ومع ذلك، فقد كان واضحًا أن هذا التوسع في إعطاء حق الانتخاب لهؤلاء الفلاحين، سوف يعود بالخطر على الإنجليز أنفسهم يومًا من الأيام، عندما يتيقَّظ الفلاحون لقوميتهم، ويبدءون يشعرون بذاتيتهم. أما في الدوائر البرلمانية في المدن والمناطق الصناعية وما إليها Boroughs فقد أُعطي حق الانتخاب لأعضاء النقابات ولأصحاب الأملاك «والعقارات» الحرة، كما أعطي هذا الحق أيضًا أصحاب الأملاك المؤجرة أو النزل Landlords، ثم إنه قضى كذلك على عدد من هذه الدوائر البرلمانية في نظير دفع تعويض لأصحاب الأملاك بها.
وبمقتضى «قانون الاندماج» صار التبادل التجاري بين إرلندة وبريطانيا حرًّا طليقًا، ثم إن نسبة ما طلب إلى إرلندة أن تساهم به في الميزانية العامة، قد قُدِّرَ بما يساوي خمس الميزانية الإنجليزية. ومع ذلك فقد بقي «الدين الإرلندي» منفصلًا عن ديون المملكة المتحدة العامة، بصورة جعلت الإرلنديين يتحمَّلون عبء هذا الدين الضخم الثقيل وحدهم. وأخيرًا فقد ترك «قانون الاندماج» النظام القضائي في إرلندة مستقلًّا استقلالًا ذاتيًّا برئاسة الحاكم العام Lord-Lieutenant، والقصر Castle في دبلن.
ولكن «التمثيل البرلماني» المزعوم الذي أعطي لإرلندة لم يكن يؤدي الغرض منه؛ لأن إرلندة لم تكن في حقيقة الأمر «ممثلة» في البرلمان الإنجليزي أو برلمان المملكة المتحدة. ينهض دليلًا على ذلك أن النواب عن إرلندة كثيرًا ما كانوا من الإنجليز وليسوا إرلنديين، فبلغ عدد النواب مثلًا في سنة ١٨٠٧ ثلاثة عشر نائبًا إنجليزيًّا في مجلس العموم، من بين ستة وثلاثين نائبًا عن الدوائر البرلمانية Boroughs، فبقيت السلطة التشريعية في الحقيقة في أيدي الإنجليز أنفسهم. وحيث إن الإنجليز كانوا أصحاب السيطرة، ويستأثرون بكل أسباب السلطتين التنفيذية والإدارية في إرلندة، فقد صار الإرلنديون لا يملكون شيئًا من السلطة المحلية. ثم انعدم وجود أية حماية سياسية تحول دون وقوع الإرلنديين تحت سيطرة الإنجليز الكاملة؛ لأنه كان بالوزارة الإنجليزية وزير لشئون إرلندة من جهة، ولأن الكنيسة والجيش في إرلندة صارا مندمجين بالأنظمة الإنجليزية.
وعاشت إرلندة في خمول وخمود، ولا يحرك الإرلنديون ساكنًا. ومع ذلك، فقد حدث ما عكَّر هذا الهدوء قليلًا، عندما انبرى شاب بروتستنتي — «روبرت إميت» Emmet، وكان شقيقًا لأحد زعماء الثورة في سنة ١٧٩٨ — يريد مهاجمة «القصر» في دبلن على رأس بضع مئات من الإرلنديين (٢٥ يوليو ١٨٠٣). ولكن حركة هذا العصيان الصغيرة لم تلبث أن أخفقت عندما عجز الثوار عن الاستيلاء على «القصر» ولو أنهم أفلحوا في قتل رئيس القضاة «كيلواردن» Kilwarden، فاضطروا للالتجاء إلى مرتفعات «كيلكو» Kilkow، وتهيأ «روبرت إميت» للفرار إلى فرنسا. ثم أراد قبل إقلاعه توديع خطيبته فذهب إلى دبلن، حيث قبض عليه بها وشنق. وفي هذه المرة لم تأتِ أية نجدات للعصاة من فرنسا. وأما المهاجرون الإرلنديون في فرنسا فقد أنشئوا «فرقة إرلندية»٣٤ حاربت في صفوف جيش «القنصلية».

واتخذ الإنجليز مرة أخرى من هذا العصيان ذريعة لاستصدار طائفة من القوانين الصارمة وإعلان الأحكام العرفية في البلاد وإطالة مدتها. ثم إن الإنجليز سرعان ما أحكموا الرقابة على إرلندة، وخصوصًا أثناء «الحصار القاري» الذي فرضه نابليون لإغلاق الموانئ في القارة الأوروبية في وجه الإنجليز. وأفاد هؤلاء من الرقابة المشددة على إرلندة من الناحية الاقتصادية، عندما صاروا يستولون على منتجات البلاد من الحبوب والأقمشة، وعاون أهل «ألستر» البروتستنت معاونةً صادقةً، الإنجليزَ في تنفيذ هذه «السياسة». ولقد ترتَّب على ذلك أن اتسعت لدرجة عظيمة الهوة التي صارت تفصل تمامًا بين هؤلاء «الأورانجمن» أهل «ألستر» البروتستنت، وبين سائر أهل إرلندة.

وعلى ذلك، فقد بقيت الآن الكنيسة الكاثوليكية، هي وحدها المؤسسة التي صار في مقدور الحياة الوطنية أو القومية في إرلندة، الاعتمادُ عليها، ولقد اضطرت هذه الكنيسة في مبدأ الأمر أن تحني رأسها لحظة أمام العاصفة؛ وذلك لما كانت تعانيه من أحوال سيئة، حينما لم يكن لديها «كنائس» للعبادة، ولكن «مصليات» أو معابد صغيرة، حتى إن القساوسة الإرلنديين كثيرًا ما كانوا يضطرون لإقامة القداس في الهواء الطلق، أو داخل الأكواخ والأهراء، وكانت هذه في أحايين كثيرة مهدمة مخربة، بل لقد حدث ذات مرة أن سقط في «كالاه» Callah سقف المكان على المصلين، فلم يحرك هؤلاء ساكنًا حتى انتهوا من القداس.

ثم إن القساوسة الكاثوليك الإرلنديون كرهوا «الثورة الفرنسية»، وكرهوا كل الآراء الجديدة التي أتت بها؛ وذلك لأن «الثورة» اضطهدت الكنيسة وحاربت الدين، وجعلت هذه الكراهية هؤلاء القساوسة وقسمًا من أعيان الطبقة المتوسطة الكاثوليك، يصدِّقون بسهولة الوعود التي يبذلها لهم «وليم بيت» الذي صار يمنِّيهم — في نظير «الاندماج» مع إنجلترة — بأن ينال الكاثوليك حقوقهم، وأن يتحرروا من القيود المفروضة عليهم. بل لقد أمكن التأثير عليهم لدرجة أنهم دخلوا في مفاوضة تستهدف إبرام اتفاق مع البابا «كونكردات»، وكان مما شجعهم على ذلك إبرام «بونابرت» اتفاقية «الكونكردات» مع البابا (١٨٠١-١٨٠٢).

فقد بدأ عشرة أساقفة في سنة ١٧٩٩ محادثات لهذا الغرض مع الحكومة الإنجليزية، ومن غير أن يستشيروا زملاءهم أو «رعيتهم» في ذلك، وقوبلت هذه الرغبة بالعطف من ناحية الكنيسة في رومة، وشجع النائب الرسولي «جون موهنر» Muhner المفاوضة، وكانت القواعد التي بحثت ليقوم عليها «الاتفاق الكنسي» المنشود، تتلخَّص في أن يكون للحكومة الإنجليزية حقُّ الاعتراض عند تعيين الأساقفة، في نظير قيامها بدفع مرتبات الكاثوليك، وذلك قبل تقديم القائمة الخاصة بأسماء المرشحين للأسقفية إلى رومة، كما أنه طلب من الخوارنة أن يحلفوا يمين الولاء للحكومة بطريق الأساقفة.
ولقد استمرت المفاوضات فترة من الزمن، ولكنها باءت بالفشل أخيرًا، بعد أن أثارت غضب رجال الدين الآخرين الذين لم يشتركوا فيها، وخصوصًا «أورايلي» O’Reilley رئيس أساقفة أرماغ، و«مويلاند» Moyland رئيس أساقفة «كورك»، في حين كان «تروي» Troy رئيس أساقفة دبلن يتزعَّم المؤيدين لهذه المفاوضات.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن هذه المفاوضة لم تلبث أن أثارت كذلك غضب «العلمانيين» — أي من غير رجال الدين — خصوصًا «أوكنل» المحامي الشاب الذي ارتفع صوته لأول مرة في هذه المناسبة، فكان بسبب سَوْرة الغضب هذه إذن أن اضطر المفاوضون إلى النكوص على أعقابهم. واجتمع مجلس الأساقفة الذي أعلن بالإجماع أنه لا مسوِّغ لأي تغيير يحصل في وضع الكنيسة، ولا حاجة لهذه به، ووقفت المسألة حينئذٍ عند هذا الحد.

على أن عددًا من «الويجز» الإنجليز، كانوا بصورة أو بأخرى يريدون أن ينال الكاثوليك حقوقهم. ومن هؤلاء «شارلس جيمس فوكس» Fox زعيم الأحرار الذي تعيَّن وزيرًا للخارجية في «وزارة كل أصحاب المواهب» المشهورة في إنجلترة والتي تألفت في بداية سنة ١٨٠٦. فقد أراد فوكس أن يكون للإرلنديين حق الحصول على الرتب العسكرية في الجيش، ولو أن شيئًا من هذا لم يحدث. وفي سنة ١٨١٢ كان «الويجز» في مجلس العموم أصحاب الأكثرية، ناصروا مشروع قانون يرمي إلى «تحرير» الكاثوليك وإعطائهم حقوقهم لقاء «ضمانات» معينة طلب إلى الإرلنديين تقديمها، ولكن هذه المحاولة أخفقت، ولم يلبث أن اقترع البرلمان في العام التالي ضد هذا المشروع. ولم يعتقد الإرلنديون أنفسهم أن الاتفاق ممكن مع «الويجز» الأحرار.

ولما كانت الكنيسة في رومة قد نصحت الكاثوليك الإرلنديين بأن يلزموا سياسة «مسالمة وودية»؛ فقد أعد الأساقفة مذكرة في لهجة قوية، بعثوا بها إلى رومة، قالوا فيها: «إنه يتعذر عليهم أن يدركوا كيف يمكن تجنب مخاوفهم على صالح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إرلندة، أو كيف ينبغي تفادي هذه المخاوف، بواسطة قرار تتخذه أو تقترحه السدة الرسولية، ليس دون موافقتنا عليه وتأييدنا له وحسب، بل ومع مناقضته التامة لقراراتنا المتكررة.»

وجاء هذا الموقف الصريح ضد أية «مسالمة» مؤذنًا بتكتُّل الأساقفة في مجموعهم، في صف المقاومة في إرلندة.

وعلى ذلك، فإنه بعد تلك «اللحظة» القصيرة التي أحنت فيها الكنيسة في إرلندة رأسها أمام العاصفة، سرعان ما شرعت هذه تجمع قوتها، متهيِّئة للكفاح بشدة وصرامة ضد أصحاب السيطرة الغاشمة. ولقد كان من أسباب هذا التكتل وثوق الكاثوليك الإرلنديين من أن الإنجليز سوف يرفضون لا محالة أية مطالب قد يتقدمون بها إليهم للظفر بحرياتهم وحقوقهم. ومبعث هذا الاعتقاد ما كان معروفًا عن عداء الملك جورج الثالث لهم، ومعارضته العنيفة ضد أي «تنازل» من هذا القبيل يحصل لصالحهم. كما كان متوقعًا إذا جدَّ الجِدُّ أن يعمد الإنجليز دائمًا إلى التكتل ضد إرلندة.

وهكذا، فإنه لم يلبث أن حدث تطور قومي واضح المعالم بين القساوسة الكاثوليك، بعد أن كانوا قد أحنوا رءوسهم قليلًا للعاصفة. فقد حدث بعد أن خفَّ تطيبق القوانين الصارمة لفترة قصيرة فقط، ابتداءً من سنة ١٧٩٥، أن تأسَّست في «ماينوث» Maynooth مدرسة إكليريكية، فتحت أبوابها في العام التالي؛ فأمدت هذه المدرسة الكنيسة بالقساوسة اللازمين للخدمة الدينية في إرلندة، وكان الأساتذة الذين تولوا التدريس بهذه المدرسة من بين القساوسة الذين حضروا من فرنسا في بادئ الأمر، وهم الذين تخرجوا عمومًا في كليات «السوربون».
ومن هؤلاء الذين جاءوا من فرنسا، كان «آبيه ديلاهوج» Delahogue من باريس، و«آبيه أهيرن» Aherne من «شارتر» Chartres، وزميله «ديلوست» Delost من بردو، وهؤلاء جميعًا نشئوا على النظام الجاليكاني في فرنسا؛ ولذلك فقد صاروا يدعون لضرورة خضوع الكنيسة للحكومة (أو الدولة).

على أن تلاميذ هذه المدرسة الإكليريكية كانوا من أهل البلاد، ومن أبناء الفلاحين الذين قاسوا حياة البؤس وعضَّ الفقر أُسرهم بأنيابه، وتذوَّقوا طعم السيطرة الإنجليزية الباطشة، فملأ الغضب نفوسهم، واستبدت بهم الكراهية ضد أصحاب الأملاك. فأخرجت هذه المدرسة وبسرعة فائقة، طائفة من القساوسة والخوارنة للخدمة في كنائس القرى أولًا، ثم للعمل كأساتذة ومدرسين، ثم تأدية وظائف الأساقفة بعد ذلك، وفي صدورهم جميعًا كانت تغلي مراجل الوطنية، وذلك بالرغم من أنهم تلقوا العلم على أيدي «الجاليكانيين» الفرنسيين.

فكان القساوسة المتخرجون في مدرسة «ماينوث» الإكليريكية رجالًا وطنيين من الطراز الأول، أخذوا على عاتقهم من أول الأمر إرغام الرؤساء والزعماء «الانتهازيين» على الإخلاد إلى الهدوء والسكينة، وإلا كشفوا هويتهم، وفضحوا أمرهم للناس.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تسلَّم رجال الدين هؤلاء قيادة حركة المقاومة، والمطالبة بالحقوق المشروعة في إرلندة، ثم إن هؤلاء هم الذين انبروا يؤيدون «أوكنل» في كتلة متراصة من ورائه، في حركة المطالبة بحقوق الإرلنديين وتحريرهم.

وفضلًا عن ذلك، فقد عنوا عنايةً فائقةً بمشكلات التعليم والتربية، وبذلوا قصارى جهودهم للارتقاء بمستوى سواد الشعب الإرلندي، كما كان من آثار نشاطهم أن وقفت تمامًا أعمال المبشرين التابعين للكنيسة الإنجليكانية، وكان هؤلاء قد بدءوا جهودهم التبشيرية غداة صدور «قانون الاندماج»؛ فأسسوا عددًا من الجمعيات الروحية والإنسانية معًا لخدمة الروح البشرية، وعمدت هذه الجمعيات إلى استمالة الإرلنديين وجذبهم لاعتناق المذهب الإنجليكاني، عن طريق الهبات المادية، والأقوات والأرزاق التي صارت توزعها عليهم، حتى سميت حركتهم «بالحسائية» نسبةً لوجبة الحساء التي كانوا يوزعونها. ومع ذلك فإن الإرلنديين ما كانوا يرضون إطلاقًا بالتخلي عن روحهم القومية، في نظير «وجبة الحساء» هذه.

وفي سنة ١٨٠٢، أسَّس الأساقفة الإرلنديون الجمعيات الدينية، أو «الإخوان المسيحيين»،٣٥ ثم إنهم أسسوا في سنة ١٨٠٨ جماعة «إخوان القديس باتريك»،٣٦ أما هاتان الجماعتان فقد اختصتا بتربية الأطفال وتعليمهم، ونشر التعليم الابتدائي عمومًا، كما أشرفت «أخوات المحبة»٣٧ على تعليم وتربية البنات. فكانت هذه تربية ابتدائية دينية مستقلة، تغلبت على قسوة النظام القائم على القوانين التأديبية من جهة، وأنشأت الشباب تنشئة جديدة قوامها تغذية الروح القومية (الوطنية) ودعمها من جهةٍ أخرى.

ولا جدال في أن نتائج هذا النشاط كله لم يكن متوقعًا ظهورها إلا بعد مرور فترة من الزمن. ومع ذلك، فقد كان واضحًا أيضًا أنه من هذا الحين إلى سنة ١٨١٥، لم يعد هناك مجال لظهور أية قوًى رجعيةٍ في إرلندة. حقيقة لم يشعر الإرلنديون وقتئذٍ بأنهم قد صاروا مندمجين وممتزجين في كتلة متراصة ومتماسكة وقوية بدرجة كافية. ولكنه كان واضحًا أنه بات من المتعذر الآن القضاء على ذلك الروح القومي الذي بدأ ينتعش ويتحرك، بل لقد صار منتظرًا أن يبرز هذا الشعور القومي طفرة ومفاجأة ودون سابق إنذار. إذا ما تهيأت الفرصة المناسبة لحدوث ذلك. وانتهز الإرلنديون مجيء هذه الفرصة المناسبة. ولقد كان بفضل كل الأحداث التي وقعت خلال الأجيال الغابرة أن صار للإرلنديين الآن «شهداء»، وصارت لهم «أساطير» وأقاصيص «بطولة» ومغامرة، وتقاليد تحفظ لهم هذا التراث ويتوارثونها.

والذي تجدر ملاحظته أن الفكرة الإرلندية قد صارت متجسدة الآن في «الكنيسة»؛ وذلك لأن الروح الإرلندية، إنما هي روح كاثوليكية في جوهرها، وتسيطر على الإرلنديين العاطفة الدينية، ووجدت هذه القومية الإرلندية في العقيدة «الدينية» الصورة التي ظهرت بها، والشكل الذي برزت فيه وقتئذٍ.

الخلاصة

تلك إذن كانت الحركات الثلاث التي كان للثورة الفرنسية أثرٌ ظاهرٌ عليها. ولعل أول ما يسترعي الانتباه في تاريخها، إذا استثنيت كل من ألمانيا الغربية وإيطاليا، وهما اللتان تداعت أركانهما تحت معول الثورة الفرنسية، أن الثورة قد أحدثت تفاعلًا عظيمًا بفضل كل تلك الآراء التي أتت بها، وأن هذا التفاعل كان أبعد أثرًا وأوسع نطاقًا مما فعلته الثورة ذاتها بحوادثها ووقائعها؛ فقد كانت الثورة الفرنسية وليدة النظريات والآراء التي ظهرت وتكوَّنت خلال القرن الثامن عشر، والتي أجملتها فلسفة «جان جاك روسو» السياسية، والثورة الفرنسية كذلك هي الأداة التي أعطت هذه الفلسفة السياسية التي أتى بها «روسو» القدرةَ على الذيوع والانتشار، دون أن يستطيع إنسان وقف هذا الذيوع والانتشار.

ومن ناحية الأثر الذي كان للثورة الفرنسية، بشأن الفكرة القومية، فمما لا شك فيها، أن الثورة بطابعها «التعقلي» و«التعميمي»، قد تمكَّنت من خلق أو إيجاد «الوحدة الروحية» في أوروبا، ولكن على أساسٍ جديدٍ غير تلك «الفكرة المسيحية» السابقة. ورسخ في ذهن رجال الثورة أن الآراء التي تأثَّرُوا بها والمبادئ التي استرشدوا بها، والوحي الذي استلهموا منه نشاطهم، كل أولئك من الممكن أن يخضع له ويتأثَّر به كذلك وبالدرجة ذاتها كل الأفراد، أيًّا كان هؤلاء الأفراد، وفي كل البلدان أيًّا كانت هذه البلدان. ينهض دليلًا على ذلك ما فعلته «الجمعية الأهلية التأسيسية» باستصدار قرارها المعروف في ٣٠ نوفمبر ١٧٩٠ لمنح حق التجنس بالجنسية الفرنسية كلَّ أجنبي أقام بفرنسا مدة خمس سنوات، وكان له أملاك أو تجارة بها أو متزوجًا من فرنسية، ولم يشترط القرار لقاء ذلك سوى شرطٍ واحدٍ فقط، هو حلف «اليمين المدنية» يمين المواطن الفرنسي.

ولقد اتخذت «الجمعية التشريعية» بعد أربعة أشهر من إعلانها الحرب ضد النمسا وبروسيا، قرارًا جاء فيه: «إنه لمَّا كان متعذرًا اعتبار الرجال الذين خدموا قضية الحرية، ومهَّدوا لتحرير الشعوب بكتاباتهم وشجاعتهم، أجانبَ في أمةٍ تضافرت بها أسباب العلم والمعرفة، والبسالة التي اتصفت بها على تحريرها، وانطلاقها من كل قيد، وحيث إنه يكفي أن يُقِيم الأجنبي في فرنسا خمس سنواتٍ حتى يحصل على لقب مواطن فرنسي، وذلك لقب يستحقُّه عدلًا وأكثر من أي إنسانٍ آخر، ومهما كان منبتهم، كل أولئك الذين شحذوا كلَّ قواهم، وخصصوا كلَّ جهودهم للدفاع عن قضية الشعوب ضد طغيان الملوك، ولإبعاد البغاة جميعهم من وجه الأرض، ولتقوية الأمل بأن البشر يومًا ما سوف يؤلفون أمام القانون كما هم في حال الطبيعة أسرةً واحدةً ومجتمعًا واحدًا؛ لذلك فإن الأمة الفرنسية التي أعلنت عزوفها عن كل الفتوحات، ورغبتها الصادقة في التآخي مع الشعوب قاطبةً، ترى عسيرًا عليها عدم الاعتزاز بأصدقاء الحرية والإخاء العالمي هؤلاء.

ولما كان قد صار وشيكًا اجتماع مؤتمر وطني، فقد صار لزامًا على شعبٍ حرٍّ كريمٍ أن يوجِّه دعوته لكل أعلام الثقافة والتنور، وأن يخول حق المشاركة في أعمال العقل والفكر العظيمة، رجالًا ثبتت جدارتهم بأن يشاركوا في ذلك، بفضل ما تميَّزوا به من عواطف نبيلةٍ وبسالةٍ كبيرةٍ، وبفضل ما دبجه يراعهم من كتاباتٍ مجيدة.»

وبسبب هذا القرار إذن، صار اعتبار ثمانية عشر كاتبًا ومفكرًا من أعلام الكتَّاب والمفكرين الأجانب مواطنين فرنسيين. ولا جدال في أن استصدار هذا القرار إنما يدل على مقدار ما كان يجيش في صدور رجال الثورة الفرنسية، من مشاعر وأحاسيس، مبعثها تلك «المثالية» التي اعتنقوها عن عقيدةٍ حقةٍ وفي حماسٍ شديدٍ. ولقد كانت المبادئ والآراء التي عملت الثورة على ترويجها في أوروبا تنطوي على «مُثُل عليا» تنادي بالأخوة العالمية؛ أي ذلك الشعور بالتآخي الذي يحسُّ بفضله أبناء مختلف البلدان في أوروبا أن هناك صلة واحدة؛ صلة الأخوة السامية هي التي تربط بينهم جميعًا.

وغنيٌّ عن البيان أن هذه الآراء كانت تبعد كلَّ البعد عن فكرة القومية، ومع ذلك فقد كان بفضل هذه الدعوة الإنسانية العالية التي وجهتها الثورة الفرنسية لشعوب أوروبا، أن صار للثورة أثرٌ فعالٌ في تفكيك أوصال دول وممالك «النظام القديم» حتى يتسنَّى إعادة تأليف وتكوين عناصر أخرى على أسسٍ جديدةٍ، سوف تصبح ذات طابعٍ قوميٍّ خاصٍّ بها، ويميِّزها عن بعضها بعضًا.

ولقد كان بهذا المعنى إذن أنْ هيَّأت الثورة الفرنسية الفرصة السانحة، كما صارت العامل القوي، الذي ساعد «القوميات» التي وقعت تحت نير السلطات الاستبدادية، على تحقيق مطالبها. ومع ذلك، فقد استمرَّ باقيًا ذلك المثل الأعلى الذي جاءت به الثورة، وكما كان دائمًا، ونعني به إنشاء مجتمعٍ من الأمم الحرة كخطوة تالية؛ ذلك بأن الثورة في تفكيك أوصال الدول القديمة في «النظام القديم» وإعادة بناء الصرح الأوروبي على قاعدة القومية الجديدة، إنما كانت تعمل من أجل تحقيق مثلها الأعلى في الحقيقة، مثل الأخوة العالمية.

ولا جدال في أن أثر أو فعل الثورة في كلا الحالين ظل متفوقًا في ميدان الفكر عما كان عليه الحال في ميدان العمل المادي. ولكن الثورة بقيت في تفاعلها وتأثيرها على أوروبا — الآن — وفي الأزمان المستقبلة بمثابة العقيدة، ذات التأثير السحري العميق. وفي هذا المعنى كان سر بقائها وخلودها، فاستمرت في السنوات التالية في أذهان الشعوب فكرةً محركةً، وقوةً دافعةً، وبرنامجًا ينشد الجميع تحقيقه. وعلى هذا الاعتبار كانت «الفكرة القومية» ترتد في أصولها حقًّا إلى الثورة الفرنسية.

١  Hermann Und Dorothea.
٢  La Religion Dans Les Limites De La Raison.
٣  Lettres D’or D’un Voyageur.
٤  Reflections On The French Revolution.
٥  Considérations Sur La Rev. Fra. (1793).
٦  On Theory And Practice.
٧  For Perpetual Peace.
٨  On The Strife of The Faculties.
٩  Prospérité Et Liberté.
١٠  Revendications de La Liberté de pensée
١١  Rectification de Jugement du Publique
١٢  La Paix Perpetuelle: un idéal.
١٣  Bonner Intelligenzblatt.
١٤  Freund Der Freiheit.
١٥  Kolnischer Volksfreund.
١٦  Brutus Der Frei.
١٧  Patriotische Beitrage.
١٨  Bureau Central De La Conféderation Cisrhenain.
١٩  Acte de Souveraineté du Peuple Entre Rhin, Meuse Et Moselle.
٢٠  Résultats de Ma Mission à Paris.
٢١  L’école des Amants Délicats.
٢٢  Eléments de Physique.
٢٣  Le Voyage du Jenne Anacharsis.
٢٤  Le Mercure Savant: Hermis Ologhios.
٢٥  Hellinicos Tilegraphos.
٢٦  La Gazetta Della Isole Ionie Liberale.
٢٧  Société Des Observateurs de L’Homme.
٢٨  Les Délits Et Les Peines.
٢٩  Daphnis et Chloé.
٣٠  Society of United Irishmen.
٣١  Harold Bogers.
٣٢  Goldwin Smith.
٣٣  Rotten Boroughs.
٣٤  Légion Irlandaise.
٣٥  Christian Brothers.
٣٦  Institute of Saint-Patheric Brothers.
٣٧  Sisters of Charity.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤