ديوان ابن سهل الأندلسي

(١) حرف الهمزة

بين اليأس والأمل

إذا اليأسُ ناجَى النفسَ منك بلَنْ ولا
أجابتْ ظنوني: ربَّما، وعسائي

(٢) حرف الباء

لذَّة الأَسَى

رُدُّوا على طرْفِيَ النومَ الذي سَلَبَا
وخَبِّرونِي بعَقْلِي أيَّةً ذهَبَا؟
علمتُ لَمَّا رضِيتُ الحبَّ منزلةً
أنَّ المنامَ على عينيَّ قد غَضِبَا
فقلتُ: وا حربا! والصمتُ أجْدرُ بي١
قد يغضبُ الحبُّ إنْ ناديتُ: وا حربَا!
وليس ثأري على موسى وحُرْمَتِه
بواجبٍ، وهْو في حِلٍّ إذا وجَبَا
إني له عن دَمِي المسفوكِ معتذرٌ
أقول حمَّلْتُه في سفْكِه تَعَبَا
مَن صاغَه الله من ماء الحياة، وقد
أجرى بقِيَّتَه في ثغرِهِ٢ شَنَبَا٣
نفسي تَلذُّ الأَسَى فيه، وتألَفُه
هل تعلمون لنفسي بالأسى نَسَبَا؟!
قالوا: عهِدْناك من أهل الرَّشاد، فما
أغواك؟ قلتُ: اطْلُبوا مَن لَحْظُه السَّبَبَا
يا غائبًا، مُقْلَتِي تَهْمِي لفُرْقتِه
والقَطْرُ إنْ حُجِبتْ شمسُ الضُّحَى انْسَكَبَا
ألْقَى بمرآةِ فِكْري شمسَ صُورَتِه
فعكسها شبَّ في أحشائيَ اللَّهَبَا
لَمَّا غربتَ٤ عجَمْتُ٥ الصَّبرَ أَسْبُرُه٦
فلم أَجِدْ عودَه نَبْعًا، ولا غَربا٧
كم ليلةٍ بِتُّها، والنجمُ يَشْهَد لي
صريعَ شوقٍ إِذا غالَبْتُه غَلَبا
مُردِّدًا في الدُّجَى لَهْفِي، ولو نطقتْ
نجومُه ردَّدتْ مِن حالتي عَجَبا
نهبتُ فيها عقيقَ الدَّمْعِ مِن أسَفٍ
حتى رأيتُ جُمانَ٨ الشُّهْب قد نُهبا
هل تشتَفِي منكَ عينٌ أنت ناظِرُها
قد نال منها سوادُ الليل ما طَلَبا؟
ماذا تَرَى مِن محبٍّ ما ذُكْرتَ له
إِلَّا شكا، أو بكى، أو حنَّ، أو طَرِبا؟
يَرَى خيالَك في الماءِ الزُّلالِ إذا
رامَ الوُرودَ فيُرْوَى، وهْو ما شَرِبا!

أيكون العاشق لبيبًا؟!

أموسى، متى أحْظَى لدَيْكَ، ومعبدي
ودادي، وأعذاري إليك ذنوبي؟
نبذتُ٩ لصَبْرِي فيك أكرمَ عُدَّةٍ
وقاطعتُ مِن قومي أعزَّ حبيبِ
وَهَبتُ — ولامَنِي على الحُسْن — مُهْجتي
ولبَّى، وجثماني لغير مُثِيبِ
فضاعَتْ — ولا ردٌّ عليه — وسائلي
وخاب — ولا عُتْبُ عليه — نَصِيبي
وقالوا: لبيبٌ لو أراد عصَى الهوى
تناقضَ وَصْفَا عاشِقٍ ولبيبِ!
وما باختياري فارَقَ القلبَ صبْرُهُ
ولكنْ فراقُ السَّيفِ كفَّ شَبِيبِ!١٠

استسلام العاشق

أذوقُ الهوَى مرَّ المطاعِمِ عَلْقمًا
وأذكرُ مَن فيه اللَّمَى١١ فيَطِيبُ
تحنُّ وتصبو كلُّ عينٍ لحُسْنِه
كأنَّ عيونَ الناس فيه قلوبُ
وموسى، ولا كُفرانَ لله، قاتِلِي
وموسى لقلبي، كيف كان، حبيبُ

يأس العاشقين

هو البَيْنُ١٢ يا موسى، ولو كنتَ ثَاوِيًا١٣
فما كان قُرْبُ الدار منك مُقَرِّبي
أرَوْضَ الصَّبا! قد جفَّ بالبَيْنِ مَنبِتِي
ويا شمسَ أفقِ الحُسْنِ! قد حان مَغْرِبي
وقد كنتُ قبلَ البَيْنِ أَهْذِي بمَطْمَعِي
وأَرْقِي١٤ جفوني بالرَّجاءِ الْمُخَيِّبِ
فأمَّا وقد نادَى الغرابُ ركائبي
فيا صبرُ، إنْ شرَّقتَ سَيْرًا فغَرِّبِ
ويا سلوتي في الحبِّ، بِينِي١٥ ذَميمةً
وفي غير حفظٍ أيُّها النومُ فاذْهَبِ
مِن اليومِ أَرِّخْ فيكَ أوَّلَ شِقْوَتي
وآخِرَ عهْدِي بالفؤاد المُعذِّبِ

لوعة العاشق

تُدْنِيكَ زُورُ الأماني
مِنِّي! وتَنْأَى١٦ طِلابَا
كأنَّنِي حينَ أبْغِي
رضاكَ أبْغِي الشَّبابَا
وأَشْتَهِي منكَ ذَنْبًا
أبْنِي عليه العِتابَا
حتى إِذا كان ذنبٌ
فتحتُ للعُذْرِ بابَا
ظَمِئْتُ منكَ لوَعْدٍ
فكانَ وِرْدِي السَّرابَا١٧
لا خابَ سُؤْلُك، أمَّا
سُؤْلِي لدَيْكَ فخَابَا!

ما يعلم الشوق

مِن الأيامِ لا ألْقاكَ عَشْرٌ
أطلتُ بها على الزمنِ العِتابا
ولستُ أعُدُّ هذا اليومَ منها
لعلَّ اللهَ يَفْتَحُ فيه بابا
فإنْ تكُ لم تَعُدَّ، ولم تُحَقِّقْ
فلي شوقٌ يُعلِّمُني الحِسابَا!

الطبيب المحموم

خلُصْتَ خُلُوصَ التِّبْرِ١٨ مِن عِلَّة الضَّنَى
وأشبهتَ منه صفرةً بشُحُوبِ١٩
فإنْ كانتِ الحُمَّى تضرُّ حبِيبَها
فما عجبٌ إِضرارُها بطبيبِ!
وما كونُها في مثلِ جسمِكَ بدعةً
فما الحَرُّ في شمسِ الضُّحَى بغريبِ!

تهنئة بمولود

هي طَلعةُ السَّعْدِ الأغرِّ فمرحبًا
وسَنَا٢٠ الرئاسةِ قد أضاءَ، فلا خَبَا٢١
فرعٌ أزاهِرُه المناقبُ ثابتٌ
في المكرُماتِ الشُّمِّ، لا شُمِّ الرُّبَا٢٢
الله خوَّل فيه آجامَ٢٣ العُلَى
ليثًا، وآفاقَ الرئاسة كَوْكَبَا
هشَّتْ لِمَطْلَعِه الأَسِنَّةُ، والأَسِرَّ
ةُ، والمحافِلُ، والجحافِلُ، والظُّبَا
لا تُرْكِبوه على الْمُهُودِ٢٤ فإِنَّه
لَيَرَى ظُهورَ الخيلِ أَوْطَأ مَرْكَبا
ولْتَفْطِموه عنِ الرَّضاعِ فإنَّه
لَيَرَى دمَ الأبطالِ أحْلَى مَشْرَبا

مُوشَّح

يا لحظاتٍ للفِتَن
في كَرِّها أَوْفَى نَصِيب
ترمي فكُلِّي مَقْتلٌ
وكلُّها سهمٌ مُصِيب

•••

اللَّوْم للَّاحِي٢٥ مُباحْ
أمَّا قبولُه فلا
علقْتُه وجْهَ صباحْ
ريقٌ طِلا٢٦ عنقٌ طَلا٢٧
كالظبْيِ ثغرُه أقاحْ
وما ارْتَعَى شيحَ الفَلا٢٨

•••

يا ظبْيُ خذْ قلبي وَطَنْ
فأنتَ في الأنسِ غريب
وارتعْ، فهذا سلسلٌ٢٩
ومهجتي مَرْعًى خَصِيب!

•••

بين اللَّمَى والحَوَر٣٠
منه الحياةُ والأَجَلْ
سقتْ مياهُ الخَفَرِ٣١
في خدِّه وردَ الخَجَلْ
زرعتُهُ بالنَّظَر
وأجْتَنِيهِ بالأملْ
في طَرْفِه السَّاجِي٣٢ وَسَنْ٣٣
سَهَّدَ٣٤ أجفانَ الكَئِيب
والرِّدْفُ فيهِ ثِقَلٌ
خفَّ له عقلُ اللَّبيب

•••

أهْدَى إِلى حَرِّ العِتاب
بردَ اللَّمَى وقدْ وَقَد٣٥
فلو لثمتُه لذاب
من زَفْرَتي ذاكَ البَرَد
ثم لَوَى جيدَ٣٦ كَعاب٣٧
ما خِلْتُه إلَّا الغيَد٣٨
في نزعةِ الظَّبْيِ الأَغَن
وهزةِ الغُصْن الرَّطيبْ
يجري لدمعي جدولٌ
فينْثَنِي منه قَضِيب

•••

أأنتَ حُورٌ أَرْسَلَكْ
رِضوانُ صِدْقًا للخَبَرْ؟
قُطِّعتِ القلوبُ لك
وقيل: ما هذا بَشَر!
أم الصَّفا مضْنَى هلك
من النَّوَى أمِ الكَدَر
حتى تُزكِّيهِ الْمِحَن
أمرُ الهَوَى أمرٌ غريب
كأنَّ عشقِي مِندَل
زادتْه نارُ الهجر طِيب
أغربتَ٣٩ في الحُسْنِ البَدِيعْ
فصار دَمْعِي مَغْرِبا
شمِلَ الهوى عندي جميع
وأدمُعِي أيْدِي سَبَا٤٠
فلتَسْتَمْعُ عَبْدًا مُطِيع
غنَّى لبعض الرُّقَبا
هذا الرَّقِيب ما يظن
لو كان إنسان مريب!
مولاي! قمْ بي نعمل
ذاك الذي ظنَّ الرَّقيب

موشَّح

رَوْضٌ نضر، وشادِن٤١ وطِلا
فاجتَنِ زهرَ الربيع والقُبَلا واشْرَب
يا ساقيًا ما وُقِيتُ فتنتَه!
حكَتْ رحيقُ الكئوس صُورتَه
فمثلتْ ثغرَه، ووجنَتَه
هذا حُباب كالسلك معتدلًا
وذا رحيق كالزُّجاج علا كوكب
أقمت حربَ الهوى على ساق
وبعت عَقْلي بالخمر من ساق
أسهر جفني بنوم أحداق
بمثل السحر وسطها كَحَلا٤٢
مقلته وهي تُبْرِئ العِللا فاعجب!
قلبك صخرٌ والجسم من ذهبِ!
أيا سميَّ النبيِّ يا ذَهَبي
جاورتَ مِن مهجتي أبا لَهَبِ
يا باخلًا لا أذمُّ ما فعلا!
صيَّرتَ عندي مذهبَ البُخَلا مذهب!
يا مُنْيَتي، والمُنَى من الخِدَعِ!
ما نلتُ سُؤلي، ولا الفؤاد مَعِي!
هل عنكَ صبرٌ، أو فيك مِن طمَعِ؟
أفنيتُ فيك الدموع والحِيَلا
قالوا: تسلَّى في الحبِّ! قلتُ: ولا مأرب!
أبيتُ أشكوه لَوْعتي عجبا
فصدَّ عنِّي بوجْهِه غَضِبا
عندَ هذا ناديتُ: وا حَربا!
تصدُّ عنِّي يا مُنْيتي مَلَلًا
وأشتكي من صُدُودكَ العِلَلا تغضب!

(٣) حرف التاء

العذار

هذا أبو بكر يَقُود بوجْهِهِ
جيشَ الفنون مطرَّز الرَّاياتِ
أهْدَى ربيعُ عذَارِهِ لقُلوبِنا
حَرَّ المصيف فشبَّ للوَجَناتِ
صبَتِ النفوسُ، وقد أضلَّ، كما صبا
أهلُ الضلال لخدِّه الرُّوماتِ٤٣
خدٌّ جرى ماءُ النسيم بجَمْرِه
فاسودَّ مجرى الماء في الجَمَراتِ
كتَبَتْ حروفُ الشعرِ في وَجَناتِه
ما قد جَنَتْ عيناهُ في المُهُجاتِ
فترى ذنوبَ جُفونِه في خدِّه
يَبْدُو عليها رَونقُ الحَسناتِ

(٤) حرف الحاء

مناجاة!

يا مَن هُدِيتُ بحُسْنِه! فمَحبَّتي
بيضاءُ في نَهْجِ٤٤ الغرام الوَاضِحِ
قدحَتْ لواحِظُكَ الهَوَى في خاطِرِي
حقًّا لقد ورَّيتَ زندَ القَادِحِ٤٥
ما استَكْمَلَتْ لي فيكَ أوَّلُ نظرةٍ
حتى علمتُ بأنَّ حبَّكَ فاضِحي
أنت السِّماكُ مِن البعاد، وربما
سِماكُ لحْظِك بالسِّماك الرَّامِحِ
يا حبَّ موسى! لا تَخَفْ لي سلوةً
ظهرَ الغرامُ، وخاب ظنُّ الناصِحِ
أهواه حتى العين تألَفُ سُهْدَها
فيه، وتطرب بالسَّقام جوارِحِي
يا هل درى جفني غداةَ وَدَاعِه
قدر الرَّزيةِ بالمنام النازِحِ؟!
والصبر؛ إنَّ الصبر كان مودِّعي
والجسم؛ إنَّ الرُّوح كان مُصافِحي

عرائس الغصون

غيري يَمِيلُ إِلى كلام اللَّاحِي
ويَمُدُّ راحتَه لغيرِ الرَّاحِ
لا سيَّما والغصنُ يُزْهِر زهرَه
ويهزُّ عِطْفَ الشارب المرتاح
وقد استطارَ القلبَ ساجِعُ أيكةٍ٤٦
مِن كل ما أشكوه ليس بصاح
قد بان عنه قرينُه، عجبًا له
من جانح للعجزِ خلفَ جناح
بين الرياض وقد غدا في مأتم
وتخاله قد ظلَّ في أفراح
فالآن وقت ترفُّع الكاسات قد
آنَ اطِّراحُ نصيحةِ النُّصَّاح
وعلى العروشِ من الغصون عرائس
قد وُشِّحتْ أعطافُها بوِشاحِ٤٧

(٥) حرف الدال

داء ودواء

أقلِّدُ وَجْدِي، فلْيُبَرْهِنْ مُفنِّدي٤٨
فما أضْيَعَ البرهانَ عندَ الْمُقَلِّدِ!
هَبُوا نُصْحَكم شمسًا فما عينُ أرمد!٤٩
بأكرهَ في مرْآهُ من عينِ مُكْمَد٥٠
غزالٌ براهُ الله من مِسكةٍ بَرَى
بها الحُسْنَ مِنَّا مسكة المتجلِّدِ
وأبدع فيها الصُّنْعَ حتى أعارَها
بياضَ الضُّحَى في نعمةِ الغُصنِ النَّدِي
وأبْقَى لذاك الأصل في الخدِّ نقطةً
على أصلِها في اللون إِيماءَ مُرْشِدِ
وإِني لِثَوْبِ السُّقْم أجدرُ لابِس،
وموسى لثَوبِ الحُسْنِ أمْلَحُ مُرْتَدِ
تأمَّلْ لَظَى شوقي وموسى يُشِبُّه
تَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ
دعوهُ يُذِبْ نفسي، ويهجر، ويجتهد
تَرَوْا كيف يعتزُّ الجمالُ ويَعْتَدِي
إذا ما رنا شَزرًا فمِن لحظِ أَحْوَر
وإن يَلْوِ إعراضًا فصفحةُ أَغْيَدِ٥١
وعذَّبَ بالي — نعَّمَ الله بالَه —
وسهَّدَنِي — لا ذاقَ بَلْوَى التَّسهُّدِ!
تَطَلَّعَ واللَّاحي يَلُومُ، فرَاعَنِي
وكدتُ، وقد أعذرتُ يُسقَطُ في يَدِي!
وناديتُ: لا! إِذْ قال: تَهْوَى وإِنَّما
رَمَانِي فكانتْ «لا» افتتاحَ التشهُّدِ
أيا طِيبَ سُكْرِ الحبِّ لولا جنونُه
محا لذَّةَ النَّشوانِ سُكْرُ الْمُعَرْبِدِ
شكوتُ مجازًا للطَّبيبِ، وإِنما
طبيبي سقامٌ في لواحِظِ مُبْعِدِي
فقال — على التأنيس:٥٢ «طِبُّك حاضرٌ»
فقلتُ: نعم؛ لو أنَّه بعضُ عُوَّدي
وقال: شكا سوءَ المِزاجِ وإِنما
به سوءُ بختٍ من هوًى غير مُسْعِدِ
بكيتُ، فقال الحُسْنُ هُزْأً: أتشتري
بماءِ جفونٍ ماءَ ثغرٍ مُنَضَّدِ؟!
وغنَّيتُه شعرًا به أستَمِيلُه
فأبدى ازدِراءً بابن حُجْرٍ ومَعْبَدِ٥٣
كأنِّي بصِرْفِ البَيْن٥٤ حانَ فجادَ لي
بأحْلَى سلامٍ منه أفظَعُ مَشْهَدِ
تغنَّمتُ منه السَّيرَ خلْفِي مُشَيِّعًا
فأقبلتُ أمشي مثلَ مَشْيِ الْمُقَيَّدِ
وجاء لتَودِيعي، فقلتُ اتَّئِدْ فقد
مشتْ لك نفسي في الزَّفير المصَعَّدِ
جعلتُ يميني كالنِّطاقِ لخَصْرِه
وصاغتْ جفوني حَلْيَ ذاكَ الْمُقلَّدِ
وجُدْتُ بذَوْبِ التِّبْرِ فوقَ مُوَرَّس
وضنَّ بذَوْبِ الدُّرِّ فوقَ مُوَرَّدِ٥٥
ومسَّح أجفاني ببَرْدِ بنانِه
فألَّف بين الْمُزْن٥٦ والسوسن النَّدِي
أيَا عِلَّةَ العقلِ الحَصِيفِ٥٧ وصَبْوةَ الـ
ـعفيف وعينَ الناسِك المتعبِّدِ
رَعَيْتُ لِحاظِي في جَمالِكَ آمنًا
فأَذْهَلَني عن مَصْدِري حُسْنُ مَوْرِدِي
وأنَّ الهوى فِي لَحْظِ عينِك كامنٌ
كمونَ المنايا في الحُسام المُهنَّدِ
أظلُّ، ويومي فيك هجرٌ ووحشةٌ
ويومي — بحمد الله — أحسنُ مِن غَدِي
وِصالُك أشْهَى مِن مُعاوَدة الصِّبا
وأطيبُ من عيَشِ الهَنِيِّ الْمُرَغَّدِ
عليك فَطَمْتُ العينَ عن لذَّةِ الكَرَى
وأخرجتُ قلبي طيِّبَ النفسِ عن يَدِي

دين العشق!

وأَلْمَى، بقلبي منه جمرٌ مؤجَّجٌ٥٨
تَرَاهُ على خدَّيْه يَنْدَى ويَبْرُدُ
يُسائِلني: مِن أيِّ دينٍ؟ مُداعبًا!
وشملُ اعتقادي في هواه مُبَدَّدُ
فؤادي حنيفيٌّ، ولكنَّ مُقْلَتِي
مجوسيةٌ من خدِّهِ النارَ تَعْبُدُ!

الخال!

كأنَّ الخالَ٥٩ في وَجَنات موسى
سوادُ العُتْب في نُورِ الوِدادِ
وخُطَّ بخَدِّه للحُسْن واوٌ
فنقَّطَ خدَّه بعضُ الْمِدادِ
لواحِظُه مُحيِّرةٌ، ولكنْ
بها اهتدتِ الشُّجونُ٦٠ إلى فؤادي!

تحبَّب وتوسَّل

أحلى مِن الأمن، لا يأْوِي لذي كَمَدِ
فيه انتهى الحسنُ مجموعًا، ومنه بُدِي
لم تدْرِ ألحاظُهُ كُحْلًا، سوى كَحَلٍ٦١
فيها، ولا جِيدُه حَلْيًا سوى الغَيَدِ
حسبتُ رِيقتَه من ذَوْب مَبْسمِهِ
لو أنَّ صِرْفَ عقار٦٢ ذاب مِن بَرَدِ
لو قيل والنفسُ رهنُ الموتِ مِن ظمأٍ
موسى أو البارد السلسال لم أَرِدِ!
موسى تصدَّقْ على مسكينِ حبِّك لا
تَرُدَّ كفِّي فقد باتتْ على كَبِدِي
لا تَقْذِ بالنأْيِ والإعراضِ عينَ شَجٍ
أذاقَها فيك طعمَ الدمعِ والسُّهدِ
زُرْني فلو كنتَ تَسْخُو بالعِناقِ لَمَا
أبقيتَ رُوحِي لها التعذيبُ مِن جسَدِي!

شغف بغير فؤاد

أَعِدْ خبرَ التَّلاقِي عن مَلُولٍ
كأنِّي عندَه خبرٌ مُعادُ!
وطارِحْني الشُّجونَ على حذارٍ
فبي حرقٌ يذُوبُ لها الجمادُ
فأمَّا مُقْلَتِي، واللَّحظُ حَتْفٌ
فمذْ عَرَفَتْه أنكَرَها الرُّقادُ
يَسُوغُ ويلْتَقِي حسنٌ وذنبٌ
وليس يَسُوغُ حبٌّ وانقيادُ
أليس مِن العجائبِ حالُ صَبٍّ
له شغَفٌ وليس له فؤادُ!

أمنيات!

هو البَيْنُ، حتى لم يَزِدْكَ النَّوَى بُعْدًا
ترحَّلْ قبلَ البينِ لا شكَّ من صَدَّا
أيا فتنةً في صورةِ الأنسِ صُوِّرتْ
ويا مُفْرَدًا في الحُسْنِ غادَرْتَنِي فَرْدَا
جبينٌ، وألحاظٌ، وجيدٌ، لأجلِها
أضاعَ الأنامُ التاجَ، والكحلَ، والعِقْدَا!
وكم سُئِل المسواكُ عن ذلك اللَّمِي
فأخبر أنَّ الرِّيقَ قد عطَّلَ الشَّهْدَا!
ألا ليتَ شِعْري، والأماني كثيرةٌ
وأكذَبُها في الوَعْدِ أعْذَبُها وِرْدَا!
أتأنسُ عيني بالكَرَى بعد نفرةٍ،
ويكحل مِيلُ٦٣ الوصْلِ مُقْلَتِيَ الرَّمْدا؟!
ويسمَحُ في ليلِ الصُّدودِ بزَوْرةٍ
يُصيِّرُ فيها الشوقُ حُرَّ المنى عَبْدَا!
عجائب لم تُدْرَكْ، فعنقاءُ مُغْرِب
وإِقبالُ موسى أو زمانُ الصِّبا رُدَّا

النهاية

أمَا آنَ أن تَرْثي لحالةِ مُكْمَدِ
فينسخُ هجرَ اليوم وصلُك في غَدِ؟
أراكَ صَرَمْتَ٦٤ الحبلَ دُوني، وطالَمَا
أقمتَ بذاكَ الحبلِ مُسْتَمْسِكَ اليَدِ!
وعوَّضْتَنِي بالسُّخْطِ من حالةِ الرِّضا
ومن أُنْسِ مألوفٍ بحالةِ مُفْرَدِ
وما كنتمو عودتمُ الصَّبَّ جفوةً
وصعبٌ على الإنسان ما لم يُعَوَّدِ
طويتَ شغاف٦٥ القلب موسى على الأسى
وأغريتَ بالتَّسْكابِ جفْنَ المُسَهَّدِ
وما أنت إِلَّا فتنة تَغْلِبُ النُّهَى٦٦
وتفعل بالألحاظِ فعلَ المُهنَّدِ
وتوَّجَكَ الرحمنُ تاجَ مَلاحةٍ
وبهجةَ إشراقٍ بها الصُّبْحُ يَهْتَدِي
يَمِيلُ بذاكَ القَدِّ سُكْرُ شبابِهِ
كمَيْلِ نسيمِ الرِّيحِ بالغُصنِ النَّدِي
ويهفو؛ فيَهفُو القلبُ عندَ انعِطافِهِ
فهلَّا رأَى في العَطْفِ سُنَّةَ مُقْتَدِ؟
أبى الله إلَّا أن يَعِزَّ جمالُهُ
يسومُ٦٧ به الأحرارَ ذِلَّةَ أَعْبُدِ!
له الطَّولُ٦٨ إنْ أدنى، ولا لوم إنْ جفا
على كلِّ حالٍ فهو غيرُ مُفَنَّد!٦٩
أقول له — والبين زُمَّتْ رِكابُه
وقد زاد رَوْعِي صوتُ حادٍ مُغَرِّدِ:
دنا عنكَ تَرْحالي، وما ليَ حيلةٌ
إذا حِيلَ بين الزَّادِ والْمُتَزَوِّد
وإني، وإنْ لم يَبْقَ لي دونُكم سوى
حديثِ الأماني مَوْعِدًا بعدَ مَوْعِدِ
لأصبرُ طَوْعًا، واحتمالًا، فربما
صُرُوفُ اللَّيالي مُسْعِداتٌ بأسْعدِ
وأبعثُ أنفاسي إذا هبَّتِ الصَّبا
تَرُوحُ بتسليمٍ عليكَ وتَغْتَدِي

بين الواقع والرجاء

لقد كنتُ أرجو أن تكونَ مُواصِلي
فأَسْقَيْتَنِي بالبُعْدِ فاتِحةَ الرَّعْدِ٧٠
فباللهِ برِّدْ ما بقَلْبي من الجَوَى
بفاتحةِ الأعرافِ٧١ من رِيقِكَ الشَّهْدِ!

وصْف شاعر

كيف خلاصُ القلْبِ من شاعِرٍ
رقَّتْ معانِيهِ عن النَّقْدِ
يَصْغُرُ نثرُ الدُّرِّ من نَثْرِه
ونظمُه جلَّ عن العَقْدِ
وشِعْرُه الطائلُ في حُسْنِه
طالَ على النابغةِ الجَعْدِي٧٢

لماذا؟

تسلَّيْتُ عن موسى بحُبِّ محمدِ
هُديتُ، ولولا اللهُ ما كنتُ أَهْتَدِي
وما عن قِلًى قد كان ذاك، وإنما
شريعةُ موسى عُطِّلتْ بمحمدِ

(٦) حرف الراء

بين الحبيبين

سَلْ في الظَّلامِ أخاك البَدْرَ عن سَهَرِي
تَدْرِي النجومُ كما يَدْري الوَرَى خَبَرِي
أبيتُ أهتِفُ بالشكوى، وأشرب من
دمعي، وأنشقُ ريَّا ذكرِكَ العَطِرِ
حتى أُخَيَّل أني شاربٌ ثَمِلٌ
بين الرِّياض وبين الكاس والوَتَرِ
مَن لي به! اختَلَفَتْ فيه الْمَلاحةُ إِذْ
أَوْمتْ إلى غيرِه إيماءَ مُحْتَضَرِ!
معطَّلٌ، فالحُلَى منه محلَّأة
تَغْنَى الدَّراري عن التقْلِيدِ بالدُّرَرِ
بخدِّه لفؤادي نسبةٌ عجبٌ
كلاهما أبدًا يَدْمَى من النَّظَرِ
وخالُه نقطةٌ من غُنْجٍ مقلَتِه
أتى بها الحُسْنُ من آياتِه الكُبَرِ
جاءتْ من العين نحو الخدِّ زائرةً
وراقَها الوِرْدُ فاستغْنَتْ عن الصَّدرِ
بعضُ المحاسن يَهْوَى بعضَها طَرَبًا
تأمَّلوا كيف هامَ الغُنجُ بالحَوَرِ!
جرى القضاءُ بأنْ أشْقَى عليك وقد
أوتيتَ سؤلك يا موسى على قَدَرِ
إنِ تَعْصِني فنِفارٌ جاءَ من رَشَأٍ
أو تُضْنِني فمُحاقٌ جاءَ من قَمَرِ
قد مِتُّ شوقًا، ولكنْ أدَّعِي شَطَطًا
أني سقيمٌ، ومَن للعُمْي بالعَوَرِ؟!
سأقْتَضِي منكَ حقِّي في القيامة إنْ
كانتْ نجومُ السما تُجْزَى عن البَشَرِ
أنا الفقيرُ إلى نَيلٍ تجود به
لو يُطرَدُ الفقرُ بالأَسْجاعِ والفِقَرِ
برَّزتُ في النَّظْم لكنِّي أقصِّرُ عن
شِعْرٍ أُعاتِبُ فيه الليلَ بالقِصَرِ

استِنْصار

لَمَّا اشتدَّ الحصارُ على إِشْبِيلِيَة سنة ٦٤٥ أنشَدَ يستَنْصِر بأُمراءِ العرب:

يا معشرَ العُرْبِ الذين توارثوا
شِيَمَ الحَمِيَّةِ كابِرًا عن كابِرِ!
إنَّ الإلهَ قدِ اشْتَرَى أرْواحَكم
بِيعُوا، ويَهْنِكُمو ثوابُ الْمُشْتَرِي
أنتم أحقُّ بنَصْرِ دِينِ نبيِّكم
وبكم تمَهَّدَ في قَدِيم الأعْصُرِ

•••

والخيل تضجرُ في المرابِطِ عِزَّةً
ألَّا تَجُوس حريمَ رهطِ الأَصْفَرِ
كم نَكَّروا من مَعْلَمٍ، كم دَمَّروا
من مَعْشَرٍ، كم غيَّروا من مَشْعَرِ
كم أبطلوا سُنَنَ النبي وعطَّلوا
من حِلْيةِ التَّوْحيدِ صَهْوةَ منبر
عند الخُطُوبِ النُّكْر يبدو فضلكم
والنار تُخبِر عن ذَكاءِ العَنْبَرِ
لو صُوِّر الإسلامُ شخصًا جاءكم
عمدًا بنفس الوَامِقِ المُتَحَيِّرِ
لو أنَّه نادَى النَّصيرَ لخصَّكم
ودعاكُمو: يا أُسْرتي يا مَعْشَري!

تعليل!

أموسى! ولم أَهْجُرْك، والله، إنما
هجرتُ الكَرَى واللُّبَّ والأنسَ والصَّبْرَا
تركتُك لانَقْضًا لعهديَ بل أرى
حياتيَ ذنبًا بعدَ بُعْدِك أو غَدْرَا
قنعتُ — على رغمي — بذِكْرِك وحدَه
أُدِير عليه الخمرَ، والأدمُعَ الحمرا
أُقبِّلُ من كأسِ المُديرِ حُبابَها٧٣
إذا قبَّلتْ عندَ الْمُنى ذلك الثَّغْرا

معجزات

ضللتُ بالبَدْرِ على نُورِه
والناسُ يستَهْدُون بالبَدْرِ
أبْطَلَ موسى السِّحْرَ فيما مضى
وجاء موسى اليومَ بالسِّحْرِ٧٤
مستحسَن الأوصاف، ممنوعها
فلا تَرُمْهُ بسِوَى الفِكْرِ
كالماء في السُّحْبِ، وكالدُّرِّ في الـ
ـلأصداف، والشادِنِ في القَفْرِ
لو أنَّه عنَّ٧٥ لحُوريةٍ
ألقَتْه بين السَّحْرِ والنَّحْرِ!
ولو دعا ميْتًا بألفاظه
إذَنْ للبَّاه من القبر!
درٌّ ثناياه وألفاظُه
فلقَّبوه الكوكبَ الدُّرِّي
ما عوَّذوه العين بل عوَّذوا
من عينه الناسَ هوًى يَسْرِي
كأنما الخالُ على خدِّه
سوادُ قلبي في لَظَى الجَمْرِ
أجرى دمي في خدِّه صِبغة
فاسودَّ منه مَوْضعُ الوَزْرِ
يا طرفَهُ المعتَلَّ! خُذْ مُهْجَتِي
لعلَّها تَنفَعُ أو تَبْرِي!
ولا تردَّ اللحظَ عن مُقْلَتِي
واسفِك دمي حُلوًا وخذْ أَجْرِي
يا يوسف الحُسْنِ يا سامريَّ الـ
ـهجر أشفِقْ للهَوَى العُذْرِي
أخْشَى عليك الفيضَ من أدمعي
وأنت في عيني كما تَدْرِي
أنت — على التحقيق — موسى فقد
أَمِنْتَ أن تَغرَقَ في البَحْرِ

جمال الطبيعة

الأرضُ قد لبستْ رداءً أخضَرَا
والطَّلُّ٧٦ ينثُرُ في رُباها٧٧ جَوْهرا
هاجتْ فخِلْتُ الزَّهرَ كافورًا بها
وحسبتُ فيها التُّرْبَ مِسْكًا أذْفَرا٧٨
وكأنَّ سوسَنَها يُصافِحُ وَرْدَها
ثغرٌ يُقبِّل منه خدًّا أحمَرَا
والنهرُ ما بين الرِّياضِ تَخَالُه
سيفًا تعلَّق في نجادٍ٧٩ أخضرا
وجرتْ بصفْحَتِها الرُّبا فحسبتُها
كفًّا ينمِّق في الصحيفة أسْطُرا
وكأنه — إذْ لاح — ناصعُ فضة
جعلتْه كفُّ الشمس تِبْرًا أصفرا
والطيرُ قد قامتْ به خُطَباؤه
لم تتَّخذ إلَّا الأراكةِ مِنْبَرَا

الشاعر الموسيقار

تنقادُ لي الأوتارُ وهي عصيةٌ
فأذِلُّ منها كلَّ ذي استكبارِ
ولقد أَزُورُ مع القِسيِّ أهلَّةً
فأُعِيرُهن دوائرَ الأوتارِ

العاشق المودع

ولَمَّا عزَمْنا ولم يَبْقَ مِن
مُصانَعةِ الشوقِ غيرُ اليَسِيرِ
بكيتُ على النَّهرِ أُخْفِي الدُّموعَ
فعرَّضها لونُها للظُّهورِ
ولو علِمَ الركبُ خَطْبي٨٠ إِذنْ
لَمَا صَحِبونيَ عندَ المَسِيرِ
إذا ما سَرَى نَفَسِي في الشِّراعِ
أَعَادَهُمو نحوَ حمص٨١ زفيري
وقَفْنا سُحَيْرًا٨٢ وغالبتُ شوقي
فنادى الأَسَى حُسْنَه مَن مُجِيري؟
أنارٌ وقد وَقَدَتْ زفرتي
فصار الغدوُّ كوقتِ الهَجِيرِ؟
ومنَّ الفراقُ بتوديعه
فشبَّهتُ ناعي النَّوَى بالبَشِيرِ
وقبَّلتُ وجْنَتَه بالدُّموعِ
كما الْتُقِطَتْ وَردةٌ من غَدِيرِ
وردتُ، وصدَّقْتُ عندَ الصُّدُورِ
حديثَ قلوبٍ نأَتْ عن صُدُورِ
وقبَّلتُ في الترب منه خُطًا
أُمَيِّزها بشَمِيمِ العَبِيرِ٨٣
أموسى! تَمَلَّ٨٤ لذيذَ الكَرَى
فليليَ بعدَكَ ليلُ الضَّريرِ
تغرَّبَ نوميَ عن ناظري
وباتَ حديثُ المُنَى في ضميري
وما زادَك البينُ بُعْدًا سوى
سَنَا الشمسِ من مُنجِدٍ أو مُغِيرِ٨٥
طردتُ الرجا فيك عن حيلتي
ووكَّلْتُه بانقلابِ الأُمُورِ

ليلة وصال

زار ليلًا، فظلْتُ من فرحتي أحـ
ـسب — إذْ زارني — الحقيقةَ زُورَا
قلتُ: هذا خيالُه، ليس هذا
شخصَه، والغرامُ يُعْمِي البَصيرَا
ولكم بتُّ أحسبُ الطَّيْفَ شَخْصًا
أحسبُ الحُسْنَ لا يَزُورُ غُرُورَا
سدلتْ٨٦ ليلةُ الوصال علينا
ظلمةً تَمْلَأ الخواطرَ نُورَا
ثُبْتُ منها والبدرُ يُسْفِرُ في الأفـ
ـق حَسُودًا، والنجمُ يَهْفُو غَيُورَا
شاربًا في الأقداحِ نجمُ شعاع
لاثِمًا في الأطواقِ بدرًا مُنِيرَا
مِتُّ قبلَ اللقاءِ شَوْقًا، فلمَّا
جادَ لي باللقاءِ مِتُّ سُرورَا
أنا ميْتٌ في الحالتين ولكنْ
هجَرَ الموتُ عاشِقًا مَهْجُورَا

حول قُبْلة

يقولون: لوْ قبَّلْتَه لاشْتَفَى الجَوَى٨٧
أيطمعُ في التَّقْبيل مَن يعشَقُ البَدْرا؟
ولو غفلَ الواشونَ قبَّلْتُ نعْلَه!
أنزِّهه أن أذْكُرَ الجِيدَ والثَّغْرَا
ومَن لي بوعدٍ منه أشْكُو بخُلْفِه؟
ومَن لي بعهْدِ منه أشْكُو به الغَدْرا؟
وما أنا مَن يستحمِلُ الريحَ سرَّه
أغارُ حِفاظًا أن أُبِيحَ له السِّرَّا!
يقول ليَ اللاحي وقد جدَّ بي الهوى
ليُلْهِمَني في سوءِ تخييله الصبرا!
ألم تُرْوَ قطُّ: اصْبِرْ لكلِّ مُلِمَّةٍ؟
فقلتُ: أما تُرْوَى: لعلَّ له عُذْرَا؟
إذا فئةُ العُذَّالِ جاءتْ بسِحْرِها
ففي لحْظِ موسى آيةٌ تُبْطِلُ السِّحرَا٨٨

حسناء!

وزاهرةِ المرأى، معطرةِ الشذا
قد ابتُدِعَتْ خَلْقًا من المسك والنورِ
رقَتْ مثل مذعورِ الظِّباءِ، وإنما
مشَتْ مثل ما يمشي القَطَا غيرَ مَذْعُورِ
وقد طرقتْ بِيضَ البِنانِ بأسودٍ
كما تَستمدُّ المسكَ أقلامُ كافورِ

بين يدي حبيب مريض

لك العذرُ إنْ لم أُعِدْ زَوْرةً
ولو قيل أحسَنَ ثم اعتَذَرْ
علمت بأنيَ جلمودُ صخرٍ
فلو أنني عدتُ قالوا مِكَرْ٨٩
فديتُك! إني امرؤٌ قد سَرَى
إلى قدمي مِن لساني حَصَر٩٠
لئنْ مسَّ جسمَك حَرُّ الضَّنا
ولوَّح٩١ ذاك المُحيَّا الأغَر
فما الحَرُّ في الشمس مُستغرَبٌ
ولا عجبٌ لشُحوبِ القَمَر
وكم ذاقَ جَمْرًا أخوكَ النُّضارُ
ومُشْبِهُك المَشْرَفيُّ الذَّكَر٩٢
تطلَّعتَ كالصَّحْوِ بعدَ الغُيُومِ
وأَمْسَكْتَ مثلَ امتِساكِ المَطَر
حديث العُلى عنك مُستَحْسَنٌ
حديثٌ إِذا أمْتَعَ النفسَ سَر
تحقَّق قولُك والفصْلُ فيه
فصحَّ العيانُ، وصحَّ الخَبَر
وكم باطلٍ ذائعٍ قَيَّضَتْ٩٣
أباطيلَه تُرَّهاتٌ٩٤ أُخَر!
وكم أنبَتَ الشعرَ وردُ الخُدودِ
وسَلَّ عليها سُيوفَ الحَوَر؟!

أبكار الأشعار

أكُئُوسًا بدَتْ بأَيْدِي سُقاةٍ
أم نُجُومًا تَسْعَى بها أقْمارُ؟
وكأنَّ الإبريقَ جِيدُ غَزالٍ
دمُ ذاك الغَزالِ فيه العَقَارُ
قهوةٌ٩٥ إنْ جرَى النَّسيمُ عليها
كاد يعلُوه مِن سَناها٩٦ احْمِرارُ
نال منها الصِّبا — ولا بدَّ — سُكْرًا
فلهذا يُعزَى إِليها العِثارُ
حثَّها من كئوسه — رانياتٌ
عن فتورٍ بلحْظِه — خَمَّارُ
فتنةٌ للعُيون تُدْعَى بغُنْجٍ
حيَّرتْ ذا النُّهى، وقيل احْوِرارُ
كيمينِ ابن خالد٩٧ حين تُدْعَى
راحةً، وهي دِيمةٌ مِدْرارُ٩٨
لستُ أدْري يُسْرَيْن للعُسْر إلَّا
راحتَيْه إِذا عتا الإقْتارُ
بِدَرُ المال كالبُدُور، ولكنْ
نالَها مِن ندا يدَيْه السِّرارُ٩٩
تَسكبُ الجُودَ عند رحمةِ عافٍ
كرحيقٍ على الغِناءِ يُدارُ
أَرْجِه، فالْمُنَى طِوالٌ لراجـ
ـيه، وأيدي الخطوب عنه قِصارُ
تَستَمِدُّ السحابُ بالبَحْرِ لكنْ
مِن عطاياهُ تَستَمِدُّ البِحارُ
ماجدٌ حازَ في المعالي احتفالًا
فهو في طرقِه إِليها اختِصارُ
جاءَنا آخِرَ الزمانِ كما تفْـ
ـتَرُّ عندَ الأصائِلِ الأَزْهارُ
وذُبابُ١٠٠ الهنديِّ أشرفه، ليـ
ـس عليه من التأخُّر عارُ
احمَدُوا خَلْقَه ابتداءً وعَوْدًا
فهْو كالخَمْر لم يَشُبْها الخمارُ
بطْشُه في سَنَا البَوارِقِ خَطْفٌ
وتأنِّيه في الجمالِ وَقارُ
طبَّقَ الأرضَ ذِكْرُه فله في
كلِّ أفقٍ مع الهواء انتشار
ومع الشمس أينَ لاحتْ شُروقٌ
ومع الريحِ حيث طارتْ مَطارُ
لقبُ المجْدِ فيه صِدقٌ، ولكنْ
هو لفظٌ لغيرِه مُسْتَعارُ
زارَنا وهْو سُؤْلُنا وكذا الغيـ
ـثُ يَزُورُ الثَّرَى، وليس يُزارُ
فلَوَ انَّ البُرُوجَ قامتْ إلى البَدْ
رِ اشتياقًا قامتْ إليه الدِّيارُ
نزلتْ نحوَه النِّجادُ خُضوعًا
وتعالتْ شَوْقًا له الأَغْوارُ
حيثما كان فالزمان ربيع
والليالي بأُنْسِه أسْحارُ
والحَصى، وهْو تحت نعْلَيْه، دُرٌّ
وترابُ البطحاء مسكٌ يُثارُ
لو يُنادَى: أين الجوادُ بحقٍّ؟
قال كلٌّ إلى الوَزيرِ يُشارُ
«جُدْ على يوسفٍ بمِصر شريش١٠١
وعطاياك نِيلُها المُستَجارُ»!
حسَدَتْها العراقُ، والأرضُ تنتا
شُ فبعضٌ منها ببعضٍ يَغارُ
عُودُه في الإحسان عُودُ نُضارٍ
وسجاياه — إنْ مُسِكْنَ — نَهارُ
بك عزَّتْ لِمَا حوَتْك، ولولا الرَّ
اح لم تُمتَدَح دِنانٌ وَقارُ
أيُّهذا السحابُ، دونَك منِّي
زاهرًا من كِمامها الأقطارُ
بك يَسْمُو حُلَى القَريضِ، وللغُنـ
ـج بعينِ الظَّبْيِ الغَريرِ افتِخارُ
نضِرتْ لوْ أنَّ النجومَ عُقُودٌ
في حُلاها، أو الهِلالَ سِوارُ
لا تَلُمْ في الحياءِ هذِي القوافي
ليس بِدْعًا أن تَخْجَلَ الأَبْكارُ

مثل العاشق في النحو

رقَّتْ عوامِلُه، وأحسبُ رُتْبَتِي
بُنِيَتْ على خفْضٍ فلن تتغَيَّرا!

مثل المعشوق في النحو

تَنْأَى وتَدْنُو والْتِفاتُك واحدٌ
كالفِعْلِ يَعمَل ظاهرًا ومُقَدَّرا!

(٧) حرف السين

النهاية!

أضاعَ وَقاري مَن علِقْتُ جمالَه
فيا زهرةً قد زلزلَتْ جَبَلًا رَاسِي
وما ضرَّ لو وَاسَى وسلَّى بزَوْرةٍ
خليُّ جرى فيه القضاءُ على راسي
فألقُطُ دُرًّا من لذيذ حديثه
وأشربُ طيبَ العيش مِن فضْلةِ الكاسِ
وأرخصتُ عمري فيه، وهْو ذَخِيرتي
وأنفقتُ فيه كنزَ صبرِي وإِيناسي
وغادرتُ رأيِي بالعَراءِ مُذَمَّمًا
وأَوْحَشتُ نفسي فيه من سائر الناسِ
وأفسدتُ بين النوم فيه وناظري
وأكَّدْتُ وُدًّا بين فِكْري ووسواسي
سأصرف صرفَ الحرف عند مطامِعي
وآوي بهذا القلبِ منه إلى الياسِ
أمَا حيلةٌ فيه فيَعشَقُ ساعةً
على رُقيةٍ أَرقِي بها قلبَه القاسِي؟!

أمنيات

مضى الوَصْلُ إلَّا مُنْية تبعثُ الأسى
أُدَارِي بها هَمِّي إذا الليلُ عَسْعَسا
أتاني حديثُ الوصل زُورًا على النَّوَى
أعِدْ ذلك الزُّورَ اللذيذَ المؤانسا
ويا أيُّها الشوقُ الذي جاء زائرًا
وجدْتَ الأماني خُذْ قلوبًا وأنفُسا
ويا أَرَقَ الهِجْرانِ! بالله خلِّ لي
من النوم ما أقْرِي الخيالَ المُعَرِّسا
كسانيَ موسى من سقامِ جُفُونِه
رداءً وأسقاني من الحبِّ أَكْؤُسا
فلا صرَّدَ اللهُ الشرابَ الذي سقى
ولا خلعَ اللهُ الرداءَ الذي كسا
تلاقتْ لشكوى البَيْنِ أنفاسُنا فقُلْ:
شذا الرَّوْض في حَرِّ الهَجِيرِ تنفَّسا
ونادَيْتُ بالتَّرحالِ عنه تصنُّعًا!
لعل النَّوى منه تُلَيِّن ما قَسا
وقلتُ: عساه إنْ رحلتُ يَرِقُّ لِي
وقد نسَخَتْ «لا» عندَه ما دعَتْ «عسى»
وقال: ارضَ هِجْراني بديلَ النَّوى، وقل
لعلَّ منايانا تحوَّلْنَ أبْؤُسا؟
أنادِي سُلوِّي للذي حلَّ منك بي
كأني أنادِي أو أكلِّم أخرسا!

ساعة وصال

هذا أوانُ فَضِيحتي لبَّيك يا
داعي الهوى، لا عِطْرَ بعدَ عَرُوسِ
أو ما ترى الأيامَ كيف تبسَّمتْ
عن وَصْلِ موسى بعدَ طولِ عُبُوسِ؟
يسقى، وزهرُ الرَّوْض منه طالع
في وَجْنةٍ وملابسٍ وكئوسِ
شتَّى يُحسِّنها التشابهُ مثل ما
تُستحسَنُ الألفاظُ للتَّجْنِيسِ

وقفة على خليج

كيف ترى زَوْرةَ الخليج، وقد
صبَّغ وجهَ العشيِّ بالورسِ؟
ورقَّ ثوب الأصيل، وانفتحتْ
في وَجْنة النَّهر وردةُ الشمس
تلهو بذَوْب اللُّجيْن مطَّردًا
فيه، وذَوْب النُّضار في الكأسِ

توشيح

هل دَرَى ظبْيُ الحِمَى أنْ قد حَمَى
قلبَ صبٍّ حلَّه عن مَكْنَسِ؟
فهْو في حَرٍّ، وخفقٍ مثل ما
لعبتْ ريحُ الصَّبا بالقَبَسِ

•••

يا بُدورًا أشرقتْ يوم النوى
غُررًا تَسْلُك بي نهجَ الغَرَرْ
ما لنفسي في الهوى ذنبٌ سوى
منكم الحُسْنى، ومن عيني النَّظَر
أجتني اللذَّاتِ مكلومَ الجوى
والتداني من حبيبي بالفِكَر
كلَّما أشكوه وَجْدِي بسما
كالرُّبا بالعارض١٠٢ المنبجسِ
إذ يُقِيم القطرُ فيها مأتمًا
وهْي من بهجتها في عرسِ

•••

غالبٌ لي، غالبٌ بالتؤدةْ
بأبي أفدِيهِ من جافٍ رقيق!
ما علمنا مِثْل ثَغرٍ نضَّده
أقحوانًا١٠٣ عصرتْ منه رحيق
أخذتْ عيناه منه العربدةْ
وفؤادي سُكْرَه ما إن يُفِيق
فاحِم اللِّمة١٠٤ مَعسولُ اللَّمَى
ساحر الغُنْجِ شَهِيُّ اللَّعَسِ١٠٥
وجهُه يَتْلُو الضُّحى مبتسما
وهو من إعراضِه في عَبَسِ

•••

أيُّها السائلُ عن جُرْمِي لدَيْه
لي جزاءُ الذنبِ، وهْو المذنِبُ
أخدتْ شمسُ الضُّحى مِن وَجْنَتَيْه
مَشْرِقًا للشمسِ فيه مَغْرِبُ
ذهبَ الدمعُ بأشواقِي إلَيْه
وله خدٌّ بلَحْظِي مُذْهِبُ
يُنبِتُ الوردَ بغرسٍ كلَّما
لاحظَتْه مُقْلَتي في الخُلَسِ١٠٦
ليتَ شِعْري! أيُّ شيء حرَّما
ذلك الوردَ على المُغْتَرِسِ؟!١٠٧

•••

كلَّما أشكو إليه حرقي
غادَرَتْني مقلتاه دَنِفا١٠٨
تركتْ ألحاظُه مِن رمقي١٠٩
أثرَ النمل على صُمِّ الصَّفا١١٠
وأنا أشكره فيما بَقِي
لستُ ألْحَاه على ما أتْلَفا
فهو عندي عادلٌ إنْ ظَلَما
وعَذُولي نطقُه كالخَرَسِ
ليس لي في الأَمر حكمٌ بعدَما
حلَّ مِن نفسي محلَّ النَّفَسِ

•••

أضرمَ الدمعَ بأحشائي ضرام
تتلظَّى كلَّ حين ما تشا
هي في خدَّيْه برد وسلام
وهي ضرٌّ، وحريقٌ في الحشا
أَتَّقِي منه على حكم الغرام
أسدًا وَرْدًا،١١١ وأهواه رَشَا
قلتُ لَمَّا أنْ تبدَّى معلمًا
وهو مِن ألْحاظِهِ في حَرَسِ:
أيُّها الآخِذُ قلْبي مغنمًا!
اجعلِ الوصْلَ مكانَ الخُمسِ!١١٢

توشيح

وقد عارَضَه فيها الوزير أبو عبد الله بن الخطيب، فقال:

جادَك الغيثُ إذا الغيثُ هَمَى
يا زمانَ الوصلِ بالأندَلُسِ
لم يكن وصْلُك إلَّا حُلُما
في الكَرَى، أو خلسةَ المُخْتَلِسِ

•••

إذْ يقول الدهر أسباب المنى
تنقل الخطوَ على ما ترسُمُ
زُمَرًا بين فُرادَى، وثُنَى
مثلَ ما يدعو الوفودَ الموسِمُ
والحيا قد جلَّل الرَّوضَ سَنا
فسَنا الأزهارِ فيه تَبْسُمُ
ورَوَى النعمان عن ماءِ السما
كيف يَرْوِي مالِكٌ عن أنَسِ؟!
فكساه الحسنُ ثوبًا معلمًا
يزدهي منه بأبْهَى مَلْبِسِ

•••

في ليالٍ كتمتْ سِرَّ الهوى
بالدُّجى، لولا شموسُ القَدَرِ
مالَ نجمُ الكأس فيها وهوى
مستقمَ السَّيْرِ سعدَ الأَسَرِ
وطرٌ ما فيه من عيبٍ سوى
أنَّه مرَّ كلَمْح البَصَرِ
حين لذَّ النومُ مِنَّا أو كما
هجمَ الصبحُ نجومَ الحَرَسِ
غارتِ الشهب بنا، أو ربما
أثَّرتْ فينا عيونُ النَّرجِسِ
أيُّ شيء لامرئٍ قد خلَصَا
فيكون الرَّوْض قد كنَّنَ فيه
تنهب الأزهارُ فيه الفُرَصا
أمنتْ من مَكْرِه ما تتَّقِيه
فإذا الماء تناجى، والحصى
وخلا كلُّ خليل بأخِيه
تُبْصِر الوردَ غَيُورًا بعدما
يكتَسِي من غَيْظِه ما يَكْتَسِي
وترى الآسَ لبيبًا فهمًا
يسرق الدمعَ بأدنى فرس

•••

يا أُهَيْلَ الحيِّ من وادي الغَضَا
وبقلبي مسكنٌ أنتم بهِ
ضاقَ عن وَجْدي بكم رحبُ الفضا
لا أُبالِي شرقَه مِن غَرْبِه
فأَعِيدوا عهدَ أُنْسٍ قد مضى
تُنقِذوا عائذَكم مِن كَرْبِه
واتقوا الله وأَحْيُوا مُغْرَمًا
يَتَلاشَى نفسًا في نفس
حبس القلبُ عليكم كرمًا
أفترضَوْن خرابَ الحبس؟!

•••

وبقلبي فيكمو مُقْتَرِبُ
بأحاديث المُنَى، وهْو بَعِيد
قمر أطلعَ منه المَغْرِبُ
شقوة المُغرَى به وهو سَعِيد
قد تساوَى محسنٌ ومُذْنِبُ
في هواه بين وعدٍ، ووَعِيد
ساحرُ المُقْلة، مَعْسُولُ اللَّمَى
جالَ في النفس مجالَ النفَسِ
سدَّد السهمَ، وسمَّى، ورَمَى
بفؤادِي نهبةَ المُفْتَرِسِ
إنْ يكنْ جارَ، وخابَ الأملُ
وفؤادُ الصَّبِّ بالشوقِ يَذُوب
فهْو للنفسِ حبيبٌ أوَّلُ
ليس في الحبِّ لمحبوبٍ ذُنُوب
أمرُهُ مَحتَمَلٌ، مُمْتَثَلُ
في ضلوعٍ قد براها، وقُلُوب
حكم اللحْظ بها فاحتكما
لم يُراقِبْ في ضعافِ الأنفُسِ
يُنصِف المظلومَ ممَّن ظَلَما
ويُجازِي البَرَّ منها والْمُسِي

•••

ما لقلبي كلَّما هبَّتْ صَبَا
عادَه عِيدٌ من الشوق جديد
كان في اللَّوحِ له مُكْتَتَبا
قوله: «إنَّ عَذابِي لَشَديد»
جلبَ الهمَّ له والوَصَبا
فهو للأشْجان في جَهْدٍ جَهِيد
لاعجٌ في أضلُعِي قد أَضْرَما
فهْيِ نارٌ في هشيم اليَبَسِ
لم تدَعْ من مُهْجتي إلَّا الذما
كبَقاءِ الصُّبْح بعدَ الغَلَسِ

•••

سلِّمي يا نفسُ في حكم القضا
واعمُرِي الوقتَ برُجْعَى ومَتَاب
واتركي ذِكْرَى زمانٍ قد مَضى
بين عُتْبَى قد تقَضَّت وعِتاب
واصرفي القولَ إلى المولَى الرِّضى
ملهمِ التوفيق في أمِّ الكتاب
الكريم المُنتَهَى والمُنتَمَى
أسد السَّرح وبدر المجْلِسِ
ينزلُ النصرُ عليه مثل ما
ينزلُ الوَحْيُ برُوح القُدُسِ

(٨) حرف الشين

بين الهند والحبش!

وَشَى بسِرِّيَ في موسى وأعْلَنَه
خدُّ يُرِيك طرازَ الحُسْنِ كيفَ وُشِي
تهتزُّ في بُرْدِه ريحانةٌ شربتْ
ماءَ الصِّبا، يا له ريَّا ويا عَطَشِي!
هل خالَه بدمي، أم سيف ناظِره؟
قد ضاع ثأريَ بين الهندِ والحَبَشِ!١١٣
أَوْدَى بقلْبِيَ مِن ذا الصُّدْغِ عَقْرَبُه
لو أنَّ دِرْياقَ ذاكَ الثَّغْرِ مُنْتَعِشِي
ترى العواذلَ حولي كالفَراش وقد
حاموا فأحرقْتُهم بالشوقِ في فرُشِي

(٩) حرف الضاد

ضِدَّان مجتَمِعان!

طمحتَ بأجْفاني فأنسَيْتَها الغَمْضا
وأجنَيْتَنِي مِن وجنَتَيْك هوًى غَضَّا
أيَقبَلُ شوقي سلوةً عن مُقَبَّلٍ١١٤
بسومٍ ختام١١٥ الصبر خاتَمُه فضا
أموسى! أيا بعضي وكلِّي حقيقة
وليس مجازًا قوليَ الكلَّ والبعضا
خفضتَ مكاني إذْ جزمتَ١١٦ وسائلي
فكيف جمعتَ الجزمَ عندِيَ والخَفْضا؟١١٧
شددت بحبل الشمس منك أناملي
لحَظِّي، وإنَّ الحظَّ يقْطَعُها عَضَّا

الشمس حين الشَّفَق

صرِّحْ بما عندي، ولو ملأ الفضا
ما لي وللتَّعْريضِ فيمَن أَعْرَضا
لي شادنٌ صادَ الأسودَ، وخُوطةٌ١١٨
ألْقَى الكميُّ١١٩ لها الذَّوابل مَعْرِضا
غصنٌ منابِتُه القلوب، وكوكب
ما نوءُهُ١٢٠ إلَّا المدامع فُيَّضَا
ما طال ليلي بعدَه! بل ناظري
يأتي الصباحُ فلا يراهُ أبْيَضا
أبكي ويضحك راضيًا بصبابتي
فالصَّبُّ يَجْنِي السُّخْطَ مِن ذاك الرِّضَا
لا تُلْقِ أنفاسِي بثَغْرِك، إنَّه
بَرَدٌ أخافُ عليه مِن جَمْرِ الغَضَا
طار الكَرَى، لكنَّ وَجْدِي قُصَّ في
وَكْرِ الضُّلوع فلم يُطِقْ أن يَنْهَضا
أصبُو إلى قصص الكَلِيمِ١٢١ وقومِه
قصدًا لذِكْرِك عندَها وتعرُّضا
أشكو إلى الحِدَقِ المِراضِ وضَلةٌ١٢٢
أن يشتكي هدفٌ إلى سهمٍ مَضَى
بَلْوَى على القلبِ المُعذَّبِ جرَّها
لَحْظِي الظَّلُومُ، ولحظُ موسى، والقَضَا!

(١٠) حرف العين

مدحة نبوية

تُنازِعُني الآمالُ كَهْلًا ويَافِعًا١٢٣
ويُسْعِدني التعليلُ لو كان نافِعا
وما اعتنقَ العليا سوى مفرد غد
لهولِ الفَلا، والشوق، والنوق رابعا
رأى عَزَماتِ الحقِّ قد نَزَعَتْ به
فساعَدَ في الله النَّوَى والنَّوازِعا

•••

وركبٍ دعَتْهم نحوَ «يثربَ»١٢٤ نيةٌ
فما وجدتْ إلَّا مُطِيعًا وسَامِعا
يُسابِقُ وخدُ العِيسِ١٢٥ ما اسودَّ منهمو
فيفنون بالشوق المَدَى والمَدَامِعا
سقَى دمعُهم غرسَ الأسى في ثَرَى الجَوَى
فأنبتَ أزهارَ الشُّجونِ الفَواقِعَا١٢٦
فذاقوا لبانَ الصِّدقِ مَحْضًا لعزهم
وحرَّمَ تَفْرِيطي عليَّ المَرَاضِعا
تلاقَى على وادي اليَقِين قلوبُهُم
خوافق يَذْكُرْنَ القَطا والمَشارِعا
قلوبٌ عرَفْنَ الحقَّ بالحقِّ وانطَوَتْ
عليها جُنُوبٌ ما أَلِفْنَ المَضَاجِعَا
إذا ما انثَنَوْا أو رجَّعوا الذِّكْرَ خِلْتَهم
غُصُونًا لِدانًا، أو حَمامًا سَواجِعا
تُضِيءُ من التَّقْوَى خبايا صدورهم
وقد لَبِسوا الليلَ البَهِيمَ مَدارِعَا
تكاد مناجاةُ النبي محمدٍ
تنمُّ بها مِسْكًا على الشَّم ذائِعا
تخالُهُمُ النبتَ الهشيم تغيَّرا
وقد فتَقَوا رَوْضًا من الذِّكر يانِعا

•••

خذوا القلبَ يا ركبَ الحجاز فإنني
أرى الجسمَ في أَسْرِ العلائِقِ قابِعا
ولا تُرْجِعوه إنْ قَفَلْتم فإنما
أمانتُكم ألَّا تَرُدُّوا الوَدائِعا
مع الجَمَراتِ ارْمُوه يا قومِ إِنه
حصاةٌ تلقَّتْ من يدِ الشوقِ صارِعَا
تخلَّصَ أقوامٌ، وأسْلَمَنِي الهوى
إلى عِلَقٍ سَدَّتْ عليَّ المطامِعَا
هُمُو دخلوا بابَ القبول بقَرْعِهم
وحسبيَ أنْ أبْقَى لسِنِّيَ قارِعا!
أيَنفكُّ عَزْمي عن قُيودٍ ثقيلة؟
أيَمْحُو الهوى عن طِينةِ القلبِ طابِعا؟
وتُسعِف «ليتٌ» في قضاءِ لُبانَتِي
ويَترُكُ «سوفٌ» فعلَ عزمي المُضارِعا؟
إذا شرَّق الأرشادُ خابتْ بصيرتي
كما بعثتْ شمس السرابَ المُخادِعا!
فلا الزجرُ ينهاني، وإن كان مُرْهِبًا،
ولا النُّصْحُ يَثْنِيني، وإنْ كان ناصِعًا
فيا مَن بناءُ الحرف خامَرَ طبعَه!
فصارَ لتأثير العواملِ مانِعَا
بلغتَ نصابَ الأربعين فزَكِّها
بفعلٍ تُرى فيه مُنِيبًا ورابِعا
وبادِرْ بوادي السمِّ إنْ كنتَ راقيًا
وعاجِلْ رُقوعَ الفَتْقِ إنْ كنتَ راقِعا
فما اشتبهتْ طُرْقُ النجاة، وإنما
ركبتَ إليها مِن يَقِينك طالِعا

اعترافات!

خضعتَ، وأمرُك الأمرُ المُطاعُ
وذاع السِّرُّ، وانكشفَ القِناعُ
وهل يَخفَى لذِي وَجدٍ حديثٌ؟
أتَخْفَى النارُ يَحْمِلُها اليَفاعُ؟!١٢٧
أشاعوا: أنَّنِي عبدٌ لموسى!
نعم! صَدَقوا عليَّ بما أشاعوا
وقد سكتَ الوُشاةُ اليوم عنِّي
أقرَّ الخصمُ، وارتفع النزاعُ
عبدتُ هواكَ ما استَهْوَى عفافي
كأنَّ الوُدَّ وَدٌّ أو سُواعُ١٢٨
بعثتُ وسيلةً لك من وِدادٍ
فصادفَ وفدَها منك الضِّياعُ
هلكتُ بما رجوتُ به خلاصي
وقد يُرْدِي سفينَتَه الشِّراعُ
نَعَى سَهَري الخيالَ، فهل رُقادٌ
يُعارُ لوَصْلِ طَيْفِك أو يُباعُ
لقد أَرْبَى هواك على فؤادي
كما أربتْ على الأدبِ الطِّباعُ
أخاف عليك لو أشكوك بَثِّي١٢٩
مشافهةً فيُخْجِلُك السَّماعُ
وإنْ عبَّرتُ عن شوقي بكُتْبٍ
تلهَّبَ في أنامِليَ اليَرَاعُ!

معجزات الجمال

أموسى! لقد أوردتَني شرَّ مورد
وما أنا فرعون١٣٠ كفور الصنائع
سحرتَ فؤادي حين أرسلتَ حيةَ الـ
ـعَذارِ، وقد أغْرَقْتَنِي في مَدامِعِي١٣١
وما كنتُ أخشى أن تكون منيتي
بكفَّيْك، والأيامُ ذات بدائعِ
ووَاللهِ، ما يَلْتَذُّ سَمْعِي وناظِري
بغيرك إِنسانًا، وما ذاك نافِعي
جعلتَ عليَّ الصبرَ ضربةَ لازِبٍ
وحرَّمتَ أن آتِي إليك بشافِعِ
وما أسَفِي أنِّي أموت، وإِنما
حذاريَ أن تُرْمَى بلُؤْمِ الطبائِعِ

(١١) حرف الفاء

قلب العاشق

أسعِدِ الوجدَ بدمعٍ وَكَفا١٣٢
لا تقلْ للدمعِ: حسْبي وكفَى!
لستُ في دمعي غريقًا، إنما
جسدي خفَّ ضَنًى حتى طَفَا
جاد غيثُ الدمع من بعدِك في
مقلتي رسم الكَرَى حتى عَفَا١٣٣
ذِكْرُك الأعطَرُ يُبْكيني دمًا
رُبِّ مسكٍ بشذاهُ رُعفا
لستُ مشغوفًا بموسى! إنه
ليس لي قلبٌ فأشكو الشَّغَفا
كنتُ أشكو في الهوى، واليومَ قد
تبتُ يعفُو اللهُ عمَّا سلَفا!

المهجور المودَّع

وَداعُ قلبي أَزِفا١٣٤
وعاشقٌ على شَفَا١٣٥
جاء بقلب سالِمٍ
فسَلْه كيف انصَرَفا
هل يجد الإنسانُ من
نفسٍ تولَّتْ خَلَفا؟
يا نظرةً ما غرست
حتى جنيتُ الشَّغَفا
السحرُ كم جالَ، وفي
ألحاظِ موسى وَقَفا
أشد ما كلَّفني
حبي لموسى الكَلفا
فلا شفاني الله إِنْ
دعوتُ منه بالشِّفا
أذعنتُ١٣٦ إذْ جارتْ، ولا
يحمل حكم الضُّعَفا
ذُلُّ الهوى، وعِزَّةُ الـ
ـحسنِ حديثٌ عُرِفا
ما بثَّ إلَّا عاشقٌ
للرِّئْم،١٣٧ يَبْغِي النَّصَفا
ولستُ وهْو هاجري
والرسم منِّي قد عَفا
أولَ صبٍّ مات، أو
أولَ معشوقٍ جفا
يا مَن حلفتَ أنْ تَزُو
رَنِي فبَرَّ الحَلِفا
تبخَلُ أنْ تُحيِّي بالـ
ـلفظ محبًّا تَلِفا!
أخاف من جورك أن
تُدْعَى! الْمَلِيح الْمُسْرِفا
حان الفراقُ فابكِيَنْ
لكنْ بدمعٍ وَكَفا
لا أظلم البينَ، أقو
لُ: شتَّتَ المُؤْتَلِفا
ما كنتُ موصولًا فأشـ
ـكو عهدَ وصلٍ سَلَفا
كان هواك طمعًا،
واليوم أمسى أسفا!
يا مرحبًا بالوَجْد فيـ
ـك، وعلى الصبر العَفا!

علة السهر

أمَا لَك في أمْرِي إلى العدلِ مصرِفًا
حكمتَ فما أعطيتَ عدلًا ولا صَرْفا١٣٨
يقول: أتشكو الميلَ مني، ونُفْرتي
وبُعْدي؟ ألستُ البدرَ، والغُصْنَ، والخشفا
تحنُّ إلى الخيريِّ نفسِي، ويَغْتَدِي
نسيبيَ في تصحيفِه يَمْلَأ الصحفا
وما أسهَرُ الظَّلْماء إلَّا لعلَّه
يُنَشِّقني الخيريَّ١٣٩ من نَشْره عَرفا
كأنَّ خيالي ليس يُظهِر غيرَه
ولا منصفي يَدْرِي خلافَ اسمِه حَرْفا
يُمَثَّل لي في كلِّ شيء رأيتُه
وإن سألوا جاوَبْتُهم باسمِه عُرفا
ولولا حيائي، واتِّقاءَ محلِّه
لقبَّلْتُ نعلَيْه برغم العِدا ألْفا
تأولتُ فيه الذُّلَّ قلتُ: تَوَاضُعٌ!
وحسَّنتُ تَرْكَ الصَّوْن سمَّيْتُه ظَرْفا
ألَا ليتَ شِعْري مَن بآخِرِ سَبِّح١٤٠
ومَن هو في التنزيلِ قبلَ الَّذِي وَفَّى١٤١

دُرَر وصَدَف

سألْتُها عَلَّةً مِن صِرْف رِيقَتِها
تَطْفِي بها حَرَّ مصدُوعِ الحَشَا دَنِفِ
فاستضْحَكَتْ، ثم قالتْ: ثغرُ ذي فَلَجٍ
في ثغر ذي شَنَبٍ شيءٌ من الكَلَفِ١٤٢
وما درتْ أنَّه والله لا عجبٌ
أن يُوجَد الدُّرُّ مقرونًا مع الصَّدَفِ

الأعداء في النحو

إذا كان نصرُ الله وَقْفًا عليكمو
فإنَّ العدا التنوين يَحْذِفُه الوَقْفُ!١٤٣

(١٢) حرف القاف

وقت الأصيل

انظرْ إلى لونِ الأصيلِ كأنَّه
لا شكَّ لونُ مودِّع لفِراقِ
والشمس تَنظُر نحوَه مُصْفرَّة
قد خَمَّشتْ١٤٤ خدًّا من الإشفاقِ
لاقَتْ بحُمْرَتِها الخليجَ فألَّفا
خجلَ الصِّبا، ومدامِعَ العُشَّاقِ
سقطتْ أوانَ غروبها محمرَّة
كالكأسِ خرَّتْ من أناملِ سَاقِ

فلسفة الخال

شادنٌ لو جرى مع الـ
ـشمس في حَلبة١٤٥ سبقْ
عانقَ الغصنَ فاحْتَذَى
لينَ عِطْفَيْه واستَرَقْ
نشق الزهر فاستفا
د بأنفاسِه عبَقْ
وجرى باسمُ النسيـ
ـم على خدِّه فرقّْ
قلْ لِمُوسى: زعْزَعْتَ قلـ
ـبي الكليمَ فانفلَقْ
يا جحيمًا على القلو
ب، ويا جنةَ الحَدَقْ
ما أرى الخالَ فوق خدَّ
يْكَ ليلًا على فلَقْ
إنما كانَ كوكبًا
قابَل الشمسَ فاحْتَرَقْ!

الكاس

سَلِ الكأسَ تزهو بين صبغ وإشراق
أَذُوِّب فيها الوَردُ أم وَجْنةُ الساقِي
كئوس تُحَيِّيها النفوس كأنها
حديث تلاقٍ في مسامعِ عُشَّاقِ
إذا قَتَلوها بالمزاج ليشربوا
أعاشوا مناهم بين موت وإِخْلاقِ
تثور كأن الماءَ يَلْسَع صِرْفَها
فصوت المغنِّي مثل هينمة الرَّاقِي
بموسى إذا ما شئتَ سُكْرِيَ غنِّ لي
وأدْهِقْ كئوسَ الخمر أيَّة إدْهاقِ
وإن شئتَ إعجازًا ضربتَ بذِكْرِه
فؤادي ففجَّرتَ العيونَ بآماقِي!
تَصاعُد أنفاسي تُشابِهُه الصَّبا
وتقدَحُ في الأحشاءِ نِيرانَ أشواقي
إذا أنا حمَّلتُ البليلَ صبابتي
غدتَ كسَمومِ الفَتْك لفحةَ إحراقِ!
وتعرف مني الريحُ زَفرةَ عاشِقٍ
ويَفهَم منِّي البرقُ نظرةَ مُشتاقِ

شقاء الحب

سَلِ النومَ يا موسى، وهُنِّئتَ طِيبَه
متى عهدُه من عين مَهْجُورِك الشَّقِي؟
وطال اتقائي أنْ أُصابَ بفِتنةٍ!
لقد جلَبَتْ عيناك ما كنتُ أتَّقِي
نظرتَ بتلك العينِ نظرةَ قاتِلٍ
فهل بعدَها — إنْ متُّ — نظرةَ مُشْفِقِ؟
أيا مُعْرِضًا أعلقْتَ من حَبْلِهِ يدًا
بمثلِ شُعاعِ البارقِ المتألِّقِ!
أُبرِّرُ عند النفس باطِلَ عُذْرِه
وأَقْنَعُ منه بالوِدادِ المُلَفَّقِ
أأعرَيْتَني من ثوبِ وصْلِك بعدما
كسوتَ الضَّنى عِطفيَّ، والشَّيبَ مَفْرِقي؟
ويا سلوتي! لا أَعْرِفُ الغَدْرَ، إنني
أخذتُ مع الأشجانِ أكرمَ مَوْثِق
ويا صاحِ! إن لم تَدْرِ أنَّ شقاوةً
تلذُّ، وهونًا يُشْبِه العِزَّ فاعشَقِ

(١٣) حرف الكاف

ظباء المسك

صَعِقْتُ وقد نادَيْتُ موسى بخاطري
وأصبحَ طُورُ الصَّبر من هجْرِه دكَّا١٤٦
وقالوا: اسْلُ عنه، أو تبدَّلْ به هوًى!
أبعدَ الهُدَى أرْضَى الجحودَ، أو الشِّرْكا؟
ألِفْتُ — عَدَاك الهجر — أنْ أعشَقَ الحُلَى
فنظمتُ من شعري ومن أدمُعِي سِلْكا
جَرَى الخالُ في كافورِ خدِّك مِسْكة
فنَمْ بأشْواقي نُسيِّمُها الأَذْكَى
فجُدْ لي بمِسْكِك الخال يا ظبيُ إنني
عهدتُ ظباءَ المسك لا تَخْزن المسْكَا

(١٤) حرف اللام

أمل لصَبٍّ

حديثُ عنقاءٍ صَبٌّ أدْرَكَ الأملا
حَظِّي مِن الحبِّ أني بعضُ مَن قُتِلا!
أما لقد نصحَ العُذَّال، لو قبلوا!
السيفُ مِن لَحْظِ موسى يَسبِقُ العَذلا
طلبتُ حيلةَ بُرْءٍ من محبته
فنصَّ لي لحظُهُ الأمراضَ والعِلَلا
يا مَن غدا كلُّ لفْظِي فيه — من طمع —
«عسى وليتَ» وشِعْري كلُّه غزلا!
منعتَنِي يقظةً ردَّ السلام — فلم
أجرأ على الطَّيْفِ في تكْلِيفِه القُبَلا
كسا خضابُ اصفرارٍ للضَّنَى جسدي
لو كان يُنضَح مِن ماء اللَّمَى لصَلا
شوقي إليك، ولا حُمِّلتَ شوقيَ، قد
أفْنَى القوافِي، وأفْنى الدَّمْعَ، والحِيَلا

الساري الجميل

عندي له غَرَّاءُ أهْداها السُّرى
بأغَرَّ أهْدى قربُه الآمالا
سفرَتْ له بِكرُ الخُطوبِ بوجْهِها
فاستحْسَنَ الظلماءَ فيه خالا
جرَّدتَ عزْمَك، لم تَهَبْ جُنْحَ الدُّجى
جيشًا، ولا زهرَ النجوم نِصالا
فلَوَ انَّ بدرَ التَّمِّ كمَّله الدُّجى
سَيْرًا، لقد قُلْنا سَرَيْتَ خيالا!

تسامح العشاق

لا تطلبوا ثأْري، فلا حقَّ لي
على لِحاظِ الرِّئْمِ مِن قاتِلي
سمحتُ في سفْكِ دمي راضيًا
برشفةٍ من رِيقِك السَّلْسَلِ!
وِصالُ موسى لحظةٌ، صفوُها
يُشابُ بالواشين والعُذَّلِ
قصيرةٌ تَضْرِم نارَ الهوى
كأنَّها قبْسةُ مُسْتَعْجِلِ
لحظٌ يَرَى القَتْلَ مني نفسه
والعارَ أن يترك قلبَ الخَلِي
غَضُّ الصِّبا يُسْفِر عن منظر
أحسنَ مِن عصْرِ الصِّبا المُقْبِل
صوِّر من نُورٍ، ومن فِتنةٍ،
والناس من ماء، ومن صلصل١٤٧
شاكي سلاح القَدِّ، واللَّحْظ في
حرب شجٍ عن صبرِهِ أعزَلِ
منسلبِ الحيلة والصبر لا
يأوى إلى عقلٍ، ولا مَعْقِلِ
ذو ضِنَّةٍ١٤٨ يمنع بذلَ المنى
قولًا ومهما قال لم يفعل
ينفي ليَ الحالَ ولكنَّه
يُدْخِل «لا» في كلِّ مستقبَلِ
أحلتُ أشواقي على ذكره
أسلِّط النارَ على المِنْدَلِ
يا شَرَكَ الألباب! كن مجملًا
واستَحْيِ من منظَرِك الأجملِ
أخشى عليك العار من قولهم
معتدلُ القامة لم يَعْدِلِ
أبيت فردًا منك لكنني
من المنى والذِّكْر في مَحْفِلِ
وقد رثَى مِن سهري في الدجى
شقيقُك البدرُ ولم ترثَ لِي

صولة الجمال

عليلٌ شاقَه نَفَسٌ عليلُ
فجادَ بدمعِه أملٌ بخيلُ
أَعَدَّ الصبرَ للأشواق جيشًا
فأدْبَرَ حين أقْبَلَتِ القبولُ
وأبكاني فبلَّ الريحَ دمعي
ضحًى، فلِذاك قِيل لها: البَلِيلُ
وكم بالخيف من خدٍّ صَقِيلٍ
يُحرِّمُ لَثْمَه ماضٍ صيقلُ
ترى العُشَّاق بين قباب قوم
يجيب أبِينَهم فيها الصَّهيلُ
تهزُّ بها المعاطف والعوالي
وتبتسم الثنايا والنُّصولُ
فكم أملٍ طويل من حماهم
يُزعْزَع دونَه لدْنٌ طويلُ
ومعشوق الشباب له جفونٌ
تُعلِّم كيف تُخْتَلَس العقولُ
يهاب الليثُ غِرَّتَه، ويهفو
بذات الصَّوْن منظرُه الجميلُ
بديع الحسن تَعْشَقه حلاه
أحتى الحسن يَعشَقُ أو يَمِيلُ
أظن وِشاحَه يَهْذِي خيالًا
وما تَدْري الخلاخلُ ما يقولُ
عُهودُ الحُسْن ليس تَدُومُ حينًا
فأوقِنُ أنَّها ظلٌّ يَزُولُ
وشخصي في الهوى طَلَلُ، فأنَّى
يجاوِبُ عاذِلًا طَلَلٌ مُحِيلُ
فليتَ السقمَ دام فدُمتُ، لكنْ
متاعُ السقمِ من جَسَدِي قليلُ
كأنَّ القلبَ والسلوانَ ذهنٌ
يحومُ عليه معنًى مُستَحِيلُ

•••

أموسى، عاشقٌ يَظمَى، ويَضْحَى١٤٩
وأنت الماءُ والظِّلُّ الظَّليلُ!
أجبْ داعِيه، أو ناعيه، إمَّا
يموت غليلُ نفسٍ، أو عليلُ
أنا العبدُ الذَّليلُ، ولا فَخارٌ،
أتمنَعُنِي أقول: أنا الذَّليلُ؟!
إذا ناديتُ أنصاري لِما بي
تبرَّأَ منِّيَ الصبرُ الجميلُ!

بين الخوف والخَجَل

يا مُرْهِبي دونَ سلطانٍ يَصُولُ به
ومُخْجِلي دونَ ذنبٍ لا، ولا زَلَلِ!
إلَّا هوًى ردَّ حقِّي عندَ باطِلِه
حتى يرى الظلمُ لي منه يدًا قِبَلِي
إنْ جُدتَ لي فبحقٍّ، أو بخِلْتَ فما
أكونُ أولَ صبٍّ مات عن أَمَلِ
متى تَرَى منكَ نفْسِي ما تُؤَمِّلُه
وحاجتي فيك بين اليأس والأمل؟

بين الإدلال والسؤال

فديتك! جَنِّبْ مطمَعَ الحَيْن١٥٠ من فتًى
كليلِ سلاحِ الصبرِ، بادي المَقاتِلِ
جلستُ مِن الإدلالِ جِلْسةَ عاتِبٍ
فأعقَبَني للحالِ موقِفَ سائِلِ
وما كانَ إلَّا هفوةً زَيَّن الهوى
بها عنديَ الأمرَ الذي هو قاتِلِي
لِأعلم كيف استَهْلَك الهجرُ معشرًا
وكيف قضَى يأسِي بهذي البلابلِ!١٥١

الجمال الذابل

كان مُحيَّاك له بهجةٌ
حتى إذا جاءَك ماحِي الجمال
أصبحتَ كالشمعة لَمَّا جَنَى
منها الضياءُ اسودَّ فيها الذُّبال١٥٢

الممدوح المفرد

لك الثناءُ فإنْ يُذكَر سواك به
يومًا، فكالرابعِ المعهودِ في البَدَلِ١٥٣

روضة الجمال

أخذوا موثقَ العذار على الخد
اتِّهامًا منهم لعهدِ الجَمالِ
إنَّما خدُّه الحُسامُ، فظُلْمٌ
حمْلُه للنِّجاد١٥٤ في كلِّ حالِ
طالَمَا زانتِ اللَّيالِي بُدُورٌ
منه ما زانتِ البدور الليالي
كان في شمس خدِّه الوردُ ضاحٍ
فهو الآن قد أَوَى لظِلالِ
نطقَ الشعر حين لاحتْ، ولِمْ لا
تسجعُ الطيرُ في ربيع الجمالِ؟!
راق خَلْقًا وفاقَ خلقًا فقلنا
أنْجم الأفق أم نجومُ المعالِي؟

(١٥) حرف الميم

رسالة الرياح

أثارَ الليثُ ألْحاظًا نيامًا
ترى في قتلتي الثأرَ المُقِيما
أرى الخِيرِيَّ يَمْنَعني جَناهُ
فهل ألْقاهُ رِيحًا أو شَمِيما؟!
أَشِيمُ١٥٥ البرقَ يُومِض مِن نداه
وأشمم من نواحِيه النَّسيما
ولستُ بمشتكٍ منه مِطالًا
فمَن لي أن أكونَ له غَرِيما؟
وأحسبُ كلَّ ذي نظرٍ رقيبًا،
وأزعمُ كلَّ ذي نطقٍ خَصِيما
أبثُّ مع البليلِ إليه شَوْقي
فتَبْلُغُه وقد عادتْ سَمُوما
أَخاف الرِّيحَ إن ناجتْه عني
تُعِيدُ أقاحِ مبْسِمِه هَشِيما
ألا يا جنةً كانتْ عذابي،
وسَلْسَالًا سُقِيتُ به الحَمِيما
لنفسٍ قد حللْتُ عُرى عزاها
وعينٍ قد عبدتُ بها النجوما
لئن واصلْتَ يا موسى محبًّا
لقد أحييتَ يا عيسى رَمِيما١٥٦

الطبيعة والجمال والغرام

حُثَّ الكئوسَ ولا تُطِعْ مَن لاما
فالمُزْنُ قد سَقَتِ الرِّياضَ رِهاما
رقَّ الغمامُ لِما بها إِذْ أَمْحَلَتْ،
فغدا يُرِيق لها الدُّموعَ سِجاما
والبرقُ سيفٌ والسحابُ كتائبٌ
تُبْدي لوَقْع عذارِه إحْجاما
والدَّوْحُ ميَّادُ الغُصون كأنما
شربَ النباتُ من الغمام مُداما
والزهرُ يَرْنُو عن نَواظِر سدَّدَتْ
لحظاتُهن إلى الشُّجونِ سِهاما
تهن الكواكب غير أن لم تستطع
شمس النهار لضوئها إبهاما!
تثني على كرم الولي بنفحة
عن مسك ذاويٍّ تفضُّ خِتاما
يهدي الصَّبا للصَّبِّ منها مثل ما
يهدي المحبُّ إلى الحبيب سَلاما
فكأنَّها عَرَقُ الحبيب تضوُّعًا،
وكأنها نَفَس المحبِّ سَقاما!

زفرة

بُنِيتُ بناءَ الحَرْف خامر طبْعه
فصرتُ لتأثيرِ العواملِ جازِمَا

نفس عصام

سأُلْزِم نفسي عنك ذنبَ غرامي
فمَن بدَمِي إنْ حُمَّ فيك حِمامي؟!
ونفسي دعتْني للشقاءِ كما دَعَتْ
عصامًا إلى العَلْياءِ نفسُ عِصامِ١٥٧

ثمن قلب

ويأتي مِن الهِجْران زلةُ مُدْنفٍ
فأعمل في السلوان فكرة عازم
ذنوبُ مَلِيح الوَجْه غيرُ قبيحةٍ
ومِن عادة العُشَّاق شحْذُ العزائمِ
وسرَّحتُ في مَرْآك مُقْلةَ ناظري
لقد طالَ قَرْعي بعدَها سِنَّ نادِمِ
سَلُوا عن محبٍّ باع قلبًا بنظرة
أيمضي عليه البيعُ ضربةَ لازمِ؟
وكنتُ سديدَ الرأيِ صَعْبًا على الهوى
ففيك هفا حِلْمي ولانتْ شَكائِمِي

(١٦) حرف النون

نظيران في التحريم

ضمانٌ على عينيك أنِّيَ عَانِ
صرفتُ إلى أيدي العناءِ عنانِي
وقد كنتُ أرجو الوَصْلَ نَيْلَ غنيمةٍ
فحسبيَ منه اليوم نَيْلُ أمانِ
أطعتُ هوى طَرْفِي لحَتْفِي لوَ انَّنِي
غضَضْتُ جُفوني ما عضَضْتُ بَنانِي
ومَن لي بجسمٍ أشتكي منه بالضَّنى؟
وقلبٍ فأشكو منه بالخفَقانِ؟
وما عشتُ حتى الآنَ إلَّا لأنني
خَفِيتُ فلم يَدْرِ الحِمامُ مكاني!
ولو أنَّ عُمْري عُمْرَ نوحٍ وبعْتُه
بساعةِ وصلٍ منك قلتُ: كفاني!
وما ماءُ ذاك الثغرِ عنديَ غاليًا
بماءِ شبابي واقْتِبالِ زماني
إذا اليأسُ ناجَى النفسَ منكَ بلن ولا
أجابتْ ظنوني: ربَّما وعسانِي

•••

خليليَّ عندي في السُّلُوِّ بلادةٌ
فإنْ شِئْتُما علْمَ الهوى فسَلَانِي
خُذا عددًا مَن مات مِن أوَّل الهوى
فإنْ كان فَرْدًا فاحْسِبانِيَ ثاني
فلو قال شخصٌ: أينَ أعْشَقُ عاشِقٍ؟
لسلَّمتُه دونَ الأنام عناني

•••

مَرَاضِعُ موسى١٥٨ أوْ وِصالُ سَمِيِّهِ١٥٩
نَظِيرانِ في التحريم يَشْتَبِهانِ
أقول وقد طال السُّهادُ بذكره
وقد حامَ نَسْرُ الشُّهْب للطيران
وقد خفقَ البَرْقُ الطُّروبُ كأنه
حسامُ شجاعِ، أو فؤادُ جبانِ
يشقُّ حِدادَ الليل منه براحة
مخضبةٍ أو دِرْعَه بسِنانِ
أشار تجاهي بالسلام فلو دعا
سنا البرقِ قَبْلِي عاشقًا لدعاني
تراءى لعيني خُلَّبًا وانتجَعْتُه
فأمْطَرَني من أدْمُعي وسقاني
فبتُّ لأشواقي قتيلًا، وإنما
نَجِيعيَ دمعي، وهْو أحمرُ قانِ
كأنَّ النجومَ الشُّهبَ حولي مَآتِمٌ
غُرابُ الدُّجى مِن بينِهن نعاني
خرَرْتُ لذكراه على الترْب ساجدًا
فإنْ لاح مِن قُرْبٍ فكيف يَرَانِي؟!

ساعة وصال

أشمسٌ في غِلالةِ١٦٠ أرجوانِ
وبدرٌ طالِعٌ أم غُصْنُ بانِ؟
وثغرٌ ما أرى أمْ نَظْمُ دُرٍّ
ولحظٌ ما حَوَى أمْ صارِمانِ؟١٦١
وخدٌّ فيه تفاحٌ ووَرْدٌ
عليه من العَقاربِ حارسانِ
ويَعذِلُني العواذِلُ فيه جهلًا
عزيز ما يقول العاذِلانِ
فقالوا: عبدُ موسى قلتُ: حقًّا
فقالوا: كيف ذا؟ قلتُ: اشتَرانِي
فقالوا: هل عليكَ بذا ظَهِيرٌ؟١٦٢
فقلت: نعم، عليَّ وشاهدانِ
فقالوا: هل رضيتَ تكونُ عبدًا
لقد عرَّضتَ نفسَك للهَوانِ
فقلت: نعم، أنا عبد ذليل
لِمَن أهوى فخَلُّوني وشاني
بنفسي مَن يُفَدِّيني بنفسٍ
جُعْلتُ فِداه لَمَّا أنْ فَدَاني
سألتُك حاجةً إنْ تقْضِها لي
فقال: نعم قضيتُ وحاجتان …
فقلتُ: أشمُّ من خدَّيْك وردًا
فقال: وما تضمُّ الوَجْنَتانِ
فقلتُ: أخافُ صدغَك أن يَرَاني
وما أنا مِن لِحاظِك في أمانِ
فقال: أعاشقٌ ويَخاف رميًا؟
جبنتَ وما عهدتُك بالجبانِ
كذاك الصَّبُّ يَعذِر كلَّ صَبٍّ
تَحَكَّمْ ما تشاءُ وفي ضماني
فكان تَحَكُّمًا لا وِزْرَ فيه
أيكتُبُه عليَّ الكاتبان؟
أدِيرا الرَّاحَ، وَيْحَكما، سُلافًا
فإنْ دارتْ عليَّ فعاطِياني

الساقي الجميل

رُعْ١٦٣ بجيشِ اللَّذَّاتِ سِرْبَ١٦٤ الشُّجونِ
وخذِ الكأسَ رايةً باليَمِينِ
لا تُجيبنَّ بالرِّضا أهلَ لومٍ
صاحِ واقْلِبْ لهم مِجَنَّ الْمُجُونِ
طلعتْ أنجمُ الكئوسِ سُعُودًا
منذُ قابَلْنَ أنجمَ اليَاسَمِينِ
وظِلالُ القُضْبِ اللِّطافِ على النَّرْ
جسِ تَحْكِي مَرَاوِدًا في عُيونِ
آنِسانِي، وكَفْكِفا دامعَ عيني
بسُلافٍ كدمعةِ المَحْزُونِ
ألَّفا جوهرَ الأزاهر، والقطـ
ـر إلى جوهرِ الحُبابِ المَصُونِ
وانْظِماها في ليلةِ الأُنْسِ عِقْدًا
مُلك كسرى لدَيْه غيرُ يَمِينِ
كيف أمَّنتما على الشَّرْبِ شَخْصًا
لحظُه في القلوبِ غَيرُ أَمِينِ؟
قام يسقي فصَبَّ في الكأس نزرًا١٦٥
ثِقةً منه بالذي في الجُفُونِ
وأتى نطقُه بلحنٍ فأَغْنَى
عن سماعِ الغناءِ والتَّلْحِينِ
إنَّ نارَ الحياءِ في خدِّ موسى
جنةٌ تُثْمِرُ المُنَى كلَّ حِينِ
قسمًا لا أحبُّه، وأنا أُقْـ
ـسِمُ أنِّي حنثْتُ في ذِي اليَمينِ
لو رقاني برِيقِه لشَفى مَكْـ
ـنونَ قلبي بلؤلؤٍ مَكْنُونِ
بدرُ تمٍّ له تمائمُ كانت
وهي بدءُ الجنونِ أصلَ الجُنونِ
أنا في ظلمةِ العجاج١٦٦ شجاع
وجبانٌ في نُورِ ذاك الجَبِينِ
كتبَ الشَّعرُ فيه سِينًا فعوَّذْ
تُ بيس حُسْنَ هذِي السِّينِ
أتَّقِي أعْيُنَ الظِّباءِ، ولكنَّ
قلوبَ الآسادِ قد تتَّقِينِي
فكأني النَّوارُ يَجْنِيهِ ظَبْيٌ
حيث لا يَجْتَنِيهِ ليثُ العَرينِ
كم نهاني عن حبِّ موسى أناس
عَذَلُوني، فإنْ بدا غَدَرُوني
أكْبَروه فلم تُقَطَّعْ أكفٌّ
بِمُدًى، بل قلوبُهُم بجُفُونِ
ليتَنِي نلتُ منه وَصْلًا وأجْلَتْ
ليلةُ الوصلِ عن صباحِ الْمَنُونِ
وقرأنا بابَ المُضافِ عِناقًا
وحذَفْنا الرَّقيبَ كالتَّنْوِينِ

زكاة الجمال

بأبي جفونُ مُعذِّبي وجُفوني
فهي التي جلَبَتْ إليَّ مَنُوني
ما كنتُ أحسب أنَّ جفْنِيَ قبْلَها
يقتادني مِن نظرةٍ لفُتونِ
يا قاتلَ اللهُ العيونَ لأنَّها
حكمتْ علينا بالهوى والهُونِ
ولقد كتمتُ الحبَّ بين جوانحي
حتى تكلَّم في دموع شئوني
هيهاتَ لا تَخْفَى علاماتُ الهوى
كاد المريبُ بأن يقول: خُذُوني
وبمهجتي أَلْحاظُ ظبيةِ وَجْرةٍ
حُرَّاس مَسْكَنِها أُسودُ عَرينِ
سدوا عليَّ الطرق خوف طريقهم
فالطَّيْفُ لا يَسْري على تأمين
أوَمَا كفاهُم مَنْعُهم حتى رَمَوْا
منها مبرَّأةً برجْمِ ظُنونِ؟
وتوهَّموا أنْ قد تعاطَتْ قهوةً١٦٧
لَمَّا رأَوْها تَنْثَنِي مِن لِينِ
واستفْهَموها: مَن سقَاكِ؟ وما دَرَوْا
ما استُودِعَتْ من مبسمٍ وجُفونِ!
ومن العجائب أنهم قد عرَّضوا
بيَ للفُتون، وبعدَه عَذَلُوني
خدعوا فؤادي بالوصال، وعندما
شبُّوا الهوى في أضْلُعي هَجَروني
لو لم يُريدوا قتْلتِي لم يُطْمِعوا
في القُرْبِ قلبَ مُتَيَّمٍ مَفْتُونِ
لم يَرْحَموني حين حانَ فِراقُهم
ما ضرَّهم لو أنَّهم رَحِموني؟
ومن العجائب أنْ تعجَّبَ عاذِلي
من أن يطولَ تشوُّقي وحَنِيني!
يا عاذلي! ذَرْني١٦٨ وقلْبيَ والهوى
أأعرْتَنِي قلبًا لحملِ شُجوني؟!

•••

يا ظبيةً تلوى١٦٩ دُيوني في الهوى
كيف السبيلُ إلى اقتضاءِ دُيوني
بيني وبينكِ حين تأخُذُ ثأْرَها
مَرْضَى قلوبٍ من مِراضِ جُفونِ
ما كان ضرَّكِ يا شقيقةَ مُهْجَتي
أنْ لو بعَثْتِ تحيةَ تُحْيِيني!
زَكِّي جمالًا أنتِ فيه غَنيةٌ
وتصدَّقي منه على الْمِسْكِينِ
مُنِّي عليَّ ولو بطَيْفٍ طارِقٍ
ما قَلَّ يكثُرُ من نَوَالِ ضَنينِ
ما كنتُ أحسبُ قبلَ حبِّك أنْ أرى
في غير دارِ الخلد حورَ العِينِ
قسمًا بحسنِكِ ما بصرتُ بمثله
في العالمين شهادةً بيَمينِ

الْتِماس

يمينًا بدِيني، إنَّه الحبُّ فيك، أوْ
بقِبْلةِ نُسْكي، إنَّه وَجهُك الحَسَنْ!
لحبِّكَ مِن قلبي وإنْ سلَّطَ الضَّنى
على جَسَدِي أشْفَى مِن الرُّوح للبَدَنْ
ويا وطنَ السلوان، والعيش غربة
ألَا عوذة بالله مِن ذلك الوَطَنْ؟
لقد طال حربُ النوم فيك لناظري
ألَا هدنة منه، ودَعْها على دَخَنْ؟١٧٠
يظنُّ هو موسى بأني قَتِيلُه!
سأجعل نفسي فيه — واللهِ — حيث ظنْ

فلسفة الصبر

لا تَرْكَنَنَّ مع الذُّنوبِ لعِزَّةٍ
إنَّ المُرِيبَ١٧١ بذُعْرِه متكفِّنُ
الصبرُ عمَّا أشْتَهِيهِ أخفُّ مِن
صبري لِمَا لا أَشْتَهِيهِ وأهْوَنُ١٧٢

العار المزدوج

لي صاحبٌ تَرَكَ النِّساءَ تَظَرُّفًا
منه، ومالَ إلى هَوَى الغِلْمانِ
فعذَلْتُه يومًا وقدْ أَبْصَرْتُهُ
يُعنَى بقَوْدِ فلانةٍ لفُلانِ
فأجابَني: إنَّ اللِّواطَ إذا عَتَا
قد يَنْثَنِي قَوْدًا على النِّسْوانِ

وصف لازورد

ولازَوَرْدٍ باهرٍ نُورُهُ
مُستَظْرَفِ الأوصافِ مُستَحْسَنِ
كأنَّه من حُسْنِ مَرْآهُ قد
ذابتْ عليه زُرقةُ الأعُيْنِ

(١٧) حرف الهاء

دمعة عاشق

صَبٌّ تحكَّم كيفَ شاءَ حَبِيبُهُ
فغدا وأمثالُ الذَّليلِ نَصِيبُهُ
بادي الهوى مَهْجورَه، وحريصَه
ممنوعَهُ، وبريئَهُ مَعْتُوبَهُ
كَذِبُ المُنَى وقفٌ على صِدْقِ الهوى
وبحيث يَصْفُو العيشَ ثَمَّ خُطُوبُهُ١٧٣
يا نجم حُسْن في جُفوني نَوْءُه
وبأضلُعِي خَفَقانُهُ ولَهِيبُهُ
أوَما تَرِقُّ على رهينِ بلابِلٍ١٧٤
رقَّتْ عليك دُموعُه، ونَسِيبُهُ؟!
ولكم يَمِيل إلى كلامِك سمعُهُ
ولوَ انَّه عتب تشبُّ حُرُوبُهُ
ويودُّ لو أنْ ذاب مِن فَرْطِ الضَّنَى
ليَعُودَه في العائدين مُذِيبُهُ
مهما رَنَا ليَرَاكَ حجَّبَ عينَه
دمعٌ تحيَّر وسْطَها مَسْكُوبُهُ
وإذا تناوَمَ للخيال يَصِيدُه
ساق السُّهادَ أَنِينُهُ ونَحِيبُهُ
فالدمعُ فيك مع النهار خَصِيمُهُ
والسُّهْدُ فيك مع الكلامِ رَقِيبُهُ
فمتى يَفُوزُ ومن عداه بعضه
ومتى يُفِيق ومن ضناه طَبِيبُهُ؟!
إنْ طاف شيطان السُّلُوِّ بخاطري
فشهابُ شوقي في المكانِ يُصِيبُهُ
مَن لي به حلوَ الذي عُطْلٌ له١٧٥
ومحاسنُ القمرِ الْمُنِير عُيوبُهُ؟!
منهوبُ ما تحتَ النِّقابِ١٧٦ عفيفُهُ
نهَّابُ ما بين الجُفونِ١٧٧ مُريبُهُ
قاسى الذي بين الجوانح١٧٨ فظُّهُ
لدنُ الذي بين البُرودِ١٧٩ رَطِيبُهُ
وجهٌ أرقُّ من النسيم يُعِيرني
مر النَّسيم بوجهه وهبوبُهُ
خدٌّ يفضُّ عُرَى التُّقَى تَفْضيضُه
عنِّي، ويذهب عِفَّتي تَذْهِيبُهُ
يُذْكي الحياءُ بوجنتَيْه جمرةً
فيكادُ نَدُّ الخدِّ يَعْبِقُ طِيبُهُ
غُفْرتْ جرائمُ لَحْظِه لسقامِهِ
فسطا، ولم تُكتَبْ عليه ذُنوبُهُ
ما ضرَّ موسى لو يشقُّ مدامعي
بحرًا فيَغرَق عاذِلي ورَقِيبُهُ

يأس مهجور

لامُوا، فلمَّا لاحَ مَوْضِعُ صَبْوَتِي
قالوا لقدْ جئتَ الهوَى مِن بابِهِ
شَرِقَتْ١٨٠ بدَمْعي وَجْنَتِي شَوْقًا إلى
ذي وَجْنةٍ شَرِقَتْ بماءِ شبابِهِ
حلوُ الكلام كأنما ألفاظُه
يَشْرَبْنَ عند النُّطْقِ شهْدَ رُضابِهِ
بالله يا موسى، وقد لذَّ الرَّدَى،
أَجْهِزْ١٨١ ولا تبقِ الجريحَ لِمَا بِهِ
هاروتُ أَوْدَع في لِحاظِكَ سِحْرَه
فأصابَ قلبي منك مثلُ عذَابِهِ
صحَّحْتَ يأسي مِن وصالِك مثل ما
قد صحَّ يأسُ الحرفِ مِن إعرابِهِ١٨٢

العقوق المشكور

سأشكرُ منك العقوقَ الذي
نَهَى شغَفِي بك شكر النَّصيحةْ
وبشَّرَ صدْرِي بقلْبِي المضارع
وهنَّأَ بالنَّومِ عَيْنًا قَرِيحةْ
ولو كان بِرُّكَ بي مُسْعِدًا
لحسَّنَ عندِيَ فيكَ الفَضيحةْ
فإنْ لم تَحِدْ عن سُلُوِّي صبرتُ
بِرَغْمي، فرُبَّتْ وفاةٍ مُرِيحةْ

صفات معشوق

يمثل لي نهج الصِّراط بوَعْدِه
رشا جنةِ الفردوس في طيِّ بُرْدِهِ
تغصُّ برُؤْياه النجومُ وربما
تموتُ غصونُ الرَّوْض غمًّا بقَدِّهِ
علقتُ ببَدْرِ السَّعْدِ لو نلتُ ذا الذي
تؤمِّلُ منه مهجتي بعضَ سَعْدِهِ
حكى لحظُه في السقم جسْمِيَ، واغتدى
لنا ثالثًا في ذاك ميثاقُ عهْدِهِ
وأركبَنِي طرفَ الهوى غُنجُ طَرْفِه
وأشرَقَنِي بالعذْبِ إشراقُ خدِّهِ
وأغرى فؤادي بالأَسَى رَوْضُ آسِه
وأَوْردني ماءَ الرَّدَى غضُّ وَرْدِه
يُعارضُ قلبي بالخُفوقِ وِشاحُه
ويَحْكِي امتدادًا زفرتي ليلُ صدِّهِ
وما المسك خالٍ من هوى خالِهِ وإنْ
غدا النَّدُّ منه مُسْتَهامًا بنَدِّهِ
وما وَجْدُ أعرابيةٍ بانَ أهلُها
فحنَّتْ إلى بانِ الحجازِ ورنْدِهِ١٨٣
إذا آنَسَتْ ركبًا تكفَّل شوقُها
بنارِ قِراهُ،١٨٤ والدموع بورْدِهِ
وإنْ أُوقِد المصباحُ ظنَّتْه بارقًا
يُضِيءُ، فهشَّتْ للسَّلامِ ورَدِّهِ
بأعظمَ مِن وَجْدِي بموسى، وإنما
يرى أنني أذنبتُ ذنبًا بوُدِّهِ
أنا السائلُ المسكينُ قد جاء يبتغي
جوابًا، ولو كان الجوابُ برَدِّهِ!
محبٌّ يرى في الموت أمنيةً عسى
تخفُّ على موسى زيارةُ لَحْدِهِ!

الربيع

جاء الربيعُ ببِيضِهِ، وبسُودِهِ
صنفانِ مِن سِيدانِهِ وعَبِيدِهِ
جيشٌ ذوابِلُه الغُصونُ، وفوقَها
أوراقُها منشورةٌ كبُنُودِهِ١٨٥

نبي الجمال

نظرٌ جَرَى قلبي على آثارِهِ
خلع العذارَ فلا لعًا١٨٦ لعِثارِهِ
يا وجْدُ، شأنَك والفؤادَ وخلِّني
ما المرءُ مأخوذًا بزَلَّةِ جَارِهِ
دنفٌ يَغِيب عن الطبيب مكانه
لولا ذُبالٌ شبَّ من أفكارِهِ
للدمعِ خطٌّ فوقَ صُفْرةِ خدِّهِ
فتَراهُ مثلَ النقْشِ في دِينارِهِ
هيهاتَ! عاقَ عن السُّلُوِّ فؤادَه
سببٌ يَعُوقُ الطيرَ عن أوْكارِهِ
قالوا سيسليك العذارُ سفاهةً
وحصادُ عمري في نبات عذاره!١٨٧
إنْ لم أمُتْ قبل العذارِ فعندما
يبدو يسلم عاشقٌ بغرارِهِ
مثل الفريق نَجَا ووَافَى ساحلًا
فإذا الأُسودُ روابضٌ بجِوارِهِ
إنَّ العذارَ صحيفةٌ تَتْلُو لنا
ما كان صانَ الحُسْن مِن أسرارِهِ
مَن لي به؟ يَرْضَى ويَغضَب مثلما
أَنِسَ الرَّشا ثم انْثَنَى لنِفارِهِ
كسلان يَعثُر في الحديثِ لسانُهُ
عثراتِ ساقٍ في كئوس عَقارِهِ
والخالُ يَعبِقُ في صحيفة خدِّهِ
مسكًا خلعتُ النُّسْكَ مِن أعطارِهِ
موسى تنبَّأَ بالجمال، وإنما
هاروتُ. لا! هاروتُ مِن أنصارِهِ
إن قلتُ فيه: هو الكليمُ فخدُّه
يُهْدِيك معجزةَ الخليل بنارِهِ
رَوْضٌ حُرْمتُ ثِمارَه وقصائدي
من ورْقِه، والآسُ نبْتُ عذارِهِ
يا مشرفيًّا! غرَّني بفِرِنْدِه
ونسيتُ ما في حَدِّه وغِرارِهِ
أَنْسَتْ بنارِ الشوقِ فيك جوانحي
والزندُ لا يشكو بحَرِّ شرارِهِ
أتلَفْتَ قلبي فاسترحتُ مِن الْمُنَى
كم من رضًى في طَيِّ كُرْهِ الكارِهِ

سواد الخال

مَن لي بأنْ يَدْنو بعيدُ مَزارِهِ
ظبيٌ طلوعُ الفجر مِن أزْرارِهِ
كالغُصْنِ في حَرَكاتِهِ وقَوامِهِ
كالظَّبْيِ في لَحَظاتِهِ، ونِفارِهِ
في الرَّوْض منه محاسنٌ، ومَشابِهٌ
في آسِه، وبهارِه، وعَرارِهِ١٨٨
فعرارُه من لَحْظِه، وبهارُه
من خدِّهِ، والآسُ نبتُ عذارِهِ
وعلِقْتُه وَسْنانَ يلعب بالنُّهى
كتلاعُب الساقي بكأسِ عَقارِهِ
يا حُسْنَه! لو كان يَرْحَمُ صَبَّه
وجمالَه! لو كان مِن زُوَّارِهِ
أَلِفَ التجنِّي، والبعادَ شريعة
فالنجمُ أقربُ من دنوِّ مَزارِهِ
أَوْمَى إليَّ بلحظِهِ فتناثَرَتْ
خِيلانُه١٨٩ في الخدِّ من أشفارِهِ
لَمَّا أراقَ دمَ المشوقِ تعمُّدًا
اسودَّ نقطُ الخال من أَوْزارِهِ
فالخدُّ يغرَقُ في مَعِينِ دموعِه
والقلب يَصْلَى في جحيم أُوارِهِ
عجبًا لضِدٍّ كيف يأْلَفُ ضِدَّه
هذا بأدْمُعِه وذاك بنارِهِ!

رُواة الجَمال

ومُعطَّلٍ والحُسْنُ يَعشَقُ جِيدَه
فيَبِينُ بالوسواسِ عن وسواسِهِ
إنْ جاءَني فيه العزولُ بشُبهةٍ
صدَعَ الغرامُ بنَصِّه وقياسِهِ
عاطَيْتُه شمسًا لها في هذه
شفقٌ أعارَ الوردَ حُسْنَ لباسِهِ
يثني الكئوسَ نَوافِحًا بروائحٍ
يَشْرَبْنَ مِن أنفاسِه في كاسِهِ
فالمسكُ يَرْوِي الطِّيبَ عن مِسْكِ الصِّبا
عن أكؤسِ الجريال١٩٠ عن أنفاسِهِ

ثمن الدموع

دنفٌ قضَى عزَّ الجمال بهونِهِ
فقضى أسًى قبلَ اقتِضاءِ دُيونِهِ
وأغرُّ تتْلُو الفجرَ غُرَّتُه كما
تتْلُو لقلبي «فاطِرًا» بجُفُونِهِ
هو للغرابة في الجمال عرابة١٩١
أخذَ المحاسنَ رايةً بيَمِينِهِ
حلَّيْتُ شِعري من بَدِيع صفاتِهِ
بطلاوةٍ تُغْنِيه عن تَلْحِينِهِ
في خدِّ موسى نقطُ خالٍ رائقٍ
نُور العذار محلَّأٌ من نُورِهِ
فترى صحيفةَ كاتبٍ مُتَماجِنٍ
قد خطَّ قبل النون نقطةَ نُونِه
يجري بفِيهِ كوثَرٌ في جَوْهرٍ
أرخصتُ جوهرَ أدمُعي ليَمِينِهِ
آهًا للؤلؤِ ثغْرِه هلْ يَشْتَفِي
مكنونُ ذاك الشوقِ من مكنونِهِ؟
إنْ رمتَ منه الوصلَ فعلًا حاضرًا
أَوْمَتْ للاستِئْنافِ سينُ جَبِينِهِ

دموع الأسى

هي دُرَّة مراثِيه، لا، بل هي وحيدةُ مراثِيهِ، قالها في «أبي بكر بن غالب» القائد الخطير، والوزير الكبير:

يَجِدُّ الرَّدَى فينَا ونحن نُهازِلُه
ونغفو، وما تغفو فُواقًا نَوَازِلُه١٩٢
بقاءُ الفتى سؤْلٌ يعِزُّ طِلابُهُ
وريبُ الرَّدَى قِرنٌ يَزِلُّ مُصاوِلُه١٩٣
وأنفَسُ حظَّيْك الذي لا تناله
وأنكى عدُوَّيْك الذي لا تُقاتِلُه
ألَا إنَّ صَرْفَ الدَّهرِ بحرُ نوائبٍ
وكلُّ الوَرَى غَرْقاه، والقبرُ ساحِلُه
تَرِثُّ١٩٤ لِمَن رامَ الوفاءَ حِبالُهُ
وتَعْرَى لِمَن رامَ الخلاصَ حبائِلُه
وأكثرُ مِن حُزنِ الجَزُوع خُطُوبُهُ
وأكبرُ من حَزْمِ اللَّبيبِ غوائِلُه
فما عصمتْ نفس المقدس روعه
ولا قصرتْ بالمستكين علائلُه
وهل نافعٌ في الموت أنَّ اختيارنا
يُنافِرُه، والطبعُ ممَّا يُشاكِلُه
وكيف نجاةُ المرءِ أو فلتاته
على أسهم قد ناسبَتْها مقاتِلُه
وأمَّا وقد نالَ الزمانُ ابنَ غالب
فقد نال مِن هضْمِ العُلا ما يُحاوِلُه
أليس المساعي فارقَتْه فأظلَمَتْ
كما فارقتْ ضوءَ النهار أصائِلُه
لقد لُفَّ في أكفانِه الفضلُ كلُّه
وساقَ العُلى جَهْرًا إلى التُّرْب حامِلُه
فإنْ ضمَّه من مستوِي الأرضِ ضيِّقٌ
فكمْ وَسِعَ الأرضَ العريضةَ نائِلُه!
وكم ساجَلَتْ فيها البحارَ يَمِينُه
وكم جانَسَتْ فيها الرياضُ شمائِلُه
لئن سوَّدَ الآفاقَ يومُ حِمامِه
لقد بيَّضتْ صُحْفَ الحسابِ فضائِلُه
وإنْ سدَّ بابَ الصبرِ حادثُ فقْدِه
لقد فتحتْ بابَ الجنانِ وسائِلُه
وإنْ ضيعتْ ماءَ العيون وفاتُهُ
لقد حفِظَتْ ماءَ الوُجوهِ نوائِلُه
وكم أحْيَتِ الليلَ الطويلَ صلاتُهُ
وكم قتلتْ مَحْلَ السنين فواضِلُه
تُخَلَّفُ في مُرِّ الْمُصابِ قلوبُنا
وزُفَّتْ إلى بَرْدِ النَّعيم رواحِلُه
عزاءً أبا بكر! فلو جامَلَ الرَّدَى
كريمَ أناسٍ كنتَ ممَّن يُجامِلُه
وما ذهبَ الفرعُ الذي أنت أصْلُه
ولا انقطعَ السعيُ الذي أنت وَاصِلُه
أبوك بَنَى العَلْيا، وأنت سددْتَها
بمجدٍ يُقوِّي ما بَنَى ويُشاكِلُه
كما تمَّ حسنُ البدرِ، وهو مُكمَّلٌ
وأيَّدَه دُرِّيُّ سعدٍ يُقابِلُه
وإن أصبح المجدُ التَّليدُ لفَقْدِه
يتيمًا فلا يحزن فإنَّك كافِلُه
إذا ثبتتْ أخرى النَّدى في محمد
فلم تتزحزح بالحِمامِ أوائِلُه
حليفُ جِلادٍ ليس تُكْسَى سُيوفُهُ
وثوبِ طرادٍ ليس تَعْرَى صواهِلُه
فما جمرةٌ إلَّا دماءُ عِداتِه!
ولا طربٌ حتى تُغنِّي مناصِلُه
تضمُّ على ليثِ الكِفاحِ حُرُوبُهُ
وتُسْفِر عن بدرِ التمامِ مَحَافِلُه
سَمَا بُعلًا لا يَسْتَرِيح حَسُودُها
وساد بجودٍ ليس يَتْعَبُ آمِلُه
تودُّ الغوادِي أنهن بَنانُه
وتَهْوَى الدَّراري أنهن شمائِلُه
تساوَى مَضاءً رأْيُه وحُسامُه
ولانَ مَهَزًّا مِعْطفاهُ وذَابِلُه
ربوعُ المساعِي عامِراتٌ بسَعْيِه
ويُقْفِرُ منه غِمْدُه وحمائِلُه
وأفَلَّ حبُّ الهامِ شفرةُ عَضْبِه١٩٥
وإنْ لم تَزَلْ في كلِّ يومٍ تُواصِلُه
توقَّدَ ذِهْنًا حين سالَ سماحةً
كما شبَّ بَرْقًا حين فاضَتْ هواطِلُه
تَلَوْذَعَ١٩٦ حتى يَحسبَ الأفقَ مَنْشَأً
له، والنجومُ النَّيِّراتِ قبائِلُه
تحيَّرتُ فيه، والمعاني غرائب،
أأفكارُه أمْضَى شَبًا١٩٧ أمْ عوامِلُه؟
إذا كان خطبٌ، أو خِطابٌ فأين مَن
يُجالِدُه في مَشْهَدٍ ويُجادِلُه؟!
ترى فيه فيضَ النيلِ، والبدرِ كاملًا
إذا لاحَ مَرْآهُ، وجادَتْ أنامِلُه١٩٨
كريمٌ، إذا ما عُمِّر الوعدُ ساعةً
أُتِيح له منه ابتسامٌ يُعاجِلُه
لئنْ سبَقَتْهُ بالزمانِ مَعاشِرٌ
فكم سبَقَتْ فرضَ المصلِّي نوافِلُه
وإنْ شاركتْه في العُلَى هضبةٌ فقد
تبايَنَ زجُّ الرمح قدًّا وعامِلُه١٩٩
حجرتَ أبا بكر على الدهرِ جانبي
ووطنْتَني إذْ أزعجَتْني زلازِلُه
فلا شاردٌ إلَّا نداك عِقالُه
ولا خائفٌ إلَّا عُلاك معاقِلُه
وكنتَ العِياذَ الأمنَ كالْمُزْنِ آيةً
تُظِلُّ، وتَرْوِي العاطشين هواطِلُه
وإنْ كنتَ سيفًا للمُرِيبين مُرْهَفًا
فبُوركتَ مِن سيفٍ وبُورك حامِلُه
أراكَ بعينَيْ مَن أقَلْتَ عِثارَه
بسَعْيِك والهادي إلى الخير فاعِلُه

شكاية عاشق

ظلمًا خصمتَ شهيدَ الحبِّ عن دَمِه
وذاك خدُّك مصبوغًا بعَنْدَمِه
يصبوا لألحاظِ موسى القلبُ، وا عجبًا!
رامٍ غزَا مُقْلَتَيْ صَبٍّ بأسْهُمِهِ
نَصِيبُ عاشِقِه مِن حبِّه نَصَبٌ
وحظُّ مُغْرَمِه إرجاءُ مُغرِمِهِ
علَّمتُهُ الفتْكَ في قلبي بناظره
لو يَقْبَلُ الوصلَ رأْيًا مِن مُعلِّمِهِ؟!

معجزات الجمال

رُوحِي فدا موسى، وإنْ لم تُبْقِ لي
ألحاظُهُ نَفْسًا بها أفْدِيهِ
تَهْدِي إلى دِين الصِّباءِ٢٠٠ لحُسْنه
آيٌ يضِلُّ بهنَّ مَن يَهْدِيهِ
فعلَتْ فِعالَ عصَا الكَلِيمِ٢٠١ لِحاظُهُ
بمُصدِّقٍ دعواهُ لا يَعْصِيهِ
تسعى لقلبِ الصَّبِّ منها حيةٌ
أَوْدَتْ به لَسْعًا، فمَن يَرْقِيهِ؟!
فأرى قلوبَ العاشِقين تحيَّرتْ
مِن تِيهِه في مثلِ قَفْرِ التِّيهِ
جدَّ الغليلُ، ولوْ أرادَ تفجَّرتْ
مثلَ العُيونِ لنا مَرَاشِفُ فِيهِ
شقَّتْ ظُبَا ألحاظِهِ بحرَ الهوى
شقَّ العَصا للصَّبِّ كَيْ تُرْدِيهِ
حتى إذا أمعنْتُ فيه مُغَرَّرًا
أغرقْتَنِي مع جُندِ صَبْرِي فِيهِ
ودعوتُه إنِّي بحُسْنِك مؤمنٌ
لو أنَّ إيمانَ الشَّجِي يُنْجِيهِ!

تهنئةٌ بشفاءٍ من مرض

فَوِّقْ سِهامَكَ! إنَّ الله يَرْمِيها،
واسْلُلْ سُيوفَك والأقدارُ تُمْضِيها
ثمارُ نجحٍ، سحابُ الرَّأْيِ يُمْطِرُها
وأنت تَغْرِسُها، والدِّينُ يُبْنِيها
إذا الكتائبُ نالتْ في العِدا وَطَرًا
فأنت نائلُه إذْ كنتَ تَهْدِيها
إذا أصابتْ لدى المَرْمَى النبالُ، فما
تُعْزَى إصابتُها إلَّا لرَامِيها
بُرْءُ الوزير أتى، والفتحُ يعقبُهُ،
كالشمسِ جاءتْ، وجاءَ الصُّبحُ يَتْلُوها
إذا اشتكيتَ رأيتَ الجودَ مُشْتَكِيًا
والناسَ، والدِّينَ، والدُّنيا وما فِيها
أما رأيتَ الصَّبا معتلةً، وكسَى
شمسَ الأصيلِ اصفِرارًا مِن تشَكِّيها
وكيف تُمْرِضُك الدنيا، ولا فعلَتْ،
يا سيدًا تمرضُ الدنيا فتَشْفِيها
لو حاربتْك النجومُ النَّيِّراتُ إذَنْ
خرَّتْ لسَعْدِك مِن أعْلَى مَراقِيها
(انتهى)
١  وا حربا: أي وا حزنا!
٢  الثغر: هو ما تقدَّم من الأسنان.
٣  الشَّنَب: حِدَّة الأسنانِ ودِقَّتُها.
٤  بعدتَ.
٥  اختبرتُ.
٦  أعرفُ مِقْدارَه.
٧  النبع: الماء القليل، والغَرب: الدَّلْو الكبير، والمقصود هنا لم أجِدْه قليلًا أو كثيرًا.
٨  الجمان: كُرات تُصْنَع من الفضة.
٩  تركتُ.
١٠  رجلٌ من العرب يَضرِبون به المَثَل في الشجاعة.
١١  حمرةُ الشِّفاه.
١٢  البُعْد.
١٣  مُقِيمًا.
١٤  أتلُو رقيةً؛ أي تعويذةً أُسَكِّنها بها.
١٥  ابعدِي.
١٦  تبعد.
١٧  يلوح للسائر في الفلاة في وسَط النهار كأنَّه ماء، وليس بماء.
١٨  الذهب الخالص.
١٩  الشحوب: صفرة الهزال.
٢٠  نُور.
٢١  انطفأ.
٢٢  جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض.
٢٣  جمع أجمة، وهي الغابة.
٢٤  جمع مَهْد، وهو فراش الطفل.
٢٥  اللائِم.
٢٦  خمرٌ.
٢٧  ظبيٌ.
٢٨  جمع فلاة، وهي المفازة.
٢٩  ماء عذب رائق.
٣٠  اللَّمَى: سُمْرة الشَّفة تُستَحْسَن، والحَوَر: شدة بياض العين مع شدة سوادها.
٣١  شدة الحياء.
٣٢  الساكن.
٣٣  نُعاس.
٣٤  أسْهَرَ.
٣٥  اتَّقَد.
٣٦  عنق.
٣٧  الكعاب الجارية التي بدا ثَدْيُها للنهود.
٣٨  النعومة.
٣٩  جئتَ بشيء غريب.
٤٠  متفرِّقات.
٤١  الغزال الذي قَوِي، وطلَع قرناه، واستَغْنى عن أمه.
٤٢  سواد العين بغير كحل.
٤٣  الضلال معناه الحب، والرومات لم أقف لها على معنى، وقد جاءتْ هكذا في عدة مصادر.
٤٤  طريق.
٤٥  ورَّى: أخرج النار، والزند، العود الذي يُقدَح ليخرج النار: والقادح الضارب.
٤٦  الأيكة واحدة الأَيْك، وهو الشجر الكثيف الملتفُّ، والساجع الحمامة التي تُغنِّي فوقَها.
٤٧  الوشاح: نسيج عريض مُرصَّع بالجواهر تشدُّه المرأة بين عاتِقِها وكَشْحِها، والأعطاف جمع عِطْف، وهو الجانب من لدن الرأس إلى الوَرِك.
٤٨  لائمي.
٤٩  مريض بعينيه.
٥٠  حزين مكتوم الحزن.
٥١  النظر الشزر: هو الذي يكون بمؤخر العين، والأَحْور مَن اشتدَّ سوادُ عينَيْه مع اشتداد بياضها، والأَغْيَد الناعِس الطَّرْف المائل العنق.
٥٢  من قَبِيل المؤانسة.
٥٣  كلاهما شاعر معروف بسموِّ الخيال ورِقَّة الشعر.
٥٤  جاء موعده.
٥٥  المورَّس: ذو اللون الأصفر، ويعني به خدَّه الذي اصفرَّ من شدة الأَسى والحزن، والمُوَرَّد: ذو اللون الأحمر، ويعني به خدَّ حبيبه، وهو مأخوذ من الورْس، وهو نباتٌ في اليمن لونُه أصفر.
٥٦  المطر.
٥٧  الرَّزِين المتكامل.
٥٨  متَّقِد.
٥٩  نقطةٌ سوداء في الخدِّ الجميل.
٦٠  الحزن الذي يُثِيره الهجر.
٦١  الكَحَل: سوادٌ طبيعي يَزِين العينَ كالكُحْل.
٦٢  خمر.
٦٣  ما يستعمل للكُحْل، وهو المعروف بالْمِرْوَد.
٦٤  قطعت.
٦٥  شغاف القلب: غِلافُه.
٦٦  العقول.
٦٧  يُذِيق.
٦٨  القُدْرة.
٦٩  ملوم.
٧٠  يعني ابتداءَها اللَّفْظي الذي هو: ألف، لام، ميم، راء يعني «الْمُرَّ».
٧١  بدؤها اللَّفْظي الذي هو: ألف، لام، ميم، صاد؛ أي «الْمَصَّ».
٧٢  هو عبد الله بن قيس بن جَعْدة بن كعب بن ربيعة، شاعرٌ جاهليٌّ أدْرَك النبي وأنشده:
ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ له
بوادِرُ تَحْمِي صفْوَه أن يُكدَّرا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكنْ له
حليمٌ إذا ما أصْدَرَ الأمرَ أَوْرَدَا
فقال له النبيُّ: «لا يَفْضُضِ اللهُ فاك.» وقد عُمِّر حتى أدْرَك الأخطلَ، وتنازعا الشِّعرَ، ومات وهو ابن ١٢٠ سنة.
٧٣  حباب الماء — بفتح الحاء: نُفَّاخاته التي تعلوه، وكذلك في الخمر.
٧٤  يقصد بموسى الذي أبطَلَ السِّحرَ موسى الرسول، عليه السلام، وحكايته مع سَحَرة فرعون معروفة في القرآن الكريم، ويقصد بموسى الأخير محبوبَه الذي يتغزَّل فيه.
٧٥  بدا.
٧٦  المطر الضعيف.
٧٧  جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض.
٧٨  واضح الذفر؛ أي: الريحة الزكية.
٧٩  حمائل السيف.
٨٠  الخَطْب: سبب الأمر.
٨١  هي مدينة إِشْبِيلِيَة، وقد كانتْ تُسمَّى بحمص.
٨٢  تصغير سَحَر، وهو ما قُبَيْل الصبح من الوقت.
٨٣  أخلاط حلوة الرائحة أو الزعفران.
٨٤  تمتع به.
٨٥  سنا الشمس: ضياؤها، والمنجد مَن اعتلا نَجْدًا؛ أي مرتفعًا من الأرض، والمُغِير مَن هبط غورًا؛ أي منخفضًا منها، ويقصد أنك في بُعْدك هذا ماثلٌ أمامي أيضًا؛ لأنَّك كالشمس لا تحتجب عن المعتلي نجدًا أو النازل غَوْرًا.
٨٦  أرْخَتْ.
٨٧  الحُرْقة وشدة الوَجْد.
٨٨  إشارة إلى قصة السَّحَرة مع كليم الله موسى، عليه السلام، إذْ ألْقَوْا حبالَهم وعِصِيَّهم وقالوا: بعِزَّة فرعون إنا لغالبون، فأَلْقَى موسى عصاهُ، فإذا هي تَلْقَفُ ما يأفِكون!
٨٩  من كرَّر الشيء إذا أعاده.
٩٠  عجز.
٩١  غيَّر بتشديد الياء.
٩٢  المشرفي: سيفٌ يُنسَب إلى مشارف، وهي قُرًى من أرض العرب، وسيفٌ ذَكَر أي ذو ماء، وهو الحديد المصنوع الذي يُعرَف عند العامة بالمسقِيِّ.
٩٣  أتاحتْ.
٩٤  جمع تُرَّهة، فارسي معرب، استُعيرتْ للباطل.
٩٥  القهوة والعَقَار هما الخمر.
٩٦  ضيائها.
٩٧  قائدٌ عسكريٌّ ووزيرٌ موصوفٌ بالكرم، ورِقَّة الشمائل، والعَطْف على الأدب والأدباء، واختَصَّ بالقِسْط الأَوْفر من ذلك شاعرنا حتى فاز منه بالمِدْحة التي تراها مع أنَّ ابن سهْل غير مدَّاح، كما اختَصَّه بمرثيةٍ بديعةٍ ستمرُّ بك، إنْ شاء الله.
٩٨  الديمة: سحابة فيها ماء.
٩٩  البِدَر: جمع بِدْرة، وهي عشرة آلاف درهم، والسِّرار الاختفاء، ويُريد أنَّ مالَه كثيرٌ يُذْهِبه الكرم.
١٠٠  ذباب السيف نهايته العليا.
١٠١  هكذا وُجدتْ في جميع المصادر التي راجعناها.
١٠٢  السحاب يعترض في الأفق.
١٠٣  نبتٌ طيب الرِّيح حواليه ورقٌ أبيض، ووسطه أصفر، وهو المعروف في علم النبات بالبابونج.
١٠٤  الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن.
١٠٥  اللون الضارب إلى السواد يكون في الشَّفة فيكسوها حلاوةً وجمالًا.
١٠٦  جمع خُلْسة، وهي الفُرْصة.
١٠٧  الزارع، ويَعنِي نفسَه؛ لأنَّه يقول إنِّ نظرتَه يَحْمَرُّ منها خدُّ حبيبه حتى يُشْبِه الوردةَ، فهو إذن الزارعُ لهذا الوردِ، فلماذا لا يقتطف منه؟!
١٠٨  بكسر النون وفتحها، يعني مريضًا.
١٠٩  الرمق: بقية الرُّوح.
١١٠  جمع صفاة: وهي الصخرة الملساء.
١١١  صفة تُقال للأسد، ذي اللون الذي بين الكُمَيْت والأشقر، وتُقال كذلك للفَرَس.
١١٢  يُريد أن يجعلَ قلبَه غنيمةَ حربٍ بين قلبه وعيون حبيبه، فيَجمُل أنْ يكون الوصلُ مكانَ الزَّكاة الوارِدة في آيةِ الغنيمة.
١١٣  يعني بالهند سُيوفَ النَّواظِر، وبالحبش: خالَ الخدِّ.
١١٤  ثغر.
١١٥  ضاحِك.
١١٦  قطعتَ.
١١٧  إشارة إلى ما في علم النحو من أنَّ الجزمَ خاصٌّ بالأفعال، والخفضَ خاصٌّ بالأسماء، ولن يَجْتَمِعَا قطُّ.
١١٨  الغصن الناعم الذي أتمَّ سنة.
١١٩  الشجاع المتستِّر بالدِّرْع.
١٢٠  سقوط نجم في المغرب، وطُلوع رَقِيبِه من المشرق، وكانتِ العرب تَنسُب الأمطارَ والرياحَ، والبردَ والحرَّ إلى الطالِع منها.
١٢١  يعني نبيَّ الله موسى، عليه السلام، ومحبوبه سَمِيُّ هذا النبي الكريم الذي سُمِّيَ كَلِيمًا لأنَّ الله كلَّمه قال تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.
١٢٢  غير رشاد.
١٢٣  اليافِع: الطفل الناشئ، والكَهْل الرجل الذي جاوَزَ الثلاثين وخطَّه الشيب.
١٢٤  مدينة النبي .
١٢٥  العيس: الجِمال، والوخد إسراعُها في المشي.
١٢٦  ذات اللون الأصفر، وهي صفة لأزهار.
١٢٧  ما ارتفع من الأرض.
١٢٨  وَدٌّ — بفتح الواو وضمِّها: اسم صنمٍ كان يُعبَد، وكذلك «سُواع»، وقد جاءَ ذكرُهما في القرآن الكريم في سورة «نوح» عليه السلام.
١٢٩  حالي أو حزني.
١٣٠  أحد ملوك مصر، وقد بعث الله إليه موسى بالمعجزات المرهصات، فتولَّى، وقال: أنا ربكم الأعلى، فسلَّط الله عليه وعلى قومِه الطوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ، فكان يَسْتَجِير بموسى، فيدعو الله له فيرفع عنه العذاب، فلا يلبثُ أن يعود لكُفْره.
١٣١  لَمَّا كان معشوقُه سَمِيَّ موسى، عليه السلام، أشار إلى المعجزات التي أتى بها هذا النبي الكريم، ومنها أنَّه أبْطَل السحرَ بسِحْرِه، وكان يَرْمِي عصاه فتَصِير حيةً تَسْعى، وانفلق له البحر فنَجَا وغرقَ أعداؤه.
١٣٢  سالَ وقَطَر.
١٣٣  الكرى: النوم، وعفا: بادَ وذهب.
١٣٤  حان.
١٣٥  لم يَبْقَ منه إلَّا القليل.
١٣٦  خضعتُ.
١٣٧  الظبي الأبيض النقي البياض.
١٣٨  التوبة أو الحيلة.
١٣٩  اسم كان يُعرف به عشيقه.
١٤٠  يعني سورة «الأعلى» وآخِرُها: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.
١٤١  التنزيل أي القرآن الكريم، وقيل الذي وفَّى يعني قول الله: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى.
١٤٢  الشنب دقَّة الأسنان وتراصُّها، والفَلَج كِبَرُها مع فوارقَ بينها، والكَلَف شيءٌ يُصِيب الوَجْهَ كالسمسم.
١٤٣  التنوين نونٌ ساكنةٌ تلحق آخِرَ الاسم، وتُفارِقه حين الوَقْف.
١٤٤  أحدثتْ به خُدُوشًا.
١٤٥  الحلبة: خيل تُجمع من كل ناحية للسباق.
١٤٦  يريد هنا أيضًا الإشارة إلى معجزات موسى، عليه السلام: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، الطُّور هو الجبل.
١٤٧  طين حر مخلوط بالماء.
١٤٨  بخيل.
١٤٩  يظمى أي يعطش، ويضحى أي يبرز للشمس فتنال منه.
١٥٠  المنية.
١٥١  جمع بَلْبال — بفتح الباء — وهو الهم ووسواس الصدر.
١٥٢  الفتيلة.
١٥٣  يعني: بدل الغَلَط.
١٥٤  حمائل السيف.
١٥٥  أتطلَّع إليه ببصري أنتظره.
١٥٦  إشارة إلى ما جاء به كلمة الله عيسى، عليه السلام، من معجزة إحياء الميت.
١٥٧  نفس عصام تُضرَب مَثلًا لِمَن سوَّده الاكتساب. وعصامٌ هذا هو الباهِلي الذي يقول فيه النابغة:
نفسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصامًا
وعلَّمَتْه الكَرَّ والإقْدامَا
وجَعَلَتْه مَلِكًا هُماما
ولقد كان حاجِبًا للنُّعْمان بن الْمُنذِر.
١٥٨  يُشير إلى قول الله، تعالى، حكايةً عن موسى، عليه السلام: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ.
١٥٩  المسمَّى باسمه، وهو حبيبه موسى.
١٦٠  الغلالة: شعار يُلبَس تحت الثوب وتحت الدِّرع أيضًا، والأرجوان حجر له نُورٌ أحمر حَسَن جدًّا.
١٦١  سيفان.
١٦٢  الظهير: هو المُعِين، لعلَّه، وقصد به هنا «الضامن».
١٦٣  أَخِفْ.
١٦٤  القطيع أو الجماعة.
١٦٥  يسيرًا.
١٦٦  الغبار والدخان.
١٦٧  خمرًا.
١٦٨  دعني أو اتركني.
١٦٩  من أَلْوَى بحقِّه أي ذهب به.
١٧٠  يُقال: دَخَنَتِ النار إذا فسَدَتْ بإلْقاء الحطب عليها حتى يَهِيج دخانُها وهو هنا يقول له: أَفْسِد نارَ الحربِ وصِلْنِي.
١٧١  الرجل المُتَّهَم أو المشكوك فيه.
١٧٢  ما يشتَهِي هو الخير، وما لا يشتهي هو الشر، وهو يريد أن يقول: إنَّ صبْرِي على الخيرِ يتأخَّر عنِّي أهْوَنُ مِن صبري على مصيبةٍ تَنزِل بي.
١٧٣  ثم: بفتح الثاء؛ أي هناك، والخُطُوب: المصائب.
١٧٤  جمع بَلْبال، بفتح الباء، وهو الهمُّ ووسواس الصدْر.
١٧٥  العُطْل: عدم التحلِّي بالمجوهرات وما إليها.
١٧٦  الوجه.
١٧٧  العين.
١٧٨  القلب.
١٧٩  الجسم.
١٨٠  غصَّتْ.
١٨١  أجهَزَ عليه: أسرَعَ في قتْلِه وتمَّمَه.
١٨٢  في علم النحو أنَّ الحرفَ مبنيٌّ، لن يُعرَب.
١٨٣  الرند: شجر طيب الرائحة من شجر البادية، أو هو العود، وهو هنا أوفق لنسبةِ جيِّد العود إلى الحجاز.
١٨٤  نار القِرى: نارٌ كان يُشِبُّها كِرامُ العرب ليَهْتَدِيَ بها الضيوف إلى مكان الأمن والإكرام.
١٨٥  جمع بند، وهو العلم الكبير.
١٨٦  لعًا: كلمة تُقال للعاثر يُراد منها الدُّعاء له بأن يَنتَعِش.
١٨٧  الشعر النابت في صفحتي الوجه.
١٨٨  البهار والعرار شيء واحد وهو نبتٌ طيبُ الريح يُقال له: عين البقر، ينبت أيام الربيع، وهو جعْدٌ تتوسَّطه بقعة صفراء.
١٨٩  جمع خال.
١٩٠  الخمر.
١٩١  راية عرابة: مَثَل يُضرَب للشُّهْرة، كما يُقال: عَلَم في رأسه نار.
١٩٢  الفُواق — بضم الفاء وفتحها — أي الرَّاحة، والنوازل جمع نازلة، وهي المُصيبة.
١٩٣  قرنك هو الذي يَعدِلك ويُساويك، ومُصاوله: النازل معه في قِتال.
١٩٤  تَهِن وتَضعُف.
١٩٥  شفرة كلِّ شيء حرْفُه، والعَضْب: السيف.
١٩٦  صارَ ظريفًا حديدَ الفؤاد.
١٩٧  جمع شَباة — بفتح الشين — وهي حدُّ الطرف.
١٩٨  ترتيب مُشَوَّش، وهو يريد إذا جادَ شَابَهَ النيلَ في فيضانِه، وإذا بدا تساوَى والبدرَ في لَمَعانِه.
١٩٩  تباين: اختلف، وزج الرمح الحديدة التي في أسفله، وعامله ما يلي السنان.
٢٠٠  دِين فريقٍ من اليهود.
٢٠١  عصا سيِّدنا موسى، عليه السلام، حيث كانتْ تُرْمَى بيَدِه فتَصِير حيةً تَسْعى، وحيث ضربَ بها البحرَ، فانفرَقَ، فكان كلُّ فرقٍ كالطَّوْدِ العظيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠