محاسن المُخاطبات

حكَوا عن ابن القرِّيَّة أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه، فقال: مَنْ هؤلاء الفِتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولدُ أمير المؤمنين، قال: بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، وبارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك، قال: فشحَنَ فاه دُرًّا. قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العبَّاس وقد أمَرَ له بجوهرٍ نفيس: وصلَك اللهُ يا أمير المؤمنين وبرَّك، فوالله لئن أرَدْنا شُكرك على إنعامك ليَقصُرنَّ شُكرُنا عن نِعمتك كما قصَر الله بنا عن منزلتك. قيل: ودخل إسحاق بن إبراهيم المَوصلي على الرَّشيد، فقال: ما لك؟ قال:

سَوامِي سوامُ المُكثرينَ تجمُّلًا
ومالي كما قد تعَلمينَ قليلُ
وآمرةٍ بالبُخلِ قلتُ لها: اقصِرِي
فذلك شيءٌ ما إليه سَبيلُ
وكيفَ أخافُ الفَقْرَ أو أُحرَمُ الغِنَى
ورأيُ أمير المؤمنينَ جَميلُ
أرى الناس خُلَّان الجَوادِ ولا أرى
بخيلًا له في العالمينَ خليلُ

فقال الرشيد: هذا والله الشِّعر الذي صحَّتْ مَعانيه، وقوِيَت أركانه ومَبانيه، ولذَّ على أفواه القائلين وأسماع السامعين. يا غلام، احمِل إليه خمسين ألف دِرهم، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، كيف أقبَلُ صِلتَك وقد مدحتَ شِعري بأكثَرَ مِمَّا مدحتُك به؟ قال الأصمعي: فعلمتُ أنه أصيَدُ للدَّراهم منِّي. قال: ودخل المأمون ذات يومٍ الديوان، فنظر إلى غُلام جميل على أذُنه قَلَم. فقال: مَنْ أنت؟ قال: أنا الناشئ في دَولتِك المتقلِّب في نِعمتك المؤمِّل لخِدمتك: الحسَنُ بنُ رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تتفاضَلُ العقول، يُرفَع عن مرتبة الدِّيوان إلى مَراتِبِ الخاصَّة، ويُعطى مائة ألف دِرهم تقوية له. قال: ووَصَفَ يحيى بن خالد، الفَضْل بن سهل — وهو غلامٌ على المجوسية — للرشيد، وذكر أدبَه وحُسن مَعرفته، فعمل على ضمِّه إلى المأمون، فقال ليحيى يومًا: أدخل إليَّ هذا الغُلام المجوسي حتى أنظُر إليه فأصِله. فلمَّا مَثَل بين يديه ووقفَ تحيَّر، فأراد الكلام فارتجَّ عليه فأدركتْهُ كبوة، فنظر الرَّشيد إلى يحيى نظرةً مُنكَرة لما كان تقدَّم من تَقريظه إيَّاه، فانبعَثَ الفضل بن سهل فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ من أبيَنِ الدلائل على فَراهةِ المَملوك شِدَّةُ إفراطِ هَيبتِهِ لسَيِّده، فقال له الرشيد: أحسنتَ والله، لئن كان سُكوتك لتقول هذا إنه لحَسَن، ولئن كان شيءٌ أدركَكَ عند انقِطاعِكَ إنَّهُ لأحسَنُ وأحْسَن، ثمَّ جعل لا يَسأل عن شيءٍ إلَّا رآه فيه مُقدَّمًا، فضمَّه إلى المأمون. قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجةً لبعض أهل بيوتاتِ دَهاقين سمرقند، وكان وَعَدَه تَعجيل إنفاذِه فتأخَّر ذلك: هَبْ لوَعدِك مُذكِّرًا من نفسك، وهنِّئ سائلَكَ حلاوةَ نِعمتك، واجعلْ مَيلك إلى ذلك في الكرَم حَثًّا على اصطِفاء شُكر الطالبين؛ تَشهد لك القلوب بحقائق الكرم والألسُن بنهاية الجود، فقال: قد جعلتُ إليك إجابةَ سؤالي عنِّي بما ترى فيهم، وآخُذُك في التقصير فيما يلزَمُ لهم من غير استِئمارٍ أو مُعاودة في إخراج الصكاك من أحضر الأموال مُتناولًا، قال: إذًا لا تُجْدِي مَعرفتي بما يجِبُ لأمير المؤمنين الهناء به بما يديم له منهم حُسْن الثناء، ويستمدُّ بدعائهم طول البقاء. وقال الفضلُ بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين، اجعل نِعمتك صائنةً لوُجوه خدَمِك عن إراقة مائها في غضاضة السؤال، فقال: والله لا كان ذلك إلَّا كذلك. قال: ودخل العتابيُّ على المأمون، فقال: خُبِّرتُ بوفاتك فغمَّتني، ثمَّ جاءتني وفادَتُك فسرَّتني. فقال: يا أمير المؤمنين، كيف أمدحُك أم بماذا أصِفُك ولا دِين إلَّا بِك ولا دُنيا إلَّا معك؟ قال: سَلْني ما بدا لك، قال: يَداك بالعَطيَّة أطلَقُ من لساني بالمسألة. قال: وقدِمَ السَّعديُّ أبو وَجزة على المهلَّب بن أبي صُفرة، فقال: أصلَحَ الله الأمير، إني قد قطعتُ إليك الدَّهناء وضربتُ إليك آباط الإبل من يَثرِب، قال: فهل أتَيْتَنا بوَسيلةٍ أو عِشرةٍ أو قرابة، قال: لا، ولكنِّي رأيتُك لِحاجَتي أهلًا، فإن قُمتَ بها فأهلُ ذلك، وإنْ يَحُلْ دُونها حائلٌ لم أَذْمُمْ يومَك ولم أيأَسْ من غدِك، فقال المهلَّب: يُعطى ما في بيتِ المال، فوُجِدَ مائة ألفِ دِرهمٍ فدُفِعَت إليه، فأخذَها وقال:

يا مَن على الجودِ صاغ الله راحَتهُ
فليس يُحسنُ غير البَذْلِ والجُودِ
عمَّتْ عطاياكَ مَنْ بالشرقِ قاطِبةً
فأنتَ والجودُ مَنحوتانِ من عُودِ

وقد يجِب على العاقل الراغِب في الأدب أن يحفظ هذه المُخاطَبات ويُدْمن قراءتها، وقد قال الأصمعي:

أمَا لو أعي كلَّ ما أسمعُ
وأحفَظُ مِن ذاكَ ما أجمَعُ
ولم أستَفِدْ غيرَ ما قد جَمَعْتُ
لقِيلَ أنا العالمُ المُقْنِعُ
ولكنَّ نفسي إلى كلِّ شيءٍ
من العِلم تسمعُهُ تَنْزِعُ
فلا أنا أحفَظُ ما قد جَمعتُ
ولا أنا مِن جَمعه أَشبَعُ
وأَقعُدُ للجَهْلِ في مجْلِسٍ
وعِلمِي في الكُتبِ مُستَوْدعُ
ومَنْ يَكُ في عِلمهِ هَكذا
يكنْ دَهرَهُ القَهقرَى يرجِعُ
يَضيعُ مِنَ المالِ ما قد جَمَعْتُ
وعلمكَ في الكتُبِ مُستَودَعُ
إذا لم تكُن حافِظًا واعيًا
فجَمْعُكَ للكُتْبِ ما يَنفَعُ

وقال بعضهم: الحفظُ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعَد، وتغيير الطبائع زمنَ رُطوبة الغُصن أقبل، وفيها قال الشاعر:

أتاني هَوَاها قَبلَ أنْ أَعرِفَ الهَوَى
فصادَفَ قَلبًا خاليًا فتَمَكَّنا

وقيل: العلم في الصِّغَر كالنَّقش على الحجر، والعلم في الكبر كالعلامة على المدر، فسمع ذلك الأحنفُ فقال: الكبيرُ أكثرُ عقلًا ولكنه أكثر شُغلًا كما قال:

وإنَّ مَنْ أدَّبْتَه في الصِّبَا
كالعُودِ يُسقَى الماءَ في غَرْسِه
حتى تَرَاهُ مُورِقًا ناضِرًا
بَعدَ الذي أَبصَرْتَ مِن يُبْسهِ

والصبيُّ عن الصَّبِيِّ أفهَمُ وهوَ له آلَفُ، وإليه أنزَعُ. وكذلك العالِمُ عن العالم والجاهِل عن الجاهِل. وقال الله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا؛ لأن الإنسانَ عن الإنسان أفهم، وطِباعه بطِباعه آنَس.

ضده

قال: دخل أبو علقمة النَّحوي على أعْيَن الطبيب، فقال: إنِّي أكلتُ من لحْم الجوازئ، وطسِئْتُ طسْأةً فأصابني وَجَع بين الوابِلة إلى دأْيَةِ العُنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشَّراسيف، فهل عندك دواء؟ قال: نعم، خُذْ خَوفقًا وسَرْبقًا ورقرقًا فاغْسِله واشربْهُ بماء. فقال: لا أدري ما تقول. قال: ولا أنا دَرَيتُ ما قُلت. قال: وقال يومًا آخر: إنِّي أجد مَعمعَةً في قلبي وقرَّة في صدري، فقال له: أمَّا المعمعة فلا أعرِفها، وأمَّا القَرقَرة فهي ضُراط غير نضيج. قال: وأتى رجلٌ الهيثم بن العُريان بِغريمٍ له قد مَطَلَه حقَّه. فقال: أصلَحَ الله الأمير، إنَّ لي على هذا حقًّا قد غَلَبني عليه، فقال له الآخر: أصلحك الله، إنَّ هذا باعَني عَنْجدًا واستنسَأْتُه حَولًا وشرطتُ عليه أنْ أُعطِيَه مُياوَمةً فهو لا يَلقاني في لقمٍ إلا اقتضاني ذهبًا. فقال له الهيثم: أمِنْ بني أمية أنت؟ قال: لا. قال: أفمِن بني هاشمٍ أنت؟ قال: لا. قال: أفمِن أكفائهم من العرب؟ قال: لا. قال: وَيلي عليك انزِعوا ثَيابه. فلمَّا أرادوا أن ينزِعوا ثِيابه، قال: أصلحَكَ الله إن إزاري مُرعبل، قال: دَعوه فلو تَرَكَ الغريب في مَوضعٍ لترَكَه في هذا الموضع. قال: ومرَّ أبو علقمة ببعض الطرُق فهاجتْ به مرَّة فوثَبَ عليه قوم، فجعلوا يَعصِرون إبهامه، ثمَّ يؤَذِّنون في أذنه، فأفلتَ من أيديهم، فقال: ما لكم تتكأكئونَ عليَّ تكأكؤكُم على ذي جِنَّةٍ افرنْقِعوا عنِّي. فقال رجل منهم: دَعوه، فإن شَيطانه يتكلَّم بالهِنديَّة. قال: وقال لحجام يحجمُه: اشدُدْ قصبَ المَلازِم، وأرهِفْ ظبَّةَ المشارط، وخفِّفِ الوَضْع، وعَجِّل النَّزْع، وليكُنْ شَرْطُك وَخْزًا ومَصُّكَ نَهزًا، ولا تُكرِهَنَّ أبيًّا ولا تَرُدَّنَّ أتيًّا، فوضَع الحجَّام مَحاجِمَه في جَونتِهِ وانصرف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠